← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10277

ففروا إلى الله - القلموني

أبو ذر القلموني

Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بالبكاء، فقال له رسول اللَّه ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول اللَّه، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة اللَّه من خلقه! فقال: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا». فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد اللَّه، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد. عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح اللَّه لكم من زهرة الدنيا»، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول اللَّه؟ قال: «بركات الأرض» (١). وقال قتادة والسدي: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ﴾ يعني: زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم، وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي: استنقذهم من عذاب اللَّه بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقوله: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]،. ولهذا قال: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، وقال الثوري: لا نسألك رزقا: أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم، عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله يا أهلاه صلوا، صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وقال رسول اللَّه ﷺ : «يقول اللَّه تعالى يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك» (٢). وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣)، وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة لمن اتقى اللَّه (٤) .. انتهى. ثالثًا: يقول رسول اللَّه ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». رواه الترمذي وصححه. وصححه الألباني. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور: جاء في «مختصر منهاج القاصدين» ما مختصره: الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب الأمثال لها

стр. 72

كثيرة، كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ - قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [آل عمران: ١٨٥].، وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٢٩ - ٣٠]. وأما الأحاديث، ففي «الصحيحين» من رواية المسور بن شداد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع؟». وفي حديث آخر: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» رواه مسلم. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتابًا طويلاً فيه: أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فاحذر هذه الدار الغِرارة الخيالة الخداعة، وكن أسرَّ ما تكون فيها، احذر ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن، وصفوها مشوب بالكدر، فلو كان الخالق لم يخبر عنها خيرًا، ولم يضرب لها مثلاً لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من اللَّه عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند اللَّه سبحانه قدر ولا وزن. ولقد عرضت على نبينا محمد ﵌ مفاتيحها وخزائنها، لا ينقصه عند اللَّه جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها اللَّه عن الصالحين اختيارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرمَ بها؟ ونسي ما صنع اللَّه بمحمد ﵌ حين شد على بطنه الحجر، واللَّه ما أحد من الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، وعجز رأيه، وما أمسك عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه. وقال مالك بن دينار: اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء - يعني الدنيا. ومن أمثلة الدنيا: قال يونس بن عبيد: شبهت الدنيا كرجل نائم، فرأى في منامه ما

стр. 73

يكرهه وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه. ومثل هذا قولهم: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. والمعنى أنهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به. قيل: إن عيسى ﵇ رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء (١) عليها من كل زينة. فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلتُ، فقال عيسى ﵇: بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد، ولا يكونون منك على حذر. وروي عن ابن عباس ﵁ قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء (٢) زرقاء أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلق، فيقال: هل تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ باللَّه من معرفة هذه. فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم؛ فتنادي: يا رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها. وعن أبي العلاء، قال: رأيت في النوم عجوزًا كبيرة عليها من كل زينة، والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت: من أنت ويلك؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا، قالت: أنا الدنيا. فقلت: أعوذ باللَّه من شرك. قالت: إن أحببت أن تعاذ من شري فأبغض الدرهم. وقال بعضهم: رأيت الدنيا في النوم عجوزًا مشوهة الخلقة حدباء. مثال آخر: واعلم أن أحوالك ثلاث: حال لم تكن فيها شيئًا، وهي قبل أن توجد. وحال أخرى، وهي من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي، فإن لنفسك وجودًا بعد خروجها من بدنك، إما في الجنة أو النار، وهو الخلود الدائم. وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة، وهي أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى مقدار ذلك، وانسبه إلى الحالتين، تعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا. ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف انقضت أيامه بها في ضرر وضيق، أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول اللَّه ﵌ لبنة على

стр. 74

لبنة، ولا قصبة على قصبة. وقال: «ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، قال (١) تحت شجرة، ثم راح وتركها» (٢). وقال عيسى ﵇: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها. هذا مثل واضح، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة. ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومن الناس من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور، فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها وهو يستحث للعبور عليها، فهو في غاية الجهل والحمق. وقيل: مثل طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا، ازداد عطشًا حتى يقتله. وكان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم. فصل في بيان حقيقة الدنيا والمذموم منها والمحمود قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقًا، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب. وقد وضع اللَّه في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ظنًا منهم أن هذا هو الزهد المراد، وجهلاً بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقلة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة فنقول: اعلم: أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وهي الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الآدمي، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى اللَّه ، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنف الشره وقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا

стр. 75

وجه؛ لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته. ولا وجه أيضًا للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهي أن يأخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها. وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، ويقول: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال. ولينظر في سيرة رسول اللَّه ﵌ وصحابته، فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا تفريط في حقوق النفس. وينبغي أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون. اهـ من «مختصر منهاج القاصدين». فائدة: قال ابن السماك الواعظ: هب الدنيا في يديك، ومثلها ضُم إليك، والمشرق والمغرب جاءا إليك، فجاءك الموت ماذا في يديك؟! خاتمة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أعذر اللَّه إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة». رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في «الفتح» (ج١١ ص ٢٤٤): قوله: «أعذر اللَّه»: الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول: لو مُدّ لي في الأجل لفعلت ما أُمرت به، يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه. وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية، والمعنى أن اللَّه لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به. والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجة.

стр. 76

قوله (أخر أجله): يعني أطاله (حتى بلغه ستين سنة) وفي رواية معمر: «لقد أعذر اللَّه إلى عبد أحياه حتى يبلغ ستين سنة أو سبعين سنة، لقد أعذر اللَّه إليه، لقد أعذر اللَّه إليه». قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدًا لهذا لأنها قريبة من المعترك، وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار لطفًا من اللَّه بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة، وإن كانوا فُطروا على حب الدنيا وطول الأمل، لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية. وفي الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل. وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك». قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة سن الطفولية، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. وقد استنبط منه بعض الشافعية أن من استكمل ستين فلم يحج مع القدرة فإنه يكون مقصرًا ويأثم إن مات قبل أن يحج، بخلاف ما دون ذلك. اهـ. * * *

стр. 77

الباب الثالث: الموت قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. جاء في «مختصر منهاج القاصدين» (١) ما مختصره: اعلم: أن المنهمك في الدنيا المكب في غرورها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره، وإن ذكره كرهه ونفر منه ... وعلى كل حال، ففي ذكر الموت ثواب وفضل، فإن المنهمك في الدنيا قد يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا؛ لأن ذكره ينغص عليه نعيمه ويكدره. فضل ذكر الموت: قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت»، رواه الترمذي وقال: حديث حسن (٢). واعلم: أن خطر الموت عظيم، وإنما غفل الناس عنه لقلة فكرهم وذكرهم له، ومن يذكره منهم إنما يذكره بقلب غافل، فلهذا لا ينجع فيه ذكر الموت، والطريق في ذلك أن يفرغ العبد قلبه لذكر الموت الذي هو بين يديه، كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة، أو يركب البحر، فإنه لا يتفكر إلا في ذلك. وأنفع طريق في ذلك ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله، فيذكر موتهم ومصارعهم تحت الثرى. قال ابن مسعود ﵁: السعيد من وعظ بغيره. وقال أبو الدرداء ﵁: إذا ذكر الموت، فعد نفسك كأحدهم. وينبغي أن يكثر دخول المقابر، ومتى سكنت نفسه إلى شيء في الدنيا، فليتفكر في الحال أنه لا بد من مفارقته، ويقصر أمله. وقد روى عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. وعن أبي زكريا التيمي قال: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، إذ أتي

стр. 78

بحجر منقوش، فطلب من يقرأه، فإذا فيه: ابن آدم! لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فبان منك الولد والنسب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة. واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان: أحدهما: حب الدنيا. والثاني: الجهل. أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئًا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيمني نفسه أبدًا بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه من مال وأهل ومسكن وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر، فيلهو عن ذكر الموت، ولا يقدر قربه. فإن خطر له الموت في بعض الأحوال والحاجة إلى الاستعداد له، سوَّف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب. وإذا كبر قال: إلى أن يصير شيخًا، وإن صار شيخًا، قال: إلى أن يفرغ من بناء هذا الدار، وعمارة هذه الضيعة، أو يرجع من هذه السفرة، فلا يزال يسوَّف ويؤخر، ولا يحرص في إتمام شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال، وهكذا على التدريج يؤخر يومًا بعد يوم، ويشتغل بشغل بعد شغل، إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرته. وأكثر صياح أهل النار من «سوف» يقولون: واحسرتاه! من «سوف». وأصل هذه الأماني كلها حبُّ الدنيا والأنس بها، والغفلة عن قول النبي ﷺ : «أحبب ما شئت فإنك مفارقه» (١). السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع الشباب، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل من العشر؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن استبعد ذلك، فإن المرض يأتي فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدًا، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من صيف

стр. 79

وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص، من شاب وشيخ أو كهل أو غيره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت. فصل: في تفاوت الناس في طول الأمل والناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتًا كثيرًا، منهم من يأمل البقاء إلى زمان الهرم، ومنهم من لا ينقطع أمله بحال، ومنهم من هو قصير الأمل، فروي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: بلغت ثلاثين ومائة سنة، وما من شيء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملي فإنه كما هو. وحكي في قصر الأمل أن امرأة حبيب أبي محمد قالت: كان يقول لي - يعني أبا محمد: إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني ويفعل كذا وكذا، واصنعي كذا وكذا، فقيل لها: أرأى رؤيا؟ قالت: هكذا يقول كل يوم. وعن محمد بن أبي توبة قال: أقام معروف الصلاة ثم قال لي: تقدم، فقلت: إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: أنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ باللَّه من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل. فهذه أحوال الزهاد في قصر الأمل، وكلما قصر الأمل، جاد العمل، لأنه يقدر أن يموت اليوم، فيستعد استعداد ميت، فإذا أمسى شكر اللَّه تعالى على السلامة، وقدر أنه يموت تلك الليلة فيبادر إلى العمل. وقد ورد الشرع بالحث على العمل والمبادرة إليه: ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» (١). وعنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك

стр. 80

قبل موتك» (١). وقال عمر ﵁: التؤدة في كل شيء خير، إلا ما كان من أمر الآخرة. وكان الحسن يقول: عجبًا لقوم أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، حبس أولهم على آخرهم، وهم قعود يلعبون. وقال سحيم مولى بني تميم: جلست إلى عبد اللَّه بن عبد اللَّه، فأوجز في صلاته، ثم أقبل عليَّ وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر. فقلت: وما تبادر؟ قال: ملك الموت. وكان يصلي كل يوم ألف ركعة. وكانوا يبادرون بالأعمال غاية ما يمكن، فكان ابن عمر يقوم في الليل فيتوضأ ويصلي، ثم يغفي إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ يصلي، ثم يغفي إغفاء الطير، ثم يقوم يصلي، يفعل ذلك مرارًا. وكان عمير بن هانئ يُسَبِّحُ كل يوم ألف تسبيحة، وقال أبو بكر بن عياش: ختمت القرآن في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة. * * * ذكر شدة الموت اعلم: أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب، ولا هول سوى الموت، لكان جديرًا أن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، وتطول فيه فكرته. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، فانتظر أن يدخل عليه جندي يضربه خمس ضربات، لكدرت عليه عيشه ولذته، وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع، وهو غافل عن ذكر ذلك، وليس لهذا سبب إلا الجهل والغرور. اعلم: أن الموت أشد من ضرب السيف، وإنما يصيح المضروب، ويستغيث لبقاء قوته، وأما الميت عند موته، فإنه ينقطع صوته من شدة ألمه؛ لأن الكرب قد بالغ فيه، وغلب على قلبه وعلى كل موضع منه، وضعفت كل جارحة فيه، فلم يبق فيه قوة الاستعانة، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة. وتجذب الروح من جميع العروق، ويموت كل عضو من أعضائه تدريجًا، فتبرد أولاً قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، حتى تبلغ الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره إلى الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب التوبة،

стр. 81

قال رسول ﷺ : «إن اللَّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». [رواه أحمد، وحسنه الألباني في صحيح الجامع]. حسن الظن باللَّه تعالى: وفي الحديث الصحيح: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه». والرجاء عند الموت أفضل، لأن الخوف سوط يساق به، وعند الموت يقف البصر، فينبغي أن يتلطف به، ولأن الشيطان يأتي حينئذ بسخط العبد على اللَّه فيما يجري عليه، ويخوفه فيما بين يديه، فحسن الظن أقوى سلاح يدفع به العدو. وقال سليمان لابنه عند الموت: يا بني، حدثني بالرخص، لعلي ألقى اللَّه تعالى، وأنا أحسن الظن به. انتهى. فائدة: يكفي في ذكر الموت قول اللَّه تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ - ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]. ذكر ابن كثير ﵀: وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح، أنت أمرت، وأنت سولت، فيبعث اللَّه ملكًا يفصل بينهما، فيقول لهما، إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستانًا، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارًا، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية وهي راكبة (١). من أقوال الشعراء في الإسلام: تزود من التقوى فإنك لا تدري ... إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكًا ... وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدري وكم من عروس زينوها لزوجها ... وقد قبضت أرواحُهم ليلة القدرِ وكم من صغارٍ يُرتجى طول عمرهم ... وقد أُدخلت أجسادُهم ظلمة القبرِ وكم من صحيح مات من غير علةٍ ... وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر

стр. 82

الباب الرابع: الصلاة قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ومن أفضل ما جاء في فضل الصلاة والمحافظة عليها الأحاديث التالية: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه (١) شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللَّه بهن الخطايا». متفق عليه. ٢ - عن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فقال الرجل: ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم». متفق عليه. والمعنى كما جاء في تفسير ابن كثير: «إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة». ٣ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله» رواه مسلم. ٤ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». رواه مسلم. ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر أعماله على هذا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن (٢). ٦ - عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلا بنى له بيتًا في الجنة، أو: إلا بني له بيت في الجنة». رواه مسلم. وفي رواية الترمذي «أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد

стр. 83

المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح [وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي]. ٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». متفق عليه. الفذ: يعنى الواحد. ٨ - عن علي ﵁ قال: الوتر ليس بحتم كصلاة المكتوبة ولكن سن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن اللَّه وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وهو كما قال. انظر «صحيح الجامع». أولاً: جاء في «مختصر منهاج القاصدين» ما مختصره: واعلم: أن للصلاة أركانًا وواجبات وسننًا، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يعرب عمَّا في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال، لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضرًا، لم يحصل المقصود؛ فإن الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها، وقال اللَّه تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. والمقصود أن الواصل إلى اللَّه هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ؛ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها. و المعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة: المعنى الأول: حضور القلب كما ذكرنا، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمَّك أمر حضر قلبك ضرورة، فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة، فاعلم أن سببه ضعف الإيمان، فاجتهد في تقويته. والمعنى الثاني: التفهم لمعنى الكلام فإنه أمر وراء حضور القلب، لأنه ربما كان القلب حاضرًا مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فإن المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها. المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولد من شيئين: معرفة جلال اللَّه

стр. 84

تعالى وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من المعرفتين الاستكانة، والخشوع. ومن ذلك الرجاء: فإنه زائد على الخوف، فكم من معظم مَلكًا يهابه لخوف سطوته كما يرجو بره. والمصلي ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب. وينبغي للمصلي أن يحضر قلبه عند كل شيء من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن فليمثل النداء للقيامة ويشمر للإجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر. وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، وأنها يكفرها الندم، والحياء، والخوف. وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت اللَّه تعالى، فصرف قلبه إلى اللَّه تعالى أولى من ذلك، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى اللَّه تعالى إلا بالانصراف عما سواه. وإذا كبّرت أيها المصلي، فلا يُكَذّبَنَّ قلبك لسانك، لأنه إذا كان في قلبك شيء أكبر من اللَّه تعالى فقد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته على طاعة اللَّه تعالى. فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي ملجأ إلى اللَّه سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوًا، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، واستحضر لطفه عند قولك: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، وعظمته عند قولك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكذلك في جميع ما تتلو. وقد روينا عن زرارة بن أبي أوفى ﵁ أنه قرأ في صلاته: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فخر ميتًا، وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال فأثّرت عنده التلف. واستشعر في ركوعك التواضع، وفي سجودك زيادة الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذي خُلقت منه وتفهم معنى الأذكار بالذوق. واعلم: أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمة المعبود، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون. فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فإنه لا يطلع على شيء من ذلك بل ينكر

стр. 85

وجوده، انتهى من «مختصر منهاج القاصدين» (١). فائدة: قال الإمام أحمد (٢) في رواية مهنا بن يحيى: «إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاعرف نفسك يا عبد اللَّه واحذر أن تلقى اللَّه ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك». ثانيًا: تساؤلات: هناك تساؤلات بعضها يوحيها الشيطان إلى المسلم حتى يصده عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. فما هي هذه التساؤلات: س١: قد يقول قائل: طالما أن القلب سليم فغير مهم الصلاة، المهم القلب، ثم يشير بيده إلى قلبه ويقول: التقوى ها هنا؟ وقد يحتج أيضًا ويقول: يا أخي، إنما الأعمال بالنيات؟ وفي الواقع أن هذا غير صحيح لعدة أوجه: ١ - أن اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البروج: ١١] وهذا دليل على أن الإيمان قول وعمل. ٢ - أن النبي ﷺ الذي قال: إن التقوى ها هنا، هو نفس النبي الذي أمرك بالصلاة. ٣ - أن الذي يتأمل قول النبي ﷺ في الصحيح: «إنما الأعمال بالنيات»: يتضح له من منطوق الحديث أن هناك عملاً ونية فلا يقبل أي عمل إلا بشرطين: الأول: أن يكون هذا العمل في ظاهره على موافقة السنة «كصلاة الظهر مثلاً يجب أن تكون أربع ركعات لا أكثر ولا أقل» (٣). الثاني: أن يكون هذا العمل في باطنه يقصد به وجه اللَّه «أن تكون الصلاة - في مثالنا السابق - خالصة لوجه اللَّه تعالى لا بقصد الرياء .... ». قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه

стр. 86

وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا. قال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة. وصدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. إذن هل يستطيع الإنسان الذي لا يصلي أن يقول: إنما الأكل بالنيات ولا يأكل كقوله: إنما الأعمال بالنيات ولا يصلي!؟ فائدة: روي عن ابن مسعود قال: «لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة». س٢: قد يقول قائل: يا أخي العمل عبادة ؟ والوقع أن الإنسان لا يثاب على أي عمل إلا بعد الصلاة، حتى ولو بنى مسجدًا في كل مكان، وأعطى كل مسلم آلاف الدنانير، فلا يثاب على ذلك إلا بعد الصلاة، لحديث النبي ﷺ عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر» الحديث أخرجه الترمذي، وقد تقدم. واعلم أن المسلم يثاب بعد صلاته على كل شيء يريد به وجه اللَّه تعالى حتى جماع زوجته، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: « .... وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول اللَّه، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». وقد يؤذن المؤذن وتقول للرجل: حي على الصلاة فيقول لك كما قال أولاً: العمل عبادة، ثم يأتي بعد ذلك ويقول - عن غير علم - إن رسول اللَّه ﷺ دخل المسجد فوجد رجلاً جالسًا فقال له: من الذي يصرف عليك؟ قال: أخي فقال: أخوك أفضل منك. والواقع أن هذا الحديث موضوع، فالرسول ﷺ بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، بل قد جاء في باب «اليقين والتوكل» في «رياض الصالحين» ما رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم وصححه الأرنؤوط، عن أنس قال: كان أخوان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكان أحدهما يأتي النبيَّ ﷺ والآخر يحترف - أي: يكتسب ويتسبب - فشكا المحترف أخاه للنبي ﷺ فقال: «لعلك تُرزق به».

стр. 87

فيا عبد اللَّه: لا تتأخر لحظة عن الصلاة، فهذه الدنيا زائلة، والإنسان غنيٌ بالطاعة، فقير بالمعصية. وكما يقولون: ما افتقد شيئًا من وجد اللَّه، وما وجد شيئًا من افتقد اللَّه، فلو أن الإنسان مع اللَّه، فهو أغنى الناس، وإن كان لا يملك إلا الخبز، ولو أنه بعيد عن اللَّه وحيزت له الدنيا بأكملها، فهو أفقر الناس ... يا عبد اللَّه: تذكر نداء القبر لك: يا بن آدم، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الانفراد، أنا الذي من دخلني طائعًا كنت اليوم عليه رحمة، أنا الذي من دخلني عاصيًا كنت اليوم عليه نقمة. فإذا كنت يا أخي ممن لم يسبق لهم الصلاة، فاستبق الخيرات واسجد لرب الأرض والسماوات. ويمكنك أن تصلي بالفاتحة فقط إذا لم تكن حافظًا لآيات أخرى من القرآن، وفي البداية لا يشترط أن يكون حافظًا للتشهد «أي: التحيات» ويمكنك أن تصلي الفرض وبعد فترة تصلي السنن. وإذا كنت لا تتذكر عدد ركعات الصلاة في كل فرض، فالمسألة يسيرة، وهي أن تتذكر ما يلي: قبل أن تطلع الشمس ركعتان «صلاة الصبح» وعندما تغيب الشمس ثلاث ركعات «صلاة المغرب» وباقي الأوقات الظهر، العصر، العشاء، كل فرض منها أربع ركعات. س٣: قد يقول قائل: إن فلانًا رجل يصلي ولكن معاملته غير طيبة ؟ والواقع أنه ليس هناك أحد يعتبر حجة على الإسلام إلا الرسول ﷺ ؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. أضف إلى ذلك، أن هذا الشخص يسيء بمعاملته غير الطيبة إلى الإسلام، فأنت تصلي وتعامل معاملة حسنة حتى تحسِّن تلك السمعة. أضف إلى ذلك، أن هذا الرجل صلاته ستنهاه يومًا ما، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال ﷺ : «إنه سينهاه ما تقول» رواه أحمد والبيهقي وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح». س٤: قد يقول قائل: إن فلانًا رجل يصلي، ولكن اللَّه تعالى قد ضيق عليه الحال، فليس عنده مال، ولا سيارات، ولا عقارات .... على العكس من فلان، فإنه لا يصلي ولكن اللَّه يعطيه؟ والواقع أن عطاء اللَّه تعالى

стр. 88

لإنسان ليس دليلاً على محبته، كما أن منع اللَّه تعالى له ليس دليلاً على بغضه. قال ابن القيم ﵀: «فهو سبحانه أعلم بمواقع الفضل، ومحال التخصيص، ومحال الحرمان، فبحمده وحكمته أعطى، وبحمده وحكمته حرم، فمن ردَّه المنع إلى الافتقار إليه، والتذلل له، وتملُّقِه، انقلب المنع في حقه عطاءً. فكل ما شغل العبد عن اللَّه فهو مشئوم عليه، وكل ما رده إليه فهو رحمة به» (١) انتهى. ويقول اللَّه : ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ - نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦، ٥٧]. س ٥: احذر إبليس: قد يحدث إن الإنسان إذا بدأ في الاتجاه إلى اللَّه خاصة الصلاة، قد يحدث أن اللَّه تعالى يبتليه بمصيبة، فيأتيه الشيطان ويقول له: عندما بدأت الصلاة، نزلت عليك المصائب من كل جانب، ثم يزين له ترك الصلاة، حتى يبتعد عن المصائب حسب ظنه، فعليك أن تعلم أنها هدايا في صورة بلايا. وكما جاء في الأثر: «أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب».

стр. 89

وأيضًا: «من عبادي من أحب دعاءهم وأنا أبتليهم ليقولوا: يا رب». س ٦: قد يقول قائل: واللَّه أنا مستعد للصلاة، ونفسي أصلي، ولكني أستحي أن أسأل عن كيفية الصلاة؟ وهنا عليك أن تعلم أن الدين يضيع بين الحياء والكبر. أضف إلى ذلك، هل أنت أفضل من النبي ﷺ ؟ فقد كان جبريل ﵇ يعلمه الصلاة في بداية فرضيتها. س٧: قد يقول قائل: أنا أعرف الصلاة بمفردي، ولكني لا أعرف كيف أصلي جماعة، وأخشى أن يضحك الناس عليَّ؟ والواقع أن الناس سوف لا يضحكون عليك بإذن اللَّه تعالى، وإن ضحك بعضهم فإن هذا لا يساوي ضحك الخلائق أجمعين على العبد يوم القيامة، إذا كان العبد - والعياذ باللَّه - من أهل الحسرات، وأشد من ذلك أن تكون الفضيحة أمام رب العالمين. س٨: قد يقول قائل: أنا أريد الصلاة، ولكن صاحب العمل يمنعني منها، بحجة أن ذلك يضيع وقت العمل؟ قال اللَّه تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقال رسول اللَّه ﷺ : «لا طاعة لأحد في معصية اللَّه تعالى إنما الطاعة في المعروف». رواه البيهقي بسند صحيح كذا في «صحيح الجامع». س٩: قد تقول امرأة: إنها لا تصلي، لأن عندها رضيعًا، ويتبول عليها، فما حكم بول الرضيع؟ جاء في «فقه السنة» للشيخ الجليل سيد سابق ما يلي: (عن علي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل» ينضح: «أي: يرش»). قال قتادة: وهذا ما لم يطعما فإن طعما غسل بولهما. رواه أحمد وهذا لفظه - وأصحاب السنن إلا النسائي. قال الحافظ في «الفتح»: وإسناده صحيح، ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يقتصر على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب

стр. 90

الغسل بلا خلاف (١). انتهى. س١٠: ما حكم كل من المستحاضة، ومن به سلس بول، أو انفلات ريح، أو غير ذلك من الأعذار؟ جاء في «فقه السنة» (٢) ما يلي: «المستحاضة، ومن به سلس، أو بول أو انفلات ريح، أو غير ذلك من الأعذار: يتوضئون لكل صلاة، إذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه وتعتبر صلاتهم صحيحة مع قيام العذر». انتهى. تنبيه: «الاستحاضة: هي استمرار نزول الدم وجريانه في غير أوانه» (٣). كذا في «فقه السنة». س١١: ما حكم كل من المني، والمذي، والودي؟ جاء في «فقه السنة» ما مختصره: ١ - المني: ويستحب غسله إذا كان رطبًا، وفركه إذا كان يابسًا، قالت عائشة ﵂: كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا (٤) «أي: الموضع الذي أصابه المني» [هذا من ناحية الثوب أما من ناحية الغسل] فيجب الغسل لخروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة من ذكر أو أنثى (٥)، وهو قول عامة الفقهاء، لقوله ﷺ : «الماء من الماء» رواه مسلم. أي: الاغتسال من الإنزال. [ويراعى ما يلي]: أ- إذا خرج المني من غير شهوة، بل لمرض أو برد فلا يجب الغسل. ب- إذا احتلم، ولم يجد منيًا، فلا غسل عليه، لكن إذا خرج بعد الاستيقاظ وجب عليه الغسل. جـ- إذا انتبه من النوم فوجد بللاً ولم يذكر احتلامًا، فإن تيقن أنه مني، فعليه الغسل، لأن الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه، فإن شك ولم يعلم، هل هو مني أو

стр. 91

غيره، فعليه الغسل احتياطًا، وقال مجاهد وقتادة: لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق، لأن اليقين بقاء الطهارة فلا يزول بالشك. د- إذا أحس بانتقال المني عند الشهوة، فأمسك ذكره، فلم يخرج، فلا غسل عليه. لكن إذا مشى فخرج منه المني فعليه الغسل. هـ- إذا رأى في ثوبه منيًا لا يعلم وقت حصوله، وكان قد صلى، يلزمه إعادة الصلاة من آخر نومة له، إلا أن يرى ما يدل على أنه قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها. ٢ - الودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول، وهو نجس من غير خلاف. قالت عائشة: أما الودي فإنه يكون بعد البول فيغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل. ٣ - المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة وقد لا يشعر الإنسان بخروجه، ويكون من الرجل والمرأة، إلا أنه من المرأة أكثر، وهو نجس باتفاق العلماء، إلا أنه إذا أصاب البدن وجب غسله، وإذا أصاب الثوب اكتفي فيه بالرش بالماء؛ لأن هذه النجاسة يشق الاحتراز عنها، لكثرة ما يصيب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام (١). انتهى. ثالثًا: قيام الليل: قال اللَّه تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ - وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨]. وعن عبد اللَّه بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا جنة ربكم بسلام» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢). وفي «مختصر منهاج القاصدين»: قال اللَّه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. ويقول النبي ﷺ : «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم» (٣). وفي فضله أحاديث كثيرة. وقال الحسن البصري ﵀: لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف

стр. 92

الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره. [قال بعض علماء الحديث: من طال قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار]. * * * فصل: في الأسباب الميسرة لقيام الليل اعلم أن قيام الليل صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له. فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن. فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فتناموا كثيرًا فتخسروا كثيرًا. ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة. ومنها: أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل (١). ومنها: أن يجتنب الأوزار. قال الثوري: حُرمتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. وأما الميسرات الباطنة: فمنها: سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا. ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل. ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل. ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام. قال أبو سليمان ﵀: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وفي «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ قال: «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللَّه فيها خيرًا إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة». انتهى. من «مختصر منهاج القاصدين».

стр. 93

فائدة: في «الصحيحين» أن رسول اللَّه ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو: «لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل». ومن أعظم ما يعين على قيام الليل: النوم على طهارة والمواظبة على أذكار النوم خاصة التسبيح وقراءة آية الكرسي - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في باب الذكر - فمن كان آخر كلامه قبل النوم ذكر اللَّه تعالى سهل عليه القيام، وإن انتبهت من النوم وكسلت عن القيام فأذن أذانًا يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم، فالأذان يطرد الشيطان. روى مسلم في «صحيحه» عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء». قال الراوي: و (الروحاء) من المدينة على بعد ستة وثلاثين ميلاً. ولقوله ﷺ في «الصحيحين»: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين». وهو أيضًا - أي: الأذان - ذكر، والذكر يحل من عقد الشيطان، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر اللَّه تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان». متفق عليه. قافية (الرأس) مؤخره. ومن فوائد هذا الحديث كون المرء يفتتح قيامه بالليل بركعتين خفيفتين ثم يصلي بعدهما ما شاء، فإن ذلك هو هدي النبي ﷺ وأمره، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين». رواه مسلم. لأنه إذا صلى - كما في الحديث - انحلت عقده كلها. ويكون عنده عون على باقي القيام، وإن نوى القيام قبل نومه فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه». رواه النسائي وغيره وحسنه الألباني في «صحيح الجامع». تنبيه: قيام الليل يبدأ من بعد صلاة العشاء والأفضل أن يكون عقب نوم - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 94

فائدة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه الجماعة. أي: ينزل نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال ابن كثير ﵀: المسلك الأسلم طريقة السلف، وهو إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فلا نشبه مثل المشبهين الذين يقولون: له سمع كأسماعنا، وله بصر كأبصارنا، ولا نعطل مثل المعطلين الذين يقولون: ليس له سمع ولا بصر، وإنما نقول: له سمع وبصر يليقان بجلال وجهه وعظيم سلطانه. ولما سئل الإمام مالك عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة أخرجوا هذا المبتدع. تنبيه: سأل رسول اللَّه ﷺ الجارية - وكانت مع سَيدها - كما في «صحيح مسلم»: «أين اللَّه؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول اللَّه. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». فائدة: ما حكم قضاء الصلاة الفائتة ؟ جاء في «فقه السنة» (ج٢ ص ٢٣١: ٢٣٤) ما مختصره: اتفق العلماء على أن قضاء الصلاة واجب على الناسي والنائم لما تقدم من قول رسول اللَّه ﷺ : «إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحدٌ صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (١). والمُغْمَى عليه لا قضاء عليه إلا إذا أفاق في وقت يدرك فيه الطهارة والدخول في الصلاة. فقد روى عبد الرزاق عن نافع: أن ابن عمر اشتكى مرة غُلِبَ فيها على عقله حتى ترك الصلاة ثم أفاق فلم يصلِّ ما ترك من الصلاة. وأما التارك للصلاة عمدًا: فمذهب الجمهور أنه يأثم وأن القضاء عليه واجب.

стр. 95

وقال ابن تيمية: تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع، وأجمعت الأمة وبه وردت النصوص كلها على أن للتطوع جزءًا من الخير اللَّه أعلم بقدره، وللفريضة أيضًا جزء من الخير اللَّه أعلم بقدره. فلا بد ضرورة من أن يجتمع من جزء التطوع إذا كثر ما يوازي جزء الفريضة ويزيد عليه، وقد أخبر اللَّه تعالى أنه لا يضيع عمل عامل وأن الحسنات يذهبن السيئات. اهـ من «فقه السنة». وعلى ذلك فمن فاتته صلاة مائة يوم، فعلى رأى الجمهور يأتي بمائة صلاة صبح ومائة صلاة ظهر ... إلخ، وعلى الرأي الثاني يتطوع على الأقل بما يوازي عدد ركعات تلك الأيام، كالآتي: مجموع عدد ركعات الأوقات الخمس في اليوم سبع عشرة ركعة × مائة يوم. ١٧ × ١٠٠ = ١٧٠٠ ركعة. وفائدة ذلك قوله ﷺ فيما تقدم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته قال الرب : انظروا هل لعبدي، فيكمل منها ما انتقص من الفريضة .... ». خاتمة: الصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة: جاء في «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (جـ ٤ ص ٢٠٩): (وأما الصلاة، فشأنها في تفريج القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبرُ شأن، وفيها من اتصال القلب والروح باللَّه، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تُلائم إلا القلوب الصحيحة. وأما القلوب العليلة، فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة). فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومطردةٌ للداء عن الجسد، ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوجاع البطن). اهـ. * * *

стр. 96

الباب الخامس: الذكر الذكر كما عرفه العلماء: هو ما يجري على اللسان والقلب، من تسبيح اللَّه تعالى وتنزيهه والثناء عليه ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال (١). قال اللَّه تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال رسول اللَّه ﷺ : «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت» رواه البخاري. وكان بعض العارفين يقول: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة اللَّه تعالى ومعرفته وذكره. وأخرج البخاري تعليقًا عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر اللَّه خنس وإذا غفل وسوس له». أولاً: فوائد الذكر: جاء في «الوابل الصيب» لابن القيم ﵀ ما مختصره (٢): ١ - أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره. ٢ - أنه يرضي الرحمن . ٣ - أنه يزيل الهم والغم عن القلب. ٤ - أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط. ٥ - أنه يقوي القلب والبدن. ٦ - أنه ينور الوجه والقلب. ٧ - أنه يجلب الرزق. ٨ - أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة. ٩ - أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة. ١٠ - أنه يورثه المراقبة حتى يدخل في باب الإحسان، فيعبد اللَّه كأنه يراه. ١١ - أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى اللَّه . ١٢ - أنه يورثه القرب منه سبحانه.

стр. 97

١٣ - أنه يفتح له بابًا عظيمًا من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة. ١٤ - أنه يورث الهيبة لربه ، وإجلاله لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع اللَّه تعالى. ١٥ - أنه يورث ذكر اللَّه تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ١٦ - أنه يورث حياة القلب (١). ١٧ - أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. ١٨ - أنه يورث جلاء القلب من صدئه، وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب. وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. ١٩ - أنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات. ٢٠ - أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎. ٢١ - أن ما يذكر به العبد ربه من جلاله وتسبيحه وتحميده يذكر بصاحبه عند الشدة. ٢٢ - أن العبد إذا تعرف إلى اللَّه تعالى بذكره في الرخاء عرفه في الشدة. ٢٣ - أنه ينجي من عذاب اللَّه تعالى. ٢٤ - أنه سبب لتنزيل السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر. ٢٥ - أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل واللغو. ٢٦ - أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين. ٢٧ - أنه يسعد الذاكر بذكره ويسعد به جليسه. ٢٨ - أنه يؤمن العبد من الحسرة يوم القيامة. ٢٩ - أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال اللَّه تعالى يوم الحر الأكبر في ظل عرشه. ٣٠، ٣١ - أنه أيسر العبادات، وهو من أجلها وأفضلها. ٣٢ - أن العطاء والفضل الذي رتب عليه ما لم يرتب على غيره من الأعمال. ٣٣ - أن دوام ذكر الرب ﵎ يوجب الأمان من نسيانه، الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ

стр. 98

هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]. ٣٤ - أن الذكر يسير العبد وهو في فراشه وفي سوقه، وفي حالتي صحته وسقمه، وفي حالتي نعيمه ولذته. ٣٥ - أن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط. ٣٦ - أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة، ومنشور الولاية، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على اللَّه . ٣٧ - أن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر اللَّه . ٣٨ - أن الذكر يجمع المتفرق (من القلب والإرادة، والهموم) ويفرق المجتمع (من الذنوب وجند الشيطان). ٣٩ - أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته، وهو أيضًا يقرب البعيد (الآخرة) (١) ويبعد القريب (الدنيا). ٤٠ - أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد. ٤١ - أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، فهي معية بالقرب والولاية والتوفيق. ٤٢ - أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل اللَّه ويعدل الضرب بالسيف في سبيل اللَّه . ٤٣ - أن الذكر رأس الشكر فما شكر اللَّه من لم يذكره. ٤٤ - أن أكرم الخلق على اللَّه تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبًا بذكره. ٤٥ - أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر اللَّه تعالى. ٤٦ - أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه , ٤٧ - أن الذكر أصل موالاته ورأسها، والغفلة أصل معاداته ورأسها. ٤٨ - أنه ما استجلبت نعم اللَّه تعالى واستدفعت نقمه بمثل ذكر اللَّه تعالى. ٤٩ - أن الذكر يوجب صلاة اللَّه تعالى وملائكته على الذاكر ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣].

стр. 99

٥٠ - أن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكر. ٥١ - أن مجالس الذكر مجالس الملائكة. ٥٢ - أن اللَّه يباهي بالذاكرين ملائكته. ٥٣ - أن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك. ٥٤ - أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر اللَّه تعالى. ٥٥ - أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله ، فأفضل الصوام أكثرهم ذكرًا لله تعالى في صومه. ٥٦ - أن إدامته تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية أو مالية أو بدنية مالية كحج التطوع. ٥٧ - أن ذكر اللَّه من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه، ويلذذها، ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمه وسروره بها، بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل. ٥٨ - أن ذكر اللَّه يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق. ٥٩ - أن ذكر اللَّه يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن. ٦٠ - أن عمال الآخرة في مضمار السباق، والذاكرين هم أسبقهم في ذلك المضمار. ٦١ - أن الذكر يعطي للذاكرة قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه. ٦٢ - أن الذكر سبب لتصديق الرب عبده. ٦٣ - أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. ٦٤ - أن الذكر سدّ بين العبد وبين جهنم. ٦٥ - أن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب. ٦٦ - أن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر اللَّه عليها، قال مجاهد: إن الجبل ينادي الجبل باسمه: يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر للَّه ؟ فمن قائل: لا، ومن قائل: نعم.

стр. 100

٦٧ - أن كثرة ذكر اللَّه أمان من النفاق، قال في المنافقين: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢]. ٦٨ - أن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، ولهذا سميت مجالس الذكر: رياض الجنة. ٦٩ - أنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونورًا في الآخرة. ٧٠ - أن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرًا لشهود العبد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. ٧١ - الذكر ثناء على اللَّه، والدعاء سؤال حاجة، فالذكر أفضل من الدعاء. ٧٢ - الذكر والثناء يجعل الدعاء مستجابًا. ٧٣ - قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر لكل منهما مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة. انتهى من «الوابل الصيب». منزلة الذكر وأقسامه جاء في «مدارج السالكين» لابن القيم أيضًا ﵀ ما مختصره: (ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة «الذكر». وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون. وفيها يتجرون. وإليها دائمًا يترددون. و «الذكر» منشور الولاية، الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم، التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب [الحريق]، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب. إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... فنترك الذكر أحيانًا فننتكس

стр. 101

به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاء، فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل، فإليه مفزعهم، فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورًا. وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة. و «الذكر» عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة. بل هم [مأمورون] بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان، وهو غراسها، فكذلك القلوب بور خراب، وهو عمارتها، وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقه، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ اللَّه عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء. به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار، زين اللَّه به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين، فاللسان الغافل: كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء. وهو باب اللَّه الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري ﵀: تفقدوا الحلاوة في ثلاث أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم ... وإلا فاعلموا أن الباب مغلق. وبالذكر: يصرع العبد الشيطان، كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين، فيقولون: ما لهذا؟! فيقال: قد مسه الإنسي. وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. واللَّه أعلم. فصل وهو في القرآن على عشرة أوجه: الأول: الأمر به مطلقًا ومقيدًا. الثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان. الثالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته. الرابع: الثناء على أهله، والإخبار بما أعد اللَّه لهم من الجنة والمغفرة. الخامس: الإخبار عن خسران من لهى عنه بغيره.

стр. 102

السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له. السابع: الإخبار أنه أكبر من كل شيء. الثامن: أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة، كما كان مفتاحها. التاسع: الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته، وأنهم أولو الألباب دون غيرهم. العاشر: أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها، فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح. فصل في تفصيل ذلك ١ - أما الأول: فكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وفيه قولان: أحدهما: في سرك وقلبك. والثاني: بلسانك بحيث تسمع نفسك. ٢ - وأما النهي عن ضده: فكقوله: ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. ٣ - وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه: كقوله: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥، والجمعة: ١٠]. ٤ - وأما الثناء على أهله، وحسن جزائهم: فكقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ- إلى قوله - وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ٥ - وأما خسران من لهى عنه، فكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. ٦ - وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له، فكقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٧ - وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء، فكقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وفيها أربعة أقوال.

стр. 103

(أحدها: أن ذكر اللَّه أكبر من كل شيء، فهو أفضل الطاعات؛ لأن المقصود بالطاعات كلها: إقامة ذكره، فهو سر الطاعات وروحها. (الثاني: أن المعنى: أنكم إذا ذكرتموه ذكركم، فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: مضاف إلى المذكور. (الثالث: أن المعنى: ولذكر اللَّه أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر: محق كل خطيئة ومعصية، هذا ما ذكره المفسرون. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: معنى الآية: أن في الصلاة فائدتين عظيمتين: إحداهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر. والثانية: اشتمالها على ذكر اللَّه وتضمنها له، ولما تضمنته من ذكر اللَّه أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. ٨ - وأما ختم الأعمال الصالحة به: فكما ختم به عمل الصيام بقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وختم به الحج في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وختم به الصلاة كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وختم به الجمعة كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا، وإذا كان آخر كلام العبد أدخله اللَّه الجنة. ٩ - وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته، وهم أولو الألباب والعقول. فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. ١٠ - وأما مصاحبته لجميع الأعمال، واقترانه بها، وأنه روحها: فإنه سبحانه قرنه بالصلاة، كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه. بل هو روح الحج، ولُبُّه ومقصوده، كما قال النبي ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار: لإقامة ذكر اللَّه» (١).

стр. 104

وقرنه بالجهاد. وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران، ومكافحة الأعداء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ... (١) وفي «المسند» - مرفوعًا - من حديث أبي الدرداء ﵁: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة، وأن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: ذكر اللَّه » (٢). وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، أنهما شهدا على رسول اللَّه ﷺ قال: «لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده» وهو في «صحيح مسلم». ويكفي في شرف الذكر: أن اللَّه يباهي ملائكته بأهله، كما في «صحيح مسلم» عن معاوية ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر اللَّه، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا، قال: «آاللَّه ما أجلسكم إلا ذلك؟» قالوا: آاللَّه ما أجلسنا إلا ذلك، قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل، فأخبرني: أن اللَّه يباهي بكم الملائكة». وقال له رجل: إن شعائر الإسلام قد كثرت عليَّ، فمرني بأمر أتشبث به. فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر اللَّه» (٣). وفي «الصحيحين» من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ : «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره: مثل الحي والميت» وقد تقدم، ولفظ مسلم: «مثل البيت الذي يذكر اللَّه فيه، والبيت الذي لا يذكر اللَّه فيه: مثل الحي والميت». فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت، وهو القبر. وفي اللفظ الأول: جعل الذاكر بمنزلة الحي، والغافل بمنزلة الميت. فتضمن اللفظان: أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء، والغافل كالميت في بيوت الأموات، ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم، وقلوبهم فيها كالأموات في

стр. 105

القبور، كما قيل: فنسيان ذكر اللَّه موت قلوبهم ... وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور وفي «الصحيح»: في الأثر الذي يرويه رسول اللَّه ﷺ عن ربه ﵎: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة (١) في كتابنا «الوابل الصيب من الكلم الطيب»، وذكرنا هناك أسرار الذكر، وعظم نفعه، وطيب ثمرته، وذكرنا فيه: أن الذكر ثلاثة أنواع: ١ - ذكر الأسماء والصفات ومعانيها، والثناء على اللَّه بها، وتوحيد اللَّه بها. ٢ - وذكر الأمر والنهي، والحلال والحرام. ٣ - وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي وأنه ثلاثة أنواع أيضًا: ذكر يتوطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها، وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد، وهو في الدرجة الثالثة. وذكر العبد لربه محفوف بذكرين من ربه له: ذكر قبله، به صار العبد ذاكرًا له، وذكر بعده، به صار العبد مذكورًا، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقال - فيما يروي عنه نبيه ﷺ : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». والذكر الذي ذكره اللَّه به، بعد ذكره له: نوع غير الذكر الذي ذكره به قبل ذكره له. «والذكر: هو التخلّص من الغفلة والنسيان». والفرق بين الغفلة والنسيان: أن «الغفلة» ترك باختيار الغافل، و «النسيان» ترك بغير اختياره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ولم يقل: ولا تكن مع الناسيين، فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه. وهو على ثلاث درجات: ثناء أو دعاء أو رعاية: ١ - فأما ذكر الثناء: فنحو «سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر». ٢ - وأما ذكر الدعاء: فنحو ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ

стр. 106

الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] و «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١) ونحو ذلك. ٣ - وأما ذكر الرعاية: فمثل قول الذاكر: اللَّه معي، اللَّه ناظر إلي، اللَّه شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللَّه، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع اللَّه، والتحرز من الغفلة، والاعتصام من الشيطان والنفس. والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة. فإنها متضمنة للثناء على اللَّه، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به، [وهي] متضمنة أيضًا لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان. واللَّه أعلم) (٢). انتهى من «مدارج السالكين». ثانيًا: آداب الذكر كما وردت في «تحفة الذاكرين»: ينبغي للذاكر ما يلي: أن يكون المكان الذي يذكر اللَّه فيه نظيفًا خاليًا، والذاكر على أكمل الصفات الآتية: أن يكون فمه نظيفًا، وأن يزيل تغيره بالسواك، وأن يستقبل القبلة، وأن يتدبر ما يقول، ويتعقل معناه. وإن جهل شيئًا تبينه ... وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره، [وقد تقدم معنى ذلك]، والمواظب على الأذكار المأثورة صباحًا ومساءً، وفي الأحوال المختلفة، هو من الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات، ومن كان له ورد معروف ففاته فليتداركه إذا أمكنه ليعتاد الملازمة عليه (٣). انتهى من «تحفة الذاكرين». ثالثًا: جاء في الأذكار النووية ما مختصره: ١ - أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على رسول اللَّه ﷺ والدعاء، وغير ذلك (٤). انتهى. تنبيه: قراءة القرآن لمثل هؤلاء لا تدخل تحت هذا الإجماع. ٢ - فصل في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر بسببها ثم يعود إليه بعد زوالها.

стр. 107

منها: إذا سُلم عليه ردَّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطس شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيب، وكذا إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكرًا أزاله، أو معروفًا أرشد إليه، أو مسترشدا أجابه ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا غلبه النعاس أو نحوه وما أشبه هذا كله. رابعًا: أذكار الصباح والمساء: قال ابن القيم ﵀: وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب إلى أن قال ﵀: وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] فالإبكار: أول النهار والعشي: آخره (١). انتهى. أذكار الصباح والمساء مجموعة من «تحفة الذاكرين» للشوكاني (٢)، و «الأذكار النووية» (٣)، و «الوابل الصيب من الكلم الطيب»: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان اللَّه وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه». رواه مسلم. ٢ - وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: كان النبي ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكِبَر، رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر» وإذا أصبح قال أيضًا: «أصبحنا وأصبح الملك للَّه». ٣ - عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ كان يعلم أصحابه يقول: «إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). ٤ - وفي «السنن» عن عبد اللَّه بن حبيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قل» قلت: يا

стр. 108

رسول اللَّه ما أقول؟ قال: «قل هو اللَّه أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [وصححه الألباني]. ٥ - عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة ومن قالها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة» رواه البخاري. ٦ - وفي الترمذي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق قال لرسول اللَّه ﷺ : مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: قل: «اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد ألا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن نقترف سوءًا على أنفسنا أو نجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وشركه: قال الخطابي: روي على وجهين: أحدهما بكسر الشين وسكون الراء، ومعناه ما يدعو إليه الشيطان ويوسوس به، من الإشراك باللَّه تعالى، والثاني بفتح الشين والراء، يريد حبائل الشيطان ومصائده - كذا في «تحفة الذاكرين». ٧ - وفي السنن و «صحيح الحاكم» (٢) عن عبد اللَّه بن عمر قال: لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» قال وكيع: يعني الخسف. ٨ - قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم اللَّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فلا يضره» (٣) وكان أبان بن عثمان قد أصابه طرف فالج (٤)، فجعل الرجل الذي سمع منه

стр. 109

الحديث ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر، أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي اللَّه على قدره. الحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح. [وصححه الألباني]. ٩ - الحديث لفظ رواية الإمام أحمد وصححه النووي وقال الأرنؤوط في «زاد المعاد»: إسناد صحيح، قال: كان النبي ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى قال: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد ﷺ وعلى ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين» ... ١٠ - وفي الترمذي وأبي داود بسند جوده (١) النووي قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك؛ أعتق اللَّه ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق اللَّه نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق اللَّه ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقه اللَّه من النار». ١١ - قال رسول اللَّه ﷺ لفاطمة: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ تقولين إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» أخرجه النسائي والحاكم بسند صحيح. [صحيح - انظر «صحيح الترغيب والترهيب»]. ١٢ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه لقيت عقربًا لدغتني البارحة، وفي رواية: ما لقيت، فقال: «أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات اللَّه (٢) التامات (٣) من شر ما خلق لم تضرك» رواه مسلم. ولفظ الترمذي: «من قال حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، لم تضره حمة تلك الليلة» وقال: حديث حسن. ١٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من صلى عليَّ حين يصبح عشرًا وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة» أخرجه الطبراني في الكبير. [وحسنه الألباني في «صحيح الجامع»].

стр. 110

١٤ - عن جويرية أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم. فقال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان اللَّه عدد خلقه، سبحان اللَّه رضا نفسه، سبحان اللَّه زنة عرشه، سبحان اللَّه مداد كلماته» أخرجه مسلم. ١٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال: غدوة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كتب اللَّه له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكان له قدر عشر رقاب، وأجاره اللَّه من الشيطان، ومن قالها عشية مثل ذلك» أخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه أحمد والحاكم غير مقيد بوقت. [وصححه الألباني]. ١٦ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» رواه البخاري. ١٧ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد لم يضعفه (١) عن أبي مالك الأشعري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهُداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك». ١٨ - عن أم سلمة ﵂، أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أصبح قال: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً». رواه ابن ماجه، وحسنه الأرنؤوط في «الأذكار النووية». انتهى (٢). فائدة: قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.
следующие страницы →