← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10277

ففروا إلى الله - القلموني

أبو ذر القلموني

Полный текст (344 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[ففروا إلى الله]ـ المؤلف: أبو ذر القلموني، عبد المنعم بن حسين بن حنفي بن حسن بن الشاهد الناشر: مكتبة الصفا، القاهرة الطبعة: الخامسة، ١٤٢٤ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] (تنبيه): النص الإلكتروني هو للطبعة الرابعة

стр. 2

ففروا إلى اللَّه تأليف أبي ذر القلموني ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] هذا الكتاب: من أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وليتق اللَّه فيه فضلاً: اقرأ الكتاب بالترتيب محققة ثانيةً - منقحة ثانيةً - مزيدة ثانيةً الطبعة الأصلية الرابعة بعد الزيادات ذات التنقيحات

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • التوبة - ثمرة الاستغفار النافع تصحيح التوبة - كتابة الحسنات والسيئات. • توبة المرأة (الحجاب). • الدنيا - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. (الموت. • الصلاة - حكم قضاء الصلاة الفائتة. • الذكر - منزلة الذكر وأقسامه. • الدعاء - أدعية الكرب - ختامه مسك. • حكم الإسلام في الغناء. • داء العشق ودواؤه. • آداب وأحكام من سورة النور - الحمو الموت - آداب الهاتف من آداب دخول البيوت. • حكم تغطية وجه المرأة، خصوصًا الشابة - أحكام العورة بين المحارم. • حكم عمل المرأة خارج البيت. • كيفية تعليم المرأة. • علاج الصرع وعلاج السحر وفك الربط وعلاج الحسد. • الدين النصيحة. هذا الكتاب من أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وليتق اللَّه فيه * * *

стр. 4

﴿لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]

стр. 5

رجاء أرجو اللَّه الالتزام بنهج كتبى كلها، والدقة عند طباعتها. فقد أضاف البعض إلى عنوان الكتاب «ففروا إلى اللَّه» أضاف ﴿إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌّ﴾ [الذاريات: ٥٠]. وأضاف البعض الآخر إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]، أضاف جملة أخرى ليست من كتاب اللَّه ولا من سنة رسوله ﷺ . ونقل البعض الهدف من الكتاب، ووضعه في أول صفحة وأدخل عبارة (من أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وليتق اللَّه فيه) أدخلها داخل الكتاب في الهامش. وكتب البعض على الكتاب: (حقوق الطبع محفوظة)، والكتاب مكتوب عليه العبارة السابقة (من أراد أن يطبعه ... ). وقام البعض بجمعه مرة أخرى - جزاه اللَّه خيرًا - ولكن مع وقوع أخطاء كثيرة. وجزى اللَّه خيرًا كل تاجر يسر على الناس وصول الكتب الشرعية إليهم ورفق بهم. بشرى لكل ناسخ وناشر قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا: «إذا ماتَ الإِنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثلاث؛ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صالحٍ يَدْعُو لهُ» [رواه مسلم] قال المنذري: وناسخ العلم النافع: له أجره وأجر من قرأه أو كتبه أو عمل به ما بقي خطه، وناسخ ما فيه إثم: عليه وزره ووزر ما عمل به ما بقي خطه. * * *

стр. 6

المقدمة إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامُنَواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا - يُصْلِحَ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ... ربنا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَا أَنزلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]، ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ - رَّبَّنَا إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٢ - ١٩٤]، ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٥، ٨٦]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾

стр. 7

[إبراهيم: ٤١]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٤، ٥]، ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]. يا رب: أدعوك وأنا العبد الذليل، وأنت الرب العزيز، يا رب: أسألك من فضلك ورحمتك لي ولكل المسلمين، فإنه لا يملكها إلا أنت. اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيرًا لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيرًا لنا، اللهم ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بالقضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا وارزقنا. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك من الخير ما سألك منه عبدك ونبيك، ونعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيرًا. آمين، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد للَّه رب العالمين. قال اللَّه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 8

جاء في «مختصر تفسير ابن كثير» ﵀ ما مختصره: أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد اللَّه ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفهمون تسبيحهم؛ لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما في «صحيح البخاري» عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات، فسُمِعَ لهن تسبيحٌ كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (١). وقال الإمام أحمد عن أنس ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: «اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق (٢)، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا للَّه منه». قال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه. وقال آخرون: إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر (٣). انتهى. * * *

стр. 9

آثار ترك الذنوب والمعاصي قال ابن القيم ﵀: سبحان اللَّه رب العالمين! لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة (١)، وصون العرض، وحفظ الجاه، وصيانة المال - الذي جعله اللَّه قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة - ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم له وحميتهم له إذا أوذي أو ظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين اللَّه، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن منه، وتنافس الناس على خدمته، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه، ولقائه له ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة، ووجدان حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكرام الكاتبين له، ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة اللَّه له، وإقباله عليه وفرحه بتوبته. فهذا بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا، فإذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش، فإذا انصرفوا بين يدي اللَّه أُخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم (٢). انتهى.

стр. 10

فسبحانك يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك! سبحانك أنت الأحد الصمد الذي لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد. قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (١) [الذاريات: ٤٩: ٥٠]. قال ابن كثير ﵀: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: الجئوا إليه واعتمدوا عليه في أموركم ﴿إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ - وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تشركوا به شيئًا ﴿إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. تنبيهات: ١ - نظرًا لتداخل الهوامش رمزت للعبد الذليل لربه (أبي ذر القلموني) بكلمة (قل)، وهي تعني عند وضعها في نهاية الهامش أن ما في هذا الهامش من كلامي، سواء كان تعليقًا على ما هو مكتوب في الأصل أو كان الكلام لي ابتداء، وإتمامًا للفائدة رمزت لكتاب ترتيب

стр. 11

أحاديث صحيح الجامع الصغير وزيادته على الأبواب الفقهية بـ (ب - ف) .. ٢ - وضع هاتين العلامتين [] في وسط الشرح: تعني إيضاحًا مني لما هو مكتوب في الأصل. ٣ - كلمة أولاً أو ثانيًا ... إلخ: تعني في غالب الأحوال ابتداء نقطة جديدة. ٤ - كلمة انتهى: تعني أن الكلام قد انتهى من الكتاب المشار إليه، وبعدها أبدأ في التعليق على هذا الكلام أو في الانتقال إلى نقطة أخرى. ٥ - كلمة مختصر: تعني أنني قمت بالاختصار لهذا الموضوع، وذلك في كل المواضيع التي أذكر فيها مختصر، إلا كتابيْ «مختصر تفسير ابن كثير» و «مختصر منهاج القاصدين» فكنت إذا أردت اختصار أحدهما كتبت جاء في مختصر .. ما مختصره. الهدف من وراء هذا الكتاب: أن يتقبله اللَّه صدقة جارية لكل مسلم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وأن يهديني اللَّه به والحيارى من المسلمين إلى الطريق المستقيم، وأن يتم اللَّه به إيمان المسلمات التائهات، اللاتي يكمن الإيمان في قلوبهن كما يكمن نور الشمس حين يولي النهار، ولكنهن معذورات لا يعرفن الطريق. موضوعات الكتاب: ١ - التوبة - ثمرة الاستغفار النافع تصحيح التوبة - كتابة الحسنات والسيئات. ٢ - توبة المرأة (الحجاب). ٣ - الدنيا - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ٤ - الموت. ٥ - الصلاة - حكم قضاء الصلاة الفائتة. ٦ - الذكر - منزلة الذكر وأقسامه. ٧ - الدعاء - أدعية الكرب - ختامه مسك. ٨ - حكم الإسلام في الغناء. ٩ - داء العشق ودواؤه. ١٠ - آداب وأحكام من سورة النور - الحمو الموت - آداب الهاتف من آداب دخول البيوت. ١١ - حكم تغطية وجه المرأة، خصوصًا الشابة - أحكام العورة بين المحارم. ١٢ - حكم عمل المرأة خارج البيت. ١٣ - كيفية تعليم المرأة.

стр. 12

١٤ - علاج الصرع وعلاج السحر وفك الربط وعلاج الحسد. ١٥ - الدين النصيحة. وفي النهاية أقول: إن الكمال للَّه وحده، ويأبى اللَّه إلا أن يتم نوره، وإنه لو كانت الذنوب تعمي البصر ما استطعت أن تنظر في كلامي، وإنني لا أطمع إلا في رحمته سبحانه، التي لا يملكها إلا هو، وإني أطلب منك الدعاء بظهر الغيب، خصوصًا أن: يجعلني اللَّه وإياك وسائر المسلمين من عتقائه من النار، ويا حظ من زحزح عن النار وأدخل الجنة: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ففروا إلى اللَّه ... ففروا إلى اللَّه ... ففروا إلى اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته (١).

стр. 13

الباب الأول: التوبة قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ - أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ - بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٢ - ٥٩]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسيره العظيم: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن اللَّه ﵎ يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١) ... فهذه الأحاديث كلها: دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن عبد من رحمة اللَّه، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال : ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال جل وعلا في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا - إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]، وقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]. قال الحسن البصري ﵀: انظروا إلى هذا الكرم والجود: قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة! والآيات في هذا كثيرة جدًّا، وفي «الصحيحين» عن أبي

стр. 14

سعيد الخدري ﵁ أن نبي ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالِم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، مَن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون اللَّه فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى اللَّه تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة». وفي رواية: «فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها». وفي رواية: «فأوحى اللَّه إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له». وفي رواية: قال قتادة: قال الحسن: «ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى بصدره نحوها». وقال ابن عباس في قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: قد دعا اللَّه تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو اللَّه، ومن زعم أن المسيح هو ابن اللَّه، ومن زعم أن عزيرًا ابن اللَّه، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول اللَّه تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]. ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء؛ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. قال ابن عباس ﵄: من آيس عباد اللَّه من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب اللَّه ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب اللَّه عليه. وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: إن أعظم آية في كتاب اللَّه: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وإن أكثر آية في القرآن فرحًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، وإن أشد آية في كتاب اللَّه تفويضًا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ (١) [الطلاق: ٢، ٣]،

стр. 15

ومرَّ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ على قاص وهو يذكر الناس، فقال: يا مذكر، لِمَ تقنط الناس من رحمة اللَّه؟ ثم قرأ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١). ذكر أحاديث فيها نفي القنوط: عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم اللَّه تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء اللَّه بقوم يخطئون ثم يستغفرون اللَّه فيغفر لهم» (٢). عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق اللَّه قومًا يذنبون فيغفر لهم» (٣). وقال رسول اللَّه ﷺ : «لو لم تذنبوا لجاء اللَّه تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» (٤)، ثم استحث ﵎ عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلخ، أي: ارجعوا إلى اللَّه واستسلموا له، ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ وهو القرآن العظيم، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون، ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود

стр. 16

لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين للَّه ، وقوله ﵎: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل. قال ابن عباس: أخبر اللَّه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأخبر اللَّه أن لو ردوا لما قدروا على الهدى، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وفي الحديث: «كل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن اللَّه هداني فتكون عليه حسرة، قال: وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن هداني قال: فيكون له الشكر» (١). ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات اللَّه واتباع رسله، قال اللَّه : ﴿بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها (٢). انتهى. فائدة: قال رسول اللَّه ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». حسن، رواه ابن ماجه. انظر «صحيح الجامع». جاء في «مختصر منهاج القاصدين»: (فأما من ارتكب كبيرة، أو أهمل أركان الإسلام، فإنه إن تاب توبة نصوحًا قبل قرب الأجل، التحق بمن لم يرتكب؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والثوب المغسول كالذي لم يتسخ أصلاً).

стр. 17

أولاً: شروط التوبة: جاء في «مختصر منهاج القاصدين»: «واعلم أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزمًا وقصدًا، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلاً بين الإنسان وبين محبوبه. والندم: هو توجع القلب عند شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن والبكاء، فإن من استشعر عقوبة نازلة بولده أو من يعزُّ عليه، طال بكاؤه، واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه؟ وأي عقوبة أشد من النار؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي؟ وأي مخبر أصدق من رسول اللَّه؟ ولو أخبره طبيب أن ولده لا يبرأ من مرضه لاشتد في الحال حزنه، وليس ولده بأعز من نفسه، ولا الطبيب أعلم من اللَّه ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرض أدل على الموت من المعاصي على سخط اللَّه، والتعرض بها للنار» (١). انتهى. قال النووي ﵀: «قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين اللَّه تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإذا كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه ... » (٢). انتهى. فائدة: قال رسول اللَّه ﷺ : «الندم توبة». صحيح. رواه أحمد وغيره. انظر «صحيح الجامع». جاء في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني رحمه اللَّه تعالى (ج ١١ ص١٠٧): (المعنى: الحض عليه [أي الندم]، وأنه الركن الأعظم في التوبة لا أنه التوبة نفسها). اهـ. قال المناوي رحمه اللَّه تعالى: (وهذا من قبيل: الحج عرفة، وإنما كان أعظم أركانها؛ لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح).

стр. 18

من آيات القرآن الكريم الدالة على التوبة: (قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (وقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا - بتوفيقك - في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو اللَّه عنه بينه وبينه، وأن يستره عن عباده، فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره). (قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد (١). عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن رجلاً أذنب ذنبًا فقال: رب إني أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال اللَّه : عبدي عمل ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به (٢) قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﵎: عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال : عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال اللَّه : عَلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» (٣).

стр. 19

وعن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول اللَّه- ﷺ حديثًا نفعني اللَّه بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته؛ وإن أبا بكر ﵁ حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللَّه ، إلا غفر له» (١). ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلاَّ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». عن أنس ﵁ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ بكى. وروى الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: يا رب، وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا عن ذنوبهم ورجعوا إلى اللَّه عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تَاب اللَّه عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ونظائر هذا كثيرة جدًّا. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات، ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة. (قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (يخبر تعالى عن كرمه وجوده، أن كل من تاب إليه تَاب عليه من أي ذنب كان،

стр. 20

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. قال ابن عباس: أخبر اللَّه عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال (١). وقال ابن جرير: قال عبد اللَّه: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئًا قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى اللَّه بني إسرائيل خيرًا، فقال عبد اللَّه ﵁: ما آتاكم اللَّه خيرًا مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا). قال اللَّه تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا - وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧٠، ٧١]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا﴾ أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إلاَّ مَن تَابَ﴾ أي: في الدنيا إلى اللَّه من جميع ذلك، فإن اللَّه يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ الآية، فإن هذه وإن كانت مدنية، إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب. وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. في معنى قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان: أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال ابن عباس: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب اللَّه بهم عن السيئات فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم اللَّه بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا. والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، كما ثبتت

стр. 21

السنة بذلك وصحت به الآثار المروية عن السلف ﵃. فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحُّوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا». قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه (١). وقال علي بن الحسين زين العابدين: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: في الآخرة. وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات. ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان جليلاً أو حقيرًا، كبيرًا أو صغيرًا، فقال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: فإن اللَّه يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: لمن تاب إليه). قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (يقول تعالى ممتنًا على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، أنه من كرمه وحلمه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر، كقوله : ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه- ﷺ : «للَّه تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة (٢)، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس (٣) منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها (٤)، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». وقوله : ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن

стр. 22

السيئات في الماضي، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه). قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨]. قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. قال عمر (التوبة النصوح): أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه. وقال أبو الأحوص: سُئل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدًا. وقال ابن مسعود: ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ قال: يتوب ثم لا يعود، ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه، وفي الحديث الصحيح: «الندم توبة» (١). وقال الحسن: «التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته». فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح: «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها». وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات - كما تقدم في الحديث وفي الأثر - ثم لا يعود فيه أبدًا، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم لعموم قوله ﵇: «التوبة تجب ما قبلها»؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر». فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، وعسى من اللَّه موجبة. * * *

стр. 23

ثمرة الاستغفار النافع تصحيح التوبة عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه- ﷺ يقول: «قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» (١). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. جاء في «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى بتحقيق الأرنؤوط وباجس أثابهما اللَّه تعالى ما مختصره: فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها: الدعاء مع الرجاء، فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبي- ﷺ : «حولها ندندن» (٣). يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها. فمن أعظم أسباب المغفرة: أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره، وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذر: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي». الحديث. اهـ. * * *

стр. 24

يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم إتمامًا للفائدة إليك نص الحديث مع شرح يسير لبعض فقرات الحديث: عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». رواه مسلم. قال ابن رجب رحمه اللَّه تعالى (١): وأما الاستغفار من الذنوب، فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه؛ لأنه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما، والحث عليهما، وخرَّج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي ﷺ ، قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٢).

стр. 25

وخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي- ﷺ قال: «واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». وخرجه النسائي وابن ماجه، ولفظهما: «إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه كل يوم مائة مرة». قال اللَّه : ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. المعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينه فنام، فاستيقظ وهي قائمة عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث: «من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، ثم استغفرني، غفرت له ولا أبالي» (١). وفي الصحيح عن النبي- ﷺ ، قال: «واللَّه للَّه أرحم بعباده من الوالدة بولدها» (٢). وتفكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتب عليهم على ظنهم أن لا ملجأ من اللَّه إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من مخلوق، هرب منه، وفر إلى غيره، وأما من خاف من اللَّه، فما له من ملجأ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه إلا

стр. 26

هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك» (١)، وكان يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك» (٢). قال الفضيل بن عياض ﵀: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل ﷻ : من أعظم مني جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيئ، من ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحيته؟ أنا الفضل، ومني الفضل، أنا الجواد، ومني الجود، أنا الكريم، ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ خرجه أبو نعيم (٣). ولبعضهم في المعنى: أسأت ولم أحسن وجئتك تائبًا ... وأنَّى لعبدٍ عن مواليه مهربُ يُؤمّل غفرانًا فإن خاب ظنُه ... فما أحدٌ منه على الأرض أخيبُ فقوله بعد هذا: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجهٍ كان. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول اللَّه : أيؤمل غيري للشدائد والشدائد

стр. 27

بيدي وأنا الحي القيوم؟ ويرجى غيري، ويطرق بابه بالبكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به؟ أو من الذي رجاني لعظيم، فقطعت رجاءه؟ أو من ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أبخيل أنا فيبخِّلنُي عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤملين أن يؤملوني؟ لو جمعت أهل السماوات والأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبلغت كل واحدٍ منهم أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، كيف ينقص ملك أنا قَيِّمهُ؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثب على محارمي). اهـ. ونعود إلى تكملة شرح الحديث السابق - من نفس الكتاب أيضًا - قال ابن رجب ﵀: وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي». يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره. وفي «الصحيح» عن النبي- ﷺ ، قال: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء» (١). فذنوب العباد وإن عظمت، فإن عفو اللَّه ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو اللَّه ومغفرته. وقال بعضهم (٢): يا رب إنْ عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا ... وجميلُ عفوك ثم أني مسلِمُ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها. والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارةً يؤمر به، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. وتارة يمدح أهله، كقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله:

стр. 28

﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وتارة يذكر أن اللَّه يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وكثيرًا ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبة، فيكون الاستغفارُ حينئذٍ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح. وتارة يفرد الاستغفار، ويُرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفارُ المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيدُ بما يذكر في آية «آل عمران» من عدم الإصرار؛ فإن اللَّه وعد فيها المغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يُصر على فعله، فتحملُ النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد (١)، ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي، طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء اللَّه أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلبٍ منكسرٍ بالذنب أو صادف ساعةً من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات. ويُروى عن لُقمان أنه قال لابنه: يا بنيَّ، عود لسانك: اللهمَّ اغفر لي، فإن للَّه ساعاتٍ لا يرد فيها سائلاً. وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وعن مورِّق قال: كان رجل يعملُ السيئات، فخرج إلى البرية، فجمع ترابًا، فاضطجع عليه مستلقيًا، فقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، فقال: إنَّ هذا ليعرفُ أنَّ له ربًا يغفرُ ويُعذب، فغفر له. وأما استغفارُ اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دُعاء مجرَّد إن شاء اللَّه أجابه، وإن شاء ردَّه. وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة. وفي «المسند» (٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو

стр. 29

مرفوعًا: «ويلٌ للذين يصرُّون على ما فعلوا وهم يعملون». قال الضحاك: ثلاثةٌ لا يستجاب لهم، فذكر منهم: رجل مقيم على امرأة زنى كلما قضى شهوته، قال: ربِّ اغفر لي ما أصبتُ من فلانة، فيقول الربُّ: تحول عنها وأغفر لك، فأما ما دمت مقيمًا عليها، فإنِّي لا أغفر لك، ورجلٌ عنده مالُ قوم يرى أهله، فيقول: ربِّ اغفر لي ما آكل من مال فلان، فيقول تعالى: ردَّ إليهم مالهم وأغفر لك، وأما ما لم تردَّ إليهم فلا أغفر لك. وقول القائل: أستغفر اللَّه، معناه: أطلبُ مغفرته، فهو كقوله: اللهمَّ اغفر لي، فالاستغفار التامُّ الموجبُ للمغفرة: هو ما قارن عدمَ الإصرار، كما مدح اللَّه أهله، ووعدهم المغفرة. قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره. وكان بعضُهم يقول: استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ كثير. وفي ذلك يقولُ بعضهم: أستغفرُ اللَّه مِنْ «أستغفرُ اللَّه» ... من لفظةٍ بدرت خالفتُ معناها وكيفَ أرجو إجاباتِ الدعاء وقد ... سَدَدتُّ بالذَّنب عند اللَّه مجراها فأفضل الاستغفار ما اقترن به تركُ الإصرار، وهو حينئذ توبةٌ نصوح، وإن قال بلسانه: أستغفر اللَّه وهو غيرُ مقلع بقلبه، فهو داعٍ للَّه بالمغفرة، كما يقول: اللهمَّ اغفر لي، وهو حسن وقد يُرجى له الإجابة. وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثَّناء على ربِّه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل اللَّه المغفرة كما في حديث شدَّاد بن أوس عن النبي- ﷺ ، قال: «سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبدُ: اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفرُ الذُّنوبَ إلا أنت». خرَّجه البخاري. وفي «الصحيحين» عن عبد اللَّه بن عمرو أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول اللَّه، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظُلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذنوب إلاَّ أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنَّك أنت الغفورُ الرحيم». وبالجملة فدواءُ الذنوبِ الاستغفارُ. قال قتادة: إن هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذُّنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. قال بعضهم: إنَّما مُعوَّلُ المذنبين البكاء والاستغفار، فمَن أهمته ذنوبه، أكثر لها من

стр. 30

الاستغفار. قال رياح القيسي: لي نيِّفٌ وأربعون ذنبًا، قد استغفرتُ اللَّه لكلِّ ذنب مائة ألف مرَّة. [نيف وأربعون أي من واحد إلى ثلاثة وأربعين]. وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاتُه لا تُجاوز ستًا وثلاثين زلةً، فاستغفر اللَّه لكل زلةٍ مائة ألف مرَّة، وصلَّى لكلِّ زلَّة ألف ركعة، ختم في كلِّ ركعة منها ختمة (١)، قال: ومع ذلك، فإنِّي غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها، وأنا على خطر من قبول التوبة. ومن زاد اهتمامُه بذنوبه، فربما تعلَّق بأذيالِ مَن قَلَّتْ ذنوبه، فالتمس منه الاستغفار، وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول: إنكم لم تُذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكُتاب: قولوا: اللهمَّ اغفر لأبي هُريرة، فيؤمن على دعائهم. قال بكرٌ المزني: لو كان رجلٌ يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، فكان نوله أن يفعل. ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاتت العدَّ والإحصاء، فليستغفر اللَّه مما علم اللَّه، فإن اللَّه قد علم كل شيءٍ وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي- ﷺ : «أسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» (٢). وفي هذا يقول بعضهم: أستغفرُ اللَّهَ مما يعلمُ اللَّهُ ... إن الشَّقيَّ لَمن لا يرحمُ اللَّهُ ما أحلمَ اللَّهَ عمن لا يراقبه ... كلٌّ مسيءٌ ولكن يحلمُ اللَّهُ فاسُتغفِر اللَّهَ مما كان من زَلل ... طوبى لمن كفَّ عما يكره اللَّهُ طوبى لمن حسنت فيه سريرتُه ... طوبى لمن ينتهي عما نهى اللَّهُ السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيدُ، وهو السببُ الأعظم، فمن فقده، فقد المغفرة، ومن جاء به، فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، فمن جاء مع التوحيد بُقرابِ الأرض - وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها - خطايا، لقيه اللَّه بُقرابها مغفرة، لكن هذا

стр. 31

مع مشيئة اللَّه ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، ولا يلقى فيها ما يَلْقَى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ، فإن كمُلَ توحيدُ العبد وإخلاصُه للَّه فيه، وقام بشروطه كلِّها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عندَ الموت، أوجبَ ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلِّها، ومنعه من دخول النَّار بالكلية. اهـ. من «جامع العلوم والحكم». من الأحاديث الدالة على التوبة: عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: «إن اللَّه يقبلُ توبة العبد ما لم يُغرغر». حديث حسن رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي في «شعب الإيمان». كذا في «صحيح الجامع». جاء في «تحفة الأحوذي» للمباركفوري رحمه اللَّه تعالى (ج٩ ص٤١٥): (قوله: «إن اللَّه يقبل توبة العبد» ظاهره الإطلاق وقيده بعض الحنفية بالكافر. قاله القاري. قُلْتُ: الظاهر المعول عليه هو الأول «ما لم يغرغر» من الغرغرة أي ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم، يعني: ما لم يتيقن بالموت، فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. (عن أبي هريرة أن رسول اللَّه- ﷺ قال: «خلق اللَّه مائة رحمة فوضع رحمة واحدة بين خلقه يتراحمون بها وعند اللَّه تسعةٌ وتسعون رحمة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال المباركفوري: وأخرجه أحمد والشيخان. جاء في «تحفة الأحوذي» (ج٩ ص ٤١٨، ٤١٩): (قوله: «خلق اللَّه» أي: يوم خلق السماوات والأرض، كما في حديث سلمان عند مسلم. قال القرطبي: يجوز أن يكون معنى خلق اخترع وأوجد، ويجوز أن يكون بمعنى قدر، وقد ورد خلق بمعنى قدر في لغة العرب، فيكون المعنى: أن اللَّه أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقديره السماوات والأرض «فوضع رحمة واحدة بين خلقه» أي: من جملة المائة، وفي رواية لمسلم: «إن للَّه مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن

стр. 32

والإنس والبهائم والهوام (١) فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وعند اللَّه تسعة وتسعون رحمة»، وفي رواية لمسلم: «وأخَّر اللَّه تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة». قال الطيبي: رحمة اللَّه تعالى لا نهاية لها، فلم يرد بما ذكره تحديدًا، بل تصويرًا للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة وقسط كافة المربوبين في الدنيا). اهـ. (وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه- ﷺ : «إن اللَّه تعالى يبسطُ يدهُ بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها». رواه أحمد ومسلم، كذا في «صحيح الجامع»، قوله: حتى تطلع الشمس من مغربها: هي: كبرى علامات الساعة، وذلك يوم الوقت المعلوم. كذا في (ب - ف). وعن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﵌: «إن للتوبة بابًا عرضُ ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يُغلقُ حتى تطلع الشمسُ من مغربها». حسن. رواه الطبراني عن صفوان بن عسال «الترغيب» (٤/ ٧٣). لفظ ابن ماجه وغيره: «عرضه سبعون سنة مفتوحًا». انظر «صحيح الجامع». قال رسول- ﷺ : «إنَّ رجلاً قال: واللَّهِ لا يغفرُ اللَّهُ لفلانٍ، قال اللَّه: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلانٍ؟ فإني قد غفرتُ لفلانٍ، وأحبطت عملكَ». صحيح. رواه مسلم عن جندب البجلي «الصحيحة» (١٦٨٥) هب - «مختصر مسلم» (١٧٨٨). كذا في «صحيح الجامع». جاء في (ب - ف) (يتألَّى: يحكم. وأحبطت عملك: أبطلته فلم أجعل له ثوابًا). اهـ. ورواه الطبراني عن جندب أيضًا قال عنه الألباني في «صحيح الجامع» «: صحيح، بلفظ: قال رجلُ: لا يغفرُ اللَّه لفلانٍ! فأوحى اللَّه تعالى إلى نبي من الأنبياء: إنها خطيئةٌ فليستقبلِ العملَ». قوله: فليستقبل العمل: جاء في (ب - ف) (يبدأ من جديد في فعل الطاعات،

стр. 33

فما سبق قد أحبط لحكمه على اللَّه بأنه لا يغفر لفلان). قال رسول اللَّه- ﷺ : «لو تعلمون قدْرَ رحمة اللَّه لاتَّكلتم عليها». (صحيح). رواه البزار عن أبي سعيد «الصحيحة» (٢١٦٧)، ابن أبي الدنيا كما في «صحيح الجامع». جاء في «فيض القدير» للمُناوي رحمه اللَّه تعالى: (قال حجة الإسلام: حدث عن سعة رحمة اللَّه ولا حرج، ومن ذا الذي يعرف غايتها أو يحسن وصفها، فإنه الذي يهب كفر سبعين سنة بإيمان ساعة، ألا ترى إلى سحرة فرعون الذين جاءوا لحربه وحلفوا بعزة عدوه كيف قبلهم حين آمنوا، ووهب لهم جميع ما سلف ثم جعلهم رءوس الشهداء في الجنة؟ فهذا مع من وحَّده ساعة بعد كل ذلك الكفر والضلال والفساد، فكيف حال من أفنى في توحيده عمره؟ أما ترى أن أصحاب الكهف وما كانوا عليه من الكفر طول أعمارهم، إلى أن قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ كيف قبلهم وكرَّمهم وأعظم لهم الحرمة؟ وألبسهم المهابة والخشية، حيث يقول: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، بل كيف أكرم كلبًا تبعهم حتى ذكره في كتابه مرات، هذا فضله مع كلب خطا خطوات مع قوم عرفوه ووحدوه أيامًا من غير عبادة، فكيف مع عبده المؤمن الذي وحدَّه وعبده سبعين سنة؟). ثانيًا: آثار المعاصي: جاء في كتاب «الجواب الكافي» لابن القيم ﵀ ما مختصره (١): وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا اللَّه. ١ - فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، وقال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال: اعلم بأن العلم فضل ... وفضل اللَّه لا يؤتاه عاصي ٢ - ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين اللَّه لا يوازنها ولا يقارنها لذة

стр. 34

أصلاً، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام، فلو لم يكن ترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريًّا بتركها، وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه، فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب، فدعها إذا شئت واستأنس. وليس على القلب أمرّ من وحشة الذنب على الذنب، فاللَّه المستعان. ٣ - ومنها: الوحشة التي تحصل بينه وبين الناس، ولا سيما أهل الخير منهم، فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم، وحرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه. وقال بعض السلف: إني لأعصي اللَّه فأرى ذلك في خُلُق دابتي وامرأتي. ٤ - ومنها: تعسير أموره، فلا يتوجه إلى أمر إلا ويجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا عليه، وهذا كما أن من اتقى اللَّه جعل له من أمره يسرًا، فمن عطل التقوى جعل اللَّه له من أمره عسرًا، ويا للعجب؟ كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه وهو لا يعلم من أين أُتي؟ ٥ - ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهمّ، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سوادًا حتى يراه كل أحد. ٦ - ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن: أما وهنها للقلب: فأمر ظاهر، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية. وأما وهنها للبدن: فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه - وإن كان قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟ ٧ - ومنها: حرمان الطاعة: فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بدله، ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة، ثم رابعة وهلم جرا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها، وهذا كرجل أكل

стр. 35

أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها، واللَّه المستعان. ٨ - أن المعاصي تقصر العمر، وتمحق بركته ولا بد، فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه، وسر المسألة: أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته. ٩ - ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضُها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة: السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها. ١٠ - ومنها: وهو من أخوفها على العبد، أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى اللَّه، فيأتي بالاستغفار وتوبة الكاذبين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. ١١ - ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان، عملت كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يُعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي- ﷺ : «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من الإجهار: أن يستر اللَّه على العبد، ثم يصبح يفضح نفسه، ويقول: يا فلان، عملت يوم كذا كذا وكذا فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه». ١٢ - ومنها: أن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها اللَّه ، فاللوطية: ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض والفساد: ميراث عن فرعون وقوم فرعون، والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء اللَّه. وقد روى عبد اللَّه بن أحمد في كتاب «الزهد» لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى اللَّه إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي. ١٣ - ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه.

стр. 36

قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. ١٤ - ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد، عظم عند اللَّه، وقد ذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن مسعود قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار». ١٥ - ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: إن الحبارى (١) لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَةُ وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له. ١٦ - ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، أي: فليطلبها بطاعة اللَّه فإنه لا يجدها إلا في طاعة اللَّه، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك. ١٧ - ومنها: أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد، وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص. وقال بعض السلف: ما عصى اللَّهَ أحدٌ حتى يغيب عقله، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى، وتحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره على بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟! ١٨ - ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها، فكان من الغافلين، كما

стр. 37

قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، قال: هو الذنب بعد الذنب. ١٩ - ومنها: أن الذنوب تُدْخِلُ العبد تحت لعنة رسول اللَّه- ﷺ . ٢٠ - ومنها: حرمان دعوة رسول اللَّه- ﷺ ، ودعوة الملائكة، فإن اللَّه سبحانه أمر نبيه بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٧ - ٩]. ٢١ - ومنها: أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. ٢٢ - ومن عقوباتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ... والمقصود: أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له، ويدعوه إليه ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله، ولهذا كان الدَّيُوث أخبث خلق اللَّه، والجنة عليه حرام، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة. وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له، فلا دين له. ٢٣ - ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه، وفي «الصحيحين» عنه- ﷺ أنه قال: «الحياء خير كله». وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم يستح فاصنع ما شئت». رواه البخاري. والمقصود: أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع.

стр. 38

٢٤ - ومن عقوباتها: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب ﷻ ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه. ومن بعض عقوبة هذا: أنه يرفع اللَّه مهابته من قلوب الخلق، فيهون عليهم، ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به، فعلى قدر محبة العبد للَّه يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من اللَّه يخافه الناس، وعلى قدر تعظيمه للَّه وحرماته يعظم الناس حرماته، وكيف ينتهك عبد حرمات اللَّه، ويطمع ألا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق اللَّه ولا يهونه اللَّه على الناس؟ أو كيف يستخف بمعاصي اللَّه ولا يستخف به الخلق؟ ٢٥ - ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان اللَّه لعبده، وتركه، وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ - وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨، ١٩]، فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه (١)، أي أنساه مصالحها، وما ينجيه من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية. فاللَّه يعوض عن كل شيء سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء، ويمنع من كل شيء، ولا يمنع منه شيء،، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء، وكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه. فيخسرها ويظلمها أعظم ظلم، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه. ٢٦ - ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين .. والمقصود: أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه، ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرجه عن الإسلام بالكلية، ومن هنا اشتد خوف السلف، كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر. ٢٧ - ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة، وتعوقه وتوقفه

стр. 39

وتعطفه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه. فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضًا مخوفًا، أو يضعف قوته ولا بد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبي- ﷺ منها وهي: «الهم، والحزن، والعجز، والكسل، والجبن، والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال». والمقصود: أن الذنوب هي أقوى الأشياء الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة «لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء»، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم اللَّه تعالى وتقدس، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه. ٢٨ - ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة». وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ٢٩ - ومن عقوباتها: ما يلقيه «اللَّه» من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم، الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومَن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. ٣٠ - ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا، وقد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين. ٣١ - ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان. ٣٢ - ومن عقوباتها: أنها تعمي بصر القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية. ٣٣ - ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس، وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر من كل شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا - وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] والمعنى: قد أفلح من أعلاها وكبرها بطاعة اللَّه وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية اللَّه.

стр. 40

٣٤ - ومن عقوباتها: أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه، فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى اللَّه والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده، ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته. وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من اللَّه كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب إلى اللَّه بعدت عنه الآفات، والبعد من اللَّه مراتب، بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن اللَّه، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله. ٣٥ - ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند اللَّه وعند خلقه. ٣٦ - ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار، فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والتقي والمطيع والمنيب والولي والورع والمصلح والعابد والخائف والأوَّاب والطيب والمرضى ونحوها، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيئ والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها، فهذه أسماء الفسوق و ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] التي توجب غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان، وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن، ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان. ٣٧ - ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع للَّه والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه، ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي الألباب والعقول، كقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٣٨ - ومن عقوباتها: أن تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيَّأ لأن يكون من العلية، فإن اللَّه خلق خلقه قسمين: علية، وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة. ٣٩ - ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجرئ
следующие страницы →