Полный текст (2 817 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أنّها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم، واشتهى قراءة ما يدلّه على أخلاق أهل الأزمنة، وسننهم، وطرائقهم، وعاداتهم، وأن يقايس بين ما نحن فيه، وما مضى، ليعلم كيف ماتت الدنيا، وانقلبت الأهواء، وانعكست الآراء، وفقدت المكارم، وكثرت المحن والمغارم، وهلك أهل الفضل والتفضّل، وتلف أهل الستر والتجمّل، وصغرت الهمم، وتلاشت النعم، وفقد الجمال، وعدم النبل والجلال، في أكثر الخصال، وجمهور الرجال.
وحقّا أقول، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة، حتى يرى ما حصلنا عليه، ودفعنا إليه [٣] ، ما شكّ في قيام الساعة، أو أنّ الناس بدّلوا بهائم مهملة، أو جعلوا آلات غير مستعملة، لفقد الأحرار، وشدّة الإعسار، وبطول المكاسب، وتواتر النوائب، وحدوث السنن القبيحة، والعوائد المسبّبة الفضيحة، ونسأل الله العظيم، فرجا عاجلا، وصلاحا للعالم شاملا، إنّه سميع مجيب، رحيم ودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل والمعين.
стр. 842
١ الأمين لا يتهم
حدّثني أبو العبّاس محمد بن نصر الشاهد «١» ، قال:
كان أبو عبد الله جعفر بن القاسم الكرخيّ «٢» ، كتب إلى أبي جعفر بن معدان «٣» ، أن يختار له وكيلا، ينظر له في ضيعته بالأهواز، فاختار له عمر ابن محمد الأشجعيّ، صاحبه، فنظر في الضيعة سنين.
ثم ولي الكرخيّ الأهواز، ووردها، فطالب الأشجعيّ بالحساب، فرفعه، وتتبّعه كاتبه، فخرّجوا عليه فيه ستة آلاف دينار.
فأمر الكرخيّ، فلوزم الأشجعيّ [٤] في دهليزه، وطولب بالمال، فكتب إلى ابن معدان بخبره.
قال: وكان رسم الكرخيّ، أن يستدعي أبا جعفر بن معدان، في كلّ يوم، إلى طعامه، فاستدعاه في ذلك اليوم، فتأخّر، وراسله، بأنّه من كان صاحبه، وثقته، واختياره، متّهما، مسلّطا عليه محالات الكتاب، معتقلا، لا يستدعى للمؤاكلة.
قال: فامتنع الكرخيّ من الأكل، وأنفذ إليه الأشجعي، مع كاتب له، والحساب، وقال: والله ما كنت بالذي أدع محالا يستمرّ على صاحبك، وما أخرج عليه إلّا شيئا صحيحا، وقد يجوز أن يكون ضيّع ذلك، ولم
стр. 843
يتناوله، ولعمري إنّ من يكون اختيارك، وثقتك، لا يخون، ولم يك ملازما، وإنّما أجلسته انتظارا لك، لتجيء فتدبّر أمره، وإذا كان ذلك قد شقّ عليك، فمالي لك، وهذا الرجل والحساب، إن شئت أن تستوفي لي ذلك، أو بعضه، أو تدعه جميعه، فافعل، ولا تتأخّر عني، فلست آكل، أو تجيء.
قال: فأطلق الأشجعي إلى منزله [٥] ، وركب هو إلى الكرخيّ، ثم لم يعاود أحدهما صاحبه في معنى الأشجعيّ بكلمة، وفاز بالدنانير.
ومضت القصة على ذلك.
٢ يرى مناما فيمزق كتابا
حدّثني القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الرحمن بن أحمد بن مروان «١» ، قال: حدّثني خالي محمد بن هارون، قال: قال لي بعض أصحابنا:
كنت في بعض اللّيالي، أنظر في كتاب التشريح لجالينوس، فغلبتني عيني، فرأيت هاتفا، يهتف بي، ويقرأ:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
«٢» .
فاستيقظت، ومزّقت الكتاب «٣» .
стр. 844
٣ القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه
وحدّثني القاضي أبو بكر «١» ، قال: حدثني مكرّم بن بكر «٢» ، قال:
كنت في مجلس أبي خازم القاضي «٣» ، فتقدّم رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فاستدعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا.
فقال له: ما تقول؟. فأقرّ.
قال: فقال للشيخ: ما تشاء؟
قال: حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك [٦] في أن تنقده البعض، وتسأله الإنظار؟
قال: لا.
فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه.
قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما، إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت لأبي خازم، وكانت بيننا مودّة وأنسة: لم أخرّ القاضي حبسه؟
فقال: ويحك إنّي أعرف في أكثر الأحوال، في وجوه الخصوم،
стр. 845
وجه المحقّ من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أنّ سماحة هذا بالإقرار، هي عن بليّة، وأمر يبعد عن الحقّ، وليس في ملازمتهما بطلان حقّ، ولعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء، أكون معه في الحكم على ثقة، أما رأيت قلّة تغاضبهما في المناظرة؟ وقلّة اختلافهما؟ وسكون جأشهما، مع عظم المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا، عجلا، بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبي [٧] خازم، لبعض وجوه تجّار الكرخ، ومياسيرهم، فأذن له، فدخل، وسلّم عليه، وسبّب لكلامه، فأحسن، ثم قال:
قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان والبلاء، عند مقيّن «١» يعرف بفلان،- وأسماه- فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرّني إلى غرم له، وإن عذلته عن ذلك، وعدّدت حالي معه، طال، وأقربه اليوم، إنّه قد نصب المقيّن، ليطالبه بألف دينار عينا، ويجعل ذلك دينا حالا، وبلغني أنّه قد تقدّم إلى القاضي، فيطالبه، فيحبس، وأقع مع أمّه في بليّة وتنغيص عيش، إلى أن أؤدّي ذلك عنه إلى المقيّن، فإذا قبضه المقيّن، حاسبه به من الجذور «٢» .
ولما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب.
فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسّم، وقال لي: كيف رأيت؟
стр. 846
قال: فقلت: هذا، ومثله، من فضل الله ، على [مولانا القاضي] وجعلت أدعو [٨] له.
فقال: عليّ بالغلام والشيخ، فأدخلا.
فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، فأقرّ الشيخ أنّ الصورة كما بلغت القاضي، وأن لا شيء له عليه.
وأخذ الرجل بيد ابنه، وانصرفا.
٤ أبو جدي كنية التيس
قال لي القاضي «١» :
كان مكرم «٢» هذا، من فضلاء الرجال، وعلمائهم، وكنت أرى رجلا يدعوه: أبا جدي «٣» .
فقلت له: ما غرضك؟
فقال: ألست تعلم أنّ أبا الجدي، هو التيس «٤» .
стр. 847
٥ لأبي علي الحاتمي في الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفّر «١» الحاتميّ، قصيدة له في سيف الدولة «٢» ، وهي:
دنوّ فراق خلّف الصبر نائيا ... ووجد محبّ غادر الدمع جاريا
وقفت بمغنى الشوق أنشد أهله ... فحاكى بلى جسمي هناك المغانيا
حكى نفسي فيها صباها وأدمعي ... حياها وأعضاي الطلول البواليا
يذكر فيها [٩] :
وكفّل أرواح العداة إلى الوغى ... حساما مليّا بالذي رام وافيا
له صفحة تنبو على أنّ حدّه ... يبيد أعاديه ويغني المواليا
كذا النار تهدي في الضلالة ساريا ... وتحرق من عادت، وتنفع صاليا
جعلت الظبى كأسا تدير دم العدى ... ووقع الظبى الألحان والحرب ساقيا
فإن كان بيت المال أصبح عاطلا ... لديك فقد أضحى بك المجد حاليا «٣»
стр. 848
٦ ما قاله أحد ملوك الهند
أنشدني أحمد بن عبد الله المعروف بالبختريّ «١» ، القاضي، البغدادي، لأبي العلاء صاعد بن ثابت «٢» ، قال أنشدني لنفسه:
ثنتان من همّتي ما ينقضي أسفي ... عليهما أبدا من خيفة الفوت
لم أحب منتجع الدنيا بجملتها ... ولا حميت الورى من صولة الموت [١٠]
فاجتمعت «٣» مع أبي العلاء صاعد، بعد ذلك، بواسط، في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة، فسألته عن البيتين، فقال: غلط عليّ، وما أخبرته أنهما لي.
فقلت: فلمن هما؟.
فقال: كان أبو الحسن داود، كاتب الوقف بالبصرة، حدّثني، بإسناد ذهب عني: إنّ ملكا من ملوك الهند، حارب ملكا، فقتل في المعركة، فألفاه بعض أصحابه طريحا بين القتلى، وفيه بقيّة من الروح، فنزل إليه، فقال: هل لك حاجة؟ فأنشده لنفسه شعرا، فسّر، ونقل، فكان هذان البيتان، في جملة الشعر.
стр. 849
٧ من شعر أحد الكتاب في بيمارستان البصرة
أخبرني أبو القاسم حسين بن محمد بن نبيل، كهل كان من أولاد الجند ببغداد، فخرج إلى الأهواز، وأقام بها يكتب لعليّ بن أحمد الخراساني، حاجب معز الدولة، وكان أديبا سمّاعة لكتب أهل الأدب، وكان إماميّ المذهب، قال:
رأيت في بيمارستان البصرة، رجلا من الكتّاب محبوسا، يقول [١١] الشعر، فأنشدني لنفسه:
أدافع نفسي بالتعلّل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر
وأرجو غدا حتى إذا جاءني غد ... تزايد بي همّي فيسلمني «١» صبري
فلا الهمّ يسليني ولا الغمّ ينقضي ... ولا فرح يأتي سوى أدمع تجري
إلى الله أشكو ما ألاقي فإنّه ... عليم بأنّي قد تحيّرت في أمري «٢»
قال: وأنشدني لنفسه أيضا:
أيّ شيء يكون أقبح منّا ... إن نقضنا عهد الإخاء وخنّا
إنّ في حرمة المودّة أن نغضي ... جميعا على الخيانة منّا
وإذا ما أصابنا الدهر بالعين ... رددناه بالتغافل عنّا
قال: وأنشدني لنفسه:
стр. 850
ما بال دمعك، أين الدمع يا عيني ... عسى أصابتك عين الدهر بالعين
إنّي لأجزع من فقد البكاء كما ... قد كنت أجزع قبل البين للبين [١٢]
٨ مدائح قيلت في أبي القاسم التنوخي والد المحسّن
كان يلزم أبي «١» ، بالأهواز، شاعر يعرف بأبي الخير، صالح بن لبيب، فدخل إليه يوما، وأنا حاضر، فأعطاه رقعة صغيرة، فقرأها أبي، وتبسّم، وأمر له في الحال بدراهم، وانصرف.
فأخذت الرقعة، فإذا هي بخطّه، وفيها:
يا من أراق له السماح ندى ... أضحى به الأحرار في رقّ
فضلا سبقت العالمين به ... والفضل مقصور على السبق
ألزمت نفسك غير لازمها ... وعرفت لي حقّين لا حقّي
ودخل إليه يوما شاعر يعرف بالهمذاني، لا أعرف اسمه، ولا نسبه، فدفع إليه رقعة، فيها:
كفى القاضي رضاي بما ارتضاه ... ولم أذمم رضاي ولا رضاه
فأمر له في الحال، بجائزة سنيّة.
٢ ن ٣
стр. 851
٩ من نظم عضد الدولة
أنشدني غير واحد، من الشيرازيّين، للأمير عضد الدولة، أبي شجاع ابن ركن الدولة، أبي علي [١٣] :
بهطّة «١» قصّر عن وصفها ... من يدّعي الأوصاف بالزور
كأنّها في الجام مجلوّة ... لآلئ في ماء كافور
وله أيضا:
رأيت بساطا للزبرجد ناضرا ... قد ابرز أطرافا تعدّ قحافا
قحافا من البلور ملأى وفرّغا ... وممزوجة فيه رفعن سجافا
تدير رؤوسا «٢» للندامى كؤوسها ... وتترك أحلام الحليم سخافا
وقال أيضا:
نحرنا بيننا دنّا ... فعاد الليل إصباحا
وداجا نحره مثل ... الغرابين إذا صاحا «٣»
стр. 852
١٠ من رسالة لأبي القاسم التنوخي
حدّثني أبو العلاء صاعد بن ثابت «١» ، قال:
كتب إليّ القاضي أبو القاسم عليّ بن محمد التنوخي «٢» ، جواب كتاب كتبته إليه:
وصل كتابك.
فما شككت وقد جاء الرسول به ... أنّ الشباب أتاني بعد ما ذهبا «٣»
[١٤]
стр. 853
١١ كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة
حدّثني أبو يعلى محمّد بن يعقوب البريديّ الكاتب «١» ، قال:
لمّا قصدت سيف الدولة «٢» أكرمني، وأنس بي، وأنعم عليّ، وكنت أحضر ليلا في جملة من يحضر.
قال: فقال لي ليلة من الليالي: كان قتل أبيك، أبرك الأشياء عليّ.
فقلت: كيف ذاك، أطال الله بقاء مولانا؟
قال: لمّا رجعنا من بغداد «٣» ، اقتصر بي أخي ناصر الدولة «٤» ، على نصيبين «٥» ، فكنت مقيما فيها، ولم يكن ارتفاعها يكفيني، فكنت أدافع الأوقات، وأصبر على مضض من الإضاقة مدّة.
ثم بلغتني أخبار الشام، وخلوّها إلّا من يأنس المؤنسي «٦» ، وكون ابن
стр. 854
طغج «١» بمصر بعيدا عنها، ورضاه بأن يجعل يأنس عليها، ويحمل إليه الشيء اليسير منها، ففكّرت في جمع جيش، وقصدها، وأخذها، وطرد يأنس، ومدافعة ابن طغج، إن سار إليّ، بجهدي، فإن قدرت على ذلك، وإلّا كنت قد تعجّلت من أموالها، ما تزول به إضاقتي مدّة، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلّا بالمال [١٥] ، وليس لي مال، فقلت: أقصد أخي، وأسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه، يزيح هو علّتهم «٢» ، ويعطيني شيئا من المال، وأخرج بهم، فيكون عملي، زائدا في عمله، وعزّه.
قال: وكانت تأخذني حمّى ربع «٣» ، فرحلت إلى الموصل «٤» على ما بي، ودخلت إلى أخي، وسلّمت عليه.
فقال: ما أقدمك؟
فقلت: أمر أذكره بعد.
فرحّب، وافترقنا.
فراسلته في هذا المعنى، وشرحته له، فأظهر من المنع القبيح، والردّ الشديد، غير قليل.
ثم شافهته، فكان أشدّ امتناعا.
стр. 855
وطرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا، فردّهم.
قال: وكان لجوجا، إذا منع من الأوّل، شيئا يلتمس منه، أقام على المنع.
قال: ولم يبق في نفسي، من يجوز أن أطرحه عليه، وأقدّر انّه يجيبه، إلّا امرأته الكرديّة، والدة أبي تغلب «١» .
قال: فقصدتها، وخاطبتها في حاجتي، وسألتها مسألته.
فقالت: أنت تعلم خلقه، وقد ردّك، وإن سألته عقيب ذلك، ردّني أيضا، فأخرق جاهي عنده، ولم يقض [١٦] الحاجة، ولكن أقم أيّاما، حتى أظفر منه، في خلال ذلك، بنشاط، أو سبب أجعله طريقا للكلام، والمشورة عليه، والمسألة له.
قال: فعلمت صحّة قولها، فأقمت.
قال: فإنّي جالس بحضرته يوما، إذ جاءه برّاج «٢» ، بكتاب طائر، عرّفه سقوطه من بغداد.
فلما قرأه، اسودّ وجهه واسترجع، وأظهر قلقا وغمّا، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، يا قوم، المتعجرف، الأحمق، الجاهل، المبذّر، السخيف الرأي، الرديء التدبير، الفقير، القليل الجيش، يقتل الحازم، المرتفق، العاقل، الوثيق الرأي، الضابط، الجيّد التدبير، الغنيّ، الكثير الجيش؟ إنّ هذا لأمر عجيب.
قال: فقلت له: يا سيّدي ما الخبر؟
فرمى بالكتاب إليّ، وقال: قف عليه.
стр. 856
فإذا هو كتاب خليفته ببغداد، بتاريخ يومه «١» ، يقول: في هذه الساعة، تناصرت الأخبار، وصحّت بقتل أبي عبد الله البريدي «٢» ، أخاه أبا يوسف واستيلائه على البصرة.
قال: فلما قرأت ذلك، مع ما سمعته من كلامه [١٧] ، متّ جزعا وفزعا، ولم أشكّ أنّه يعتقدني كأبي عبد الله البريديّ، في الأخلاق التي وصفه بها، ويعتقد في نفسه أنّه كأبي يوسف، وقد جئته في أمر جيش ومال، ولم أشكّ أنّ ذلك سيولّد له أمرا في القبض عليّ، وحبسي، فأخذت أداريه، وأسكّن منه، وأطعن على أبي عبد الله البريديّ، وأزيد في الاستقباح لفعله، وتعجيز رأيه، إلى أن انقطع الكلام.
ثم أظهرت له، إنّه قد ظهرت الحمّى التي تجيئني، وإنّه وقتها، وقد جاءت، فقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه.
فركبت دابّتي، وحرّكت إلى معسكري، وقد كنت منذ وردت، وعسكري ظاهر البلد، ولم أنزل دارا.
قال: فحين دخلت إلى معسكري، وكان بالدير الأعلى «٣» ، لم أنزل، وقلت لغلماني: ارحلوا، الساعة، الساعة، ولا تضربوا بوقا، واتبعوني.
وحرّكت وحدي، فلحقني نفر من غلماني، وكنت أركض على وجهي، خوفا من مبادرة ناصر الدولة إليّ بمكروه [١٨] .
стр. 857
قال: فما عقلت، حتى وصلت إلى بلد «١» ، في نفر قليل من أهل معسكري، وتبعني الباقون.
فحين وردوا، نهضت للرحيل، ولم أدعهم أن يراحوا، وخرجنا.
فلما صرنا على فرسخ من بلد، إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا، فلم أشكّ أنّ أخي أنفذهم للقبض عليّ.
فقلت لمن معي: تأهّبوا للحرب، ولا تبدأوا، وحثّوا السير.
قال: فإذا بأعرابيّ، يركض وحده، حتى لحق بي، وقال: أيّها الأمير، ما هذا السير المحثّ؟ خادمك دنحا، قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة، ويسألك أن تتوقّف عليه حتى يلحقك.
قال: فلما ذكر دنحا، قلت: لو كان شرّا، ما ورد دنحا فيه.
فنزلت، وقد كان السير كدّني، والحمّى قد أخذتني، فطرحت نفسي لما بي، ولحقني دنحا، وأخذ يعاتبني على شدّة السير، فصدقته عمّا كان في نفسي.
فقال: اعلم انّ الذي ظننته انقلب، وقد تمكّنت لك في نفسه هيبة، بما جرى، وبعثني إليك برسالة، يقول لك: إنّك قد كنت جئتني تلتمس كيت [١٩] وكيت، فصادفت منّي ضجرا، وأجبتك بالردّ، ثم علمت أن الصواب معك، فكنت منتظرا أن تعاودني في المسألة، فأجيبك، فخرجت من غير معاودة ولا توديع، والآن، إن شئت فأقم بسنجار «٢» ، أو بنصيبين، فإنّي منفذ إليك ما التمست من المال والرجال، لتسير إلى الشام.
стр. 858
قال: فقلت لدنحا: تشكره، وتجزيه الخير، وتقول كذا وكذا، أشياء واقفته عليها، وتقول: إنّي خرجت من غير وداع، لخبر بلغني في الحال، من طروق الأعراب لعملي، فركبت لألحقهم، وتركت معاودة المسألة تخفيفا، فإذا كان قد رأى هذا، فأنا ولده، وإن تمّ لي شيء، فهو له، وأنا مقيم بنصيبين، لأنتظر وعده.
قال: وسرت، ورجع دنحا، فما كان إلّا أيّام يسيرة، حتى جاءني دنحا، ومعه ألف رجل، قد أزيحت عللهم، وأعطوا أرزاقهم ونفقاتهم، وعرضت دوابّهم وبغالهم، ومعهم خمسون ألف دينار، وقال: هؤلاء [٢٠] الرجال، وهذا المال، فاستخر الله، وسر.
قال: فسرت إلى حلب، وملكتها، وكانت وقائعي مع الأخشيدية، بعد ذلك، المعروفة، ولم تزل بيني وبينهم الحرب، إلى أن استقرّت الحال بيننا، على أن أفرجوا لي عن هذه الأعمال «١» ، وأفرجت لهم عن دمشق، وما وراءها، وأمنت ناصر الدولة، واستغنيت عنه.
وكل ذلك، فسببه قتل عمك لأبيك «٢» .
стр. 859
١٢ لأبي علي الحاتمي يمدح
أنشدني أبو عليّ الحاتميّ «١» ، فصلا من رسالة عملها إلى بعض الرؤساء في صفته:
أفكاره همم إيعاده نقم ... وعوده قسم تأميله عصم
ألفاظه حكم أوطانه حرم ... ألحاظه نعم آلاؤه ديم
تبغي الخلائق أن يحصوا فضائله ... ودون ذلك ما تستنفذ الكلم
ولو أرادوا جميعا كتم معجزه ... أبى له الله ما يأتون والكرم [٢١]
تبغي مجاراته في فعله بشر ... قد قصّرت منهم عن كعبه القمم
وكيف يسطاع فعل أو يرام علا ... ما ليس تدركه الأوهام والفهم
стр. 860
١٣ يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
حدّثني بعض الأهوازيين، قال:
رأيت أبا الحسن المنبريّ، الشاميّ، الطائيّ، الشاعر، بالأهواز، على باب الحسن بن علي المنّجم «١» ، وهو عاملها، يتردّد مدّة، وكان قد امتدحه.
قال: فتذاكرنا شدّة تلوّن أخلاق المنجّم، وجنونه، ونواميسه في وقت، وعدوله عن ذلك في وقت آخر.
ثم قلت له: فأين أنت منه؟
فقال: ما آيس من ردّه، ولا أطمع في وعده.
قلت أنا: وهذا كأنّه مأخوذ من الأبيات التي هجي بها الحسن بن رجاء، وهي مشهورة، فلذلك لم أوردها على جملتها.
والأخير من الأبيات هو:
لكنّها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما [٢٢]
стр. 861
١٤ بحث في معرفة السارق
حكي لي عن بعض الصالحين، في إخراج السّرق، قال:
تأخذ قدحا فيه ماء، وتأخذ خاتما، فتشدّه فيه بشعرة، وتدليه في القدح، وتكتب خمس رقاع، فيها أسماء المتّهمين بالسّرقة، وتكتب: السارق، في القدح، وتضع رقعة، تكتب فيها اسم من تتّهمه، على حرف القدح، وتقرأ عليه: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
«١» .
فإذا ضرب الخاتم القدح، نظرت في الرقعة «٢» ، فإنّ السارق، هو صاحب الاسم، وإن لم يضرب القدح، فتضع أخرى، فإن السارق هو، إذا ضرب.
стр. 862
١٥ آيات لإعادة الآبق
وقال لي في الآبق «١» :
تكتب فاتحة الكتاب مدوّرة، ويكتب في وسطها، كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً. فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
«٢» ، اللهم اجعل الأرض علوها، وسفلها، وسهلها، وجبلها [٢٣] ، وبرّها، وبحرها، في قلب فلان بن فلان، أضيق من مسك «٣» شاة، حتى يرجع.
стр. 863
١٦ السرج واللجام في جهاز كل عروس
تذاكرنا في مجلس ببغداد، حضره أبو عليّ محمد بن منصور الشاهد، المعروف بابن كردي، حديث غلبة النساء على الرجال، إلا النفر من الرجال.
فقال لي أبو علي: كان لنا شيخ فاضل، من أهل القطيعة «١» ، كان يضرب لنا في هذا مثلا، فيقول:
إنّ في جهاز العروس إلى زوجها، سرجا ولجاما «٢» ، فإذا انقضت أيّام العرس، إن سبق الرجل إلى السرج، فأسرج المرأة، ووضع اللجام في رأسها، وركبها، ملك عليها أمرها، وإن تراخى لحظة، وضعت هي السرج على قفاه، واللّجام في فيه، وركبته، فلم تنزل عنه، إلّا بطلاق أو موت.
стр. 864
١٧ الوزير عبيد الله بن سليمان والجهبذ اليهودي سهل بن نظير
حدّثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازيّ «١» ، قال:
حدّثني سهل بن نظير اليهوديّ الجهبذ «٢» ، قال: حدّثني جدّي سهل بن نظير، وكان يتجهبذ للوزير على قديم السنين [٢٤] ، منذ أيّام الفتنة، وإلى أن مات، قال:
لما نكب عبيد الله بن سليمان «٣» ، بعد كتبته للموفّق، النكبة العظيمة، كنت أتوسّم فيه الرفعة، وعلوّ الحال، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر مائة دينار، وهو في الحبس، ثم أطلق، فكنت أحملها إليه، إلى أن وليّ الوزارة، فعرف لي ذلك، وبلغ بي كلّ مبلغ، وشكرني عليه أتمّ شكر.
قال: ثم إنّ عبيد الله، نكب جرادة الكاتب، وكانت قد جرت له عليّ الرئاسة، وعلى الناس والرؤساء، وكان له إحسان سالف إليّ كثير، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر، مائة دينار، وأحدر به إلى البصرة.
قال: فبلغ ذلك عبيد الله بن سليمان، وأنا لا أعلم، فدخلت إليه يوما، فقال لي: يا سهل، بارك الله لك في عداوتنا.
قال: فقلت له: أيّها الوزير، من أنا حتى أعاديك، وأنا أخسّ كلب ببابك؟
стр. 865
قال: وأكثرت التنصّل، والتهيّب، وبكيت، وقلت: يا سيّدي، ما هذا الكلام؟ إن كان شيء رقى إلى الوزير [٢٥] أيّده الله، عنّي، واقفني عليه، ولعلّ عندي فيه، حجّة، أو برهانا، على بطلانه.
قال: فقال لي: تحمل إلى عيال جرادة، في كل شهر مائة دينار.
قال: فقلت: أيّها الوزير، أنا ما فعلت هذا، ولا تجاسرت عليه، إنّما فعله الرجل الذي كان يحمل إلى عيال الوزير- أيّده الله- مائة دينار في كل شهر رعاية لحقّ إحسانه إليه، فرعى لجرادة أيضا إحسانا له إليه أيضا، فحمل إليه، مثل ما كان يحمل، إلى عيال الوزير- أيّده الله-.
فاحمرّ وجهه خجلا، وأطرق، وسكت مليّا، ثم تصبّب وجهه بالعرق، وقلت: قبض والله عليّ، ونكبني.
قال: فأسقطت «١» .
فرفع رأسه، وقال: أحسنت يا سهل، ما ترى بعد هذا منّي إنكارا «٢» ، ولا بقي في نفسي عليك شيء، فأجرهم على رسمهم، ولا يوحشك ما خاطبتك به.
стр. 866
١٨ عاقبة الظلم
حدّثني عبيد الله بن محمّد بن عبد الله الأهوازيّ، قال: حدّثني أبو الفضل البلخي «١» الفقيه، قال: حدّثني الخليل [٢٦] بن أحمد السجستانيّ «٢» ، قاضيها قال:
قدم علينا صاحب جيش خراسان «٣» ، من قبل نصر بن أحمد «٤» ، ومعه خلق عظيم من الجيش، فملك سجستان، وأكثر أصحابه الفساد في البلد، وامتدّت أيديهم إلى النساء في الطرقات قهرا.
قال: فاجتمع الناس إليّ، وإلى فلان الفقيه، وقد ذكره البلخيّ وأنسيته أنا، وشكوا الحال، فمضينا معهم إلى صاحب الجيش، فدخلت إليه، ٣ ن ٣
стр. 867
أنا والفقيه، وجماعة من رؤساء البلد، وكان المبتدئ بالخطاب، الفقيه، فوعظه، وعرّفه ما يجري.
قال: فقال له: يا شيخ، ما ظننتك بهذا الجهل، معي ثلاثون ألف رجل، نساؤهم ببخارى «١» ، فإذا قامت أيورهم، كيف يصنعون؟ ينفذونها بسفاتج «٢» إلى حرمهم؟ لا بدّ لهم أن يضعوها فيمن هاهنا كيف استوى لهم، هذا أمر لا يمكنني إفساد قلوب الجيش بنهيهم عنه، فانصرف.
قال: فخرجنا.
فقالت لنا العامّة: أيش قال الأمير؟
قال: وأعاد [٢٧] عليهم الفقيه الكلام بعينه.
فقالوا: هذا القول منه فسق، وأمر بالفسق، ومكاشفة بمعصية الله تعالى، فهل يحلّ لنا عندك قتاله بهذا القول؟
فقال لهم الفقيه: نعم، قد حلّ لكم قتاله.
قالوا: فتأذن؟
قال: نعم.
قال: فبادرت العامّة، وانسللنا من الفتنة، فلم نصلّ المغرب من تلك الليلة، وفي البلد أحد من الخراسانيّة.
قال: لأنّه اجتمع من العامّة، من لا يضبط عدده، فقتلوا خلقا عظيما من الخراسانيّة، واستحرّ القتل فيهم، ونهبت دار الأمير، وطلبوه ليقتلوه، فأفلت على فرسه، ومعه كلّ من قدر على الهرب، ومضوا على وجوههم.
فما جاءنا بعدهم جيش من خراسان، أصلا.
стр. 868
١٩ خراج الأهواز في سنة خمس وثلاثمائة
حدّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مهرويه، المعروف بابن أبي علان، قال: حدثني أبي أبو القاسم «١» ، قال:
كنت أكتب لعبيد الله بن الحسن بن يوسف «٢» على كور الأهواز «٣» ، فكتب عليّ بن عيسى «٤» يطالبنا بالحساب [٢٨] ، فتقدم إليّ أبو أحمد عبيد الله بن الحسن، بعمله، وبالخروج للمواقفة عليه، وذلك في سنة ست وثلاثمائة.
قال: فجمعت الحساب، وعملت جماعة «٥» لسنة خمس وثلاثمائة، بارتفاع مال الخراج بالأهواز، وكورها، سوى الضياع، فكان مبلغ ذلك، ستة عشر ألف ألف وثمانمائة ألف درهم وكسر، وكلها قد صحّ في الاستخراج، ولم يبق للسلطان إلّا نيّف وأربعين ألف درهم.
قال: وكان مال الضياع، يقارب هذا، إلّا إنّه لم يكن في حسابنا.
стр. 869
٢٠ خضاب يسود الشعر
حدّثني عبد الله بن عمر الحارثيّ «١» ، قال:
عجّل علي المشيب، فغمّني ذلك، وفكّرت في أن أخضب لحيتي، فنمت، فرأيت في النوم، كأنّي أشاور طبيبا في خضاب، فقال لي: لا تحتاج إلى خضاب، ولكن أصف لك شيئا يسوّد الشعر ويحفظ لونه، ويمنع من السواد أن يبيضّ، خذ من دهن النارجيل «٢» العتيق، وزن خمسة دراهم، ومن الإهليلج «٣» الأصفر، وزن [٢٩] نصف درهم، ومن النوشاذر «٤» ، وزن دانق «٥» ، واسحق الجميع، ودفه بالدهن حتى يختلط، واطل به الشعر، فإنه يسودّ.
فانتبهت، وقد حفظت ذلك، فعملته، فاسودّ شعري، وتأخّر الشيب عنّي دهرا طويلا.
стр. 870
٢١ طلاء يمنع الحبل
وحدّثني «١» ، قال:
كنت في شبابي، أتمتّع بالجواري والمماليك، فكان العزل يثقل عليّ جدّا، فاشتريت جارية، بدنانير كثيرة، وكنت أخاف أن تحبل، فيذهب ثمنها، فنمت مشغول القلب بذلك، فأريت قائلا يقول: إذا أحببت أن لا تحمل المرأة، فخذ بنجا، واسحقه، واعجنه بلبن فرس، وجفّفه، واجعله في كيمخت، وعلّقه على المرأة، فإنّها لا تحبل.
فقلت له: ما سمعت هذا من طبيب.
فقال: إن أحببت أن تمتحن صحّة ذاك، فخذ هذا الدواء، واجعله في قارورة ما، واجعلها على النار، وأوقد تحتها، فإنّه لا يغلي، ولو مكث سنة.
قال: وانتبهت، وجرّبت ذلك، فوجدته صحيحا.
стр. 871
٢٢ الخليفة المعتضد يشهد على نفسه العدول
وحدّثني أيضا الحارثي «١» [٣٠] ، قال: حدّثني أبي، وكان يخدم في دار الموفق، والمعتضد بعده:
إنّ المعتضد أراد أن يشهد على نفسه العدول، في كتاب، صدره:
هذا ما شهد عليه العدول جميعا، انّ أمير المؤمنين، عبد الله، أبا العباس المعتضد بالله، أشهدهم على نفسه، في صحة منه، وجواز أمر.
وعرضت النسخة، على عبيد الله بن سليمان، فضرب عليها، وقال:
هذا لا يحسن كتبه عن الخليفة، أكتبوا: في سلامة من جسمه، وإصابة من رأيه.
стр. 872
٢٣ الحارثي يستهدي النبيذ
قال لي الحارثي «١» :
استهديت من صديق لي نبيذا «٢» ، فأنفذ إليّ نبيذا حامضا، فرددته عليه، وكتبت إليه:
الجيران، أحقّ بهذا من الإخوان «٣» .
٢٤ صفة نبيذ لا يسكر
ووصف لنا «٤» مرة، نبيذا طريّا شربه، فقال:
«هو دواء الفهم، عمل من ثمر البلاذر» «٥» .
أي هو لا يسكر، لضعف فعله.
стр. 873
٢٥ الكاتب ابن جبير يفاضل بين الوزير ابن الفرات والوزير علي بن عيسى
حدّثنا أبو الفتح عبد الله بن محمد المروزي «١» الكاتب، قال: حدّثني بعض شيوخ الكتّاب، قال [٣١] :
قال ابن الفرات «٢» ، لأبي منصور بن جبير، كاتبه «٣» ، أيّما أكفأ، أنا، أو عليّ بن عيسى «٤» ؟
فقال: الوزير أكفأ وأضبط.
قال: دعني من هذا.
قال: تؤمنني؟
قال: قد أمنتك.
قال: عليّ بن عيسى، إذا حضر بين يدي الخليفة، فأراد أن يكتب سرّا له، لم يحتج إلى غيره، وكتب هو، وسحا «٥» ، وختم «٦» ،
стр. 874
وخرط «١» بيده وأنفذ العمل، وأنت، لا بد لك من زنجي «٢» ، ولوطي صاحب دواته يقرأ، فيبطل الأمر بظهور اثنين عليه.
قال: فضّلت عليّا علينا.
قلت: لا والله يا سيّدي، ولكن يكون علي بن عيسى كاتبك.
٢٦ دناءة نديم، ولؤم أمير
حدّثني عبد الله بن أحمد بن داسه «٣» :
إنّ أبا القاسم البريديّ «٤» ، أيّام تقلّده الأمر بالبصرة «٥» ، شرب يوما، وعنده جماعة من ندمائه، فافتقد قحف «٦» بلّور، كان معجبا به، وطلبه الشرابيّة، فلم يعرف له خبر.
فحلف إنّهم إن لم يحضروه، ضربهم بالمقارع.
стр. 875
فقال له أحدهم: لا تعجل، ولكن مر [٣٢] بإحضار كلّ من كان البارحة حاضرا.
فأمر بإحضارهم، فجلسوا، وأنفذ الغلام إلى منزل كلّ واحد منهم، برسالة منه، أن أنفذوا القحف البلّور، الذي حملته إليكم البارحة.
فعاد أحد الرسل، من دار أحدهم، ومعه القحف.
فافتضح ذلك النديم، وسقط محلّه.
وهذا، مضادّ لما حكي عن بعض الأكاسرة، إنّه كان يشرب، فوقعت عينه على غلام من غلمانه، وقد سرق صينيّة ذهب، مع ما فيها، وحملها، فأمسك الملك، وفاز بها الغلام.
فافتقدها الخزّان في الغد، وجاءوا في طلبها، فدعاهم، وقال: لا تتعبوا في طلبها، فقد أخذها من لا يردّها، ورآه من لا ينمّ عليه.
قال: فأمسكوا.
فلما كان بعد سنة، كان الملك يشرب، فدخل ذلك الغلام، فرأى عليه منطقة ذهب حسنة.
فقال له الملك سرّا: هذا من ذاك؟
فقال: نعم.
فقال: إن كان ما عندك من الدنانير التي في الصينيّة [٣٣] ، قد نفد، فعرّفني، لأدفع إليك أخرى «١» .
стр. 876
٢٧ ألوان من الحجاب
وحدّثني «١» ، قال: وحدّثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى «٢» ، قال:
لما قدم حامد بن العباس «٣» الأبلّة «٤» ، يريد الأهواز «٥» ، وهو وزير «٦» ، خرجت لتلقّيه، فرأيت له حرّاقة «٧» ، ملّاحوها خصيان بيض، وعلى سطحها شيخ، يقرأ القرآن، وهي مظلّلة، مستّرة.
فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حرّاقة الحرم، لا يحسن أن يكون ملّاحوها فحولة.
قال: وقال لي أبو الحسين: دخلت إلى ابن الجصّاص»
في داره ببغداد، فرأيت خصيانا بيضا مزيّنين «٩» .
стр. 877
٢٨ جواب لأبي العيناء
قال «١» : حدّثنا أبو الحسين «٢» ، قال:
رأيت لأبي العيناء «٣» ، خادمين، خصيّين، أسودين، يقودانه.
فقيل له: كيف اتّخذت خصيين أسودين؟
فقال: حتى لا يتّهما بي، ولا أتّهم بهما.
٢٩ أبو العيناء لا ينسى ما حفظ
وحدّثني «٤» ، قال: حدّثنا أبو الحسين «٥» ، قال:
قدم أبو العيناء البصرة، في سنة نيف وثمانين «٦» ، بعد الغيبة الطويلة، التي غاب عنها، وخدمته للخلفاء، والوزراء، [٣٤] بسرّ من رأى.
وكان أبو خليفة «٧» ، إذ ذاك، عالم البصرة، بالحديث، والأخبار،
стр. 878
واللّغة، والنحو، ومحمد بن جعفر بن بسّام، قاضيها، وكان له محلّ من الأدب، واللغة، والشعر، كبير، وكنت منقطعا إليه، ملازما له، أدرس عليه الفقه، فكان أوّل من ائتمنني، ورفع شأني.
فقال لي: يا أبا الحسين، قد قدم أبو العيناء، وأحبّ أن أجمع بينه، وبين أبي خليفة، وننظر أثرهما.
فقلت: عليّ ذلك.
قال: فمضيت، ولقيت أبا العيناء، وعقدت عليه وعدا للحضور، عند ابن بسّام، وعلى أبي خليفة، فاجتمعا.
فأخذ أبو العيناء، في الرواية عن الأصمعي «١» ، ومشاهداته مع المتوكّل «٢» ، وابن أبي دؤاد «٣» ، وفلان، وفلان، والشعراء.
قال: فأسكت أبو خليفة، فلم ينجرّ معه، ولم يلحق به.
قال: فأثنينا على أبي العيناء، وقرّظناه.
فقال: يا أيّها القاضي، أنا لا أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة.
стр. 879
٣٠ أبو العيناء وأحمد بن الحسن بن المثنى
وحدّثنا أيضا «١» ، قال: حدّثني أبو عبيد محمد [٣٥] بن علي الآجرّي، قال:
كنت عند أبي العيناء، لما قدم البصرة، سنة نيف وثمانين، بتسبيبات له على عمّالها، وكان معنا أصحاب الحديث.
فقيل له: قد دخل إليك ابن المثنّى، فقام، وقدّر، أنّ أبا علي الحسن ابن المثنّى، قصده.
فقال له بعض الحاضرين: إنّه أحمد بن الحسن بن المثنّى، فجلس، قبل أن يقرب منه أبو الحسين.
ثم استدنى أبا الحسين، وأكرمه، وسأله عن خبر أبيه، [فأخبره بوفاته، فترحّم عليه، وقال: أنا أسنّ منه.
فسألناه عن مقدار الزيادة، فقال] «٢» : لا أدري، كنت يوما في مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالبصرة «٣» ، وقد اجتاز بنا «٤» ، وكان أصحاب الحديث حضورا، وكان موسى لا يطلق أن يدخل مجلسه غلام أمرد، ليسمع الحديث، فحين رآه موسى، صاح: يا غلام، أخرجه.
فقلنا له: أعزّ الله القاضي، هذا ابن أخيك، أبو علي بن المثنّى.
قال: فرفعه، وقدّمه.
стр. 880
٣١ أبو خازم القاضي
يريد أن يولّي أحمد بن الحسن بن المثنى القضاء وحدّثني «١» ، قال: حدّثني أبو الحسين «٢» ، قال:
لما نشأت، كتب أبو خازم القاضي «٣» ، إلى أبي، يقول: إنّه قد بلغني أنّه قد نشأ لك فتى يطلب العلم، ومن حاله، وصفته، [٣٦]- قال، وقرّظني- فأنفذه إليّ، لأقلّده القضاء.
قال: فقال لي أبي: ما تقول؟
فقلت: أنفذني، فإنّك، هوذا، ترى ما نحن فيه من الإضاقة، فلعلّي أتّسع بالأرزاق، [فقال أبي: لا تفعل] «٤» ، فإنّ الأعمال تفنى، والصيانة تبقى.
следующие страницы →