← Фикх общий

Фикх общий · id 10276

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران

محمد كامل القصاب

Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران فيه بُحوث عِلمِيَّة مُحَرَّرة عن البدعة وبعض مفرداتها، ومُقَدِّمة ضافية (*) عن (السَّلفِيَّين وقَضِيَّة فلسطين) ، و (حكم عَمَليَّات المُغامرة بالنفَّس) تأليف مُحَمَّد كامل القَصَّاب ... مُحَمَّد عزّ الدِّين القَسَّام قدََّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وَشَرَحَهُ فضيلة الشيخ الهُمام أبُو عبيدة مَشهُور بن حسن آل سَلمَان

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي عافانا مِمّا ابتلى به كثيراً مِنْ خلقِه، وأَلْهَمَنا بفضله أن نُحافِظَ على دينه، ونُبَلّغَه للناس، كما أنزل على نبيه، لا مُبَدّلين، ولا مُغَيِّرين، حتى يأتينا اليقين. ونشهد أن لا إله إلا الله، الحميد المَجيد، الذي نادى عبادَه الصادقين بقوله في كتابه المكنون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠-٢١] ، ونشهد أن سيّدنا محمداً عبده ورسوله، نبيُّ الرحمة، وهادي الأمة، وكاشف الحيرة والغمّة، القائل: «من تمسك بسنّتي عند فساد أمتي، فله أجرُ [مئة] شهيد» (١) ،

стр. 3

والقائل: «إنّ الدين بدأ غريباً، ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سُنَّتي» (١) ،

стр. 4

صلى الله البر الرحيم على هذا الرسول الكريم، ذي الخلق العظيم، وعلى آله وأصحابه، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فقد اطَّلعنا على رسالة «فصل الخطاب في الرد على الزَّنكلوني والقسام والقصاب» (١) تأليف الفاضل الشيخ محمد صبحي خزيران الحنفي العكّي، رئيس كُتَّاب المحكمة الشرعية في ثغر عكاء، وقد ألّفها انتصاراً لأُستاذه الفاضل الشيخ عبد الله الجزار (٢) مفتي عكاء وقاضيها؛ إذ قد أفتى أحدُنا (٣) لما سُئل عن حكم الصياح في التّهليل والتكبير وغيرِهما، أَمام الجنائز، بأنه مكروه تحريماً، وبدعةٌ قبيحةٌ، يجب على علماء المسلمين إنكارُها، وعلى كلِّ قادرٍ إزالَتُها، مستدلاًّ بآيةٍ قرآنيةٍ، وحديثٍ صحيحٍ، وأقوالِ الفقهاءِ. وسأل المستفتي عن السؤال نفسه من الفاضل الشيخ عبد الله الجزار، فأفتاه بالجواز، فاضْطُرَّ السَّائلُ إلى إرسال الجوابين إلى عالِمَين من كبار علماء الأزهر (الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٤) ، والشيخ علي مسرور الزنكلوني) ، فأَفْتيا بأنه بدعةٌ منكرةٌ، مؤيِّدَيْن فتوى أحدنا (٥) ، وقد نشر العلامة الزنكلوني فتواه على صفحات جريدة «الشورى» التي تصدر في مصر، ولم يكتف ومؤلّفُ الرسالة برأيه

стр. 5

في المسألةِ المُتَنَازَعِ فيها فقط، بل شطَّ قلمُه، وأسند إلينا ما لم نقل به، ولم نعتقده، ورمانا -عفا الله عنه- بالزَّيغ والضلال، لاتّباعنا السنة الموروثة عن النبي ﷺ ، في الأقوال والأفعال، وتكلّفَ في تفسير الآياتِ القرآنية والأحاديث النبوية، فأخرجها عن معانيها؛ ليوهم صحة ما ذهب إليه، ويُقرَّ العامةَ على ما هم عليه، وخاض لذلك في القواعد الأصولية خوض من لم يأخذ من العلم بقسط، وخرّج المسائل تخريجاً لا ينطبق على القواعد العلمية، فكانت استدلالاتُهُ دليلاً لنا، وحُجّةً عليه، وداعيةً للتمسكِ بما أرشدْنا النّاسَ إليه. فرأينا من الواجب انتصاراً للدّين، وحفظاً لشريعة سيد المرسلين، أن نردَّ بهذه الرسالة ما أسند وفنّد، مصدِّرين رسالَتَنا بأقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم المسألة المتنازَعِ فيها، ناقلين عباراتِه التي نريد الردَّ عليها بنصِّها وفصِّها، إلا ما تعذَّر نقلُه بالحرف؛ فإننا نشير إلى معناه، وما التوفيق إلا بالله، وهو حسبنا، ونِعمَ الوكيل.

стр. 6

أقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم رفع الصوت بالتهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز أقوال السادة الحنفية: قال في «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» : «وكره في الجنازة رفع الصوت بذكر أو قراءة (١) ا. هـ» ، قال محشيه العلامة ابن عابدين: «وفي «البحر» عن «الغاية» : «وينبغي لمن تبع جنازة أن يطيل الصَّمت» ، وفيه عن «الظهيرية» : «فإنْ أراد أن يذكرَ الله -تعالى- يذكرُه في نفسه؛ [لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [الأعراف: ٥٥] ؛ أي: الجاهرين بالدعاء] » ، وعن إبراهيمَ أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي معها: استغفروا له غفر الله لكم ا. هـ. قلت: «وإذا كان هذا في الدُّعاء والذِّكر، فما ظنُّك بالغناء الحادث في هذا الزمان» (٢)

стр. 7

ا. هـ كلام ابن عابدين، وفي «الفتاوى الهندية» : «وعلى متبعي (١) الجنازة الصمت، ويكره لهم [-يعني: تحريماً-] رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، كذا في «شرح الطحاوي» ، فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه، كذا في «فتاوي قاضي خان» » (٢) ، وقال في «الكنز» و «شرحه» «وحواشيه» : «ويكره رفعُ الصوتِ بالذكرِ والقرآنِ، وعليهم -يعني: السائرين مع الجنازة- الصمتَ (٣) . وقولِهِم: (كل حي سيموت) ونحو ذلك، من الأذكار المتعارفة خلف الجنازة بدعة قبيحة» . وقال العلامة الشُّرُنْبلالي في «نور الإيضاح» و «شرحه» : «ويكره رفعُ الصوتِ بالذكرِ والقرآنِ، وعليهم الصمتَ، وقولُهم: (كل حي سيموت) ونحو ذلك خلف الجنازة بدعة» ا. هـ (٤) . قال العلامة الطحطاوي في «حاشيته» على الكتاب المذكور نقلاً عن السراج: «ولا يرفع صوتَه بالقراءةِ ولا بالذكرِ، ولا يغتر بكثرة من يفعل ذلك، وأما ما يفعله الجهّالُ في القراءة على الجنازة؛ من رفع الصوت، والتمطيط فيه، فلا يجوز بالإجماع، ولا يسع أحداً يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ولا ينكر عليه» (٥) .

стр. 8

أقوال السادة الشافعية: قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في «مجموعه» (١) و «أذكاره» (٢) : «والصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفَعُ صَوتٌ بقراءةٍ ولا ذكرٍ ولا غيرِهما؛ لأنه أَسكنُ للخاطر، وأَجمعُ للفكر فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض: «الزم طرقَ الهدى ولا يغرَّكَ قلَّة السالكين، وإياك وطرقَ الضلالةِ ولا تغترّ بكثرة الهالكين» (٣) ، وقد رَوَيْنا (٤)

стр. 9

في «سنن البيهقي» (١)

стр. 10

ما يقتضي ما قلتُه، وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة بالتَّمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قُبحَه، وغِلَظَ تحريمه، وفسقَ من تمكن من إنكاره فلم ينكرْه في كتابي «آداب القراء» (١)

стр. 11

ا. هـ» ، ونحوه لشيخ الإسلام في «شرح الروض» (١) ، وقال الرملي وغيره في «حواشي المنهاج» (٢) : «المختار والصواب (٣) ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير [مع الجنازة] (٤) ، فلا يُرفعُ صوتٌ بقراءة، ولا ذكر، ولا غيرهما، بل يُشتَغَلُ بالتفكر في الموت وما بعده، وفَناءِ الدنيا وأن هذا آخرُها، ومن أراد الاشتغال بالقراءة والذكر فليكن سرّاً (٥) ، وما يفعله جهلةُ القرَّاء من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام، يجب إنكارُه (٦) والمنعُ منه، ومن تمكَّن من منعه، ولم يمنعه فسق» ، وقال ابن حجر في «شرح المنهاج» (٧) : «ويكره اللغط -وهو: رفع الصوت- ولو بالذكر أو القراءة في المشي مع الجنازة؛ لأنّ الصحابة ﵃ كرهوه حينئذ، رواه البيهقي (٨) ،

стр. 12

وكره الحسن وغيره: استغفروا لأخيكم (١) ،

стр. 13

ومن ثَمَّ قال ابن عمر ﵄ لقائله: «لا غفر الله لك» (١) : بل يسكت متفكراً في الموت وما يتعلق به وفناءِ الدنيا، ذاكراً بلسانه سراً لا جهراً؛ لأنه بدعة قبيحة» . وفي «المجموع» (٢) عن جمع من الصحابة (٣) ،

стр. 14

أنهم كرهوا رفع الصوت عند الجنازة، حتى باستغفروا الله، بل قال ابن عمر لمن سمعه يقوله: لا غفر الله لك. رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١) . أقوال السادة المالكية: قال العلامة ابن الحاج في كتاب «المدخل» (٢)

стр. 15

ما ملخصه: العجب من أصحاب الميت، حيث يأتون بجماعة يذكرون أمام الجنازة، وهو من الحدث في الدين، ومخالف لسنَّة سيد المرسلين، وأصحابه والسَّلف الصَّالحين، يجب على من له قدرة على منعهم أن يمنعهم مع الزجر والأدب؛ لمخالفتهم للشريعة المطهرة، ولأنه ضد ما كانت عليه جنائز السلف الماضين؛ لأنّ جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع، حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم؛ لكثرة حزن الجميع (١) ، وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون (٢) ،

стр. 16

حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع عنده، فيلقاه في الجنازة، فلا يزيد على السلام الشرعي شيئاً (١) ؛ لشغل كل منهما بما تقدم ذكره، وبعضهم لا يقدر أن يأخذ الغِذَاء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع (٢) ، كما قال الحسن البصري ﵁: «ميت غد يشيِّع ميتَ اليوم» (٣) ،

стр. 17

وانظر -رحمنا الله تعالى وإياك- إلى قول عبد الله بن مسعود ﵁ لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم؛ يعني: الميت، فقال له: لا غفر الله لك (١) . فإن كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ الدال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت، فما بالك بما يفعله أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو قراءة القرآن أو البردة (٢) ،

стр. 18

فأين الحال من الحال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فيجب على من له عقل أن لا ينظر إلى أفعال أكثر أهل الوقت، ولا لعوائدهم، فالسعيد من نبذ هذه العوائد المبتدعة، وشد يده على أتباع السلف؛ فهم القوم لا يشقى من اتبعهم، ولا من أحبهم، (إن المحب لمن يحب مطيع) ، ولقد أطال ﵀ في التشنيع على ما يقع من بعض الناس، من رفع الصوت بالذكر ونحوه أمام الجنائز ا. هـ» (١) . أقوال السادة الحنابلة: قال في «دليل الطالب» (٢) و «شرحه» (٣) : «ويكره رفع الصوت، والصيحة معها، وعند رفعها [-يعني: الجنازة-] (٤) ، ولو بالذِّكر والقرآن، [بل يسنُّ الذِّكر والقرآن سراً] (٥) ، ويسنُّ لمتَّبعها أن يكون متخشِّعاً متفكِّراً في مآله، متَّعظاً بالموت وبما يصير إليه الميت، وقول القائل مع الجنازة: (استغفروا [الله] (٦) له) ونحوه، بدعة عند الإمام أحمد، وكرهه وحرمه أبو حفص، ويحرم أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته» ا. هـ.

стр. 19

وقال في «الإقناع» (١) و «شرحه» (٢) للشيخ منصور الحنبلي: (ويكره رفع الصوت والضجة عند رفعها) ؛ لأنه محدث، (وكذا) رفع الصوت (معها) -أي: مع الجنازة- (ولو بقراءة أو ذكر) ؛ لنهي (٣) النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت أو نار. رواه أبو داود (٤) ، (بل يسنُّ) القراءة والذِّكر (سرّاً) ، وإلا الصمت. ا. هـ.

стр. 20

وقال في «المنتهى» (١) و «شرحه» (٢) : (و) كره (رفع الصوت معها) -أي: الجنازة- (ولو بقراءة) أو تهليل؛ لأنه بدعة، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له ونحوه بدعة. وروى سعيد بن عمر (٣) وسعيد بن جبير، قالا لقائل ذلك: لا غفر الله لك (٤) ا. هـ. هذا ما أردنا نقله باختصار من كتب المذاهب الأربعة. وقد اطّلعنا على رسالة «تحفة الأبصار والبصائر في بيان كيفية السير مع الجنازة إلى المقابر» ، و «رسالة فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين» الموافقتين لما أتينا به في هذا الموضوع، مِن منع رفع الصوت مع الجنائز، لمؤلِّفهما العلامة المفضال الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٥)

стр. 21

المدرس بالقسم العالي بالجامع الأزهر، وفيهما تقاريظ وفتاوى جمع غفير مِن كبار علماء الأزهر وشيوخه؛ منهم: شيخ الإسلام الشيخ سُليم البِشْري (١) المالكي، وشيخ الإسلام الشيخ حَسُّونَة النَّواوي (٢)

стр. 22

الحنفي، وشيخ الإسلام الشيخ محمد أبو الفضل الجِيزَاوي (١) المالكي، وشيخ شيوخ السادة الشافعية الشيخ محمد البحيري، ومفتي الديار المصرية سابقاً الشيخ محمد بَخِيت المطيعي (٢) ،

стр. 23

وشيخ السادة الحنبلية الشيخ يوسف النابلسي (١) ، فهل بعد هذه النصوص، وبعد اتفاق علماء المذاهب الأربعة في الديار المصرية يبقى ريب لمستريب؟ وهل يصح مِن عاقل أن يقول بجواز رفع الصوت مع الجنازة؟ وهل يلتفت لقول مَن قال: إنّ ترك التهليل بالجهر مع الجنازة يعدُّ إزراءً بالميت وتعريضاً للتكلم فيه وفي ورثته؟ وهل يليق بمؤمن أن يتوهم أنّ الفعل الموافق لفعل الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح يكون فيه إزراء بالميت وورثته؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، ولسنا ندري ما الّذِي حمل الأُستاذ الجزار وتلميذه خزيران على مخالفة مذهبهما ومذاهب بقية الأئمة، فهل هو الجهل؟ لا نعتقد ذلك؛ لأنّ مَن مضى عليه عشراتٌ مِن السنين في مقام الإفتاء لا تخفى عليه مسألة بسيطة (٢)

стр. 24

مذكورة في «مراقي الفلاح» (١) و «حواشيه» (٢) ، وهو أول كتاب يقرأ في فقه السادة الحنفية، والذي يغلب على الظنّ أنّ الحامل لهما على ذلك، هو بغية المحافظة على مكانتهما الوهمية بين العامة؛ حذراً مِن أنْ ينفر منهما رعاعُ الناس، الذين اتخذوا الدين متجراً، لو أفتيا بالحق الذي يصادم منفعة أولئك المبتدعين، فليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديداً، وهنا نبدأ برد ما قال. قال في رده حكم العلامة الزنكلوني ما معناه: إنه يجب على المفتي أن يكون جوابه في المسألة بعد تأمله في الحجج التي أدلى بها كل مِن الأستاذين؛ لأنه بمثابة الطبيب. نقول: يظهر للمتأمِّل في جواب العلامة الزنكلوني «الذي قطع قول كل خطيب» ، أنه نظر في الجوابين نظر تدقيق وتحقيق وإمعان، ثم أيد بفتواه فتوى المستدل بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الفقهاء، وزيف قول من أخذ من غير فهم بقول الشعراني عن شيخه الخواص (٣) . وقال: ولو دقق -أي: العلامة الزنكلوني- بجواب الفاضل القصَّاب؛ لتبيَّن له أنّ ما أتى في صدره مِن الآية والحديث إثباتاً لدعواه التي صدر بها جوابه لا يفيده، بل ولا تعلق لهما بموضوع السؤال أصلاً، لما أن معنى الآية هو: (اطلبوا حوائجكم مِمّن قام بأمر تربيتكم مِن بداية أمركم إلى نهايته، حال كونكم خاضعين متذلّلين له، متأدِّبين بخفض أصواتكم غير متجاوزين مكانتكم، وما تستعد إليه ذواتكم) ، ولم يذهب أحد مِنَ المفسرين إلى أنَّ المراد مِن الدّعاء فيها هو الذِّكر.

стр. 25

نقول: إنَّ هذا الاعتراض غير وارد ألبتة؛ لأنَّ السؤالَ الذي وجه إلى أحدنا هذا نَصُّه: «ما قول أهل العلم الحق في الصياح في التهليل والتكبير وغيره أمام الجنائز، أفتونا أثابكم الله؟» ، ومِن المعلوم أنّ لفظة (وغيره) تشمل الدعاء والاستغاثة وكل ما يرفع به الصوت مع الجنازة، فتكون الآية الشريفة على هذا دليلاً واضحاً في الموضوع، على أنّ الدعاء ذكر أيضاً «لا كما ادعاه حضرة المعترض» ، بدليل قوله -تعالى- حكاية عن سيدنا يونس في دعائه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . روى الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (١) من حديث مصعب بن سعد، [عن سعد] (٢) ، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن دعا بدعاء يونس استجيب له» (٣) ،

стр. 26

وفي «فتح البيان» (١) : « وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم -وصححه- والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسولَ الله ﷺ قال: «دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت ... إلخ، لم يدع بها مسلمٌ ربَّه في شيء قط، إلا استجاب له» (٢) ،

стр. 27

وقال العلامة الصاوي في «حاشيته على الجلالين» (١) : «وهذا الدعاء (أي: قول يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت مِنَ الظالمين) عظيم جدّاً؛ لاشتماله على التهليل والتسبيح والإقرار بالذنب، ولذا ورد في الحديث: «ما مِن مكروب يدعو بهذا الدعاء، إلا استجيب له» (٢) ، وبدليل قوله ﷺ في حديث عرفة: «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣) .

стр. 28

قال ابن الأثير في «النهاية» (١) : «إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه؛ كالحديث الآخر: «إذا شغل عبدي ثناؤه عليَّ مسألتي أعطيتُه أفضل ما أُعطي السائلين» (٢)

стр. 29

ا. هـ. وبدليل قوله ﷺ : «أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» (١) . قال المناوي (٢) في تفسير «أفضل الدعاء: الحمد لله» : الدعاء عبارة عن ذكر الله. وأما قوله: لا تعلق للآية والحديث بموضوع السؤال؛ فإنه واهم فيه؛ لأنّ للآية الكريمة تعلقاً تاماً بالمسئول عنه، وهو الصياح في التهليل والتكبير وغيرهما، ولو أنعم النظر في تفسيره الذي ذكره وهو قوله: «متأدبين بخفض أصواتكم» ، لعلم أنّ تفسيره دليل لنا وحجة عليه. ثم قال: ولأنّ المراد بالحديث (٣) :

стр. 30

ارفقوا على أنفسكم في المبالغة بالجهر بالتكبير، بدليل ما ورد في «سنن الترمذي» من خبر: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي ومَن معي أن يرفعوا أصواتَهم بالتلبية والتكبير» (١) ،

стр. 31

فيكون المراد بالرفع هنا رفعاً لا مبالغة فيه؛ دفعاً للمعارضة بين الحديثين، كما ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «شرح البخاري» (١) ، وذكر العلامة منلا علي القاري في «شرحه على مشكاة المصابيح» (٢) مفسراً قوله: «أربعوا على أنفسكم» بأرفقوا بها، وأمسكوا عن الجهر الذي يضر بكم (٣) ، على أنه لو سلمت إرادة أصل الجهر، فإنه يحتمل أنه لم يكن هناك مصلحة في الرَّفع؛ لما روي أنه كان في غزاة (٤) ، ورفع الصوت حينئذ في بلاد العدو يجرُّ بلاءً، والحرب خدعة.

стр. 32

نقول: إنّ أصل المشروع هو الذكر الخفي أخذاً من قوله -تعالى-: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، قال الإمام النسفي في «تفسيره» (١) : «هو عام في الأذكار؛ من قراءة القرآن، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، وغير ذلك، وأخذاً مما أخرجه ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن ﵁: «إنّ الله يعلم القلب التّقي، والدعاء الخفي، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جارُه، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر الناس به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض مِن عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -تعالى- يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] » (٢) ،

стр. 33

وقد أثنى اللهُ على زكريا، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [مريم: ٢] ، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ا. هـ نقلاً عن «تفسير ابن كثير» (١) و «الكشاف» (٢) و «روح المعاني» (٣) . قال الإمام النووي (٤) في شرح الحديث نفسه: «معنى «أربْعوا على أنفسكم» : ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبُعد مَنْ يخاطبُه، ليسمَعَه، وأنتم تدعون الله -تعالى- وليس هو بأصمّ ولا غائب، بل هو سميع قريب، وهو معكم بالعلم والإحاطة، ففيه النَّدبُ إلى خفض الصوت بالذكر، إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى رفعه، فإذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإنْ دعتْ الحاجة إلى الرَّفع رفع كما جاءت به أحاديث» .

стр. 34

من هذا يفهم: أنّ الحديث وارد في النهي عن أصل الجهر، وما ذهب إليه شيخ الإسلام (١) ومنلا علي القاري من التوفيق بين الحديثين دفعاً للمعارضة -إن صح-، فلا يرجح على ما ذهب إليه الإمام النووي؛ لأنّ ما ورد فيه إباحة الجهر أو الأمر بالجهر فيه، كالتلبية في الحج، والتكبير في العيدين، هو خاص بمورد النَّص، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ، أنّ النبي ﷺ قال: «أمرني جبريل برفع الصوت بالإهلال، وقال: إنه من شعائر (٢) الحج» (٣) . وقوله: على أنه لو سلمت إرادة أصل الجهر، فإنه يحتمل ... إلخ.

стр. 35

نقول: إن اليقين لا يرفع بالاحتمال، كما هو مقرر عند علماء الأُصول (١) . وقوله: روي إنه كان في غزاة ... إلخ.

стр. 36

نقول: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وغيرهم، في سبب نزول قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية، أن أعرابيّاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه، فأنزل الله الآية (١) .

стр. 37

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن، قال: سأل أصحاب النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ : أين ربُّنا؟ فنزلت (١) . ويروى في نزولها: أن النبي ﷺ سمع المسلمين يدعون الله -تعالى- في غزوة خيبر، فقال لهم: «أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً» (٢) .

стр. 38

قال بعض المحققين: «وعلى كل حال، تفيدنا الآية حكماً شرعياً، وهو أنه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية، وهو أن يسمع مَن بالقرب منه، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في الصياح في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان أقرب منه إلى عبادة الرحمن» (١) ا. هـ.

стр. 39

ثم قال: وإلا فأحاديث الرفع كثيرة، وأما حديث: «خير الذكر الخفي» (١) ،

стр. 40

فمحمول على حال خشية الرياء أو تأذّي الغير به؛ توفيقاً بين أحاديث الباب. نقول: كنا نتمنى أن يذكر من أحاديث الرفع العامة ولو حديثاً واحداً، حتى نحمل حديث «خير الذكر الخفي» (١) على حال خشية الرياء أو تأذِّي الغير (٢) .
следующие страницы →