← Фикх общий

Фикх общий · id 10276

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران

محمد كامل القصاب

Полный текст (246 стр.). Показаны 211–246 · переход к 216.

стр. 211

كحلق اللِّحا، وإعفاء الشَّوارب (١) ، وفي «الشفاء» (٢)

стр. 212

وغيره عن أبي أمامة ﵁، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ متوكِّئاً على عصا، فقُمنا له، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظِّم بعضُهم بعضاً» (١) ا. هـ.

стр. 213

ومعنى ما في «الترمذي» : كانوا يحبُّون القيام له ولا يقومون؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك (١) ، ويلزم أصحاب هذا القول -على مقتضى نتيجتهم-: تكفير جميع الصّحابة، الذين في مقدمتهم أبو بكر الصِّدِّيق (٢)

стр. 214

-﵃، لأنهم كانوا لا يقومون له، فيعدّون مستخفّين بحقِّه ... ﷺ ، ولا مسلم يقول بذلك، بل إذا حقَّقنا النَّظرَ، واستعملنا الفكرَ، وأمعنا بعين البصيرة والبصر، وجدنا معارضة قياسهم بقياس نتيجته تنطبق عليهم تمام الانطباق، وصورته: القيامُ للنبي ﷺ ليس تعظيماً له؛ لكونه يكرهه، وكلُّ ما ليس تعظيماً له، يعدُّ فاعله مستخفّاً بالنَّبيِّ ﷺ (١) ،

стр. 215

فيكفر. النتيجة: القيام إلى النَّبيِّ ﷺ يعدُّ فاعلُه مستخفاً به؛ لكونه يكرهه ﷺ . قال العلامة الصوفي (!!) الشيخ محمود محمد خطاب السبكي (١) في كتابه «المقامات العلية في النشأة الفخيمة النبوية» في (صفحة ثلاثة وأربعين) : «ولْيعلم أنَّ القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ بدعة، وقد قال السيِّد المختار: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار» (٢) ؛ أي: فاعلها يعذَّب لأجلها في النار، وقد قال الله في كتابه الحكيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، ولا وجه لمن قال بتحسينها، فإنه ليس من أهل التَّحسين، وعن النَّص الصَّريح قد سها، وتعليله بأنَّ فيه تعظيماً، وإظهار السرور بسيِّد النبيين، تعليلٌ مردود بالبداهة، وليس من المشرِّعين، بل من متأخِّري المقلِّدين، ومن المعلوم بالضَّرورة أنَّ الأحكام لا تثبت إلا بالشَّرع الوارد عن رب العالمين، ولو تأمَّل ذلك المعلِّل لعرف أنَّ تعظيمَ النبي ﷺ والسُّرور به، ورضا القوي المتين إنما هو بالقلوب، والأعمال الظاهرة المشروعة علامة على ذلك ... »

стр. 216

انظر تمام كلامه، وانظر -أيضاً- «صفاء المورد من عدم القيام عند سماع المولد» للعلامة سيدي محمد الحَجْوي الثَّعالبي (١)

стр. 217

مدرِّس التَّفسير والحديث بجامع القرويين بفاس، و «مسامرة الأعلام، وتنبيه العوام، بكراهة القيام لذكر مولد خير الأنام» لسيدي محمد العابد (١) مفتي فاس، وخطيب الحرم (٢) الإدريسي، فإنَّهما سفَّها في كتابيهما، أحلام مدَّعي طلب القيام عند ذِكر مولد إمام كل إمام، عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام. وأما استنادهم في القيام لبعضهم بعضاً إلى آثار، لم ترد في القيام، للتعظيم، وإنما ورد لمعان أخر غير التَّعظيم، بيَّنها العلماءُ الأعلام (٣) ،

стр. 218

راجع «مدخل ابن الحاج» (١) وغيره، وأعظم أثر عندهم يستندون إليه، وتلهجُ -حتى العامة- بذكره هو: قوله ﷺ في حق سيِّدنا سعد بن معاذ ﵁ حيث قدم راكباً، وكان مجروحاً في أكحله: «قوموا لسيِّدكم» (٢) ،

стр. 219

ولا حجَّةَ لهم في ذلك؛ لاحتمال قوله ﷺ : «قوموا لسيدكم، فأنزلوه» أو قوموا له تعظيماً، بقطع النَّظر عن نهيه عن القيام للتَّعظيم، والدَّليل -عند العلماء- إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال (١) ،

стр. 220

وأيضاً تنقطع حُجَّتهم بالمرة بالحديث الحسن المصرَّح فيه بالإنزال، هو: ما في «فتح الباري» (١) أن ما رواه أحمد من حديث عائشة: «قوموا إلى سيِّدكم، فأنزلوه» (٢) بسند حسن. قالوا: وعليه لم يبق وجهٌ على الاحتجاج به على القيام المتعارف (٣)

стр. 221

ا. هـ. ومدَّعي أنَّ القيامَ للتَّعظيم مطلوبٌ شرعاً، خصوصاً للعلماء والوالدين، ومَن تُرجَى بركته محجوج بالحديث الصحيح، الذي رواه منلا علي القاري (١) ، ونصُّه:

стр. 222

كان ينهاهم عن قيام بعضهم لبعض بقوله: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً» (١) ، وبتصريح الأئمة المجتهدين، وسأذكر بعضهم. ولا عبرة باستحسان المتأخِّر إذا خالف صريحَ الحديث الذي عمل بمقتضاه الأئمة المجتهدون، الذين هم عمدتُنا في الدِّين، قال مالك -رحمه الله تعالى- في «العتبية» (٢) : «وبعض هؤلاء الولاة يكون الناسُ جلوساً ينتظرونه، فإذا طلع عليهم قاموا له، حتى يجلس، فلا خيرَ في هذا، ولا أحبُّه، وليس هذا من أمر الإسلام» ا. هـ.

стр. 223

في «أحكام القرآن» للجصاص في (الجزء الثالث /صفحة خمس وتسعين) : وحدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم، قال: حدثنا أحمد بن عطية الكوفي، قال: سمعت أبا عبيد يقول: كُنَّا مع محمد بن الحسن، إذ أقبل الرَّشيدُ، فقام الناسُ كلُّهم إلا محمد بن الحسن، فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد معتلَّ القلب على محمد بن الحسن، فقام ودخل الناس من أصحاب الخليفة، فأمهل الرّشيد يسيراً، ثم خرج الإذن، فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابُه له، فأدخل، فأمهل، ثم خرج طيب النفس مسروراً، قال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قال: كرهتُ أن أخرج عن الطَّبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم، فكرهتُ أن أخرج إلى طبقة الخدمة، التي أنا خارج منها، وإنَّ ابنَ عمِّك ﷺ قال: «من أحبَّ أن يتمثَّل له الرجالُ قياماً؛ فليتبوَّأْ مقعده من النار» (١) ،

стр. 224

وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتِّباعاً للسُّنَّة التي عنكم أخذت، فهو زين لكم، قال: صدقتَ يا محمد. ا. هـ محل الحاجة. [و] في «تحفة المجالس ونزهة المجالس» (١) للعلامة جلال الدين السيوطي -رحمه الله تعالى-: «روي أنَّ المنصور أقبل يوماً، والفرج بن فضالة جالس على بابه، ومعه جماعة، فقام النَّاسُ، وهو لم يقُم، فرآه المنصورُ، فاشتدَّ غضبُه، ودعا به، فقال: ما منعك عن القيام مع الناس؟ قال: خفتُ أن يسألني الله -تعالى-: لم فعلتَ؟ ويسألك: لم رضيت؟ وقد كرهه ﷺ ، فسكن غضب المنصور وانشرح» (٢) ، وإذا ظهرت المحجّةُ؛ فلا حجة لمن لم يسلكها، إلا الجهل أو المكابرة -نقانا الله تعالى منها، كما يُنقِّي الثَّوبَ الأبيض من الدَّنس-، والمجال ضيِّق، وإذا سنحت الفرصة في وقت غير هذا لأشرحنَّ حال المنتصرين للبدع، التَّاركين للسُّنن، لأغراضٍ سيئة، وإلا؛ فالنهج واضحٌ، فالحق الذي لا غبار عليه؛ هو: ما سلكه العلاّمة كامل القصاب ورفقاؤه، والباطلُ: ما سلكه معارضُهم، والحقُّ أحقّ أن يتبع ﴿وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلال﴾ [يونس: ٣٢] . والحمد لله على كل حال، وصلى الله -تعالى- على سيدنا محمد، صادق المقال، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان والآل. حرر في ١٣ ربيع الأول سنة ١٣٤٤ [كتبه أسير ذنبه عبد ربه الكافي محمد بن يوسف بن محمد المعروف بالكافي (٣) ] ١١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله -سبحانه-، وبعد:

стр. 225

فقد أجلتُ النَّظرَ فيما أورده الأستاذان الفاضلان، مؤلِّفا هذه الرسالة، من الأدلة القاطعة، والبراهين السَّاطعة، على صحَّة فتوى أحدهما بكراهية ما يجري في الجنائز، من الصياح في التهليل، والتكبير، وغيره، فرأيتُ أنني في غُنية عن تعليق كلمات ترجِّح الفتوى المذكورة على غيرها؛ لما أتيا به من الأدلة الكافية الشافية، فأجادوا وأفادوا، أسأل الله -سبحانه- أن يديم عليهما إحسانه، ويوفِّقنا جميعاً والمسلمين لما يحبُّه ويرضاه، بجاه (١) سيِّدنا محمد حبيبه ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الفقير: محمد توفيق الغزي العامري (٢) المفتي الشافعي بدمشق -عفي عنه- ١٢ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ملهم الصَّواب، الهادي إلى طريق الرَّشاد، صلى الله وسلم على رسوله حبيبه وصفيه، سيِّدِنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعترته. أما بعد: فإن نصوصَ مذهبنا -نحن معاشر الحنفية- صريحةُ الدّلالة بكراهة اللغط أمام الجنازة للأدلّة الصَّريحة الصَّحيحة في ذلك، فما سطّره الأستاذان الفاضلان، والمدقِّقان الكاملان، والعالمان العاملان، مؤلِّفا هذه الرِّسالة «النقد والبيان» هو الذي يعوَّل عليه في الفهم، ويركن إليه في النَّقل، فجزاهما الله خيرَ الجزاء، وأكثر من أمثالهما النجباء، إنه سميع قريب مجيب الدُّعاء، آمين. في ١٨ ربيع الأول ١٣٤٤ كتبه الفقير

стр. 226

عبد الكريم الحمزاوي الحسيني (١) خطيب جامع الشيخ محي الدين بن العربي الملقب بالشيخ الأكبر -طاب ثراه- ١٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على النّبِيّ الأَوّاه، وعلى آله وأصحابِه ومَنْ نصر شرعَه ووالاه، وبعد: فَمِمَّا لا شكَّ فيه، أنَّ السُّكوتَ وراء الجنازة، والتّفكُّرَ في الموت وفيما بعد الموت؛ هو السُّنَّةُ التي عرفها الصَّحابة (٢) ﵃، وجرى عليها عملُ السلف الصالح (٣) ، لا نعلم خلافاً لأحد في ذلك، وغاية ما عرف للفقهاء ﵃ في هذه المسألة طريقتان: طريقة القائلين بأنَّ الجهرَ بالذكر ونحوه وراء الجنازة مكروهة كراهة التحريم، وطريقة القائلين بأنه مكروه كراهة التنزيه. والظاهر أنَّ ما نقله العارف الشعراني في «عهود المشايخ» ، وما نقله ... -أيضاً- في «العهود المحمدية» عن شيخه العارف الكبير سيدي علي الخوّاص مبني على الطريقة الثانية للفقهاء (٤) ، وهو الذي مال إليه في «شرح الرموز» و «شرح الملتقى» ، وهو ظاهر كلام أكثر أرباب المذاهب، ولعل عذرهم في ذلك: عدم ورود نهي صحيح صريح في المسألة، مع ملاحظة العارف الشعراني فيما نقله قاعدة: (ارتكاب أخف الضّررين) .

стр. 227

وتوضيح مختار هذا العارف: أنَّ مُشَيِّعِي الجنازة إذا خالفوا سُنَّةَ الصَّمت والتَّفَكُّر، واشتغلوا باللَّهو، وتشاغلوا باللغو والغيبة ونحوها، بحيث أصبحوا وراء الجنازة كالسّمَّار في السّمر، ولم يفدهم الأمر بالسكوت؛ أمروا حينئذ بقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ؛ تباعداً مِمَّا وقعوا به، وتخلُّصاً مِمَّا هم فيه.

стр. 228

لكن؛ لا يخفى أنَّ الورعَ احترامُ رأي الجماهير مِنَ الفقهاء والمُحَدِّثين، وعدُم الوقوع في خلافهم؛ وذلك بإحياء سُنَّةِ السُّكوت الدَّاعيةِ إلى التَّأدُّبِ بأدب الشرع، والتَّفَرُّغِ للخُشوع، والتَّفَكُّرِ بما سَيَؤُول إليه المرءُ -وليس لنا عند ذلك عاذل ولا مخالف؛ إذ ليس ثَمَّ مَنْ يلوم الساكتَ المتفكِّرَ وراء الجنازة على سكوته، فضلاً عن أنْ يأثمه فيه-، مع ما ينضمُّ إلى إحياء سُنَّةِ السُّكوتِ؛ مِنَ القضاء على طريقة الجهر المُحدَثَة التي لا تعرف في العصر الأول، وليت شعري إذا احتج للجهر بقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» بما اختاره العارف الشعراني ارتكاباً لأخف الضَّررين، لا لأنَّه سُنَّةٌ أو شرع، ولا بقصد إماتة سنة السكوت والصَّمت، فبماذا يحتج لما هو مُحْدَث اليوم في مثل دمشق، مِن رفع الأصوات وراء الجنازة بقصائد وألحان، يضيع في فهمها حذقُ الحاذق، ويَخِيب في إدراكها الرَّأيُ الصائب، دع القول بأنَّها جعلت في أيامنا عنواناً على الغنى، ودليلاً على الرفعة والشرف، فكم رأينا مِنْ أُناس ارتفعت الأصواتُ في جنائزهم، وعلت الضَّوضاءُ والنَّغماتُ حول نَعشِهم، وليس لهم مِن صفة توجب هذه المنزلة -إنْ قلنا بأنَّها رِفعة- سوى أنهم جمعوا المال من حلّه ومن غير حلّه، فاستحقُّوا بذلك التقدم على الناس أحياءً وأمواتاً، وآخرين هم (١) أهل الصلاح والتقدم والدِّين والرفعة والشَّرَف قَلَّتْ ذاتُ أيديهم، فصمتت الأصواتُ حول جنائزهم، ولم تجتمع تلك النَّغمات حول نعشهم، بل تباعد عنها أولئك المدَّاحون المستأجرون، فكانوا ومشيعيهم عنوان الفقر، وأمارة القلَّة والاحتياج، اللهم لا حُجَّة لتحسين هذا العمل، ولا مسوِّغ في الشَّرع فيما نعلم لتصحيح أخذ الأجرة عليه، بل واجب كل ذي مسكة من علم إنكار مثل هذه البدع، وبيان أنها ليستْ طريقة السَّلف، وأنَّ الخير كله في اقتفاء أثر مَن سلف.

стр. 229

وهنا لا غنى لي عن أن أطلب من الله عظيمَ الأجر والثَّواب، للعالمين الفاضلين، مؤلِّفَي هذه الرسالة - «النقد والبيان» - الأستاذ العلامة المفضال الشيخ محمد الكامل القصَّاب، والعلاّمة الشّيخ محمد عز الدين القسّام، وسائر من أجروا أقلامهم في تحقيق هذه المسألة الشرعية، وخدموا فيها الدين -كلٌّ على حسب اجتهاده-، راجياً من الجميع تصغيرَ دائرةِ الخلاف -إن لم يمكن القضاءُ عليها- عملاً بقوله ﷺ : «من ترك المراء محقّاً، بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة، ومن ترك المراء مبطلاً، بنى الله له بيتاً في ربض الجنة» (١) ، ومراعاة لما يتطلّبه الوقت الحاضر، وأن ينظر كلٌّ إلى مناظره بعين ملؤها الاحترام، فإنا في زمان هم أدرى بما انتاب الجماعة الإسلامية فيه، وأعلم بما طرأ على العلم وحامليه. دمشق: ١ ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ مدير مدرسة التهذيب الإسلامي

стр. 230

محمود ياسين (١) ١٤ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 231

الحمد لله الذي هدانا بالإسلام، وجعله لنا نوراً، نمشي به في غياهب الظَّلام، فعلَّمنا أنَّ للخالق القادر الحُجَّةَ البالغة، والمحجَّةَ الدَّامغة، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدنا محمد، المنزَّل عليه، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] ، فهو -صلى الله -تعالى- عليه وسلم- الحجَّة الكبرى على العالم، أوضح ﵊ لنا سُبلَ الهُدى، فمن اهتدى في التَّمسك بشرعه ربح وظفر بالفوز والاعتصام، ومَنْ حاد عن طريق الصحابة والسلف وإجماع الأئمة خسر وما نال المرام، ورضي الله عن صحابته الذي أسَّسوا لنا قواعدَ الأحكام، متمسِّكين بكلِّ ما به ﵇ عمل أو أمر، والتَّابعين والأئمة الأربعة المقتفين أثرهم أبد الأبد، أما بعد:

стр. 232

فإنَّ الله -تعالى- جلَّت عظمتُه، وعَلَتْ كلمتُه، قد أقام بالعلم لحراسة الشَّريعة الغرَّاء، من أرباب البصائر والاستبصار، علماء يدافعون عنها في كل أوان وعصر، ويذبون عنها بلسان الشَّارع ذي الفخر، هذا؛ وإني قد سرَّحتُ طرفي في مباحث هذه الرّسالة، فوجدتُ بهجتَها بارزة للعيان، فيها بحر عرفان، وشهاباً ثاقباً لرد أوهام خُزَيران، فالفاضلان: الشَّيخ الكامل، والشَّيخ عزّ الدين، لقد أفتيا فتواهما، وقطعاً هي طبق ما جاء عن الرسول ﷺ ، وعن الصحابة، والأئمة الأربعة، والتَّابعين لهم من الفقهاء أمناء الدِّين، وإنِّي على مذهبهم في اعتقاد النُّصوص الشرعية الواصلة إلينا عن أئمتنا الأعلام، وأمَّا ما جاء في هذه الرِّسالة من الحُجَج والبراهين الواردة عن الفاضل خزيران، فلا تدحض حُجَّة السَّلَف والأئمة الأربعة المجتهدين؛ لأنه -حفظه الله تعالى- قد أفتى ببحث من أبحاث الشَّعراني ﵀ وكان الألزم عليه أن يفتي بمذهبه، أو بمذهب من المذاهب الأربعة؛ لأنه لا يكون قولُ الشَّعراني ناسخاً للمذاهب الأربعة، أو لمذهب السلف، أو لفعل، أو عمل، أو أمر من أوامر رسول الله ﷺ . فالفاضل الشيخ محمد كامل عزّ الدين -قسماً- (١) تمسَّك -وهو نعمان هذا الزّمان، وناصر مذهب الحق بسيف الحجة القاطعة البرهان-، فنحمد الله -تعالى- على وجود مثل هذا الإمام، كيف لا؟! وقد شارك عزُّ الدين القسام فيهما وضحَ الحق واستبان، فنشكر صنيعهما بما قاما به من فرض الكفاية في نصرة الحق، وردِّ شبه الخلق، فجزاهما الله -تعالى- عن الأمة المحمدية أعظم الجزاء ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت: ٣٣] .

стр. 233

وإنا لنرجو من حضرة الفاضل خُزَيران أن لا يحكم ببحث كان قد أورده الشَّعراني ﵀ حكم النّسخ به للمذاهب الأربعة، فهل لك -أيها الفاضل النَّبيل- أن تقنعنا بأنه يمكن نسخ مذاهب الصّحابة والأئمة الأربعة بهذا التَّأويل، فاترك المخالفةَ للإجماع، فذلك لك أولى، وكأنِّي بك وأنتَ لمذهب التَّصوُّف ميَّال، فاعدل يا هذا! وأفتِ إذا سُئلتَ بمذهب عُيّنْتَ به للفتوى، ودع غيرَه واتَّقيه، والله ولي التَّوفيق. وصلى الله على سيِّدنا محمد أشرف مَنْ نهض بأعباء الرِّسالة، وعلى آله وصَحْبه المتمسّكين بأوامره، والمهتدين بهديه على مدى الأيام. في ٦ ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ كتبه الفقير خادمُ العلم الشَّريف محمد بن خليل عيد التاجي الحنفي مذهباً -عفي عنه- ١٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حمداً لك يا من حفظت هذا الدِّين من التغيير والتبديل، وأنزلت كتاباً ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] يهديهم سواء السَّبيل، يدعو إلى التَّوحيد الخالص من تأويل المبتدعين، ماحياً شُبَهَ المضلِّين، وآثارَ المشركين، وأصلِّي على النَّبِيِّ المختار، من أشرف العناصر، وعلى آله وصَحْبه المحرزين قصب السَّبق في المفاخر، أما بعد:

стр. 234

فإنَّ الله أكمل لنا هذا الدِّين، وأتم لنا نعمتَه علينا، وتركنا رسولُه ﷺ على مثل البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء (١) ، وأخبرنا -وهو الصَّادِقُ الأمين- أنَّه لا تزال طائفة من أُمَّتي قوامةً على أمر الله، لا يضرُّها مَنْ خالفها (٢) ، وأنَّ الله لا يزال يغرس في هذا الدِّين غرساً، يستعملُهم في طاعته (٣) ،

стр. 235

وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، فكلما نشأت بدعة قيض الله لها مَنْ يُزَلزِل أركانها، ويهدمُ بنيانَها، ويشرِّدها عن أوطانها، ويجيء ﴿بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] ، إلا أن حزب البدع، وزخرفة أهلها ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور: ٣٩] ، يلجأ إلى ما لفّقه الملفقون من القول، وزخرفة الذين اتَّبعوا الهوى، إرضاءً للعوامّ، وتضليلاً لهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] ، وأنصار الحق ينادونهم في كل زمان ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم﴾ [طه: ٦١] في الأرض، ارجعوا إلى ما كان عليه أصحاب نبيكم الصادق والخلفاء الراشدون. إنَّ الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراضَ بالدَّواء الشَّافي، وتوافقوا على منهاج واحد، لم يختلف، فجاء الشّيطانُ يُحَسِّنُ للناس ما كان عليه أهل الجاهلية، وما كان طريقاً للوصول إليه، «ومن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه» (١) ، كما قال سيد المرسلين.

стр. 236

هذا؛ وقد تصفَّحتُ هذه الرسالة، وأنعمتُ النَّظرَ فيها، فوجدتُها مؤيَّدة بالبراهين الجليّة، والأدلة السُّنِّيَّة، وإنَّ الخصم يحومُ حولَ إرضاء العوام لأمر ما، أو ليقال على أنَّ الحقَّ أحق أن يتّبع، ولقد تذكرتُ ما رواه محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس، قال: «والله ما أظنُّ على ظهر الأرض اليوم أحداً أحبُّ إلى الشيطان هلاكاً مني، فقيل: كيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إليّ، فإذا انتهت إليّ قمعتها بالسُّنَّة فترد عليه كما أخرجها» (١) ، وقال ابن مسعود: «الاقتصاد في السُّنّة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة» (٢) ،

стр. 237

فهنيئاً لصاحبي الرسالة، لقد اقتفيا أثرَ ابنِ عباس، وفاها بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، نصرةً للسُّنَّة، لم يصانعا عواماً، ولم يخشيا في دين الله ملاماً، ولم يغترا بضخامة قول فلان وفلان، ولا بما أوّله المؤوّلون، أو أسَّسه على غير منهاج السلف المتطرِّفون، بل أتيا بها على منهاج الكتاب والسنة، وإنْ كرههما المبتدعون، ونفر عن مسالكها الجامدون، صاحا بالحقِّ في قوم يعتقدون أنَّ ما عليه قومهم في زيِّهم وعاداتهم هو السُّنَّة، وأنَّ مَنْ هو على غير سيرتهم هو المبتدع، يقلبون الحقَّ باطلاً، والباطل حقّاً، ومنتهى حُجّتهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، والحقّ في كل زمان لا يعدم ناصراً، وللباطل جولة، ثم يضمحل، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ، فجزى الله مؤلِّفَي هذه الرسالة خيراً وأقرَّ عيون أهل الحقِّ بهما، آمين. ١٥ ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ المتشرِّف بخدمة الكتاب والسنة عبد القادر بدران (١)

стр. 238

١٦ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصَّلاة والسلام على سيدنا محمد، الهادي إلى أقوم سُنَّة، والدَّاعي إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى آله الذادة عن الحقيقة، والقادة إلى الحب طريقة، ما لمع بارق، وذرّ شارق، وبعد: فقد اطَّلعتُ على هذه الرسالة المفيدة، وأعجبت بما أتى به الأستاذ الكامل ورفيقاه الفضلاء، من النُّصوص البيِّنة، والأدلّة الجمَّة، لتأييد ما ذهبوا إليه من إنكار رفع الصوت، ومطّه، خلف الجنائز على الوجه المألوف، والنَّمط المعروف، مما برح به الخفاء، وحصحص الحق. ومَنْ وقف على هذه النُّصوص، وكان على شيء من النصفة، وعلم ما يجب أن يكون عليه الذَّاكر من الأدب والخضوع، ورأى ما جرت به العادة، في الأزمنة المتأخِّرة مِن رَفْع الأصوات ومطِّها، بصورة منكرة لا يرضى أن يذكر بمثلها الرّعاع والغوغاء، لا شك في أنَّ هذه المسألة بدعة منكرة، لم تكن في عهد النَّبيِّ ﷺ ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، من رجالات الدِّين، الذين يعتدُّ بأقوالهم فيه، ويحتجُّ بأفعالهم، ولولا انقطاع الوحي لنزل في تحريمها قرآن محكم، أو جاءت سُنَّة بيِّنة.

стр. 239

وإنَّ العاقلَ ليأسف -جد الأسف- مما آل إليه أمر المسلمين، من التّضارب والاختلاف في كثير من الأحكام، والتماس كل فريق وسيلة لتأييد قوله، ونصرة نفسه، بعد أن كان الصحابة ﵃ لا يعولون في أمور الدِّين إلا على آية منزَّلة، أو سُنَّة مأثورة، ولا يقيمون وزناً لغير ذلك، واحتذى على مثالهم من بعدهم حذو القُذَّة بالقُذَّة، ولم يكن أحدُهم إذا رأى الحقَّ في غير ما ذهب إليه ليكبر أن يرجع إلى الحق، وإن لديه من اللسن واللحن في الحُجَّة ما لا يعجزه عن التماس وجه يؤيِّد به قوله، ذلك لأنهم كانوا يتوخّون الحقَّ الصُّراح، ويربأون بأنفسهم عن التَّشبُّث بالأدلة الموهونة، والشُّبَهِ الواهية، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلَفٌ اعتقد كلٌّ منهم أنه يصيب سواءَ المفصل، في كل ما يقول، وزعم لنفسه من الرُّسوخ في العلم، والسَّداد في الرَّأي ما شاء، وشاء له الهوى، فأصبح الدين في ذلك ميداناً للجدل، وحلية للخصام والتَّماحك، وبات من العُسر أن يرى الإنسانُ مسألةً يأمن فيها من خلاف، أو حكماً يخلو مما يناقضه، ثم تفاقم الأمر، فأفردت كل مسألة في كتاب مستقل، أو بكتب، كما يتمثَّل ذلك جلياً في شرب الدخان (١) ، والتَّقليد، والتلفيق، وسماع الآلات، وصلاة ركعتين قبل المغرب، ورفع الصَّوت خلف الجنازة، والتَّهاليل، إلى غير هذا مما يتعذَّر الإحاطة به. ولو أنعمنا النَّظرَ في الأسباب، وبحثنا عن العلل؛ لاتَّضح لنا -بأجلى وجه- أنَّ علّةَ العلل في ذلك: حبُّ الظُّهور، والسَّعيُ وراء السُّمعة.

стр. 240

ولو أنَّ الغايةَ تمحيصُ الحق، وإظهارُ الحقيقة فحسب، ما حُفِظ خلاف في غلاف، ولا اتَّسعت رقعةُ الفقه إلى درجة يتعذَّر على الإنسان أن يكون معها فقيهاً (١) . وبعد هذا: فإنَّ فيما أتى به الأستاذ الكامل ورفيقاه الفضلاء، من الحجج البالغة، والبرهانات الدّامغة، مقنعاً للمرتاب، وبلاغاً لأولي الألباب، فجزاهم الله خير ما جزى ذابّاً عن الحق، وقامعاً للبدع المنكرة، وأكثر في الأمة أمثالهم من الغير على إماطة كل أذىً عن الدِّين، وإماتة كلِّ بدعةٍ أُلصِقت به، وأرشد المسلمين إلى الاعتصام بحبل الدِّين المتين، والتَّمَسُّكِ بالعروة الوثقى، فما ذلك عليه بعزيز. ٣ جمادى الأولى سنة ١٣٤٤ كتبه

стр. 241

محمد سليم الجندي (١) ١٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حمداً للملك الرحمن، مَن خَلَقَ الإنسان، وعلمه البيان، وحفظ هذا الدِّين بأهل العلم والإتقان، وبعد:

стр. 242

فقد أجلْتُ طرف الطرف في هذه الرسالة المؤلَّفة، التي صاغها بنان الفاضل الشَّهير، والعالم العامل النِّحرير، الشيخ كامل القصَّاب، ذي الشأن، والقدر المهاب، فوجدت من جملة فضائله وإرشاده ونصحه للأمة، نشر هذه العجالة، المؤيَّد موضوعها بالأدلة الصَّحيحة، وفي تأييد موضوعها صريحة لا يرتاب فيها فاضل، وكم ترك للأواخر الأوائل؟! فاتِّباع ما صح في الشرع هو الأولى والأحرى، والاستعداد للدار الأخرى هو مرمى المحقق، لا الأمور الأخرى، فجزى الله -تعالى- جامعَها خيرَ الجزاء، ووفقنا وإياه للاشتغال بكل خير، وحفظه من كل سوء وضير، وجعله من الطَّائفة المباركة الظَّاهرين على الحقّ، لا يضرهم مَنْ خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، والشكر لله على ذلك. ٥ جمادى الأولى سنة ١٣٤٤ مفتي دوما مصطفى الشَّطي (١) ١٨ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، النَّاصرين للسُّنَّة والدِّين، الخاذلين لبدع المبتدعين، أما بعد: فهذا كتاب جليل في بابه، عديم المثيل، موافق لأصل الشرع الحنيف، الخالي من البدع والتَّحريف، كيف لا؟ وقد شهدت له الأفاضل، وأذعنت جميعاً بأنه الفاضل، وناهيك بهذه الشَّهادة، فهي خاتمة الحُسنى وزيادة. ١٥ جمادى الأولى سنة ١٣٤٤

стр. 243

الفقير إليه -سبحانه- خالد النقشبندي الأزهري (١) ١٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على ما أنعم من البيان، وأرشدنا بفضل هديه إلى معالم السُّنَّة السَّنيَّة وآي القرآن، وهدانا بهذين الطَّريقين الواضحين سُبُلَ السَّلام، صلّى الله على سيِّدنا محمد القائل: «من عمل عملاً، ليس عليه أمرنا؛ فهو رد» (٢) ، وسلم تسليماً كثيراً ما تعاقب النوآن، وتناوب الجديدان، وعلى آله وصحبه الأخيار، والمقتفين أثرهم إلى يوم الدين، وبعد:

стр. 244

فقد أجلتُ إنسان الطرف في هذه الرسالة «النَّقد والبيان في الرد على أوهام الفاضل خزيران» ، فوجدتها قد حوتْ نصوصَ مذاهب المسلمين، ووافقت عمل السَّلف الصالح والتابعين، لذلك حُقَّ لها أن تكون كلمتها العليا، كما يكون لمستقبلها من المآثر الحسنى، فجزى الله المؤلِّفَين الفاضلين المرشدين، على ما أودعا في نقدهما من روح هذا الدِّين الحنيف، وتوخَّيا في بيانهما راجح الأقوال من كل صحيح، فكان من كلا النَّقد والبيان، أعلام واضحة، وسبل نيرة، يظهر منها لكل ذي بصيرة ذاك النُّورُ المقتبس، من آي الله في قرآنه: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ، فما أجدرنا أن نهتدي بهدي القرآن الكريم، وعمل سيِّد المرسلين، أفليس من هدي الله قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، فكان الصّحابة والتابعون (١) مع علوِّ مكانتهم، وعظيم فضائلهم، لا يعظّمون جنائزهم بالضَّجيج والعَجيج، ولا بذاك المفرد المصطلح عليه اليوم، مما أدّى الأمر إلى إحياء بدع، وإماتة سنن، وحاشا لله أن ينسب من يحذو حذو السُّنَّة المطهرة إلى الإزراء أو الامتهان! إنَّ والدي المرحوم (٢) قد خلت جنازته (٣)

стр. 245

من مثل هذه البدع؛ فلم تزل سيرتُها الحسنة تتناقلها الألسن في عداد المآثر، وإلى ما شاء الله أن تذكر، فما أفضل التَّمسُّك بالمنهج القويم! وما أوجب الحثّ عليه من ذوي العلم وقادة الأمة! فالتَّساهل في كل شيء قد أودى بنا إلى هذا الانحطاط، الذي أثقل كاهلنا، أليس من هديه ﵊ قوله: «لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليسلطنَّ اللهُ عليكم شراركم، فيدعو خيارُكم، فلا يستجاب لهم» (١) .

стр. 246

فالاقتصار في درء تلك المفاسد على ترتيل التَّضرُّعات والابتهالات، مع الاعتراض (١) عن كل مخرِّف أو مُحدَث في الدين ما ليس منه، لا يرفع وجوب الأمر بالعرف (٢) والنهي عن المنكر، كفانا ما أسند أهل الزَّيغ من الوصمات إلى أصل الدِّين، بسبب هكذا أعمال خالفت أصله المؤصل، وركنه الموطّد، هذا ما أدمى القلوب، إننا بين ظهراني طوائف متنوّعة، تعلم معالمنا القويمة، وتستخفّ من انتباذها، وبين أمم زائغة، ديدنها النَّقد والهزء، مع ما هي عليه من الجهل المركَّب، فما أوجب أن نتحصَّن بأصول هذا الملجأ الممنع، الذي ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، وما أليق أن نتكمل بقول عز من قائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، فضلاً عما وراء ذلك من نتائج حسنة، تعزّز روح حياتنا الاجتماعية من كل وجه، هذا رفع الصّوت بالذِّكر أمام الجنائز -فضلاً عن غيره من التَّمطيط والتَّشدُّق- لهو جزئية من جزئيات بدع شوهت أصل الدين، بنظر كل جاهل فيه، ولكن كم من بدعة صغيرة لم تلبث حتى اتّسع خرقها، وعظم وزرُها، وكم من محرمات ومستنكرات هكذا كان بدؤها؟ فاربأوا أهل الإسلام بدينكم عن طعن الطَّاعنين، واستثمروا نتائجه التي ترقى بنا إلى أوج السَّعادة والفلاح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] . فنسألك اللهم غفراناً على ما اقترفناه، ومعونةً على كل عمل ترضاه، والحمد لله رب العالمين. ٢٠ جمادى الأولى سنة ١٣٤٤ كتبه سعيد الحمزاوي (٣)