قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.
١٤ - ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد، عظم عند اللَّه، وقد ذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن مسعود قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار».
١٥ - ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: إن الحبارى (١) لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَةُ وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له.
١٦ - ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، أي: فليطلبها بطاعة اللَّه فإنه لا يجدها إلا في طاعة اللَّه، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
١٧ - ومنها: أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد، وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص. وقال بعض السلف: ما عصى اللَّهَ أحدٌ حتى يغيب عقله، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى، وتحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره على بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟!
١٨ - ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها، فكان من الغافلين، كما
стр. 37
قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، قال: هو الذنب بعد الذنب.
١٩ - ومنها: أن الذنوب تُدْخِلُ العبد تحت لعنة رسول اللَّه- ﷺ .
٢٠ - ومنها: حرمان دعوة رسول اللَّه- ﷺ ، ودعوة الملائكة، فإن اللَّه سبحانه أمر نبيه بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٧ - ٩].
٢١ - ومنها: أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
٢٢ - ومن عقوباتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ...
والمقصود: أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له، ويدعوه إليه ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله، ولهذا كان الدَّيُوث أخبث خلق اللَّه، والجنة عليه حرام، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة. وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له، فلا دين له.
٢٣ - ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه، وفي «الصحيحين» عنه- ﷺ أنه قال: «الحياء خير كله». وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم يستح فاصنع ما شئت». رواه البخاري.
والمقصود: أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع.
стр. 38
٢٤ - ومن عقوباتها: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب ﷻ ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه. ومن بعض عقوبة هذا: أنه يرفع اللَّه مهابته من قلوب الخلق، فيهون عليهم، ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به، فعلى قدر محبة العبد للَّه يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من اللَّه يخافه الناس، وعلى قدر تعظيمه للَّه وحرماته يعظم الناس حرماته، وكيف ينتهك عبد حرمات اللَّه، ويطمع ألا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق اللَّه ولا يهونه اللَّه على الناس؟ أو كيف يستخف بمعاصي اللَّه ولا يستخف به الخلق؟
٢٥ - ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان اللَّه لعبده، وتركه، وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ - وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨، ١٩]، فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه (١)، أي أنساه مصالحها، وما ينجيه من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية.
فاللَّه يعوض عن كل شيء سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء، ويمنع من كل شيء، ولا يمنع منه شيء،، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء، وكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه. فيخسرها ويظلمها أعظم ظلم، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه.
٢٦ - ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين ..
والمقصود: أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه، ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرجه عن الإسلام بالكلية، ومن هنا اشتد خوف السلف، كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر.
٢٧ - ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة، وتعوقه وتوقفه
стр. 39
وتعطفه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه.
فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضًا مخوفًا، أو يضعف قوته ولا بد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبي- ﷺ منها وهي: «الهم، والحزن، والعجز، والكسل، والجبن، والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال».
والمقصود: أن الذنوب هي أقوى الأشياء الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة «لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء»، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم اللَّه تعالى وتقدس، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه.
٢٨ - ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة». وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
٢٩ - ومن عقوباتها: ما يلقيه «اللَّه» من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم، الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومَن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب.
٣٠ - ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا، وقد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين.
٣١ - ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان.
٣٢ - ومن عقوباتها: أنها تعمي بصر القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية.
٣٣ - ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس، وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر من كل شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا - وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] والمعنى: قد أفلح من أعلاها وكبرها بطاعة اللَّه وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية اللَّه.
стр. 40
٣٤ - ومن عقوباتها: أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه، فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى اللَّه والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده، ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته.
وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من اللَّه كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب إلى اللَّه بعدت عنه الآفات، والبعد من اللَّه مراتب، بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن اللَّه، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.
٣٥ - ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند اللَّه وعند خلقه.
٣٦ - ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار، فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والتقي والمطيع والمنيب والولي والورع والمصلح والعابد والخائف والأوَّاب والطيب والمرضى ونحوها، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيئ والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها، فهذه أسماء الفسوق و ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] التي توجب غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان، وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن، ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان.
٣٧ - ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع للَّه والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه، ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي الألباب والعقول، كقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
٣٨ - ومن عقوباتها: أن تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيَّأ لأن يكون من العلية، فإن اللَّه خلق خلقه قسمين: علية، وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة.
٣٩ - ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجرئ
стр. 41
عليه الشياطين [الإنس والجن] وتجرئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم.
٤٠ - ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه ...
والمقصود: أن العبد العاصي إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على اللَّه تعالى والإنابة إليه، والحمية عليه، والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر، ولا ينحبس اللسان والقلب على المذكور، بل إن ذكر أو دعا بقلب غافل لاه ساه، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له، ولم تطاوعه، وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي، كما له جند يدفع عنه الأعداء، فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم، وقطع أقواتهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة.
هذا، وثَمَّ أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى اللَّه تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين من أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل «لا إله إلا اللَّه»، فقال: شاه ورخ (١) غلبك ثم قضى.
٤١ - ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه (٢) عليه، وجيش يقويه به على حربه.
٤٢ - ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه، فإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها، فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه؟ وإذا نسي نفسه، فأي شيء يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟
قيل: نعم ينسى نفسه أعظم نسيان، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: إحداهما: أنه سبحانه نسيه. والثانية: أنه أنساه نفسه. ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته، فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم. وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها، ينسيه
стр. 42
ذلك جميعه، فلا يخطره بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه، فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره. وأيضًا ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها.
٤٣ - ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقد فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآيات تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما تتوارى عند سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في الأموات، فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر اللَّه الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده، ولا تقر العين ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلاهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرت عينه باللَّه قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه باللَّه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات.
... إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى في نهاية الكلام عن آثار المعاصي:
فانظر إلى الآخرة كأنها رأي العين، وتأمل حكمة اللَّه سبحانه في الدارين، تعلم حينئذ علمًا يقينًا لا شك فيه، أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار من الإيمان والعمل الصالح وضدها، فمن أعظم الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى، وأحيطك علمًا بأن تلك النقاط السابقة مجرد عناوين وقليل من الشرح لما في كتاب «الجواب الكافي»، هذا الكتاب القيم لابن القيم.
فائدة:
قال عبد اللَّه بن عباس: «إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق».
стр. 43
ثالثًا: جاء في مختصر منهاج القاصدين ما مختصره:
١ - تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر:
اعلم: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها، واختلفت الأحاديث في عدد الكبائر.
والأحاديث الصحاح في ذكرها خمسة (نذكر منها):
حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول اللَّه: وما هنّ؟ قال: الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حَرَّمَ اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
وقد اختلف العلماء فيها على أقوال كثيرة، والأحاديث في الكبائر لا تدل على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام ليكون الناس على وجل من الذنوب، لكن يعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضًا أكبر الكبائر.
فأما أصغر الصغائر، فلا سبيل إلى معرفته، وقد تكلم العلماء في عدد الكبائر، فروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: هي أربع.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: هي سبع.
وكان ابن عباس ﵄ إذا بلغه قول ابن عمر: إنها سبع، قال: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.
وقال أبو صالح عن ابن عباس: هي ما أوجبت الحد في الدنيا.
وعن ابن مسعود أن الكبائر من فاتحة النساء إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١].
وقال سعيد بن جبير وغيره: هي كل ذنب أوعد اللَّه عليه النار.
٢ - فصل في بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب.
اعلم: أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة.
واعلم: أن العفو عن كبيرة قد انقضت ولم يتبعها مثلها، أرجى من العفو عن صغيرة يواظب عليها العبد.
ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات، فإنها تؤثر فيه، ولو جمعت تلك
стр. 44
القطرات في مرة وصبت عليه لم تؤثر، ولهذا قال ﷺ : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» (١).
ومن الأسباب التي تعظم بها الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد، صغر عند اللَّه تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند اللَّه تعالى، فإن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهيته له.
قال ابن مسعود ﵁: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا. أخرجاه في «الصحيحين».
وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال اللَّه تعالى، فإذا نظر إلى عظمة من عصى، رأى الصغيرة كبيرة.
وفي البخاري من حديث أنس ﵁: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول اللَّه ﵌ من الموبقات».
وقال بلال بن سعد ﵀: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
ومن الأسباب أن يفرح بالصغيرة ويتمدح بها، كما يقول: أما رأيتني كيف مزَّقت عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجلته، أو يقول التاجر: أما رأيت كيف روجت عليه الزائف، وكيف خدعته وغبنته، فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر.
ومنها أن يتهاون بستر اللَّه تعالى وحلمه عنه وإمهاله إياه، ولا يدري أن ذلك قد يكون مقتًا ليزداد بالإمهال إثمًا.
ومنها أن يأتي الذنب ثم يذكره بمحضر من غيره، وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﵌ قال: «كل أمتي معافًى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل، ثم يصبح وقد ستره اللَّه عليه، فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره اللَّه عليه، ويصبح يكشف ستر اللَّه عنه».
стр. 45
ومنها أن يكون المذنب عالمًا يُقتدى به، فإذا علم منه الذنب، كبر ذنبه (١).
٣ - فإن قيل: ما بال الإنسان يقع في الذنب مع علمه بقبح عواقبه؟
فمن ذلك أجوبة، منها: أن العقاب الموعود ليس بحاضر.
ومنها: أن المؤمن إذا أذنب لا بد أن يعزم على التوبة، وقد وعد أن التوبة تجبر ما فعل، وطول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال يسوف بالتوبة، فلما رجا التوبة أقبل على الذنب.
ومنها: أنه يرجو عفو اللَّه عنه، وعلاج هذه الأسباب أن يفكر في نفسه أن كل ما هو آت قريب، وأنه لا يأمن هجوم الموت، ويعالج التسويف بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف، والمسوف يبني الأمر على ما ليس إليه، وهو البقاء، فلعله لا يبقى، وإن بقي فربما لم يقدر على الترك غدًا كما يقدر عليه اليوم، وهل عجز عن الحال إلا لغلبة الشهوة وهي غير مفارقة له غدًا؟ بل يتأكد بالاعتياد، من هذا هلك المسوفون؛ لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين، وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه، فالعجب من عجزه مع قوته عن مقاومتها في حال ضعفها، كيف ينتظر الغلبة إذا ضعف وقويت.
وأما انتظار عفو اللَّه تعالى: فعفو اللَّه سبحانه ممكن، إلا أن الإنسان ينبغي له الأخذ بالحزم، وما مثال ذلك إلا كمثل رجل أنفق أمواله كلها، وترك نفسه وعياله فقراء ينتظر من اللَّه تعالى أن يرزقه العثور على كنز في خربة، وهذا ممكن إلا أن صاحبه ملقب بالأحمق، واللَّه أعلم (٢). انتهى من كتاب «مختصر منهاج القاصدين».
٤ - صلاة التوبة:
عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي [أي ركعتين] (٣) ثم يستغفر اللَّه إلا غفر اللَّه له، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولئكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ
стр. 46
وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦]» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن. [وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي].
فائدة:
هل الأفضل للتائب أن يتذكر ذنبه أم ينساه؟
الرأي الأول: الأفضل له أن يتذكره. الرأي الثاني: الأفضل له أن ينساه.
الرأي الثالث: قال ابن القيم ما معناه: إذا أحس العبد من نفسه العجب فالأفضل أن يتذكر الذنب. وإن كان في حالة منَّة اللَّه عليه والفرح به والشوق إلى لقائه فنسيان الذنب أولى به وأنفع (١).
رابعًا: اتهام التوبة:
قال ابن القيم رحمه اللَّه تعالى (٢):
وأما اتهام التوبة: فلأنها حق عليه. لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤديه عليه، فيخاف أنه ما وفاها حقها، وأنها لم تقبل منه، وأنه لم يبذل جهده في صحتها، وأنها توبة عِلّة وهو لا يشعر بها، كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس، والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس، أو أنه تاب محافظة على حاله، فتاب للحال، لا خوفًا من ذي الجلال. أو أنه تاب طلبًا للراحة من الكد في تحصيل الذنب، أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه، أو بضعف داعي المعصية في قلبه، وخمود نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفًا من اللَّه، وتعظيمًا له ولحرماته، وإجلالاً له، وخشية من سقوط المنزلة عنده، وعن البعد والطرد عنه، والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة. فهذه التوبة لون، وتوبة أصحاب العلل لون.
ومن اتهام التوبة أيضًا: ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب الفيْنة بعد الفيْنة، وتذكر حلاوة مواقعته. فربما تنفس. وربما هاج هائجه.
ومن اتهام التوبة: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب، حتى كأنه قد أعطي منشورًا بالأمان. فهذا من علامات التهمة.
стр. 47
ومن علامتها: جمود العين، واستمرار الغفلة، وألا يستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.
خامسًا: علامات قبول التوبة:
وقال أيضًا ﵀: فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات:
منها: أن يكون العبد بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.
ومنها: أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر اللَّه طرفة عين فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه ﴿أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] فهناك يزول الخوف.
ومنها: انخلاع قلبه، وتقطعه ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها. وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] قال: تقطعها بالتوبة. ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه. وهذا هو تقطعه. وهذا حقيقة التوبة؛ لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه، وخوفًا من سوء عاقبته، فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرّط حسرة وخوفًا، تقطع في الآخرة إذا حَقّت الحقائق، وعاين ثواب المطيعين، وعقاب العاصين. فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة.
ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب ... إلى أن قال ﵀:
فللَّه ما أحلى قوله في هذه الحال:
«أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك. لا ملجأ ولا منجَى منك إلا إليك. أسألك مسألة المسكين. وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل. وأدعوك دعاء الخائف الضّرير، سؤال مَن خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذلّ لك قلبه».
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناسُ عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
فائدة:
قال أبو الجلد: أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك: ما لكم تسترون الذنوب من خلقي، وتظهرونها لي! إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن
стр. 48
كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم!
سادسًا: سؤال هام:
ما هو حكم المال «العوض» المتحصل من الزنا والغناء والخمر ... بعد التوبة؟ أي: إذا تاب والعوض بيده (١)؟
الرأي الأول: يرده إلى مالكه.
الرأي الثاني: قال ابن القيم ﵀ ما مختصره: بل توبته بالتصدق به (٢). ولا يدفعه إلى من أخذ منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين ... إلى أن قال ﵀: وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام، وتعذر عليه تمييزه: أن يتصدق بقدر الحرام، ويطيِّب باقي ماله. واللَّه أعلم.
فائدة مشهد الرحمة في المعصية:
قال ابن القيم ﵀: فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة، والكيفية الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ذنب، حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا اللَّه عليه أن يهلكه ويأخذه، غضبًا منه لله، وحرصًا على ألا يعصى. فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء، ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم، والعيب لهم والذم. فإذا جرت عليه المقادير وخُلي ونفسه واستغاث اللَّه والتجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم، ودعاه دعاء المضطر، فتبدلت تلك الغلظة على المذنبين رقة، وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينًا، مع قيامه بحدود اللَّه، وتبدَّل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل لهم وظيفة من عمره، يسأل اللَّه أن يغفر لهم.
فما أنفعه من مشهد! وما أعظم جدواه عليه (٣)، واللَّه أعلم.
стр. 49
كتابة الحسنات والسيئات
عن ابن عباس ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: «إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها، كتبها اللَّه عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئةٍ فلم يعملها، كتبها اللَّه عنده حسنةً كاملةً، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئةً واحدةً». رواه البخاري ومسلم (١).
جاء في «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى بتحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم باجس - أثابهما اللَّه تعالى - ما مختصره:
وفي رواية لمسلم زيادةٌ في آخر الحديث، وهي: «أو محاها اللَّه، ولا يهلك على اللَّه إلا هالكٌ».
فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات، والهمّ بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع:
النوع الأول: عمل الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرةٍ، فمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء اللَّه أن يُضاعف له، فدل عليه قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل اللَّه تضاعف بسبع مئة ضعف.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي مسعود، قال: جاء رجل بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: يا رسول اللَّه، هذه في سبيل اللَّه، فقال: «لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة».
النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتب السيئةُ بمثلها من غير مضاعفةٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقوله: «كتبت له سيئة واحدة» إشارة إلى أنها غير مضاعفة، ما صرح به في حديث آخر، لكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان، أو المكان (٢).
стр. 50
وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته باللَّه، وقربه منه، فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم جرمًا ممن عصاه على بعد، ولهذا توعد اللَّه خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها، ليبين لهم فضله عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: ﴿ولَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً - إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا - وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١] وكان علىُّ بن الحسين يتأول في آل النبي ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي ﷺ .
النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم: «إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً»، والظاهر أن المراد بالتحدث: حديث النفس، وهو الهم، وفي حديث خريم بن فاتك: «من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها، فعلم اللَّه أنه قد أشعرها قلبَه، وحرص عليها، كتبت له حسنة»، وهذا يدل على أن المراد بالهم هنا: هو العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد الخطرة التي تخطر، ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم (١). ومتى اقترن بالنية قول أو سعي، تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النبي ﷺ ، قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه مالاً وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً، لعملت بعمل فلانٍ، فهو بنيته، فأجرهما سواءٌ، وعبد رزقه اللَّه مالاً، ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه اللَّه مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالاً، لعملت فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فوزرهما سواءٌ».
стр. 51
خرَّجه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظه، وابن ماجه (١).
وقد حمل قوله: «فهما في الأجر سواءٌ» على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه فلم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكتب لمن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا - دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار (٢).
النوع الرابع: الهمُّ بالسيئة من غير عمل لها، ففي حديث ابن عباس: أنها تكتب له حسنةً كاملة، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنها تكتب حسنةً، وفي حديث أبي هريرة قال: «إنما تركها من جرَّاي» يعني: من أجلي.
وهذا يدل على أن المراد من قَدِرَ على ما هَمَّ به من المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة؛ لأن تركه للمعصية بهذا القصد عملٌ صالحٌ.
فأما إن هم بمعصية، ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاةً لهم، فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف اللَّه محرم. وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم، فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله، عوقب على هذا الترك. وقد خَرَّج أبو نعيم (٣) بإسنادٍ ضعيف عن ابن عباس، قال: يا صاحب الذنب، لا تأمنن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، وذكر كلامًا، وقال: وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر اللَّه إليك، أعظم من الذنب إذا عملته.
وقال الفضيلُ بن عياض: كانوا يقولون: ترك العمل للناس رياء، والعمل لهم شرك.
وأما إن سعى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القدر، فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي ﷺ : «إن اللَّه تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم
стр. 52
تكلم به أو تعمل» (١) ومن سعى في حصول المعصية جهده، ثم عجز عنها، فقد عمل، وكذلك قول النبي ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢).
وقوله: «ما لم تكلَّم به، أو تعمل» يدل على أن الهامَّ بالمعصية إذا تكلم بما هم به بلسانه أنه يعاقب على الهَمِّ حينئذ؛ لأنه قد عمل بجوارحه معصية، وهو التكلم باللسان، ويدل على ذلك حديث الذي قال: «لو أن لي مالاً، لعملت فيه ما عمل فلان» يعني: الذي يعصي اللَّه في ماله، قال: «فهما في الوزر سواء».
ومن المتأخرين من قال: لا يعاقب على التكلم بما همَّ به ما لم تكن المعصية التي هم بها قولاً محرمًا، كالقذف والغيبة والكذب؛ فأمَّا ما كان متعلقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد التكلم بما هم به، وهذا قد يستدل به على حديث أبي هريرة المتقدم: «وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها». ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعًا بينه وبين قوله: «ما لم تكلَّم به أو تعمل»، وحديث أبي كبشة يدل على ذلك صريحًا، فإن قول القائل بلسانه: «لو أن لي مالاً، لعملتُ فيه بالمعاصي، كما عمل فلان»، ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها، وإنما أخبر عما همّ به فقط مما متعلّقه إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضًا فكلامه بذلك محرم، فكيف يكون معفوًّا عنه، غير معاقبٍ عليه؟
وبكل حال، فالمعصية إنما تكتب بمثلها من غير مضاعفةٍ، فتكون العقوبة على المعصية، ولا ينضم إليها الهمُّ بها، إذ لو ضم إلى المعصية الهم بها، لعوقب على عمل المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة، فإنه إذا عملها بعد الهَمِّ بها، أثيب على الحسنة دون الهم بها، لأنا نقول: هذا ممنوع، فإن من عمل حسنة، كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهم بالحسنة، واللَّه أعلم.
وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: «أو محاها اللَّه» يعني: أن عمل السيئة: إما أن تكتب لعاملها سيئة واحدةٌ، أو يمحوها اللَّه بما شاء من الأسباب، كالتوبة والاستغفار، وعمل الحسنات.
стр. 53
وقوله بعد ذلك: «ولا يهلك على اللَّه إلا هالك»: يعني بعد هذا الفضل العظيم من اللَّه، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتجاوز عن السيئات، لا يهلك على اللَّه إلا من هلك، وألقى بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات، ورغب عن الحسنات، وأعرض عنها. ولهذا قال ابن مسعود: ويل لمن غلب وحدانه (١) عشراته. ا. هـ من «جامع العلوم والحكم».
* * *
стр. 54
سابعًا: توبة المرأة:
أولاً: مقدمة:
١ - قبل الكلام عن دعوة المرأة المسلمة إلى اللَّه أود أن أقول: إن الإسلام هو الاستسلام والإذعان والانقياد لأمر اللَّه تعالى، وطالما أن الأمر كذلك، فإن المسألة ليست مسألة إقناع بقدر ما هي مسألة إيمان وامتثال، فلا يحتاج المسلم في كل تكليف إلى إقناع وبرهان، ولكن طالما أن المسلم قد رضي باللَّه ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً- طالما أنه قد رضي بذلك - فلا يكون أمامه إلا سؤال واحد عند تكليفه بأمر اللَّه تعالى، وهو: هل ورد هذا التكليف في كتاب اللَّه ؟ فإن كان واردًا فيه فسمعًا وطاعة، وإن كان هذا التكليف حديثًا للنبي ﷺ ، فيكون السؤال هو التأكد من صحة هذا الحديث، فإن ثبت صحة ذلك - وهذا من اختصاص العلماء - فعليه أن يقول سمعًا وطاعة أيضًا، إذن يكون موضع البحث، هو التأكد من أن هذا التكليف قد ورد في كتاب اللَّه، أو في سنة رسول اللَّه ﷺ مع مراعاة مصادر التشريع الأخرى - لا البحث عن الإقناع أو عن أي شيء آخر مما نراه في معظم المسائل بين المسلمين الآن إلا ما رحم ربي من أنك تسمع دائمًا هذا القول: اقنعني أولاً! سبحان اللَّه! إن دين اللَّه تعالى كلٌّ لا يتجزأ، لا يأتيك كله، إلا إذا أعطيته كلك.
لو أن الرفيق «أي الطبيب» (١) وصف العلاج للمريض، لوجدته أخذ الدواء دون مناقشة، أيًّا كان طعم هذا الدواء، أما عندما يأمر اللَّه بأمر، فنجد التقاعس والتراخي، وطلب الإقناع، أيهما تمتثل لأمره بقوة .. الخالق أم المخلوق؟! أو ما قرأت قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
يقول الإمام ابن كثير ﵀ (٢) في تفسير هذه الآية: «فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم اللَّه ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي، ولا قول». انتهى.
٢ - قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ
стр. 55
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] انتهى.
يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: «يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكِّم الرسولَ ﷺ في جميع الأمور، فما حَكَمَ به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، ثم يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
قال ابن كثير ﵀: يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبوه من المناهي لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ..... ﴾». انتهى من ابن كثير.
٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] فقد علق اللَّه الفلاح في الدنيا والآخرة على طاعته سبحانه.
تنبيه:
من آيات الحجاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].
ثانيًا: إلى كل فتاة تؤمن باللَّه:
جاء في كتاب «إلى كل فتاة تؤمن باللَّه» لفضيلة الشيخ محمد سعيد البوطي ما مختصره:
وإنما أعني (١) بالفتاة التي تؤمن باللَّه، تلك التي أيقنت بوجوده إلهًا واحدًا لا شريك له في ذاته وصفاته، وأيقنت أنه النافع الضار، إليه مرجع الناس كلهم في يوم عظيم لا ريب فيه، يكشف فيه الحجاب عن كل غيب مستور، وحقيقة خافية، يوم الحسرة والندامة لمن كان قد اغتر بدنياه وفرط في جنب اللَّه، ويوم الغبطة والسعادة لمن كان قد فهم الدنيا على
стр. 56
حقيقتها، فاتخذ منها عونًا لسلوك السبيل إلى مرضاة اللَّه.
فلا جرم أنني لا أعني بها تلك التي سمعت باللَّه ولم تفهم عنه شيئًا، وورثت كلمة الإيمان شعارًا على اللسان ولم تستيقن مضمونها عقيدة في الجنان، قد يتكرر اسم اللَّه على لسانها في اليوم أكثر من عشرين مرة، ولكنها لا تنتبه لسلطانه وبالغ سطوته في الشهر أو العام مرة واحدة. مثل هذا الإيمان، لا يورث القلب أي خشية، ولا يقود صاحبه إلى أي اتجاه، ولا شأن له بتقويم شيء من مظاهر الحياة والسلوك. فأنا إنما أتجه بحديثي في هذه الرسالة إلى كل فتاة آمنت باللَّه إيمانًا إراديًّا حرًّا منبثقًا عن رضاها القلبي وشعورها النفسي، ويقيني أن [أمتنا تفيض] بكثير ممن يتمتعن بهذا الإيمان.
أتجه إلى كل فتاة تؤمن في قرارة قلبها باللَّه هذا الإيمان لأقول لها:
إن أمر وجودنا في هذه الحياة جد وأخطر من الجد! .. فلا يحجبنك عن تصور عاقبتها أي لون من ألوان مغرياتها، ولا ينسيك هوانهَا كثرةُ ما ترين من المتعلقين بها. ولا تنسي أن الناس إنما يجتازون إلى اللَّه في هذه الدنيا بساعة امتحان سواء علموا ذلك أم جهلوا، وربما طالت هذه الساعة أو قصرت، ولكنها على كل حال ليست أكثر من ساعة امتحان.
وإذا كان الاجتياز بهذه الساعة الامتحانية قدرًا مشتركًا بين الرجال والنساء على السواء، فإن المرأة تمتاز عن الرجل بحمل عبء آخر شديد الخطورة في الدنيا وعظيم الأثر في العقبى!
فالمرأة بالإضافة إلى كونها تشترك مع الرجل في اجتياز هذه الساعة الامتحانية، تعتبر مادة من أهم موادها الامتحانية ذاتها!
ذلك لأن الشهوات على اختلافها، هي المنزلق الامتحاني الذي بسط اللَّه به وجه هذه الدنيا، وإنما المرأة - بتقرير اللَّه تعالى وصريح بيانه - أول نوع من هذه الشهوات. أوَليس هو القائل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٣]، فقد عدّ اللَّه النساء في أول مراتب الشهوات التي وضعها زينة وابتلاء في طريق الناس.
ولولا أنها تفوق سائرها في الخطورة والأهمية، ما جعل مرتبتها في الذكر قبلهن جميعًا.
стр. 57
وإذًا، فالمرأة في حياة الإنسان أخطر ابتلاء دنيوي على الإطلاق.
وسر ذلك، أن جميع الآثام التي حظرها اللَّه تعالى على عباده ليس بينها وبين الإنسان أي انسجام فطري. فالظلم بأنواعه المختلفة محرم ويعين الإنسان على تجنبه أن الفطرة الإنسانية تشمئز منه. وشرب الخمر محرم، ويهون من أمر تحريمه أن الفطرة الإنسانية الأصيلة تعفها، وكذلك السرقة، والغش، والغيبة، والنميمة، وبقية المحرمات الأخرى، كلها لا تتفق مع مقتضيات الفطرة الإنسانية السليمة، ولا يجنح إلى شيء منها إلا من ابتلي بشذوذ أو انحراف في طبيعته وفطرته لسبب من الأسباب التي قد تطرأ في حياة الإنسان. وإنما يستثنى من هذا العموم شيء واحد فقط، هو الغريزة الجنسية في كل من الرجل والمرأة، فهي على الرغم من كونها تدفع إلى ارتكاب محظور يعد في ذروة المحاظير الشرعية - ما لم ينضبط بحدود وقيود معينة - تعتبر من أخص مستلزمات الفطرة الإنسانية وأهم متطلباتها، ولا سبيل لأي إنسان ما دام إنسانًا طبيعيًّا لا شذوذ فيه إلى أن ينفك عنها أو يسمو فوقها.
ومن خلال هذه المقارنة تستطيعين أن تدركي بأن الشهوة الجنسية في الإنسان أخطر ابتلاء ديني في حياته.
إذ في الوقت الذي تقف الفطرة الإنسانية فيه عونًا على تطبيق حكم اللَّه بالنسبة للمعاصي والمنكرات، فإنها تقف بالنسبة للشهوة الجنسية مثيرة لها أو عاجزة - في أحسن الأحوال - عن أن تكبح (١) لجامها أو تقلل شيئًا من هياجها.
وبناء على ذلك فإن العلاج الإسلامي بالنسبة لسائر المعاصي يكمن في مزيد من الابتعاد عنها والاستعلاء فوقها. أما بالنسبة لأمر الجنس خاصة، فقد كان العلاج هو الارتواء منه، وإمتاع الغريزة به، ولكن ضمن حدود مرسومة معينة لا يتجاوزها.
فهذا معنى قولنا إن المرأة أخطر مادة امتحانية في حياة الرجل على الإطلاق.
وربما تقولين: ولِمَ لا يعتبر الرجل أيضًا أخطر مادة امتحانية في حياة المرأة، ما دام الشعور الجنسي شائعًا بينهما، وبذلك يتساوى عبء كل من الرجل والمرأة وتتكافأ مهامهما؟!
والجواب: إن الفاطر الحكيم ﷻ أقام فطرة المرأة على أسس نفسية جعلت منها
стр. 58
مطلوبة أكثر من أن تكون طالبة، فهي مهما استشعرت إلحاحًا غريزيًّا في كيانها تظل ميالة - بدافع من عوامل نفسية أصيلة لديها - إلى أن تتحصن بمركز الانتظار والاستعلاء، وأن تفرض على الرجل ظروفًا وأسبابًا تجعله يلح في طلبها والسعي وراءها، وبذلك تكون المرأة فتنة للرجل أكثر من أن يكون الرجل فتنة للمرأة.
وقد قرر رسول اللَّه ﷺ تلك الحقيقة باختصار في قوله: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». متفق عليه.
وإذ قد فرغنا من إيضاح هذه الحقيقة، فلتعلمي أن أمر هذه الفتنة التي ابتلي بها الرجل - تشديدًا وتهوينًا - عائد عليك. فالمرأة تستطيع إذا شاءت أن تجعل من شأن نفسها بلاء صاعقًا للرجل، لا يكاد يجد سبيلاً للنجاة منه.
وتستطيع أن تجعل من شأن نفسها عونًا على السير في طريق السلامة والنجاة.
ومن هنا كان أخطر الوظائف الإسلامية التي كلف اللَّه بها المرأة، أن تغمد سلاح فتنتها أمام الرجال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، حتى لا يقعوا في رهق من أمر هذا البلاء أو الامتحان.
وقد تم الإجماع على أن المرأة لا تحرز رضا اللَّه تعالى عنها بعمل من الأعمال الصالحة، كما تحرزه بالسعي في سبيل يعين الرجل على الاستقامة الخلقية وضبط نوازعه الشهوانية، ولا تتسبب لغضب اللَّه تعالى عليها بعمل من الأعمال المحرمة كما تتسبب إلى ذلك بالسعي في سبيل أن تثير في الرجل نوازعه الشهوانية وتقصيه عن أسباب الاستقامة والعفة الخلقية.
وما كان أكثر أهل النار النساء - بإخبار النبي ﷺ في الحديث الصحيح، إلا جملة عوامل، من أهمها: أنهن لا يتقين اللَّه تعالى في هذه الوظيفة الخطيرة التي ناطها اللَّه تعالى بهن ... انتهى.
ثالثًا: أقوال لا رصيد لها:
ثم ذكر فضيلة الشيخ محمد سعيد البوطي في كتابه - السالف ذكره - «إلى كل فتاة تؤمن باللَّه» شبهًا يحتج بها الشيطان بنوعيه، وزخرف القول غرورًا أمام المرأة المؤمنة، حتى يصدها عن سبيل اللَّه، ويمنعها من ارتداء ما أمرها اللَّه به،
فقال أثابه اللَّه تحت عنوان: أقوال لا رصيد لها (١) ما مختصره (٢):
стр. 59
ومهما يكن من أمر هذه الشبه الباطلة، فإن لأعداء هذا الدين حججًا وأقوالاًً أخرى، يأملون أن يدعموا بها باطلهم! ولكنها أقوال لا رصيد لها من المعنى الذي يمكن أن يتقبله العقل السليم.
وما أكثر ما ضلت فتيات مؤمنات، عن رشد العقل، بهذه الأقوال المرصوفة الخادعة، وما أكثر ما تبين لهن أنها أباطيل خادعة، ولكن ذلك لم يتبين لهن إلا بعد أن تجاوز الأمر بهن إلى نهاية لا طاقة لهن إلى الرجوع عنها، بل إلى أودية سحيقة لا سبيل لهن إلى التسامي فوقها! وإنني - أيتها الأخت المؤمنة - سأعرض لك جميع هذه الأقوال بزخرفها الخادع، ثم أجردها أمامك من زيفها اللصيق لترى عظيم ما فيها من الخداع والتضليل، حتى إذا تبين لك ذلك كنت أقدر على الصمود في وجه الباطل الذي تتعرضين له، وأكثر ثباتًا وصلابة على الحق الذي تعتزين به.
١ - يقولون لك: إن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها، وليست غطاء يلقى ويسدل على جسمها، وكم من فتاة محتجبة عن الرجال في ظاهرها، وهي تمارس معهم البغي والفجور في سلوكها، وكم من فتاة حاسرة الرأس سافرة الوجه لا يعرف السوء سبيلاً إلى نفسها أو سلوكها.
وأقول لك: إن هذا صحيح. فما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفة مفقودة، ولا أن تخلق له استقامة معدومة، ورب فاجرة سترت فجورها بمظهر سترها. ولكن من هذا الذي زعم أن اللَّه إنما شرع الحجاب لجسم المرأة ليخلق الطهارة في نفسها أو العفة في أخلاقها؟
ومن هذا الذي زعم أن الحجاب إنما شرعه اللَّه ليكون إعلانًا بأن كل من لم تلتزمه فهي فاجرة تنحط في وادي الغواية مع الرجال؟
إن اللَّه ﷻ إنما فرض الحجاب على المرأة محافظة على عفة الرجال الذين تقع أبصارهم عليها، لا حفاظًا على عفتها من الأعين التي تراها! .. ولئن كانت تشترك معهم هي الأخرى في هذه الفائدة في كثير من الأحيان، فإن فائدتهم من ذلك أعظم وأخطر. وإلا فهل يقول عاقل - تحت سلطان هذه الحجة المقلوبة - إن للفتاة أن تبرز عارية أمام الرجال كلهم ما دامت ليست في شك من قوة أخلاقها وصدق استقامتها؟!
إن بلاء الرجال بما يقع عليه أبصارهم من مغريات النساء وفتنتهن، هو المشكلة التي أحوجت [الأمة] إلى حل، فكان في فضل اللَّه ما تكفل به على أفضل وجه. وبلاء الرجال، إذا لم يجد في سبيله هذا الحل الإلهي، ما من ريب أنه سيتجاوز بالسوء إلى النساء أيضًا. ولا يغني عن الأمر شيئًا أن تعتصم المرأة المتبرجة عندئذ باستقامة في سلوكها أو عفة في
стр. 60
نفسها. فإن في ضرام ذلك البلاء الهائج في نفوس الرجال، ما قد يتغلب على كل استقامة أو عفة تتمتع بها المرأة إذ تعرض من فنون إثارتها وفتنتها أمامهم.
٢ - ويقولون لك: إنه إذا شاع الاختلاط بين الرجل والمرأة، تهذبت طباع كل منهما، وقامت بينهما بسبب ذلك صداقات بريئة لا تتجه إلى جنس ولا تنحرف نحو سوء! أما إذا ضرب بينهما بسور من الاحتجاب، فإن نوازع الجنس تلتهب بينهما وتغري كلا منهما بصاحبه فيشيع من ذلك الكبت في النفوس والسوء في الطباع.
وأقول لك: صحيح، إن مظاهر الإغراء قد تفقد بعض تأثيراتها بسبب طول الاعتياد وكثرة الشيوع. ولكنها إنما تفقد ذلك عند أولئك الذين خاضوا غمارها وجنوا من ثمارها، خلال مرحلة طويلة من الزمن، فعادوا بعد ذلك وهم لا يحفلون بها. وبدهي أن ذلك ليس لأنهم قد تساموا فوقها، ولكن لأنهم قد بشموا بها ولأنهم يشبعون (١) كل يوم منها.
إن رؤية المناظر والمواقف الجنسية في بلدة كالسويد مثلاً، تعتبر أمرًا عاديًّا لا يثير استغرابًا ولا استهجانًا بالنسبة لأولئك الذين نشئوا أو عاشوا في تلك الأجواء، فهل يعني ذلك أنهم قد تجاوزوا طبيعة التأثير بدواعي الانحراف وأسبابه، فهم لا ينحطون إليها ولا يتأثرون بها؟! .. أي مجنون من الناس يقول هذا؟!.
كلنا يعلم أن هذا الذي يمر بالمشاهد الجنسية المكشوفة هناك، غير عابئ بها، ولا ملتفت إليها، قد نجده بعد ساعة يمارس العملية نفسها في مكان آخر. وهكذا فإن عدم الاكتراث والتأثير بمظاهر الإغراء، إنما هو نتيجة انتشار اللذة رخيصة في كل مكان، وليس نتيجة فهم معين أو جديد لما قد تبصره عيناه. والذي يتصور تحقق الزهد في الجنس، دون أن يكون نتيجة لانتشاره وإباحته، إنما هو كمن يتصور إمكان زهد الجائع في الطعام بمجرد أن تتناثر أطباقه الشهية أمام عينيه في واجهات المحلات عن يمين الشارع ويساره.
وإنما (الصداقة) كلمة يطلقها هؤلاء الناس على تلك الفترات التي يلتقط فيها الأصدقاء أنفاسهم بعد انجراف طويل في أدغال الحيوانية والإباحية المطلقة.
وإنها لحقيقة ثابتة يعرفها (الأصدقاء) قبل أن يعرفها الآخرون! ..
والكبت .. أيهما يورث الكبت؟
أن يخرج الشاب إلى شأنه من وظيفة أو عمل أو دراسة، فلا تقع عينه على ما يثير شيئًا
стр. 61
من كوامن غريزته، فيعود إلى بيته، هادئ النفس، مستريح البال، نشط الفكر، أم أن يخرج من بيته فتستقبله مغريات الجنس من كل جانب وصوب، وبكل أسلوب وفن، فتهتاج نفسه وتثور غرائزه، حتى إذا دنا ليمتع نفسه وتثور غريزته اصطدم بحواجز القانون، ورقابة [الشرطة]، وشهامة الزوج أو القريب (١)؟
٣ - ويقولون لك: إن حجاب المرأة عائق عن مشاركتها الرجل في نهضته الفكرية والثقافية والاجتماعية، وإنما أولى الخطوات إلى أي نشاط فكري أو اجتماعي، أن تسفر الفتاة عن وجهها، وتحطم ما بينها وبين الرجل من حواجز واعتبارات.
كما أن أول السبيل للقضاء على ملكتها واستعداداتها الفكرية والاجتماعية المختلفة، أن تحبس نفسها في قفص الحجاب، وتضع بينها وبين الرجل حاجزًا مما تسميه الستر والآداب!
وما يتحدث أحدهم عن جهل المرأة، وتخلفها، إلا ويجعل من صورة المرأة المحتجبة مظهرًا لذلك!
وما يتحدث عن ثقافة المرأة، وتقدمها، ونشاطها الفكري والاجتماعي ـ إلا ويجعل من صورة المرأة العارية أو السافرة مظهرًا لذلك.
وأقول لك: إنني أجزم بأن هذا التلازم المختلق، إن هو إلا بهتان كبير لا أساس له ولا دليل عليه! .. وإن كل مطلع على التاريخ، يعلم أن تاريخنا الإسلامي مليء بالنساء المسلمات اللاتي جمعن بين الإسلام أدبًا واحتشامًا وسترًا، وعلمًا وثقافة وفكرًا. وذلك بدءًا من عصر الصحابة فما دون ذلك، إلى عصرنا الذي نعيش فيه.
٤ - ويقولون لك: إن الفتاة التي تحبس نفسها عن الناس من وراء الحجاب، إنما تحرم بذلك شبابها بل حياتها من سعادة الزواج، فالشاب إنما يقبل على الفتاة التي يعجب بها، وإنما يعجبه منها - قبل كل شيء - جمالها وما يتصل به من مظاهر شخصيتها. وأنَّى له أن يطمئن إلى ذلك منها إذا لم يتهيأ له أن يراها وأن يخلط نفسه بطرف من شأنها وطباعها؟ ..
وكيف يتهيأ له ذلك إذا كانت تأبى إلا أن تحبس نفسها، وراء سور البرقع والحجاب؟.
стр. 62
تلك هي حجة الأمهات لبناتهن، تحسب الواحدة منهن أنها تجلب الخير بذلك لابنتها، وتقرب السبيل لها إلى اختيار فتى أحلامها. ويزيد في ذلك اندفاعًا إغراءات جنود الشيطان من حولها، يستغلون لديها هذه الرغبة، فيزيدون من مخاوفها إن تزيت ابنتها بلباس الإسلام، ويدعمون آمالها إن هي تحررت منه وانساحت بين صفوف الشباب، تعرض من زينتها عليهم، وتخلط نفسها بهم! ..
وأقول لك: إنها لخدعة باطلة توحي بعكس الواقع والحقيقة! .. خدعة يصوغها دعاة الباطل على علم، وتنطلي على أفكار الفتيات وأمهاتهن جهلاً وخداعًا!!
ولو تأملت الواقع الذي تعيشين فيه، لرأيت نسبة الإقبال على الأسر والفتيات المحافظات للزواج منهن أكثر بما يقارب الضعف، من الإقبال على الأسر المتحررة اللاتي يطبقن الوصفة الخادعة التي اغتررن بها، بل إن الزواج - عمومًا - يشيع بين الأسر المحافظة المتدينة أكثر مما يشيع بين الأسر الأخرى، بنسبة تزيد على الضعف، يعلم تفصيل ذلك كل من يرجع إلى الإحصائيات المفصلة في هذا الشأن.
ولأوضح لك الأسباب القريبة والبعيدة لهذا الشأن، حتى تزدادي يقينًا بحكمة الخالق ﷻ وبأن الإنسان لن يجد مصلحته مكلوءة بعناية وحفظ إلا في تطبيق شرع اللَّه .
إن الشباب في مجتمعنا لا يعدو أن ينتمي إلى أحد صنفين:
الصنف الأول: متدين في الجملة، فهو متقيد بآداب الإسلام ومعظم أحكامه ولا سيما الاجتماعية منها والبارزة. فالشاب من هذا الصنف لا بد أن يتزوج فيما بين العشرين والثلاثين من عمره، لا يستثنى من ذلك إلا أصحاب الظروف الاستثنائية الخاصة. والزواج في اعتبار مثل هذا الشاب بمثابة ساعة الإفطار للصائم فيحشد له جميع آماله الدنيوية في الحياة، ويجعل منه ركيزة سعادته كلها!.
والشاب من هذا الصنف يبحث عن الفتاة كما يحبها، ولكن ضمن دائرة الستر والصيانة التي آمن بها ونشأ في داخلها. وحتى لو بعدت به الظروف عن هذه الدائرة في بعض الأحيان لأسباب مما قد يمتحن به الشاب، فإنه لا يطمئن لفتاة ستصبح أُمًا لأولاده إلا إذا رأى طابع الدين والستر جليًّا وأصيلاً في حياتها.
وهذا الشاب لن يصطدم بمشكلة الجهل أو عدم الاطمئنان إلى خلقها، فإن شريعة اللَّه قد حلت له المشكلة عندما شرعت له، بل أمرته أمر إرشاد وندب أن ينظر إليها
стр. 63
ويكلمها (١)، حتى إذا شعر من نفسه أنه لم ينل حظًّا كافيًا في المرة الأولى لمعرفتها، وتبين ما ينبغي أن يطمئن إليه منها، كان له أن يعاود النظر ثانية وثالثة.
الصنف الثاني: متفلت عن سلطان الدين وأحكامه، فهو لا يبالي أن يمتع نفسه بحظوظها كلما تسنى له ذلك، لا فرق بين أن ينالها من حلال أو حرام!. فالشاب من هذا الصنف إن تزوج فهو إنما يدخر زواجه إلى أواسط عهد الكهولة أو آخرها. ولن تجد واحدًا من هؤلاء تزوج قبل سن الخامسة والثلاثين! .. إلا أن يكون ذلك لظروف استثنائية نادرة.
والزواج في اعتبار مثل هذا الإنسان، كرجوع السائح إلى داره بعد نزهة استنفدت المتعة فيها كل نشاطه وطاقاته، حتى إذا أدركه الملل والجهد عاد إلى داره يبغي فيها الراحة والهدوء؟ .. فهو - وقد نال من صنوف اللذات مغنمًا بدون مغرم - إنما يريد من الزوجة الآن أن تعينه على راحة ينشدها أو قرار يتطلبه، أكثر من أن يريد بالزواج متعة يشترك مع الزوجة فيها وسعادة يلتقي مع الزوجة على ارتشافها!.
وأكثر ما تظاهر بالرغبة في الزواج من قبل، فانجذبت الفتيات إليه من هنا وهناك، كل تعرض له ما عندها من زينة ورقة وجمال، على مذهب هؤلاء المخدوعات اللائي يحسبن أن الفتاة لا يمكن أن تعثر على الزوج الذي تبغيه إلا في الشارع الذي تتعرى فيه، فتذوق من هذه وتلك وتيك ..
ونال ما يبغيه منهن - كما قلنا - غنيمة بدون مغرم. إذ تنتهي بكل منهن خليلة اليوم، ثم نبذها وراء ظهره حليلة الغد!.
وبين الرجل والمرأة فارق في التسابق إلى حظوظ النفس - قلما يتبينه الناس - تكون المرأة هي الخاسرة فيه دائمًا! إذ المرأة مهما تحللت من قيود الدين والآداب، فإنها لا تصل إلى قمة سعادتها إلا في ظلال بيت تصبح أُمًّا سعيدة فيه. والرجل مهما كان شأنه، إنما تهفو نفسه إلى نعيم تصفو فيه لذته عن كدور الغرامة أو المسئولية أو الجهد، ولا يفطم نفسه عن التعلق بذلك إلا دين يتحكم بمجامع قلبه، فإذا فقد الدين فإن الرجل والمرأة يلتقيان على مائدة تكون المرأة دائمًا هي الطرف المغلوب فيها!.
وحصيلة هذا الكلام كله، واقع مشاهد ملموس لا يحتاج لرؤيته إلا إلى تأمل وانتباه. وهو أن نسبة الذين يقبلون على الزواج من الشبان المتدينين تزيد على ضعف نسبة من يقبلون عليه من المتحللين أو المتحررين. والمتدينون لا يتزوجون إلا في الحجر الصالح،
стр. 64
ولا يتعلقون إلا بجمال زانه خلق وستر ودين. ونتيجة لذلك فإن العنوسة لا تشيع - في أعم الأحوال - إلا في الأسر التي شاءت أن تنفلت عن منهج الدين وحكمه وتربيته.
يا أختي المؤمنة: إن فيما أوضحته لك ما يكفي لإقناعك - بالمنطق السليم الذي لا التواء فيه - بأن اتباع شريعة اللَّه تعالى لا يضمن لك بلوغ مرضاة اللَّه فحسب، بل هو يضمن لك إلى جانب ذلك تحقيق أسباب سعادتك الدنيوية كلها. والسعادة ليست في تحقيق الخيال الذي تتصورين وإنما هي في واقع الذي يورثك الطمأنينة ويشيع في حياتك الارتياح والرضا.
أما وقد تبين لك كل ذلك، فقد آن لك أن تنهضي لاستجابة حكم مولاك العظيم، وأن تصطلحي مع اللَّه بعد طول نسيان وتنكر له، فتتخذي من صراطه سبيلاً، ومن حبه شفيعًا بين يديه. دعي انتقاد الناس وحسابهم، فإن حساب اللَّه غدًا أشد وأعظم! ..
ترفعي عن السعي إلى مرضاتهم وتحقيق أهوائهم، فإن التسامي إلى مرضاة اللَّه أسعد لك وأسلم. ولسوف - تجدين - وأنت تعزمين على الرجوع إلى صراط اللَّه - من يحاول أن يرهق مشاعرك تخديرًا تحت وطأة هذه «التقاليع» التي أحاطت بك كما تحيطك خيوط العنكبوت بضحيتها الحبيسة، وأن يذكرك بفلانة التي كانت تبرز مفاتنها أمام الرجال، وفلانة التي كان لها [مكانها] الأدبي البارز بين الناس! ..
وأما أنا (١) فأذكرك بالحكم الإلهي الواضح، الذي نقلته لك بأمانة، وبهذا الحديث الثابت عن رسول اللَّه ﷺ إذ يقول: «صنفان من أمتي لم أرهما قط: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة [أي كسنام الجمل] لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا». رواه مسلم والإمام أحمد.
ولسوف تجدين أيضًا من يذكرك بجمال هذه الدنيا ومغريات الارتواء من لذائذها وزينتها! ولكني أذكرك بخطورة عقابها، وجسامة ما ينتظرك من آثارها ونتائجها ..
أذكرك بيوم الدين، إن كنت قد آمنت بوجوده ...
أذكرك باليوم الذي يصدق فيه قول اللَّه تعالى وهو يخاطب طائفة كبيرة من الناس:
стр. 65
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، أذكرك بذلك كله، فإن ذلك أدعى إلى أن تتلمسي لنفسك سعادة الدنيا والآخرة معًا (١). انتهى كلام فضيلة الشيخ البوطي.
رابعًا: وارباه يا أختاه ..
١ - من يعيب عليك أنك تتحجبين من أجل الزواج، كمن يعيب عليك أنك تجمعين المال من أجل الحج مع محرم.
٢ - لا تظني أن التبرج سبيل إلى الزواج، فإن ما عند اللَّه تعالى لا ينال إلا بطاعته.
٣ - بقدر ما تبتعدين عن مخالطة الرجال (٢) ومزمار الشيطان (٣) بقدر ما تقتربين من اللَّه وفرج الرحمن.
تنبيه:
من النادر أن توجد امرأة مؤمنة ترتدي زي الإسلام قد جاوزت سن الخامسة والعشرين دون زواج. وأكرر ما قلته في المقدمة: إن المسألة ليست مسألة إقناع بقدر ما هي مسألة إيمان وامتثال. فالأمر إذن أمر إيمان بالغيب قبل الصلاة والزكاة والحجاب، فإن اللَّه تعالى يقول في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فكلما زاد الإيمان زاد الامتثال، وكلما ضعف الإيمان ضعف الامتثال، وأيضًا كلما زاد الامتثال زاد الإيمان، وكلما ضعف الامتثال ضعف الإيمان. وما وصل أبو بكر إلى ما هو عليه، وحب اللَّه ورسوله ﷺ له إلا بقوة الإيمان والامتثال، انظر إلى كلامه المأثور عندما أخبر بإسراء الرسول ﷺ : «إن كان قد قال فقد صدق».
خامسًا كلمة أخيرة للشيخ البوطي:
كلمة أخيرة، يجب أن أتجه بها إلى اللواتي استيقنت أفئدتهن الحق الذي بينته، غير أن الواحدة منهن تشعر ببعد النقلة بين الواقع الذي تعيش فيه والحق الذي آمنت به، فتركن آسفة إلى الوضع الذي تعيش فيه، وتعتذر إلى اللَّه أو إلى الناس، بأنها عاجزة عن مثل هذا القفز البعيد.
وهكذا، فإن في الناس طائفة كبيرة من المنحرفين والمنحرفات، لا يمسكهم على انحرافهم ويمنعهم من السعي إلى إصلاح حالهم إلا ما يرونه من بعد الفجوة وعمقها بين
стр. 66
الكمال الذي يسمعون عنه والواقع الذي يعيشون فيه. ولكن هذا التصور خاطئ .. فإن الفاصل الذي بين الحق والباطل، إنما يتمثل في الفرق بين أدنى طرف من الباطل وأول درجة من درجات الحق، وفرق ما بينهما لفتة صغيرة وحركة بسيطة.
إن الحق الذي أوضحناه في الصفحات الماضية، ليس نهاية مستقلة تقبع في قمة السمو والكمال، ولكنه سلم ذو درجات متقاربة، تبدأ أولاها عند طرف الباطل الذي تعيشين فيه، وتقف الأخيرة عند نهاية الكمال الذي يشدك إليه تشريع اللَّه وحكمه. وإنما المطلوب منك - بعد أن تنبهت إلى الحق وآمنت به - أن تتحركي صاعدة في درجاته، لا أن تقفزي قفزة واحدة إلى نهايته! ..
إذا كنت لا تملكين من الطاقة والإرادة أو الظروف المساعدة ما تفرضين به على نفسك حجابًا سابغًا للجسم والوجه، فلتفرضي على نفسك ما دون ذلك مما تساعدك عليه الظروف والأحوال، وإذا كنت لا تجدين طاقة كافية لتغيير أي شيء من لباسك وهيئتك، مهما كانت منحرفة وبعيدة عن اللَّه فلتفرضي على نفسك ما دون ذلك أيضًا، من أداء العبادات المفروضة، وتلاوة شيء من كتاب اللَّه بتدبر خلال كل صباح ومساء، وإذا كنت عاجزة عن الارتباط حتى بهذا القدر في سبيل الإصلاح فلتفرضي على نفسك ما دون ذلك، من استشعار خطورة الحال التي أنت فيها والالتجاء إلى اللَّه تعالى بقلب صادق واجف، تسألينه العون والقوة، فإن صدق الالتجاء إلى اللَّه ينبوع النصر والتوفيق. وما سار إنسان إلى الحق بادئًا بخطوة من هذه الخطا متجهًا إلى اللَّه بصدق وعزم، إلا وفقه اللَّه تعالى في السير إلى نهاية الطريق والوصول إلى مجامع ذلك الحق.
وإنما المصيبة كل المصيبة أن تعلمي الحق، وتؤمني به، ثم لا تتجهي إليه بخطوة ولا بعزم، كأن الأمر ليس مما يعنيك في شيء، أو كأن الذي شرع هذا الحق وأمر به لن تطولك يده، ولن يبلغ إليك بطشه وسلطانه. أو كأن الآخرة وما فيها أهون من أن يتخلى الإنسان في سبيلها عن شيء من أمانيه وأهوائه!.
مثل هذا الحال، يعتبر أعظم سبب لاستمطار غضب اللَّه تعالى والتعجيل بعقوبته. وعقوبة الدنيا هنا لا تتمثل في بلاء عاجل يحيق بالإنسان، وإنما تتمثل في انغلاق العقل، وقسوة القلب، فلا يؤثر في أحدهما تذكير ولا تخويف ولا تنبيه، مهما كانت الأدلة واضحة والنذر قريبة، حتى إذا جاءه الموت تخطفه وهو على هذا الحال، فينقلب إلى اللَّه تعالى، وقد تحول انغلاق عقله وقسوة قلبه إلى ندم يحرق الكبد في وقت لا ينفع فيه الندم ولا رجوع فيه إلى الوراء.
стр. 67
وقد عَبَّرَ اللَّه تعالى عن هذه العقوبة وسببها بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] فإذا كنت تؤمنين باللَّه فلا ريب أنك تؤمنين بشريعته وباليوم الآخر الذي هو يوم الحساب والجزاء.
وإن من مستلزمات هذا الإيمان، أن تضعي الكلام الذي سردته عليك في هذه الرسالة موضع الجد والاهتمام من تفكيرك. حتى إذا أيقنت أنني لم أخدعك بباطل من القول، ولم أضع بين يديك إلا الحقيقة الصافية التي يتمثل فيها حكم اللَّه كان عليك أن تنهضي إلى تطبيق هذا الحكم بالسير في مراحله المتدرجة. فإن رأيت أن حبال الدنيا وأهواءها، وتقاليد الصديقات والقريبات، تشدك إلى الخلف، وتصدك عن النهوض بأمر اللَّه، فلا أقل من أن تفيض الحسرة في قلبك من ذلك فيسوقك الألم إلى باب اللَّه تعالى وأعتاب رحمته، لتعرضي له ضعفك وتجأري إليه بالشكوى، أن يهبك من لدنه قوة وتوفيقًا، وأن يمنحك العون لتتحرري عن سلطان نفسك، وسلطان التقاليد والعادات، وسلطان الأقارب والصديقات.
أما إن لم ينهض بك الإيمان إلى هذا ولا إلى ذلك، ولم يتحرك القلب الذي وراء ضلوعك بأي تأثر واهتمام لكل هذا الذي حدثتك به - فلتكوني في شك من إيمانك بوجود اللَّه تعالى، ولتعلمي أنك تسيرين - إن استمر بك الحال - إلى نهاية رهيبة وليس منها مخلص ولا مفر! ولتعلمي أن سكر الدنيا مهما كان لذيذًا فيوشك أن تفجأك منها ساعة صحوة وانتباه، وإنها واللَّه لقريبة منك.
ولتعلمي أن مذاقها مهما كان طيبًا فإن في نهايتها غصة ستأخذ منك بالحق، وإنها واللَّه لمقبلة إليك، ثم اعلمي أنه ما من شاب يبتلى منك اليوم بفتنة تغريه، أو تشغل له باله، وكان بوسعك أن تجعليه في مأمن منها إلا أعقبك منها غدًا نكال من اللَّه عظيم.
فاذكري في آخر هذه الرسالة ما قد نبهت إليه في أولها، من أن المرأة في حياة الرجل أخطر ابتلاء دنيوي له على الإطلاق، فاجعلي من تقوى اللَّه تعالى في سلوكك عونًا للرجل على السعي في سبيل مرضاة اللَّه، ولا تجعلي من الإمعان في معصية اللَّه عونًا له على السير في طريق الشيطان.
واللَّه المستعان في الهداية والتوفيق (١) ... انتهي كلام فضيلة الشيخ البوطي أكرمه اللَّه تعالى.
стр. 68
تنبيه وكلمة:
الكلام عن شروط الحجاب، وحكم تغطية الوجه، سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في فصل مستقل، ولقد شاء اللَّه تعالى أن أطلق على هذا الجزء الخاص بالمرأة «توبة المرأة» لأن توبة المرأة لا تتحقق بالصلاة والزكاة والصيام فحسب، وإنما مع ذلك كله بالالتزام بالحجاب الشرعي الذي أمرها اللَّه به، فظاهر المرأة بالنسبة للتوبة جزء من باطنها، فكأن النقاط السابقة التي تتحدث عن التوبة تشترك فيها المرأة مع الرجل، أما النقطة الأخيرة فهي نقطة خاصة بالمرأة، ويمكنني بعد ذلك كله أن أقول: وبفضل اللَّه تعالى؛ إن توبة المرأة الظاهرة لا تقل عن توبتها الباطنة، فالتوبة الباطنة من صلاة .... ، ... ، ... علاقة بينها وبين ربها، أما التوبة الظاهرة فعلاقة بينها وبين ربها من ناحية، وعلاقة بينها وبين العباد من ناحية أخرى، وذلك لأنها بتبرجها فتنة للمسلمين فتعدى ذنبها من نفسها إلى العباد، فهي بذلك ظالمة لنفسها من ناحية، عاصية لربها من ناحية ثانية، وظالمة للعباد من ناحية ثالثة. إن خروج المرأة من بيتها بدون حجاب يعني أن هناك عدَّادًا من السيئات كعدَّاد الكهرباء لا يتوقف إلا بدخولها في بيتها أو في مكان شرعي تتوارى فيه عن أعين العباد ... فيا أمة الجبار، أفيقي من غفلتك، وسارعي إلى مغفرة من ربك وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، واقتحمي حصن الشيطان الرجيم، وانسفيه بالذكر الحكيم، وارتدي حجاب رب العالمين من قبل أن يأتي يوم .... يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم.
стр. 69
الباب الثاني: الدنيا
أولاً: قال اللَّه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ - كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ - لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ - ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١ - ٨].
جاء في «مختصر ابن كثير» ما مختصره: يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن الطاعة، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى يأتيكم الموت (١). وقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد، وعن أبيّ بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يعني: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب» (٢). وروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: «﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» (٣).
وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (٤).
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» (٥).
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم وتبقى معه اثنتان: الحرص، والأمل» (٦). وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس أنه رأى في يد رجل درهمًا فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقل الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر،
стр. 70
أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلاً قول الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك
وقوله تعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها الكفار، ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم اللَّه به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته (١). انتهى.
ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى - وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣١، ١٣٢].
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم. ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وفي «الصحيح» أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول اللَّه ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ (٢) واهية معلقة، فابتدرت عينا عمر
стр. 71
بالبكاء، فقال له رسول اللَّه ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول اللَّه، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة اللَّه من خلقه! فقال: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا». فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد اللَّه، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح اللَّه لكم من زهرة الدنيا»، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول اللَّه؟ قال: «بركات الأرض» (١).
وقال قتادة والسدي: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ﴾ يعني: زينة الحياة الدنيا.
وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم، وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي: استنقذهم من عذاب اللَّه بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقوله: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]،. ولهذا قال: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، وقال الثوري: لا نسألك رزقا: أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم، عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله يا أهلاه صلوا، صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وقال رسول اللَّه ﷺ : «يقول اللَّه تعالى يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك» (٢).
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣)، وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة لمن اتقى اللَّه (٤) .. انتهى.
ثالثًا: يقول رسول اللَّه ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». رواه الترمذي وصححه. وصححه الألباني.
وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:
جاء في «مختصر منهاج القاصدين» ما مختصره:
الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب الأمثال لها
стр. 72
كثيرة، كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ - قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [آل عمران: ١٨٥].، وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٢٩ - ٣٠].
وأما الأحاديث، ففي «الصحيحين» من رواية المسور بن شداد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع؟».
وفي حديث آخر: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» رواه مسلم.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتابًا طويلاً فيه: أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فاحذر هذه الدار الغِرارة الخيالة الخداعة، وكن أسرَّ ما تكون فيها، احذر ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن، وصفوها مشوب بالكدر، فلو كان الخالق لم يخبر عنها خيرًا، ولم يضرب لها مثلاً لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من اللَّه عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند اللَّه سبحانه قدر ولا وزن.
ولقد عرضت على نبينا محمد ﵌ مفاتيحها وخزائنها، لا ينقصه عند اللَّه جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها اللَّه عن الصالحين اختيارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرمَ بها؟ ونسي ما صنع اللَّه بمحمد ﵌ حين شد على بطنه الحجر، واللَّه ما أحد من الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، وعجز رأيه، وما أمسك عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه.
وقال مالك بن دينار: اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء - يعني الدنيا.
ومن أمثلة الدنيا: قال يونس بن عبيد: شبهت الدنيا كرجل نائم، فرأى في منامه ما
стр. 73
يكرهه وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه.
ومثل هذا قولهم: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.
والمعنى أنهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به.
قيل: إن عيسى ﵇ رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء (١) عليها من كل زينة. فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلتُ، فقال عيسى ﵇: بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد، ولا يكونون منك على حذر.
وروي عن ابن عباس ﵁ قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء (٢) زرقاء أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلق، فيقال: هل تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ باللَّه من معرفة هذه. فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم؛ فتنادي: يا رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها.
وعن أبي العلاء، قال: رأيت في النوم عجوزًا كبيرة عليها من كل زينة، والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت: من أنت ويلك؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا، قالت: أنا الدنيا. فقلت: أعوذ باللَّه من شرك. قالت: إن أحببت أن تعاذ من شري فأبغض الدرهم.
وقال بعضهم: رأيت الدنيا في النوم عجوزًا مشوهة الخلقة حدباء.
مثال آخر: واعلم أن أحوالك ثلاث: حال لم تكن فيها شيئًا، وهي قبل أن توجد.
وحال أخرى، وهي من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي، فإن لنفسك وجودًا بعد خروجها من بدنك، إما في الجنة أو النار، وهو الخلود الدائم.
وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة، وهي أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى مقدار ذلك، وانسبه إلى الحالتين، تعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا.
ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف انقضت أيامه بها في ضرر وضيق، أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول اللَّه ﵌ لبنة على
стр. 74
لبنة، ولا قصبة على قصبة. وقال: «ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، قال (١) تحت شجرة، ثم راح وتركها» (٢).
وقال عيسى ﵇: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها.
هذا مثل واضح، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة.
ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومن الناس من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور، فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها وهو يستحث للعبور عليها، فهو في غاية الجهل والحمق.
وقيل: مثل طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا، ازداد عطشًا حتى يقتله.
وكان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.
فصل في بيان حقيقة الدنيا والمذموم منها والمحمود
قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقًا، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب.
وقد وضع اللَّه في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ظنًا منهم أن هذا هو الزهد المراد، وجهلاً بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقلة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة فنقول:
اعلم: أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وهي الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الآدمي، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى اللَّه ، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنف الشره وقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا
стр. 75
وجه؛ لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته.
ولا وجه أيضًا للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهي أن يأخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها.
وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج.
وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، ويقول: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال.
ولينظر في سيرة رسول اللَّه ﵌ وصحابته، فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا تفريط في حقوق النفس.
وينبغي أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون. اهـ من «مختصر منهاج القاصدين».
فائدة:
قال ابن السماك الواعظ: هب الدنيا في يديك، ومثلها ضُم إليك، والمشرق والمغرب جاءا إليك، فجاءك الموت ماذا في يديك؟!
خاتمة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أعذر اللَّه إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة». رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في «الفتح» (ج١١ ص ٢٤٤):
قوله: «أعذر اللَّه»: الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول: لو مُدّ لي في الأجل لفعلت ما أُمرت به، يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه. وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية، والمعنى أن اللَّه لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به. والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجة.