← Фикх общий

Фикх общий · id 10276

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران

محمد كامل القصاب

Полный текст (246 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فقد اطَّلعتُ على الرِّسالة الموسومة «النقد والبيان في دفع أوهام خزيران» لمؤلِّفيها الشيخين: محمد كامل القصَّاب، ومحمد عزّ الدين القسام، كما اطَّلعتُ قبل ذلك على رسالة الشيخ محمد صبحي خزيران الموسومة بـ «فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام والقصاب، في مسألة رفع الصَّوت والصياح بالتَّهليل والتكبير وغيرهما في تشييع الجنائز، وهل هو من قبيل البدع المذمومة أو من قبيل المستحسن الجائز» ، ورددتُ النَّظر في الردِّ وردِّ الردِّ من حيث الدَّليل والمدلول، وأمعنتُ الفِكرَ فيهما من حيث النَّقل والمنقول، والفروع والأصول، فكان الذي ظهر لي في الجواب وإنه -إن شاء الله- الحقُّ الذي لا يعدل عنه، والصَّواب: ما اعتمده القسَّامُ والقصَّاب، فهو المنهج الرابح، والمهيع النّاجح، والعمل الراجح، ألا وهو هدي السَّلف الصالح، فما شرعه الشارع (١) S، واستقرَّ عليه عمل صحبه والتَّابعِ، وتابع التابع، هو الذي ينبغي المسير عليه، والمصير إليه، والتَّمحلات في الأدلة، والمحاولات بالمقابلات بين المعلول والعلة، من غير ضرورة أكيدة داعية إليه، وحاجة شديدة حاملة عليه، مقاومة ومصادمة بالهدم لصروح صريح وصحيح النَّص، ومجاراة لتشييد وتأييد هوى النَّفس، فإنَّ العدول عن قول النبي ﷺ ، وفعله، وخلفائه الراشدين، والأئمة المجتهدين، إزراء بالشَّارع والشَّرع وإخلال، فماذا بعد الحق إلا الضَّلال؟!

стр. 177

وفي «القواعد الأصولية الزّرقوية» (١) (قاعدة (٤٢)) (١) : «لا متَّبع إلا المعصوم؛ لانتفاء الخطأ عنه، أو من شهد له بالفضل؛ لأنَّ مزكِّي العدل عدل، وقد شهد ﵇ بأنّ «خير القرون قرنه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) ، فصحَّ فضلُهم على التَّرتيب، والاقتداء بهم كذلك» . وبهذا يُعلم أنَّ كل قضية موجودة في زمنه ﵊، وفي زمن خلفائه، وأئمة الأمة، واستمرَّ العملُ فيها عملاً، أو تركاً، قولاً أو فعلاً، كان ذلك حُجةً وأساساً وأصلاً، فلا يجوز تجاوزه إلا لضرورة تبيح المحظور، فكلُّ خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، وهم بالخير أعرف، ولله أخوف، وعلى الأجر أحرص، وبالورع أسعد، وعن البدع أبعد، وما ينقل عمن بعدهم من الأقاويل ينظر فيه إلى المستند والدَّليل، ففي «القواعد» (٣) المذكورة قاعدة (٣٨) : «العلماء مصدَّقون فيما ينقلون، لأنه موكولٌ إلى أمانتهم (٤) ، مبحوث معهم فيما يقولون؛ لأنه نتيجةُ عقولهم، والعصمة غير ثابتة لهم، فلزم التَّبَصُّرُ؛ طلباً للحقِّ والتَّحقيق، لا اعتراضاً على القائل والناقل» .

стр. 178

وأي بدعة حدثت في الإسلام، ولو كانت خفيةً في المبادئ، فلا تلبث أن يتسع خرْقُها، ويعظم فتْقُها، ألا ترى هؤلاء المنشدين أمام الجنائز، فعلاوة عن كونهم خالفوا السُّنّة السَّنيَّة، وحالفوا البدعة السَّيّئة الدنيَّة، في مجرد وجودهم بهيئتهم، مع التَّصنُّع، والتَّنطُّع، والتَّكلُّف، والتَّعسُّف، فقد اتَّخذوها بضاعةً: تجارةً وإجارة، وتعهدوها احتكاراً، ولا تَسَلْ عن المشاركة، والمشاكسة، والمماكسة، والمعاكسة، والمناقصة، الأمر الذي انقلبتْ به الحقيقة، ودخلت به في قسم المعاصي، وخلتْ من روح الإخلاص، وتخلَّت من الخلاص، وإذا زجروا نفروا، وإذا أُمروا أَنِفُوا وعنَّفوا، وكم تعبنا لما عبنا! وعانينا لما عاينَّا! وقد جرى العملُ به بين العموم والخصوص، والمنكر له مكابر منكر للمحسوس، وذلك كلُّه بفضل المنشدين الجاهلين، والمرشدين المتساهلين. فإذا كان الإمام النَّووي (١) ﵀ شنَّع في ذلك، وذمّ الحال في أمده، فهل شهد بما لم يعلم، أو تحسن الأمر من بعده، والذي ينبغي اعتقاده في هذا المقام، واعتماده بين علماء الإسلام؛ هو: التَّخلِّي مع الجنازة من الجهر بكل شيء، والتحلِّي بحلية الحزن والصَّمْت، وحُلِّة السَّمت، اقتداءً بالمشرِّع (٢) الأعظم -عليه وعلى آله الصَّلاة والسَّلام-، وقد استوفى أدلّة المذاهب الأربعة في ذلك أصلاً وفرعاً، بما في بعضه كفاية، لمن وقف عند حدود كلام ربِّ الأرباب بقوله -عز اسمه-: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] . بدمشق الشَّام

стр. 179

في ١٥ المحرم الحرام سنة ١٣٤٤ كتبه بقلمه: صالح نجم الدين التُّونسي (١)

стр. 180

الإمام المالكي والمدرس بالجامع الأموي ٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اطَّلعنا على هذا الكتاب، وعلمنا ما فيه، ونقول: كلٌّ من المتناظرين قد أطال الكلام في غير محلِّ الحاجة، والذي يظهر: أنَّ كلاًّ من المتناظرين لا يقصد بما يقول، إلا أن يغلب مناظرَه، فكان الدُّخولُ بينهم غيرَ جائز، لما أنّ شرط المناظرة: أن يكون القصدُ إحقاقَ الحقِّ، وأن يكون كلٌّ من المتناظرين يحب ظاهراً وباطناً أن يكون الحقُّ في جانب مناظره، كما كان عليه السَّلفُ الصّالح (١) ، ولذلك نقول -بياناً للحقِّ في ذاته، بقطع النَّظر عن الانتصار بعده لأحد منهما-:

стр. 181

رفع الصَّوت من المشيِّعين للجنازة بنحو قرآن، أو ذكر قصيدة بردة (١) ، أو يمانية، أو غير ذلك بدعة مكروهة مذمومة شرعاً بلا شبهة، لا سيّما على الوجه الذي يفعله النّاسُ في هذا الزَّمان، مما يمجُّه الذَّوقُ السَّليمُ، ويستقبحه الطَّبعُ المستقيم، ولم يكن شيء منه موجوداً في زمن النَّبيِّ ﷺ ، ولا في زمن الصَّحابة، والتَّابعين، وتابعيهم، وغيرهم من السَّلف الصَّالح، بل هو مما تركه النَّبيُّ ﷺ ، مع قيام المقتضى لفعله (٢) ، فإنه كان يعلِّمهم كلَّ ما يتعلَّق بالميت، من غُسلٍ، وصلاةٍ عليه، وتشييعِه، ودَفْنِهِ، فلو كان رفعُ الصَّوت من المشيِّعين مطلوباً شرعاً لفعله، أو أمر بفعله، وما تَرَكَه ﷺ في مقام التَّعليم يكون ترْكُه سُنَّةً، وفعلُه بدعةً مذمومةً شرعاً، كما هو الحكم في كلِّ ما تركه ﷺ مع قيام المقتضى لفعله. على أنَّ رفع الصَّوت ينافي الحكمة المقصودة من المشي مع الجنازة، من التَّفكّر في الموت، وما بعده، مع أنّه قد ورد النَّهي عن ذلك بخصوصه، فقد روى أبو داود عنه ﷺ أنه قال: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار» (٣) .

стр. 182

ولكن جوَّز بعضُ المتأخِّرين رفعَ الصَّوت بالذِّكر ممن يمشي مع الجنازة، إذا كان ذكراً شرعياً، بناءً على أنَّ علَّة كراهة رفع الصَّوت، هي: موافقة أهل الكتاب في رفع أصواتهم أمام الجنائز، وقد زالتْ تلك العلّة؛ لأنَّ أهل الكتاب صاروا يمشون ساكتين مع جنائزهم، لا يرفعون أصواتهم، فكانت مخالفتُهم في رفع الصَّوت بالذِّكر المشروع فلا يكره حينئذ، وتغير الحكم لتغيِّر العلَّة! ولا يخفى ما فيه، أما أولاً: فإنَّ المشاهدة في زماننا الآن بالديار المصريَّة، أنّ كثيراً من أهل الكتاب يرفعون أصواتهم مع جنائزهم بأناشيد يرتّلونا، فكانت مخالفتُهم في عدم رفع الصَّوت كما هو السنة. أما ثانياً: فلأنَّ العلَّة ليست هي ما ذكر، بل علَّة السُّكوت هي التَّفكُّر في الموت وما بعده.

стр. 183

وأما ثالثاً: فلأنَّ المعوَّل عليه في الأحكام الشرعية هو النّصّ [في] (١) المنصوص عليه، وإنْ زالتْ العلةُ لأنّ (٢) النَّصَّ هو الذي أثبت الحكم فيما نص عليه فيه، والعلة حكمة فقط، لا يشترط بقاؤها في المنصوص عليه [لبقاء الحكم] (٣) ، وليس هذا الحكم من الأحكام التي بناها الشَّارع على العرف، وأناطها به (٤) ، حتى يختلف باختلاف عرف الناس وعوائدهم. ولو كان الأمر كما يقول ذلك البعض، وأن الحكم تغير بتغيّر العلة لكان عدم رفع الصوت مكروهاً مع الجنازة، ولا قائل به، بل الكلام في جواز رفع الصّوت، وعدم جوازه فقط، وقد علمتَ أنَّ الحقَّ عدم الجواز.

стр. 184

وأما ما يفعل في زماننا أمام الجنائز، من الأغاني، والأناشيد، ورفع الصَّوت، بنحو البردة واليمانية وغيرهما، مع تغيير في الصَّوت، وتمطيط الكلمات وتغيير (١) للحروف، وغير ذلك مما يُفعل في هذا الزَّمان، فهذا مما لم يقل بجوازه أحدٌ من العلماء، بل هو منكر قطعاً، وكذا ما يفعل من المشي بالمباخر، ومشي العساكر رجالاً وفرساناً، وحمل الجنائز على غير أعناق الرِّجال (٢) ، كل ذلك من البِدَع التي لا يقول أحدٌ من العلماء بجوازها، وعلى كلِّ حال؛ فالصَّواب الاحتياط (٣) ، والعمل بالسُّنَّة، وما عليه السَّلف الصَّالح، ويكفي في ذلك أنّه اقتداءٌ بالنَّبِيِّ ﷺ وأصحابه.

стр. 185

وأما العُرف الحادثُ من النَّاس فلا عبرة به، في مثل هذا، إذا خالف النَّصَّ، بل بعض العلماء لم يعتبرْه أصلاً حتى فيما يتغيَّر بتغيِّر العرف إذا خالف النَّص (١) ؛ لأنَّ التَّعارف إنما يصحّ (٢) دليلاً على الجواز إذا كان عاماً من عهد أصحاب رسول الله ﷺ والمجتهدين؛ لأنه حينئذ يلحق بالإجماع؛ فيكون حُجَّةً كما صرَّحوا به، وما تعارفه الناس من الرَّفع للصوت مع الجنازة ليس كذلك، فلا يصلح تعارفُهم له دليلاً على جوازه، وقد بيَّنا كلَّ ذلك في كتابنا «أحسن الكلام فيما يتعلَّق بالسُّنَّة والبدعة من الأحكام» (٣) ،

стр. 186

والله -تعالى- أعلم. في ٢٣ المحرم سنة ١٣٤٤هـ الموافق ١٣ أغسطوس سنة ١٩٢٥م مفتي الديار المصرية سابقاً محمد بخيت المطيعي الحسني (١) غفر الله له ولسائر المسلمين آمين ٦ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله مؤيِّد الحقّ بالبرهان القاطع، موفِّق أهل اليقين إلى الصَّواب، وهادي الموفقين إلى الحكمة وفصل الخطاب، عاضد حماة الحقيقة بالوقاية الصّمدانية، مؤيِّد دُعاة الشَّريعة الغراء بالتّأييدات الرَّبانية، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد النور الشامل، والسيِّد الكامل، وعلى آله الكرام، وأصحابه العظام. أما بعد؛ فقد اطّلعتُ على الرسالة التي ألَّفها الهمامان الفاضلان: الشَّيخُ كامل القصَّاب، والشَّيخُ عزّ الدين القسَّام، لازال كلٌّ منهما مزيلاً للشُّبهات، مظهراً للصَّواب، بعناية الملك الوهاب، قصدا بها إزالةَ البدعة الفاشية بين الناس، من رفع الأصوات خلف الجنائز وأمامها بالذِّكر والتّشويش، الشَّاغل للمصاحبين لها عن الاتِّعاظ بالموت، ومفاجأة سكراته، فرأيتُ مباحثَها الجليلة، وعباراتها الجميلة، في غاية الحُسن والإتقان، وكلُّها توافق المعقول والمنقول، كما حرّره الأئمة الفحول، من كلام علماء المذاهب الأربعة، وكلّها تدلُّ دلالةً واضحةً على المنع من الجهر بالذِّكر وغيره مع الجنائز، وأنَّ على متَّبعيها الصَّمت والتّفكر والاعتبار، وفيما نقله صاحبا الرسالة من كتب المذاهب الأربعة غنيةٌ وكفايةٌ لمن أنصف، ولم يسلك سبيل من مجمج وتعسَّف، وإلى إباحة البدع حاول وتكلَّف، وقد قال ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢) ، وقال

стр. 187

- ﷺ : «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة» (١) ، وقال ﷺ : «من تمسَّك بسُنَّتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد» (٢) كما رواه البيهقي مرفوعاً، وقال ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) ، وقد ترتب على ارتكاب أمثال هذه البدع: وقوع الجهّال، وكثير من طلبة العلم، فيما نهى الله -تعالى- ورسوله ﷺ عنه، من فعل المحرَّم أو المكروه (٤) ، وإذا نهاهم عارفٌ عن ارتكابها، وأمرهم باتِّباع السُّنَّة، قالوا: قد وجدنا علماءَنا لها يفعلون، وفعلناها بحضرتهم وهم ساكتون، وهم قدوتنا فنحن لهم متَّبعون، فبدّلت السُّنن بالبدع، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، فلو أنَّ علماء الزَّمان عملوا بما علموا، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، كما أمروا، لما أخلُّوا بوظيفتهم، ولا عباد الله أضلّوا، وقد تصفّحتُ الرسالةَ من أوَّلها إلى آخرها؛ فوجدتُها مستحقَّةً لأن ترفع على هامة القبول، وكل ما سطَّراه وحرَّراه وبيّناه وقرّراه هو لب الحقيقة، وعين الشَّريعة، لا يشوبه شائب، ولا يخشى عليه من كلمة عاتب، أو عائب، فجزاهما الله بالحسنى، وزيادة، على ما أورده كلٌّ منهما بهذه الرسالة وأجاده، آمين. في ١٠ صفر سنة ١٣٤٤ كتبه الفقير إليه -تعالى-

стр. 188

صالح الحمصي (١) ٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله بارئ الخلق، والصَّلاة والسلام على سيدنا محمد النَّاصر الحقّ بالحقِّ، ﷺ وعلى آله وأصحابه وعترته وأحبابه. أما بعد: فإنَّ نصوص جميع مذهبنا -نحن معاشر الشَّافعية- ناطقة بكراهة اللغط أمام الجنازة، للأدلّة الصَّحيحة الدالَّة على ذلك، نقلاً وعقلاً، وما قاله بعضُ متأخِّري السَّادة الشافعية (٢) مما يخالف ذلك، فليس لهم فيه سند، فما ذكره الأستاذان الفاضلان، والمحققان الكاملان، والعالمان العاملان، مؤلفا هذه الرسالة، هو الذي يعوَّل عليه، ويركن إليه، فجزاهما الله خير الجزاء، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، آمين. في ١٣ صفر سنة ١٣٤٤ كتبه الفقير إليه -عزَّ شأنه- عبد المعطي السّقا الشافعي المدرس بالأزهر ٨ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 189

تصفَّحتُ هذه الرِّسالة من تصنيف الأستاذين الفاضلين: الشيخ كامل القصَّاب، والشّيخ عزّ الدين القسام، فوجدتُها تضمَّنت مسائلَ جمّة، تتعلَّق بآداب الذِّكر، والدُّعاء، وقراءة القرآن، والمواطن التي يحسن فيها جميع ذلك أو لا يحسن، وقد أجاد الأستاذان -حفظهما الله- في تمحيص الحقِّ، وتحرير الصَّواب في تلك المسائل، مما يؤدِّي تدبّره إلى إحياء سنن، وإماتة بدع -إن شاء الله تعالى-. أما كلمتي التي أقولها هنا، فلستُ أراها بالتي تتّسع لبيان ما أعتقده الحقّ في مسائل المناظرة كلِّها، وبذلك أكتفي برفع الصَّوت بالذكر وراء الجنائز التي هي أم الباب، والأصل الذي تفرَّع عنه السؤال والجواب، فأقول:

стр. 190

لا نزاعَ بين علمائنا في أنَّ الصَّمت وراء الجنائز هو السُّنَّة، لما أن في السُّكوت وراءها ما يبعث على الخشوع والإخبات، وتذكر الموت والآخرة، لكننا نرى المسلمين في كثير من البلاد الإسلامية، قد خالفوا هذه السُّنَّة، واعتادوا رفع أصواتهم بقراءة القرآن، أو بأذكار أخرى مرتّلة وملحّنة، كما هي في الطّوائف الأخرى غير المسلمة، وعذر بعض العلماء المتأخّرين في قبول ذلك: أنهم لو لم يرفعوا أصواتهم بالذِّكر لاشتغل مشيِّعو الجنازة بالتهامس والخوض في مختلف الأحاديث، وقد رأيت الأستاذ الكبير السيِّد محمد الكتاني (١) -نزيل دمشق- يميل إلى الجهر بالذِّكر أمام الجنائز مع اعترافه بأن السنة هي السكوت، قال (٢) :

стр. 191

وإنَّ الناس في بلادنا -يعني: فاس- يلغطون كثيراً وراء الجنازة، ويتناجون، ويتحدَّثون عن الميت وسيرته في حياته، وما سيكون في حالة ورثته، وماذا عساه يقع بينهم من تنافس وخصام، ونزاع بشأن الإرث. قال: وربما تخطوا ذلك إلى الطّعن في الميت، أو في ورثته، فكان رفعُ الصَّوت بالذكر شاغلاً للمشيعين عن الحديث والخوض في الباطل، لكن السيِّد الكتَّاني -حفظه الله- لا يتردّد أصلاً في أنَّ الرُّجوع إلى العمل بالسُّنَّة هو الأفضل، وأنه إذا أمكن حمل الناس على السُّكوت المطلق وراء الجنائز، كان ذلك أمثل، ولا يكون ثمة حاجة إلى رفع الصَّوت بالذِّكر وراءها، فالخلاف إذن يشبه أن يكون لفظياً كما يقولون، أو أنَّ الحكم فيه مما يختلف باختلاف الأمصار الإسلامية، وحالة سكَّانها الروحيَّة والأخلاقية (١) . وأن من يقول بالسُّكوت وراء الجنائز عملاً بالسُّنَّة، ومن يستحسن في هذه الأيام رفع الصوت وراءها، كلاهما يرمي إلى غرضٍ واحد، وهو الحيلولة بين المشيّعين، وبين الخوض في الباطل من حيث يؤدِّي ذلك إلى التَّفكّر والخشوع، لذلك كنا نحبُّ أن لا ترتفع أصوات المتناظرين في مسألة هي أهون من جميع المسائل التي تهمُّ المسلمين اليوم، وأخفها ضرراً، وكان غيرُها لعمري! أحقّ بالاهتمام بها، وعقد مجالس المناظرات من أجلها، فتتمحص ويتحرّر وجهُ الحقِّ منها.

стр. 192

وملخَّص ما أريد أن أقوله بالنسبة إلى دمشق -حيث أنا نزيل (١) اليوم، وإلى طرابلس الشَّام حيث عشتُ ونشأت- أن الناس فيها -حتى العامة- أصبحوا يشعرون بأنَّ السكوت وراء الجنازة أفضل من رفع الصوت بالأذكار، وأعون على الخشوع والخشية، ويشعرون -أيضاً- بأنه كلما كان الحفل وراء الجنازة كبيراً، والسكوت عاماً، كانت الجنازة والخشوع فيها أعظم، وأنَّ السكوتَ التَّامَّ على هذه الصورة لا يفسح مجالاً للهمس والنجوى، بل الأمر على العكس يضطر الناس إلى الصَّمت والإطراق، إذ لا يكاد أحدٌ من الناس يناجي رفيقَه الذي بجانبه في الجنازة، التي لا رفع صوت بالأذكار فيها، حتى يلتفت إليه المطيفون به، ويحدجونه بأبصارهم، فيقطع النَّجوى، ويسكت، ولعلَّ رفع الصَّوت بالأذكار وراء الجنائز الصغيرة الشَّأن، القليلة المشيِّعين يساعد على شيوع أمرها، وانتباه الناس إليها، فيهرعون إلى تشييعها والخروج معها إلى الجبَّانة، فرفع الصَّوت بالذِّكر يكون في بعض الأحايين وسيلةً إلى تكثير المشيعين، لا سيما في جنائز الفقراء، ومَنْ لا يؤبه لهم من الناس (٢) .

стр. 193

ومع هذا؛ فإنَّ الأفضل العمل بالسنة، وتعويد الناس السكوت وراء الجنائز، كما يقع الآن في كثير من بلاد الإسلام، التي ارتقت فيها الأخلاق، وانتشت العلوم والآداب، أما البلاد الأخرى التي ما زالت مقصِّرة في هذه الحلبة، وقد تعسَّر فيها العملُ بالسُّنَّة، فينبغي لعلمائها أن يجتهدوا في تنبيه أهاليها إلى وجوب السكوت وراء الجنائز، ويسلكوا إلى هذا الغرض مختلفَ الطُّرق، وربما كانت أقرب تلك الطرق: أن يوصي العلماءُ وأشرافُ الناس بالعمل بالسُّنَّة في جنائزهم، فيقتدي بهم الآخرون، ومن ثم ينتبه عامّة الناس ودهماؤهم إلى ما في السنة الشريفة من الحسن والأدب الصحيح، فيألفوها، ويسلكوا سبيلها، كما هو الحال في بلادنا السُّوريَّة، أو معظم أمصارها. ولا أعلم الحال في مدينة عكا بلد الأستاذ الجليل الشيخ عبد الله الجزار (١) ، ولم أطَّلع على فتواه في هذه القضية، لأعلم إنْ كنت باعدت عنه فيما قلتُه، أو قاربته؛ لذلك أرجو أن تقع كلمتي هذه موقع القبول من نفسه. في٢٠صفرسنة١٣٤٤ ... المغربي (٢)

стр. 194

٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الواحد القهَّار، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد نور الأنوار، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان في كلِّ زمان ومكان، والسّلام عليهم أجمعين، أما بعد: فقد عمَّت البلوى، وزادت الشَّكوى، في مسائل حدثتْ في الدِّين، ونسبت إليه، وقد كثرت في أزمنتنا، وانتشرت بين عامتنا، وأقرّ عليها بعضُ خاصتنا، بل أفتوا بها، وحرضوا عليها -كحادثة هذه الرسالة: الصياح في الجنائز، زاعمين أنها من الدِّين وشعائره، بتأويلات تكلّفوها، واستنتاجات لفَّقوها، والدِّين بين أيديهم بآياته، وأحاديثه، وأقوال أئمته وعلمائه، على اختلاف المذاهب والمشارب، فألبسوه بذلك ثوباً جديداً، نراه رثاً، ويرونه قشيباً، حتى غلبت الفروعُ على الأصل، وضاع اللب في القشور (١) .

стр. 195

فكان ذلك بلاء على الدِّين، ومنكراً فيه يسأل الله عنه مَن يقدرون على إزالته مِنَ العلماء، الّذِين هم ورثة الأنبياء، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -ومن ذلك التَّغنّي في المساجد-كجامعنا الأموي-بأنواع الشعر والقصائد من فنون الأنغام المطربة، مما لا يسمع لفظه، ولا يفهم معناه، ومن ذلك حفلات المولد الشريف النَّبوي، التي كثيراً ما يجري فيها المنكرات والبدع المذمومة، على اسم المولد الذي هو ليس من السُّنَّة في شيء -وإن كان في نفسه حسناً-، ثم إنهم حرَّموا وأنكروا أموراً أخرى، لا شأن لها؛ لأنها معروفة الحكم، مفروغ منها، وجعلوها ديدَنهم وشعارَهم، غافلين مع شدتهم هذه عن محرَّمات ومكروهات، يُجاهَر بها، وبدع فاشية شوهت الدِّين في نظر غير المسلمين. والمصيبة كل المصيبة، أنه متى قام نابغة من علمائنا، يخالف مثل هؤلاء، داعياً إلى الدِّين الصحيح، مثل صاحبي هذه الرسالة الأستاذين: الشيخ كامل القصاب، والشيخ عز الدين القسام -حفظهما الله تعالى- جافوه، وناوؤوه، ووصموه باسم الوهابية (١) ، وهذا لا شك أنه من علائم الجهل والحسد. لم يوصم الأستاذ القصاب قبل الآن بهذه الوصمة، ولكن سيلقَّب بهذا اللقب منذ الآن، حيث تكلَّم في بدع المساجد، والموالد، والجنائز، وسوف لا يضره ذلك في دينه شيئاً، بل يزيد الثقة بعلمه وغيرته -إن شاء الله-. وفي الختام، نقول: إن ما جاء في هذه الرسالة كلِّها هو الحقّ بلا رياء (٢) ، والصواب بشهادة العلم والعلماء. وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النَّهارُ إلى دليل جزى الله المؤلِّفَيْن خير الجزاء، وكفاهما شرَّ الجهلاء، آمين. في ٢٥ صفر سنة ١٣٤٤ كتبه

стр. 196

محمد جميل الشَّطي (١) النائب الحنبلي بدمشق عفي عنه ١٠ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الحمد لله الذي لا يقبل من الأعمال إلا ما شَرَعه، ولا يرضى عمن ابتدع في دينه شيئاً، حتى يترك بدعتَه، ودينه هو ما كان عليه مَنْ علا الخلقَ فضله، وتمسك به السَّلف الصالح الذين يبغضون المبتدعة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٢) ،

стр. 197

والقائل: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) ، وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) ؛ يعني: لكونه من المبتدعة، القائل في حقِّهم: «أصحاب البدع كلاب النار» (٣) ،

стр. 198

ويا لها من عار ومذمَّة! وعلى آله وأصحابه الذين قال لهم: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فإنما هلك من كان قبلكم بما ابتدعوا، وتركوا سنن أنبيائهم، وقالوا بآرائهم، فضلّوا وأضلّوا» (١) ، والقائل لهم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به» (٢) ؛ يعني: فالذين اتَّبعوا أهواءهم، قد ضلّوا وأضلوا، وعلى من تبعهم بإحسان، وعن سنن السلف لم يعدلوا، بل ساروا متمسكين بأذيالهم، لم يغيِّروا ولم يبدِّلوا. أما بعد؛ فيقول أسيرُ ذنبه عبد ربه الكافي محمد بن يوسف بن محمد المعروف بالكافي (٣) :

стр. 199

إنّ الله ابتلى آخر هذه الأمة المشرَّفة بأناس يستحسنون أشياء بآرائهم، أو يستندون فيها إلى آثار منسوخة، كاستنادهم في رفع الأصوات في المساجد إلى ما كان يناضلُ به سيِّدُنا حسان بن ثابت ﵁ عن رسول الله ﷺ (١) ،

стр. 200

وإنشاد سيدنا كعب بن زهير قصيدته المشهورة ﵁ (١) ،

стр. 201

وغير ذلك مما لا تقوم به حُجّة، خصوصاً من المقلِّد الممنوع من أخذ الأحكام من الأدلّة إجماعاً، كما نقله ابن خَيْرَان (١) ؛ لقصوره عن ذلك، وكاستنادهم في رفع الأصوات خلف الجنائز المخالف لما كان عليه ﵊ والسلف الصالح، إلى أنَّ رفع الأصوات يشغل الناس عن الغيبة والوقوع في أعراض الناس، وبعضهم يقول: إنه صار عادة وتركها يزري بالميت، وغير ذلك من العبارات التي أصلها وحي الشياطين؛ لأنَّ به تموت السُّنَّة، التي يحبّها الله -تعالى-، ودَرَج عليها النَّبِيُّ ﷺ ، والسلفُ الصالح: أهل القرون المشهود لهم بالخيرية، وكاستنادهم في القيام في المولد الشريف إلى أنه تعظيم له ﷺ ، وكل ما كان تعظيماً له فهو واجب، ورتّبوا على هاتين المقدِّمتين: أن من لم يَقُم عند ذكر الولادة يعدُّ مستخفاً بمقامه ﷺ ؛ فيكفر، وإلى قول الصَّرْصَري (٢) :

стр. 202

«فحقٌّ على الأشراف عند ذكره أن تنهض الأشراف قياماً، أو جثياً على الركب» ، أو عبارة تقرب من هذه، وإلى قيام العلامة ابن السبكي (١) عند سماع قول الصَّرْصَري، وغير ذا من المستندات الواهية (٢) ،

стр. 203

ويأتي بطلان الاستدلال بما ذكر -إن شاء الله تعالى-، وكاستنادهم في القيام لبعضهم للتَّعظيم لآثار وردت لغير التَّعظيم، بل السُّنَّة عدم القيام، كما يأتي، وبعضهم فَصَلَ بين العلماء والوالدين وغيرهم، فجعل القيامَ للعلماء والوالدين للتَّعظيم مطلوباً شرعاً، دون غيرهم، وهو تحكّم (١) محض، بل السُّنَّة لم تفرِّق بين العلماء والوالدين وغيرهم، والذي يقول: تعتريه الأحكام الخمسة، قول متأخِّر، لا يعارض السنة فهو من توليد الكلام المنهي عنه، بل العارض له حكم وقته، ويزول بزوال وقته، ويبقى الحكمُ الأصليُّ كالضَّرورة، لإباحة أكل الميتة المحرمة، وبزوال الضَّرورة يرجع الحكم الأصلي، وهذا أمر مقرَّر عند من له أدنى إلمام بالعلم، ثم أولئك الناس المبتلى بهم آخر هذه الأُمَّة لم يسكت عنهم رجال العلم، بل لا يزالون يحاربونهم، ويشنُّون عليهم الغارة، إلا أنَّ هؤلاء المبتدعين اشتدّ عضدُهم بالعامّة، الذين لا يفرِّقون بين سنة وبدعة، وممن حارب أهلَ البدع: العالمان العلاّمتان، والأستاذان الكاملان: محمد كامل القصّاب، ومحمد عزّ الدين القسام، وعضدهما جلةٌ أنجاب، فعارضهم من تطمئنُّ نفسه بالبدعة، ولربما تشمئزُّ من الجري على السُّنَّة، ومن الضلاَّل من يجادل عن البدعة، ويحاول علُوّها على السُّنَّة، ويأبى الله ذلك، والحقُّ يعلو، ولا يُعْلى عليه. ولْنرجع إلى بيان ما تقدّم، وإن كانت البدعُ الملصقة بالدِّين كثيرة، كإيقاد الضَّوء نهاراً في العيدين (٢) ،

стр. 204

والمولد (١) بنية التَّعظيم، ولا عبرة بالنيَّة المخالفة للشَّرع، وكجعل الصَّباحية في المساجد المتنزّهة عن ذلك، وكالذِّكر المحرَّف عما جاء في الشَّرع (٢) ، وكالرَّقص في حال تخبُّطهم بالشَّياطين (٣) ، وضربهم للآلات المحرَّمة شرعاً، يوجد بعض من ينتسب للعلم يزين حالهم الخبيث، ويستند في تزيينه إلى أفراد صدر منهم ذلك، ولا ندري أهم من المجاذيب الذين لا يؤخذ منهم حكم أم الممكور بهم؟! وكيف يسوغ لعالم متديّنٍ أن يترك أقوال من ثبتت مكانتهم فقهاً وتصوّفًا (!) ، ويتَّبع الأقوالَ الضَّعيفة والشَّاذَّة، وقد نص عالم العلماء سيدي علي الصَّعيدي العَدَوي في «حاشيته على الخرشي» (٤)

стр. 205

على أنه يحرم الحكم والفتوى والعمل في خاصة النَّفس بالقول الضعيف، ونصوا على أنَّ من يتَّبع الأقوال الضعيفة يكون في دينه ضعف (١) ، وحملوا عليه: لا تعلِّموا أولاد السّفلة العلم؛ أي: الزائد على العلم العيني.

стр. 206

فنقول: أمّا رفع الأصوات في المساجد، فقد كان في الصَّدر الأول، ثُمَّ نسخ (١) ، وبالناسخ أخذ أئمة المذاهب الحقَّة، قال في «شرح العقيلة» (٢) للحافظ السخاوي ما نصه: «قد كان لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم بخفض أصواتهم؛ لئلا يغلط بعضهم بعضاً» ا. هـ. ومصداق قول الحافظ: ما رواه الإمام أبو داود عن أبي سعيد الخدري، حيث قال: «اعتكف رسول الله ﷺ ، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتر، وقال: ألا إنَّ كلكم مناج لربِّه، فلا يؤذ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض بالقراءة» (٣) ا. هـ. وورد: «يا علي! لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك، حيث يصلِّي الناس، فإنَّ ذلك يفسد عليهم صلاتهم» (٤) ، وما خرجه القرطبي (٥) عند قوله -تعالى-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] ؛ ورفعها بما قاله ﷺ : «جنِّبوا مساجدَكم صبيانَكم، ومجانينَكم، وسلَّ سيوفِكم، وإقامةَ حدودكم، ورفعَ أصواتكم، وخصوماتكم، وجمِّروها في الجمع، واجعلوا على أبوابها المطاهر» (٦) ا. هـ من «حاشية الجمل» ، وقريب منه ما في ابن ماجه (٧) ، وكون مالك يوجد له قول بجواز رفع الأصوات في المساجد في حيز المنع؛ لأنه ﵁ من أشدِّ الناس اتباعاً للسُّنَّة المصطفوية.

стр. 207

إذا تقرر لديك ما تقدم، فلم يبقَ لمجوِّز رفع الأصوات في المساجد، إلا قول بعض المتأخِّرين، العاري عن المستند؛ لكونه خلافَ السُّنَّة. وأما استنادهم في رفع الأصوات خلف الجنائز، فأمر مُحْدَث ينافي السُّنَّة التي يحبها الله، واستمرَّ عليها العمل في زمنه ﷺ ، وفي زمن السلف الصالح، وهو الصمت مع الجنازة (١) ، أما محبَّة الله -تعالى-؛ فلما روي كما في «الجامع الصغير» (٢) : «إنّ الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة» (٣) . قال المناوي (٤) : «أي: في المشي معها والصلاة عليها، وقال الحنفي: أي: من تغسيل الميت، والصَّلاة عليه، والمشي أمامه إلى أن يأتي به القبر، فقراءة القصائد، والقرآن أمام الجنازة بدعة مخالفة للسُّنَّة» ا. هـ محل الحاجة.

стр. 208

وأما استمرار السَّلف عليها، فلإنكار سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ على من رفع صوته، بقوله: «استغفروا لأخيكم» ، فقال له سيدنا عبد الله: «لا غفر الله لك» (١) ، وما قال له ذلك؛ إلا لكونه أحدث حدثاً في الدِّين، لم يكن في زمنه ﷺ ، وعليه فنقول: رفع الأصوات خلف الجنائز لا يحبّه الله، ولا هو من العمل الذي كان عليه النبي ﷺ ، وكلُّ ما كان كذلك فهو ردٌّ على صاحبه، فَرَفْعُ الأصوات خلف الجنائز رَدٌّ على صاحبه؛ لنصِّ الحديث المحكم، قال مالك -رحمه الله تعالى-: «ومن أحدث في هذه الأمة شيئاً، لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أنَّ رسول الله ﷺ خان الدِّين؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً» (٢) . وقال سيدنا حذيفة بن اليمان (٣) ﵁: «كلُّ عبادة لم يتعبَّدها أصحابُ رسول الله ﷺ فلا تتعبدوها، فإنّ الأولَ لم يدع للآخر مقالاً، فاتَّقوا الله يا معشر القُرَّاء، وخذوا بطريق مَن كان قبلكم (٤) » ونحوه لابن مسعود ﵁ (٥) ا. هـ. والخير كله في اتباع من سلف ... والشر كله في ابتداع من خلف

стр. 209

وأما استنادهم في القيام عند ذكر ولادته ﷺ إلى أنه تعظيم له ﷺ تاركه يكفر لاستخفافه بمقامه ﷺ ، وينتظم من كلامهم قياس من الشَّكل الأول، وصورته هكذا: القيام عند ذكر ولادته ﷺ تعظيم له، وكل ما كان تعظيماً له فهو واجب، يعدُّ تاركه مستخفّاً؛ فيكفر، فتكون النتيجةُ -بعد حذف الحد الوسط-: القيامَ عند ذِكْر ولادته واجب، يكفر تاركُه للاستخفاف!! أقول -ومن الله تعالى أطلب الحول والقوة-: إنَّ استنادهم باطل؛ لمنع المقدِّمتين: أما منع الكبرى؛ فظاهر؛ لعدم لزوم الاستخفاف لعدم القيام، لاحتمال أنَّ من ترك القيامَ تركه كسلاً، مع اعتقاد احترامه، وتعظيمه ﷺ ، أو أنّه تركه جاهلاً، بكونه تعظيماً له ﷺ ، أو أنه تركه لاعتقاده التَّعظيم في عدم القيام، امتثالاً لنهيه ﷺ عن ذلك، واتِّباعاً للسلف الصالح، الذين كانوا لا يقومون له مع محبَّتهم له ﷺ ؛ لكونهم يعلمون كراهيته لذلك؛ لأنه من شعار غير المسلمين. وأمَّا منع الصغرى فهو أظهر من منع الكبرى؛ لأنَّ القيام لم يكن مشروعاً للتَّعظيم، ولم يشرع إلا في القيام للصَّلاة، ومن المعلوم عند العلماء: أنَّ تعظيمَ النَّبيِّ ﷺ قربةٌ إلى الله -تعالى-، ولا يتقرَّب إليه -تعالى- إلا بما شرعه.

стр. 210

قال العلاّمة الحفار كما في (نوازل الأحباس) من «المعيار» (١) للعلامة الونشريسي ما نصُّه: «إنَّ النَّبي ﷺ لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع به تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القُرَب إلى الله -تعالى-، لكن يتقرَّب إلى الله-سبحانه- بما شرعه، وقد ورد النَّهيُ منه ﷺ عن القيام له، وبيَّن علَّةَ ... النَّهي؛ لكونه -أي: القيام- مِن زيِّ الأعاجم (٢) ، وكان ﷺ يكره التَّشبه ... بهم (٣) ؛

стр. 211

كحلق اللِّحا، وإعفاء الشَّوارب (١) ، وفي «الشفاء» (٢)

стр. 212

وغيره عن أبي أمامة ﵁، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ متوكِّئاً على عصا، فقُمنا له، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظِّم بعضُهم بعضاً» (١) ا. هـ.

стр. 213

ومعنى ما في «الترمذي» : كانوا يحبُّون القيام له ولا يقومون؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك (١) ، ويلزم أصحاب هذا القول -على مقتضى نتيجتهم-: تكفير جميع الصّحابة، الذين في مقدمتهم أبو بكر الصِّدِّيق (٢)

стр. 214

-﵃، لأنهم كانوا لا يقومون له، فيعدّون مستخفّين بحقِّه ... ﷺ ، ولا مسلم يقول بذلك، بل إذا حقَّقنا النَّظرَ، واستعملنا الفكرَ، وأمعنا بعين البصيرة والبصر، وجدنا معارضة قياسهم بقياس نتيجته تنطبق عليهم تمام الانطباق، وصورته: القيامُ للنبي ﷺ ليس تعظيماً له؛ لكونه يكرهه، وكلُّ ما ليس تعظيماً له، يعدُّ فاعله مستخفّاً بالنَّبيِّ ﷺ (١) ،

стр. 215

فيكفر. النتيجة: القيام إلى النَّبيِّ ﷺ يعدُّ فاعلُه مستخفاً به؛ لكونه يكرهه ﷺ . قال العلامة الصوفي (!!) الشيخ محمود محمد خطاب السبكي (١) في كتابه «المقامات العلية في النشأة الفخيمة النبوية» في (صفحة ثلاثة وأربعين) : «ولْيعلم أنَّ القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ بدعة، وقد قال السيِّد المختار: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار» (٢) ؛ أي: فاعلها يعذَّب لأجلها في النار، وقد قال الله في كتابه الحكيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، ولا وجه لمن قال بتحسينها، فإنه ليس من أهل التَّحسين، وعن النَّص الصَّريح قد سها، وتعليله بأنَّ فيه تعظيماً، وإظهار السرور بسيِّد النبيين، تعليلٌ مردود بالبداهة، وليس من المشرِّعين، بل من متأخِّري المقلِّدين، ومن المعلوم بالضَّرورة أنَّ الأحكام لا تثبت إلا بالشَّرع الوارد عن رب العالمين، ولو تأمَّل ذلك المعلِّل لعرف أنَّ تعظيمَ النبي ﷺ والسُّرور به، ورضا القوي المتين إنما هو بالقلوب، والأعمال الظاهرة المشروعة علامة على ذلك ... »
следующие страницы →