Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
النقد والبيان
في
دفع أوهام خزيران
فيه بُحوث عِلمِيَّة مُحَرَّرة عن البدعة وبعض مفرداتها، ومُقَدِّمة ضافية (*)
عن (السَّلفِيَّين وقَضِيَّة فلسطين) ، و (حكم عَمَليَّات المُغامرة بالنفَّس)
تأليف
مُحَمَّد كامل القَصَّاب ... مُحَمَّد عزّ الدِّين القَسَّام
قدََّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وَشَرَحَهُ
فضيلة الشيخ الهُمام
أبُو عبيدة مَشهُور بن حسن آل سَلمَان
الحواشي
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: انظر هذه المقدمة مستقلة في الشاملة، عنوانها (السلفيون وقضية فلسطين) ، وفيها ترجمة للشيخين القصاب والقسام رحمهما الله تعالىстр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي عافانا مِمّا ابتلى به كثيراً مِنْ خلقِه، وأَلْهَمَنا بفضله أن نُحافِظَ على دينه، ونُبَلّغَه للناس، كما أنزل على نبيه، لا مُبَدّلين، ولا مُغَيِّرين، حتى يأتينا اليقين. ونشهد أن لا إله إلا الله، الحميد المَجيد، الذي نادى عبادَه الصادقين بقوله في كتابه المكنون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠-٢١] ، ونشهد أن سيّدنا محمداً عبده ورسوله، نبيُّ الرحمة، وهادي الأمة، وكاشف الحيرة والغمّة، القائل: «من تمسك بسنّتي عند فساد أمتي، فله أجرُ [مئة] شهيد» (١) ، الحواشي
(١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٣٩) ، وابن بشران في «أماليه» (رقم ٥٠٣، ٧٠١) -ومن طريقه البيهقي في «الزهد» (رقم ٢٠٩) - من طريق الحسن بن قتيبة: أنا عبد الخالق بن المنذر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه، ولفظة (مئة) من مصادر التخريج، وسقطت من الأصول.
وإسناده ضعيف جدّاً، الحسن بن قتيبة، قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال الأزدي: واهي الحديث، وقال العقيلي: كثير الوهم، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وتعقبه الذهبي بقوله: «بل هو هالك» . انظر: «الجرح والتعديل» (٣/٣٣) ، «الميزان» (١/٥١٨) ، «لسان الميزان» (٢/٢٤٦) .
وعزاه المنذري في «الترغيب» (١/٤١) للبيهقي فقط، وهو في «ضعيفه» (رقم ٣٠) ، وقال: «ضعيف جدّاً» ، قال المنذري بعده:
«ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به، إلا أنه قال: «فله أجر شهيد» . ... =
= ... وتعقبه الحافظ الناجي في «عجالة الإملاء المتيَسّرة» (١/١٩٤ - ط. المعارف) : «كذا رواه البيهقي في «المدخل» من حديث أبي هريرة، لكن أوله: «القائم بسنتي» ، وآخره: «له أجر مئة شهيد» ، ولعل لفظة (مئة) سقطت من الرواية المذكورة، والله أعلم» .
قلت: ومطبوع «المدخل» ناقص، وليس فيه هذا الحديث.
وأخرج حديث أبي هريرة: الطبراني في «الأوسط» (٥/٣١٥ رقم ٥٤١٤) -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٨/٢٠٠) - من طريق محمد بن صالح العدوي: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي هريرة رفعه: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر شهيد» .
قال الطبراني عقبه: «لا يروي هذا الحديث عن عطاء إلا عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به ابنه عبد المجيد» .
وقال الهيثمي في «المجمع» (١/١٧٢) بعد عزوه للطبراني في «الأوسط» : «وفيه محمد ابن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات» !
قلت: عبد العزيز هو ابن أبي رواد، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك. ووثقه ابن معين وأبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم، ولذا قال ابن حجر عنه: «صدوق» ، وأفرط ابن حبان، فقال: «متروك» ، وانظر: «التهذيب» (٦/٣٨١) ، «الميزان» (٢/٦٤٨) .
وابنه عبد المجيد، صدوق يخطئ.
قال شيخنا الألباني ﵀ في «السلسلة الضعيفة»(٣٢٧) بعد كلام الهيثمي السابق: «ومنه تعلم قول المنذري: وإسناده لا بأس به، ليس كما ينبغي» ، قال: «ويغني عنه حديث: «إنَّ من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم ... » الحديث، وهو مخرج في «الصحيحة»(٤٩٤) » .
قلت: وهذا التعقب يلحق الشيخ عبد الحق لما قال في «لمعات التنقيح» (١/٢٣٨) : «إسناده حسن» !!
وضعّفه شيخنا الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١/٣٦ رقم ٣١) و «المشكاة»(١٧٦) ... وفيه عزوه لـ «الشعب» للبيهقي، ولم يعزه في «كنز العمال» (رقم ١٠٧١) إلا للطبراني في «الأوسط» ، ولأبي نعيم في «الحلية» .стр. 3
والقائل: «إنّ الدين بدأ غريباً، ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سُنَّتي» (١) ، الحواشي
(١) الحديث دون ذكر «الذين يصلحون ... » : أخرجه مسلم في «الصحيح» (كتاب الإيمان) : باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب (١/١٣٠ رقم ٤١٥) من حديث أبي هريرة وابن عمر ﵃.
وأخرجه مع تفسيرهم بـ «الذين يصلحون عند فساد الناس» : أبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (ق٢٥/أو رقم ٢٨٨ - المطبوع) ، والآجري (رقم ١) من حديث ابن مسعود، بإسناد صحيح.
وأخرجه أحمد وابنه عبد الله في «المسند» (١/١٨٤) ، وأبو يعلى في «المسند» (٢/٩٩ رقم ٧٥٦) ، والبزار في «المسند» (رقم ٥٦ - مسند سعد) -دون زيادة-، والدورقي في «مسند سعد» (رقم ٨٧) ، وابن منده في «الإيمان» (رقم ٤٢٤) بإسناد صحيح.
وأخرجه مع تفسيرهم بـ «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» ، وفي لفظ: «الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي» : الترمذي في «الجامع» (رقم ٢٦٣٠) ، والطبراني في «الكبير» (١٧ رقم ١١) ، وابن عدي في «الكامل» (٦/٢٠٨٠) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣٥٠) ، والبزَّار في «المسند» (رقم ٣٢٨٧ - زوائده) ، والهروي في «ذم الكلام» (٥/١٦٨ رقم ١٤٧٩) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (رقم ١٠٥٢، ١٠٥٣) ، والبيهقي في «الزهد» (رقم ٢٠٧) ، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ٢٣) ، وفي «الجامع» (١/١١٢) ، وابن عبد البر في «الجامع» (٢/١٢٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/١٠) ، وعياض في «الإلماع» (ص ١٨-١٩) ؛ جميعهم من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده رفعه، وأوله عند الترمذي: «إنّ الدِّين ليأْرِزُ إلى الحجاز كما تأْزِرُ الحيَّةُ إلى جُحرها ... » .
وإسناده ضعيف جداً، فيه كثير بن عبد الله، ضعيف جداً، وقد اتّهم!
وأخرجه مع تفسيرهم بـ «النزاع من القبائل» : الترمذي في «العلل الكبير» (٢/٨٥٤) ، وابن ماجه في «السنن» (٢/١٣٢٠ رقم ٣٩٨٨) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/٢٣٦) -ومن طريقه أحمد، وابنه عبد الله في «المسند» (١/٣٩٨) - وأبو يعلى في «المسند» (رقم ٤٩٧٥) ، والآجري في «الغرباء» (رقم ٢) ، وابن وضاح في «البدع» (ص ٦٥) ، والخطابي في «غريب الحديث» (١/١٧٤-١٧٥) ، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ٢٣) ، والبغوي في «شرح السنة» (رقم ٦٤) ، وابن حزم في «الإحكام» (٨/٣٧) ، والطحاوي في= = «المشكل» (١/٢٩٨) ، والبيهقي في «الزهد» (رقم ٢٠٨) .
وقال البخاري -نقله عنه الترمذي في «العلل» -: «وهو حديث حسن» ، وصححه البغوي. وانظر «السلسلة الصحيحة» (رقم ١٢٧٣) .стр. 4
صلى الله البر الرحيم على هذا الرسول الكريم، ذي الخلق العظيم، وعلى آله وأصحابه، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فقد اطَّلعنا على رسالة «فصل الخطاب في الرد على الزَّنكلوني والقسام والقصاب» (١) تأليف الفاضل الشيخ محمد صبحي خزيران الحنفي العكّي، رئيس كُتَّاب المحكمة الشرعية في ثغر عكاء، وقد ألّفها انتصاراً لأُستاذه الفاضل الشيخ عبد الله الجزار (٢) مفتي عكاء وقاضيها؛ إذ قد أفتى أحدُنا (٣) لما سُئل عن حكم الصياح في التّهليل والتكبير وغيرِهما، أَمام الجنائز، بأنه مكروه تحريماً، وبدعةٌ قبيحةٌ، يجب على علماء المسلمين إنكارُها، وعلى كلِّ قادرٍ إزالَتُها، مستدلاًّ بآيةٍ قرآنيةٍ، وحديثٍ صحيحٍ، وأقوالِ الفقهاءِ. وسأل المستفتي عن السؤال نفسه من الفاضل الشيخ عبد الله الجزار، فأفتاه بالجواز، فاضْطُرَّ السَّائلُ إلى إرسال الجوابين إلى عالِمَين من كبار علماء الأزهر (الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٤) ، والشيخ علي مسرور الزنكلوني) ، فأَفْتيا بأنه بدعةٌ منكرةٌ، مؤيِّدَيْن فتوى أحدنا (٥) ، وقد نشر العلامة الزنكلوني فتواه على صفحات جريدة «الشورى» التي تصدر في مصر، ولم يكتف ومؤلّفُ الرسالة برأيه الحواشي
(١) سبقت تراجم هؤلاء في المقدمة.(٢) ستأتي ترجمته (ص ١٤٦، ١٤٩) .(٣) هو القسَّام. انظر ما قدمناه (ص ٩٠) .(٤) ستأتي ترجمته (ص ٢٤) .(٥) الفتاوى الأربع ذيلنا بها آخر الرسالة (منهما) .стр. 5
في المسألةِ المُتَنَازَعِ فيها فقط، بل شطَّ قلمُه، وأسند إلينا ما لم نقل به، ولم نعتقده، ورمانا -عفا الله عنه- بالزَّيغ والضلال، لاتّباعنا السنة الموروثة عن النبي ﷺ ، في الأقوال والأفعال، وتكلّفَ في تفسير الآياتِ القرآنية والأحاديث النبوية، فأخرجها عن معانيها؛ ليوهم صحة ما ذهب إليه، ويُقرَّ العامةَ على ما هم عليه، وخاض لذلك في القواعد الأصولية خوض من لم يأخذ من العلم بقسط، وخرّج المسائل تخريجاً لا ينطبق على القواعد العلمية، فكانت استدلالاتُهُ دليلاً لنا، وحُجّةً عليه، وداعيةً للتمسكِ بما أرشدْنا النّاسَ إليه.
فرأينا من الواجب انتصاراً للدّين، وحفظاً لشريعة سيد المرسلين، أن نردَّ بهذه الرسالة ما أسند وفنّد، مصدِّرين رسالَتَنا بأقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم المسألة المتنازَعِ فيها، ناقلين عباراتِه التي نريد الردَّ عليها بنصِّها وفصِّها، إلا ما تعذَّر نقلُه بالحرف؛ فإننا نشير إلى معناه، وما التوفيق إلا بالله، وهو حسبنا، ونِعمَ الوكيل.
стр. 6
أقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم رفع الصوت بالتهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز
أقوال السادة الحنفية:
قال في «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» : «وكره في الجنازة رفع الصوت بذكر أو قراءة (١) ا. هـ» ، قال محشيه العلامة ابن عابدين: «وفي «البحر» عن «الغاية» : «وينبغي لمن تبع جنازة أن يطيل الصَّمت» ، وفيه عن «الظهيرية» : «فإنْ أراد أن يذكرَ الله -تعالى- يذكرُه في نفسه؛ [لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [الأعراف: ٥٥] ؛ أي: الجاهرين بالدعاء] » ، وعن إبراهيمَ أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي معها: استغفروا له غفر الله لكم ا. هـ. قلت: «وإذا كان هذا في الدُّعاء والذِّكر، فما ظنُّك بالغناء الحادث في هذا الزمان» (٢) الحواشي
(١) (٢/٢٣٣ - حاشيته) ، وفيه: «كما كره فيها رفع صوت بذكر أو قراءة فتح» .(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/٢٣٣) ، وما بين المعقوفتين منه، وإبراهيم هو النخعي، وعلقه البيهقي في «سننه الكبرى» (٤/٧٤) عنه وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير.
وانظر كراهة ابن جبير في «زهد وكيع» (٢/٤٦٣ رقم ٢١٢) ، وانظر في المسألة: «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٥٧) ، «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص ٢٧٠-٢٧١ - بتحقيقي) ، «الحوادث والبدع»(١٦٢) ، «الأمر بالاتباع» (٢٥٣-٢٥٤ - بتحقيقي) ، «المدخل» (٢/٢٢١) ، «الطريقة المحمدية» (١/١٣١ - شرح عبد الغني النابلسي) ، «البحر الرائق» (٢/٢٠٧ - ط. دار الكتاب الإسلامي أو ٢/٢٣٦ - ط. دار الكتب العلمية) ، «الإبداع في مضار الابتداع» (ص ١١٠، ٢٢٥) ، «أحكام الجنائز وبدعها» (ص ٧١، ٩٢، ٢٥٠) ، «تلخيص الجنائز» (٣٩-٤٠) ، «صلاة التراويح»(٢٤) ، «معلمة الفقه المالكي»(١٩٧) .
ولقاضي الرباط محمد بن أحمد بن عبد الله، المتوفى بمكة (عام ١٣٨٣-١٩٦٣م) : «الصارم المسلول على مخالف سنن الرسول في الرد على من استحسن بدعة الذكر جهراً في تشييع الجنازة» ، انظر: «من أعلام الفكر المعاصر» (٢/٩٢) ، «معلمة الفقه المالكي»(١٦٠) .стр. 7
ا. هـ كلام ابن عابدين، وفي «الفتاوى الهندية» : «وعلى متبعي (١) الجنازة الصمت، ويكره لهم [-يعني: تحريماً-] رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، كذا في «شرح الطحاوي» ، فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه، كذا في «فتاوي قاضي خان» » (٢) ، وقال في «الكنز» و «شرحه» «وحواشيه» : «ويكره رفعُ الصوتِ بالذكرِ والقرآنِ، وعليهم -يعني: السائرين مع الجنازة- الصمتَ (٣) . وقولِهِم: (كل حي سيموت) ونحو ذلك، من الأذكار المتعارفة خلف الجنازة بدعة قبيحة» . وقال العلامة الشُّرُنْبلالي في «نور الإيضاح» و «شرحه» : «ويكره رفعُ الصوتِ بالذكرِ والقرآنِ، وعليهم الصمتَ، وقولُهم: (كل حي سيموت) ونحو ذلك خلف الجنازة بدعة» ا. هـ (٤) .
قال العلامة الطحطاوي في «حاشيته» على الكتاب المذكور نقلاً عن السراج: «ولا يرفع صوتَه بالقراءةِ ولا بالذكرِ، ولا يغتر بكثرة من يفعل ذلك، وأما ما يفعله الجهّالُ في القراءة على الجنازة؛ من رفع الصوت، والتمطيط فيه، فلا يجوز بالإجماع، ولا يسع أحداً يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ولا ينكر عليه» (٥) . الحواشي
(١) في الأصل: «متبع» ، والتصويب من «الفتاوى الهندية» .(٢) «الفتاوى الهندية» (١/١٦٢) ، وما بين المعقوفتين زيادة من المصنف.
وأما كلام قاضي خان فهو في «فتاويه» (١/١٩٠ - هامش الفتاوى الهندية) .(٣) «البحر الرائق» (٢/٢٠٧ - دار الكتاب الإسلامي) أو (٢/٣٣٦ - ط. دار الكتب العلمية) .(٤) «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح» (ص ١٠١ - ط. المطبعة العلمية) أو (٣٣٢- مع «حاشية الطحطاوي» ) .(٥) «حاشية الطحطاوي»(٣٣٢) .стр. 8
أقوال السادة الشافعية:
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في «مجموعه» (١) و «أذكاره» (٢) : «والصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفَعُ صَوتٌ بقراءةٍ ولا ذكرٍ ولا غيرِهما؛ لأنه أَسكنُ للخاطر، وأَجمعُ للفكر فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض: «الزم طرقَ الهدى ولا يغرَّكَ قلَّة السالكين، وإياك وطرقَ الضلالةِ ولا تغترّ بكثرة الهالكين» (٣) ، وقد رَوَيْنا (٤) الحواشي
(١) «المجموع» (٥/٢٩٠-٢٩١) ، وسينقل كلامه الرملي في «حواشي المنهاج» ، وسيأتي ذكره قريباً عند المصنف، وانظر ما علقته، والله الموفق.(٢) «الأذكار» (ص ١٤٥) ، والمزبور بحروفه منه.(٣) ذكره الشاطبي في «الاعتصام» (١/١٣٥ - بتحقيقي) ، وفيه: «اتبع طرق ... ولا يضرك قلة ... » ، وعزاه النووي في «الأذكار» (٥٨ - ط. دار ابن كثير) إلى الحاكم.(٤) قال عز الدين بن جماعة في «شرح الأربعين النووية» (ق٥/ب) : ... =
= ... «الأكثر يقولون: رَوَيْنا -بفتح الراء مخففة-، مِن روى: إذا نقل عن غيره؛ مثل: ... رمى يرمي، والأجود بضم الراء وكسر الواو مشددة؛ أي: روانا مشايخنا؛ أي: نقلوا لنا فسمعنا» .
وقال ابن المعز الحجازي: إنّ المشهور، هو: رَوَيْنا -بفتح الراء والواو مخففة-. وفي الوجهين يقول الناظم:
وقل رَوَيْنا أو رُوِّينا ضما ... وجهان فيهما فكن مهتما
وهناك في ضبطها قول ثالث ذكر ابن علان عن الكازروني؛ وهو: بضم الراء مبنياً للمفعول مخففة؛ أي: روى لنا إسماعاً أو إقراء أو إجازة أو غيرها. انظر: «الفتوحات الربانية» (١/٢٩) .
وقد أفرد عبد الغني النابلسي (١١٤٣هـ) ضبط هذه الكلمة في رسالة مفردة، اسمها: «إيضاح ما لدينا في قول المحدثين: روينا» ، وهي مِن محفوظات المكتبة الأحمدية بحلب، وهي تقع في خمس ورقات، وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نَبِيَّ بعده وعلى آله وأصحابه، وأخص بالزيادة أتْبَاعه وأنصاره وجُنده، أمَّا بَعْدُ: فيقول (أ) شيخنا الإمام العلامة العمدة الهُمَام الفَهَّامة جَنَاب الشيخ عبد الغني الشهير نسبه الكريم بابن النابلسي الدمشقي الحنفي -عامله الله تعالى بلطفه الخفي-:
سألني الكامل الفاضل جامع الفضائل والفواضل محمد أفندي الرومي نائب الشرع الشريف في محروسته دمشق الشام، يوم الخميس، تاسع شهر ربيع الثاني من شهور سنة خمس وعشرين ومئة وألف، حين ورد بالنيابة واجتمعنا به -أحسن الله تعالى قدومه وإيابه، وأجزل ثوابه-: عن معنى قول الإمام العالم العلامة القدوة الكامل الفهامة محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي -رحم الله روحه، ونَوَّر ضريحه- في كتابه «الأربعين» ، المشتمل على أحاديث سَيِّد المرسلين ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، في آخر الحديث (السابع والعشرين) من كتابه المذكور، بعد إيراد لفظ الحديث عن وابصة بن معبد ﵁، قال النووي: «حديث صحيح -وفي نسخة: حسن-، رويناه في ... «مسند الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي» بإسناد جيد -وفي نسخة: حسن-، وصورة السؤال: أنّ قوله: «رويناه» في «مسند الإمامين» يقتضي أنّ الإمام النووي مَذْكور في=
-------------------------
(أ) القائل هنا؛ هو: محمد بن إبراهيم الدكدكجي.
= «المسند» الذي للإمامين، مع أنَّ الإمام النووي متأخر عنهما بيقين، والإمامان متقدمان ولم يجتمع بهما ولا بأحدهما، فإنَّ الإمام أحمد بن حنبل وُلد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، ومات في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين عن سبع وسبعين سنة، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِمي التميمي السَّمَرْقَنْدي الحافظ من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، ولد سنة إحدى وثمانين ومئة، ومات يوم التروية سنة خمس وخمسين ومئتين.
وأمَّا الإمام النووي، فإنه ولد في محرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة، وتوفي في رجب سنة ست وسبعين وست مئة عن خمس وأربعين سنة، فقلت في الجواب عن ذلك -بعون القدير المالك-: أما قوله: رويناه في «مسند الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي» مثل قوله في أول كتابه «الأربعين» قبل الشروع فيه: «فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵃» ، وهم صحابة متقدمون، وهو متأخر عنهم جداً؛ فإنه على معنى روت لنا مشايخنا؛ أي: نقلوا لنا فسمعنا؛ كما صرح بهذا شارح «الأربعين» الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر المكي الهَيْتَمي، وذكر الشارح -أيضاً- في شرح قوله: «رويناه في «مسند الإمامين» » يعني: رويناه بسندنا المتصل حالة كونه في «مسند الإمامين» ، وقال الشارح -أيضاً-: «وقوله رَوَيناه بفتح أوله مع تخفيف الواو عند الأكثر، من رَوَى إذا نقل عن غيره. وقال جمع: الأجود ضم الراء وكسر الواو المشددة؛ أي: روت لنا مشايخنا، فسمعنا عن علي بن أبي طالب ... » إلى آخره.
وذكر الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي الهمداني الفَيُّومي ثم الحموي المشهور بابن خطيب الدهشة في كتابه «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» ، وهو شرح «الوجيز» ، تصنيف الإمام الغزَّالي في فقه الشافعية، وشرحه للإمام الرافعي -رحمهم الله تعالى-، قال: «رَوَى البعير الماء، يَرْويه مِن باب: رَمَى فهو رَاوِيَة، الهاء فيه للمبالغة، ثم أطلقت الرَّاوِيَة على كل دابَّة يُسْتَقى الماء عليها، ومنه قيل: رَوَيْتُ الحديث: إذا حَمَلْتَه ونقلتَه، ويُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: رَوَّيْت زيداً الحديث، ويُبْنى للمفعول، فيقال: رُوِّينَا الحديث» . انتهى كلامه.
وعلى هذا؛ فإذا حمل قول النووي -رحمه الله تعالى-: فقد روينا عن علي بن أبي طالب ... إلى آخره، بتشديد الواو مبنياً للمفعول؛ يعني: رَوَّانا مشايخنا ذلك -بتشديد الواو-= =بأن كان الشيخ الأول رَوَّى -بتشديد الواو- مَنْ بَعْده، والذي بعده رَوَّى -بتشديد الواو- مَنْ بعده إلى آخر شيخ هو روَّانا -بتشديد الواو-، فعلى هذا؛ يُقْرأ قوله: فقد رُوِّينَا بضم الراء وتشديد الواو مكسورة وضم الهاء مبنياً للمفعول، ولا يختلف رسم الكتابة في ذلك.
وأمّا قوله: بإسناد جيد أو حسن، بعد قوله: رويناه في «مسند الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي» فالجار والمجرور متعلق بواجب الحذف حال من الهاء في قوله: رويناه، كما أنّ قوله: في «مسند الإمامين» ، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف حال -أيضاً- من الهاء في قوله: رويناه، كما أشار إليه الشارح فيما قدمناه، فيكون الحالان من الهاء الضمير المنصوب بالمفعولية الثانية لرَوَّى -مشدد الواو-، والمفعول الأول: نا، التي هي ضمير المُعَظِّم نفسه بشرف الرواية، أو هو ومعه غيره من أصحابه، وهذه الحال متداخلة، وتقدير ذلك: رُوِّيناه حال كونه في «مسند الإمامين» ، وحال كونه وهو من «مسند الإمامين» حاصلاً بإسناد جيد. ويصح أن يكون الجار والمجرور الثاني وهو قوله: «بإسناد جيد» متعلقاً بقوله: حديث صحيح، إمَّا بحديث، وإما بصحيح، وليس هذا الجار والمجرور الأول متعلقاً برويناه؛ لأنّ إسناده هو لم يُرِد الإخبار عنه بأنه جيد، ولم يرد ذكره، وإنما أراد بالإسناد الجيد: إسناد الإمام أحمد والدارمي، يدل عليه قول الشارح المذكور: فإنْ قلتَ: ما حِكْمة قول المصنف أولاً: حديث صحيح، وقوله هنا: بإسناد جيد؟ قلت: حكمته: أنه لا يلزم من كون الحديث في «المسندين» المذكورين أن يكون صحيحاً، فبين أولاً بأنه صحيح، وثانياً: أنّ سبب صحته أن إسناد هذين الإمامين الذين أخرجاه صحيح أيضاً، وله حكمة أخرى حديثية؛ وهي: ما صرحوا به أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن، فقد يصح فيه السند أو يحسن؛ لاستجماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن؛ لشذوذ فيه أو علة، فنص المصنف أولاً: على صحة المتن بقوله: «هذا حديث صحيح» ، وثانياً: على صحة السند بقوله: «بإسناد جيد» إلى آخر ما بسطه من الكلام في هذا المقام.
والحاصل: أنّ قول الإمام النووي ﵀ هنا: روَيناه -بفتح الواو وتخفيفها- مبنياً للفاعل؛ يعني: روينا عن مشايخنا أو بإسنادنا هذا الحديث الكائن في «مسند الإمامين» المذكور ثمة بإسناد جيد، أو معناه: رُوِّيناه -بتشديد الواو- مبنياً للمفعول؛ أي: رَوَّى -بتشديد الواو- هذا الحديث لنا مشايخنا الكائن ذلك الحديث في «مسند الإمامين» ، كما أن قوله: فقد رَوَيْنا -بتخفيف الواو مفتوحة- والبناء للفاعل؛ أي: روت لنا مشايخنا بإسناد متصل عن علي بن أبي طالب ... إلى آخره، أو معناه: رُوِّينا -بتشديد الواو مكسورة- مبنياً= =للمفعول؛ أي: رَوَّتْنا -بتشديد الواو مفتوحة- مشايخنا عن علي بن أبي طالب ... إلى آخره، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة في الخامس عشر من ربيع الثاني سنة خمس وعشرين ومئة وألف على يد العبد الفقير محمد بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن الدكدكجي الدمشقي الحنفي -لطف الله به والمسلمين-، وذلك في مجلس واحد، ونقلتها مِن خط مؤلفها شيخنا الإمام الهمام العلامة -نفعنا الله تعالى والمسلمين ببركاته، وأمدنا بصالح دعواته-.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين» .
قال أبو عبيدة: انتهت الرسالة النافعة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.стр. 9
الحواشي
(١) يشير إلى ما أخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ٢١١) -وعنه ابن أبي شيبة (٤/٩٩) ، ومن طريق وكيع: البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/٧٤) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/٩١) - وابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٨٩ رقم ٣٠٥٦) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، كلاهما قال: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز، وعند القتال، وعند الذكر.
وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٨٣ رقم ٢٤٧) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/٥٨) من طريق هشام، به. ومن طريقه عند أبي داود (٣/١١٤) ، والحاكم (٢/١١٦) مختصراً مقتصراً على ذكر القتال، ورجاله ثقات، وهذا أصح ما ورد في الباب.
ومما جاء في ألفاظ حديث البراء الطويل: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فانتهينا إلى القبر، فجلس وجلسنا، كأنَّ على رؤوسنا الطير» أخرجه ابن ماجه(١٥٤٩) بسند حسن، وتتمة تخريجه في غير هذا الموطن، وتكلمت عليه بإسهاب في تعليقي على «التذكرة» للقرطبي، يسر الله إتمامه وإخراجه.
وفي الباب عن ابن عباس، قال: «إن رسول الله ﷺ كان إذا شهد جنازة رُئِيَتْ عليه كآبة، وأكثر حديث النفس» أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/١٠٦ رقم ١١١٨٩) ، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، كما في «المجمع» (٣/٢٩) .
= ... وفي الباب عن عبد العزيز بن أبي رواد رفعه، عند ابن المبارك في «الزهد» (رقم ٢٤٤) ، وعن عمران بن الحصين، قال: كان رسول الله ﷺ إذا شيع جنازة علاه كرب، وأقلّ الكلام، وأكثر حديث النفس. أخرجه الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (١/٢٠٣) ، وتفرد به المعلى ابن تُركة، وليس بالقوي، أفاده الدارقطني.
وعن زيد بن أرقم رفعه: «إن الله يحب الصمت عند ثلاث: ... وعند الجنازة» . أخرجه الطبراني في «الكبير» (٥/٢١٣ رقم ٥١٣٠) ، وفي إسناده رجل لم يسم، قاله الهيثمي في «المجمع» (٣/٢٩) .
وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٢٦ - بتحقيقي) من طريق أبي النضر، وأبو داود في «المراسيل» (ص ٣٠٨) من طريق مسكين بن بكير، كلاهما عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اتبع جنازة، عَلَتْهُ كآبة، وأكثر حديث النفس، وأقلّ الكلام.
إسناده ضعيف؛ لإرساله. ورجاله ثقات، أبو النضر هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، ثقة فقيه، لقبه قيصر، وسماعه وسماع مسكين من المسعودي بعد اختلاطه، والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، ترجمته في «تهذيب الكمال» (١٧/٢١٩) ، وعون بن عبد الله هو ابن عتبة بن مسعود الهُذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، تابعي، مات قبل سنة عشرين ومئة.
وأخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ٢٠٦) ، وعنه ابن أبي شيبة (٤/٩٨) ، وعبد الرزاق (٣/٤٥٣ رقم ٦٢٨٢) ، كلاهما في «المصنف» عن ابن جريج، قال: حُدِّثت أن النبي ﷺ كان إذا تبع الجنازة أكثر السُّكات، وأكثر حديث نفسه. لفظ عبد الرزاق.
ولفظ ابن أبي شيبة: «أكثر السكوت، وحدث نفسه» .
وهذا معضل.
ووصله أبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (١/١٦٦) من طريق الثوري وابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «كان النبي ﷺ إذا تبع جنازة، أكثر السكات، والتفكر حتى يعرف ذلك فيه» ، ورجاله ثقات، إلا أن فيه أبا الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، مدلس، وقد عنعن.стр. 10
ما يقتضي
ما قلتُه، وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة بالتَّمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قُبحَه، وغِلَظَ تحريمه، وفسقَ من تمكن من إنكاره فلم ينكرْه في كتابي «آداب القراء» (١) الحواشي
(١) يريد كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن» ، ويشير إلى ما جاء فيه (ص ٥٦ - ط. دار ابن كثير) ، وسيأتي الكلام برمته (ص ١١٠-١١١) .
ونقله شيخنا الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ٩٢) ، وقال قبله مؤكداً بدعة رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة: «ولأنَّ فيه تشبُّهاً بالنصارى، فإنَّهم يَرْفَعُون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعُها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفاً حزيناً، كما يُفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليداً للكفار، والله المستعان» .стр. 11
ا. هـ» ، ونحوه لشيخ الإسلام في «شرح الروض» (١) ، وقال الرملي وغيره في «حواشي المنهاج» (٢) : «المختار والصواب (٣) ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير [مع الجنازة] (٤) ، فلا يُرفعُ صوتٌ بقراءة، ولا ذكر، ولا غيرهما، بل يُشتَغَلُ بالتفكر في الموت وما بعده، وفَناءِ الدنيا وأن هذا آخرُها، ومن أراد الاشتغال بالقراءة والذكر فليكن سرّاً (٥) ، وما يفعله جهلةُ القرَّاء من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام، يجب إنكارُه (٦) والمنعُ منه، ومن تمكَّن من منعه، ولم يمنعه فسق» ، وقال ابن حجر في «شرح المنهاج» (٧) : «ويكره اللغط -وهو: رفع الصوت- ولو بالذكر أو القراءة في المشي مع الجنازة؛ لأنّ الصحابة ﵃ كرهوه حينئذ، رواه البيهقي (٨) ، الحواشي
(١) نقل الشيخ زكريا الأنصاري في «شرح روض الطالب» (١/٣١٢) كلام النووي السابق إلى قوله: «وهو المطلوب في هذا الحال» .(٢) (٣/٢٣) من «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» ، وفي المطبوع: «حواشي المنهج» ! وللرملي «حواشٍ» على مطبوع «شرح روض الطالب» ! والكلام المذكور ليس فيه، وإنما هو في «النهاية» .(٣) بعدها في «النهاية» : «كما في «المجموع» » .(٤) لا وجود لها في «نهاية المحتاج» .(٥) في «نهاية المحتاج» : «ويسنّ الاشتغال ... سراً» .(٦) أي: وليس ذلك خاصاً بكونه عند الميت، بل هو حرام مطلقاً؛ أي: عند غسله وتكفينه ووضعه في النعش، وبعد الوصول إلى المقبرة إلى دفنه، ومنه ما جرت به العادة الآن من قراءة الرؤساء ونحوهم، أفاده الشبراملسي في «حاشيته على نهاية المحتاج» (٣/٢٣) ، = =وعبد الحميد الشرواني وأحمد بن القاسم العبادي في «حاشيتيهما على تحفة المحتاج» (٣/١٨٧، ١٨٨) .(٧) (٣/١٨٧-١٨٨ - مع «حواشي الشرواني والعبادي» ) .(٨) يشير إلى ما خرجناه بالتفصيل قريباً من قول قيس بن عُباد، فانظره -غير مأمور- (ص ١١) ..стр. 12
وكره الحسن وغيره: استغفروا لأخيكم (١) ، الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/٢٧٤) .
ونقل مذهب الحسن: البيهقي في «سننه» (٤/٧٤) ، وابن قدامة في «المغني» (٢/٤٧٦) ، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٨٩) ، والنووي في «المجموع» (٥/٢٩١) ، وشيخه أبو شامة المقدسي في «الباعث» (ص ٢٧٥) ، والسيوطي في «الأمر بالاتباع» (ص ٢٥٤) .
وانظر «موسوعة فقه الحسن البصري» (٢/٨٥٨-٨٥٩) .
وأسند البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/٧٤) و «الشعب» (رقم ٩٢٧٧) إلى الأسود ابن شيبان، قال: كان الحسن في جنازة النضر بن أنس، فقال الأشعث بن سليم العجلي: يا أبا سعيد! إنه ليعجبني أن لا أسمع في الجنازة صوتاً، فقال: إن للخير أهلين.
وأخرج عبد الرزاق (٣/٤٣٩ رقم ٦٢٤١، ٦٢٤٢) وابن أبي شيبة (٣/٢٧٤) في «مصنفيهما» ، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٥/١٤١) بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيب، أنه قال في مرضه: «إياك وحاديهم، هذا الذي يحدو لهم، يقول: استغفروا الله، غفر لكم» .
وذكره عنه: البيهقي في «سننه» (٤/٧٤) ، والذهبي في «السير» (٤/٢٤٤) ، وأبو شامة في «الباعث»(٢٧٥) ، والسيوطي في «الأمر بالاتباع»(٢٥٣) .
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٨٩-٣٩٠) : «وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له، = =قال عطاء: محدثة، وقال الأوزاعي: بدعة، وقال النخعي: كانوا إذا شهدوا جنازة، عرف ذلك فيهم ثلاثاً» .
وقال (٥/٣٩٠) : «ونحن نكره من ذلك ما كرهوا» .
ولذا اقتصر في كتابه القيم «الإقناع» (١/١٧٥) على قوله: «ويكره رفع الصوت عند حمل الجنائز» ، وقال النووي في «المجموع» (٥/٢٩٠) : «وقد أفرد ابن المنذر في «الإشراف» ... باباً في هذه المسألة» . قلت: لا توجد في القسم المطبوع منه، وهو ناقص، ولا قوة إلا بالله.
وأما الكراهية عن سعيد بن جبير، فقد أخرج وكيع في «الزهد» (٢/٤٦٣ رقم ٢١٢) ، وعبد الرزاق (٣/٤٣٩-٤٤٠ رقم ٦٢٤٣) ، وابن أبي شيبة (٤/٩٧) عن سعيد بن جبير، أنه كره رفع الصوت عند الجنازة. وإسناده صحيح. وذكرها البيهقي في «سننه» (٤/٧٤) .
وأما كراهة الحسن وابن المسيب، فقد تقدم تخريجها عنهما.
وأما كراهة النخعي، فقد أخرجها ابن أبي شيبة (٣/٢٧٣) ، وذكرها البيهقي (٤/٧٤) .
وأما قوله: «كانوا إذا شهدوا جنازة ... » فقد أخرجها وكيع في «الزهد» (رقم ٢٠٧) -ومن طريقه أحمد في «الزهد» -أيضاً-(٣٦٥) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/٢٢٧-٢٢٨) - وابن أبي شيبة (٧/٢٠٨) ، وعبد الرزاق (٣/٤٥٣ رقم ٦٢٨٣) في «مصنفيهما» ، وابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٠ - بتحقيقي) ، وابن المبارك (رقم ٢٤٦) ، وأحمد(٣٦٥) ، كلاهما في «الزهد» ، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/٢٢٨) ، وهو صحيح عنه.
وحكاه أبو شامة في «الباعث»(٢٥٣) ، والسيوطي في «الأمر بالاتباع»(٢٧٥) نحوه عن الفضيل بن عياض قوله.
وأخرج ابن أبي شيبة (٣/٢٧٣) عن عطاء، أنه كره أن يقول: استغفروا له، غفر الله لكم، وذكر مذهبه: النووي في «المجموع» (٥/٢٩١) ، وابن قدامة في «المغني» (٢/٤٧٩) ، وذكر كراهية إسحاق: أبو شامة في «الباعث»(٢٧٥) ، وتلميذه النووي في «المجموع» (٥/٢٩١) ، والسيوطي في «الأمر بالاتباع»(٢٥٤) .
وأما كراهية أحمد، فستأتي -قريباً- عند المصنِّفَيْن، تحت عنوان: (أقوال السادة الحنابلة) .
وأما مذهب الأوزاعي، ففي «المجموع» (٥/٢٩١) ، و «المغني» (٢/٤٧٩) ، و «فقه= =الإمام الأوزاعي» (١/٣٢٠) .
وأخرج البيهقي في «الشعب» (٧/١١-١٢ رقم ٩٢٧٦) بسنده أن ابن عيينة سئل: ما بال الناس يؤمرون في الجنازة بالسكوت؟ قال: لأنه حشر. ووجدته -بعد- مطولاً عند ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٥٨ - بتحقيقي) .
وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٥٧) عن الأعمش، قال: «أدركت الناس إذا كانت فيهم جنازة، جاؤوا فجلسوا صموتاً لا يتكلمون، فإذا وضعت نظرتُ إلى كل رجل واضعاً حبوته على صدره، كأنه أبوه أو أخوه أو ابنه» .
وأسند -أيضاً- برقم(٥٦) عن أبي قلابة، قال: كانوا يعظّمون الموت بالسكينة.
وأسند برقم(٣٩) إلى سلام بن أبي مطيع، قال: شهدتُ قتادة في جنازة، فلم يتكلم حتى انصرف، وشهدت الجريري في جنازة، فلم يزل يبكي حتى تفرّق القوم، وشهدت محمد ابن واسع في جنازة، فلم يزل واضعاً أصبعه السبابة على نابه، مقنَّع الرأس، مطرقاً ما يلتفت يميناً ولا شمالاً حتى انصرف الناس، وما يشعر بهم.
وأسند برقم(٤٠) -أيضاً- إلى قتادة، قال: شهدتُ خليداً العصري في جنازة، مقنَّع رأسه، لم يتكلم حتى دفن الميت، ورجع إلى أهله.стр. 13
ومن ثَمَّ قال ابن عمر ﵄ لقائله: «لا غفر الله لك» (١) : بل يسكت متفكراً في الموت وما يتعلق به وفناءِ الدنيا، ذاكراً بلسانه سراً لا جهراً؛ لأنه بدعة قبيحة» .
وفي «المجموع» (٢) عن جمع من الصحابة (٣) ، الحواشي
(١) ذكره أبو شامة في «الباعث» (٢٧٦ - بتحقيقي) عن ابن عمر، وعلق عليه بقوله: «وإنما كره ذلك: لما فيه من التشويش على المشيّعين، الموَفَّقين المفَكِّرين في أحوالهم ومعادهم» .
قال أبو عبيدة: فإباية ابن عمر وإنكارُه عليه ليس من جهة أصل الدعاء، ولكن من جهة أخرى؛ وهي التشويش والجهر، أو أن يُعتقد أنه سنة تُلزم، أو تجري في الناس في مجرى السنن اللازمة، أو أن يُعتقد في الداعين أمر زائد، أو أنه وسيلة إلى أن يُعتقد فيهم أنهم مجابوا الدعوة، ولذا أنكر جمع من السلف من الصحابة ومَنْ بعدهم على من طلب وألح في الدعاء لهم، كما تراه في «الاعتصام» للشاطبي (٢/٣١٥-٣١٩) ، و «تالي التلخيص» للخطيب (رقم ١١٥) ، و «المجالسة» (٤/٧١-٧٢) وتعليقي عليها، وانظر: «تفسير القرطبي» (٩/٢٨٧) (الرعد: ٨) ، «الحكم الجديرة بالإذاعة» (ص ٥٤-٥٥) لابن رجب، «قاعدة جليلة» (ص ٧١ - ط. الشيخ ربيع) ، «إعلام الموقعين» (٥/٨ - بتحقيقي) «معجم المناهي اللفظية» = = (ص ٣٨ - ط. الأولى) و «تصحيح الدعاء»(٢٢٦) كلاهما للشيخ بكر أبو زيد.
وأما أثر ابن عمر، فسيأتي معزواً لـ «سنن سعيد بن منصور» ، وهو ليس في القسم المطبوع منه، إذ هو ناقص.(٢) (٥/٢٩١) ، والمذكور عند المصنف بفحواه ومعناه، دون نصِّه ومبناه.(٣) أورد النووي أثر قيس بن عُباد، المتقدم ذكره وتخريجه (ص ١١) .
وأثر الحسن البصري: قال: «وذكر الحسن البصري عن أصحاب رسول الله S أنهم يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند قراءة القرآن، وعند القتال» .
قلت: أخرجه عبد الرزاق (٣/٤٥٣ رقم ٦٢٨١) -ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٨٩ رقم ٣٠٥٧) - عن معمر، عن الحسن بنحوه. وفي رواية عند ابن أبي شيبة (٣/٢٧٢) من طريق علي بن زيد -وهو ضعيف- عن الحسن مرسلاً، وإسناده ضعيف.
ومما يساعد عليه: ما أخرجه ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣١ - بتحقيقي) ، والبيهقي في «الشعب» (٧/١١ رقم ٢٩٧٣) عن ثابت البناني، قال: إن كنا لنتبع الجنازة، فما نرى إلا متقنعاً باكياً، أو متقنعاً مفكراً. وثابت أدرك أنساً وغيره.
ويشوش على هذا: ما أخرجه عبد الرزاق (٣/٤٤٠ رقم ٦٢٤٤) -ومن طريقه ابن المنذر (٥/٣٩٠ رقم ٣٠٥٨) - بسنده إلى عكرمة مولى ابن عباس، قال: توفي ابن لأبي بكر، كان يشرب الشراب، قال أبو هريرة: استغفروا له، فإنما يستغفر لمسيء عمله.
والجواب عليه من وجهين:
الأول: في سنده الحكم بن أبان فيه كلام، وهو من رجال «الميزان» (١/٥٦٩) .
والثاني: قال ابن المنذر: «قد يجوز أن يكون معنى قول أبي هريرة صياحهم: استغفروا له، فيما بينكم وبين أنفسكم، خلاف البدعة التي أحدثها الناس من رفع الصوت بالاستغفار» !стр. 14
أنهم كرهوا رفع الصوت عند الجنازة، حتى باستغفروا الله، بل قال ابن عمر لمن سمعه يقوله: لا غفر الله لك. رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١) .
أقوال السادة المالكية:
قال العلامة ابن الحاج في كتاب «المدخل» (٢) الحواشي
(١) انظر ما قدمناه قريباً.(٢) (٣/٢٥٠-٢٥١) ، والكتاب لأبي عبد الله محمد بن محمد بن العبدري الفاسي (ت ٧٣٧هـ) ، واسمه: «المدخل إلى تتمة الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها» ، مدحه ابن حجر في «الفتح» (١٠/٣٤٠، ٣٤٣) بقوله: «وهو كتاب كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل» .
قال أبو عبيدة: والكتاب احتوى أحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة، وشطحات منكرة، وشركيات وبدع، وانظر عنه -لزاماً-: «السراج لكشف ظلمات الشرك في مدخل ابن الحاج» لعبد الكريم الحميد، و «الحاوي للفتاوي» للغماري (٣/٧-٨) ، و «أحكام الجنائز» (ص ٣٣٦) لشيخنا الألباني، وكتابي «كتب حذر منها العلماء» (١/٣١١-٣١٢) .
وكلام ابن الحاج تصرف فيه المؤلفان كثيراً، فاقتضى التنويه.стр. 15
ما ملخصه: العجب من أصحاب الميت، حيث يأتون بجماعة يذكرون أمام الجنازة، وهو من الحدث في الدين، ومخالف لسنَّة سيد المرسلين، وأصحابه والسَّلف الصَّالحين، يجب على من له قدرة على منعهم أن يمنعهم مع الزجر والأدب؛ لمخالفتهم للشريعة المطهرة، ولأنه ضد ما كانت عليه جنائز السلف الماضين؛ لأنّ جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع، حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم؛ لكثرة حزن الجميع (١) ، وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون (٢) ، الحواشي
(١) أخرج وكيع في «الزهد» (٢/٤٦٠ رقم ٢٠٨) وعنه ابن أبي شيبة في «المصنف» ، وأحمد في «الزهد»(٣٦٥) ، وابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٢ - بتحقيقي) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٥٠) بإسناد صحيح عن الأعمش، قال: إن كنا لنتبع الجنازة، فما ندري مَن نعزّي من حزن القوم. وانظر «الباعث» (ص ٢٧٧ - بتحقيقي) لأبي شامة المقدسي.
وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٢٣) عن حوشب بن مسلم، قال: لقد= =أدركت الميت يموت في الحي، فما يعرف حميمه من غيره من شدّة جزعهم، وكثرةِ البكاء عليه، قال: ثم بقيت، حتى فقدتُ عامّة ذلك.
وحوشب بن مسلم الثقفي، مولى الحجاج، كان من العُبّاد، ممن يقص، له ترجمة في «التاريخ الكبير» (٣/١٠٠) ، و «ثقات ابن حبان» (٦/٢٤٣) .(٢) أخرج وكيع (٢/٤٦٠ رقم ٢٠٨) وأحمد(٣٦٥) كلاهما في «الزهد» ، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٥٠) بسند صحيح، أن أسيد بن حضير كان يقول: ما شهدتُ جنازةً، فحدثت نفسي بشيء سوى ما هو مفعول بها، وما هي صائر إليه.
وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٦) بسنده إلى صالح المري، قال: أدركت بالبصرة شباباً وشيوخاً يشهدون الجنائز، يرجعون منها كأنهم نُشِروا من قبورهم، فيُعرف فيهم -والله- الزيادة بعد ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٤، ٥٩ - بتحقيقي) عن عامر بن يساف، قال: كان يحيى بن أبي كثير إذا حضر جنازة، لم يتعشّ تلك الليلة، ولم يقدر أحد من أهله يكلمه من شدّة حزنه. وإسناده لا بأس به. وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٧/٥٩٢) ، وعنه الذهبي في «السير» (٦/٢٨) ، وانظر أثر حوشب في الهامش السابق.стр. 16
حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع عنده، فيلقاه في الجنازة، فلا يزيد على السلام الشرعي شيئاً (١) ؛ لشغل كل منهما بما تقدم ذكره، وبعضهم لا يقدر أن يأخذ الغِذَاء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع (٢) ، كما قال الحسن البصري ﵁: «ميت غد يشيِّع ميتَ اليوم» (٣) ، الحواشي
(١) أخرج ابن المبارك في «الزهد» (رقم ٢٤٥) بسنده إلى بديل، قال: كان مطرّف يلقى الرجل من خاصة إخوانه في الجنازة، فعسى أن يكون غائباً، فما يزيد على التسليم، ثم يعرض اشتغالاً بما هو فيه.
وذكره أبو شامة في «الباعث»(٢٧٧) ، والسيوطي في «الأمر بالاتباع»(٢٥٥) .(٢) أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٨ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/١٧٠) - بسند لا بأس به، عن محمد بن واسع، أنه حضر جنازة، فلما رجع إلى أهله، أُتي بغدائه، فبكى، وقال: هذا يوم منغَّص علينا نهاره، وأبى أن يَطْعَم. وانظر أثر يحيى بن أبي كثير في الهامش قبل السابق.(٣) ظفرتُ بنحوه عن أبي الدرداء.
أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٢٨ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/١٩٣ - ط. دار الفكر) - من طريق يحيى بن جابر، قال: خرج أبو الدرداء إلى جنازة، وأتى أهل الميت يبكون عليه، فقال: مساكين، موتى غدٍ يبكون على ميت اليوم.
وإسناده ضعيف، يحيى بن جابر لم يدرك أبا الدرداء.
وأما أثر الحسن، فقد ورد بمعناه.
أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» -أيضاً- (رقم ٣٥) عن مالك بن دينار، قال: كنا مع الحسن في جنازة، فسمع رجلاً يقول لآخر: من هذا الميت؟ فقال الحسن: هذا أنا وأنت رحمك الله، أنتم محبوسون على آخرنا، حتى يلحق آخرنا بأوّلنا. وهو في «الموت» لابن أبي الدنيا -أيضاً- (رقم ٥٥٨ - بتجميعي) ، وانظر نحوه عنه في «القبور» (رقم ١٩٨ - الملحق) ، وهو عند ابن رجب في «أهوال القبور» (رقم ٥٤٤) .стр. 17
وانظر -رحمنا الله تعالى وإياك- إلى قول عبد الله بن مسعود ﵁ لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم؛ يعني: الميت، فقال له: لا غفر الله لك (١) . فإن كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ الدال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت، فما بالك بما يفعله أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو قراءة القرآن أو البردة (٢) ، الحواشي
(١) المأثور في ذلك عن ابن عمر لا ابن مسعود، وهو معزو لـ «سنن سعيد بن منصور» ، وهو غير موجود في القسم المطبوع منه.(٢) قصيدة مشهورة جداً، ألفها محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (ت ٦٨٤هـ) ، وتسمى «قصيدة الكواكب الدرية في مدح خير البرية» ، اعتنى العلماء بتشطيرها ومعارضتها، والتعليق عليها، وأفردها غير واحدٍ بنقدٍ خاص، ولا سيما في الأمور التي تخص العقيدة، انظر أبياتاً منتقدة منها في «القول المفيد على كتاب التوحيد» (١/٨١-٨٢، ١٨٤-١٨٥، ٤٧٦) ، و «مظاهر الانحرافات العقدية» (١/٤٢٨-٤٣٠) ، وممن انتقدها بكتاب مفرد: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، له «هذا بيان المحجة في الرد= =على صاحب اللجة» مطبوع ضمن «مجموعة التوحيد» (الرسالة الثالثة عشرة، ص ٤٣٥-٥٤٢) ، والشيخ عبد البديع صقر، وشيخنا محمد نسيب الرفاعي ﵀، ولأبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري «نقد قصيدة البردة» مطبوع آخر «رفع الإشكال عن مسألة المحال» . وانظر عن هذه القصيدة: «المدائح النبوية» لزكي مبارك (ص ١٩٧-١٩٨) ، «المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة» لمحمد بن سعد بن حسين (ص ٥٤-٧٤) ، «كشف الظنون» (٢/١٣٣١-١٣٤٩) ، «هدية العارفين» (٢/١٣٨) .
وانظر عن نقدها -مجملاً- مقالة أخينا الشيخ السلفي محمد المغراوي المنشورة في مجلتنا «الأصالة» (العدد الخامس عشر/١٥/ذي القعدة/سنة ١٤١٥هـ) (ص ٧٥-٨٨) بعنوان (حول قصيدة البردة) ، وكتابنا «شعر خالف الشرع» ، يسر الله إتمامه بخير وعافية.
وانظر عنها «الأدب في التراث الصوفي» لمحمد عبد المنعم خفاجي (ص ٢٥٣-٢٥٨) . وانظر عن بدعية التزام (البردة) و (الشقراطسية) أمام الجنائز، وفي حلق الذكر في: «عدة المريد الصادق» (ص ٥٥١) للشيخ زروق، وكتابنا «شعر خالف الشرع» .стр. 18
فأين الحال من الحال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فيجب على من له عقل أن لا ينظر إلى أفعال أكثر أهل الوقت، ولا لعوائدهم، فالسعيد من نبذ هذه العوائد المبتدعة، وشد يده على أتباع السلف؛ فهم القوم لا يشقى من اتبعهم، ولا من أحبهم، (إن المحب لمن يحب مطيع) ، ولقد أطال ﵀ في التشنيع على ما يقع من بعض الناس، من رفع الصوت بالذكر ونحوه أمام الجنائز ا. هـ» (١) .
أقوال السادة الحنابلة:
قال في «دليل الطالب» (٢) و «شرحه» (٣) : «ويكره رفع الصوت، والصيحة معها، وعند رفعها [-يعني: الجنازة-] (٤) ، ولو بالذِّكر والقرآن، [بل يسنُّ الذِّكر والقرآن سراً] (٥) ، ويسنُّ لمتَّبعها أن يكون متخشِّعاً متفكِّراً في مآله، متَّعظاً بالموت وبما يصير إليه الميت، وقول القائل مع الجنازة: (استغفروا [الله] (٦) له) ونحوه، بدعة عند الإمام أحمد، وكرهه وحرمه أبو حفص، ويحرم أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته» ا. هـ. الحواشي
(١) وممن نص على كراهية ذلك -أيضاً-: الشيخ الدردير في «الشرح الكبير» (٤/٤٢٣) ، فذكر من المخالفات: «وقول -أي: متبعي الجنازة-: استغفروا لها» ، قال الدسوقي: «وذلك كما يقع بمصر، يمشي رجل قدام الجنازة، ويقول: هذه جنازة فلان استغفروا له» ، وفي «تقريرات عليش» تعليل لذلك، فقال: «لمخالفة السلف» .(٢) (ص ٦٢ - ط. الأولى عن المكتب الإسلامي) وعليه «حاشية العلامة الشيخ محمد بن مانع» .(٣) المسمى «نيل المآرب» (١/٢٢٩-٢٣٠) .(٤) ما بين المعقوفتين زيادة توضيحية من المصنِّفَيْن.(٥) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وأثبته من «نيل المآرب» .(٦) ما بين المعقوفتين زيادة من المصنِّفَيْن.стр. 19
وقال في «الإقناع» (١) و «شرحه» (٢) للشيخ منصور الحنبلي: (ويكره رفع الصوت والضجة عند رفعها) ؛ لأنه محدث، (وكذا) رفع الصوت (معها) -أي: مع الجنازة- (ولو بقراءة أو ذكر) ؛ لنهي (٣) النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت أو نار. رواه أبو داود (٤) ، (بل يسنُّ) القراءة والذِّكر (سرّاً) ، وإلا الصمت. ا. هـ. الحواشي
(١) (١/٤٠٥) (منهما) .(٢) المسمى «كشاف القناع» (٢/١٣٠) .(٣) في المطبوع: «لقول» ، والمثبت من «كشاف القناع» .(٤) أخرجه أبو داود(٣١٧١) ، وأحمد (٢/٤٢٧، ٥٢٨، ٥٣٢) ، والبيهقي (٣/٣٩٤-٣٩٥) ، وابن الجوزي في «الواهيات»(١٥٠٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُتْبع الجنازة بنار ولا صوت» . وإسناده ضعيف. والحديث حسن لغيره؛ لشواهده. وصح ذلك موقوفاً، وهذا البيان:
أخرج مالك (١/٢٢٦) بسند صحيح عن أبي هريرة، أنه نهى أن يُتْبع بعد موته بنار.
وأخرج مسلم(١٢١) عن عبد الله بن عمرو قوله: «فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار» .
وفي الباب عن جابر عن النبي ﷺ أنه نهى أن يتبع الميت صوتٌ أو نارٌ.
أخرجه أبو يعلى(٢٦٢٧) . وفيه عبد الله بن المحرّر، منكر الحديث، وتحرف اسمه= =على الهيثمي في «المجمع» (٣/٢٩) فلم يعرفه!!
وفي الباب عن ابن عمر، أخرج أحمد (٢/٩٢) ، وابن ماجه(١٥٨٣) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/٤٨٤) ، والطبراني (١٣٤٨٤، ١٣٤٩٨) عنه، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُتْبع جنازة معها رَنَّة. وإسناده ضعيف.
قال السندي: « (رَنَّة) بفتح راء وتشديد نون: صوت مع بكاء، فيه ترجيع، كالقلقلة واللقلقة» .
وورد بلفظ: «فيها صارخة» عند ابن حبان في «المجروحين» (١/٢٥٤) ، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/٢٢٥) . ونحوه في «الحلية» (٦/٦٦) من طريق آخر عنه، ولكن الأسانيد الواردة في ذلك ضعيفة جداً.стр. 20
وقال في «المنتهى» (١) و «شرحه» (٢) : (و) كره (رفع الصوت معها) -أي: الجنازة- (ولو بقراءة) أو تهليل؛ لأنه بدعة، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له ونحوه بدعة. وروى سعيد بن عمر (٣) وسعيد بن جبير، قالا لقائل ذلك: لا غفر الله لك (٤) ا. هـ.
هذا ما أردنا نقله باختصار من كتب المذاهب الأربعة.
وقد اطّلعنا على رسالة «تحفة الأبصار والبصائر في بيان كيفية السير مع الجنازة إلى المقابر» ، و «رسالة فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين» الموافقتين لما أتينا به في هذا الموضوع، مِن منع رفع الصوت مع الجنائز، لمؤلِّفهما العلامة المفضال الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٥) الحواشي
(١) (١/٤٢٢ - على هامش «شرح الإقناع» ) (منهما) .
قلت: وانظره (١/١٦٤ - تحقيق عبد الغني عبد الخالق) .(٢) انظر: «إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى» (١/٣٦٦) ، «غاية المنتهى» (١/٢٦٤) ، «حاشية ابن قائد على المنتهى» (١/٤٢١) .
وانظر عن (شروح «المنتهى» ) : «المدخل المفصل» (٢/٧٨٠-٧٨٤) للشيخ العلاّمة بكر أبو زيد -حفظه الله وعافاه-.(٣) كذا في المطبوع! وصوابه: «ابن منصور» .(٤) مضى تخريجه في التعليق على (ص ١٤، ١٥، ١٦) .(٥) ولد في (سبك الأحد) من قرى (أشمون) ، بالمنوفية، وتعلّم بالأزهر، كبيراً، ودرّس فيه، وأسس الجمعيّة الشرعية، وترأسها من سنة (١٣٣١هـ) إلى (١٣٥٢هـ) ، وتوفي بالقاهرة، له كتب عديدة؛ أشهرها: «الدين الخالص» ويسمى «إرشاد الخلق إلى دين الحق» ، «أعذب المسالك المحمودية» ، «هداية الأمة المحمودية» (خطب منبرية) ، «المنهل العذب المورود» .
انظر ترجمته في: «الأعلام الشرقية» (١/٤٠٦-٤٠٨ ترجمة ٥٠٤) ، «مجلة الفتح» (٢٠/ربيع الأول/سنة ١٣٥٢هـ) ، «مجلة الإسلام» العدد(١٢) ، السنة الثانية، «الأعلام» (٧/١٨٦) ، «الدين الخالص» (٧/٤٣٤-٤٣٩) له، «معجم المطبوعات العربية»(١٠٠٥) .стр. 21
المدرس بالقسم العالي بالجامع الأزهر، وفيهما تقاريظ وفتاوى جمع غفير مِن كبار علماء الأزهر وشيوخه؛ منهم: شيخ الإسلام الشيخ سُليم البِشْري (١) المالكي، وشيخ الإسلام الشيخ حَسُّونَة النَّواوي (٢) الحواشي
(١) هو الشيخ سليم البِشْري ابن السيد أبي فراج سليم، المالكي المذهب، شيخ الجامع الأزهر (وهو الشيخ الرابع والعشرون) ، وشيخ المالكية، ولد سنة ١٢٤٨هـ - ١٨٣٢م في محلة (بشر) بمديرية البحيرة، ونشأ بها، وتلقى العلم على كبار علماء عصره، كالشيخ عُلَيش، والباجوري، وغيرهما، وكان واسع الاطلاع في علوم السنة، توفي في شهر ذي الحجة سنة ١٣٣٥هـ - ١٩١٧م، له «تحفة الطلاب بشرح رسالة الآداب» ، «شرح نهج البردة لشوقي» ، «حاشية على رسالة الشيخ عليش في التوحيد» ، «المقامات السنية في الرد على القادح في البعثة النبوية» .
انظر ترجمته في «الأعلام الشرقية» (١/٣١٣-٣١٤) ، «الكنز الثمين» (١/١٠٦) ، «مرآة العصر» (٢/٤٦٥) ، «الأعلام» (٣/١١٩) .(٢) هو الشيخ حَسُّونة بن عبد الله النّواوي الحنفي، شيخ الجامع الأزهر (وهو الشيخ الثاني والعشرون من شيوخ الأزهر) ، ولد في (نواي) من قرى (أسيوط) مصر، وتعلم في الأزهر، وفي عهده وضع للجامع الأزهر نظامات ولوائح، ورتب شؤون رواتبه، وأدخل بعض العلوم؛ كالحساب، والهندسة، والجبر، وتقويم البلدان، توفي سنة ١٣٤٣هـ - ١٩٢٤م، وله كتاب «سلم المسترشدين لأحكام الشريعة والدين» في ثلاثة أجزاء. ... =
= ... انظر ترجمته في: «الأعلام الشرقية» (١/٣٠١ رقم ٤٠٢) ، «مرآة العصر»(١٩٠) ، «تاريخ الأزهر»(١٥٦) ، «مجلة الزهراء» (٢/٤٨٥) ، «الأعلام» (٢/٢٢٩) .стр. 22
الحنفي، وشيخ الإسلام الشيخ محمد أبو الفضل الجِيزَاوي (١) المالكي، وشيخ شيوخ السادة الشافعية الشيخ محمد البحيري، ومفتي الديار المصرية سابقاً الشيخ محمد بَخِيت المطيعي (٢) ، الحواشي
(١) ولد سنة ١٢٦٤هـ - ١٤٨٧م في بلدة وراق الحضر التابعة للجيزة، ونشأ بها، وتلقى العلم على كبار علماء عصره، (وهو الشيخ السابع والعشرون في شيوخ جامع الأزهر) ، وكان واسع االاطلاع في العلوم العقلية والنقلية والفلسفية، توفي سنة ١٣٤٦هـ - ١٩٢٧م، له «رسالة في البسملة وحديثها المشهور» ، «تقرير على كتاب ابن الحاجب في الأصول» ، «الطراز الحديث في مصطلح الحديث» .
انظر ترجمته في: «الأعلام الشرقية» (١/٣٥٥-٣٥٦ رقم ٤٦٣) ، مجلة «كل شيء والعالم» (رقم ٢٠٦) ، وجريدة «الأهرام» ، سنة ١٩٢٧م، مجلة «الفتح» (٢٢/محرم/سنة ١٣٤٦) ، «الكنر الثمين»(١١٢) ، «الأعلام» (٦/٣٣٠) .(٢) هو الشيخ محمد بخيت بن حسين المطيعي الحنفي، مفتي الديار المصرية، ومن كبار فقهائها، ولد سنة ١٢٧١هـ - ١٨٥٤م في بلدة (المطيعة) من أعمال أسيوط، وتعلم في الأزهر، واشتغل بالتدريس فيه، توفي بالقاهرة سنة ١٣٥٤هـ - ١٩٣٥م، له كتب كثيرة؛ منها: «أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام» ، «الكلمات الحسان في الأحرف السبعة وجمع القرآن» ، «الأجوبة المصرية عن الأسئلة التونسية» .
انظر ترجمته في: «الأعلام الشرقية» (٢/٤٩٧-٤٩٩ رقم ٤١٦) ، «مجلة الرسالة» (٣/١٧٥٧) ، «مرآة العصر» (٢/٤٦٧) ، «تاريخ الأزهر»(١٧٢) ، «قطرة من مداد الأعلام المعاصرين والأنداد» لمحمد لطفي جمعة (٢٧٥-٢٨٠) ، «الفتح المبين في طبقات الأصوليين» (٣/١٨١) ، «الفكر السامي» (٤/٣٨) ، «الكنز الثمين»(١١٨) ، «الأعلام» (٦/٥٠) .стр. 23
وشيخ السادة الحنبلية الشيخ يوسف النابلسي (١) ، فهل بعد هذه النصوص، وبعد اتفاق علماء المذاهب الأربعة في الديار المصرية يبقى ريب لمستريب؟ وهل يصح مِن عاقل أن يقول بجواز رفع الصوت مع الجنازة؟ وهل يلتفت لقول مَن قال: إنّ ترك التهليل بالجهر مع الجنازة يعدُّ إزراءً بالميت وتعريضاً للتكلم فيه وفي ورثته؟ وهل يليق بمؤمن أن يتوهم أنّ الفعل الموافق لفعل الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح يكون فيه إزراء بالميت وورثته؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، ولسنا ندري ما الّذِي حمل الأُستاذ الجزار وتلميذه خزيران على مخالفة مذهبهما ومذاهب بقية الأئمة، فهل هو الجهل؟ لا نعتقد ذلك؛ لأنّ مَن مضى عليه عشراتٌ مِن السنين في مقام الإفتاء لا تخفى عليه مسألة بسيطة (٢) الحواشي
(١) هو المترجم في «أعيان دمشق» (ص ٣٠١-٣٠٢) للشيخ محمد جميل الشّطي.(٢) استخدام (البساطة) و (التبسيط) بمعنى (التسهيل) من الأخطاء الشنيعة، وقولهم: مسألة بسيطة، هذا شيء بسيط، تكلم ببساطة، وهذا لا يعتقده إلا البسطاء، خطأ، قال صاحب «اللسان» : «ورجل بسيط: منبسط بلسانه، وقد بسطه بساطة. الليث: البسيط: المنبسط اللسان، والمرأة بسيط، ورجل بسيط اليدين: منبسط بالمعروف، وبسيط الوجه: متهلل، وجمعها: بسط» .
قلت: فقد رأيت أن (البساطة) لا تدل على ما يريد المؤلفان بها، وذلك بعيد عن استعمال العرب، بل هو ضده؛ لأنَّ البسيط في اللغة، هو الواسع، ومن أجل ذلك سميت الأرض (البسيطة) ؛ لسعتها.
وأصل هذا الخطأ، آت من اصطلاح الأطباء في تسميتهم الدواء الذي هو من مادة واحدة (بسيطاً) ، ويقابله (المركب) الذي يتألف من أجزاء، كل جزء من مادة، وقد استعمله الفلاسفة -أيضاً-، فقسموا الجهل إلى قسمين: (جهل بسيط) ، و (جهل مركب) ، والأول: أن يكون الشخص جاهلاً، ويعلم أنه جاهل. وقولهم: (بسيط) ، و (بساطة) ترجمة للكلمة الأجنبية (Simple) ؛ يراد به: شيء سهل غير مركب، غير معقد، وأخذ منه كثير من الناس (بسّطه) -بتشديد السين-: جعله بسيطاً؛ أي: سهلاً غير معقد، أو قليلاً، أو حقيراً، وكل ذلك خطأ شهير، وضلال مبين.
انظر «تقويم اللسانين» (ص ٣٢-٣٤، ١٢٥-١٢٦) للدكتور محمد تقي الدين الهلالي.стр. 24
مذكورة في «مراقي الفلاح» (١) و «حواشيه» (٢) ، وهو أول كتاب يقرأ في فقه السادة الحنفية، والذي يغلب على الظنّ أنّ الحامل لهما على ذلك، هو بغية المحافظة على مكانتهما الوهمية بين العامة؛ حذراً مِن أنْ ينفر منهما رعاعُ الناس، الذين اتخذوا الدين متجراً، لو أفتيا بالحق الذي يصادم منفعة أولئك المبتدعين، فليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديداً، وهنا نبدأ برد ما قال.
قال في رده حكم العلامة الزنكلوني ما معناه: إنه يجب على المفتي أن يكون جوابه في المسألة بعد تأمله في الحجج التي أدلى بها كل مِن الأستاذين؛ لأنه بمثابة الطبيب.
نقول: يظهر للمتأمِّل في جواب العلامة الزنكلوني «الذي قطع قول كل خطيب» ، أنه نظر في الجوابين نظر تدقيق وتحقيق وإمعان، ثم أيد بفتواه فتوى المستدل بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الفقهاء، وزيف قول من أخذ من غير فهم بقول الشعراني عن شيخه الخواص (٣) .
وقال: ولو دقق -أي: العلامة الزنكلوني- بجواب الفاضل القصَّاب؛ لتبيَّن له أنّ ما أتى في صدره مِن الآية والحديث إثباتاً لدعواه التي صدر بها جوابه لا يفيده، بل ولا تعلق لهما بموضوع السؤال أصلاً، لما أن معنى الآية هو: (اطلبوا حوائجكم مِمّن قام بأمر تربيتكم مِن بداية أمركم إلى نهايته، حال كونكم خاضعين متذلّلين له، متأدِّبين بخفض أصواتكم غير متجاوزين مكانتكم، وما تستعد إليه ذواتكم) ، ولم يذهب أحد مِنَ المفسرين إلى أنَّ المراد مِن الدّعاء فيها هو الذِّكر. الحواشي
(١) تقدم النقل عنه (ص ٧) .(٢) انظر ما قدمناه في التعليق على (ص ٧) .(٣) انظر «فصل الخطاب» (ص ٣٦) للزَّنكلوني.
وبعدها في صلب الكتاب: «راجع (ص ١٠) » ! ثم صوبت في آخر الكتاب في (جدول تصحيح الخطأ) إلى (ص ٣٦) .стр. 25
نقول: إنَّ هذا الاعتراض غير وارد ألبتة؛ لأنَّ السؤالَ الذي وجه إلى أحدنا هذا نَصُّه: «ما قول أهل العلم الحق في الصياح في التهليل والتكبير وغيره أمام الجنائز، أفتونا أثابكم الله؟» ، ومِن المعلوم أنّ لفظة (وغيره) تشمل الدعاء والاستغاثة وكل ما يرفع به الصوت مع الجنازة، فتكون الآية الشريفة على هذا دليلاً واضحاً في الموضوع، على أنّ الدعاء ذكر أيضاً «لا كما ادعاه حضرة المعترض» ، بدليل قوله -تعالى- حكاية عن سيدنا يونس في دعائه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . روى الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (١) من حديث مصعب بن سعد، [عن سعد] (٢) ، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن دعا بدعاء يونس استجيب له» (٣) ، الحواشي
(١) (٥/٣٦٣ - ط. دار الشعب) .(٢) سقطت من المطبوع، وأثبتها من «تفسير ابن كثير» .(٣) أخرجه البزار في «البحر الزخار» (ق ١٩٧ أو رقم ٦٩ - مسند سعد/ط. الحويني، أو ٣/٣٦٣ رقم ١١٦٣ - ط. محفوظ ﵀) ، والدورقي في «مسند سعد» (رقم ٣٦) ، وأبو يعلى في «المسند» (٢/٦٥ رقم ٧٠٧) -ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٢/٣٥١) - وابن عدي في «الكامل» (٦/٢٠٨٨) ، والحاكم في «المستدرك» (٢/٥٨٤) ، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/٢٤٦٥ رقم ١٣٧١٣) ؛ جميعهم من طريق أبي خالد الأحمر، عن كثير بن زيد بن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب، عن مصعب بن سعد، به.
وتفرد به أبو خالد الأحمر عن كثير، أفاده البزار، وقاله الدارقطني في «الغرائب والأفراد» (ق٥٧/أأو ١/٣٢٦ رقم ٤٩٦ - المطبوع) .
وإسناده صالح، والحديث صحيح بالشاهد الذي يليه.стр. 26
وفي «فتح البيان» (١) : «
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم -وصححه- والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسولَ الله ﷺ قال: «دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت ... إلخ، لم يدع بها مسلمٌ ربَّه في شيء قط، إلا استجاب له» (٢) ، الحواشي
(١) (٤/٤٣٢) لصديق حسن خان، ومثله في «فتح القدير» (٣/١٠٠ - ط. الرشد) للشوكاني، و «الدر المنثور» (٥/٦٦٨) للسيوطي. وزاد عزوه إلى الحكيم في «نوادر الأصول» وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» .(٢) أخرجه أحمد (١/١٧٠) ، والترمذي(٣٥٠٠) ، والنسائي في «عمل اليوم= =والليلة» (رقم ٦٥٥، ٦٥٦) ، والبزار في «مسنده» (ق٢٠٠ أو رقم ١١٧ - مسند سعد/ط. الحويني، أو رقم ١١٦٣ - ط. محفوظ ﵀) ، وأبو يعلى (٢/١١٠-١١١ رقم ٧٧٢) ، والحاكم في «المستدرك» (١/٥٠٥ و٢/٣٨٢-٣٨٣) ، والطبراني في «الدعاء» (رقم ١٢٤) ، وابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (ص ٢٥-٢٦) ، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٨/٢٤٦٥ رقم ١٣٧١٢) -وإسناده في «تفسير ابن كثير» (٥/٣٦٣) -، والبيهقي في «الشعب» (١/٤٣٢ رقم ٦٢٠) و «الدعوات الكبير» (رقم ١٦٦، ١٦٧) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»(٣٤٣) ، من طريق محمد بن سعد عن أبيه، به.
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن جرير (١٧/٦٥) ، والحاكم (١/٥٠٥-٥٠٦) من طريق سعيد بن المسيب عن سعد، وفيه عمرو بن بكر السكسكي، متروك، فإسناده ضعيف جداً.
وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة»(٣٤٥) ، وابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٩٩) من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعد، وإسناده ضعيف جداً أيضاً، فيه عمرو بن الحصين العُقيلي، متروك.стр. 27
وقال العلامة الصاوي في «حاشيته على الجلالين» (١) : «وهذا الدعاء (أي: قول يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت مِنَ الظالمين) عظيم جدّاً؛ لاشتماله على التهليل والتسبيح والإقرار بالذنب، ولذا ورد في الحديث: «ما مِن مكروب يدعو بهذا الدعاء، إلا استجيب له» (٢) ، وبدليل قوله ﷺ في حديث عرفة: «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣) . الحواشي
(١) (٣/٨٨) ، وانظر عن دعاء يونس ﵇: «المجالسة» للدينوري (رقم ١٢٣، ١٢٤ - بتحقيقي) .(٢) غير محفوظ بهذا اللفظ، وما ورد آنفاً يغني عنه، والله الموفق.(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/٣٨) -ومن طريقه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/٣٧٨) ، والفاكهي في «أخبار مكة» (٥/٢٥ رقم ٢٧٦٠) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/٢٨٤ و٥/١١٧) وفي «فضائل الأوقات» (ص ٣٦٧) وفي «الدعوات الكبير» (رقم ٤٦٨) ، والبغوي في «شرح السنة» (٧/١٥٧) -، عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، = =عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً.
قال البيهقي عقبه في «السنن» : «هذا مرسل» ، وزاد في الموطن الثاني: «وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولاً، وَوَصْلُه ضعيف» .
وقال في «الفضائل» : «مرسل حسن» .
وقال في «الدعوات» : «وهذا منقطع، وقد روي من حديث مالك بإسناد آخر موصولاً، وهو ضعيف، والمرسل هو المحفوظ» .
قلت: وصله ابن عدي في «الكامل» (٤/١٥٩٩-١٦٠٠) ، والبيهقي في «الشعب» (٣/٤٦٢) ، عن عبد الرحمن بن يحيى المدني: حدثنا مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً.
قال ابن عدي: «وهذا منكر عن مالك عن سُمَيّ عن أبي صالح عن أبي هريرة، لا يرويه عنه غير عبد الرحمن بن يحيى هذا، وعبد الرحمن غير معروف» .
وقال البيهقي عقبه: «هكذا رواه عبد الرحمن بن يحيى، وغلط فيه، إنما رواه مالك في «الموطأ» مرسلاً» .
وترجم العقيليُّ في «الضعفاء الكبير» (٢/٣٥١) لابن يحيى هذا، وقال عنه: «مجهول، لا يقيم الحديث من جهته» ، وقال عنه أبو أحمد الحاكم: «لا يُعتمد على روايته» ، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي» ، و «ضعيف» ، وقال الأزدي: «متروك، لا يحتج بحديثه» . انظر: «اللسان» (٣/٤٤٣) .
وروي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه الترمذي في «الجامع» (رقم ٣٥٨٥) -ومن طريقه ابن الجوزي في «مثير العزم الساكن» (١/٥٤ رقم ١٣٦) -، والفاكهي في «أخبار مكة» (٥/٢٤-٢٥ رقم ٢٧٥٩) ، والبيهقي في «فضائل الأوقات» (ص ٣٦٨-٣٦٩) وفي «الشعب» (٣/٣٥٨ رقم ٣٧٦٧) ، وابن الجوزي في «التبصرة» (٢/١٣٧) و «مثير العزم الساكن» (١/٢٥٤ رقم ١٣٧) ، عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه.
قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري، وليس بالقوي عند أهل الحديث» .
وأشار ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٣٩) إلى ضعفه، بقوله: «وليس دون عمرو من= =يحتج به فيه» .
وروي عن علي مرفوعاً.
أخرجه الطبراني في «الدعاء» (رقم ٨٧٤) وفي «فضائل عشر ذي الحجة» (١٣/٢) -كما في «السلسلة الصحيحة» (رقم ١٥٠٣) - عن قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن علي رفعه بلفظ: «أفضل ما قلتُ أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» .
هكذا قال عفان بن مسلم عن قيس، واختلف عليه.
أخرجه البيهقي في «الشعب» (٢/ق١٣٩/أ) عن إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا عفان، به، ولكن بلفظ وافقه عليه ثلاثة، وسيأتي قريباً.
فأخرجه الترمذي في «الجامع» (رقم ٣٥٢٠) عن علي بن ثابت، وابن خزيمة في «صحيحه» (رقم ٢٨٤١) ، والمحاملي في «الدعاء» (رقم ٦٢) ، والبيهقي في «الشعب» (٢/ق١٦٥/أ) عن عبيد الله بن موسى العبسي، وأبو نعيم في «ذكر تاريخ أصبهان» (١/٢٢١) عن الحسن بن عطية، عن قيس بن الربيع، به، ولفظه: «أكثر ما دعا به رسول الله ﷺ عشية عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ... » لفط الترمذي.
فهذا اللفظ ليس فيه ما يصلح شاهداً لما عندنا، وهو على أي حال ضعيف، قيس متكلم فيه، قال ابن حجر عنه في «التقريب» : «صدوق، تغيَّر لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فَحَدَّث به» .
وقال عنه الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي» .
وله طريق آخر عن علي مرفوعاً، وفيه نحو ما في رواية الطبراني السابقة.
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/٣٧٣ رقم ٩٧٠٥ وص ٤٤٣ - القسم المفقود) -ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٤٠-٤١) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/٤٠) ، وابن الجوزي في «مثير العزم الساكن» (٢/٢٥٥) - عن وكيع، عن موسى بن عُبَيدة، عن أخيه -وهو: عبد الله بن عُبَيدة الرَّبَذِيّ-، عن علي رفعه.
وتابع وكيعاً: عُبيدالله بن موسى.
أخرجه من طريقه: البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/١١٧) وفي «الدعوات الكبير» = = (رقم ٤٦٩) وفي «فضائل الأوقات» (ص ٣٧٤-٣٧٥) ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ق١٥٢/أ) ، والخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/٣٣) .
وإسناده ضعيف جداً، وهو منقطع.
قال البيهقي في «السنن» عقبه: «تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه علياً ﵁» .
وفي الباب عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين -وهو من صغار التابعين- رفعه.
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/٤٠) -ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٤٠) - عن وكيع، عن نضر بن عربي، عنه مرفوعاً.
وإسناده ضعيف، وهو معضل.
وأخرجه التيمي في «الترغيب» (٢/١٠١٠ رقم ٢٤٨٢ - ط. زغلول، أو ٣/٢٧١ رقم ٢٥٠٩ - ط. دار الحديث) عن أبي مروان، عن عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب مرفوعاً بلفظ: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وإن أفضل ما أقول أنا وما قال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله» .
وهذا مرسل، وأبو مروان، هو محمد بن عثمان بن خالد الأموي، صدوق يخطئ. قال شيخنا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (رقم ١٥٠٣) بعد ذكره بعض هذه الطرق: «وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم» .стр. 28
قال ابن الأثير في «النهاية» (١) : «إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه؛ كالحديث الآخر: «إذا شغل عبدي ثناؤه عليَّ مسألتي أعطيتُه أفضل ما أُعطي السائلين» (٢) الحواشي
(١) (٢/١٢٢) .(٢) أخرج الخطابي في «شأن الدعاء» (ص ٢٠٦-٢٠٧) وفي «غريب الحديث» (٢/٧٠٩) ، والبيهقي في «الشعب» (١/٤١٤ رقم ٥٧٥) ، والدينوري في «المجالسة» (رقم ٤٨ - بتحقيقي) -ومن طريقهم الثلاثة: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٩/٢٧٣، ٢٧٣-٢٧٤، ٢٧٤، ٢٧٤-٢٧٥) -، والخليلي في «الإرشاد» (٣/٩٧٨-٩٧٩) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٤٣-٤٤) عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا منصور، عن مالك بن الحارث، = =قال: قال الله ﵎: «من أشغله الثناء عليّ عن مسألتي، أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين» وهذا مرسل.
ثم استدل سفيان على ذلك بأبيات من الشعر، انظرها مع تتمة التخريج في تعليقي على «المجالسة» (١/٣٤٣-٣٤٤) ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وأخرجه الترمذي(٢٩٢٦) ، والدارمي (٢/٣١٧) ، وعبد الله بن أحمد في «السنة»(١٢٨) ، وأبو سعيد الدارمي في «الرد على الجهمية» (٢٨٥، ٣٣٩) ، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٣/ق١٠٣/ب) ، وابن نصر في «قيام الليل» (ص ١٢٢) ، وابن حبان في «المجروحين» (٢/٢٧٢) ، وغيرهم من طرق عن محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله -تعالى-: من شغله قراءة القرآن عن دعائي، أعطيته أفضل ثواب الشاكرين» .
ومحمد بن حسن متروك، وقال أبو حاتم في «العلل»(١٧٣٨) لابنه: «منكر» ، ولكنه توبع، فالعلة فيه عطية العوفي.
وللحديث شواهد عن عمر وحذيفة وجابر وحكيم بن حزام، ومن مرسل عمرو بن مرة. والحديث حسن بمجموع طرقه.стр. 29
ا. هـ. وبدليل قوله ﷺ : «أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» (١) . قال المناوي (٢) في تفسير «أفضل الدعاء: الحمد لله» : الدعاء عبارة عن ذكر الله.
وأما قوله: لا تعلق للآية والحديث بموضوع السؤال؛ فإنه واهم فيه؛ لأنّ للآية الكريمة تعلقاً تاماً بالمسئول عنه، وهو الصياح في التهليل والتكبير وغيرهما، ولو أنعم النظر في تفسيره الذي ذكره وهو قوله: «متأدبين بخفض أصواتكم» ، لعلم أنّ تفسيره دليل لنا وحجة عليه.
ثم قال: ولأنّ المراد بالحديث (٣) : الحواشي
(١) أخرجه الترمذي(٣٣٨٣) ، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (رقم ٨٣١) ، وابن ماجه(٣٨٠٠) ، وابن حبان (٢٣٢٦ - الإحسان) ، والخرائطي في «فضيلة الشكر» (رقم ٧) ، والحاكم (١/٤٩٨) ، والطبراني في «الدعاء» (رقم ١٤٨٣) ، والبيهقي في «الشعب» (رقم ٤٣٧١) ، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.
قال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/٥٩) : «هذا حديث حسن» .
والحديث في «السلسلة الصحيحة»(١٤٩٧) ، وفاته العزو للنسائي والترمذي وابن ماجه.(٢) في «فيض القدير» (٢/٣٤) ، ونحوه في «التيسير بشرح الجامع الصغير» (١/١٨٢) له.(٣) «أيها الناس! أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (منهما) .
قال أبو عبيدة: أخرجه البخاري (٢٩٩٢، ٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦) ومسلم(٢٧٠٤) في «صحيحيهما» ، عن أبي موسى الأشعري رفعه.стр. 30
ارفقوا على أنفسكم في المبالغة بالجهر بالتكبير، بدليل ما ورد في «سنن الترمذي» من خبر: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي ومَن معي أن يرفعوا أصواتَهم بالتلبية والتكبير» (١) ، الحواشي
(١) أخرجه الترمذي(٨٢٩) ، والنسائي (٥/١٦٢) ، وابن ماجه(٢٩٢٢) ، وأحمد (٤/٥٦) ، والدارمي (١/٣٦٥) ، والحميدي(٨٥٣) -ومن طريقه ابن قانع في «معجم الصحابة» (٦/٢٢١٥ رقم ٦٤٦) -، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»(٢١٥٣) ، وابن خزيمة (٢٦٢٥، ٢٦٢٧) ، وابن الجارود في «المنتقى»(٤٣٤) ، والروياني في «مسنده» (رقم ١٤٨٨) ، والدارقطني في «سننه» (٢/٢٣٨ أو رقم ٢٤٧٤ - بتحقيقي) ، والطبراني في «الكبير» (٧/١٤٢، ١٤٣ رقم ٦٦٢٧، ٦٦٢٨) ، وأبو عمرو عثمان السمرقندي في «الفوائد المنتقاة الحسان العوالي» (ص ٢٨-٢٩ رقم ٣) ، وعلي بن محمد الحميري في «جزئه» (١٢٠ رقم ٥٦) ، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (ق١٣٦/أأو ٣/١٨٢ رقم ١١٠١ - المطبوع) ، والحاكم (١/٤٥٠) ، والبيهقي (٥/٤٢) من طرق عن ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خلاد بن السائب، عن أبيه رفعه.
ومن الرواة عن سفيان من أسقط (عبد الله بن أبي بكر) .
وتابع ابن عيينة: مالك في «الموطأ» (١/٣٣٤ رقم ٣٤) فرواه عن عبد الله بن أبي بكر بسنده سواء، وأخرجه من طريق مالك: أبو داود(١٨١٤) ، وأحمد (٤/٥٦) ، والشافعيُّ في «المسند» (١/٣٠٦) ، والدارميُّ (١/٣٦٥) ، والطبرانيُّ في «الكبير» (٧/١٤٢ رقم ٦٦٢٦) ، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٦/٢٢١ رقم ٦٤٥) ، ومحمد بن الحسن= =الشيباني في «موطئه» (رقم ٣٩٢) ، والبيهقي (٥/٤١، ٤٢) ، والبغوي في «شرح السنة» (٧/٥٣ رقم ١٨٦٧) ، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣/١٣٧٣ رقم ٣٤٦٥) .
وتابعهما ابن جريج، قال: كتب إليَّ عبد الله بن أبي بكر بسنده سواء.
أخرجه الطبرانيُّ(٦٦٢٩) ، قال: حدثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا سعيد ابن سالم، عن ابن جريج.
ولم يسمع ابن جريج هذا الحديث من عبد الله بن أبي بكر، ولذلك قصة طريفة، فروى الفسويُّ في «المعرفة» (٢/٧٠٧) ، والطبرانيُّ في «الكبير»(٦٦٢٧) عن الحميدي -وهو في «مسنده»(٨٥٣) - عن سفيان بن عيينة، قال: «وكان ابن جريج كتمني حديثاً، فلما قدم علينا عبد الله بن أبي بكر لم أخبره به، فلما خرج إلى المدينة حدثته به، فقال لي: يا أعور أتخفى عنا الأحاديث، فإذا ذهب أهلها خبرتنا بها، لا أرويه عنك، أو تريد أن أرويه عنك؟! فكتب إلى عبد الله بن أبي بكر، فكتب إليه به عبد الله بن أبي بكر، وكان ابن جريج يحدث به: كتب إليَّ عبد الله بن أبي بكر» ا. هـ.
وله شاهد بطرق متعددة عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد الجهني بنحوه، أخرجه أحمد (٥/١٩٢) ، وابن ماجه (٢/٩٧٥) ، وابن خزيمة (٤/١٧٤ رقم ٢٦٢٨) ، والطبراني في «الكبير» (٦/٢٢٩ رقم ٥١٧٠) و (٦/٢٢٨ رقم ٥١٦٨) ، والحاكم (١/٤٥٠) ، وابن حبان (٩/١١٣ رقم ٣٨٠٣) ، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣/١٣٧٤ رقم ٣٤٦٨، ٣٤٦٩) ، وقال الترمذي بعد تخريجه لحديث خلاد عن أبيه، قال: «وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي S، ولا يصح. والصحيح هو عن خلاد بن السائب، عن أبيه -وهو: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري-، عن أبيه» .
وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢/٥٧١) : «حديثه -أي: السائب- في رفع الصوت بالإهلال مختلف على خلاد فيه» ، قال: «وقد جوّده مالك وابن عيينة وابن جريج ومعمر» . وانظر -غير مأمور-: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٣/١٣٧٤-١٣٧٥) .стр. 31
فيكون المراد بالرفع هنا رفعاً لا مبالغة فيه؛ دفعاً للمعارضة بين الحديثين، كما ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «شرح البخاري» (١) ، وذكر العلامة منلا علي القاري في «شرحه على مشكاة المصابيح» (٢) مفسراً قوله: «أربعوا على أنفسكم» بأرفقوا بها، وأمسكوا عن الجهر الذي يضر بكم (٣) ، على أنه لو سلمت إرادة أصل الجهر، فإنه يحتمل أنه لم يكن هناك مصلحة في الرَّفع؛ لما روي أنه كان في غزاة (٤) ، ورفع الصوت حينئذ في بلاد العدو يجرُّ بلاءً، والحرب خدعة. الحواشي
(١) شرحه هذا هو «تحفة الباري على صحيح البخاري» ، وقد طبع في اثني عشر مجلداً بالقاهرة، سنة ١٣٢٦هـ، وسبق أن طبع -أيضاً- فيها سنة ١٣٠٠هـ، وكذا سنة= =١٣١٨هـ، وانظر عنه «إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري» (ص ١٢٥-١٢٧) .(٢) المسمى «مرقاة المفاتيح» ، والمنقول فيه (٣/٥٠) .(٣) في «المرقاة» : «يضركم» .(٤) ولذا أخرجه البخاري في (مواطن) ؛ منها (برقم ٤٢٠٥) تحت (كتاب المغازي) وبوّب عليه بـ (باب غزوة خيبر) ، ولفظه هناك عن أبي موسى: «لما غزا رسولُ الله S خيبر، أو قال: لما توجَّه رسول الله ﷺ أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير ... » إلخ.
وفي رواية ابن جرير (١٢/٤٨٦ رقم ١٤٧٧٨ - ط. شاكر) الحديث: «كان النبي ﷺ في غزاة ... » .стр. 32
نقول: إنّ أصل المشروع هو الذكر الخفي أخذاً من قوله -تعالى-: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، قال الإمام النسفي في «تفسيره» (١) : «هو عام في الأذكار؛ من قراءة القرآن، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، وغير ذلك، وأخذاً مما أخرجه ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن ﵁: «إنّ الله يعلم القلب التّقي، والدعاء الخفي، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جارُه، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر الناس به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض مِن عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -تعالى- يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] » (٢) ، الحواشي
(١) المسمى «مدارك التنزيل» (١/٥٩٩) .(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (رقم ١٤٠) ، وابن جرير في «التفسير» (١٢/٤٨٥ رقم ١٤٧٧٧ - ط. شاكر) ، وأبو الشيخ -كما في «الدر المنثور» (٣/٤٧٦) -، ورجاله ثقات.
وأخرجه مختصراً مقتصراً على بعض ما فيه بأسانيد وقطع متغايرات: وكيع في «الزهد» (٣٧٢، ٣٧٣) ، وأحمد في «الزهد»(٢٦٢) ، وأبو محمد الضراب في «ذم الرياء» (رقم ٨٤، ٩٣، ١٦٧) ، وابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (رقم ١٦٦) .стр. 33
وقد أثنى اللهُ على زكريا، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [مريم: ٢] ، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ا. هـ نقلاً عن «تفسير ابن كثير» (١) و «الكشاف» (٢) و «روح المعاني» (٣) .
قال الإمام النووي (٤) في شرح الحديث نفسه: «معنى «أربْعوا على أنفسكم» : ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبُعد مَنْ يخاطبُه، ليسمَعَه، وأنتم تدعون الله -تعالى- وليس هو بأصمّ ولا غائب، بل هو سميع قريب، وهو معكم بالعلم والإحاطة، ففيه النَّدبُ إلى خفض الصوت بالذكر، إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى رفعه، فإذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإنْ دعتْ الحاجة إلى الرَّفع رفع كما جاءت به أحاديث» . الحواشي
(١) المسمى «تفسير القرآن العظيم» (٢/١١١) .(٢) (٢/١١١) . وانظر ما كتبناه عنه في مجلتنا «الأصالة» ، وتعليقنا على «الثقافة الإسلامية» لشيخ شيوخنا العلامة محمد راغب الطباخ ﵀.(٣) (٩/١٥٤-١٥٥) .(٤) في شرحه «المنهاج على صحيح مسلم بن الحجاج» (١٧/٤١-٤٣ - ط. قرطبة) .стр. 34
من هذا يفهم: أنّ الحديث وارد في النهي عن أصل الجهر، وما ذهب إليه شيخ الإسلام (١) ومنلا علي القاري من التوفيق بين الحديثين دفعاً للمعارضة -إن صح-، فلا يرجح على ما ذهب إليه الإمام النووي؛ لأنّ ما ورد فيه إباحة الجهر أو الأمر بالجهر فيه، كالتلبية في الحج، والتكبير في العيدين، هو خاص بمورد النَّص، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ، أنّ النبي ﷺ قال: «أمرني جبريل برفع الصوت بالإهلال، وقال: إنه من شعائر (٢) الحج» (٣) .
وقوله: على أنه لو سلمت إرادة أصل الجهر، فإنه يحتمل ... إلخ. الحواشي
(١) يريد: الشيخ زكريا الأنصاري ﵀.(٢) كذا في المطبوع، ومطبوع «المسند» ، وفي ط. مؤسسة الرسالة منه (١٤/٦٥) : «شِعَار» .(٣) أخرجه أحمد (٢/٣٢٥) ، وابن خزيمة(٢٦٣٠) ، والحاكم (١/٤٥٠) ، والبيهقي (٥/٤٢) من طريق أسامة بن زيد: حدثني عبد الله بن أبي لبيد، عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطب، قال: سمعت أبا هريرة رفعه.
والمتن صحيح، ولكنه من حديث السائب بن خلاد، كما تقدم تخريجه قريباً، وروي عن زيد بن خالد، ولم يصح، قال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٥/٦٠٢ رقم ١٩٩٧٣) في (مسند أبي هريرة) على إثر هذا الطريق: «رواه سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، وقد مضى [٥/١٥ رقم ٤٨٨٠] ، وهو الصواب» ، والخطأ فيه من أسامة بن زيد، فخالفه سفيان الثوري وشعبة، فروياه عن ابن أبي لبيد، به، وجعلاه من مسند (زيد بن خالد) ، وسبق أن مالكاً وابن عيينة ومعمراً جوّدوه، وجعلوه من مسند (السائب) ، والله الموفق والهادي.стр. 35
نقول: إن اليقين لا يرفع بالاحتمال، كما هو مقرر عند علماء الأُصول (١) .
وقوله: روي إنه كان في غزاة ... إلخ. الحواشي
(١) انظر في تقرير قاعدة (إن اليقين لا يرفع بالاحتمال) وأهميتها واستخدامها في: «قواعد الحصني» (القسم الأول/ص ١٦٥) ، «الأشباه والنظائر» (ص ٥٦) ، «الحاوي» للماوردي (١/٢٠٧) ، «شرح الكوكب المنير» (٤/٤٣٩) ، «المنثور» (٢/٢٨٤، ٢٨٥) ، = = «البحر المحيط» (١/٨١) كلاهما للزركشي، «المجموع» للنووي (١/١٦٨) ، «فتح القدير» (١/٣٦) ، «الإقناع» (١/١٣٢) ، «أصول الكرخي»(١٦١) ، «تأسيس النظر» (ص ١٧) ، «القواعد والضوابط المستخلصة من شرح الجامع الكبير» (ص ٤٨٢) ، «موسوعة القواعد الفقهية» (٢/٢٩٣) .
(فائدة) : ذكر السيوطي في «الأشباه» (ص ٥٦) أن هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، وأن ما خرّج عليها من المسائل الفقهية يبلغ ثلاثة أرباع الفقه، أو أكثر، ونقل عن القاضي حسين (من أئمة الشافعية) ان الفقه قد بني على أربعة أمور، منها هذه القاعدة.стр. 36
نقول: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وغيرهم، في سبب نزول قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية، أن أعرابيّاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه، فأنزل الله الآية (١) . الحواشي
(١) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (٣/٤٨٠ رقم ٢٩٠٤ - ط. شاكر) ، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/٣١٤ رقم ١٦٦٧) ، والدارقطني في «المؤتلف» (٣/١٤٣٥) ، وأبو سعيد النقاش في «فوائد العراقيين» (رقم ١٧) ، وابن أبي خيثمة في «جزء من روى عن أبيه عن جده» -كما في «لسان الميزان» (٣/١٩٥) ، و «من روى عن أبيه عن جده» لابن قطلوبغا (ص ٢٨٨) -، وابن مردويه -كما في «اللباب» (ص ٣٣) ، و «الدر المنثور» (١/٤٦٩) ، و «الفتح السماوي» (١/٢٢٤) -، والخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/٤٦٢، ٤٦٣) ، وأبو الشيخ -كما في «العجاب» (١/٤٣٣) ، و «تفسير ابن كثير» (١/٢١٨) ، و «الدر المنثور» (١/٤٦٩) -، ثم وجدته في «العظمة» له (٢/٥٣٦ رقم ١٨٨) من طريق الصُّلْب بن حُكَيم، عن أبيه، عن جده أن أعرابياً ... به. ونقله السيوطي هكذا: «الصلت بن حكيم، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن جده» .
قال الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على تفسير ابن جرير» (٣/٤٨١) : «أخطأ فيه» ، قال: «وقد تكون زيادة عن رجل من الأنصار، خطأ من الناسخين، لا من السيوطي» !!
قال أبو عبيدة: ليس كذلك، فهو عند الدارقطني من طريق المحاملي، والخطيب (١/٤٦٣) من طريق أبي بكر بن أبي داود، كلاهما قال: ثنا يوسف -وهو: ابن موسى= =القطان-، حدثنا جرير، عن عَبدة السِّجستاني، عن الصُّلب بن حُكيم، قال القاضي: كذا قال: «عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن جده» .
فهذا الخطأ من شاكر ﵀ وتابعه عليه محقق «الفتح السماوي» (١/٢٤٤-٢٢٥) ، ونبّه ابن ماكولا في «الإكمال» (٥/١٩٦) على أن ذلك رواية فيه، ولهذا السبب قال ابن ناصر الدين في «التوضيح» (٢/٢٣٣) عن هذا الإسناد: «فيه اضطراب» !
وخطّأ شاكر -أيضاً- ابن كثير، قال: «وقد وهم الحافظ ابن كثير، حين ذكره (١/٩٤) وجعله من حديث (معاوية بن حيدة القشيري) ، وكذا خطأ بقوة من جعل راويه (صلت بن حكيم) ! ورجّح أنه (صلب) ، وأنه وأبوه وجده مجاهيل، ولذا قال: «وهذا الحديث ضعيف جداً، منهار الإسناد بكل حال» » .
قلت: صرح ابن حجر في «العجاب» (١/٤٣٣) أن صلب -كذا ضبطه- هو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، قال: «وهو أخو بهز بن حكيم» ! وكذا صنع ابن كثير في «تفسيره» كما تقدم.
ولم أره في كتب الرواية منسوباً (ابن معاوية بن حيدة) ! وإن جعله منسوباً هكذا ابن حجر في «لسان الميزان» (٣/١٩٥) -أيضاً-، وبالتأمل في كلامه، نجده يعتمد في ذلك على ابن أبي خيثمة! وأن لـ (الصلت) -بالتاء المثناة، هكذا- ترجمه الذهبي في «الميزان» ! وهي ليست في مطبوعه، وفيه: «أخرجه العلائي في كتاب «الوشي» عن إبراهيم بن محمد» ، وقال: «لم أر للصلت -كذا- ذكراً في كتب الرجال» ، ثم عقب ابن حجر على ذلك بقوله: «قلت: ذكره الدارقطني في «المؤتلف» وحكى الاختلاف: هل آخره بالموحدة، أو بالمثناة» .
قال أبو عبيدة: لي هنا ملاحظات:
الأولى: ما نقله ابن حجر عن الدارقطني! ليس موجوداً عنده، بل فرق بين (الصلت) و (الصُّلب) . انظر: «المؤتلف» له (٣/١٤٣٥-١٤٣٦) .
الثانية: فرق جمع بين (الصُّلْب) و (الصَّلْت) ؛ منهم: الخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/٩٤، ٤٦٢) ، وقال عن (الصلب) هذا: «وليس له غير حديث واحد» ، قال: «وقيل: إنه أخ لبهز بن حكيم بن معاوية القُشيري، ولا يصح ذلك» .
الثالثة: ذكر ابن قطلوبغا في كتابه «من روى عن أبيه عن جده» (ص ٢٨٩) نَقْلَ ابن حجر عن الدارقطني السابق، وقال: «قال العلائي: إن جده لم يسم، وتبعه على ذلك العلامة -يريد: ابن حجر-» ، وتعقبهما بقوله: «وهذا عجب عظيم منهما، فإن جده هو معاوية بن= =حيدة، كما وقع ذلك في «تفسير محمد بن جرير الطبري» ، و «تفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم» ، وكتاب «المؤتلف والمختلف» للحافظ أبي الحسن الدارقطني، فتجرد لنا بذلك أن (الصلت) أخو (بهز) ، وحكيم أبوه ... فلله الحمد والمنة» .
قال أبو عبيدة: عجبي لا ينتهي من عجب ابن قطلوبغا، فإن (الصلب) لم يقع منسوباً في الكتب التي أحال إليها، وإنما قال ذلك تقليداً لغيره، وإلا فالدارقطني -مثلاً- فرق بين (الصلت) و (الصُّلْب) .
الرابعة: فرق بين (الصُّلب) -وهو بضم وموحدة- ابن (حُكَيم) -بالضم- و (الصَّلْت) -وهو بفتح ومثناة فوق آخره- ابن (حَكيم) -بالفتح- أيضاً: ابن ماكولا في «الإكمال» (٥/١٩٦) ، وقال: «وقيل: إن (الصلب) بن حكيم أخو بهز بن حَكيم، ولا يصح، ليس له غير حديث واحد» ، وكذلك فعل عبد الغني بن سعيد الأزدي في «المؤتلف والمختلف» (ص ٧٩) ، والذهبي في «المشتبه» (ص ٣١٦) ، وابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» (٣/٢٨٠ و٥/٤٣٦) ، واعتنى بضبط اسميهما، كما أومأنا إليه، والله الموفق.
الخامسة: ثم وجدتُ ابن حجر نفسه في «تبصير المنتبه» (٣/٨٣٩) يفرق بينهما، وينقل مقولة ابن ماكولا السابقة: «ولا يصح» ، ويقره، وهذا هو الصواب الذي لا مرية فيه.
فالحديث إسناده مظلم، وصلب وأبوه وجده مجاهيل، وألان ابن حجر في «العجاب» (١/٤٣٤) الكلام عليه، لما قال: «وفي سنده ضعيف» !стр. 37
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن، قال: سأل أصحاب النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ : أين ربُّنا؟ فنزلت (١) .
ويروى في نزولها: أن النبي ﷺ سمع المسلمين يدعون الله -تعالى- في غزوة خيبر، فقال لهم: «أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً» (٢) . الحواشي
(١) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (٣/٤٨١ رقم ٢٩٠٥) عن عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن، به، ولم أجده في «تفسير عبد الرزاق» المنشور بطبعتَيْه، وقال الشيخ أحمد شاكر: «الإسناد صحيح إلى الحسن، ولكن الحديث ضعيف؛ لأنه مرسل، لم يسنده الحسن عن أحد من الصحابة» . وقال السيوطي في «اللباب» (ص ٣٣) : «مرسل، وله طرق أخرى» .
وانظر: «العجاب» (١/٤٣٣) .(٢) حديث «أربعوا على أنفسكم ... » متفق عليه، ومضى تخريجه، وأما سبب النزول المذكور فغير محفوظ، ولم يعرج عليه ابن حجر في كتابه الذي له من اسمه أكبر نصيب: «العجاب في بيان الأسباب» (١/٤٣٣-٤٣٥) .стр. 38
قال بعض المحققين: «وعلى كل حال، تفيدنا الآية حكماً شرعياً، وهو أنه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية، وهو أن يسمع مَن بالقرب منه، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في الصياح في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان أقرب منه إلى عبادة الرحمن» (١) ا. هـ. الحواشي
(١) ألّف غير واحد من العلماء في الجهر بالذكر، ووقفت قبل نحو عشرين سنة على مصنف فيه حافل بالأردية، أكثر فيه النقولات ودفع الاعتراضات، ولم أدر أين هو الآن؟! وللكنوي «سباحة الفكر في الجهر بالذكر» ، وللسيوطي قبله «نتيجة الفكر بالجهر بالذكر» مطبوع ضمن «الحاوي» (٢/٣١) وفي مكتبة البلدية في الإسكندرية ضمن مجموع (٥٢٢٧/ج ١٣) : «تحريم الذكر جهراً» لمحمد بن مراد الأرمنكي (ت القرن العاشر) ، وفي مكتبة إسحاق الحسيني في القدس (م٣٩/٢٣) : «الجهر بالذكر وما يتعلّق به» ، وفي خزانة القرويين بفاس [١٥٣٠] : «جواز الذكر بالجهر» لأحمد بن يوسف الفاسي (ت ١٠٢٨هـ) ، وفي الخزانة العامة بالرباط [٣٤٣٣ (١٨٥٤/د) ] : «جواب في الاحتجاج للاجتماع للذكر» لعبد السلام بناني.стр. 39
ثم قال: وإلا فأحاديث الرفع كثيرة، وأما حديث: «خير الذكر الخفي» (١) ، الحواشي
(١) أخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ١١٨، ٣٣٩) ، وأحمد في «المسند» (١/١٧٢، ١٨٠، ١٨٧) و «الزهد»(١٠) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/٣٧٥ و١٣/٢٤٠) و «المسند» (ق٦٥/أ) ، والحربي في «غريب الحديث» (٢/٨٤٥) ، وعبد بن حميد في «المنتخب» (رقم ١٣٧) ، وأبو يعلى في «المسند» (٢/٨١-٨٢ رقم ٧٣١) ، والدورقي في «مسند سعد» (رقم ٧٤) ، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (٥/٢٦٧، ٢٦٨ رقم ٥٠٣٨، ٥٠٣٩) -، والشاشي في «مسنده»(١٨٣) ، وابن حبان في «صحيحه» (٨٠٩ - الإحسان) ، = =وابن السني في «القناعة» (ص ٢٦) ، والطبراني في «الدعاء» (رقم ٨٨٣، ١٨٨٣) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٢١٩، ١٢٢٠) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/٢٢) ، والبيهقي في «الشعب» (٥٥٢، ٥٥٣، ٥٥٤) من طريق أسامة بن زيد، عن محمد ابن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن سعد بن مالك رفعه، وجعل بعضهم بين (أسامة) و (محمد) : (محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان) .
قال الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على المسند» (٣/٤٤ رقم ١٤٧٨) : «الظاهر أن أسامة سمعه منهما، فتارة يذكره بالواسطة، وتارة يذكره بحذفها» .
وإسناده ضعيف، محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة ضعيف، وهو لم يدرك سعداً.
انظر: «المراسيل»(١٨٤) لابن أبي حاتم، «جامع التحصيل»(٢٦٦) ، «التهذيب» (٩/٣٠١) .
قال الناجي في «عجالة الإملاء المتيسرة» (٤/٦٤٨-٦٤٩) : «وفي إسناده أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، وهو ضعيف كثير الإرسال» .
وقال النووي في «فتاويه»(٢٩٠) : «ليس بثابت» ، ونقله عنه الزركشي في «التذكرة»(٢٠٢) ، وعنه العجلوني في «كشف الخفاء» (١/٤٧١) .
وعزاه ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/٢٠٧ - ط. الأعظمي) إلى إسحاق بن راهويه في «مسنده» ، وزاد البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/٣٢٤ رقم ٨١٤٣) عزوه ... -أيضاً- لمسدد، وزاد السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٢٠٦) عزوه للعسكري في «الأمثال» .
وانظر: «مجمع الزوائد» (١/٨١) ، «تخريج العراقي لأحاديث الإحياء» (١/٢٧٩) ، «إتحاف السادة المتقين» (٤/٤٩٣) ، «الترغيب والترهيب» (٢/٥٣٧، ٤/١٦٠) ، «كشف الخفاء» (١/٤٧١) ، «الدرر المنتثرة»(٧٩) ، «ضعيف الترغيب والترهيب» (رقم ١٠٦٠، ١٨٧٣) .
(تنبيه) : للحديث تتمة، هي «وخير الرزق ما يكفي» ، وهي صحيحة بشواهدها كما في «السلسلة الصحيحة»(١٨٣٤) ، والحكم في «ضعيف الترغيب» و «ضعيف الجامع» (رقم ٢٨٨٧) بالضعف عليها غير دقيق! فتنبه! وفي «صحيح الجامع»(٣٢٧٥) : «خير الرزق الكفاف» .стр. 40
فمحمول على حال خشية الرياء أو تأذّي الغير به؛ توفيقاً بين أحاديث الباب.
نقول: كنا نتمنى أن يذكر من أحاديث الرفع العامة ولو حديثاً واحداً، حتى نحمل حديث «خير الذكر الخفي» (١) على حال خشية الرياء أو تأذِّي الغير (٢) . الحواشي
(١) مضى تخريجه.(٢) قال أبو عبيدة: في سبب إيراد سعد للحديث يدلُّ عليه، فورد عند أبي عوانة والدورقي وابن السني وغيرهم: عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، قال: خرج عمرُ بن سعد إلى سعد، فقال -وهو بالعقيق-: إنك اليوم بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد شهدتَ بدراً ولم يبق فيهم أحدٌ غيرك، وإنَّما هو معاوية، فلو أنك أبديتَ للناس نفسكَ، ودعوتهم إلى الحق لم يتخلف عنك أحدٌ، فقال سعد: أقعد، حتى إذا لم يبق مِنْ عُمُري إلا ظمأ الدابة اضرب الناس بعضهم ببعض، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: خَيْرُ الرِّزقِ ما يكفي، وخُيرُ الذِّكر ما خَفِيَ.
قال أبو إسحاق الحربي في «غريب الحديث» (٢/٨٤٥-٤٥٦) : «ذهب قوم إلى أنّ الذكر الدعاء، وقالوا: خيره ما أخفاه الرجل، والذي عندي أنه الشهرة، وانتشار خير الرجل، فقال: خيره ما كان خفياً ليس بظاهر؛ لأنَّ سعداً أجاب ابنه على نحو ما أراده عليه، ودعاه إليه من الظهور وطلب الخلافة، فحدَّثه بما سمع» ا. هـ. وانظر شرح الحديث -أيضاً- في «المقاصد الحسنة» للسخاوي (ص ٢٠٧) .
وأما قوله: «إلا ظمأ الدابة» ، فقد قال ابن منظور في «لسان العرب» (١/١١٦) : «يقال: ما بقي من عمره إلا قدر ظمء الحمار؛ أي: لم يبق من عمره إلا اليسير؛ لأنه يقال: أنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمأ من الحمار، وهو أقل الدواب صبراً على العطش» ا. هـ.
(تنبيه) : قد يقال هذه الرواية، قد وصلها (عمر بن سعد) ، ولكن رواية ابن أبي لبيبة أصح، قاله أبو زرعة، كما في «العلل» (٢/١٤٣) لابن أبي حاتم.
(فائدة) : أخرج ابن المبارك في «الزهد» بسندٍ ضعيف، فيه أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، قال: قال رسول الله ﷺ : «اذكروا الله ذكراً خاملاً، فقيل: وما الذكر الخامل؟ قال: الذكر الخامد» . وهو مرسل، ولو صحّ لشوّش على التفسير السابق، ولكان فيه ما يؤيد ما قرره الشارحان، والله الموفق.следующие страницы →