فاللَّه له مرة ومرة، كما قال بعض السلف: من أقبل على اللَّه بكليته أقبل اللَّه عليه جملة. ومن أعرض عن اللَّه بكليته أعرض اللَّه عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فاللَّه له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف اللَّه خافه كل شيء. ومن لم يخف اللَّه أخافه من كل شيء.
هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى اللَّه وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه. ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه: وكل إليه وخذل من جهته. فمن خاف شيئًا غير اللَّه سُلِّط عليه. ومن رجا شيئًا سوى اللَّه خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة اللَّه في خلقه. ولن تجد لسنة اللَّه تبديلا). اهـ من «التفسير القيم».
* * *
стр. 282
الباب الثالث عشر: الدين النصيحة
قال رسول اللَّه ﷺ : «الدين النصيحة» رواه مسلم .. لذا أذكِّر نفسي وإياك بهذه النصائح والفوائد:
الأولى: قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الصلاة الوسطى: قال ابن كثير ﵀ بعد أن أورد الخلاف فيها: وقد ثبتت السنة بأنها صلاة العصر (١). انتهى.
وعلى هذا يمكن القول - واللَّه أعلم -: انتظارك صلاة العصر قبل الأذان لا يقل عن استيقاظك قبل الفجر للقيام.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل اللَّه» متفق عليه. وعلى هذا يمكن القول واللَّه أعلم: إذا أردت الرضوان فحافظ على الصلاة حفاظ المؤذن على الأذان. ولا يفوتك أن تقرأ فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في (مسألة الجماعة للصلاة) هل واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟ (٢).
الثانية: الابتعاد عن اللهو والأغاني لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] فالقلب المشغول بالأغاني، لا يكون عامرًا بالقرآن. وقد سبق الكلام عن حكم الإسلام في الغناء.
الثالثة: ترتيل القرآن وحفظه والعمل به.
أ- قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤]. قال رسول اللَّه ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لصاحبه». رواه مسلم. وقال ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه. جاء في «رياض الصالحين» بتحقيق عبد العزيز رباح والدقاق والأرنؤوط ما يلي: «ماهر به» أي: يجيد لفظه على ما ينبغي بحيث لا يتشابه ولا يقف في قراءته. «مع السفرة»: الملائكة الرسل إلى الرسل صلوات اللَّه عليهم. «البررة» أي: المطيعين أي:
стр. 283
معهم في منازلهم في الآخرة.
فائدة:
قال ابن تيمية: من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومن قرأ القرآن وتدبره ولم يعمل به فقد هجره.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب اللَّه فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
وروي أنه جاء في التوراة: إن اللَّه تعالى يقول: أما تستحي مني، يأتيك كتاب (يعني: خطاب) من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفًا حرفًا، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كيف فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، فكنت أهون عليك من بعض إخوانك، يا عبدي! يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك، وتصغي إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف، وها أنا مقبل عليك ومحدث وأنت معرض بقلبك عني، أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟!
ب- أهل القرآن: قال رسول اللَّه ﷺ : «أهل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته» (٢)، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون. وقال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده. وقال وهيب بن الورد: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.
فائدة:
جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀، قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتَخذوا تلاوته عملاً، ولهذا كان أهل القرآن هم العاملون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم (٣). انتهى.
جـ- واحرص دائمًا على أن تجمع بين علوم القرآن والسنة (على الأقل معرفة ترتيل
стр. 284
القرآن وفهم مفرداته وما يعلم من الدين بالضرورة) وبين علوم الدنيا، وإلا فكما يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
قال ابن كثير: (أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة)، قال الحسن البصري: واللَّه ليبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية: يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال) (١). انتهى.
ويمكنك إذا كنت لا تجيد قراءة القرآن أن تذهب إلى أقرب مسجد لتتعلم فيه كيفية التلاوة، وهناك طريقة سهلة، وهي أنك تأتي بشرائط القرآن المرتل (٢)، ثم تتابع مع الشريط في المصحف، وإذا لم يكن في إمكانك الحصول على تلك الشرائط، فيمكنك أن تستمع إلى محطة القرآن الكريم وتتابع مع القارئ في المصحف أيضًا. ويمكنك أن تختم القرآن ولو مرة على الأقل في الشهر بأن تقرأ جزءًا في كل يوم حتى لا تكون من الذين قد هجروا تلاوة القرآن.
الرابعة: عليك بصيام التطوع، قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل اللَّه إلا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» أي: مدة سير سبعين عامًا كما قال العلماء. متفق عليه.
جاء في «الصحيحين»: قال اللَّه تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» قال ابن رجب الحنبلي في «لطائف المعارف»: (ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، وقيل: ليس فيه رياء؛ كذا قال الإمام أحمد وغيره).
وصيام التطوع ما يلي:
١ - يوم عرفة لغير الحاج وهو تاسع ذي الحجة. لقوله ﷺ : «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية». رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
٢ - يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء، وهما العاشر والتاسع من شهر المحرم؛ لقوله ﷺ : «لئن
стр. 285
بقيت إلى قادم لأصومن التاسع» - يعني: مع يوم عاشوراء - كما في «فقه السنة». رواه أحمد ومسلم، وأما عن صيام الحادي عشر من المحرم فقد جاء في رسالة المشروع وغير المشروع في شهر اللَّه المحرم (وما يذكره البعض من استحباب صيام الحادي عشر مع عاشوراء حديثه لم يصح، لا عن النبي ﷺ ، ولا عن ابن عباس ﵄، ولكن لا خلاف في مشروعية صيام يوم الحادي عشر لمطلق حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم والذي يدل على استحباب الإكثار من الصيام في شهر اللَّه المحرم) ..
٣ - صيام ستة أيام من شوال. لقوله ﷺ : «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر». رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. هذا لمن صام رمضان كل سنة. قال العلماء: الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشر شهور، والأيام الستة بشهرين. وعند أحمد: أنها تُؤَدَّى متتابعة وغير متتابعة، ولا فضل لأحدهما على الآخر، وعند الحنفية والشافعية: الأفضل صومها متتابعة عقب العيد كذا في «فقه السنة».
٤ - الإكثار من الصيام في شعبان، وخاصة النصف الأول منه، وذلك لفعله ﷺ ذلك فقد صح عنه ﷺ أنه كان يصوم شعبان إلا قليلاً.
٥ - العشر الأول من شهر ذي الحجة وفيه خلاف (١). قالت عائشة: ما رأيته [أي ﷺ ] صائمًا في العشر قط. ذكره مسلم.
٦ - شهر المحرم لقوله ﷺ عندما سئل عن الصيام: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر اللَّه المحرم الذي تدعونه المحرم». رواه مسلم.
٧ - الأيام البيض من كل شهر وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. لقول أبي ذر الغفاري - نقلاً عن «فقه السنة» - أمرنا رسول اللَّه أن نصوم من الشهر الثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هي كصوم الدهر، رواه النسائي وصححه ابن حبان.
٨ - صيام يوم الإثنين. لقوله ﷺ : «إن الأعمال تعرض كل يوم اثنين وخميس، فيغفر اللَّه لكل مسلم، أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين، فيقول: أخِّرْهما». رواه أحمد بسند صحيح - كما في «فقه السنة».
والمقصود بالمتهاجرين: أي لغير اللَّه، فإذا كان أحدهما يهجر الآخر لله - خاصة بعد النصح والإرشاد - فلا إثم عليه، بل يؤجر على ذلك. واللَّه أعلم.
стр. 286
٩ - صيام يوم الخميس.
١٠ - صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود ﵇. لقوله ﷺ في «الصحيحين»: « ... وأحب الصيام إلى اللَّه تعالى صيام داود .... يصوم يومًا ويفطر يومًا»، ولقوله ﷺ لعبد اللَّه بن عمرو - كما في «الصحيحين» نقلاً عن «اللؤلؤ والمرجان» - «لا صوم فوق صوم داود ﵇، شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا».
١١ - الصيام للعزب الذي لم يستطع الباءة.
١٢ - كان رسول اللَّه ﷺ يصوم السبت والأحد كثيرًا، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى وكان ﷺ يقول: «إنهما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم» (١).
١٣ - وفي «زاد المعاد»: «كان رسول اللَّه ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام»، ذكره أبو داود والنسائي وحسنه الأرنؤوط، وقالت عائشة لم يكن يبالي من أي الشهر صامها. ذكره مسلم، ولا تناقض بين هذه الآثار.
١٤ - وفي «صحيح الجامع» أنه ﷺ كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر. صحيح - رواه الترمذي.
١٥ - وكان ﷺ يدخل على أهله فيقول: «هل عندكم شيء؟» فإن قالوا: لا، قال: «إني صائم» فينشئ النية للتطوع من النهار (٢)، وجاء في «فقه السنة»: (وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار، إن لم يكن قد طعم، قالت عائشة: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «فإني صائم». رواه مسلم وأبو داود. واشترط الأحناف أن تقع النية قبل الزوال [أي: قبيل الظهر]، وهذا هو المشهور من قولي الشافعي. وظاهر قولي ابن مسعود وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال، وبعده، على السواء). اهـ.
واحذر تلبيس إبليس في كونه يجعلك تتناول شيئًا من الطعام أو الشراب بعد الفجر مباشرة في أيام الصيام - حتى يفوت عليك نعمة صيام النفل، فإن نويت وصبرت زال عنك تلبيس إبليس من ناحية الجوع والعطش.
تنبيه:
وكان ﷺ إذا كان صائمًا ونزل على قوم أتم صيامه ولم يفطر، أما الحديث
стр. 287
الذي رواه ابن ماجه: «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم» (١). قال فيه الترمذي: هذا الحديث منكر، ووافقه الأرنؤوط، أثابه اللَّه.
الخامسة: عليك بهذه المكتبة الإسلامية ، مع العلم بأن الكتاب المذكور أولاً هو الأيسر:
١ - التفسير: كلمات القرآن الكريم من كتاب (أيسر التفاسير) للجزائري جمع وترتيب أبي ذر القلموني - «مختصر تفسير ابن كثير» للصابوني - «تفسير ابن كثير» (الأصل) ولا غنى للمسلم عن أحدهما (٢) - «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي - «تفسير البغوي» - «تفسير ابن جرير».
تنبيه:
هناك كتاب لتفسير كلمات القرآن على هيئة القاموس وهو «كلمات القرآن تفسير وبيان» للشيخ الجليل: حسنين مخلوف.
٢ - الأحاديث: «رياض الصالحين» للنووي - «الأذكار النووية» - «صحيح السنن» (ويشمل) (٣) - «صحيح الجامع الصغير» وزيادته للألباني - ترتيب أحاديث «صحيح الجامع الصغير» وزيادته على الأبواب الفقهية - «جامع الأصول» لابن الأثير - جمع الفوائد من «جامع الأصول» و «مجمع الزوائد».
أحاديث مشروحة: «دليل الفالحين في شرح رياض الصالحين» - «شرح مسلم» للنووي - «شرح السنة» للبغوي بتحقيق الأرنؤوط - «عون المعبود شرح سنن أبي داود» - «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» - «الفتح الرباني» ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني - «فتح الباري في شرح البخاري» لابن حجر العسقلاني (موسوعة العلماء).
٣ - الفقه: «فقه السنة» للسيد سابق (٤) - «نيل الأوطار» للشوكاني - «سبل السلام» للصنعاني - «المغني» لابن قدامة - (وقد سبقت الإشارة إلى «فتح الباري»).
٤ - العقيدة: «لمعة الاعتقاد» لابن قدامة شرح ابن عثيمين - «عقيدة المؤمن» لأبي بكر الجزائري - «شرح العقيدة الطحاوية».
стр. 288
٥ - السيرة: «السيرة» لابن كثير - «السيرة» لابن هشام - «البداية والنهاية» لابن كثير.
٦ - القصص: «قصص الأنبياء» لابن كثير.
٧ - القلوب: «مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة - «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي (لا بد من قراءتهما) - «مدارج السالكين» لابن القيم.
٨ - الفتاوى: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية» (٣٧ جزءًا) ويمكن القول بفضل اللَّه تعالى: من أراد العلم على التمام فعليه بفتاوى شيخ الإسلام.
٩ - علم الحديث: «تيسير مصطلح الحديث» للطحان - «الباعث الحثيث» لابن كثير - «نزهة النظر» لابن حجر - وهناك كتاب في أصول التخريج وهو: «أصول التخريج ودراسة الأسانيد» للطحان.
١٠ - اللغة: «النحو الواضح» لعلي الجارم - «قطر الندي وبل الصدى» لابن هشام - «التحفة السنية بشرح المقدمة الأجرومية» - «القواعد الأساسية في النحو والصرف للمدارس الثانوية» - «شذور الذهب» لابن هشام ومعه «متن شذور الذهب».
١١ - البلاغة: «البلاغة الواضحة ودليلها» لعلي الجارم.
١٢ - علوم القرآن: «مباحث في علوم القرآن لمناع القطان» - «الإتقان» للسيوطي.
١٣ - أحكام القرآن: «روائع البيان في أحكام القرآن» للصابوني - «أحكام القرآن» للجصاص - (وقد سبقت الإشارة إلى تفسير القرطبي).
١٤ - أصول الفقه: «أصول الأحكام الشرعية» ليوسف قاسم، «مذكرة أصول الفقه» للشنقيطي، «إعلام الموقعين» لابن القيم، «الموافقات» للشاطبي.
١٥ - الشيطان: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي - «إغاثة اللهفان» لابن القيم - «آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان» للشبلي (وقد سبقت الإشارة إليه).
١٦ - هدي النبي ﷺ لا بيان ما يجوز وما لا يجوز: «زاد المعاد» لابن القيم بتحقيق الأرنؤوط، يقول ابن القيم ﵀ (جـ١ ص: ٢٧٥): (فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدى وأفضله).
١٧ - كتاب شامل لمعظم الإسلام باختصار: «منهاج المسلم» لأبي بكر الجزائري.
١٨ - الأحاديث الضعيفة والموضوعة: «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» للشوكاني - «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني - «ضعيف الجامع الصغير» وزيادته
стр. 289
للألباني - «ضعيف سنن أبي داود» - «ضعيف سنن الترمذي» - «ضعيف سنن النسائي» - «ضعيف سنن ابن ماجه» (كلها للألباني).
١٩ - البدع: «الإبداع في مضار الابتداع» للعالم الجليل: الشيخ على محفوظ - «السنن والمبتدعات».
٢٠ - لتربية الأولاد: «تربية الأطفال في الإسلام» لعبد اللَّه علوان.
٢١ - للمولود: «تحفة المودود في أحكام المولود» لابن القيم.
٢٢ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: وهو كتاب قيم لمعرفة موضع الآية في أي سورة هي؟
٢٣ - النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير، وهو كتاب قيم لمعرفة معاني كلمات الأحاديث على طريقة القاموس.
٢٤ - النار: «يقظة أولي الاعتبار فيما ورد في النار وأصحاب النار»: لصديق حسن خان - «التخويف من النار» لابن رجب الحنبلي - «التذكرة» للقرطبي (١).
٢٥ - الجنة: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» لابن القيم.
٢٦ - الأحاديث القدسية: «شرح الأحاديث القدسية».
٢٧ - الدعاء والذكر: «تحفة الذاكرين» للشوكاني (مع التحفظ في نقطة التوسل) - «الوابل الصيب» لابن القيم - «الأذكار النووية».
٢٨ - القرآن الكريم: ولك أن تلتزم بالقراءة في مصحف واحد (أي طبعة واحدة، لا تقرأ في غيرها من طبعات) فإن ذلك يسهل عليك حفظ وتثبيت القرآن إن شاء اللَّه.
٢٩ - حفظ القرآن: عون الرحمن في حفظ القرآن، بزيادة فتح المنان في حمل الفرقان لأبي ذر القلموني.
٣٠ - تأويل الأحلام: تعطير الأنام في تعبير المنام لعبد الغني النابلسي، وبهامشه منتخب الكلام في تفسير الأحلام للإمام محمد بن سيرين. وإنما ذكرت هذا الكتاب لأن تأويل الأحلام علم من العلوم، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلاَمِِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
٣١ - أطراف الحديث: «موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف» لأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول. فما قام قلم بتخريج حديث بعد صدور هذا الكتاب، إلا ولهذا الكتاب - بعد اللَّه تعالى - فضل عليه، وفائدة الدلالة على موضع الحديث.
стр. 290
ترتيب القراءة: يمكنك واللَّه أعلم، قراءة الكتاب الأول من كل مجموعة حسب الترتيب الرقمي الآتي: فتبدأ برقمي ٧ (أي: مختصر منهاج القاصدين) و١٧ (أي: منهاج المسلم) معًا ثم ١ - ٤ - ٢ - ٣ - ١٥ - ١٦ - ١٣ - ٨ - ٥ - ١٨ - ١٩ - ١٠ - ١٤ - ١٢ - ٩ - ١١ - ٦ ...
تنبيه:
هناك كتب قيمة كثيرة غير ما ذكرتُ، لكني اكتفيت بتلك المصابيح.
السادسة: اجتمع أنت وأهل بيتك كل يوم على مائدة الكتاب والسنة، ومن أيسر الكتب في ذلك «منهاج المسلم»، «مختصر منهاج القاصدين»، «مختصر تفسير ابن كثير» للصابوني، «الوابل الصيب» لابن القيم، «رياض الصالحين».
تنبيه: هذا أقل ما يوجد في بيتك، فإن لم تستطع فعليك بكتاب «منهاج المسلم»، فهو للبيوت كالملح للقوت.
السابعة: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١).
الثامنة: إياك والغيبة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وعن أبي هريرة قال: قيل يا رسول اللَّه ما الغيبة؟ قال ﷺ : «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ : «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول قد بهته» رواه مسلم. وفي كفارة الغيبة قال العلماء: ( .... فإن كانت الغيبة قد بلغت الرجل جاء إليه واستحله، وأظهر له الندم على فعله، وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل جعل مكان استحلاله الاستغفار له) وقد ذكرت الكلام عن الغيبة بعد الكلام عن الصحبة فانتبه.
التاسعة: عدم الغرور بالطاعة، فإن الذي يبكي على معصيته خير من المغرور بطاعته كما قيل: رب معصية أورثت صاحبها ذلاًّ وانكسارًا، ورب طاعة أورثت صاحبها عجبًا وافتخارًا.
العاشرة: الدعاء بظهر الغيب حتى لمن أساء إليك، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الدعاء بظهر الغيب قد سبق الكلام عن بعضها في باب الدعاء، ومن الفائدة - واللَّه أعلم - أنك إذا كنت في الطريق ورأيت أخاك المسلم آتيًا من بعيد، فادع له قبل أن يأتي إليك، وكذلك إذا مررت على بيته، وكذلك إذا زرته فقبل أن تطرق الباب تدعو له.
стр. 291
الحادية عشر: فائدة حول التسبيح دبر الصلوات:
جاء في «صحيح البخاري» عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل في أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون. قال: «ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين»، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين. فرجعت إليه فقال: «تقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون»).
وفي «صحيح مسلم»: قال ﷺ : «تسبحون وتكبرون وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة».
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء».
وزاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث عن ابن عجلان: قال سُمَيٌّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمت (١). إنما قال: «تسبح اللَّه ثلاثًا وثلاثين وتحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين وتكبر اللَّه ثلاثًا وثلاثين» فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك. فأخذ بيدي فقال: اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد لله. اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد لله. حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين.
قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة. فحدثني بمثله عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ .
قال النووي رحمه اللَّه تعالى في «شرح مسلم» (ج٥ ص ١٣٠: ١٣٢ رقم ١٤٢/ ٥٩٥):
قوله: «ذهب أهل الدثور» هو بالثاء المثلثة واحدها دَثْر وهو المال الكثير، قوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات: (أن أبا صالح رحمه اللَّه تعالى قال:
стр. 292
يقول اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة)، وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح، وظاهرها أنه يسبح ثلاثًا وثلاثين مستقلة، ويكبر ثلاثًا وثلاثين مستقلة، ويحمد كذلك، وهذا ظاهر الأحاديث.
قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. وأما قول سهيل: إحدى عشرة إحدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثًا وثلاثين، بل معهم زيادة يجب قبولها. وفي رواية (تمام المائة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). وفي رواية أن التكبيرات أربع وثلاثون، وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها، فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ويقول معها: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له إلى آخرها؛ ليجمع بين الروايات. اهـ.
وجاء في «الفتح» (جـ٢ ص ٣٨٢، ٣٨٣) قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى:
(قال النووي: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين ويقول معها لا إله إلا اللَّه وحده إلخ. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة بلا إله إلا اللَّه على وفق ما وردت به الأحاديث .... ).
قوله: «وتسبحون وتحمدون وتكبرون» كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان تقدم التكبير على التحميد خاصة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: «يقول اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد لله» ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: «تكبر وتحمد وتسبح» وكذا في حديث ابن عمر. وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: «لا يضرك بأيهن بدأت» لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال. ثم التكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن يكون (١) هناك كبير آخر. ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده بجميع ذلك). اهـ. من «الفتح».
وتظهر فائدة الروايات التي فيها سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر مجتمعة - مع مراعاة الاختلاف الوارد في الترتيب - وبإضافة الواو أن الذاكر مهما أراد الإسراع لا بد أن يأتي بأحرف كل كلمة كاملة، وذلك لاختلاف الكلمات، أما إذا كانت الكلمات
стр. 293
واحدة مثل سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه ... إلخ فإن ذلك قد يكون سببًا لضياع بعض الحروف، إلا إذا تمهل الذاكر تمهلاً كافيًا، واللَّه أعلم.
الثانية عشرة: معاملة الزوجة بلطف والصبر على أذاها ، لقوله ﷺ : «لا يفرك (أي: لا يبغض) مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» رواه مسلم.
وجاء في «مختصر منهاج القاصدين»: واعلم أنه ليس حسن الخلق مع المرأة كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها. وتذكر قول النبي ﷺ في «الصحيح»: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة. يجئ أحدهم فيقول: قد فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: فيجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله. قال: فيدنيه منه أو قال: فيلتزمه، ويقول: نعم أنت أنت» رواه مسلم.
ويقول رسول اللَّه ﷺ : «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك اللَّه فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١)، دخيل يعني ضيف.
تنبيه:
إذا وقع أي خلاف في البيت فافزع إلى الصلاة، وأطل السجود، وأكثر الاستغفار.
الثالثة عشرة: ليست هناك عزة بين المؤمن والمؤمن لأن اللَّه تعالى يقول في وصف أحبائه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] ومن باب أولى أن تكون هذه الذلة بين الرجل وزوجته، فعلى كل منهما المسارعة في مصالحة الآخر ولو كان الحق معه، وذلك إرغامًا للشيطان، والأولى أن يكون ذلك من جانب الزوجة حتى تخفف عن زوجها ما يلاقيه من عناء العمل.
الرابعة عشر: إياكَ والإفسادَ بين المرء وزوجه: قال رسول اللَّه ﷺ : «من خبب زوجة امرئ، أو مملوكه فليس منا» (صحيح) رواه أبو داود عن أبي هريرة «الصحيحة» (٣٢٤) كذا في «صحيح الجامع» وقال المنذري - نقلاً عن «عون المعبود» وأخرجه النسائي.
جاء في «فيض القدير» للمناوي رحمه اللَّه تعالى:
(«من خبب» بخاء معجمه ثم موحدة تحتية مكررة «زوجة امرئ» أي: خدعها
стр. 294
وأفسدها «أو مملوكه فليس منا» أي: ليس على طريقتنا ولا من العاملين بأحكام شريعتنا قال [أحد العلماء]: ومن ذلك ما لو جاءته امرأة غضبانة من زوجها ليصلح بينهما مثلاً فيبسط لها في الطعام، ويزيد في النفقة والإكرام، ولو إكرامًا لزوجها، فربما مالت لغيره وازدرت ما عنده فيدخل في هذا الحديث؛ ومقام العارف أن يؤاخذ نفسه باللازم وإن لم يقصده. قال: وقد فعلت هذا الخلق مرارًا، فأضيق على المرأة الغضبانة، وأوصي عيالي أن يجوعوها لترجع وتعرف حق نعمة زوجها؛ وكذا القول في العبد). اهـ.
وجاء في «عون المعبود» (جـ ١٤ ص: ٧٧): «من خبب زوجة امرئ»: أي خدعها وأفسدها، أو حسن إليها الطلاق ليتزوجها أو يزوجها لغيره، أو غير ذلك). اهـ.
الخامسة عشر: الختان من محاسن الإسلام:
تعريف الختان:
جاء في «فقه السنة»: (الختان: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة (١) لئلا يجتمع فيها الوسخ وليتمكن من الاستبراء من البول ولئلا تنقص لذة الجماع هذا بالنسبة للرجل.
وأما المرأة: فيقطع الجزء الأعلى من الفرج بالنسبة لها). اهـ.
قال رسول اللَّه ﷺ : «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد (٢)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط». رواه البخاري ومسلم.
وجاء في «تمام المنة» (ص٦٧: ٦٩) ما مختصره: (فقد صح قوله ﷺ لبعض الختانات في المدينة «اخفضي ولا تنهكي، فإنه أنضر للوجه، وأحظى للزوج» رواه أبو داود، والبزار، والطبراني، وغيرهم، وله طرق وشواهد عن جمع من الصحابة خرجتها في «الصحيحة» (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٨) ببسط قد لا تراه في مكان آخر، وبينت فيه أن ختن النساء كان معروفًا عند السلف خلافًا لبعض من لا علم بالآثار عنده.
وإن مما يؤكد ذلك كله الحديث المشهور (٣): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، وهو مخرج في «الإرواء» (رقم ٨٠).
стр. 295
قال الإمام أحمد ﵀: (وفي هذا دليل على أن النساء كن يُختتن).
انظر «تحفة المودود في أحكام المولود» لابن القيم (ص ٦٤ - هندية) ....
وأما حكم الختان فالراجح عندنا وجوبه، وهو مذهب الجمهور، كمالك والشافعي وأحمد، واختاره ابن القيم، وساق في التدليل على ذلك خمسة عشر وجهًا، وهي وإن كانت مفرداتها لا تنهض على ذلك، فلا شك أن مجموعها ينهض به، ولا يتسع المجال لسوقها جميعًا هاهنا، فاكتفى منها بوجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، والختان من ملته، كما في حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب، وهذا الوجه أحسن الحجج، كما قال البيهقي، ونقله الحافظ (١٠/ ٢٨١).
الثاني: أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني، حتى إن المسلمين لا يكادون يعدون الأقلف منهم.
ومن شاء الاطلاع على بقية الوجوه المشار إليها فليراجع كتاب «التحفة» (ص٥٣ - ٦٠). اهـ.
وجاء في «السلسلة الصحيحة» (جـ٢ ص ٣٤٨، ٣٤٩): (واعلم أن ختن النساء كان معروفًا عند السلف خلافًا لما يظنه من لا علم عنده: فإليك بعض الآثار في ذلك:
١ - عن الحسن قال: (دعي عثمان بن أبي العاص إلى طعام، فقيل: هل تدري ما هذا؟ هذا ختان جارية! فقال: هذا شيء ما كنا نراه على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أن يأكل).
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٧/٢) من طريق أبي حمزة العطار عنه.
قلت: وأبو حمزة - واسمه إسحاق بن الربيع - حسن الحديث كما قال أبو حاتم، وسائر رواته موثقون، فإن كان الحسن سمعه من عثمان فهو سند حسن.
وقد رواه محمد بن إسحاق عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز عن الحسن به دون ذكر: «جارية».
أخرجه الطبراني أيضًا، وأحمد (٤/ ٢١٧)، وإسناده جيد لولا عنعنة ابن إسحاق فإنه مدلس، وبه أعله الهيثمي (٤/ ٦٠).
٢ - عن أم المهاجر قالت: (سبيت (١) وجواري من الروم، فعرض علينا عثمان الإسلام، فلم يسلم منا غيري وغير أخرى، فقال: أخفضوهما وطهروهما. فكنت أخدم عثمان).
أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤٥، ١٢٤٩).
٣ - عن أم علقمة: (أن بنات أخي عائشة خُتنَّ، فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من
стр. 296
يلهيهن؟ قالت: بلى. فأرسلت إلى عدي فأتاهن، فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربًا - وكان ذا شعر كبير - فقالت: أف؛ شيطان! أخرجوه أخرجوه).
أخرجه البخاري في «الأدب» (١٢٤٧).
قلت: وإسناده محتمل للتحسين ورجاله ثقات؛ غير أم علقمة هذه - واسمها مرجانة - وثقها العجلي وابن حبان، وروى عنها ثقات). اهـ.
فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية: سئل ابن تيمية: هل تختن المرأة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله نعم تختن وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك، وفي الحديث قال رسول اللَّه ﷺ للخاتنة: «أشمى ولا تنهكي فإنه أبهى للوجه وأحظى لها عند الزوج» أي: لا تبالغي في القطع، وذلك بأن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود بختان المرأة تعديل شهوتها فإنها إذا كانت قلفاء (١) كانت مغتلمة (شديدة الشهوة) ولهذا يقال في المشاتمة (يا ابن القلفاء) فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد من الفواحش في نساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال واللَّه أعلم. اهـ «فتاوى شيخ الإسلام» (جـ ٢١ ص: ١١٤).
السادسة عشرة: قال رسول اللَّه ﷺ : «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الألباني.
السابعة عشرة: عن بشر الحافي جاء في الأثر: «من بدأ بالحمد قبل الشكوى لم تكتب عليه الشكوى» لذا كان بشر الحافي يقول لمن سأله عن مرضه: أحمد اللَّه إليكم، بي كذا وكذا.
الثامنة عشرة: ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وعليك أن تعلم أن النبي ﷺ يقول: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم. وعليك أن تعلم أنك إذا قلت: السلام عليكم تأخذ عشر حسنات، وإذا أضفت: ورحمة اللَّه تأخذ عشرين حسنة، وإذا أضفت: وبركاته تأخذ ثلاثين حسنة، كما أفاد بذلك حديث أبي داود والترمذي عن النبي ﷺ . وإسناده قوي كما قال الحافظ في «الفتح».
стр. 297
التاسعة عشرة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإذا حالت بينهم شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه» رواه أبو داود وسنده جيد (١). وعليه يمكنك أنت وزوجتك أن يلقي كل منكما على الآخر السلام عندما يأتي أحدكما بجزء من الطعام ثم يذهب لإحضار باقيه.
العشرون: إذا كنت في أي مكان فألق السلام على أخيك المسلم، وإذا كنت تقود مركبتك في الطريق وتوقفت قليلاً فسلم على صاحب المركبة الأخرى.
فائدة:
أخرج ابن السني: قال رسول اللَّه ﷺ : «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» وحسنه الأرنؤوط في «زاد المعاد».
تنبيه:
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٧ ص ٤٧٤: ٤٧٧): (فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة، أعني اليمين من الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة - إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى - وأما قول ابن مسعود ﵁: (علمني النبي ﷺ وكفى بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن) أخرجه الشيخان، فليس من المصافحة في شيء، بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم لمزيد الاعتناء والاهتمام به). اهـ. وعلى ذلك فإن ما يفعله البعض من وضع اليد اليسرى بالإضافة إلى اليمنى عند المصافحة خلاف السنة.
الحادية والعشرون: قال رسول ﷺ : «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة (يعني: خلق)، وعفة طعمة (٢)». رواه أحمد في «مسنده»، وصححه الألباني.
الثانية والعشرون: قال الفضيل: علامة الشقاوة خمسة: قلة الحياء، وقسوة القلب، وجمود العين، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.
وقال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال: «دعه فإن الحياء من الإيمان» متفق عليه.
الثالثة والعشرون: بر والديك وإن جفواك لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟
стр. 298
قال «الجهاد في سبيل اللَّه» متفق عليه. ولقوله ﷺ : «الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» رواه البخاري. وقيل لعلي بن الحسين: إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة؟ قال: أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تسبق إليه عيناها فأكون قد عققتها.
ورأى أبو هريرة رجلاً يمشي خلف رجل فقال: من هذا؟ قال: أبي، قال: لا تدعه باسمه، ولا تجلس قبله، ولا تمشِ أمامه.
الرابعة والعشرون: ابتعد عن القيل والقال لقوله ﷺ : «إن اللَّه حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعًا وهات، وكره لكم: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». أخرجه البخاري.
стр. 299
الخامسة والعشرون: صل رحمك وإن كان عدوك لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرْحَامَ﴾ [النساء:١]. ولقوله ﷺ : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» يعني: أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة. رواه الطبراني، وصححه الألباني.
السادسة والعشرون: لا تنفق وقتك إلا في طاعة، وقد كان أحد السلف إذا طرق الباب طارق يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن يشغلني عن ذكرك.
السابعة والعشرون: عليك بزيارة الأيتام والعطف عليهم، وتذكر أنه سيأتي اليوم الذي تغلق فيه زوجتك بابها على نفسها وتبكي على فراقك - إن قدر اللَّه لك الموت قبلها - وانظر إلى قول النبي ﷺ : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما». رواه البخاري. قال النووي: كافل اليتيم: القائم بأموره.
الثامنة والعشرون: الجار قبل الدار، وعليك أن تأتسي بقول النبي ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك». رواه مسلم.
وإياك إياك أن تؤذي جارك خاصة برفع صوت المذياع. وقد يبيع الرجل داره وبأقل من ثمنه هربًا من جار السوء كما قال أحدهم عند بيع داره:
يلومنني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جارًا هناك ينغّصُ
فقلت لهم كفوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخصُ
وروى المدائني: أنه باع جار لفيروز داره بأربعة آلاف درهم فجيء بها فقال البائع: هذا ثمن داري فأين ثمن جاري؟ قال: ولجارك ثمن؟! قال: لا أنقصه واللَّه عن أربعة آلاف درهم، فبلغ ذلك فيروز فأرسل إليه بثمانية آلاف درهم وقال: هذا ثمن دارك وجارك والزم دارك لا تبعها.
التاسعة والعشرون: قال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت لك أذنان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تتكلم به.
الثلاثون: أكرم ضيفك لقوله ﷺ : «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه» رواه مسلم. وقال تعالى في وصف كرم إبراهيم ﵇: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦، ٢٧].
قال ابن كثير ﵀: وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتيّ سمين مشوي، فقربه إليهم لم
стр. 300
يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرًا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ﴿أَلاَ تَأْكُلُونَ؟﴾ على سبيل العرض والتطلف، كما يقول القائل: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. انتهى.
قال العباس: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته تممته. وقد نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتكلف الرجل في إكرام الضيف فقال ﷺ : «لا يتكلفن أحدٌ لضيفه ما لا يقدر عليه». وسيأتي هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى في باب المناهي.
فائدة:
دخل ضيف على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقدم له نصف رغيف ونصف خيارة وقال له: كل فإن الحلال في هذا الزمان لا يحتمل السرف.
الحادية والثلاثون: إذا كنت تعمل عند إنسان بأجر أو سائقًا على سيارة بالأجرة ثم أتاك ما يسمونه بالوهبة، فإنها من حق صاحب المال إلا أن يأذن لك في أخذها، لما ورد أن النبي ﷺ استعمل رجلاً على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال ﷺ : «أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟». رواه أحمد (١).
فإذا كانت الأجرة المستحقة لك نصف جنيه إلا خمسة قروش، فترك لك الراكب هذه القروش الخمسة، فإنها كما قلنا من حق صاحب المركبة (أي: السيارة) إلا أن يأذن لك. وتذكر قول ميمون بن مهران: ثلاث يؤدين إلى البر والفاجر: الأمانة والعهد وصلة الرحم.
الثانية والثلاثون: حاول ألا تنام بعد الفجر، وإليك بعض هديه ﷺ في النوم كما جاء في كتاب «الطب النبوي» المأخوذ من «زاد المعاد» لابن القيم: وقيل (٢): نوم النهار خلق وخرق وحمق، فالخلق نومة الهاجرة (يعني: الظهر) وهو خلق رسول اللَّه ﷺ . والخرق: نومة الفجر يشغل عن أمر الدنيا والآخرة، والحمق: نومة العصر قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه.
وقال الشاعر:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى خبالاً ونومات العُصَير جنون
ونومة الصبح تمنع الرزق؛ لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق. فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدًّا. ورأى عبد اللَّه بن عباس ابنًا له
стр. 301
نائمًا نوم الصبحة فقال له: قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق. انتهى من «زاد المعاد».
وروي أيضًا: تنسموا الصباح قبل أن تدنسه أنفاس العاصين.
الثالثة والثلاثون: حتى تكون دعوتك إلى اللَّه ذات ثمرة، فابدأ بنفسك أولاً، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فأمر تعالى نبيه ﷺ أن يبدأ بنسائه وبناته قبل نساء المؤمنين.
الرابعة والثلاثون: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨].
وكان يقال: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه خانك، وروي أن حسان بن سنان مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك! لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها. وقد روي أن من حاسب نفسه في الدنيا، خف في القيامة حسابه، وحسن منقلبه. ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته.
جاء في «مختصر منهاج القاصدين»: فلينظر الإنسان في أربعة أنواع: الطاعات، والمعاصي، والصفات المهلكات، والصفات المنجيات، فلا تغفل عن نفسك ولا عن صفاتك المباعدة عن اللَّه تعالى والمقربة إليه، وينبغي على كل [مسلم] أن تكون له جريدة [ورقة] يثبت فيها جملة الصفات المهلكات والصفات المنجيات وجملة المعاصي والطاعات، ويعرض ذلك على نفسه كل يوم، ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة، فإنه إن سلم منها سلم من غيرها وهي: البخل، والكبر، والعجب، والرياء، والحسد، وشدة الغضب، وشره الطعام، وشره الوقاع، وحب المال، وحب الجاه.
ومن المنجيات عشرة: الندم على الذنوب، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر على النعماء، واعتدال الخوف والرجاء، والزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال، وحسن الخلق مع الخلق، وحب اللَّه تعالى، والخشوع. فهذه عشرون خصلة: عشرة مذمومة، وعشرة محمودة، فمتى كفي من المذمومات واحدة خط عليها في جريدته وترك الفكر فيها، وشكر اللَّه تعالى على كفايته إياها، وليعلم أن ذلك لا يتم إلا بتوفيق
стр. 302
اللَّه تعالى وعونه، ثم يقبل على التسع الباقية، وهكذا يفعل حتى يخط على الجميع. وكذلك يطالب نفسه بالاتصاف بالصفات المنجيات، فإذا اتصف بواحدة منها كالتوبة والندم وضع خطًّا عليها واشتغل بالباقي، فأما أكثر الناس من المعدودين في الصالحين، فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة، كأكل الشبهات وإطلاق اللسان بالغيبة، والنميمة، والمراء، والثناء على النفس، والإفراط في موالاة الأولياء، ومعاداة الأعداء، والمداهنة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أكثر من يعد نفسه من الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه، وما لم تطهر الجوارح من الآثام لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتطهيره (١). انتهى.
* * *
جدول محاسبة النفس
من المهلكات ــ من المنجيات ــ من الذنوب الخفية
١ - البخل ... الندم على الذنوب ... المعاصي الظاهرة كأكل الشبهات
٢ - الكبر ... الصبر على البلاء ... إطلاق اللسان بالغيبة والنميمة
٣ - العجب ... الرضا بالقضاء ... المراء
٤ - الرياء ... الشكر على النعماء ... الإفراط في موالاة الأولياء ومعاداة الأعداء
٥ - الحسد ... اعتدال الخوف والرجاء ... المداهنة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٦ - شدة الغضب ... الزهد في الدنيا
٧ - شره الطعام ... الإخلاص في الأعمال
٨ - شره الوقاع ... حسن الخلق مع الخلق
٩ - حب المال ... حب اللَّه تعالى
١٠ - حب الجاه ... الخشوع
стр. 303
الخامسة والثلاثون: أد زكاة مالك إذ كنت ممن وجبت عليهم الزكاة بشروطها، وذلك لقول اللَّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولقوله ﷺ : «من آتاه اللَّه مالاً فلم يؤد زكاته مُثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع (١) له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني: شدقيه - ثم يقول: أنا كنزك أنا مالك». ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. رواه الشيخان، «الشجاع الأقرع»: الثعبان الكبير.
ويقول ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه» (٢). ويقول اللَّه تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
جاء في «مختصر تفسير ابن كثير» ما مختصره: وأما الكنز فقال ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وعنه قال: ما أُدي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرًا لا تؤدي زكاته فهو كنز. وقال الإمام أحمد عن ثوبان: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعير فأدركه وأنا في أثره فقالوا: يا رسول اللَّه أي المال نتخذ؟ قال: «قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة» (٣). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية: أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتًا وتقريعًا وتهكمًا، كما
стр. 304
في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولذلك يقال: من أحب شيء وقدمه على طاعة اللَّه عذب به، وهؤلاء لما كان جمع الأموال آثر عندهم من رضا اللَّه عنهم عذبوا بها، وكان أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة فيحمى عليها في نار جهنم، وناهيك بحرها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، قال عبد اللَّه بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارًا ولا درهم درهمًا ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حدة. انتهى.
تنبيه:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصدقة والهدية أيهما أفضل؟
فأجاب: الحمد لله، (الصدقة) ما يعطى لوجه اللَّه تعالى عبادة محضة من غير قصد شخص معين ولا طلب غرض من جهته، لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات. وأما (الهدية) فيقصد بها إكرام شخص معين، إما لمحبة، وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه منة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات، ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره. وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل، إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول اللَّه ﷺ في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في اللَّه، فهذا يكون أفضل من الصدقة (١). انتهى.
السادسة والثلاثون: بادر بالحج عند الميسرة، قال رسول اللَّه ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٢). وقال رسول ﷺ : « .... فإن عمرة في رمضان تعدل حجة» وفي رواية: «تعدل حجة معي» رواه مسلم، ولمسلم أيضًا قال ﷺ : « .... الحج يهدم ما كان قبله».
السابعة والثلاثون: علينا أن نتكلم باللغة العربية لأنها لغة القرآن.
الثامنة والثلاثون: لا تنبذ التمر والزبيب جميعًا، ولكن انبذ التمر على حدة، والزبيب على حدة، ثم اخلطهما بعد تمام النبيذ، وذلك لما رواه جابر عن رسول اللَّه ﷺ : «أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعًا». رواه الجماعة إلا الترمذي، ويقول رسول اللَّه ﷺ : «من يشرب النبيذ منكم فليشربه زبيبًا
стр. 305
فردًا أو بسرًا فردًا» أخرجه مسلم.
والبسر - كما في «القاموس» - ثمر النخل قبل أن يرطب، وسبب الكراهة فيه - كما في «شرح مسلم» (جـ ١٣ ص ٢٢٣، ٢٢٤) - أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكرًا ويكون مسكرًا، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن هذا النهي لكراهة التنزيه ولا يحرم ذلك ما لم يصر مسكرًا وبهذا قال جماهير العلماء).
التاسعة والثلاثون: اجتنب المسكرات، واعلم أن التداوي بها داء وليس شفاء، وذلك لقول النبي ﷺ : «إن اللَّه أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام» (١). رواه أبو داود. وقال ابن مسعود في المسكر: إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. ذكره البخاري.
الأربعون: ابتعد عن شرب الدخان وما شابهه فإنه حرام، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والدخان من الخبائث.
واعلم أن لهذا الداء رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمؤمنين لقول النبي ﷺ في «صحيح مسلم»، بعد أن تكلم عن رائحة البصل: « .... وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» بالإضافة إلى أن هذا المال ليس مالك أنت، وإنما هو مال اللَّه تعالى، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فلو أن هذا المال مالك أنت ما حاسبك اللَّه عليه، فاستعن باللَّه، وصل ركعتين، واسأل اللَّه أن يرفع عنك هذا البلاء، إن كنت ممن وقعوا فيه خاصة أنك عندما تستأثر بجانب من المال لنفسك، تكون بذلك قد جُرْتَ على أولادك، وأخذت منهم رزقهم، واللَّه سائلك عن ذلك.
الحادية والأربعون: ابتعد عن القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك، وذلك لما يلي:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصَابُ والأزْلاَمُ (٢) رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
стр. 306
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
قال ابن كثير ﵀: يقول اللَّه تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار. وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر. رواه ابن أبي حاتم. قال مجاهد وعطاء: كل شيء من القمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي يلعب بها الصبيان. وقال ابن عمر وابن عباس: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم اللَّه عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال مالك: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. وقال الزهري: الميسر: الضرب بالقداح على الأموال والثمار.
وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فهو من الميسر، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد به الحديث في «صحيح مسلم» [الطاولة وما شابهها]. قال رسول اللَّه ﷺ : «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». وفي «موطأ مالك» عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من لعب بالنرد فقد عصى اللَّه ورسوله» (١). وأما الشطرنج فقد قال عبد اللَّه بن عمر: إنه شر من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم اللَّه تعالى، وأما الأنصاب ....
فائدة: ذكر ابن كثير ﵀: قال ابن أبي حاتم: مر علي ﵁ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير له من أن يمسها.
الثانية والأربعون: إذا وجدت أن حسنات الإنسان أكثر من سيئاته، فلا تذكر سيئاته، وإذا وجدت أن سيئاته أكثر من حسناته، فلا تذكر حسناته، (معنى قول لابن المبارك).
الثالثة والأربعون: لا تدع يومًا يمر عليك إلا وتأمر فيه بمعروف، وتنهى فيه عن منكر، ولو أن تقول: يا فلان حي على الصلاة ....
الرابعة والأربعون: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد، فهل قيامه أفضل من سجوده
стр. 307
وهو قاعد أم لا؟ وهل فعل ذلك رياء ونفاق؟
فأجاب ﵀: بل سجود التلاوة قائمًا أفضل منه قاعدًا، كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة، بل وكذلك سجود الشكر كما روى أبو داود في «سننه» عن النبي ﷺ من سجوده للشكر قائمًا.
وهذا ظاهر في الاعتبار: فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان أحيانًا يصلي قاعدًا فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم، وأحيانًا يركع ويسجد وهو قاعد، فهذا قد يكون للعذر أو للجواز.
الخامسة والأربعون: قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ - إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. قال ابن القيم ﵀: ولا يتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد، والإخلاص يعم اهـ. من كتاب «الجواب الكافي».
السادسة والأربعون: قال ابن القيم ﵀ في كتيب «زاد المهاجر إلى ربه» مراتب الدعوة أربعة:
١ - العلم بما جاء به الرسول ﷺ . ٢ - العمل بما جاء به الرسول ﷺ .
٣ - الدعوة إلى ما جاء به الرسول ﷺ . ٤ - الصبر على ما جاء به الرسول ﷺ .
السابعة والأربعون: اثنان، أنصح نفسي وإياهما بالإعراض عن اللغو: الحلاق، والسائق (خاصة سائق السيارة الأجرة)، فللأول أن يضع في دكانه: «تفسير القرآن»، و «منهاج المسلم»، و «مختصر منهاج القاصدين». وللثاني أن يستمع إلى تسجيلات العلماء وشرائط القرآن.
الثامنة والأربعون: ابتعد عن الجدال وإن كنت محقًا، لقوله ﷺ : «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق» رواه الطبراني، وأبو داود والضياء وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» وقال الأرنؤوط في «جامع الأصول»: إسناده صحيح. وجاء في «عون المعبود» (جـ١٤ ص: ١٥٢): «أنا زعيم» أي: ضامن وكفيل «ببيت». قال الخطابي: البيت هاهنا القصر، يقال: هذا بيت فلان أي: قصره «في ربض الجنة» الرَبَض بفتحتين أي: ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القِلاع، كذا في «النهاية»). فإن الجدال مدخل من مداخل الشيطان. وامتثل للحق ولو أمام الناس، ولا تظن أن ذلك يقلل من شأنك، بل يرفعه، وذلك حتى لا
стр. 308
تكون متكبرًا عن الامتثال للحق، ولقد ذم اللَّه المعرضين عن سبيل الرشد فقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
التاسعة والأربعون: إذا أردت أن تنصح إنسانًا فلا تنصحه أمام الناس، ولتكن النصيحة بينك وبينه، قال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
الخمسون: جاء في باب سد الذرائع في «إغاثة اللهفان» لابن القيم: (منع المقرض من قبول هدية المقترض، ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل القرض.
ففي «سنن» ابن ماجه (١) عن يحيى ابن إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال، فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبنها، ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك»). انتهى.
ثم قال ﵀: وكل ذلك سدًّا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل.
الحادية والخمسون: الصمت حكم وقليل فاعله (قول للقمان الحكيم). واعلم أن من أعظم العبادة وأيسرها على البدن الصمت، وحسن الخلق، لذا كان من صفات عباد الرحمن كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. ومن صفاتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشروهم. ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ ... ﴾ أي: إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلم طيب ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نريد طريق الجاهلية ولا نحبها (٢). انتهى.
وفي «مختصر منهاج القاصدين»: دخل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين المسجد ليلة في الظلمة، فمر برجل نائم فعثر به، فرفع رأسه وقال: أمجنون أنت؟ فقال
стр. 309
عمر: لا، فهم به الحرس، فقال عمر: مه، إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا.
الثانية والخمسون: ما هي آخر مرة زرت فيها المقابر للعظة.
الثالثة والخمسون: اكتب وصيتك الشرعية إذا كان عندك ما توصي به وإلا فإن التأخير دليل على طول أملك في الدنيا، قال رسول اللَّه ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
الرابعة والخمسون: لا تتحرج في كتابة الدّين، وإن كان المدين قريبًا لك خاصةً إذا كنت تعلم أنه قد يماطل في الحق، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال ابن كثير ﵀: هذه الآية أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير عن سعيد بن المسيب أنه بلغه: أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، فقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها .. إلى أن قال ﵀: فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم.
وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال:: هذه نسخت ما قبلها وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس ألا تكتبوا أو لا تشهدوا (١). انتهى.
أي: أن الآية الثانية - واللَّه أعلم - نسخت ما في الآية الأولى من الكتابة والإشهاد على سبيل الإيجاب، لكنها لم تنسخ العمل بهما على سبيل الاستحباب.
الخامسة والخمسون: إذا اشتريت شيئًا مكيلاً أو موزونًا وأردت أن تبيعه فعليك أن تعيد الكيلَ مرة أخرى، وكذا الموزون أن تزنه مرة أخرى، فإن الإعراض عن ذلك خطأ يقع فيه غالب المسلمين، وعلى ذلك فإن ذمة البائع الثاني لا تبرأ بكيل ووزن البائع الأول، عن عثمان بن عفان، قال: كنت أبيع التمر في السوق، فأقول: كلت في وسقي هذا كذا، فأدفع أوساق التمر بِكَيْله وآخذ شفي، فدخلني من ذلك شيء، فسألت رسول اللَّه ﷺ فقال: «إذا سميت الكيل فكله». رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
جاء في «سنن ابن ماجه» (جـ ٣ ص ٥١): (قوله: «في وسق» بفتح واو وسكون سين، المقدار معين، ولعل المراد أنه كان يبيع بكيل البائع الأول ويقول للمشتري: إني
стр. 310
كلت فيه هذا من الكيل، ولا يكيل له، والمشتري يعتمد على قوله فيأخذه من غير كيل جديد، فأشار له ﷺ في الجواب إلى أنك إذا عقدت البيع على الكيل فكله ولا تعتمد على الكيل الأول. وقوله: «وآخذ شفي» بكسر الشين وتشديد الفاء، أي: ربحي. واللَّه أعلم).
وجاء في (ب - ف) (إذا سميت: إذا حددت الكيل وأظهرته).
السادسة والخمسون: أكثر من الاستغفار، خاصة عند الشدائد، وأيضًا عند تسميع القرآن، فقد ورد في الأولى آيات وأحاديث كثيرة، ويكفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
وروي عن ابن تيمية ﵀ قوله: كان إذا حزبني أمر استغفرت اللَّه ألف مرة فيفرج اللَّه عني هذا الأمر.
وذكر العدد هنا كناية عن الكثرة، فلا ترتبط بعدد الشيخ ﵀.
وأما عند تسميع القرآن: فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لقول اللَّه تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] عن الضحاك قال: ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ثم قال الضحاك: وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن الكريم (١)! انتهى.
السابعة والخمسون: تمسك بالسنة خاصة فيما يتصل بظاهرك، فإنها تذكر الناس باللَّه. وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة أبدًا.
ولا تظن أن هذه الأشياء من القشور، فإنه بالقشر يحفظ اللب، ومن أمثلة ذلك: العمامة، والقميص، والشرب جالسًا على ثلاث مرات وعلى الأرض، فإنك قد تجد من يقول: هل حرم الشرب جلوسًا على الكرسي؟
وهنا أوضح عدة أمور:
أ- قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] فمسألة الحرام
стр. 311
والحلال مرجعها إلى اللَّه لا إلى الأهواء.
ب- وقد كان بعض السلف يتحرجون في الإفتاء فكانوا يقولون عند الإفتاء: (كانوا يقولون كذا). قال ابن كثير ﵀: ويدخل في هذا الأمر - أي الافتراء - كل من ابتدع بدعة ليس فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم اللَّه أو حرم شيئًا مما أباح اللَّه بمجرد رأيه وتشهيه (١). انتهى.
بل يمكنك أن تقول له: إن النبي ﷺ نهى عن الشرب واقفًا، إلا في حدود ما استنثنى، فعندما تشرب وأنت جالس (٢) على الكرسي تكون قد امتثلت لنهي النبي ﷺ ، ولكن إذا شربت جالسًا، وعلى الأرض، فلك ثوابان: ثواب الجلوس، وثواب المتابعة للنبي ﷺ .
جـ- بعض الناس في هذه الأيام ليس عندهم إلا كلمتا حلال وحرام، ولم يعلموا أن الأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح.
د- تَفَهُّم فحوى النص: فمثلاً ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: «لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات» والخوان كما جاء في شرح هذا الحديث: المائدة ما لم يكن عليها طعام. فالحديث هنا يدل على الاستحباب لا على الوجوب.
هـ- قال ابن القيم ﵀: ( ... والمقصود أن رسول اللَّه ﷺ كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة، وقرة العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحسي، وأكمل الخلق متابعة له، أكملهم انشراحا ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ﷺ ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال ... وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ اللَّه لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقل، ومستكثر. فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه) (٣). انتهى. فالمتابعة له ﷺ مكيال ومن أوفى استوفى.
الثامنة والخمسون: لا تحرم وارثًا من إرثه، قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا﴾ [الفجر: ٩]، وروي أن من حرم وارثًا من إرثه حرمه اللَّه من ميراث الجنة.
стр. 312
وهناك بعض الناس لا يعطون المرأة حقها في الميراث، وهي أيضًا تتحرج أن تطالب بذلك خشية أن تنقطع صلتها بأقاربها.
التاسعة والخمسون: اهتم بقصص الأنبياء ﵈، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وإذا أردت أن تقص على الناس فعليك بالسيرة، فإنها تشتمل على قصص الذين شهد لهم النبي ﷺ في الصحيح بالخيرية فقال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران راوي الحديث: فلا أدري أذكره بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا، قال الحافظ - نقلاً عن «تحفة الأحوذي» (ج ٦ ص ٤٩٦): ( ... وجاء في أكثر الطرق بغير شك منهاعن النعمان بن بشير عند أحمد، وعن مالك عند مسلم عن عائشة قال رجل: يا رسول اللَّه أي الناس خير؟ قال: «القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث» مرتين أو ثلاثًا (١).
الستون: لا تُفْت بغير علم، قال الإمام ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين»: وقد حرم اللَّه القول عليه بغير علم في الفتوى والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، وثنَّى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أشد تحريمًا منها وهو الشرك باللَّه سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله في دينه وشرعه.
الحادية والستون: جاء في «تفسير ابن كثير»، قال ابن مسعود ﵁: من أراد أن ينظر إلى وصية الرسول ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ
стр. 313
تَذَكَّرُونَ - وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١، ١٥٣].
الثانية والستون: أحسن الظن بأخيك المسلم، خاصة عندما يدعوك إلى اللَّه، فقد تدعو مسلمًا إلى اللَّه فيقول لك: يا أخي هو أنا كافر؟ وقد يقول هذه الكلمة دون داع! .. يا أخي اتق اللَّه، من قال إنك كافر .. ليس حبيبك الذي يقدم لك المشروب، ولكن حبيبك الذي يقربك من المعبود. روي أن بعض الأئمة كان ماشيًا فألقي عليه رماد، فسجد لله شكرًا، فقالوا له: يا إمام أتسجد لله شكرًا وقد ألقي عليك الرماد؟! فرد عليه الإمام قائلاً: الحمد لله الذي جعله رمادًا ولم يجعله نارًا. وقال عمر بن الخطاب: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها من الخير محملاً.
الثالثة والستون: لا تظهر الشماتة بأخيك المسلم، لقول النبي ﷺ : «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه اللَّه ويبتليك» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال المحققون: رجاله ثقات (١)، ومعنى الشماتة: الفرح ببلية الغير.
الرابعة والستون: جاء في «رياض الصالحين» (باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة، وهو أن يتحدثا سرًّا بحيث لا يسمعهما، وفي معناه إذا تحدث اثنان بلسان لا يفهمه):
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] وقال ﷺ : «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث» متفق عليه ورواه أبو داود؛ قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك.
الخامسة والستون: إذا أهديت إنسانًا هدية فلا ترجع فيها؛ لقول النبي ﷺ : «الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه». متفق عليه. وفي رواية: «العائد في هبته كالعائد في قيئه».
ويستثنى من ذلك:
١ - هبة الوالد لولده لقوله ﷺ : «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع
стр. 314
فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده .... ». رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم، وصححه الألباني في «صحيح الجامع»، وجاء في «فقه السنة»: حكم الأم مثل الأب عند أكثر العلماء، وسواء كان الولد صغيرًا أو كبيرًا.
٢ - الهدية بعوض: لقوله ﷺ : «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها». رواه مسلم.
قال في «فقه السنة»: ما لم يثب منها: أي يعوض عنها وهذا هو ما رجحه ابن القيم في «إعلام الموقعين» أي: يُكافأ عليها. اهـ. كأن يقول له: أهبك هذه الساعة على أن تهبني هذا القلم.
السادسة والستون: إذا وكِّلت بإخراج صدقة فأخلص نيتك لله تعالى ولا تتمناها لك وإن كنت فقيرًا، فقد تُوكل بإخراج طعام وليس في بيتك رغيف من الخبز، أو بإخراج مال وليس في بيتك درهم، وكما قيل: كم في الزوايا من خبايا، فإذا أخلصت نيتك فأنت أحد المتصدقين، فعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً موفرًا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به؛ أحد المتصدقين». متفق عليه.
قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»: «الخازن» مبتدأ «المسلم الأمين الذي يعطي» وفي رواية للبخاري ينفذ بفاء مكسورة مخففة أو مشددة وذال معجمة، وفي رواية له ينفق «ما أمر به» بالبناء للمفعول من الصدقة «كاملاً موفورًا طيبة به نفسه» ثلاثتها حال ما أمر به «فيدفعه» عطف على يعطي «إلى» الشخص «الذي أمر له» بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي الذي أمر الآمر له أي بالدفع «أحد المتصدقين» خبر المبتدأ أي بالرفع هو ورب الصدقة في الأجر سواء، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وإن اختلف مقداره لهما، فهو من قبيل قولهم في المبالغة: القلم أحد اللسانين، فالذي يتصدق بماله له أجره مضاعفًا أضعافا كثيرة، والذي ينفذ له عشر حسنات فقط، قال ابن حجر: وقوله المتصدقين ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية، وجوز القرطبي الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين، واعلم أن الأوصاف الثلاثة لا بد منها: كون المتصدق مسلمًا ليصح منه التقريب، أمينًا لأن الخائن مأزور لا مأجور، طيب النفس وإلا فقدت النية فلا أجر، وفيه الخازن بكونه مسلمًا لأن الكافر لا نية له، وبكونه أمينًا لأن الخائن غير مأجور أو رتب الأجر على إعطائه ما أمر به لئلا يكون خائنًا وأن تكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر). اهـ.
السابعة والستون: استجب لأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية ، روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ وابن عمر ﵄: أمر رسول اللَّه ﷺ بإعفاء اللحية، وقال بعض العلماء: ورد هذا الأمر بألفاظ مختلفة عدها النووي ﵀ فبلغت
стр. 315
خمسًا هي قوله ﷺ : «اعفوا، أوفوا، أرخوا، ارجوا، وفروا» والأمر بهذا يفيد وجوب المأمور به، بحيث يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ومنه يعلم أن حلق اللحية مخالفة صريحة لأمر رسول اللَّه ﷺ . انتهى.
وقال ﷺ : «خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب». رواه البخاري ومسلم. وجاء في فقه السنة تعليقًا على هذا الحديث: «حمل الفقهاء هذا الأمر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية بناء على هذا الأمر». انتهى.
القرآن واللحية:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ما نصه: (فهذه الآية بضميمة آية الأنعام إليها، تدل على لزوم إعفاء اللحية، وعدم حلقها، وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ثم إن اللَّه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية من هذا الكتاب المبارك في سورة المائدة (١). وقد قدمنا هناك أنه ثبت في «صحيح البخاري» أن مجاهدًا سأل ابن عباس ﵄: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ قال: أو ما تقرأ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ ..... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود، فسجدها رسول اللَّه ﷺ ، فإذا علمت بذلك أن هارون كان موفرًا شعر لحيته، بدليل قوله لأخيه: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ لأنه لو كان حالقًا لما أراد الأخذ بلحيته، تبين من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية سمت من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات اللَّه وسلامه عليهم). انتهى.
وكما يقال: اللحية تربيها تربيك، وعندما يعفي الإنسان لحيته، يجدها تلزمه بأشياء لا عليه ألا يقوم بها لو كان حالقًا لها، فلو مشي إنسان ملتح مع امرأة متبرجة - حتى ولو كانت أخته - فإن الناس سوف ينظرون إليه نظرة فيها احتقار.
стр. 316
ومن الصعب على المسلم الملتحي أن يتردد على أماكن المعصية، لأن اللحية تقول بالمعنى الصامت: أنا تبع النبي ﷺ .
فوائد وتنبيهات:
١ - قال البغوي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] قيل: الرجال باللحى، والنساء بالذوائب.٢ - حلق اللحية استجابة لأمر الوالدين بحجة أن طاعة الوالدين فرض وإعفاء اللحية سنة: من تلبيس إبليس (١)، وقد تقدم قول النبي ﷺ : «لا طاعة لأحد في معصية الله».
٣ - حلق اللحية رضوخًا لطلب الزوجة بيان عظيم لقول اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
خاتمة:
جاء في «موارد الظمآن»: وفي اللحية خصال نافعة:
١ - مخالفة المشركين.
٢ - تمييز الرجل عن المرأة.
٣ - تمييز الرجل عن الصبي وتغطية ما في منبتها من تشويه أو تثن، لا سيما في الكبر.
٤ - تعظيم الرجل الذي يعفيها وتوقيره.
٥ - أن إعفاءها من سنن المرسلين.
٦ - تقديم من يعفيها على الجماعة وتفضيله.
٧ - السلامة من تضييع قطعة من العمر في حلقها أو قصها. انتهى من «موارد الظمآن».
وفوق ذلك كله فهي امتثال لأمر اللَّه، ويا سعادة من امتثل لأمر مولاه، فإن العز كل العز في طاعة اللَّه، وإن الذل كل الذل في معصية اللَّه.
الثامنة والستون: إذا كنت من الدعاة إلى اللَّه، واحتجت إلى بيت تسكن فيه، فيمكنك - واللَّه أعلم - أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم ارزقني بيتًا يساعدني على طاعتك في المكان الذي تحب أن أدعو فيه إليك.
التاسعة والستون: الشرفة كالشارع خاصة بالنسبة للمرأة ويمكنك أن تقوم بعمل ستارة تغطي أحبال الغسيل من الخارج.
стр. 317
السبعون: أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التيمي أنه قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه، لأن اللَّه نعت أهل العلم فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ انتهى. وذلك في نهاية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا - وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً - وَيَخِرُّونَ للأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧: ١٠٩].
الحادية والسبعون: من رسوخ العلم أن يكون من الكتاب، فقد ورد أن رجلاً سأل الإمام أحمد سؤالاً، فصعد الإمام إلى بيته كي يحضر الكتاب فقال الرجل: حدثني من الذاكرة، فقال الإمام ﵀: لا، بل من الكتاب.
وقد يلبس عليك إبليس قائلاً: إنك إذا قرأت من الكتاب، قال الناس: إن حظك من العلم قليل. فإذا كنت عالمًا حقًّا فلا يهمك أن تكون عالمًا عند الناس. وعمومًا يقول ابن القيم ﵀: فالبصير الصادق، لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
الثانية والسبعون: إذا كنت تقوم بإعطاء درس أو خطبة جمعة، فيمكنك أن تصلي صلاة الاستخارة، لا على إلقاء الدرس أو الخطبة وإنما على الموضوع واللَّه أعلم. وأيضًا يا حبذا لو صليت صلاة الحاجة قبل تحضير الخطبة تسأل اللَّه فيها الصواب والإخلاص.
الثالثة والسبعون: إذا كنت قد تعودت على السفر كثيرًا فاحذر طول الغياب، وأذكرك بقول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فإلى هذا الحد تصبر المرأة على زوجها، حيث سأل عمر بن الخطاب ﵁ ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂ عن ذلك فأجابته بهذه الآية. وجاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀: وينبغي (أي: للرجل) ألا يدع الجماع، فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها (١).
الرابعة والسبعون: ضع في نيتك أن كل ما تنفقه على أهلك يعتبر نفقة في سبيل اللَّه تعالى، حتى رغيف الخبز، ففي «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ أنه قال: «دينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الذي أنفقته على أهلك».
стр. 318
ولقول النبي ﷺ : «نفقةُ الرجل على أهله صدقة» رواه البخاري والترمذي - كما في «صحيح الجامع».
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٦ ص: ٧٢، ٧٣): (قوله: «نفقة الرجل على أهله» وفي رواية للشيخين إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها.
قال الحافظ: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال القرطبي في قوله يحتسبها: أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى «صدقة». قال الحافظ: المراد بالصدقة الثواب وإطلاقها عليه مجازي، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلاً، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب لا في كميته وكيفيته، قال: وقوله على أهله: يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب ويحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق به من عداها بطريق الأولى، لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجب أولى.
وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع.
وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم، ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع انتهى). انتهى من «تحفة الأحوذي» للعلامة المباركفوري رحمه اللَّه تعالى.
الخامسة والسبعون: إذا ذهبت إلى أخيك المسلم لمصلحة معينة كصلح بين اثنين متخاصمين ... فلا تبدأ في الموضوع إلا بعد أن تجعله يؤدي الصلاة، خاصة إذا كان من المواظبين على الصلاة، ولو كان الوقت ضيقًا. ويمكنك أن تسأله بهذه الكيفية: بأي سورة قرأ بكم الإمام اليوم في الصلاة؟
السادسة والسبعون: إذا كنت وسيطًا بين طرفين في أمر من أمور الخير كالصلح .... فيمكنك أن تصلي ركعتين لله (صلاة الحاجة) تسأل اللَّه تعالى فيهما التيسير والإخلاص
стр. 319
وسرعة الإنجاز.
السابعة والسبعون: جاء في كتاب «الزهد» للإمام أحمد قال سليمان بن داود لابنه ﵉: «يا بني إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك» أي: داوم على تأديبه ولو بالعصا.
الثامنة والسبعون: لو جهزت المرأة قلبها لله من صغرها، بالتقوى، وحفظ القرآن - خاصة سورة النور - والابتعاد عن الأغاني، وعدم اختلاطها بالرجال، وبقرارها في بيتها، وتوكلها على فاطرها بأنه هو النافع الضار الباسط القابض، وبالدعاء في السجود بأن اللَّه تعالى يرزقها بزوج صالح، يعفها، ويحفظ عليها دينها، وينفق عليها - لو جهزت بذلك قلبها لربها - لتزوجت بإذن اللَّه تعالى قبل من تجهز لنفسها أثاث بيتها من صغرها، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (١) [الزمر: ٢٦] يا مسكينة: توضئي، واقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين .. تململي بين يديه، وقولي: يا رب إن الحلال يسير على من يسرته عليه فلا تردني.
التاسعة والسبعون: إذا رقيت إنسانًا بالفاتحة أو بغيرها فلا تنس أن تكون الرقية بالترتيل.
الثمانون: التزم بالترتيل في الصلاة السرية، فرب العلن هو رب السر.
الحادية والثمانون: قال رسول اللَّه ﷺ : «إياك وكل أمر يعتذر منه». حسن، الضياء عن أنس. «الصحيحة» (٣٥٤، ١٤٢١). انظر «صحيح الجامع».
قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»: «إياك» منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، من قبيل قولهم إياك والأسد، وأهلك والليل، وتقديره هنا باعد واتق «وكل أمر يعتذر منه» أي: احذر أن تتكلم بما تحتاج أن تعتذر عنه. قال ذو النون: ثلاثة من أعلام الكمال: وزن الكلام قبل التفوه به، ومجانبة ما يحوج إلى الاعتذار، وترك إجابة السفيه حلمًا عنه، وأخرج أحمد في «الزهد» عن سعد بن عبادة أنه قال لابنه: إياك وما يعتذر منه من القول والعمل؛ وافعل ما بدا لك؛ وفي رواية: فإنه لا يعتذر من خير؛ وخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران قال لي عمر بن عبد العزيز: احفظ عني أربعًا: لا تصحب سلطانًا وإن أمرته بمعروف ونهيته عن منكر، ولا تخلونّ بامرأة ولو أقرأتها القرآن، ولا تصلنّ من قطع رحمه فإنه لك أقطع؛ ولا تتكلمن بكلام تعتذر منه غدا. وأخرج القالي في أماليه عن بعضهم: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك
стр. 320
اعتذاره؛ فلست بموسع عذرًا كل من أسمعته نكرًا، وهذا الحديث عده العسكري من الأمثال، وقد قال: جمع بهاتين الكلمتين جميع آداب الدنيا والدين، وفيه جمع لما ذكره بعض سلفنا أنه لا ينبغي دخول مواضع التهم، ومن ملك نفسه خاف من مواضع التهم أكثر من خوفه من وجود الألم؛ فإن دخولها يوجب سقم القلب كما يوجب الأغذية الفاسدة سقم البدن، (الضياء) المقدسي (عن أنس) قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أوصني وأنجز فذكره.
الثانية والثمانون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن اللَّه يقول لأهل الجنة، يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا». رواه البخاري ومسلم والترمذي.
الثالثة والثمانون: عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من غسل (١) واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة: صيامها وقيامها». قال ابن كثير: هذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة، وحسنه الترمذي.