Полный текст (2 817 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
٢٧ ألوان من الحجاب
وحدّثني «١» ، قال: وحدّثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى «٢» ، قال:
لما قدم حامد بن العباس «٣» الأبلّة «٤» ، يريد الأهواز «٥» ، وهو وزير «٦» ، خرجت لتلقّيه، فرأيت له حرّاقة «٧» ، ملّاحوها خصيان بيض، وعلى سطحها شيخ، يقرأ القرآن، وهي مظلّلة، مستّرة.
فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حرّاقة الحرم، لا يحسن أن يكون ملّاحوها فحولة.
قال: وقال لي أبو الحسين: دخلت إلى ابن الجصّاص»
في داره ببغداد، فرأيت خصيانا بيضا مزيّنين «٩» .
стр. 877
٢٨ جواب لأبي العيناء
قال «١» : حدّثنا أبو الحسين «٢» ، قال:
رأيت لأبي العيناء «٣» ، خادمين، خصيّين، أسودين، يقودانه.
فقيل له: كيف اتّخذت خصيين أسودين؟
فقال: حتى لا يتّهما بي، ولا أتّهم بهما.
٢٩ أبو العيناء لا ينسى ما حفظ
وحدّثني «٤» ، قال: حدّثنا أبو الحسين «٥» ، قال:
قدم أبو العيناء البصرة، في سنة نيف وثمانين «٦» ، بعد الغيبة الطويلة، التي غاب عنها، وخدمته للخلفاء، والوزراء، [٣٤] بسرّ من رأى.
وكان أبو خليفة «٧» ، إذ ذاك، عالم البصرة، بالحديث، والأخبار،
стр. 878
واللّغة، والنحو، ومحمد بن جعفر بن بسّام، قاضيها، وكان له محلّ من الأدب، واللغة، والشعر، كبير، وكنت منقطعا إليه، ملازما له، أدرس عليه الفقه، فكان أوّل من ائتمنني، ورفع شأني.
فقال لي: يا أبا الحسين، قد قدم أبو العيناء، وأحبّ أن أجمع بينه، وبين أبي خليفة، وننظر أثرهما.
فقلت: عليّ ذلك.
قال: فمضيت، ولقيت أبا العيناء، وعقدت عليه وعدا للحضور، عند ابن بسّام، وعلى أبي خليفة، فاجتمعا.
فأخذ أبو العيناء، في الرواية عن الأصمعي «١» ، ومشاهداته مع المتوكّل «٢» ، وابن أبي دؤاد «٣» ، وفلان، وفلان، والشعراء.
قال: فأسكت أبو خليفة، فلم ينجرّ معه، ولم يلحق به.
قال: فأثنينا على أبي العيناء، وقرّظناه.
فقال: يا أيّها القاضي، أنا لا أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة.
стр. 879
٣٠ أبو العيناء وأحمد بن الحسن بن المثنى
وحدّثنا أيضا «١» ، قال: حدّثني أبو عبيد محمد [٣٥] بن علي الآجرّي، قال:
كنت عند أبي العيناء، لما قدم البصرة، سنة نيف وثمانين، بتسبيبات له على عمّالها، وكان معنا أصحاب الحديث.
فقيل له: قد دخل إليك ابن المثنّى، فقام، وقدّر، أنّ أبا علي الحسن ابن المثنّى، قصده.
فقال له بعض الحاضرين: إنّه أحمد بن الحسن بن المثنّى، فجلس، قبل أن يقرب منه أبو الحسين.
ثم استدنى أبا الحسين، وأكرمه، وسأله عن خبر أبيه، [فأخبره بوفاته، فترحّم عليه، وقال: أنا أسنّ منه.
فسألناه عن مقدار الزيادة، فقال] «٢» : لا أدري، كنت يوما في مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالبصرة «٣» ، وقد اجتاز بنا «٤» ، وكان أصحاب الحديث حضورا، وكان موسى لا يطلق أن يدخل مجلسه غلام أمرد، ليسمع الحديث، فحين رآه موسى، صاح: يا غلام، أخرجه.
فقلنا له: أعزّ الله القاضي، هذا ابن أخيك، أبو علي بن المثنّى.
قال: فرفعه، وقدّمه.
стр. 880
٣١ أبو خازم القاضي
يريد أن يولّي أحمد بن الحسن بن المثنى القضاء وحدّثني «١» ، قال: حدّثني أبو الحسين «٢» ، قال:
لما نشأت، كتب أبو خازم القاضي «٣» ، إلى أبي، يقول: إنّه قد بلغني أنّه قد نشأ لك فتى يطلب العلم، ومن حاله، وصفته، [٣٦]- قال، وقرّظني- فأنفذه إليّ، لأقلّده القضاء.
قال: فقال لي أبي: ما تقول؟
فقلت: أنفذني، فإنّك، هوذا، ترى ما نحن فيه من الإضاقة، فلعلّي أتّسع بالأرزاق، [فقال أبي: لا تفعل] «٤» ، فإنّ الأعمال تفنى، والصيانة تبقى.
стр. 881
٣٢ أبو العيناء في دار الواثقي أمير البصرة
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني بعض شيوخنا:
إنّ أبا العيناء، قصد دار الواثقيّ «٢» ، وهو الأمير بالبصرة- إذ ذاك-، فأجلس في الدهليز «٣» ساعة، إلى أن استؤذن له.
وجرى الحديث، فقال رجل، في حديث أقتضى ذلك، يا أبا العيناء، أنت صائم اليوم؟
فقال: أمّا في هذه الدار، فنعم.
فكتب صاحب الخبر، إلى الواثقيّ، بذلك، فأذن له في الحال، واعتذر إليه، من إجلاس البوّابين له في الدهليز، وانكر ذلك عليهم.
стр. 882
٣٣ منافرة بين ضريرين
قال «١» :
واجتمع أبو العيناء، وأبو علي البصير «٢» ، يوما في مجلس، فاستطال عليه أبو العيناء، فقال له أبو عليّ «٣» : نحن جميعا ضريران، فما هذا التطاول؟
فقال: ولا سواء، أنت من عميان العصا، وأنا من عميان المواكب «٤» [٣٧] .
стр. 883
٣٤ المصالحة بين تاجر أفلس وبين دائنيه
حدّثني محمد بن أحمد بن عثمان بن الحارث الزيّات، قال: حدّثني أبي، قال:
كان لي، ولجماعة من التجار ببغداد، على رجل من البزّازين، أربعة آلاف دينار، فقام للناس «١» ، فاجتمعنا، ففتحنا دكّانه، فوجدنا فيه متاعا ثمنه أربعمائة دينار.
فقال: إن اخترتم أخذها وإبرائي من الباقي، فخذوا، فإنّي لا أرجع إلى شيء غير ذلك، وإن اخترتم أن تؤخّروني بالدين، وأفتح دكّاني، وأعمل بهذه الأربعمائة دينار، دفعت إليكم في كل سنة أربع مائة دينار، فيأخذ كلّ واحد منكم العشر من ماله، وتستوفون المال في عشر سنين.
فأجبناه، إلّا رجلا، يعيد ويقول: زيدوني على العشر، ولو دينارا واحدا، في السنة.
فقلنا للرجل: أجبه إلى هذا.
فقال: إن أعطيت هذا الدينار، زيادة، على أربعمائة الدينار، في السنة، مضت الأربع مائة دينار في التسع سنين، وبقيت، بقيّة دينكم، بحالها.
فعجبنا من ذلك، وقلنا: أوجدنا [٣٨] صحّة ما قلت.
فقال: هذه الأربعمائة الدينار، إذا اتّجرت فيها سنة، وسلمت، فربحي أربعمائة دينار.
стр. 884
يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وتسعة وتسعون دينارا.
فأتّجر فيها، في الحول الثاني، فيحصل معي سبعمائة، وثمانية وتسعون دينارا، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وسبعة وتسعون دينارا.
فيحول الحول الثالث، فيصير المال سبعمائة وأربعة وتسعون دينارا يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وخمسة وخمسون دينارا «١» .
يحول الحول الرابع، فيصير سبعمائة وستون دينارا، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، ويبقى خمسائة وثمانون دينارا «٢» .
ويحول الحول الخامس، سبعمائة دينار، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وخمسة وثمانون دينارا «٣» .
ويحول الحول السادس، فيخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وتسعة وسبعون دينارا «٤» .
ويحول الحول [٣٩] السابع، فيصير سبعمائة وأربعة وخمسين دينارا، يبقى ثلاثمائة وسبعة وخمسين دينارا «٥» .
ثم يحول الحول الثامن، فيصير مائتين وتسعين دينارا، يخرج منها ثلاثمائة دينار، بقي منها مائتين وتسعة وستّين دينارا «٦» . والدين دين، ولا يمكن أن أدفع إليكم، إذا كان الأصل أربعمائة، أكثر من أربعمائة.
فأجبناه إلى الاقتصار على الأربعمائة، وفتح دكانه، وعمل، ورزق.
стр. 885
٣٥ إنفاق بلا دخل، يذهب بالأموال
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني أبي، فقال:
كلّ كيس يكون فيه ألف درهم، فتخرج منه درهما واحدا، ولا يدخله درهم آخر، فإنّ الكيس كلّه يذهب، إن كان بتجارة، فبنقصان ربحها، وإن كان بنفقة، فليس يحتاج إلى دليل.
وإنّما يحفظ الأموال، فضولها، وينستر التاجر بربحه.
٣٦ بين الجبائي والكرخي
حدّثني عبد الله بن أحمد بن داسه «٢» ، قال: حدّثني أبو عبد الله، محمّد بن إبراهيم بن عبيد الله، الفقيه، الحنفي [٤٠] ، الأرمني، قال:
كان أبو زهير الجبائي، الفقيه، ورعا، حاذقا بمذهب أبي حنيفة، فدخل بغداد، فبلغته أخبار أبي الحسن الكرخيّ «٣» ، ﵁، في ورعه.
стр. 886
قال: فلقيه، فقال له: يا أبا الحسن، بلغني انّك تأخذ من السلطان رزقا في الفقه.
قال: نعم.
قال: ومثلك في علمك، ودينك، يفعل هذا؟
فقال له أبو الحسن: أو ليس قد أخذ الحسن البصري «١» ، ﵁، في زمنه، وفلان، وفلان، فعدّد خلقا من الصالحين والفقهاء، ممن أخذ من بني أميّة.
فقال له أبو زهير: ذهاب هذا عليك أطرف، بنو أميّة، كانت مصائبهم في أديانهم، وجبايتهم الأموال سليمة، لم يظلموا في العشر، ولا في الخراج، وكان الفقهاء يأخذون من الأموال مع سلامتها، وهؤلاء «٢» ، مع سلامة أديانهم، أموالهم فاسدة، وجباياتهم بالظلم والغش.
فسكت أبو الحسن، فلما كان وقت قبض جائزته، لم يطالب بها، وتركها، ولم يقبض شيئا من الجاري، إلى [٤١] أن مات.
قال لي عبد الله بن داسه: أن [أبا] زهير هذا، هو أستاذ أبي محمد ابن عبدل، الذي علّمه الفقه على مذاهب أصحابنا «٣» .
وكان أبو محمد بن عبدل، أستاذنا نحن في الفقه، وقد درست عليه، وشاهدته الطويل العريض، وما سمعت منه هذه الحكاية.
стр. 887
٣٧ الخصال المذمومة في الشيخ
وحدّثني «١» ، قال: قال لي بعض شيوخنا:
إنّ الشيخ إذا أسنّ، صارت فيه ثلاث خصال مذمومة: إذا قام عجن «٢» ، وإذا مشى زفن «٣» ، وإذا سعل قرن «٤» .
стр. 888
٣٨ شيخ من أهل المذار يرى مناما
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني عبد الله بن معاذ، قال: حدّثني شيخ من أهل المذار «٢» ، قال:
كان لي زرع في ضيعة، وكان حسنا، جيّدا، وافرا، وكنت واسع الطمع فيه، فبتّ ليلة، فرأيت في منامي، كأنّي بنفسين يطوفان الصحارى المزدرعة، ويقول أحدهما للآخر، اكتب: زرع فلان كرّ، وفلان كرّين، قال: وأنا أحفظ الأسماء، وبلغ الكيل إلى أن جاء إلى قراحي، فقال:
اكتب [٤٢] ، وزرع فلان ثلاثة أكرار.
فقلت له: أعزّك الله، زرعي- والله- في غاية الجودة، وأنا أؤمل فيه عشرة وأكثر.
فقال لصاحبه: اكتب ثلاثة أكرار.
قال: فلما كان من الغد، انتبهت متعجّبا، وقمت.
وما مضت أيّام، حتى لحقت الغلّة آفة، ونجا بعض الناس، وأصيب بعضهم، وحصد جيراني، وحصدت.
قال: فحصل لي، والله، ثلاثة أكرار «٣» ، لا تزيد قفيزا، ولا تنقص قفيزا.
قال: وعرفت خبر القوم الذين كنت حفظت أسماءهم، ومبلغ كيلهم، فإذا كيل الجميع، قد خرج على ذلك المبلغ سواء.
стр. 889
٣٩ من أقوال معز الدولة
بلغني من جهة وثقت بها، عن معزّ الدولة «١» ، إنّه قال: ما نام بين طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، مقبل قط.
وهذا منه، [على] أنّه رجل أعجميّ، حسن جدا.
والأصل في ذلك، قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇:
إنّ النبي ﷺ ، قال: «بورك لأمتي في بكورها» «٢» ،
стр. 890
٤٠ القاضي أبو عمر ينقذ بعمامته شخصا من الغرق
حدثنا أبو أحمد بن أبي [٤٣] الحسك الشاهد، قال:
كان أبو عمر القاضي «١» ، يجتاز بباب دارنا، دائما، ذاهبا إلى ضيعته المعروفة بالصالحيّة، وأنا صبيّ، وبعد ذلك، إلى أن صرت حدثا.
قال: فسمعت- إذ ذاك- أنّه اجتاز، فلما صار على شاطئ نهر عيسى «٢» ، رأى رجلا في الماء، وهو يصيح: الغريق، ولم يكن بين يدي أبي عمر، إلّا غلام واحد.
قال: فصعد أبو عمر بحماره على تلعة، وصاح بأعلى صوته: يا ناس، يا ناس، دفعات، فلم يجبه أحد، لخلّو الموضع، وانقطاع الطريق.
فنزل عن حماره، وخلع عمامة كانت عليه، ورمى بها إلى الرجل، وأخذ طرفها بيده، وأمسك بيده الأخرى شجرة كانت هناك.
وقال للرجل: لا خوف عليك، فاجذب العمامة، بكل قوّة.
قال: فما زال الرجل يجذبها، ويقرب، إلى أن قرب من الشطّ، حتى رقى في الشطّ، وخرّ مغشيا عليه.
وجازت جماعة، فرأوا القاضي على تلك الصورة، فدعوا له، وشكروه، وبادروا إلى الرجل، وعصروا جوفه من الماء، ونجا، وعاش [٤٤] .
стр. 891
٤١ الإكثار من الغالية يدفئ في الجو البارد
حدّثني عبد الله بن أحمد بن بكر البصري «١» ، قال:
كان المهريّون «٢» بالبصرة، لهم نعم ومروءات، وكانوا في جيراننا، فحدّثني شيوخنا: إنّ فتى منهم، وكان ظريفا، ركب في يوم شات، شديد البرد، والماء قد جمد، وليس عليه من الحشو «٣» شيء، إنّما كان عليه قميصان، وعمامة، وطيلسان «٤» ، وخفّ، فدخل إلى قوم، فعجبوا من صبره على البرد، فنزع خفّه، فإذا هو قد طلا رجليه بالغالية «٥» ، وحشا منها شيئا كثيرا، بين أصابعه، وفي سرّته، واستعمل منها شيئا كثيرا في لحيته، وأخذ خرقة، وطلا عليها، ووضعها على رأسه، وتعمّم عليها، فحمي حميا، لم يحتج معه إلى أكثر من قميصين.
стр. 892
٤٢ الإكثار من الغالية يسبب العمى
قال «١» : وحدّثني شيوخنا:
انّ محمد بن سليمان بن عليّ الهاشميّ «٢» ، كان في ضيعته التي يقال لها:
المحدثة، خارج البصرة، جالسا في مجلس على بستان، وفي بعض زوايا البستان، إجّانة «٣» صينيّ كبيرة، مملوءة غالية.
فدخل إليه قوم من العامّة، في [٤٥] حاجة لهم، وكان أحدهم، خسيس الحال، فلما رأى الغالية، سرق منها شيئا كثيرا، اغترفه ملء كفه، فوضعه على رأسه وأطبق عمامته عليه، وأطال القوم الجلوس، وهو معهم، فلما قاموا، قام معهم، فلم يبصر، فقال: خذوا بيدي فقد عميت.
فاغتم محمد بن سليمان، لذلك، وجاء بطبيب في الحال، وقال: ما دهاك! فلم يصدقه.
فأمر الطبيب بكشف رأسه، فرأى الغالية، فصب عليها الماء البارد، حتى لم يبق لها أثر، ثم طلاه بالصندل «٤» والماورد، والكافور «٥» ، وأقامه في الهواء ساعة، فعاد بصره إلى حال الصحة، وانصرف.
стр. 893
٤٣ مثل من الأمانة
وحدّثني، قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن عبّاد النجار، وهو شيخ من وجوه التمّارين بالبصرة، طال عمره، وحدّث، وكتبت عنه، ولم أسمع هذه الحكاية منه، قال:
كان في جوارنا فلان، فتصدّق ليلة على ضرير اجتاز به، وهو لا يعرفه، فأراد أن يفتح [٤٦] إحدى صرتين في كمّه، في إحداهما دنانير، وفي الأخرى دراهم، فيعطيه درهما، فأعطاه دينارا.
وانصرف الضرير، وهو لا يشكّ أنّ معه درهما.
فبكّر به إلى بقال يعامله، فقال: خذ هذا الدرهم، واحسب ما لك عليّ، وأعطني بالباقي كذا وكذا.
فقال له البقال: يا هذا، من أين لك هذا؟
قال: أعطانيه البارحة فلان.
قال: إنّه دينار، فخذه.
فأخذه الضرير، وجاء به من الغد إلى الرجل، وقال: إنّك تصدّقت عليّ بهذا، وأظنّك أردت أن تعطيني درهما، وغلطت، وما أستحلّ أخذه مغالطة، فخذه.
فقال له الرجل: قد وهبته لك، وإذا كان في رأس كلّ شهر، فتعال إليّ، أعطيك شيئا آخر، مجازاة لأمانتك.
وكان يجيئه في رأس كل شهر، فيعطيه خمسة دراهم.
قال: فلم أر أعجب من أمانة البقّال والضرير، ولو كان في هذا الوقت، لجرى الأمر بضدّ ذلك [٤٧] .
стр. 894
٤٤ لا يعرّض القرآن للمسألة
قال «١» : وقال لي ابن عباد «٢» : وكان «٣» يقرأ بالسبعة «٤» ، فكنت أسمعه طول الليل يقرأ، وكان فقيرا، فإذا كان النهار، خرج يتصدّق «٥» ، فأسمعه ينشد على الطريق، الرقائق «٦» والزهديّات، لا أسمعه يتصدّق بغيرها.
فقلت له يوما: يا فلان، أنت تحفظ القرآن، وأراك تتصدّق بالرقائق، فكيف لا تقرأ وتتصدّق كما يفعل الأضرّاء؟
فقال: والله لا أعرّض القرآن للمسألة أبدا.
стр. 895
٤٥ السورجي وزوجته
حدّثني أبو محمد «١» ، قال: حدّثني السورجيّ، شيخ كان يجاورنا، مستور، قال:
كانت لي امرأة صالحة، فكنت إذا اشتريت لحما لتطبخه لنا، طبخته، وغرفته جميعه، وجاءتني به، وكنت أكولا، فكنت آكله جميعه، وتجوع هي، وأولادها.
فقلت لها: يا هذه، إذا طبخت شيئا، فاقسميه قسمين، وجيئيني بأحدهما، ودعي الآخر، لنفسك، وأولادك.
فقالت: لا والله، لا أفعل هذا، بل أقدّمه إليك كلّه، لتأكل أجوده، فإنّك [٤٨] أنت تسأل عنه.
٤٦ يتمنى أن يمرض ليعوده حبيبه
أنشدني أبو الحسن بن أبي الليث، لنفسه:
عصيت الهوى وأطعت العذول ... وكنت كما قال فيّ الحسود
وملّكت رقّك وهو المنى ... وبعتك للدين فيمن يزيد
لئن لم أكن أتمنّى السقام ... لعلّي ألقاك فيمن يعود
стр. 896
٤٧ المعتضد يكتب رقعة في رفع ظلامة
حدّثني محمد بن أحمد بن عثمان الزيّات، قال: حدّثني أبو بكر بن حورى- شيخ كان من أهل فامية «١» ، من أعمال النهروان، قد أقام ببغداد سنين، وكان مشهورا بصحبة ابن أبي عوف «٢» - قال:
كنت ألزم ابن أبي عوف، سنين، لجوار بيننا ومودّة، لا أسأله حاجة، لأنّها لم تكن تعرض لي، وكنت أتخفّف بين يديه في حوائج ينفذني فيها، وكان رسمي في كلّ ليلة، أجيئه بعد العتمة، وقد صلّى ودخل منزله، فحين يراني [٤٩] ، يمدّ رجله في حجري، فأغمزها، وأحادثه، فيسألني عن الأخبار والحوادث ببغداد، وكنت أسأل عنها، وأتطلّبها من كل موضع، وأجيئه بها، وأخبره بخبر من قدم البلد، ومن سافر عنه، ومن مات، ومن ولد، ومن خاصم، ومن ورث، ومن يرجف به الناس، وأخبار الجيران، وبكل غثّ وسمين، إلى أن ينعس، فإذا نعس، قبض رجله، فقمت إلى بيتي، وقد مضى ثلث الليل، أو بعضه، أو أقل.
[وجرى الأمر] على هذا سنين.
فلما كان ذات يوم، جاءني سقطيّ «٣» كان يعاملني، فقال: قد دفعت إلى شيء إن تمّ عليّ، افتقرت.
стр. 897
فقلت: ما هو؟
فقال: رجل كنت أعامله، فاجتمع لي عليه ألف دينار، فطالبته، فرهنني عقد جوهر، قوّم بألف دينار، إلى أن يفتكّه بعد شهور، أو أبيعه، وأذن لي في ذلك.
فلما كان أمس، وجّه مؤنس الفحل، صاحب الشرطة «١» ، من كبس دكّاني، وفتح صندوقي، وأخذ العقد، وقد استتر الرجل.
فقلت له: لا تفكّر في هذا [٥٠] ، فإنّي أخاطب أبا عبد الله بن أبي عوف، فيلزمه ردّه صاغرا.
قال: وأنا مدلّ بابن أبي عوف، لمكاني منه، ومكنته من المعتضد.
فلما كان تلك الليلة، جئته، فمدّ رجله في حجري، على الرسم وحادثته، وعرّفته الأخبار، وقلت له في جملتها، أمر السقطيّ مع مؤنس.
ثم قلت: هذا الرجل جاري، ومعاملي، وأوجب الناس حقا عليّ، ولا بدّ- والله- من تفضّلك يا سيّدي، واعتنائك في أمره، وإلزام مؤنس، ردّ العقد. قال: فحين سمع هذا نحّى رجله من حجري وقال:
ما أنا وهذا؟ أعادي صاحب شرطة الخليفة؟ وكيف استجزت أن تعرّضني لمثل هذا، وتسألني فيه؟ كأنّي بك، وقد قلت: ابن أبي عوف صديقي ألزمه ردّ هذا، ولم تشفق على جاهي، وكأنّ صلاح حال السقطيّ، أحبّ إليك من صيانة جاهي، ما أنا، عافاك الله، وهذا؟ ولا أليه.
قال: فورد عليّ من هذا، أعظم مورد، وقلت في نفسي: هذا رجل [٥١] قد خدمته، كذا وكذا سنة، هذه الخدمة، التي لم تخدمها العبيد، على أنّي ما سألته قطّ حاجة، ولا احتجت إليه في شيء، ولا له عليّ رزق، ولا
стр. 898
أفضال، يلقاني في حاجة قد سألته فيها، بمثل هذا؟ شهد الله، لا دخلت له دارا بعدها أبدا.
وأمسكت وجلست لا أتكلم، ثم قمت قبل الوقت الذي كنت أقوم فيه، وعدت إلى منزلي منكسرا مغموما.
فلما كان من الغد، بكّرت، لئلا يجيئني الرجل، بسبب حاجته، فأفتضح عنده، ولم أدخل بيتي إلى وقت المغرب، ثم جئت، فصلّيت، وطرحت، واعتقدت أنّني لا أمضي إليه.
فلما صلّيت العتمة، جاءني خادم لابن أبي عوف، فقال: الشيخ بقرأ عليك السلام، ويقول: لم تأخرت الليلة؟ إن كنت معافى، فتعال، وإن كنت متشكّيا جئناك.
فاستحييت، وقلت: أمضي الليلة، ثم أنقطع.
فحين دخلت إليه، ورآني، مدّ رجله في حجري، فأخذتها، وغمزتها على الرسم.
فقال: أيش عندك «١» [٥٢] من الأخبار؟
فأقبلت أحدّثه، بحديث غثّ، متكلّف، متصنّع، فلم يزل يصبر على ذلك ساعة، ثم قبض رجله، فقمت.
فقال: يا أبا بكر، انظر أيش تحت المصلّى.
وإذا برقعة في قرطاس، فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة، وإذا فيها:
«يا مؤنس، جسرت على قصد دكّان رجل تاجر، يعرف بفلان، وفتحت صندوقه، وأخذت منه عقد جوهر قيمته ألف دينار، وأنا في الدنيا؟ والله، لولا أنّها أول غلطة غلطتها، ما جرى في ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى
стр. 899
دكّان الرجل، حتى تردّ العقد في الصندوق، بيدك ظاهرا» .
فقلت لأبي عبد الله: أيش هذا يا سيّدي؟
فقال: خطّ المعتضد إلى مؤنس، بما أردته، مثّلت بين وجدك وعتبك، مع بقاء الحال مع مؤنس كما هي، وبين رضاك وقضاء حقك، وإيحاش مؤنس، فاخترتك عليه، فأخذت خطّ أمير المؤمنين، بما تراه، فامض، وأوصله إليه، فإنّه يفعل ما أمره به.
فقبّلت رأسه، وشكرته [٥٣] ، وانصرفت، وأنا من الفرح لا أعقل.
وجئت إلى الرجل، وأخذت بيده، ومضينا إلى مؤنس، وسلّمت التوقيع إليه، فحين قرأه اسودّ وجهه، وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال:
يا هذا، الله بيني وبينك، هذا شيء ما علمت به، وتموه عليّ، فألا تظلّمتم إليّ، فإن لم أنصفكم، فإلى الوزير، ما هذا؟ بلّغتم الأمر إلى أمير المؤمنين، من أوّل وهلة؟
قال: وانتشطت، فقلت: بعلمك جرى، والعقد معك.
قال: فأحضر العقد، وقال: خذوا الألف دينار، التي عليه الساعة، واكتبوا على الرجل، بطلان ما ادّعاه.
فقلت: لا نفعل.
فقال: خذوا ألفا وخمسمائة دينار.
فقلت: والله، لو أعطيتنا ألف ألف دينار، ما رضينا، أو تركب بنفسك إلى الدكّان، والعقد معك، فتردّه إلى الصندوق، ولا نكذّب أنفسنا، أو تردّ التوقيع، فقال: أسرجوا لي.
قال: فركب، والله، في موكبه، حتى وقف على دكّان الرجل، وردّ العقد [٥٤] بيده إلى الصندوق.
فجاءنا صاحبه، في ذلك اليوم، ودفع الألف دينار، وارتجعه.
стр. 900
٤٨ ابن أبي دؤاد وكرمه وعلوّ همته
حدّثني عبد الله بن أحمد بن داسه «١» ، قال: حدّثني أبو أحمد بن أبي الحسك الشاهد، قال: حدّثني بمصر، أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله ابن نصر، القاضي، وهو قاضيها يومئذ «٢» ، قال: حدّثني شيخ كان في جوارنا ببغداد، بدرب الروّاسين، من باب الشام «٣» ، قال:
كان أبو عبد الله بن أبي دؤاد «٤» ، ينزل بباب الشام، وهو صغير الحال، فكنا نعرف أحواله.
فباع يوما منديلا كان له، بسبعة دراهم، لتعذّر القوت عليه.
قال: فاجتاز في طريقه، وهو عطشان، فرأى شاربا، فعدل إلى
стр. 901
الموضع، ودعاه، واستسقاه، فكسر الشارب «١» شفة كوز «٢» كان معه، وملأه ودفعه إليه.
فقال له ابن أبي دؤاد: لم فعلت ذلك؟
فقال: قد شرب في هذا الموضع قبلك من لم أرض لك، أن تجعل شفتك في موضع شفته، فكسرت الموضع [٥٥] من الكوز لتشرب من موضع، ما وقعت عليه شفة غير شفتك.
قال: فشرب الماء ثم دفع إليه السبعة دراهم، التي لم يكن يملك غيرها «٣» .
стр. 902
٤٩ دعوة الأم لأولادها مستجابة
حدّثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنّى «١» ، قال:
كانت أمّي قد رأت ليلة القدر «٢» ، فدعت الله بدعاء كثير، فلما كان من الغد، قال لها أبي: هل دعوت الله لي؟
فقالت: شغلني الدعاء لأولادك، عن الدعاء لك.
قال: فكنّا نرى أنّ ما أفاء الله تعالى علينا من نعمة، بعد ذلك، إنّما كان بدعائها.
стр. 903
٥٠ أبو الهيجاء بن حمدان ومتانة أعصابه
حدّثني أبو الفضل الشيرازيّ الكاتب محمد بن عبد الله بن المرزبان «١» ، قال: حدّثني شيخ من شيوخ النخّاسين الجلّة ببغداد، قال:
كنت أعامل أبا الهيجاء، عبد الله بن حمدان «٢» ، في الرقيق، فكان يشتري مني، ولا يبيع شيئا يشتريه بوجه، إمّا أن يهبه، أو يعتقه.
فجاءني يوما، إلى حجرتي، ولم تكن عادته جرت بذلك، فوجدته [٥٦] ، وهو مستعجل، يريد الخروج إلى القصر «٣» ، لقتال أعراب بلغه أنّهم عاثوا في الطريق، وكان يليه، فقال: بعني الساعة جارية.
فعرضت عليه عدّة جوار، فاختار مولّدة منهنّ، وحملها في عماريّته «٤» ، على بغل.
فلما كان بعد شهور أقلّ من ستّة، جاءني بها رجل من الجند، يريد بيعها.
فقلت لها: أليس كان الأمير أبو الهيجاء، اشتراك منّي؟
فقالت: بلى، ولكنّه وهبني لهذا.
стр. 904
قال: فلم أبعها حتى كاتبته، وعرّفته خبرها، لئلا تكون قد هربت، أو وقع بها حيلة.
فلما أعلمني أنّه وهبها، شرعت في بيعها في الحال، فتعذّر، وأقامت عندي أيّاما.
فسألتها عن أخبار أبي الهيجاء، وأمره في داره، فأخبرتني بأشياء من ذلك. فكان من طريف ما أخبرتني به، أن قالت:
أخرجني من عندك في العمّارية، وسرنا يومنا وليلتنا، إلى قريب من انتصاف الليل، فكدّني السير وأتلفني، ثم حطّ العمّارية في الصحراء، ثم ضربت له خيم، ولأصحابه، فصرنا في عسكر، وأشعلت النيران، ونصب له سرير [٥٧] مخلّع «١» في خيمة له، واستدعاني، فجئت وهو على فراشه، فلاعبني، ثم نزع «٢» سراويله، وجلس منّي مجلس الرجل من المرأة، فوقعت صيحة عظيمة، فنهض عنّي، ولم يكن أولج، وضرب بيده إلى تحت الفراش، وإذا سيف مجرّد، فأخذه، وخرج بلا سراويل، وصاح أنا أبو الهيجاء، وسألهم عن سبب الصيحة، فقالوا: سبع أطاف بالخيم.
فخرج يعدو، ومعه خلق من غلمانه وأصحابه، وأهاجوا السّبع، وطلبوه، وناصبوه الحرب، وناصبهم، وأنا أسمع الصياح، وزأرات الأسد، وقد تلفت فزعا، ثم يأتيه هو، من بين الجماعة، فقتله، فحمل رأسه، وجاءني وهو في يده، فلما رأيته صحت، فرمى بالرأس، وغسل يده.
ثم جاءني، فطرحني، وإذا أيره قائم، كما كان في وقت نهوضه، ما تغيّر، ثم جامعني، ثم نهضت.
فما رأيت قلبا أثبت من قلبه، ولا أيرا أقوى من أيره.
стр. 905
٥١ هجاه بالشعر فأجابه بأخذ الشعير
حدّثني عبد الله بن أحمد بن داسه «١» ، قال: حدّثني أبو سهل بن زياد القطان «٢» قال:
كان بإسكاف «٣» ، شاعر [٥٨] له ضويعة «٤» ، فهجا عاملها، وبلغه ذلك، فأمسك عنه، فلما كان وقت الغلّة، ركب العامل إلى البيدر، وقسمه، وحمل غلّة الشاعر أصلا.
فجاء الشاعر إليه يشكو، ويداريه.
فقال: يا هذا ليست بيننا معاملة، أنت هجوتنا بالشعر، ونحن هجوناك بالشعير، وقد استوت الحال بيننا وبينك.
стр. 906
٥٢ خلف النار الرماد
حدّثني محمد بن عديّ بن حرّ. وجماعة من البصريّين، قالوا:
لما نشأ لأبي الحسين محمد بن عبيد [الله] بن نصرويه «١» ، مع فضله، ورجلته، ومحلّه المشهور من الدهاء والفضل «٢» ، والعلم والعقل، ابنه الباقي الآن، وأخبر أبو الحسين بتأخّره، غمّه ذلك.
قال: وكان أبو الحسين، يوما جالسا، إذ جاء ابنه هذا يسعى إليه، كأنّه في مهمّ، ثم نتف طاقة شعر كانت على أذن أبي الحسين، وسعى، فآلمه ذلك، وغمّه بلوغ تخلف الصبي، إلى هذا الحد، ورثينا لما جرى.
قال لنا: خلف النار الرماد «٣» .
стр. 907
٥٣ كما تدين تدان
وحدّثني [٥٩] الحسين بن محمد الجبائي، قال:
لما سعى أبو طاهر الحسين بن الحسن، عامل البصرة «١» ، على أبي الحسين ابن نصرويه «٢» ، حتى نكب النكبة الثانية، التي ألزمه فيها العباس بن الحسين «٣» ، ما ألزمه من المال، راسل أبا طاهر، فقال له: اعلم انّ الصيّاد الفاره، لا يذبح شباشه «٤» ، وأنا كنت لك في هذا البلد، مع التجار والناس، مثل
стр. 908
شباش الصيّاد، فبي إنّما ظنّ الناس أنّك عادل، وكنت تأخذ من تريد من الأوساط والأصاغر، ولا ينكشف أمرك، وقد صرت بما عاملتني، مثل الصيّاد الذي ذبح شباشه، فليس عزمه بعدها أن يصطاد، وستعلم أنّك لا تنتفع بنفسك، ولا بالبلد بعدي.
ثم عدل إلى السعاية عليه مع أبي الفضل العباس بن الحسين الوزير، فما خرج من البصرة حتى قبض عليه، ونكبه، وقلّد البصرة، أبا القاسم عليّ ابن الحسين بن إبراهيم «١» ، ابن أخت أبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس «٢» ، وألزم مالا ثقيلا لم ينهض به، وتلف أبو طاهر في المطالبة، والضرب، ومات [٦٠] في الحبس، وانسحق هو وأهله، إلى آخر دهرهم، وكل ذلك بتدبير أبي الحسين، وترتيبه المكاره عليهم.
стр. 909
٥٤ الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار
حدّثني محمد بن هلال «١» بن عبد الله، قال: حدّثنا القاضي أحمد بن سيّار، قال: حدّثني رجل من الصوفيّة، قال:
كنت أصحب شيخا من الصوفية، أنا وجماعة في سفر، فحدّثني حديث التوكّل، والأرزاق، وضعف النفس فيهما، وقوّتها.
فقال ذلك الشيخ: عليّ وعليّ، لا ذقت مأكولا، أو يبعث إليّ بجامة فالوذج حار، ولا آكل إلّا بعد أن يحلف عليّ.
قال: وكنّا نمشي في الصحراء.
فقالت له الجماعة: الآخر «٢» جاهل.
ومشى ومشينا، وانتهينا إلى قرية، ومضى عليه يومان، وليلتان، لم يطعم فيهن شيئا.
ففارقته الجماعة، غيري، فإنّه طرح نفسه في مسجد القرية، مستسلما للموت ضعفا، فأقمت عليه.
فلما كان في ليلة اليوم الرابع، وقد انتصف الليل، وكاد أن يتلف الشيخ، فإذا بباب المسجد قد فتح، وإذا جارية سوداء، ومعها طبق مغطّى.
فلما رأتنا [٦١] ، قالت: أنتم غرباء، أو من أهل القرية؟
فقلنا: غرباء.
стр. 910
فكشفت الطبق، فإذا بجام فالوذج «١» ، يفور لحرارته.
فقالت: كلوا، فقلت له: كل، فقال: لا أفعل.
فقلت له: والله لتأكلنّ، لأبرّ قسمه، فقال: لا أفعل.
قال: فشالت «٢» الجارية يدها، فصفعته صفعة عظيمة، وقالت: والله، لئن لم تأكل لأصفعنّك هكذا، إلى أن تأكل.
قال: فقال: كل معي.
فأكلنا، حتى نظّفنا الجام، وجاءت الجارية تمضي.
فقلنا لها: مكانك، أخبرينا بخبرك، وخبر هذا الجام.
فقالت: نعم، أنا جارية رجل هو رئيس هذه القرية، وهو رجل أحمق حديد «٣» ، فطلب منّا منذ ساعة، فالوذجا، فقمنا لنصلحه، وهو شتاء وبرد، فإلى أن تخرج الحوائج من البيت، وتشعل النار، ويعقد الفالوذج، تأخّر عنه.
فطلبه، فقلنا: نعم، وطلبه ثانيا، ولم نكن فرغنا منه، وطلبه الثالثة، فحرد «٤» وحلف بالطلاق، لا يأكله، ولا أحد من داره، ولا أحد من أهل القرية، ولا يأكله إلا رجل غريب.
فجعلناه [٦٢] في الجام، وخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا، فلم نجد، إلى أن انتهينا إلى هذا المسجد، فوجدنا كما، ولو لم يأكله هذا الشيخ، لقتلته ضربا، إلى أن يأكل، لئلّا تطلق ستّي من زوجها.
قال: فقال الشيخ: كيف ترى، إذا أراد أن يرزق؟
стр. 911
٥٥ سائل بالأبلة، وسائل بالصين
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني القاضي أحمد بن سيّار، قال: حدّثني شيخ من التجار بعمان، قال:
كنت بالأبلّة، أريد الخروج إلى البحر، فرأيت سائلا بباب الجامع، فصيح اللسان، مليح المسألة، فرققت له، وأعطيته دراهم صالحة.
وخطفت «٢» في الوقت إلى عمان، فأقمت بها شهورا، ثم قضي لي أن مضيت إلى الصين، فدخلتها سالما، فإذ أنا يوما أطوف، فإذا الرجل بعينه قائما في السوق يتصدّق.
فتأملته، فعرفته، فقلت له: ويحك، سائلا بالأبلّة، وسائلا بالصين.
فقال: قد دخلت إلى هذا البلد، ثلاث دفعات، وهذه الرابعة، لطلب المعيشة، فلا أجدها إلّا من الكدية «٣» ، فأرجع إلى الأبلّة، ثم أرجع إلى هاهنا.
قال: فعجبت من شدّة [٦٣] حرمانه.
стр. 912
٥٦ تاجر يتمدّح بتجسسه على رسائل التجّار
وحدّثني، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد بن معروف، ﵁ «١» ، قال: حدّثني بعض أهل بغداد، عن أبي عبد الله بن أبي عوف «٢» ، إنّه قال:
ضاق صدري، في وقت من الأوقات، ضيقا شديدا، لا أعرف سببه، فتقدّمت إلى من حمل لي طعاما كثيرا، وفاكهة، وعدة من جواريّ، إلى بستان لي على نهر عيسى «٣» ، وأمرت غلماني، وأصحابي، أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي، ولو ذهب مالي كلّه، ولا يكاتبوني، وعملت على أن أقيم في البستان بقيّة أسبوعي، أتفرّج مع أولئك الجواري.
قال: وركبت حماري «٤» ، وقد تقدّمني كلّما أمرت بحمله.
стр. 913
فلما قربت من البستان، استقبلني فيج «١» ، معه كتب.
فقلت له: من أين وردت؟
فقال: من الرقّة «٢» .
فتتبّعت نفسي، أن أقف على كتبه، وأخبار الرقّة، وأسعارها.
فقلت له: تعرفني؟
فقال: نعم.
فقلت: أنت قريب من بستان لي، فتعال معي، حتى أهب لك دنانير، وأغيّر حالك، وأطعمك، وتستريح الليلة في [٦٤] البستان، وتدخل بغداد غدا.
فقال: نعم.
ومشى معي راجعا، حتى دخل البستان، فأمرت من فيه، أن يدخله حمّاما فيه، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني، ويطعمه.
فابتدوا «٣» معه في ذلك.
وتقدّمت إلى غلام لي فاره، فسرق كتبه، وجاءني بها، ففتحتها، وقرأت جميع ما فيها، وعرفت من أسرار التجّار الذين يعاملوني شيئا كثيرا، وتفرّجت بذلك.
ووجدت جميع الكتب، محشوّة إلى التجار، بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، ولا يبيعوا منه شيئا، فإنّه قد غلا عندهم وعزّ، ويوصونهم بحفظ ما في أيديهم.
стр. 914
فأنفذت إلى وكلائي في الحال، فاستدعيتهم، فجاءوا، فقلت لهم:
خذوا من فلان الناقد «١» ، وفلان الناقد، كل ما عندهم من العين والورق «٢» الساعة، ولا ينقضي اليوم إلّا وتبتاعون كلما تقدرون عليه من الزيت، واكتبوا إليّ، عند انقضاء النهار، بالصورة.
فمضوا، فلما كان العشاء، جاءني خبرهم، بأنهم قد ابتاعوا زيتا، بثلاثة آلاف دينار، فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أخر، وبشرى كل ما [٦٥] يقدرون عليه من الزيت.
وأصبحنا، فدفعت إلى الفيج ثلاثة دنانير، وقلت له: إن أقمت عندي، دفعت إليك ثلاثة دنانير أخرى.
فقال: أفعل.
وجاءتني رقعة أصحابي، بأنّهم ابتاعوا زيتا بأربعة آلاف دينار، وانّه قد تحرّك سعره لطلبهم إيّاه، فكتبت بأن يبتاعوا كلّ ما يقدرون عليه، وإن كان قد زاد.
وشاغلت الرسول، اليوم الثالث، ودفعت إليه في اليومين، ستّة دنانير، وأقام ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة «٣» آلاف دينار أخرى.
وجاءوني عشيّا، فقالوا: كان ما ابتعناه اليوم زائدا على ما قبله، في كلّ عشرة، نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكّر فيه.
فصرفت الرسول، وأقمت في بستاني أيّاما، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجّار الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقّة، فجاءوني يهرعون «٤» ،
стр. 915
ويبذلون في الزيت، زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة، فلم أبع.
ومضى على ذلك، نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة، وستة، فلم أفعل.
فجاءوا بعد [٦٦] أيّام، فبذلوا للواحد الواحد.
فقلت في نفسي: ترك هذا خطأ، فبعته بعشرين ألف دينار.
فنظرت، فلم يكن لضيق صدري، وانفرادي في البستان، ذلك اليوم سبب، إلّا ما أحبّه الله تعالى، أن يوصل إليّ ربح عشرة آلاف دينار.
следующие страницы →