← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣٢ الوزير عبيد الله بن سليمان يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا، ذكره هو، وقد غاب «١» عنّي اسمه «٢» ، قال: حدّثني أبو عبد الله بن أبي عوف «٣» ، قال: استتر عندي، عبيد الله بن سليمان «٤» ، فدخلت إليه يوما، في حجرة كنت أفردتها له من داري، فقام إليّ، فقلت له ممازحا كما جرى على لساني: يا سيّدي اخبأ لي هذا، إلى وقت انتفع به فيه. قال: فلمّا كان بعد مدّة، انتقل من عندي، فما مضت الأيّام حتى ولي الوزارة. فقال لي أهلي: لو قصدته، وكانت حالي إذ ذاك صغيرة. فقلت لهم: لا أفعل، أنا في ستر، وقصدي له الآن كأنّه اقتضاء

стр. 107

لثمن معروف أسديته إليه، وما أرضى لنفسي بهذا، ولو كان لي عنده [٢٥ ط] خير لابتدأني به، فبتّ ليلتي تلك مفكرا، وكان هذا يوم الخلع. فلما كان في السّحر جاءني فرانقه «١» برقعة بخطّه، يعاتبني على تأخّري عنه، ويستدعيني. فصرت إليه، فإذا هو جالس، والخلق عنده، فلما صرت مع دسته، قام إليّ قياما تاما، وعانقني، وقال لي في أذني: هذا وقت تنتفع فيه بقيامي لك، وجلس، وأجلسني معه على طرف الدست، فقبّلت يده، وهنّأته ودعوت له. ومضت ساعة، فإذا قد استدعاه المعتضد «٢» ، فقام، وأمرني أن لا أبرح. فجلست، وامتدّت العيون إليّ، وخوطبت في الوقت، بأجلّ خطاب، وعظّمت. ثم عاد عبيد الله ضاحكا، وأخذ بيدي إلى دار الخلوة، فقال: ويحك إنّ الخليفة [الساعة] «٣» استدعاني بسببك، وذلك انّه كوتب بخبر قيامي لك في مجلس الوزارة، فلمّا استدعاني الآن بدأ لينكر عليّ وقال: تبتذل مجلس الوزارة بالقيام لتاجر؟ ولو كان هذا لصاحب طرف كان محظورا «٤» ، أو وليّ عهد كان كثيرا، وأخذ يتحاور في ذلك «٥» . فقلت: يا أمير المؤمنين، لم يذهب عنّي حقّ المجلس، وتوفية الرتبة

стр. 108

حقّها، ولكنّ لي عذرا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسمعه، ثم ينفذ حكمه فيّ، وأخبرته بخبري معك وقت استتاري عندك، فقال: أمّا الآن، فقد عذرتك، فلا تعاود، فانصرفت. ثم قال لي عبيد الله: يا أبا عبد الله إنّي قد شهرتك شهرة، إن لم تكن معك مائة ألف دينار [٢٩ ب] معدّة للنكبة، هلكت، فيجب أن نحصّلها لك لهذه الحال فقط، ثم نحصّل لك نعمة بعدها، تسعك وعقبك. فقلت: أنا عبد الوزير، وخادمه، ومؤمّله. فقال: هاتم «١» فلانا الكاتب، فجاء. فقال: أحضر التجّار الساعة، وتقصّ «٢» عليهم في تسعير مائة ألف كرّ «٣» من غلّات السلطان بالسواد بما يساوي، وعرّفني. فخرج، وعاد بعد ساعة، وقال: قد قرّرت ذلك معهم. فقال له: بع على أبي عبد الله، هذه المائة ألف كر، بنقصان دينار واحد ممّا قرّرت به السعر مع التجّار، وبعه له عليهم بالسعر المقرّر معهم، وطالبهم بأن يعجّلوا له «٤» فضل ما بين السعرين اليوم، وأخّرهم بالثمن إلى أن يتسلّموا الغلّات، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم إيّاها. قال: ففعل ذلك، فقمت عن المجلس، وقد وصل إليّ مائة ألف

стр. 109

دينار في بعض يوم، وما عملت شيئا. ثم قال: اجعل هذه أصلا لنعمتك، ومعدّة للنكبة، ولا يسألنّك أحد من الخلق شيئا إلّا أخذت رقعته، وواقفته على أجرة لك عليها، وخاطبتني. قال: فكنت أعرض عليه في كل يوم ما يصل إليّ فيه ألوف دنانير، وأتوسّط الأمور الكبار، وأداخل في المكاسب الجليلة، حتى بلغت النعمة إلى هذا الحد. وكنت ربما عرضت عليه رقعة، فيقول لي: كم ضمن لك على هذه؟ فأقول: كذا وكذا. فيقول: هذا غلط، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد. فأقول له: إنّي أستحي. فيقول: عرّفهم أنّي لا أقضي لك ذلك إلّا بهذا القدر، وأنّي رسمت لك هذا. قال: فأرجع، فأستزيد ما يقوله، فأزاد.

стр. 110

٣٣ الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل القاضي حدّثني أبي ﵁، قال: سمعت القاضي أبا عمر، يقول: عرض إسماعيل القاضي «١» ، وأنا معه، على [٢٦ ط] عبيد الله بن سليمان، رقاعا في حوائج الناس، فوقّع فيها. فعرض أخرى، وخشي أن يكون قد ثقّل عليه، فقال له: إن جاز أن يتطوّل الوزير أعزّه الله بهذا، فوقّع له. فعرض أخرى، [وقال: إن أمكن الوزير أن يجيب إلى هذا، فوقّع، ثم عرض أخرى] «٢» ، وقال: إن سهل على الوزير أن يفعل ذلك، فوقّع له، فعرض أخرى، وقال شيئا من هذا الجنس. فقال له عبيد الله: يا أبا اسحق، كم تقول إن أمكن؟ وإن جاز؟ وإن سهل؟ من قال لك إنّه يجلس هذا المجلس، ثم يتعذّر عليه فعل شيء على وجه الأرض من الأمور، فقد كذبك، هات رقاعك كلّها، في موضع واحد. قال: فأخرجها إسماعيل من كمّه، وطرحها بحضرته، فوقّع فيها، وكانت مع ما وقّع فيه قبل الكلام نحو ثمانين «٣» رقعة.

стр. 111

٣٤ الوزير ابن مقلة يتبرّم برقاع ذوي الحاجات حدّثني الحسين [٣٠ ب] بن الحسن الواثقيّ، قال: كنت أرى دائما، أبا محمد جعفر بن ورقاء «١» ، يعرض على أبي عليّ ابن مقلة «٢» ، في وزارته، الرقاع الكثيرة، في حوائج الناس، في مجالس حفله وخلوته، فربّما تجاوز ما يعرضه في يوم، مائة رقعة. فعرض عليه يوما، في مجلس خال، شيئا كثيرا، فضجر أبو عليّ، وقال له: إلى كم يا أبا محمد؟ فغضب جعفر، وقال: أيّد الله الوزير، إن كان فيها شيء لي فخرّقه، إنّما أنت الدنيا ونحن طرق إليك، وعلى بابك الأرملة، والضعيف، وابن السبيل، والفقير، ومن لا يصل إليك، فإذا سألونا سألناك، فإن صعب هذا عليك، أمرنا الوزير- أيّده الله- أن لا نعرض عليه شيئا، ونعرّف الناس ثقل حوائجهم عليه، وضعف جاهنا عنده، ليعذرونا. فقال له أبو عليّ: لم أذهب حيث ذهبت يا أبا محمد، وإنّما أردت أن تكون هذه الرقاع الكثيرة في مجلسين، أو مجلس يحضر فيه الكتّاب فيخفّفون عنّي بالتوقيعات فيها، ولو كانت كلّها حوائج تخصّك لقضيتها، وكان سروري بذلك أعظم، هاتها. قال: فأخذها جميعها، ووقّع له فيها بما التمس أرباب الرقاع. فشكره جعفر، وقبّل يده، وانصرف.

стр. 112

٣٥ الوزير علي بن عيسى ورقاع أبي بكر الشافعيّ حدّثني الفضل بن أحمد الحيّاني «١» ، قال: قال لي أبو بكر الشافعيّ «٢» صاحب عليّ بن عيسى: لما أفلتنا من مصادرة المحسّن بن الفرات، بعد ما جرى عليّ من مكروهه، ومصادرته، وإيقاعه بي بسبب صحبتي لعليّ بن عيسى، وأفضى الأمر إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى، أردت الانتفاع بأمور أتكلّم فيها، أخلف بما آخذه منها، بعض ما صودرت عليه، فأخذت رقاعا كثيرة للناس، وكنت أعرضها على أبي الحسن فيوقّع فيها. فعرضت عليه يوما شيئا كثيرا، فضجر مني، فقلت: أيها الوزير، إذا كان حظّنا من أعدائك، في أيّام نكبتك الصفع، ومنك، في أيّام ولايتك، المنع، فمتى- ليت شعري- وقت النفع؟ قال: فضحك، ووقّع لي في جميعها، وما تضجّر من شيء أعرضه عليه بعد ذلك.

стр. 113

٣٦ الوزير علي بن عيسى ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ حدّثني أبو السريّ، عمر بن محمد القارىء «١» ، قال: حدّثني أبو القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى «٢» ، قال: قال لي أبي: عرض عليّ أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ [٢٧ ط] ، في بعض وزاراتي، رقعة التمس فيها محالا، وقبّل يدي، فعملت على إجابته إليه، وتركت الرقعة بحضرتي، أتفكّر كيف أعمل ذلك من غير عتب. وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت. فقبض محمد بن الحسن على يدي، وقال: أنا نفيّ من العبّاس إن تركت الوزير يركب، إلا بعد أن يوقّع لي في رقعتي، أو يقبّل يدي كما قبّلت يده. قال: فوقّعت له قائما [٣١ ب] ، وعجبت من سوء أدبه، وعظم وقاحته.

стр. 114

٣٧ الوزير أبو محمد المهلبيّ ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ ولقد شاهدت «١» أبا بكر محمد بن الحسن، هذا، في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد تقلّبت الأيّام به، وبأهل بيته، بحضرة أبي محمّد المهلّبيّ، وقد كان العيّارون ثاروا ببغداد، وأوقعوا فتنا عظيمة، كان أصلها بنو هاشم، وغلقوا الجامع بالمدينة «٢» فلم تصلّ فيه تلك الجمعة. وكان سبب ذلك، عربدة وقعت بين رجل عباسيّ وبين رجل علويّ، على نبيذ، في خندق طاهر «٣» ، فقتل العلويّ، وثار أهله به، وثارت الفتنة ودخلت العامّة فيها، وعظم الأمر، حتى أجلس الديلم في الأرباع، وكان شيئا هائلا. ولم تسكن الفتنة، فقبض أبو محمد، على أكثر بني العبّاس، الوجوه والمستورين، والعيّارين منهم والذعّار «٤» ، حتى قبض في جملتهم على عدّة قضاة وشهود هاشميّين وصلحاء، وكان ممّن قبض عليه محمد بن الحسن ابن عبد العزيز. وجلس لهم الوزير أبو محمد، يوما، ليناظرهم، وسامهم «٥» أن يسمّوا

стр. 115

له العيّارين منهم، والأحداث، وحملة السكاكين، ليقبض عليهم، ويفرج عن الباقين، وأن يكفّل منه أهل الصلاح، لأهل الطلاح، ويأخذون على أيديهم، لتطفأ نائرة «١» الفتنة. وكان القاضي أبو الحسن، محمد بن صالح الهاشميّ، حاضرا، فأخذ يتكلّم بكلام سديد، في دفع هذا، وترقيق المهلّبيّ، ويرفق به. فاعترض ابن عبد العزيز الخطاب، وتكلّم بكلام فيه حراشة «٢» وجفاء وخشونة. فسمعت أبا محمد يقول له: يا ماصّ كذا وكذا، ما تدع جهلك، والخيوط «٣» التي في رأسك، كأنّي لا أعرفك قديما وحديثا، وأعرف حمقك، وحمق أبيك، وتشنيعك لمجالس الوزراء، وشهوتك أن تقول: قال الوزير، فقلت له، وما تظن إلا أنّ المقتدر على السرير، وأنا أحد وزرائه، ولا تعلم أنّ صاحب السرير اليوم، هو الأمير معزّ الدولة الديلميّ، يرى أنّ في سفك دمك قربة إلى الله تعالى، وأنّ وزنك عنده كوزن الكلب، يا غلمان جرّوا برجله. فجرّت رجله ونحن حاضرون، فرأيت قلنسوة كانت على رأسه، وقد سقطت. ثم قال: طبّقوا عليه زورقا، وانفوه إلى عمان، فأجلس في الزورق، وحدر. فقبّلت الجماعة يده، وراسله الخليفة المطيع لله في أمره، ولم تزل

стр. 116

المراسلات، إلى أن عفا عنه، وألزمه بيته، وأخذ خطّ أهله بجميع ما كانوا امتنعوا منه، ممّا سامهم إيّاه، وتلقّط خلقا من أحداث الهاشميّين، وغيرهم من العامّة، وأهل الذعارة والعصبيّة، فجعلهم في زواريق، وطبّقها عليهم، وسمّرها، وأنفذها إلى بصنّى «١» وبيروذ «٢» ، فحبسهم في حبوس ضيّقة هناك، ودور تجري مجرى القلاع، فكانوا فيها [٣٢ ب] إلى أن مات أبو محمّد، ومات منهم خلق في الحبس، ثم أطلق [٢٨ ط] بقيّتهم، على قلّتها، بعد موته بسنين، وزالت الفتنة إلى الآن.

стр. 117

٣٨ لو سلم من العشق أحد لسلم منه أبو خازم القاضي حدّثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمديّ «١» ، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر جيّد حسن، واتّساع تام في الأدب، رواية «٢» له وحفظ، وكتب مصنّفة فيه، قال: حدّثني أبو إسحاق الزجّاج، قال: كنّا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله «٣» [يشرب] «٤» ، وهو وزير، فغنّت [بدعة] «٥» جارية [عريب] «٦» . أدلّ فأكرم به من مدلّ ... ومن ظالم لدمي مستحلّ إذا ما تعزّز قابلته ... بذلّ وذلك جهد المقلّ فأدّت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طربا شديدا، واستحسن الصنعة والشعر، وأفرط في وصف الشعر. فقالت بدعة: يا مولاي، إنّ لهذا الشعر خبرا أحسن منه.

стр. 118

قال: ما هو؟ قالت: هو لأبي خازم القاضي «١» . قال: فعجبنا من ذلك، مع شدّة تقشّف أبي خازم، وبغضه «٢» ، وورعه، وتقبّضه. فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق، بكّر إلى أبي خازم، وسله عن هذا الشعر وسببه. فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلّا رجل بزيّ القضاة عليه قلنسوة، فقلت له: شيء أقوله على خلوة. فقال: قل، فليس هذا ممّن أكتم. فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب. فتبسّم، وقال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ إلى القاضي الجالس، فإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة، ولقلبي مالكة، أمّا الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين، وما عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى. قام: فوجم الفتى، وخجل، حتى ارفضّ عرقا. وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، [وقال: لو سلم من العشق أحد، لكان أبو خازم مع بغضه] «٣» . وكنّا نتعاود ذلك زمانا.

стр. 119

٣٩ علويّ يفتخر بنفسه أنشدني أبو إسحاق «١» ، إبراهيم بن عليّ النصيبينيّ المتكلّم، وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء «٢» وغيرهما، قالوا: أنشدنا أبو عبد الله ابن الأبيض العلويّ بالشام، لنفسه: وأنا ابن معتلج البطاح تضمّني ... كالدرّ في أصداف بحر زاخر ينشقّ عنّي ركنها وحطيمها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهن مجاوري «٣» [وذكر أبو الحسن السلامي «٤» : إنّ أبا الحسن الرامي مرّ على عليّ بن خلف القطّان البغداديّ، وأنشده هذه الأبيات لنفسه] «٥» .

стр. 120

٤٠ ابن قناش الجوهري يصف دجلة أنشدني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله الطائيّ البغداديّ، المعروف بابن قناش الجوهريّ لنفسه: أنا ظام فاسقنيها ... إنّني حلف اختيال ما ترى دجلة كالس ... احب أذيال الدلال وهي تزهى بقصور ... عن يمين وشمال [٢٩ ط] وبماء قد حكى المدّ ... به ظهر غزال [٣٣ ب] ٤١ في هجاء مغن طنبوري [ص ٣٤] أنشدني أبو الحسن، محمد بن عبد الواحد، في ابن طرخان «١» المغنّي الطنبوريّ، لنفسه، وله اتّساع في الأدب تام: قل لابن طرخان «٢» أما تستحي ... تقرن تطفيلك بالباس يا أخرج الناس من إيقاعه ... وأدخل الناس إلى الناس وقال: يا من يصيح بحلق ما له طبقه ... ولا يوافق زيرا لان أو خرقه فارقت بينك والإيقاع في قرن ... فأنت أطفل من كلب على مرقه فإن دعيت ففي الأحيان عن غلط ... وإن حظيت بشيء فهو من صدقه

стр. 121

٤٢ للكاتب بشر بن هارون في هجاء أحد خلفاء القضاة ببغداد أنشدني أبو نصر بشر بن هارون، الكاتب النصرانيّ البغداديّ «١» ، لنفسه، في أبي رفاعة بن كامل، أحد خلفاء القضاة ببغداد، على بعض سوادها: قضى شعري على القاضي بحكم ... أجاب إليه مصفوعا مذالا ولو لم يستجب لنتفت منه ... سبالا إن وجدت له سبالا ونتف سباله شيء محال ... لأنّ الحلق صيّره محالا

стр. 122

٤٣ بشر بن هارون الكاتب يشكو من رئيسين صرف أحدهما بالآخر وأنشدني «١» لنفسه في شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في رئيسين صرف أحدهما بالآخر، [وإنّما كتبتهما إذ ذاك، لأنهما كانا حينئذ قدّروهما في أبي الفضل الشيرازيّ «٢» لمّا صرف عن الوزارة بأبي الفرج بن فسانجس] «٣» : مضى من كان يعطينا قليلا ... ووافى من يشحّ على القليل وأحسب أن سيملكنا مكدّ «٤» ... متى اطّرد القياس على الدليل فقل للفاطميّ «٥» لقد تمادت ... أناتك في الحلول وفي الرحيل فحثّ السير علّ الله يهدي ... شفاء منك للبلد العليل

стр. 123

٤٤ أبو نصر البنص في مجلس سيف الدولة، يعلّل سبب تسميته بالبنص أخبرني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش، إنّه كان بحضرة سيف الدولة «١» ، وقد كان من ندمائه، قال: كان يحضر معنا أبو نصر البنص، وكان هذا رجلا من أهل نيسابور، أقام ببغداد قطعة من أيّام المقتدر، وبعدها إلى أيّام الراضي، وكان من أصحابنا في المذهبين، يعني في الفقه مذهب أبي حنيفة، وفي الكلام مذهب أهل العدل والتوحيد «٢» ، وكان مشهورا بالطيبة، والخلاعة، وخفّة الروح، وحسن المحاضرة، مع عفّة وستر، وتقلّد الحكم في عدّة نواح بالشام. فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة، لم لقّبت بالبنص؟ قال: ما هذا لقب، إنّما هو اشتقاق من كنيتي، كما انّنا لو أردنا أن نشتقّ من أبي عليّ مثل هذا، وأومأ إلى ابن البازيار، لقلنا ألبعل، ولو اشتققنا من أبي الحسن مثل هذا، وأومأ إلى سيف الدولة، لقلنا ألبحس. فضحك منه، ولم ينكر عليه.

стр. 124

٤٥ أبو نصر البنص في مجلس أبي بكر بن دريد وخبّرني أبو جعفر، قال: حضرت ببغداد مجلس أبي بكر بن دريد «١» ، وأبو نصر هذا يقرأ عليه قصيدته التي أوّلها [٣٠ ط] : أماطت لثاما عن أقاحي الدمائث ... بمثل أساريع الحقوف العثاعث إلى أن بلغ إلى قوله: إذا أنسوا ضبّا بجانب كدية «٢» ... أحاطوا على حافاتها بالربائث «٣» [٣٤ ب] فقطع القراءة، وقال: يا أبا بكر، أعزّك الله، ما الربائث «٤» ؟ قال ابن دريد: العرب تسمي الحراب العراض الحدائد، ربائث «٥» . فقال له البنص: أخطأت يا أبا بكر أعزّك الله. فعجبنا من جرأته على تخطئة أبي بكر في العلم، وتشوّفنا إلى ما يجري. فقال له أبو بكر، وكان وطيء الخلق: فما هي يا أبا نصر، أعزّك الله؟ قال: جمع ربيثاء «٦» ، هذه [التي تقدّم] «٧» في السكرجات «٨» . وعاد يقرئنا في القصيد، محتدّا، فضحكنا منه.

стр. 125

٤٦ أبو نصر البنص وصاحب الشرطة حدّثني أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر الخراسانيّ، القاضي الفقيه، قال: قال لي أبو نصر البنص هذا: كنت في بعض المدن، وأنا غريب، فنزلت في خان، فكان يختلف إليّ أحداث ورجال، أقرئهم الفقه في غرفتي، وإذا انقضى الدرس، لعبنا ومزحنا. فظنّ أهل الخان، أنّ اجتماعهم عندي، مع ما يسمعونه من المزح، لفساد، فاستعدوا عليّ إلى صاحب الشرطة، وقالوا إنّني قوّاد. فأحضرت، فلما وقفت بين يديه، رأيت على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه قائما، فأنعظت من شهوته، فقال لي الوالي: أنت قوّاد؟ قال: وكنت بلا سراويل، فكشفت عن أيري، وقلت: هذا، أصلحك الله، أير قوّاد؟ فضحك، وقال: لا، وفرّق القوم عني، وأخذني لعشرته، فكنت أختلف إليه، مدّة كوني في البلد، وأعاشره.

стр. 126

٤٧ بين الأمير معزّ الدولة ووزيره أبي جعفر الصيمريّ حدّثني أبو حامد القاضي، قال: كنت قائما بين يدي معزّ الدولة «١» ، فقال لأبي جعفر الصيمريّ «٢» وزيره، بالفارسيّة: يا أبا جعفر، أريد الساعة خمسمائة ألف دينار «٣» ، لمهمّ لا يجوز تأخيره. فقال له الصيمريّ: أيّها الأمير، رد ذلك، فإنّي أيضا أريد مثله. فقال له: فإذا كنت أنت وزيري، فممّن أريد هذا إلّا منك؟ فقال له الصيمريّ: فإذا لم يكن في الدّخل فضل لذلك عن الخرج، فمن أين أجيئك به؟ قال: فحرد عليه معزّ الدولة وقال: الساعة والله أحبسك في الكنيف، حتى تجيء بذلك. فقال: إذا حبستني في الكنيف، خريت لك نقرة «٤» بهذا المال؟ فضحك منه، وأمسك عنه «٥» .

стр. 127

٤٨ المدائني يتماجن على شيخ صوفيّ حدّثني أحمد بن محمد المدائنيّ، قال: وقفت في جامع المدينة ببغداد على حلقة صوفيّة، يتحاورون على الخطرات والهواجس «١» ، ومسائل تشبه الوسواس، لم أفهمها. وخطر لي أن أمجن بهم، فقلت: أيّها الشيخ المصدّر، مسألة. فقال: هات. فقلت: أخبرني إذا كنت شيخا في معناك، حلسا في ذات نفسك، فأصاب يافوخك تقطيع [بعضب خزري] «٢» على سبيل العلم، وكنت تحت الإرادة، هل يضرّ أوصافك شيء، مع تعلّقك بحبل القدرة [٣٥ ب] ، يا بطّال؟ قال: فوقع لمن حوله إنّها مسألة، وأخذوا يتعاطون الجواب. وفطن الشيخ، فخفت أن يأمرهم بي، فانسللت.

стр. 128

٤٩ أبو أحمد الحارثيّ وصوفيّ يترنّم بالرباعيّات حضرني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثيّ، وعندي صوفيّ يترنّم بشيء من [٣١ ط] الرباعيّات، فلم يستطبه أبو أحمد. فقال له على البديهة: يا أخي لا أقطع حديثك إلّا بخير. ٥٠ الشافعي وغلام الهرّاس حدثني الفضل بن أحمد الحيّاني «١» ، قال: قال لي الشافعيّ، صاحب عليّ ابن عيسى «٢» : علق مرّة بلجام مركوبي، غلام هرّاس، بيده غضارة هريسة «٣» ينادي عليها، وشالها «٤» إلى أنفي، وقال: جمع اللوز والغنم، ثم نادى يمينه «٥» . فقلت أعزّك الله، هذا وجهي إلى الوزير، أخبره بهذا الخبر، فإن رأيت أن تطلقني، فعلت.

стр. 129

٥١ أبو محمد الواسطيّ والمغنّية التي يهواها حدّثني أبو أحمد الحارثيّ، قال: كان عندنا بواسط، رجل متخلّف موسر، يقال له: أبو محمد بن أبي أيّوب، وكان يعاشرنا بمغنّية يهواها، وكان من غنائها، صوت أوّله: إنّ الخليط أجدّ منتقله ... ولوشك بين حمّلت إبله وكانت تغني فيه لحنا صعبا حسنا، لا يفهمه أبو محمّد لتخلّفه، فاقترحه يوما عليها، فقال: بالله يا ستي غنّي لي: إنّي خريت فجئت أنتقله فقالت: ويل لي، أنا أغنّي شيء من هذا؟ ففطنت لما يزيد، فقلت لها: إنّه يريد أن تغنّي له: إنّ الخليط أجدّ منتقله فقالت له: قطع [الله] «١» ظهرك، أين ذا من هذا؟ وغنّت الصوت. وكان من غنائها: خليليّ هيّا نصطبح بسواد «٢»

стр. 130

فقال لها يوما: بالله يا ستّي، غنّي: خليليّ هيّا نصطبح بسماد فقالت له: إذا عزمت على هذا، فوحدك «١» . قال: ودخلت إلينا يوما على غفلة، ونحن نصافعه ويصافعنا بالمخادّ، فاستحيا، وسألنا أن ندعه، فتركناه. فلما، جلسنا على الشرب، طلب منها صوتا له عليها «٢» ، وهو: أبيني «٣» سلاحي لا أبا لك إنّني ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا فأعطته مخدّة «٤» .

стр. 131

٥٢ أبو الفرج الببغاء يمدح سيف الدولة أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزوميّ النصيبينيّ الكاتب المعروف بالببغاء «١» ، قصيدة له في سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بني كلاب، وعفوه عنهم: إذا استلّك الجانون أغمدك الحلم ... وإن كفّك الإبقاء أنهضك العزم وهي حقيقة بأن تورد كلّها، ولكنّي اخترت من شعره، ما يصلح للمكاتبة في الحوادث، أو الأمثال، أو معنى لم يسبق إليه، فتركت أكثر محاسن شعره، وحسن نظمه، وبلاغته، وعذوبة كلامه، وأكثر إحسانه، موكولا إلى من ينظر في ديوانه. ومن هذه القصيدة، مثل: ومن لم يؤدّ به لفرط عتوّه ... إذا ما جنى الإنصاف أدّبه الظلم [٣٦ ب] ومنها: إذا العرب لم تجز اصطناع ملوكها ... بشكر تعاوت في سياستها العجم أعدها إلى عادات عفوك محسنا ... كما عوّدتها قبل آباؤك الشمّ فإن ضاق عنها العذر عندك في الذي ... جنته فما ضاق التفضّل والحلم [٣٢ ط]

стр. 132

٥٣ القاضي أبو بكر بن سيار وحساب الأصابع حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار، قال «١» : ضربوا مثلا للإنسان فقالوا: ابن عشر سنين، قد دار في أهله، كما دارت هذه على هذه، وأومأ إلى ابهامه وسبّابته، وعقد عشرا.

стр. 133

وابن عشرين، قد التصب بين أمري الكسب والعيال، كما انتصبت هذه بين هاتين، وعقد بأصابعه عشرين. وابن ثلاثين، قد استوى، كما استوت هذه على هذه، وعقد ثلاثين بأصابعه. وابن أربعين، قد قام كما قامت هذه، وعقد بأصابعه.

стр. 134

وابن خمسين قد انحنى، كما انحنت هذه، وعقد خمسين بأصابعه. وابن ستين، وعقدها بأصابعه، قد انحطّ في عمره وقوّته، كما انحطّت هذه على هذه. وابن سبعين، قد اضطجع، كما اضطجعت هذه على هذه.

стр. 135

وابن ثمانين، وعقدها، قد احتاج إلى ما يتوكّأ عليه، كما توكّأت هذه على هذه. وابن تسعين، قد ضاق عمره وأمعاؤه، كما ضاقت هذه. وابن مائة، قد انتقل عن الدنيا إلى الأخرى، كما انتقل العقد من اليمين إلى الشمال.

стр. 136

٥٤ هنديّ يقتل فيلا بحيلته من غير سلاح وحدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار «١» ، قال: حدّثني شيخ من أهل اليمن، وذكر أنّ اسمه نعمان، وجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر، وأنّه دخل الهند والصين، قال: كنت ببعض بلدان الهند، وقد خرج على ملكها خارجيّ، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب الأمان، فأمّنه، فسار ليدخل، من موضعه، إلى بلد الملك، فلما قرب، أخرج الملك الجيش ليلتقيه، والآلات، وخرجت العامّة، تنتظر دخوله، فخرجت معهم. فلما بعدنا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون طلوع الرجل، وهو راجل، في عدّة الرجال، وعليه ثوب ديباج، ومئزر في وسطه، جريا على زيّ القوم، فتلقّوه بالإكرام، ومشوا به، حتى انتهى إلى أفيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها الفيّالون، وفيها فيل عظيم يختصّه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات. فقال له الفيّال، لمّا قرب منه: تنحّ عن طريق الفيل، فسكت، فأعاد عليه، فسكت. فقال له: يا هذا، احذر على نفسك، وتنحّ عن طريق فيل الملك. فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحّى عن طريقي.

стр. 137

فغضب الفيّال، وأغرى الفيل به، بكلام كلّمه، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجيّ، ولفّ خرطومه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه، وأنا فيهم، ثم خبط به الأرض، فإذا هو قد انتصب على قدميه فوق الأرض، ولم ينحّ يده عن الخرطوم. فزاد غضب الفيل، وشاله أعظم من ذلك، وعدا، ثم رمى به الأرض، فإذا هو قد حصل عليها مستويا على قدميه، منتصبا، قابضا على الخرطوم. قال: فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك، فحصل على الأرض منتصبا، قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأنّ قبضه على الخرطوم تلك المدة، منعه من النفس، فقتله. قال: فوكّل به، وحمل [٣٣ ط] إلى الملك، وحدّث بالصورة، فأمر بقتله. فاجتمع القحاب- بهذا اللفظ- وهم النساء الفواجر، يفعلن ذلك بالهند ظاهرا، عند البدّ، تقربا إليه عندهم، بلا اجتعال «١» ، وهم العدول هناك، يشهدون في الحقوق، ويقمن الشهادة، فيقطع بها حاكمهم. ويشاورن في الأمور، وفي الآراء، وعندهن، إنهن ببذلهنّ نفوسهنّ عند البدّ، بغير اجتعال، قد صرن في حكم الزهّاد، والعبّاد. قال: فقالت القحاب للملك، يجب أن تستبقي مثل هذا، ولا تقتله، فإنّ فيه جمالا للمملكة، ويقال: إنّ للملك خادما، قتل فيلا بقوّته وحيلته، من غير سلاح. فعفا عنه الملك واستبقاه «٢» .

стр. 138

٥٥ ملك الهند يحاور الحكماء من رعيته [حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار، قال: حدثني شيخ من أهل التيز ومكران «١» ، لقيته بعمان، ووجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر] «٢» ، وحدّثني القاضي، قال: حدّثني هذا الشيخ: إنّ رجلا بالهند من أهلها حدّثه: أنّ خارجيّا، خرج في بعض السنين، على ملك من ملوكهم، فأحسن التدبير، وكان الملك معجبا برأيه، مستبدّا به، فأنفذ إليه جيشا، فكسره الخارجيّ، فزحف إليه بنفسه. فقال له وزراؤه: لا تفعل، فإن الخوارج تضعف بتكرير الجيوش عليها، والملك لا يجب أن يغرّر بنفسه، بل يطاول الخارجيّ، فإنّه لا مادة له يقاوم بها جيشا بعد جيش، إذا توالت عليه جيوش الملك. فلم يقبل «٣» ، وخرج بنفسه، فواقعه، فقتله الخارجيّ، وملك داره ومملكته، فأحسن السيرة، وسلك سبيل الملوك. فلما طال أمره، وعزّ ذكره، وقوي سلطانه، جمع حكماء الهند، من سائر أعماله، وأطراف بلدانه، وكتب إلى عمّاله أن يختار أهل كل بلد، مائة منهم، من عقلائهم وحكمائهم، فينفذونهم إليه، ففعلوا. فلما حصلوا ببابه، أمرهم باختيار عشرة منهم، فاختاروا، فأوصل

стр. 139

العشرة، وأوصل من أهل دار المملكة عشرة، وقال لهم: يجب على العاقل، أن ينظر عيوب نفسه فيزيلها، فهل ترون فيّ عيبا، أو في سلطاني نقصا؟ [٣٧ ب] فقالوا: لا، إلّا شيئا واحدا، إن أمنتنا قلناه. قال: أنتم آمنون. قالوا: نرى كل شيء لك جديدا، يعرّضون إنّه لا عرق له في الملك. فقال: فما حال ملككم الذي كان قبلي؟ قالوا: كان ابن ملك. قال: فأبوه؟ قالوا: ابن ملك. قال: فأبوه؟ إلى أن عدّد عشرة أو أكثر، وهم يقولون، ابن ملك، فانتهى إلى الأخير. فقالوا: كان متغلّبا. قال: فأنا ذلك الملك الأخير، وإن طالت أيامي، مع إحساني السيرة، بقي هذا الملك بعدي، في ولدي [وولد ولدي] «١» ، فصار لأولاد أولادهم من العرق في الملك، مثل ما كان لملككم الذي كان من قبلي. فسجدوا له، وكذا عادتهم إذا استحسنوا شيئا، ولزمتهم حجّة، وانصرفوا، فازداد بذلك الملك توطّدا له. قلت أنا للقاضي: هذا شيء قد سبقت العرب إليه في كلمتين، استغني بهما عن هذا المثل الطويل العجميّ. فقال: ما هما؟ فقلت [٣٤ ط] : روت العرب أنّ رجلين تفاخرا، فقال أحدهما لصاحبه: نسبي منّي ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.

стр. 140

٥٦ الصيمريّ وزير معزّ الدولة يرفق بأحد المصادرين حدّثني أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب الأصبهانيّ، قال: حضرت الصيمريّ «١» ، في وزارته لمعزّ الدولة، وقد أحضر رجلا مصادرا، وقد قرّر أمره على مال. فقال له: أعطني كفيلا، واخرج فصحّح المال. فقال: لا كفيل لي أوثق من إحسانك إليّ أيها الأستاذ. فرقّ له، وخفّف مصادرته، وأحسن إليه.

стр. 141

٥٧ مهاترة بين بصريّ وسيرافيّ حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر، قال: حدّثني أبو بكر سعيد بن هارون الطبيب، وكان أبوه سيرافيّا «١» وجيها في بلده وغيرها، موسرا، قال: خاصم أبي رجل من أهل البصرة، فقال له الرجل: تكلّمني وأنت قطعة سيرافيّ؟ فقال له سعيد: أنا نجار «٢» في بلدي، وأنت عار في بلدك «٣» .

стр. 142

٥٨ الوزير أبو محمد المهلبيّ وحدّ الإقبال والإدبار حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف «١» ، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد» ، قال: تجارينا بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، ذكر الإقبال والإدبار، فقال: ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع، ولا الإدبار أكثر من الكسل والتكبّر.

стр. 143

٥٩ من شعر أبي الفرج الببغاء أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبينيّ المخزومي الكاتب، المعروف بالببغاء «١» لنفسه قصيدة منها: جاورت بالحبّ قلبا لم تذر فكري ... للحبّ مستمتعا فيه ولم تدع يصبو ولكن يكفّ الحلم صبوته ... وأشرف الحبّ أدناه من الورع وبي أمسّ غرام لو أنست إلى الشكوى ... ولكن أعدّ الصبر للجزع ما بال أهل زماني من تجاهلهم ... بموضعي بين مغبون ومختدع من لم تزد قومه أفعاله شرفا ... بالفضل فهو لمعنى غير مخترع «٢» [٣٨ ب] عفت الموارد لمّا «٣» لم أجد ظمأ ... في كثرة الماء ما يغني عن الجرع

стр. 144

٦٠ لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة وأنشدني لنفسه قصيدة في سيف الدولة «١» ﵀ أوّلها: أفادت بك الأيّام فرط تجارب ... كأنّك في فرق الزمان مشيب وكلّ بعيد قرّب «٢» الحين نحوه ... سلاهبك الجرد الجياد قريب تباشر أقطار البلاد كأنّها ... رياح لها في الخافقين هبوب وتملأ ما بين الفضائين عثيرا ... مثارا بوجه الشمس منه شحوب وما يدرك العلياء إلّا مهذب ... يصاب على مقداره ويصيب فلا تصطف الإخوان قبل اختبارهم ... فما كلّ خلّ تصطفيه نجيب

стр. 145

٦١ من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله حدّثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «١» ، قال: حدّثني وكيل كان لأبي المنذر النعمان بن عبد الله «٢» ، قال: كان من عادة النعمان، إذا كان في انسلاخ كلّ شتوة، أن يعمد إلى جميع ما استعمله من خزّ وصوف وفرش وكوانين وآلة الشتاء، فيبيعه في النداء «٣» . ثم ينفذ إلى حبس القاضي، فينظر من حبس بإقراره، دون قيام البيّنة عليه، ولا حال له، فيؤدّي ما عليه من ثمن تلك الآلات، أو يصالح عنه [٣٥ ط] ويخرجه، إن كان المال ثقيلا. ثم يعمد إلى من يبيع بيعا يسيرا، مثل بقليّ «٤» ورهداريّ «٥» ، ومن رأس
следующие страницы →