← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10277

ففروا إلى الله - القلموني

أبو ذر القلموني

Полный текст (344 стр.). Показаны 316–344 · переход к 321.

стр. 316

ومن الصعب على المسلم الملتحي أن يتردد على أماكن المعصية، لأن اللحية تقول بالمعنى الصامت: أنا تبع النبي ﷺ . فوائد وتنبيهات: ١ - قال البغوي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] قيل: الرجال باللحى، والنساء بالذوائب.٢ - حلق اللحية استجابة لأمر الوالدين بحجة أن طاعة الوالدين فرض وإعفاء اللحية سنة: من تلبيس إبليس (١)، وقد تقدم قول النبي ﷺ : «لا طاعة لأحد في معصية الله». ٣ - حلق اللحية رضوخًا لطلب الزوجة بيان عظيم لقول اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. خاتمة: جاء في «موارد الظمآن»: وفي اللحية خصال نافعة: ١ - مخالفة المشركين. ٢ - تمييز الرجل عن المرأة. ٣ - تمييز الرجل عن الصبي وتغطية ما في منبتها من تشويه أو تثن، لا سيما في الكبر. ٤ - تعظيم الرجل الذي يعفيها وتوقيره. ٥ - أن إعفاءها من سنن المرسلين. ٦ - تقديم من يعفيها على الجماعة وتفضيله. ٧ - السلامة من تضييع قطعة من العمر في حلقها أو قصها. انتهى من «موارد الظمآن». وفوق ذلك كله فهي امتثال لأمر اللَّه، ويا سعادة من امتثل لأمر مولاه، فإن العز كل العز في طاعة اللَّه، وإن الذل كل الذل في معصية اللَّه. الثامنة والستون: إذا كنت من الدعاة إلى اللَّه، واحتجت إلى بيت تسكن فيه، فيمكنك - واللَّه أعلم - أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم ارزقني بيتًا يساعدني على طاعتك في المكان الذي تحب أن أدعو فيه إليك. التاسعة والستون: الشرفة كالشارع خاصة بالنسبة للمرأة ويمكنك أن تقوم بعمل ستارة تغطي أحبال الغسيل من الخارج.

стр. 317

السبعون: أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التيمي أنه قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه، لأن اللَّه نعت أهل العلم فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ انتهى. وذلك في نهاية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا - وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً - وَيَخِرُّونَ للأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧: ١٠٩]. الحادية والسبعون: من رسوخ العلم أن يكون من الكتاب، فقد ورد أن رجلاً سأل الإمام أحمد سؤالاً، فصعد الإمام إلى بيته كي يحضر الكتاب فقال الرجل: حدثني من الذاكرة، فقال الإمام ﵀: لا، بل من الكتاب. وقد يلبس عليك إبليس قائلاً: إنك إذا قرأت من الكتاب، قال الناس: إن حظك من العلم قليل. فإذا كنت عالمًا حقًّا فلا يهمك أن تكون عالمًا عند الناس. وعمومًا يقول ابن القيم ﵀: فالبصير الصادق، لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. الثانية والسبعون: إذا كنت تقوم بإعطاء درس أو خطبة جمعة، فيمكنك أن تصلي صلاة الاستخارة، لا على إلقاء الدرس أو الخطبة وإنما على الموضوع واللَّه أعلم. وأيضًا يا حبذا لو صليت صلاة الحاجة قبل تحضير الخطبة تسأل اللَّه فيها الصواب والإخلاص. الثالثة والسبعون: إذا كنت قد تعودت على السفر كثيرًا فاحذر طول الغياب، وأذكرك بقول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فإلى هذا الحد تصبر المرأة على زوجها، حيث سأل عمر بن الخطاب ﵁ ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂ عن ذلك فأجابته بهذه الآية. وجاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀: وينبغي (أي: للرجل) ألا يدع الجماع، فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها (١). الرابعة والسبعون: ضع في نيتك أن كل ما تنفقه على أهلك يعتبر نفقة في سبيل اللَّه تعالى، حتى رغيف الخبز، ففي «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ أنه قال: «دينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الذي أنفقته على أهلك».

стр. 318

ولقول النبي ﷺ : «نفقةُ الرجل على أهله صدقة» رواه البخاري والترمذي - كما في «صحيح الجامع». جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٦ ص: ٧٢، ٧٣): (قوله: «نفقة الرجل على أهله» وفي رواية للشيخين إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها. قال الحافظ: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال القرطبي في قوله يحتسبها: أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى «صدقة». قال الحافظ: المراد بالصدقة الثواب وإطلاقها عليه مجازي، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلاً، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب لا في كميته وكيفيته، قال: وقوله على أهله: يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب ويحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق به من عداها بطريق الأولى، لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجب أولى. وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع. وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم، ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع انتهى). انتهى من «تحفة الأحوذي» للعلامة المباركفوري رحمه اللَّه تعالى. الخامسة والسبعون: إذا ذهبت إلى أخيك المسلم لمصلحة معينة كصلح بين اثنين متخاصمين ... فلا تبدأ في الموضوع إلا بعد أن تجعله يؤدي الصلاة، خاصة إذا كان من المواظبين على الصلاة، ولو كان الوقت ضيقًا. ويمكنك أن تسأله بهذه الكيفية: بأي سورة قرأ بكم الإمام اليوم في الصلاة؟ السادسة والسبعون: إذا كنت وسيطًا بين طرفين في أمر من أمور الخير كالصلح .... فيمكنك أن تصلي ركعتين لله (صلاة الحاجة) تسأل اللَّه تعالى فيهما التيسير والإخلاص

стр. 319

وسرعة الإنجاز. السابعة والسبعون: جاء في كتاب «الزهد» للإمام أحمد قال سليمان بن داود لابنه ﵉: «يا بني إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك» أي: داوم على تأديبه ولو بالعصا. الثامنة والسبعون: لو جهزت المرأة قلبها لله من صغرها، بالتقوى، وحفظ القرآن - خاصة سورة النور - والابتعاد عن الأغاني، وعدم اختلاطها بالرجال، وبقرارها في بيتها، وتوكلها على فاطرها بأنه هو النافع الضار الباسط القابض، وبالدعاء في السجود بأن اللَّه تعالى يرزقها بزوج صالح، يعفها، ويحفظ عليها دينها، وينفق عليها - لو جهزت بذلك قلبها لربها - لتزوجت بإذن اللَّه تعالى قبل من تجهز لنفسها أثاث بيتها من صغرها، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (١) [الزمر: ٢٦] يا مسكينة: توضئي، واقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين .. تململي بين يديه، وقولي: يا رب إن الحلال يسير على من يسرته عليه فلا تردني. التاسعة والسبعون: إذا رقيت إنسانًا بالفاتحة أو بغيرها فلا تنس أن تكون الرقية بالترتيل. الثمانون: التزم بالترتيل في الصلاة السرية، فرب العلن هو رب السر. الحادية والثمانون: قال رسول اللَّه ﷺ : «إياك وكل أمر يعتذر منه». حسن، الضياء عن أنس. «الصحيحة» (٣٥٤، ١٤٢١). انظر «صحيح الجامع». قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»: «إياك» منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، من قبيل قولهم إياك والأسد، وأهلك والليل، وتقديره هنا باعد واتق «وكل أمر يعتذر منه» أي: احذر أن تتكلم بما تحتاج أن تعتذر عنه. قال ذو النون: ثلاثة من أعلام الكمال: وزن الكلام قبل التفوه به، ومجانبة ما يحوج إلى الاعتذار، وترك إجابة السفيه حلمًا عنه، وأخرج أحمد في «الزهد» عن سعد بن عبادة أنه قال لابنه: إياك وما يعتذر منه من القول والعمل؛ وافعل ما بدا لك؛ وفي رواية: فإنه لا يعتذر من خير؛ وخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران قال لي عمر بن عبد العزيز: احفظ عني أربعًا: لا تصحب سلطانًا وإن أمرته بمعروف ونهيته عن منكر، ولا تخلونّ بامرأة ولو أقرأتها القرآن، ولا تصلنّ من قطع رحمه فإنه لك أقطع؛ ولا تتكلمن بكلام تعتذر منه غدا. وأخرج القالي في أماليه عن بعضهم: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك

стр. 320

اعتذاره؛ فلست بموسع عذرًا كل من أسمعته نكرًا، وهذا الحديث عده العسكري من الأمثال، وقد قال: جمع بهاتين الكلمتين جميع آداب الدنيا والدين، وفيه جمع لما ذكره بعض سلفنا أنه لا ينبغي دخول مواضع التهم، ومن ملك نفسه خاف من مواضع التهم أكثر من خوفه من وجود الألم؛ فإن دخولها يوجب سقم القلب كما يوجب الأغذية الفاسدة سقم البدن، (الضياء) المقدسي (عن أنس) قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أوصني وأنجز فذكره. الثانية والثمانون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن اللَّه يقول لأهل الجنة، يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا». رواه البخاري ومسلم والترمذي. الثالثة والثمانون: عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من غسل (١) واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة: صيامها وقيامها». قال ابن كثير: هذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة، وحسنه الترمذي.

стр. 321

الرابعة والثمانون: إذا استصعب عليك حمل شيء ما أو خفت مكروهًا، أو خفت فقرًا، فقل: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مشيختنا أنه بلغهم: أن أول ما خلق اللَّه حين كان عرشه على الماء - حملة العرش، قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي، فأعادوا عليه ذلك مرارًا، فقال قولوا: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فحملوه. رواه ابن أبي الدنيا، وقال رسول اللَّه ﷺ لقيس بن عبادة: «ألا أدلك على باب من أبواب الجنة»؟ قلت: بلى. قال: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» (١) رواه الترمذي والحديث صحيح - انظر «صحيح سنن الترمذي». الخامسة والثمانون: عن ابن عباس: إذا قلت: لا إله إلا اللَّه فقل الحمد لله، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]. انتهى، وتمام الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. السادسة والثمانون: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: ينهى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال، التي جعلها اللَّه للناس قيامًا، أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ومن هاهنا يؤخذ [الحجر على السفهاء] وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر

стр. 322

للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه؛ حجر عليه. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: هم بنوك والنساء، وقال الضحاك: هم النساء والصبيان. وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى. وقال مجاهد وعكرمة: هم النساء ... وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك وما خولك اللَّه وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم. وقال ابن جرير عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون اللَّه فلا يستجيب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا؛ وقد قال اللَّه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه. وقال مجاهد: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ يعني: في البر والصلة، وهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة في الكساوي والأرزاق، بالكلام الطيب وتحسين الأخلاق (١). انتهى. بل صح الحديث السابق مرفوعًا، قال رسول اللَّه ﷺ : «ثلاثة يدعون اللَّه فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله؛ وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾». صحيح رواه الحاكم عن أبي موسى، «الصحيحة» (١٨٠٥)، الطحاوي، ابن شاذان، أبو نعيم، الديلمي - كذا في «صحيح الجامع». قال المناوي ﵀ في «فيض القدير»: («ثلاثة يدعون اللَّه فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق» بالضم «فلم يطلقها» فإذا دعا عليها لا يستجاب له؛ لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها، وهو في سعة من فراقها، «ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه» فأنكره، فإذا دعا لا يستجاب له لأنه المفرط المقصر بعدم امتثال قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ «ورجل آتى سفيهًا» أي: محجورًا عليه بسفه «ماله» أي: شيئًا من ماله مع علمه بالحجر عليه، فإذا دعا عليه لا يستجاب له، لأنه المضيع لماله فلا عذر له. «وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ

стр. 323

السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾». وقال المعلق على الفيض: قال البيضاوي: نهى الأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم، وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة، وقيل نهي لكل أحد إلى ما خوله اللَّه من المال فيعطي امرأته وأولاده ثم ينظر إلى أيديهم، وإنما سماهم سفهاء استخفافًا بعقلهم، وهو أوفق لقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ أي: تقومون بها وتنتفعون، وعلى الأول بأنها التي من جنس ما جعل اللَّه لكم قيامًا). اهـ. تنبيه: من إكرام الرجل لزوجته ألا يجعلها تذهب إلى السوق، فإن شر الأماكن في الأرض الأسواق. السابعة والثمانون: جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا كان جُنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم اللَّه، وأطفئ مصباحك واذكر اسم اللَّه، وأوك سقاءك واذكر اسم اللَّه، وخمر إناءك واذكر اسم اللَّه ولو أن تعرض عليه شيئًا» «الحديث أخرجه الجماعة: البخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة. جنح الليل: أي: طائفة منه وأراد به هنا الطائفة الأولى عند امتداد فحمة العشاء. فكفوا صبيانكم: أي: امنعوهم من الخروج. فخلوهم: أي: حُلوهم عن ذلك الكف الذي كففتموهم. ولو أن تعرض عليه شيئًا: يعني: أي شيء كان من عود أو غيره، فإن ذلك يكفي، وإن لم يستر جميع الإناء» (١). الثامنة والثمانون: جاء في «إغاثة اللهفان» ما مختصره: (كان النبي ﷺ «يتوضأ بالمُد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». رواه البخاري ومسلم، قال في «عون المعبود» بتصرف: (جـ ١ ص ١٦٤، ١٦٥): (الصاع: هو مكيال يسع أربعة أمداد. والمد: هو بالضم ربع الصاع لغة، وقال في «القاموس»: أو ملء كف الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما، ومنه سمى مدًا). اهـ. وعن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: «لا تُسرف» فقال: يا رسول اللَّه! أوَفي الماء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار» رواه أحمد (٢) وقال محمد بن عجلان: الفقه في دين اللَّه إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء. وقال الإمام أحمد: كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء. وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي بن كعب «أن النبي ﷺ قال: إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» (٣). وكما قال أبو حامد

стр. 324

الغزالي وغيره: الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب (١). انتهى. التاسعة والثمانون: لا تسأل أخاك المسلم إذا لقيته إلى أين تذهب؟ فربما لا يريد إعلامك بذلك. (ورد معنى ذلك في «مختصر منهاج القاصدين») وإنما من الممكن - واللَّه أعلم - لو أن معك دابة - أن تقول له: أنا طريقي في اتجاه كذا فإن أحببت أن تركب معي فافعل. التسعون: إذا زرت عالمًا فلا تطل الزيارة عنده، فإن وقته للكتاب. الحادية والتسعون: عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة. متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵄ قال: لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه. قال العلماء: الوشم أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشي بكحل أو نيلج فيزرق أثره أو يخضر، وفاعلته الواشمة، والتي يفعل بها المستوشمة. وقال النووي ﵀: الواصلة: التي تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر آخر. والموصولة: التي يوصل شعرها. والمستوصلة: التي تسأل من يفعل ذلك لها. والمتفلجة: هي التي تبرد من أسنانها لتباعد بعضها من بعض قليلاً وتحسنها وهو الوشر، والنامصة: هي التي تأخذ من شعر حاجب غيرها وترفعه ليصير حسنًا. والمتنمصة: التي تأمر من يفعل بها ذلك. الثانية والتسعون: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وروي أن بعض الفقراء شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفًا؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: أما تستحي أن تشكو مولاك ولك عنده عروض بخمسين ألفًا. الثالثة والتسعون: جاء في الأثر: (من أتلف شيئًا فعليه إصلاحه) فإن البعض قد يتحرج من ذلك ويقول: إنه لا يقبل العوض، وهذا خطأ، بل لو كسرت كوبًا، ولو بحسن نية فعليك ثمنه، إلا أن يعفو صاحب الكوب، وتظهر هذه المسألة في حوادث

стр. 325

التصادم بالسيارات، فإنك قد تجد البعض يتحرج من أخذ حقه ظنًّا منه (عن غير علم) أن ما يسمونه بالعوض حرام. الرابعة والتسعون: إذا بشرت بنعمة تسر، أو باندفاع نقمة، فاسجد شكرًا لله، ولو كنت على غير وضوء، أو في غير اتجاه القبلة، فعن أبي بكر أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجدًا شكرًا لله تعالى. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. وقال الأرنؤوط: إسناده حسن. وهنا نكتة لطيفة: وهو أنه كلما سجدت شكرًا لله، ولو في الأمور التي قد تعد صغيرة عند البعض، زادك اللَّه رفعة وعطاء. وبالمناسبة، لا تمنعك هيبة الناس أن تسجد للَّه في الطريق، أو في المركبة، أو عند أرباب المناصب، فلسجود الشكر وسجود التلاوة أيضًا في هذه الأماكن لذة في القلب لا تقل عن لذة السجود بين يدي اللَّه تعالى في الليل. وللمرأة أيضًا أن تسجد شكرًا لله تعالى بعد كل عمل من أعمال بيتها كالطبخ .... الخامسة والتسعون: ابتعد عن لحوم العلماء، وخذ خير ما عندهم، واترك ما سوى ذلك، وكما قال ابن عساكر: لحوم العلماء مسمومة. ومن أقواله أيضًا: من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه اللَّه قبل موته بموت القلب. طلب من العلماء: ١ - قراءة باب تلبيس إبليس على العلماء من كتاب «تلبيس إبليس» لابن الجوزي. ٢ - قراءة كتاب «مختصر منهاج القاصدين» بين الحين والحين، وتغذية خطبة الجمعة به. ٣ - ختم القرآن مرتين على الأقل في الشهر. واعلم أن اللَّه تعالى أودع قلبك كتابه لتذكره وتخشاه، لا لتهجره وتنساه، فالعلم هو الخشية. ٤ - قراءة تفسير القرآن كل عام، خاصة قبل رمضان، (على الأقل كتاب كلمات القرآن الكريم من كتاب «أيسر التفاسير» وقد تقدم). ٥ - كما قال ابن تيمية: (ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر). وضع نصب عينك هذه الحكمة: «أكثروا الكلام عن الخير فينتشر، ولا تكثروا الكلام عن الشر فيندثر». ٦ - كن في بيتك ومسجدك ومكان دعوتك كالنخلة، كما جاء في الحديث «يرمونها بالأحجار

стр. 326

فترميهم بالثمار». ٧ - إذا ابتليت فاستتر، فإن الصغيرة في حقك كبيرة. ٨ - لا تعرقل دعوتك إلى اللَّه بالانتصار لنفسك. قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ فرد فرعون: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾ فرد موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلينَ﴾ فرد فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ فاستمر موسى ﵇ في دعوته ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٣: ٢٨]. ٩ - اعلم أن اللَّه تعالى لم يكرم الإنسان العالم فقط، بل كرم الكلب المعلم أيضًا، فكن أهلاً لثقة اللَّه فيك، قال ابن القيم ﵀ في فضل العلم والعلماء: (إن اللَّه سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم أكلها، وأباح صيد الكلب المعلم، وهذا أيضًا من شرف العلم أنه لا يباح إلا صيد الكلب العالم، وأما الكلب الجاهل فلا يحل أكل صيده فدل على شرف العلم وفضله). يقصد ابن القيم ﵀ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. قال ابن كثير في تفسير ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، وقال ﵀ في تعريف الكلب المعلم: (إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه). فائدة: قال سفيان الثوري: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم باللَّه عالم بأمر اللَّه، وعالم باللَّه ليس بعالم بأمر اللَّه، وعالم بأمر اللَّه ليس بعالم باللَّه، فالعالم باللَّه وبأمر اللَّه الذي يخشى اللَّه تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم باللَّه ليس بعالم بأمر اللَّه الذي يخشى اللَّه ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر اللَّه ليس بعالم باللَّه الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى اللَّه. السادسة والتسعون: إن خفت ظالمًا فعليك بهذه الأدعية: ١ - حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ

стр. 327

وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]. ٢ - حسبنا اللَّه ونعم الوكيل على اللَّه توكلنا. أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «وكيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ، فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل على اللَّه توكلنا». والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». ٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من كان دعاؤه: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، مات قبل أن يصيبه البلاء». أخرجه ابن حبان وصححه، وأخرجه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، وصححه الطبراني في «الكبير»، واللفظ للطبراني، وضعفه الألباني. ٤ - الاستغفار: عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». قال الأرنؤوط في «جامع الأصول» (جـ٤ ص: ٣٨٩): (أخرجه أبو داود رقم ١٥١٨) في الصلاة، باب الاستغفار، ورواه أيضًا أحمد في «المسند» رقم (٢٢٣٤) وابن ماجه رقم (٣٨١٩) وفي سنده الحكم بن مصعب المخزومي الدمشقي، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وفي «الضعفاء» أيضًا، وترجمه البخاري في «التاريخ الكبير»، ولم يذكر فيه جرحًا، وباقي رجاله ثقات، وقد صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» رقم (٢٢٣٤) بناء على أنه ثقة عند البخاري؛ لأنه لم يذكر فيه جرحًا فانظره). اهـ. ومن المعلوم أن سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي .... »، ويجدر بك أن تصلي صلاة التوبة بين الحين والحين. وقد جاء في «تحفة الذاكرين» (ص: ٧١) في تفسير الهم والفرق بينه وبين الحزن ما يلي: (قيل: والفرق بين الهم والحزن: أن الهم إنما يكون لأمر متوقع، وأن الحزن يكون من أمر قد وقع، وقيل: الحزن للماضي والهم للمستقبل، وقيل: الفرق بينهما بالشدة والضعف، فالهم أشد في النفس من الحزن لما يحصل فيها من الغم بسببه). ٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا أتيت سلطانًا مهيبًا تخاف أن يسطو عليك فقل: اللَّه أكبر الله أكبر، اللَّه أعز من خلقه جميعًا، اللَّه أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ باللَّه الذي لا إله إلا هو الممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس، اللهم كن لي جارًا من شرهم، جل ثناؤك، وعز جارك، ولا إله غيرك - ثلاث مرات - اللهم إنا نعوذ بك أن يفرط علينا

стр. 328

أحد منهم أو أن يطغى). أخرجه الطبراني في «الكبير» وابن أبي شيبة في «مصنفه». وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين»: والحاصل أن الحديث موقوف على ابن عباس. ٦ - تقدم الحديث الذي ذكرناه في الأذكار في «سنن أبي داود» والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف ظالمًا قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» قال المناوي: في نحورهم: (أي في إزاء صدورهم لتدفع عنا صدروهم وتحول بينا وبينهم) .. ٧ - «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة»، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول اللَّه علمني شيئًا أسأله اللَّه، قال: «سل اللَّه العافية»، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول اللَّه علمني شيئًا أسأله اللَّه، قال: «يا عباس يا عم رسول اللَّه ﷺ ، سل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة» رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١). ٨ - «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك» أخرجه الترمذي والحاكم في «المستدرك». قال الشوكاني في «تحفة الذاكرين»: وقد ذكر له الترمذي قصة وفيها: أن اللَّه قال للنبي ﷺ : سل يا محمد، قال: قلت: «اللهم إني أسألك .... » الحديث إلخ. وبعد هذه الكلمات قال رسول اللَّه ﷺ : «إنها كلمة حق، فادرسوها ثم تعلموها» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني. ٩ - كثرة ذكر اللَّه تعالى والبعد عن الاختلاف - وأعظم الذكر القرآن - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ - وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥، ٤٦]، جاء في «مختصر ابن كثير» ما مختصره: (هذا تعليم من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾. وفي «الصحيحين»: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، ثم قام النبي ﷺ وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب،

стр. 329

وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» وقال قتادة: افترض اللَّه ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب بالسيوف. وعن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى اللَّه تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾. فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا اللَّه في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتوكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا، فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكم﴾ أي: قوتكم ووحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال ﴿واصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم اللَّه ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، وقهروا الجميع حتى علت كلمة اللَّه وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم). اهـ من «مختصر ابن كثير». تنبيه: بعض الناس يرى في الفتن، أن البعد عن التمسك بالسنة سبيل للنجاة، فتراه يسارع إلى حلق اللحية، وخلع القميص، والبعد عن الصلاة ومجالس العلم في المساجد التي قال اللَّه فيها: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، بل يأمر البعض زوجه - أي امرأته - بخلع النقاب، وعلاج ذلك أن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، وأن النبي ﷺ يقول: « .... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف». صحيح - رواه أحمد والترمذي والحاكم كما في «صحيح الجامع»، وجاء في «الفتح»: «لا يمنع العذابَ الفرارُ، وإنما يمنعه التوبةُ والاستغفار». اهـ. واعلم أن العبد إذا أتاه الابتلاء - نسأل اللَّه العافية مع محبته - فكيف يعرف أن هذا الابتلاء

стр. 330

من محبة اللَّه أو غير ذلك؟ قال العلماء كلامًا معناه: إذا كان العبد على طاعة اللَّه فما يأتيه من ابتلاء فهو من محبة اللَّه، وإذا كان العبد على معصية اللَّه، فما يأتيه من ابتلاء فهو مما كسبت يداه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فعليك بكثرة تلاوة القرآن، والصلاة والسلام على خير الأنام، والنفل من الصيام. فائدة: بعد أن علمت هذه الأدعية، أستحب لنفسي ولك - واللَّه أعلم - أن تصلي ركعتين لله تعالى (صلاة الحاجة) ثم تدعو بتلك الأدعية السابقة، مطبقًا عليها آداب الدعاء خاصة الدعاء باسم اللَّه الأعظم، وكلما ألححت على اللَّه تعالى بالدعاء بأن تجعلها من أورادك اليومية كان ذلك خيرًا، والدعاء إذا كان أقوى من البلاء فإنه يرده كما تقدم في باب الدعاء. السابعة والتسعون: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن اللَّه تعالى إذا استودع شيئًا حفظه» رواه ابن حبان والبيهقي وصححه الألباني. وعلى ذلك إذا تركت دابتك فقل: اللهم إني أستودعك إياها، وقس على ذلك باقي أمورك بأن تستودع اللَّه أولادك، وبيتك ومالك، ونفسك، حتى قلمك. الثامنة والتسعون: إياك وسيف الحياء، كأن تأكل من البضاعة قبل وزنها، حتى إذا أذن لك البائع فغالبًا يكون ذلك بسيف الحياء. التاسعة والتسعون: يقول علي ﵁: (لا يرجونَّ عبد إلا ربه) فلا تقل لفلان أرجوك، ولكن قل له: أرجو اللَّه أن تفعل لي كذا. المائة: قال ابن القيم ﵀: علامة سعادة العبد: إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. من كتاب «الوابل الصيب». الحادية بعد المائة: وجبات البدن: الإفطار، والغداء، والعشاء، ووجبات القلب: صلاة التوبة، وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، فداوم على صلاة التوبة، واستخر ربك في كل أمر لا تعرف خيره من شره، وإن كان صغيرًا، وإذا استطعت أن تداوم على صلاة الحاجة كمداومتك على كلمة يا رب فافعل. وإن تعسر عليك أمر ودعوت اللَّه تعالى وأحسست بعدم الإجابة فصل صلاة التوبة، ثم ارجع صلاة الحاجة كرة أخرى، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. الثانية بعد المائة: اهتم بتربية أولادك ودينهم خُمس اهتمامك ببطونهم.

стр. 331

الثالثة بعد المائة: بعض الناس يتخذ من يوم مولده عيدًا، ويسميه عيد الميلاد. إن الاحتفال بمولد النبي ﷺ بدعة، فما بالك بغيره ﷺ ، ليس في الإسلام أعياد سوى عيد الفطر وعيد الأضحى، ولكن لك أن تفعل في اليوم السابع من الميلاد ما يسمى بالنسيكة (أي: العقيقة) لقوله ﷺ : «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه». رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في «صحيح الجامع». واعلم أنه قد ورد حديث يفيد إباحة العقيقة لأربع عشرة ولإحدى وعشرين، وهذا الحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» وضعفه الحافظ ابن حجر وهو (٤١٣٢): «العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين». (صحيح) الطبراني في «الأوسط»، والضياء عن بريدة «الروض النضير» (١٦٦)، و «الإرواء» (١١٧٠). قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن يذبح عن الغلام، العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ يوم السابع فيومَ الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين). جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٥ ص: ٧٨، ٨٠) تعليقًا على هذا القول: قال الحافظ في «الفتح»: بعد أن نقل قول الترمذي هذا ما لفظه: لم أر هذا صريحًا إلا عن أبي عبد اللَّه البوشنجي، ونقله صالح بن أحمد عن أبيه، وورد فيه حديث أخرجه الطبراني من رواية إسماعيل بن مسلم عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه، وإسماعيل ضعيف. وذكر الطبراني أنه تفرد به، انتهى كلام الحافظ.

стр. 332

قلت: قال الحافظ في «التقريب»: إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيهًا وكان ضعيف الحديث. انتهى. [وقال ﵀]: فائدة: إذا مات المولود قبل يوم السابع هل يعق عنه أم لا؟ فقيل: لا يعق عنه وهو قول مالك. قال الحافظ في «الفتح» قوله ﷺ : «يذبح عنه يوم السابع» تمسك به من قال إن العقيقة مؤقتة باليوم السابع، وأن من ذبح قبله لم يقع الموقع وأنها تفوت بعده وهو قول مالك. وقال أيضًا: إن مات قبل السابع سقطت العقيقة. وفي رواية ابن وهب عن مالك: أن من لم يعق عنه في السابع الأول عق عنه في السابع الثاني. قال ابن وهب: ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث. انتهى كلام الحافظ. قلت: والظاهر أن العقيقة مؤقتة باليوم السابع، فقول مالك هو الظاهر واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية السابع الثاني والسابع الثالث فضعيفة، كما عرفت فيما مر. [وأما عن التسمية في غير السابع فجائزة] وقد ثبت تسمية المولود يوم ولد. ففي «صحيح البخاري» عن أبي موسى قال: ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم فحنكه بتمرة ... الحديث. وفيه عن أبي أسيد أنه أتى النبي ﷺ بابنه حين ولد فسماه المنذر، وفي «صحيح مسلم» عن أنس رفعه قال: «ولد لي اليوم غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» الحديث (ويحلق رأسه) أي جميعه. اهـ. أي: بالموسى. مشروعية تحويل العقيقة إلى النسيكة: لما رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني عن عمرو بن شعيب عن أبيه رواه عن جده قال: (سئل رسول اللَّه ﷺ عن العقيقة فقال: «لا يُحبُ اللَّهُ العقوق» - كأنه كره الاسم - وقال: «من ولد له ولدٌ فأحب أن ينسك عنه فلينسُك، عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة» ومعنى مكافأتان - كما في (ب - ف) - متساويتان في السن والحسن. وقد ورد ما يفيد الإجزاء بشاة عن الغلام. ونعود إلى شرح الحديث: جاء في «عون المعبود» (جـ٨ ص: ٤٣، ٤٤): («كأنه كره الاسم»، وذلك لأن العقيقة التي هي الذبيحة والعقوق للأمهات مشتقان من العق الذي هو الشق والقطع، فقوله ﷺ : «لا يحب اللَّه العقوق» بعد سؤاله عن العقيقة للإشارة إلى كراهة اسم العقيقة لما كانت هي والعقوق يرجعان إلى أصل واحد. قاله في «النيل» «فأحب أن ينسُك» بضم السين أي: يذبح (عنه) أي: عن الولد «فلينسك» هذا إرشاد منه إلى مشروعية تحويل العقيقة إلى النسيكة، وأما قوله ﷺ : «مع الغلام عقيقة ... » [هذا الجزء رواه البخاري وغيره] فلبيان الجواز، وهو لا ينافي الكراهة التي أشعر بها قوله: «لا يحب اللَّه

стр. 333

العقوق». اهـ. تنبيه: احذر قول الأمهات - إلا ما رحم ربي - إن رأس المولود طرية (١)، فيحرم المولود من سُنة حلق الرأس، فإذا كانت الأم أرحم الناس بولدها، فاللَّه أرحم من الوالدة بولدها، فإبراهيم ﵇ عندما أُمر بذبح ولده أمسك بالسكين وتله للجبين، وأنت تبخل بشُعيراتٍ يا مسكين. واعلم أنه لا فرق بين الغلام والجارية من ناحية الحلق، فالكلام الوارد في منهاج المسلم غير صحيح، فلم يذكر الشوكاني في «نيل الأوطار» - عندما ذكر الفرق بين الغلام والجارية - أن الغلام يتميز بالحلق، وإنما العمدة في ذلك قول النبي ﷺ : «إنما النساءُ شقائق الرجال» (٢)، فلا يثبت التخصيص إلا بدليل. الرابعة بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: «لا تغضب»، فردده مرارًا، قال: «لا تغضب». رواه البخاري. الخامسة بعد المائة: جاء في «صحيح مسلم» (باب النهي عن الشرب قائمًا) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي فليستقئ». وجاء فيه أيضًا (باب الرخصة في الشرب قائمًا من زمزم) عن ابن عباس ﵄ قال: سقيت رسول اللَّه ﷺ من زمزم فشرب قائمًا واستقى وهو عند البيت. وإليك فقه هذين الحديثين: بوب الإمام النووي في كتاب «رياض الصالحين» قائلاً: (باب جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب جالسًا) وجاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀: (وكان أكثر شربه - أي ﷺ قاعدًا، بل زجر عن الشرب قائمًا، وشرب مرة قائمًا، فقيل: هذا نسخ لنهيه. وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والذي يظهر فيه - واللَّه أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائمًا، وسياق القصة يدل عليه، فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدلو وشرب قائمًا. والصحيح في هذه المسألة: النهي عن الشرب قائمًا، وجوازه لعذر يمنع من الشرب قاعدًا، وبهذا تجمع أحاديث الباب واللَّه أعلم. انتهى من «زاد المعاد» (٣).

стр. 334

وجاء فيه أيضًا عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء (١). وجاء فيه أيضًا عن أنس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ». قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا. انتهى. ومعنى هدي النبي ﷺ في ذلك أنه كان يبعد الإناء عن فيه أثناء الشرب مرتين ويضعه في الثالثة. وجاء في «تحفة الأحوذي» للمباركفوري رحمه اللَّه تعالى (جـ٥ ص: ٥٣٩): («كان يتنفس في الإناء ثلاثًا» ووقع في رواية مسلم: «يتنفس في الشراب ثلاثًا» ووقع في رواية أخرى له مثل رواية الترمذي. قال النووي: معناه في أثناء شربه من الإناء أو في أثناء شربه الشراب «ويقول» إن النبي ﷺ «هو» أي تعدد التنفس أو التثليث «أمرأ» من مرأ الطعام إذا وافق المعدة أي أكثر انصياعًا وأقوى هضمًا، «وأروى» من الري بكسر الراء غير مهموز أي أكثر ريًا وأدفع للعطش، ووقع في رواية مسلم: «أنه أروى وأبرأ وأمرأ» بزيادة قال النووي: معنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش، وقيل أبرأ أي أسلم من مرض أوأذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد انتهى. وقال الحافظ في «الفتح»: أبرأ بالهمزة من البراءة أو من البرء أي يبرئ من الأذى والعطش، ووقع في رواية أبي داود «أهنأ» بدل قوله: «أروى» من الهنأ. قال: والمعنى أنه يصير هنيًا مريًا أي سالمًا أو مبريًا من مرض أو عطش، ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرًا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة، واستعمال أفعل التفضيل في هذا يدل على أن للمرتين في ذلك مدخلاً في الفضل المذكور، ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه. انتهى كلام الحافظ. قوله: «هذا حديث حسن» وأخرجه مسلم وأصحاب السنن قاله الحافظ). اهـ. السادسة بعد المائة: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا آكل متكئًا» رواه البخاري. قال النووي في «رياض الصالحين»: (قال الخطابي: المتكئ هنا هو: الجالس معتمدًا على وطاء تحته، قال: وأراد أنه لا يعتمد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام، بل يقعد مستوفزًا لا مستوطئًا ويأكل بلغة (٢). هذا كلام الخطابي.

стр. 335

وأشار غيره: إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه، واللَّه أعلم) انتهى كلام النووي ﵀. وجاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀: (والاتكاء على ثلاثة أنواع: أحدهما: الاتكاء على الجنب، والثاني: التربع، والثالث، الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، والثلاثة مذمومة) انتهى. السابعة بعد المائة: أنقل إليك هنا بعض المنهيات الواردة في «صحيح الجامع» للألباني (١)، وقد راعيت بعون اللَّه تعالى أن تكون هذه المنهيات بقدر الاستطاعة من التي لا تثير خلافًا بين العلماء: ١، ٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : «لا أمس يد النساء» طس عن قيلة بنت عبيد - صحيح. وجاء فيه أيضًا: قال رسول اللَّه ﷺ : «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له». الطبراني عن معقل بن يسار. صحيح. ٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم» (م عن جابر) - صحيح. ٤ - قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تسأل الناس شيئًا ولا سوطك وإن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه» حم عن أبي ذر. صحيح. ٥ - « ........ لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار» حم، ت، عن عائشة صحيح [الحائض هنا أي: التي بلغت سن المحيض]. ٦ - «لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه لاعبًا ولا جادًّا، وإن أخذ عصا صاحبه فليردها إليه» (م - عن أبي هريرة) صحيح. ٧ - «لا عقر في الإسلام» (د - عن أنس) صحيح (٢). ٨ - «لا يتكلفن أحد لضيفه ما لا يقدر عليه» هب - عن سلمان. صحيح. ٩ - «لا يحل لمسلم أن يروع أخاه» حم، د عن رجال. صحيح. ١٠ - «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق اللَّه الخلق فمن خلق اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت باللَّه ورسوله» م عن أبي هريرة صحيح. ١١ - «لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار» حم، ت عن أبي هريرة. صحيح. [وفي معنى ذلك السكين] انتهى.

стр. 336

تنبيه: هذه المنهيات تزيد عن المائتين بكثير، ولكني اكتفيت بهذا العدد حتى ألفت نظرك إلى قراءتها. الثامنة بعد المائة: حكم رواية الحديث الضعيف وحكم العمل به: جاء في كتاب «تيسير مصطلح الحديث» للشيخ الطحان (١) أثابه اللَّه تعالى ما يلي: ١ - متى يروى الحديث الضعيف؟ يجوز عند أهل الحديث وغيرهم رواية الأحاديث الضعيفة، والتسهيل في أسانيدها من غير بيان ضعفها - بخلاف الأحاديث الموضوعة فإنه لا يجوز روايتها إلا مع بيان وضعها - بشرطين: أ- ألا تتعلق بالعقائد، كصفات اللَّه تعالى. ب- ألا تكون في الأحكام الشرعية مما يتعلق بالحلال والحرام. يعني يجوز روايتها في مثل المواعظ والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وممن روي عنه التساهل في روايتها: سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وينبغي التنبيه إلى أنك إذا رويتها من غير إسناد فلا تقل فيها قال رسول اللَّه ﷺ ، وإنما تقول: روي عن رسول اللَّه ﷺ كذا، أو بلغنا كذا وما أشبه ذلك، لئلا تجزم بنسبة ذلك الحديث للرسول وأنت تعرف ضعفه. ٢ - حكم العمل به [أي متى يعمل بالحديث الضعيف؟] اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف، والذي عليه جمهور العلماء على أنه يستحب العمل به في فضائل الأعمال، بشروط ثلاثة أوضحها الحافظ ابن حجر وهي: أ- أن يكون الضعف غير شديد. ب- أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به. جـ- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. التاسعة بعد المائة: مختصر أسباب شرح الصدر ، وحصولها على الكمال له ﷺ كما ذكرها ابن القيم (٢) ﵀: ١ - التوحيد: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. ٢ - النور: الذي يقذفه اللَّه في قلب العبد وهو نور الإيمان.

стр. 337

٣ - العلم: وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن رسول اللَّه ﷺ وهو العلم النافع. ٤ - الإنابة إلى اللَّه تعالى: ومحبته بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته. ٥ - دوام ذكر اللَّه تعالى: على كل حال وفي كل موطن. ٦ - الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان. ٧ - إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البرء. ٨ - ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم. ومن أقواله ﵀: حال العبد في القبر كحال القلب في الصدر. العاشرة بعد المائة: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق». صحيح - رواه أحمد وأبو داود - كذا في «صحيح الجامع». الحادية عشرة بعد المائة: قال تعالى: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. * * *

стр. 338

قَبْل الخاتمة مقدار صلاة رسول اللَّه ﷺ -: جاء في كتاب «الصلاة» لابن القيم ﵀ تحت عنوان (المسألة العاشرة) ما مختصره: (وأما المسألة العاشرة، وهي مقدار صلاة رسول اللَّه ﷺ فهي من أجلّ المسائل وأهمها، وحاجة الناس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وقد ضيعها الناس في عهد أنس بن مالك ﵁. ففي «صحيح البخاري» من حديث الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت .... ) فإذا أردت معرفة مقدار صلاته ﷺ فارجع إلى الكتاب السالف ذكره «كتاب الصلاة» من (ص: ٨١: ١١١). ولقد قام ابن القيم ﵀ في هذه الصفحات بالكلام عن مقدار صلاته ﷺ ، وتعرض ﵀ لحجج المخففين للصلاة والرد عليها من جانب المكملين للصلاة .. ومما قاله ﵀ في تعليقه: (وفي «الصحيحين» - عنه أي: أنس ﵁: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من صلاة رسول اللَّه ﷺ ) زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه. فوصف صلاته ﷺ بالإيجاز والإتمام، والإيجاز هو الذي كان يفعله، لا الإيجاز الذي كان يظنه من لم يقف على مقدار صلاته ﷺ ، فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه، فلما كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة [في الركعتين أو إحداهما كما في البخاري] كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى ستمائة إلى ألف، ولما قرأ في المغرب بالأعراف، كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى البقرة. وفي «سنن» أبي داود [عن أنس أيضًا]: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا قال سمع اللَّه لمن حمده قام حتى تقول: قد أوهم [أي: نسي] ثم يكبر ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى تقول: قد أوهم. وقال ﵀ عن سنة رسول اللَّه ﷺ : ولا نأخذ منها ما سهل علينا، ونترك منها ما شق علينا لكسل، وضعف وعزيمة، واشتغال بدنيا قد ملأت القلوب وملكت الجوارح وقرت بها العيون بدل من قرتها بالصلاة فقامت على خدمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة والمراكب الهنية، وقامت في حق خدمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق، تعطيه الفضلة من قواها وزمانها، وتستوفي لأنفسها كمال الحظ، ولم تحفظ من السنة إلا «أَفَتَّانٌ أنت يا معاذ؟ ويا أيها الناس إن منكم منفرين»

стр. 339

ووضع الحديث على غير موضعه. وقد قال ﵀ (١) في «زاد المعاد»: وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ووقَّتَ لمعاذ فيها بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها، وأنكر عليه قراءتها بـ (البقرة) بعد ما صلى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها لهم [أي: العشاء] بعد ما ماضى من الليل ما شاء، وقرأ بهم بـ (البقرة)، ولهذا قال له: «أفتان أنت يا معاذ»، فتعلق النقارون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا إلى ما بعدها. وعاد ﵀ مرة أخرى إلى التخفيف والتطويل فقال: بل المرجع في ذلك والتحاكم إلى ما كان يفعله من شرع الصلاة للأمة وجاءهم بها من عند اللَّه، وعلمهم حقوقها وحدودها وهيئاتها وأركانها، وكان يصلي وراءه الضعيف والصغير والكبير وذو الحاجة، ولم يكن بالمدينة إمام غيره صلوات اللَّه وسلامه عليه. فالذي كان يفعله صلوات اللَّه وسلامه عليه، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]. وقد سئل بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال: ما لك في ذلك من خير. فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع (٢) فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها، رواه مسلم في «الصحيح». وقال عبد اللَّه بن عمر: إن كان رسول اللَّه ﷺ ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بـ (الصفات). رواه الإمام أحمد والنسائي [ومن المعلوم أن سورة الصافات ١٨٢ آية]. وقال ﵀: وأما قراءته ﷺ في الفجر بالمعوذتين، فهذا إنما كان في السفر كما هو مصرح به في الحديث والمسافر قد أبيح له أو أوجب عليه قصر الصلاة لمشقة السفر، فأبيح له تخفيف أركانها، فهلا عملتم بقراءته في الحضر بمائة آية في الفجر؟ وأما قراءته ﷺ بسورة التكوير في الفجر، فإنه كان في السفر. وأما حديث تسبيحه في الركوع والسجود ثلاثًا فلا يثبت، والأحاديث الصحيحة بخلافه. وقال ﵀: فإن جاءهم حديث صحيح خالف ما ألفوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخ أو خلاف الإجماع، ولو كانت أحاديث التطويل منسوخة، لكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ أعلم بذلك، ولما احتجوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمة بها وهم الخلفاء الراشدون. فهذا صديق الأمة وشيخ الإسلام صلى الصبح فقرأ بالبقرة من أولها إلى آخرها، وخلفه الكبير والصغير وذو الحاجة، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه،

стр. 340

كادت الشمس تطلع علينا، قال: لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين، ومضى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وكان يقرأ في الفجر بالنحل ويوسف وبهود وبني إسرائيل ونحوها من السور). انتهى. ١ - ما هي الصلاة؟ كل ما تقدم كان مقدمة لما أقوله الآن: فقد بحث ابن القيم ﵀ هذه النقطة من (ص: ٩٤ إلى ص: ١٠٦) من كتابه السالف ذكره «الصلاة» بحثًا قيمًا، ويمكنني أن أقول بفضل اللَّه تعالى: لو لم يؤلف ابن القيم ﵀ سوى هذا الجزء فقط لكفاه ... ٢ - سياق صلاته ﷺ : أما إذا أردت معرفة سياق صلاته ﷺ من حين استقباله القبلة وقوله: اللَّه أكبر، إلى حين سلامه، كأنك تشاهده عيانًا، فعليك بقراءة كتاب «زاد المعاد» لابن القيم ﵀ بتحقيق الأرنؤوط (ج١ ص: ٢٠١: ٢٠٦) ولا غنى لقارئ هذا الكتاب عن تحقيق الأرنؤوط أثابه اللَّه. تنبيه: قد تقدمت الإشارة إلى أهمية قراءة مسألة الجماعة للصلاة من «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (ج٢٣ ص: ٢٣٩: ٢٤٣)، فلا بد من قراءتها، وأيضًا لا بد من قراءة أعذار التخلف عن صلاة الجماعة من «فقه السنة». * * *

стр. 341

قُبَيْل الخاتمة ما تزول به عقوبة الذنوب: جاء في كتاب «الإيمان الأوسط» لابن تيمية ﵀ ما مختصره: إن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أشياء: ١ - التوبة: وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ٢ - الاستغفار: في «صحيح مسلم» عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون اللَّه، فيغفر لهم». ٣ - الحسنات الماحية: كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ٤ - دعاء المؤمنين للمؤمن: مثل صلاتهم على جنازته، فعن عائشة ﵂، وأنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون باللَّه شيئًا إلا شفعهم اللَّه فيه» رواه مسلم. ٥ - ما يعمل للميت من أعمال البر: كالصدقة ونحوها. ٦ - شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة: كما تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله ﷺ في «الصحيح»: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» وكما روي عنه ﷺ : «خيرت بأن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكثر، أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين» (١). ٧ - المصائب التي يكفر اللَّه بها الخطايا في الدنيا: كما في «الصحيحين» عنه ﷺ أنه قال: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن إلا كفر اللَّه بها من خطاياه». ٨ - ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة: فإن هذا مما يكفر به الخطايا. ٩ - أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. ١٠ - رحمة اللَّه وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد (٢) انتهى. * * *

стр. 342

الخاتمة أستغفر اللَّه من هذا الكتاب؛ إن الاستغفار بعد الطاعة لا يقل عن الاستغفار بعد المعصية. قال ابن القيم ﵀: فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها. وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام بها كما يليق بجلاله وكبريائه. وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده. وقد أمر اللَّه تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها. فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ - ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون اللَّه . وفي «الصحيح»: «أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» وأمره اللَّه تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة، والقيام بما عليه من أعباء، وقضاء فرض الحج، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. ومن هاهنا فهم عمر وابن عباس ﵃ أن هذا أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه. فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء. فاجعل خاتمته الاستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل. وخاتمة الوضوء أيضًا أن يقول بعد فراغه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين،

стр. 343

واجعلني من المتطهرين» (١). انتهى. واللَّه لو علموا قبيح سريرتي ... لأبى السَّلام عليَّ من يلقاني ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي ... وَلَبُؤْتُ بعد كرامة بهوانِ لكن سَتَرْتَ مَعَايِبي وَمَثَالِبي (٢) ... وَحَمَلْتَ عن سَقَطِي وعن طُغياني فلك المحامد والمدائح كلها ... بخواطري وجوارحي ولساني ولقد مَنَنْتَ عليَّ ربِ بأنعم ... ما لي بشكر أقلهن يدانِ فوحقِّ حكمتك التي آتيتني ... حتى شددت بنورها برهاني لئن اجْتَبَتْنِي من رضاك مَعُونَةٌ ... حتى تُقوِّى أَيْدُهَا (٣) إيماني لأسبحنك بكرةً وعشيةً ... ولتخدمنك في الدُّجَى (٤) أركاني ولأعبدنك قائمًا أو قاعدًا ... ولأشكرنك سائر الأحيانِ ولأكتمن عن البرية خَلَّتي ... ولأشكون إليك جَهْدَ زماني ولأقصدنك في جميع حوائجي ... من دون قصد فلانةِ وفلانِ ولأحسمن عن الأنام مطامعي ... بحُسَامِ يَأْسٍ لم تَشُبْهُ بَناني (٥) ولأجعلن رضاك أكبر همتي ... ولأضربن من الهوى شيطاني ولأكسون عيوب نفسي بالتُّقى ... ولأقبضن عن الفجور عناني (٦) ولأمنعن النفس عن شهواتها ... ولأجعلن الزهد من أعواني ولأتلون حروف وحيك في الدجى ... ولأحرقن بنوره شيطاني رحم الإله صداك يا قحطاني.

стр. 344

يا رب: (تم نورك فهديت، فلك الحمد، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد، ربنا وجهك أكرم الوجوه، وجاهك أعظم الجاه، وعطيتك أفضل العطية وأهناها، تطاع ربنا فتشكر، وتعصى فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحدٌ، ولا يبلغ مدحتك قول قائل). (يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، ويعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماءٌ سماء، ولا أرضٌ أرضًا، ولا بحرٌ ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك فيه). (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب). (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين). وصلِّ اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .... والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أبو ذر القلموني. . عبد المنعم بن حسين بن حنفي بن حسن بن الشاهد - مصر - الواحات الداخلة - القلمون - المقيم في مصر - الجيزة - طريق البراجيل - عزبة خيزة. تم بعون اللَّه تعالى وفضله الانتهاء من هذا الكتاب بمصر - الجيزة - ميت عقبة - في يوم الإثنين السابع عشر من شعبان سنة ألف وأربعمائة وأربع من الهجرة من بكة المباركة إلى المدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام. الحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات * * * كتب للمؤلف ١ - وصف الدور الثلاثة من تفسير ابن كثير - الدنيا دار الغرور. - النار: دار الثبور. - الجنة: دار السرور. ٢ - عون الرحمن في حفظ القرآن بزيادة فتح المنان في حمل الفرقان. الطبعة الثالثة بعد زيادة فتح المنان [الطبعة الأصلية] ١٤٢٠ هـ دار التراث الإسلامي. ٣ - كتاب الطيبات من الرزق. ٤ - كلمات القرآن الكريم من كتاب أيسر التفاسير للجزائري.