مبناه، ومتكاف لفظه ومعناه، وله بالمقاصد الصوفية كلف، (٧٢ب) وبالأقوال الشهيرة فيها زلف، فمن ذلك قوله:
هم بالرقي إلى المحل السامي ... ليس المقام لدى الثرى بمقام
جرد حسام الغزم عن غمد الهوى ... واقطع علائق شاغل الأوهام
وانهض بجد لاقتباس النور من ... برق الحمى بمثابة الإحرام
واهجر عوالم حسك الأدنى ولا ... تحفل بشمس ضحى وبدر تمام
فالكون أجمعه وما يحويه من ... عال ومنخفض حجاب ظلام
يا أيها الآوي إلى أضداده ... ليست خيامك هذه بخيام
هجروك فأنبهم الطريق إليهم ... وتشابه الأنجاد بالأتهام
فظللت تندب للجهالة أربعا ... إفصاحها كمضلل الأعجام
المم بيم السر منك فغص به ... وإذا غرقت فناد دون كلام
يا درة النفس النفيسة يممي ... سمط العلا تحظي بخير نظام
يا جوهراً حار الورة في كنهه ... وعتا تصوره على الأفهام
يا مظهراً سر الوجود ومازجاً ... ماء الندى رفقاً بلفح ضرام
أنت الموصل باشتراك طباعه ... نور العقول بظلمة الأجسام
أنت المهيا بالطهارة والصفا ... لقبول سر الوحي والإلهام
يا مسنداً خبر الذين أحبهم ... وأخصهم بصبابتي وهيامي
لك في الفؤاد مكانة محفوفة ... مني بوافي السر والإكرام
إني وجدت لديك نفحة طيبهم ... كعبيق مسك عند فض ختام
كرر على سمعي لذيذ حديثهم ... فحديثهم يروي غليل أوامي
تفديك نفسي من حديث قادم ... من عند أحباب علي كرام
стр. 212
فصلوك عنهم كي تخط علومهم ... في صفح لوحك علية (١) الأقلام
حجبوك عن مرأى النواظر غيرة ... ووقوك كرة حوادث الأيام
(٧٣آ) دلوا عليك بهم وأنت دليلهم ... لذوي النهى ومسددي الأفهام
حتى إذا كمل الذي قصدوا له ... جذبوك نحوهم بفضل زمام
فخروف (٢) ذاتك تقتضي قدم الذي ... أضفى عليك ملابس الإنعام
وكمال حسنك مفصح بكمالهم ... شهدت بذلك حال الاستلزام
عرج على الواد الكريم مبادراً ... خلع النعال بموطئ الأقدام
وأصخ لما يلقى بسرك بائعاً ... ح الوجود خلعة الأعدام
فإذا فقدت فقد وجدت بغبطة ... مقرونة بمسرة ودوام
فهم إذاً لا (٣) أنت إن سواهم ... بيد الفناء أذيق كأس حمام
وابثث لديهم عند ذلك قصتي ... واشرح لهم وجدي بهم وغرامي
ومدامعاً أسبلتها من شوقهم ... ما بين ندماني كؤوس مدام
غني ختمت على الضمير بحبهم ... فغدا هواهم فيه زهر كمام
وجعلته حرماً لهم فسواهم ... ما إن له بحماه من إلمام
حسبي بهم من غيرهم بدلاً فهم ... روحي وريحاني وبرة سقامي
إن لاح لي من أفق مغناهم سنا ... فعلى الوجود تحيتي وسلامي
стр. 213
ومن قصائده في هذا الغرض الشريف:
أدهى (١) حجابك رؤية الأغيار ... فامح الدجى بأشعة الأنوار
يا قارئاً لفظ الوجود وفكره ... في فهم معناه الجلي مماري
لا تشغلن بظاهر لك قد بدا ... عما بباطنه من الأسرار
أودعت أنفس جوهر فأضعته ... وغمرته في لجة الأعمار
حجبتك هذي الكائنات بظلها ... عن سرها المكتوم حجب سرار
أو ما ترى أشخاصها قد أومأت ... طراً إلى صنع الحكيم الباري
دلت عليه بافتقار وجودها ... لوجوده في الجهر والأسرار
(٧٣ب) فلسان حال الكل ينطق مفصحاً ... بخضوعه للواحد القهار
فاخلع نعال الكون خلع محقق ... وجد المؤثر في بقا الآثار
لحظ المنازل يستشف جمالها ... لحظ الحبيب البادي الاستبصار
فأعار حسن الدار صفحة معرض ... وسما بهمته لرب الدار
لاحت له أنوار شمس أشرقت ... فكست دجى الظلماء ضوء نهار
واعتاض من صحو غذاه ناشئاً ... محواً عراه به انتشاء عقار
دارت عليه بدير معناه طلا ... محروسة الأدوار والأديار
مشمولة شملت شمائله فلم ... ترتح لغير الراح والأسكار
قد أسكنت (٢) دن الدنو وألبست ... أسمال أسما وقارَ وقار
عصرت يمين المن صرف سلافها ... لمديرها في سالف الأعصار
стр. 214
وتعتقت حتى تروق جسمها ... لطفاً وفات توهم الأفكار
فالنور في عرصاتها والنور في ... دوحاتها ولهيبها كالنار
شعشع حمياها وحث كؤوسها ... واخلع عذارك واضح الأعذار
فإذا انتشت فناد من تهوي وبح ... بصريح ما أكننت في إضمار
فألذ ما يجني المتيم في الهوى ... ما ناله جهراً خليع عذار
وإذا خلوت بهم بغير مراقب ... فابثث هواك بذلة وصغار
فأرق ما بث الحبيب حبيبه ... شكوى الصبابة في خفي سرار
لا تبغين لهم شفيعاً غيرهم ... فهم الشفيع لمبتغي الأيسار
وهم الذين بهم تنال وصالهم ... وتفوز بالتقريب والإيثار
حسب العميد من الوجود هم فهم ... أنس الفؤاد ونزهة الأبصار
إن باعدوا أو ساعدوا لا ارتضي ... في حبهم ما عشت فك إسار
(٧٤آ) لم نتخذ شيئاً (١) ولكن قصرت ... عن فهم ذاك مباحث النظار
لا زال سري آهلاً بهواهم ... مستوحشاً من رؤية الأغيار ومن ذلك القصيدة التي كلف بها القوالون (٢) :
بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبة بانوا
لم ينقضوا عهداً ببينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان
لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران
لو صح حبك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبك الأظعان
تشتاقهم وحشاك هالة بدرهم ... والسر منك لخيلهم ميدان
ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السلوان
стр. 215
لا يشتكي ألم البعاد متيم ... أحبابه بفؤاده سكان
ما عندهم إلا الكمال وإنما ... غطى على مرآتها النقصان
شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان
غمض جفونك عن هواهم معرضاً ... إن الصوارم حجبها الأجفان
واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصاً ... ترسم (١) بقلبك كيف كنت وكانوا
ما غاب عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليك سحابها الهتان
وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان
جغلوا دليلاً منك فيك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان
يا لامحاً سر الوجود بعينه ... السر فيك بأسره والشان
ارجع لذاتك أن أردت تنزها ... فبها لعيني ذي الحجى بستان
هي روضة مطلولة بل جنة ... فيها المنى والروح والريحان
كم حكمة صارت تلوح لمبصر ... حارت لباهر صنعها الأذهان
حجبت بشخصك عن عيانك شمسها ... فمحا خاسن ذكرها النسيان
لولاك ما خفيت عليك إياتها ... والجو من أنوارها ملآن
فاخرج إليهم عنك مفتقراً لهم ... إن الملوك بافتقار تدان
واخضع لعزهم ولذ بهم يلح ... منهم عليك تلطف وحنان
هم رشحوك إلى الوصال إليهم ... وهم على طلب الوصال أعانوا
عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فسبا المشوق الحسن والإحسان
يا ملبسين عميدهم حلل الضنى ... جسمي بما تكسونه يزدان
стр. 216
لا سخط عندي للذي ترضونه ... قلبي بذلك فارح جذلان
تقريبكم عين البقاء وبعدكم ... محض الفناء وحبكم ولهان
إني كتمت عن الأنام هواكم ... حتى دهيت وخانني الكتمان
ووشت بحالي في الغرام مدامع ... أدنى مواقع قطرها طوفان
وبدت علي شمائل عذرية ... تقضي بأني فيكم هيمان
فإذا نطقت فذكركم لي منطق ... ما لي سواكم للسان بيان
وإذا صمت فأنتم سري الذي ... بين الجوانح في الفؤاد يصان
فبباطني وبظاهري كم هوى ... من جنده الأسرار والإعلان
وجوارحي وجميع أنفاسي وما ... أحوي، علي لحبكم أعوان
وإليكم مني المفر فقصدكم ... حرم به للخائفين أمان استكثرت من نظم هذا الرجل لشرف غرضه، ومن مقطوعاته (١) :
كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للروح الخليل poetry>وكفاك للوصال فدتك نفسي قبيح ليس يرضاه الخليل
(٧٥آ) ومن ذلك في التورية بالغرض المذكور أيضاً (٢) :
يا كاملاً شوقي إليه وافر ... وبسيط خدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي إليك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز وقال أيضاً (٣) :
أيا قمراً مطالعه جناني ... وغرته توارت عن عياني
أأصرف في هواك عن افتراقي ... وسهدي وانتحابي علتان ومن المقطوعات التي شهرت عنه (٤) :
стр. 217
وشى (١) العذار لجينه بنبا له ... فغدا يرق على المحب الواله
خط العذار بصفحتيه لامه ... خطاً توعده بمحو جماله
فحسبت أن جماله شمس الضحى ... حسناً وذاك الخط خط زواله
فرنا إليّ تعجباً وأجابني ... والروع يبدو من خلال مقاله
إن الجمال اللام آخره فعج ... عن رسمه واندب على أطلاله ٧٨؟ الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي
القاسم بن أحمد بن جزي الكلبي (٢) ، رحمه الله تعالى
شمس في سماء البلاغة بازغة، وحجة على بقاء هذه الفطرة العربية بالمغربية بالغة، ونعمة على هذه الطريقة سابغة، ونادرة فيها ونابغة، من جذع أبر على القارح، وزجر من المعرفة كل سانح، لا بارح، لو تعلقت الغوامض بالثريا لنالها، وقال أنا لها؛ وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وانطبق كمامه على أزاهره، فإذا قدح زنده، تقدم المواكب بنده. وكان من طبقة أبناء جنسه التي إليها المنتهى، وجنة الأدب التي يجد كل مشته ما اشتهى، فمطولاته بحور، (٧٥ب) وغرامياته ولدان وحور، وامداحه درر النحور، أخسفت المنية منه بدرا،
стр. 218
وغالت صدرا، وأوسعت البراعة غدرا، ولم تذر لها قدرا؛ وكان ممن نال من ملك الغرب محلا، وتحلى منه بما تحلى، رحمة الله تعالى عليه، فمن شعره (١) :
ومورد الوجنات معسول اللمى ... فتاك لحظ العين في عشاقه
الخمر بين لثاته والزهر في ... وجناته والسحر في أحداقه
مياد غصن البان في أثوابه ... ويلوح بدر التم في أطواقه
من للهلال بخده أو ثغره ... هب أنه يحكيه في إشراقه
ولقد تشبهت الظباء بشبهة ... من خلقه وعجزن عن أخلاقه
نادمته وسنا محيا الشمس قد ... ألقى على الآفاق فضل رواقه
في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... وأسال فيها المزن من آماقه
أسقيه كأس سلافة كالمسك في ... نفحاته والشهد عند مذاقه
صفراء لم يدر الفتى اكواسها ... إلا تداعى همه لفراقه
ولقد تلين الصم من سطواته ... فيعود للمعهود من إشفاقه
وأظل أرشف من اقاحي ثغره ... خمراً تداوي القلب من إحراقه
ولربما عطفته نحوي نشوة ... تشفي الخبال بضمه وعناقه
أرجو رضاه إذا تبسم ضاحكاً ... وأخاف منه العتب في إطراقه
أشكو القساوة من هواه وقلبه ... والضعف من جلدي ومن ميثاقه
يا هل لعهد قد مضى من عودة ... أم لا سبيل بحالة للحاقه
يا ليت لو كانت لذلك حيلة ... أو كان يعطى المرء باستحقاقه
فلقد يروق الغصن بعد ذبوله ... ويروق بدر التم بعد محاقه
стр. 219
(٧٦آ) ومن الغراميات التي سلك فيها مسلك قيس ليلى (١) :
متى يتلاقى شائق ومشوق ... ويصبح عاني الحب وهو طليق
أما إنها أمنية عز نيلها ... ومرمى لعمري في الرجاء سحيق
ولكنني خادعت قلبي تعلة ... أخاف انصداع القلب فهو رقيق
وقد يرزق الإنسان من بعد يأسه ... وروض الربى بعد الذبول يروق
تباعدت لما زادني القرب لوعة ... لعل فؤادي من جواه يفيق
ورمت شفاء الداء بالداء مثله ... فإني بأن لا أشتفي (٢) لحقيق
وتالله ما للصب في الحب راحة ... على كل حال إنه لمشوق
أيا رب قد ضاقت علي (٣) مذاهبي ... فها أنا في بحر الغرام غريق
ولا سلوة ترجى ولا الصبر ممكن ... وليس إلى وصل الحبيب طريق
ولا الحب عن تعذيب قلبي ينثني ... ولا القلب للتعذيب منه يطيق
شجون يضيق الصدر عن زفراتها ... وشوق نطاق الصبر عنه يضيق
نثرت عقود الدمع ثم نظمتها ... قريضاً فذا در وذاك عقيق
بكيت أسى حتى بكت لي حسدي ... كأن عدوي صار وهو صديق
ولو أن عند الناس بعض محبتي ... لما كان يلفى في الأنام مفيق
أيا عين كفي الدمع ما بقي الكرى ... إذا منعوك اليوم سوف تذوق
ويا غائباً عن ناظري أما يرى ... لشمسك من بعد الغروب شروق
رويدك رفقاً بالفؤاد فإنه ... عليك وإن عذبته لشفيق
стр. 220
نقضت عهودي ظالماً بعد عقودها ... إلا إن عهدي كيف كنت وثيق
كتمتك (١) حباً يعلم الله مدة ... وبين ضلوعي من هواك حريق
فما زلت بي حتى افتضحت فإن أكن ... صبوت فبعد اليوم لست أطيق (٧٦ب) ومن قصيدة غرامية قوله:
خليلي إن الحب أعيا اكتتامه ... فهذا لسان الدمع بالسر ناطق
أيا رب حتى دمع عيني ينم بي ... وحتى منامي مذ هويت مفارق
وكنت أظن القلب يقوى على الأسى ... فها هو لما جد أمري (٢) زاهق
إذا حانني قلبي ونومي وناظري ... فوالله ما أدري بمن أنا واثق
أقلا ملامي في الهوى لا بليتما ... فإن الهوى عن سمعي اللوم عائق
أبيت وندماني شجوني، وقهوتي ... دموعي، وما غير الدموع موافق
يشوقني ساري النسيم إذا سرى ... ألا كل آت منهم لي شائق
لقد أنكروني إذ مررت بربعهم ... وظنوا ظنوناً خالفتها الحقائق
رأوا جسدي من تحت ثوبي ناحلاً ... كما رق حد السيق والغمد رائق
يقولون ما هذا الخبال الذي به ... وما بي خبال غير أني عاشق
وقالوا ادعى فينا المحبة كاذباً ... أما وذمام الحب أني لصادق
وما باله يشتاق من ليس شيقاً ... إليه ويهوى وفق من لا يوافق
يزيد خضوعاً حين يزداد عزة ... لبئس الفتى هذا وبئس الخلائق
فمهما لحظنا ليس تحمي سوابغ ... ومهما طلبنا ليس تنجي سوابق
وكم من محب مات فينا صبابة ... وهذا الفتى لا شك بالقوم لاحق
стр. 221
ومن المقطوعات المطبوعات:
شد ما قد لقيت في حب سلمى ... قل صبري وضاق بالحب ذرعي
كل يوم زيارة ورسول ... لأراها بناظري أو بمسمعي
وإذا لم يكن إليها سبيل ... وعدمت الرسول أرسلت دمعي ومن المقطوعات قوله:
(٧٧آ) لما اشتكى العشاق من فتكاته ... بظبا اللواحظ قال وهو الصادق:
قسماً لئن عادوا إلى الشكوى بها ... لا أغمدت وعلى البسيطة عاشق ومن ذلك أيضاً في التورية (١) :
أبح لي يا روض المحاسن نظرة ... إلى ورد ذام الخد كنت لك الفدا
وبالله لا تبخل علي بقطفة ... فإني عهدت الروض يوصف بالندى ومن ذلك قوله:
وغزال له جفون مراض ... تبعث الوجد في قلوب الصحاح
غرني لحظه وقد قيل شاك ... فإذا هم يعنون شاكي السلاح ومن ذلك قوله (٢) :
يقولون لي أصبحت بالآس مولعاً ... وقلت: وهل في حبي الآس من باس
ألم تعلم أن الهوى قد أعلني ... وكيف ترى شوق العليل إلى الآسي ومن ذلك قوله:
أفنيت فيه نسيب شعري طائعاً ... وأسلت دمعي كالحيا المدرار
стр. 222
وأراه ما حفظ العهود ولا رعى ... ذمم النسيب ولا حقوق الجار ومن التورية وهو مليح (١) :
وصديق شكا لما حملوه ... من قضاء يقضي بفرط العناء
قلت: فاردد ما حملوك عليهم ... قال: من يستطيع رد القضاء؟ ومن المقطوعات قوله في ذلك:
ويا رب ساجي الطرف يعطفه الهوى ... على الصب بعض الشيء ثم يميل
عجبت له يشكو الغرام فقال لي: ... أتعجب أن يشكو الغرام جميل؟ وإحسان هذا الفاضل بحر لا تنزحه الدلاء، رحمه الله تعالى.
(٧٧ب) ٧٩؟ الكاتب أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الحق
ابن محمد الصباغ العقيلي (٢) ، رحمه الله تعالى:
رجل كفاية، ولباب غير نفاية، انتحل الأدب، وإلى فئته انتدب، فنظم ونثر، وركض فقل أن عثر، ورحل إلى المغرب فأعتب الزمان بعد عتابه، وانتظم في سلك شعراء السلطان وكتابه، ولم يكن
стр. 223
عارضه يسرع في انسكابه، حتى ظعن الموت بركابه؛ ومن شعره (١) :
زار الخيال ويا لها من لذةٍ ... لكن للذات الخيال منام
ما زلت ألثم مبسماً، منظومه ... درر، ومورده الشهي مدام
وأضم غصن البان من أعطافه ... فأشم مسكاً فض عنه ختام وقال أيضاً:
أدرها من بنات الكرم بكراً ... كساها دنها لوناً شريفا
غدت في أوجه الاكواس ورساً ... وفي وجه النديم بدت عقيقا وقال رحمه الله تعالى (٢) :
ليت شعري والهوى أمل ... وأماني الصب لا تقف
هل لذاك الوصل مرتجع ... أم لهذا الهجر منصرف وقال في معرض الفخر (٣) :
وظبي زها بالطرف والعطف والطلا ... وما حاز من غنج ولين ومن غيد
أشرت إليه بالدنو مداعباً ... فقال: أيدنو الظبي من غابة الأسد
стр. 224
٨٠ -؟ الكاتب محمد بن محمد بن عبد الرحمن
القطان الهاشمي نسباً، رحمه الله تعالى:
فتى حسن الشمائل والضرائب، آت على حداثة سنه بالغرائب، (٧٨آ) انتظم مع الكتاب والعمر جديد، وظل اللمة السوداء مديد، فأطاعه على النظم لسان، وصدرت عنه آداب حسان، إلا أنه اعتبط عندما غبط، رحمه الله تعالى. من شعره ما كتب لي به:
أجارتنا رفقاً على الهاتم الصب ... فقد ذاب وجداً بالصبابة والحب
قذفت بسحر اللحظ في قلبي الهوى ... وقد عشت دهراً قبله خالي القلب
وصعدت أنفاسي وقطرت أدمعي ... وقلبتني بالسهد جنباً إلى جنب
يكاد فؤادي أن يطير أسى إذا ... أفكر في إنجاز وعدك بالقرب
أقول: متى أو كيف يسمح دهرنا ... بساعة وصل قبل أن ينقضي نحبي
فكم رمتها والبخل منها سجية ... يطول بها لو كنت سامعة عتبي
فإن عيون الكاشحين إذا بدا ... محياك من دوني موانع كالحجب
بحرمة ما بيني وبينك عجلي ... وصالك لي تستوجبي الأجر من ربي
ألم تعلمي أني إذا ما طردتني ... ألوذ بآمالي إلى الجانب الرحب
إلى الجانب السامي الممنع جاره ... إلى الجانب المربي على رتب الشهب
جناب فريد العصر والجملة التي ... تدور أمور الملك منه على قطب
стр. 225
وزير المقام اليوسفي ومن له ... نوال يباري الغيث متصل السكب (١) ومن أخرى:
أوجهك أبهى أم سنا القمر التم ... وريقك أشهى أم مذاق ابنة الكرم
يشوق محباً فيك ظام لورده ... ومنعكه من ظلمه أكبر الظلم
فهل علة منه لغلة عائم ... أجاب الهوى بالطوع منه وبالرغم
وخدك أم روض من الحسن يانع ... يفوق رياض الحزن غب حيا يهمي
فيا ربة الحسن الذي ظل مفرداً ... خفي الله في صب يذوب من السقم
(٧٨ب) مقيم على حفظ الهوى وعهوده ... يرى عطفة في النوم منك من الغنم
يطيع الهوى في حبه لك دائماً ... ويعصي المنى إن أصبحت فيك من خصم
يحن لأيام مضت ومعاهد ... سقاها عهاد الدمع بالوابل السجم
فجودي على صب يجود بنفسه ... وردي عليه الروح في مدنف الجسم
وإلا سأستعدي عليك بسيد ... يؤمن من خوف ويوسر من عدم
وزير له في المعلوات علاقة ... يبلغها الغايات منهن بالعزم
стр. 226
٨١ -؟ الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي بن
محمد القيسي المرادي، رحمه الله تعالى:
شاعر مجيد، ومتلع يجيد (١) ، وباني بيوت القريض ذات تنجيد، ورام إلى الأغراض بسهم سديد، على غرارة غضة وعمر جديد، كان أبوه عطاراً فما عدا العطر شيمته، لا بل اقتحم عليه سيمته (٢) ، فشكر الربع ديمته، وحضرت أمراء الاستحسان لما أعرس بعقائله الحسان وليمته، ولما اجتليت غرته، نظمت في سلك الكتاب درته، وفضضت بيد الشفيق (٣) صرته، إلا أنه اعتبط أينع ما كان فننا، وأوضح في الفضل سننا، رحمه الله تعالى. ومن شعره ما خاطبني به من قصيدة طويلة:
تعال نعجها بين تلك المنازل ... فقد رفعت ما بين عاف ونازل (٤)
نعلل منها كل نفس عليلة ... ونقضي مناها بين تلك المناهل
ونتقع للأحشاء من كل غلةٍ ... جوى ونحلي للهوى كل عاطل
أليس التي لاحت معالم حيهم ... فما لكما في قصد تلك المجاهل
وغناء حسناء الروابي كأنما ... سقاها حيا دمعي بهام وهامل
стр. 227
مؤرجة الرجاء مضواعة الربى ... تمر بها الأرواح مر القوافل (٧٩آ)
تماري بمرأى زهرها الزهر في الدجى ... وتهفو بأنفاس الضحى في الأصائل
كأن شذاها من شذا المسك أو شذا ... حلى معلوات ابن الخطيب الحلاحل
وخفاقة الأطلال تحسب أنها ... علتها علا من ظله المتطاول
وإن كان منها الظل أقعس زائلا ... فظل علاه ليس عنها بزائل
كأن شعاع الشمس فوق غصونها ... مصاقل لاحت في رؤوس العوامل
كأن اطراد النهر ما بين نورها ... مناصل سكت بين وشي الحمائل
كأن محيا زهرها غب طله ... سنا الشمس أو ضوء البدور الكوامل
كأن عليها من سجايا محمد ... شمائل يبدو عنه نفح الشمائل
الكني (١) إلى مثوى الوزارة مألكاً ... أطاول منه بالأماني الطوائل
إلى عالم (٢) الدنيا الذي لعلائه ... (٣) تضائل أعلى يذبل ومواسل
عميد المعالي والمعارف والذي ... تحدى بآيات العلا والفواضل
ومعجزة الأيام والواحد الذي ... بسؤدده تبأى صدور المحافل
تبارك من سوى مقامك فاغتدى ... على فضل هذا العصر أجلى الدلائل
" علمت فلم تترك مجالاً لعالم ... وقلت فلم تترك مقالاً لقائل " وهي طويلة مشتملة على النيل والوسيل، وبلغه عن بعض أصحابه اتهام، بانتحالها وقد وقع في اسمي له (٤) إبهام، فجلا الظلمة،
стр. 228
ورفع التهمة، وكتب بحال ابتدار، بما يشهد باطلاع (١) واقتدار، وانفساح مدار، قوله:
شفاء (٢) صداها أم تلك المناهل ... وري غليلي لثم تلك الأنامل
وبين النقا والجزع وسنان ناظر ... يعيد على الألباب آية بابل
وفي سمرات الحي من معهد اللوى ... بلابل هاجت من شجون البلابل
(٧٩ب) ومطلولة الأرجاء أخجل نشرها ... نسيم الصبا جاءت بريا الخمائل
كأن شذاها من شذا المسك أو شذا ... حلى معلوات ابن الخطيب الحلاحل
عماد الحجى والمجد والحلم والتقى ... وفخر المعالي وازدهار الفضائل
وحجة أيام أواخر آيها ... حوت قصبات السنو دون الأوائل
عذيري لا والله عذري لهفوة ... دهتني ولكن عذر هيمان ذاهل
وقد كان بي من فرط حبي عندما ... دنا اسمكم السامي العلا أي شاغل
رأى الماء من قرب فأهوى لورده ... هياماً ولم يحفل بذائد حائل
إذا لم يكن من هيبة اسمك مذهل ... يهول فإني آمن كل هائل وهي طويلة وفي هذا القدر كفاية.
стр. 229
٨٢ -؟ الكاتب الرئيس أبو اسحق إبراهيم بن محمد الساحلي
الأنصاري (١) ، رحمه الله تعالى:
جواب الآفاق، ومحالف الرفاق، ومنفق سعر الشعر كل النفاق، رفع للأدب راية لا تحجم، وأصبح نسيج وحده فيما يسدي ويلحم، ولما آنس بكساد سوقه، من بعد بسوقه، ولألؤ نسوقه، واستواء بيانه على سوقه، ارتحل، وبأثمد ملك السودان اكتحل، وفي تلك البلاد الموحشة رجل، حل بها محل الخمر في القار، من بعد الاعتصار، والنور من سواد الأبصار، وتقيد بالإحسان، وإن كان غريب الوجه واليد واللسان، فما أشبهه بالشمس شهرة وتجوالا، وعروضاً وأطوالا، وميلاً واعتدالا، وبرهاناً على من آثر جدالا، وحساباً مضروباً، وأفولا في العين الحمئة وغروباً. ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا اسمه، لوضح في المصنفات رسمه، وتوفر من المزية قسمه. وأما (٨٠آ) نظمه ونثره فالشمس، تجل أن يدركها اللمس؛ عين أدب هذا الفاضل فراره (٢) ، وحسب هذا المهند الفاصل غراره. فمن قوله:
تألق نجدياً فحيا وسلما ... وناجى جفوني فاستهلت له دما
يرق ويخفى مثل جسمي كأنه ... حذا حذوه في السقم حتى تعلما
стр. 230
وطارح أحشائي فأصبح خافقاً ... وعاد بأشواقي فعاد مضرما
وأوضح ثغراً كلما قطب الدجى ... تهلل في بهمائه وتبسما
وجاد ديار العامرية بالنقا ... جزاء لليلى إذ أعارته مبسما
أبارق ذات الأبرقين: أحاجر ... منازل تيم بعد تيم أم الحمى
وما لزمان نام مستغرق الكرى ... فما هب حتى سل ما كان سلما
طواني الضنا طي السجل وشفني ... فلم يبق مني السقم إلا توهما
وودعت خلى والشبيبة راغما ... فلم أدر من أجرى دموعي منهما
وجف ربيع العيش في مربع الصبا ... غداة ذوى العود البهيم وأثغما
فسيان بيضاً فتت في مفارقي ... وأبيض أضحى فوقهن مصمما
وقد كنت قبل اليوم أقتاد أبيضا ... من العيس مهما كنت أجنب أدهما
أغازل ليلى تحت ليل شبيبتي ... فأما وقد صاح الصباح به فما
ولي كبد مهما رأى البرق وهنةً ... تنفس من أحشائه وتكلما
وإن ذكرت ليلى تطاير خافقاً ... وإن هينم الحادي بنجد تلوما
ويا لغريب أنجد الركب موضعا ... بأحبابه الأدنين منه وأتهما
رمى بهم عرض الفلاة وإنما ... رمى مصمياً أفلاذ قلبي إذ رما ومن هذا الأسلوب:
عيون سحاب أم سحاب عيون ... سقت صوب نعمان بصوب معين
(٨٠ب) وما لرباها بعد ليلى تلفعت ... غراماً وحزناً في مطارف جون
وقفت بها أذكي حشاي واتقي ... بفضل ردائي واكفات شئوني
فطوراً أرويها وطوراً اشبها ... بنار شجوني أو بماء جفوني
بقايا طلول أنكر العين حسنها ... فأثبته وجدي بها وشجوني
стр. 231
أكر فيثنيني خطاب طلولها ... إليّ بباء أعجمته ونون
فيا طللاً أقوى وقد كان قبل ذا ... مطالع شهب أو مراتع عين
أتعلم قلبي أين ظل فإنه ... بكفي قوي البأس غير أمين
ويا سائق الأظعان رفقاً فإنما ... تدوس على آماق كل حزين
وتحت تماثيل الخدور كواكب ... جلون هلالاً تحت كل جبين
تبسم عن لألاء در منضد ... على ثغب من ريقهن معين
فأخلفن عهدي، والذنوب لشيبتي ... على مفرقي أفتت بلي ديوني
وولين دوني بالشمال وإنما ... توسدن في ظل الشباب يميني
وقلن جنون أذهب الشيب غيها ... ويا ليت يوماً لو تعاد جنوني ومن ذلك قوله:
دع العين تذري الدمع في طلل لالربع ... فليس حراماً أن أريق به دمعي
وحدث عن القوم الذي عهدتهم ... أحلوا بنجد أم أقاموا على سلع
وإن لم يكن قد فاز طرفي بنظرة ... إليهم فحسبي أن يفوز بهم سمعي
ذكرتك يا نجد ففاضت مدامعي ... وأي نصير للمحب سوى الدمع
وإن تقن يا نفس العزاء تجملاً ... فإنك مكلوم الحشا دائم الصدع
تبيت وفي جنبيك من ألم الهوى ... (١) لواسب حبٍ لا تمل من اللسع
ومهما بدا من جانب الجزع بارق ... جزعت ومن لي أن أرى بارق الجزع
(٨١آ) أمنفلت من ربقة الوجد عاشق ... يموت ويحيا بالوصال وبالقطع
يسائل عن ماء العذيب تجاهلاً ... وإن الذي يشفي صداه (٢) على جمع
стр. 232
أحن كما حنت ركابي إلى منى ... وما دارها داري ولا ربعها ربعي
ولكن نزوع من بقايا حشاشة ... رمتنا بها وطفا (١) مسددة النزع
وقالوا غداً يقضي بجمع ديوننا ... وحسبي بجمع أن أرى ليلة الجمع
لعينك قلبي يا ابنة القوم طائع ... صبور على الشكوى صبور (٢) على المنع
تجلى لطرفي في خياك روضه ... ووردته المحمرة اللون من زرعي
وثغرك من دمعي وخدك من دمي ... وخصرك من فكري، وخليك من سجعي
قصرت فؤادي في رضاك على الجوى ... وحرمت عذلي في هواك على سمعي ومن المقطوعات والأوصاف:
ومفروشة بالآس والنرجس الغض ... وبالورد والنسرين بعضاً على بعض
كأن احمرار الورد خجلة غادة ... يلاعبها المشتاق بالقبل والعض
كأن اصفرار النرجس الغض إذ بدا ... يميس بأغصان من العسجد الغض
كأن اخضرار الآس قضب زمرد ... تنمقه أيدي القيان على الأرض
كأن ضياء (٣) الكأس بدر بدا لنا ... فطوراً إلى رفع وطوراً إلى خفض
كأن خدود الشاربين وقد بدت ... بها الخمر جمر قد توقد من رمض
стр. 233
٨٣ -؟ الشيخ الكاتب أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد
ابن خاتمة الأنصاري (١) ، رحمه الله تعالى:
ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام نحور الرواة ولبات الحفاظ، ذو الآداب التي أضحت شواردها حلم النيام وسمر الإيقاظ، وكمن في بياض طرسها وسواد نقسها سحر اللحاظ؛ اشتهر اشتهار (٨١ب) البدر ليلة الصحو، وعمرو بن قنبر (٢) في صناعة النحو، وأمن ثبت فضله من المحو، وكان العلم الذي إليه يشار، وتحدى العشار، لا يساجل بحره بالدلاء، ولا يسد مسده بالبدلاء، مجموع فنون، وخوان ضب منها ونون، قل أن يذكر ضرب من المعارف إلا عرفه، أو يمر بنهر من أنهارها إلا شرب من مائه واغترفه، وأما الأدب فهو فيه الحجة التي لا تجهل، والمحجة التي قصدها هو الأسهل، مطولاته بحور زاخرة، ومقطوعاته درر فاخرة، ورسائله بالرياض ساخرة، وللنجوم الزهر مفاخرة، إلى الطرف، وطيب العرف؛ خبا بوفاته (٣) الكوكب الوقاد، وألقى إلى الضالة (٤) المهملة المقاد، واستولى من بعد اليقظة الرقاد، واستعجل
стр. 234
النقاد؛ فمن غرامياته (١) :
من لم يشاهد موقفاً لفراق ... لم يدر كيف توله العشاق
إن كنت لم تره من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي
من حر أنفاس، وخفق جوانح ... وصدوع أكباد، وفيض مآقي
دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد متراق
ولقد أشير لمن تكلف رحلة ... أن عج (٢) علي ولو بقدر فواق
علي أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق
فمضى ولم تعطفه نحوي ذمة ... هيهات لا يثني على مشتاق
يا صاحبي وقد مضى حكم الهوى ... روحاً علي بشيمة الإشفاق
واستقبلاها نسمة من (٣) أرضكم ... فلعل نفحتها تحل وثاقي
إني ليشفيني النسيم إذا سرى ... متضوعاً من تلكم الآفاق
من مبلغ بالجزع أهل مودتي ... إني على حكم الصبابة باق
(٨٢آ) ولئن تحول عهد قربهم نوى ... ما حلت عن عهدي ولا ميثاقي
أنفت (٤) خلائقي الكرام لخلتي ... نسباً إلى الإخلال والإخلاق
قسماً به ما استغرقتني فكرة ... إلا وفكري فيه واستغراقي
لي أنة عند العشي لعله ... يصغي لها وكذا مع الإشراق
أبكي إذا هب النسيم فإن تجد ... بللاً به فبدمعي المهراق
أومي بتسليم إليه مع الصبا ... فالذكر كتبي والرفاق رفاقي
من لي شحط المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي
стр. 235
إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... وسراه (١) بين القلب والأحداق
جارت علي يد النوى بفراقه ... آهاً لما جنت النوى بفراق
أحباب قلبي هل لماضي عيشنا ... رد فينسخ بعدكم بتلاق
أم هل لأثواب التجلد راقع ... إذ ليس من داء المحبة راق
ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلا وأمطرت الدما آماقي
ايه أخي أدر علي حديثهم ... كأساً ذكت عرفاً وطيب مذاق
وإذا جنحت لماء أو طرب فمن ... دمعي الهموع وقلبي الخفاق
ذكراه راحي، والصبابة حضرتي ... والدمع ساقيتي، وأنت الساقي
فليسل عني من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي ومن ذلك (٢) :
وقفت والبين قد (٣) زمت ركائبه ... وللنفوس مع الأنفاس (٤) تقطيع
وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل القلب صدر الركب توديع
أضم منه كما أهوى لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطيب مجموع
تهفو فأذعر خوفاً من تقصفها ... إن الشفيق بسوء الظن مولوع
(٨٢ب) هل عند من قد دعا (٥) بالبين مغلبة ... أن الردى منه مرئي ومسموع
стр. 236
أشيع القلب من رغم علي وما ... بقاء جسم له للقلب تشييع
أري وشاتي أني لست مكترثاً ... لما جرى وصميم القلب مصدوع
الوجد طبعي وسلواني مصانعة ... هيهات يشكل مطبوع ومصنوع
" إن الجديد إذا ما زبد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع " ومن روضياته قوله مرهف الروض:
الأرض بين مدبج ومجلل ... والروض بين متوج ومكلل
والزهر بين مورد ومورس ... والنهر بين ممسك ومصندل
لويت مذانبه على أدواحها ... فاختلن بين ممنطق ومخلخل
ما ذاك سجع نسيمها في ظلها ... لكنه وسواس هاتيك الحلي
أهلاً بأيام الربيع (١) وطلها ... أنس الخليع وبهجة المتبتل
زمن أرق من الوداد شمائلاً ... وأرق من عصر الشباب الأول
تذكي بلابله البلابل لوعة ... ولرب بلبال يهيج لبلبل
أعجب به من مهرجان باسم ... بين البسيطة والحيا المتهلل
حشد الربيع له جنود جماله ... وأتى بحافل جنده في جحفل
فالطير تشدو، والغدير مصفق ... والقضب ترقص، والأزاهر تنجلي
وعرائس الأشجار تجلى في حلى ... خضر ولا وجه العروس إذا جلي
ما إن ترى عرساً بأجمل منه في ... عين الشجي إن غاب عن عين الخلي
فاعطف على وجه الزمان وحيه ... وانظر إلى حسن الربيع المقبل
وأجل لحاظك في (٢) صفاح كتابه ... حتى تبين واضحاً من مشكل
стр. 237
(٨٣آ) وإن اعتراك عشى لنير نوره ... فاعدل الأثمد ظله فتكحل
من لم يشاهد موقع الحسن الخفي ... من منظر لم يدر ما الحسن الجلي
فالحسن ما وضحت شواهد فضله ... للمجتني كوضحوها للمجتلي
ولرب وردة دوحة حيت بها ... جاماص تلهب له ماء وناراً قد ملي
ما فتح الزهر الجني ثغوره ... إلا ليرشف طيب ذاك السلسل
كلا ولا خمدت عيون نهاره ... (١) إلا لغيرتها عليه أو قل
هذي البلابل قد سجعن لشربه ... تشدو وتنشد في الثقيل الأول
أيهٍ مطربة الخلي بعثت لي ... أسف الشجي ردي علي وبدلي
ما عذرها والورد مورد عشقها ... إن لم تغن بحسنها وتغزل
فالورد قد فتح الحيا في خده ... ورداً سبا ورد الحياء المخجل
عجباً وحتى الحسن يعشق بعضه ... بعضاً لقد أزرى الهوى بالعذل
لطف من الإحسان أعجزت الورى ... أوصافها، سبحان مبدعها العلي ومن المقطوعات قوله (٢) :
زارت على حذر من الرقباء ... والليل ملتف بفضل رداء
تصل الدجى بسواد (٣) فرع فاحم ... لتزيد ظلماء إلى ظلماء
فوشى بها من وجهها وحليها ... بدر الدجى وكواكب الجوزاء
أهلاً بزائرة على خطر السرى ... ما كنت أرجوها ليوم لقاء
стр. 238
أقسمت لولا عفة عذرية ... وتقى علي له رقيب رائي
لنقعت إلى لوعتي برضابها ... ونضجت ورد خدودها ببكاء ومن المقطوعات قوله (١) :
(٨٣ب) خط السنا ذهباً في اللازوردي ... فالأفق ما بين مرقوم وموشي
كأنما الشهب والإصباح ينهبها ... دراهم سقطت من كف زنجي وكتب إليّ (٢) عند انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصه:
" مما قلته بديهة حين الإشراف على جنابكم السعيد ودخوله مع النفر الذين أتحفتهم سيادتك بالإشراف عليه والدخول إليه وإن كان يوماً قد غابت شمسه، ولم يتفق إن كمل أنسه، وأنشدته بعض من حضر ولعله لم يبلغكم وإن كان قد بلغ فضلكم يحملني على إعادة الحديث:
أقول وعين الدمع نصب عيوننا ... ولاح لبستان الوزارة جانب
أهذي سماء أم فناء سما به ... كواكب غضت عن سناها الكواكب
تناظرت الأشكال منه تقابلاً ... على السعد وسطى عقده والجنائب
وقد جرت الأمواه فيه مجرةً ... مذانبها شهب لهن ذوائب
وأشرف من أعلاه فهو تحفه ... شماس زجاج وشيها متناسب
يطل على ماء به الآس دائراً ... كما افتر ثغر أو كما اخضر شارب
стр. 239
هنالك ما شاء العلا من جلالة ... بها يزدهي بستانها والمراتب ولما أحضر الطعام هنالك دعي شيخنا أبو البركات فاعتذر بأنه صائم بيته من الليل، فحضرني أن قلت:
دعونا الخطيب أبا البركات ... لأكل طعام الوزير الأجل
وقد ضمنا في نداه جنان ... به احتفل الحسن فيما احتفل
فأعرض عنا بعذر الصيام ... وما كل عذر له مستقل
فإن الجنان محل الجزاء ... وليس الجنان محل العمل (٨٤آ) (١) وعندما فرغنا من الطعام أنشدته الأبيات فقال لي: لو انشدتنيها وأنتم لم تفرغوا من الطعام لأكلت براً بهذه الأبيات، والحوالة على الله تعالى؛ رحمة الله على الجميع.
٨٤ -؟ الشيخ الكاتب أبو عبد الله محمد بن محمد
ابن حسان الغافقي، رحمه الله تعالى:
مفراخ أطيار القوافي، ومعيرها قصب القوادم والخوافي، ومجود آيات البيان مسندة الإتقان إلى الكافي، وإن عدم المجيز والمكافي، لم يضيق الطبع على قريحته ولا حجر، فكلما ضرب بعصا يراعته الحجر، انبجس وانفجر، إلا أن ممارسة هذه الميادين أوهت قوى
стр. 240
جلادته، ورحم الإجادة أخلقتها كثرة ولادته، وكان ممن جمع بين البديهة والإصابة، وبرز في الخط بين العصابة، فأصبح فرداً بين أترابه، وفذا في أغرابه، وله آداب عذبة الشمائل، سائمة بزهر الرياض وظلال الخمائل. كتب بباب السلطان جواداً سابقاً، وطبقاً لشن تلك الشؤون مطابقاً، إلى أن أخلقت لجدة، وانتهت (١) للأيام العدة، فانقاد للحمام المواقع الهجوم، وغرب غروب النجوم. ومن شعره وكثيره مطول، وللإجادة مخول، فمن ذلك ما خاطبني به في شأن بنت ماتت لي:
يا من له شيم رقت نواسمها ... هي المواهب والرحمن قاسمها
حازت بفضلك أسنى الحظ أندلس ... فأنت قطب معاليها وعالمها
إن الوزارة من علياك رافلة ... في حلة قد أجاد الوشي راقمها
وللكتابة فخر إذ ترسلها ... فأنت ناثرها الأعلى وناظمها
كأن لفظك في القرطاس زهر ربى ... بكى بها القطر فافترت مباسمها
(٨٤ب) سمت بطورك فوق الشهب منزلة ... فوق المنازل رب العرش عاصمها
نفس شريفة أعمال (٢) مجوهرة ... للعلو صاعدة، والقدس عالمها
إني لمجدك بالتقصير معترف ... على الفروض التي ترعى لوازمها
فافسح مجال اعترافي حين اشرحه ... لك السجايا التي تسمو مكارمها
وعن مغيبي لما صنت جوهرة ... من اللآلئ بطن الأرض كاتمها
فما علمت بميقات حضرت به ... ورحمة الله قد سحت غمائمها
стр. 241
فليتني كنت للأبصار مرتقباً ... مع الوفود التي راقت أزاحمها
يا سيدي والذي أعددته سنداً ... من الخطوب التي صالت صوارمها
رجعت للصبر تبغي الأجر محتسبا ... في جنة يجلب الأفراح دائمها
علماً بأوصاف ذي الدنيا وغايتها ... يرى خيالاً بها في النوم حالمها
لتبق للمجد في علياء شامخة ... ما مالت القضب أو حنت حمائمها ومما خاطبني به:
برق أضاء بحاجر ما يهدأ ... وسناه في جنح الدجى يتلألأ
فرعيته حتى الصباح بمقلة ... تهمي ونار جوانحي لا تطفأ
وسرت نواسم روض نجد سحرة ... فوشت بطيب كان فيه يخبأ
فبدت علي شمائل عذرية ... والصب يلحظه الرقيب ويكلأ
فأطال في شأن الملامة عذلي ... أني حننت لحيث كان المنشأ
فهواي شوقاً يستمد مدامعي ... والوجد يكتب والصبابة تقرأ
قالوا وقد طلع المشيب بمفرقي: ... إني سلوت ونجمه لي اضوأ هو عنفوان تذكري لمعاهد الأحباب في زمن مضى، والمبدأ ...
لا تعجبوا بعد الخمود لفطنتي ... أن نبهتها فكرة لا تصدأ
(٨٥آ) إن الممد لها الوزير بعلمه ... فهو المعيد النظم أو ما ينشأ
حوض لما يشكو الظماء مسلسل ... روض ند وظلاله نتفيأ
بحر ترى العلماء من أنهاره ... نقصوا إذا دانوه وهو مملأ
يرمي بمرجان ودرٍ فاخر ... والري فيه لذي غليل يظمأ
راض الصعاب وقد تبادر في العلا ... فله بأعلى ذروة متبوأ
стр. 242
فاضت عليه من المواهب حكمة ... هو لانطباع جمالها يتهيأ
فيها الوجود لكل مرتسم فمن ... ذاق المشارب بالسعود يهنأ
من كالإمام ابن الخطيب معارضاً ... إلا السمي له الذي لا ينشأ
ألقى الإله له المحبة في الورى ... فالكل يختم بالثناء ويبدأ
لا زال يرفل في ملابس رفعةٍ ... وحسوده بالنائبات مرزأ ومما انشدنيعه وكان يتكرر لقائي إياه ببعض الطرق قوله:
إذا عنت اللقيا على ظمأ لها ... ورام فؤادي أن يزيل غليلا
تعرض حر الشمس عند هجيره ... لأهجر شمساً لا تغيب أفولا
ولو سمحت تلك المزايا بوقفةٍ ... نشقت بها عرف النسيم عليلا
واقطفني بر الوزير خميلةً ... وأتحفني ظل القبول ظليلا
تسوغت طيب العيش أعذب موردٍ ... ولقيت منه روضة ومقيلا ومن اخوانياته البديعة قوله:
بديع نظمك أضحى روض إيناس ... أهدت طباعك منه طيب أنفاس
إذا كمائم الفاظ له ابتسمت ... زهدت في النرجس المطلول والآس
وما أبالي إذا شعشعت قافيةً ... إن لم انازع نديمي الخمر في الكاس
فلتسقني (١) منه دنا لا تدر قدحاً ... حتى أغيب عن عقلي واحساسي
(٨٥ب) عجبت من ذهنك الوقاد كيف سمت ... بوابل الطبع منه نار نبراس
إن كنت في خلوة فهو الانيس بها ... وذكره ديدني ما بين جلاسي
ما وشي سنعاء إلا ما تحبره ... منك اليراع بحبر فوق قرطاس
ولا الفوائد إلا ما تنظمه ... تلك القريحة في أجياد أطراس
ايةٍ اعده وعللني بزورته ... أنا السقيم وأنت الممرض الآسي
стр. 243
إن كان سحراً فأسمعني غرائبه ... هو الحلال فلا تحذر من الباس
إني بعثت بشعر كالنسيم سرى ... لعلّ رؤيته تعديك يا ناسي
وإن هززت له عطفاً فلا عجب ... من الصبا رنحت أعطاف مياس
فعد لشيمتك الأولى التي حسنت ... أيام كنت لعهدي لست بالناسي
أما الشباب فقد ولى لطيته ... يا حسرتي لم يدع لي غير وسواس
كلفت بالزهر لما افتر وسط ربىّ ... وعفته ضاحكاً بالفود والراس وكل من ذكر إلى هذا الحد من المشايخ أو الاتراب، قد تسابقوا تسابق العراب إلى التراب، فيا ويح من اغتر بلمح السراب، وولد للموت وبنى للخراب، ومن يجري ذكره بعد هذا فهم بقيد الحياة لتملم جمادى الآخرة (١) عام أربعة وسبعين وسبعمائة، جمعنا الله تعالى في مستقر رحمته، بفضله ومنته.
стр. 244
٨٥ - الشيخ الخطيب القاضي الرئيس أبو القاسم محمد بن يحيى
بن محمد الغساني البرجي (١) ، أمتع الله ببقائه؛
غلاب الهوى الذي لا يغلب، وخدن العافية التي تسأل من الله تعالى وتطلب، والمثل في رفض الضراع (٢) ، والحذر من الاختراع؛ لو سلطت المناخل على حبة قلبه لم تلف دخيلاً، ولو ضايقته الأيام في انتشاق الهواء (٨٦آ) ما كان بتركه بخيلا؛ تجذب الدول بذيله، فلا تستطيع الظفر بميله، وتراسله في يومه وليله، فتزيد ثرياها بعداً من سهيله، فلولا المسالمة والسداد، لجف من مباراتها، وخربت الاسداد، وكان الفراق والاعتداد، سجية من تحقيق، وأعمل فكره في ذاته ودقق وأشفق، لما علم من أين انفق، وميز الأوهام، وتعرف الإلهام؛ شكا بمحضر السلطان ببثه، وتلكئه عند حثه، فعلمت مرمى سهمه، ومنتهى همه، وجهة مأمه، من فاضل كلف به الاختصار، وتنافست في خلاله السنية الأسماع والأبصار، وخلت عن وجود مثله الأمصار، وإن قصرت الدنيا أعجبه الاقصار، وإن جنت عليه عدم الاستعداء
стр. 245
والاستنصار (١) ، مع البشر والقبول، والفضل المجبول، والظرف الآمن روضه من الذبول، توجه إلى البلاد رسولا، فهذبت منه اريا معسولاً، وبلغ من الحج والزيارة سولا، ثم اعمل قفولا، مكنوفاً بالرعي مكفولاً، وهو الآن خطيب مقر الملك وقاضيه، قد سلم له فيما يقضيه، وخالف طبع الانقباض الذي يقتضيه، مولياً وجهة التفويض، إلى مقام التقويض، وملقياً مقام التسليم، وقد ولي العلامة (٢) فكأنما قبض من ذلك الأمر على الحجر، إلى أن نضا ذلك الثوب، وورع فلم يقبل الأوب، ولا رضى الشوب، والأدب نقطة من حياضه، وزهرة من ازهار (٣) رياضه، أما خطبه فكرامة تكرم (٤) إن تلتبس، يزهر بها جذع منبره بعدما يبس، وأما شعره فسواه عبد لحره، ولا عيب فيه إلا بخل بحر بدره، فمن ذلك قوله (٥) :
نهاه النهى بعد طول التجارب ... ولاح له منهج الرشد لاحب
(٨٦ب) وخاطبه دهره ناصحاً ... بألسنة الوعظ من كل جانب
فأضحى إلى نصحه واعياً ... وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تشتهيه الغواني ... ولا تزدريه حظوظ المناصب وخاطبني شافعاً لبعض الفضلاء:
أيا سابقاً في مجال البراعة ... وفارس ميدان أهل اليراعه
стр. 246
ومن بدره في سماء المعالي ... يزين بوصف الكمال ارتفاعه
فما لك في الفضل من جحة ... ومن إمرة في ذويه مطاعه
قضاؤك في معسر حل دين ... عليه فأرجاؤه قد أضاعه
وقد كان يبغي إليكم شفيعاً ... يوسط عندكم في شفاعه
على أنه في اقتضاء الوداد ... يوفي موازينه أو صواعه
وما هو في سوق تقريظكم ... ونشر حلاكم مزجى (١) البضاعه ومما أنشد السلطان في ليلة الميلاد (٢) من شعره بمحضري عام إحدى وسبعمائة (٣) :
أصغى إلى الوجد لما جد عاتبه ... صب له شغل عمن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يداً ... فضل من ظل إرشاداً يخاطبه
لولا النوى لم يبت حران مكتئباً ... يغالب الوجد كتماً وهو غالبه
يوادع (٤) الليل أسرار الغرام وما ... تمليه أشجانه فالدمع كاتبه
لله عصر بشرقي الحمى سمحت ... بالوصل أوقاته لو دام ذاهبه
يا جيرة أودعوا من ودعوا حرقاً ... يصلى بها من صميم القلب نائبه
يا هل ترى ترجع الأيام ألفتنا ... (٥) كعهدنا ويرد القلب سالبه
ويا أهيل ودادي والنوى قذف ... والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
[هل ناقض لعهد بعد البعد حافظه ... وصادع الشمل يوم الشعب شاعبه]
стр. 247
(٨٧آ) يا من لقلب مع الأهواء منعطف ... في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمته ... والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة ... والأنس بالألف نحو الألف جاذبه
أبكي لعهد الصبا والشيب يضحك لي ... يا للرجل سبت لبي ملاعبه
ولن ترى كالهوى أبكاه سالفه ... ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه
وهمة المرء تغلبه وترخصه ... من عز نفساً لقد عزت مطالبه
ما هان كسب المعالي أو تناولها ... بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه
لولا سرى الفلك السامي لما ظهرت ... آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمة الله ركب للعلا ركبوا ... ظهر السرى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسير عن عرض ... طي السجل إذا ما جد كاتبه
شدوا على لهب الرمضاء وطأتهم ... فغاص في لجة الظلماء راسبه
وكلفوا الليل من طول السرى شططاً ... فخلفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام مائلة ... بجانب الحرم المحمي جانبه
فيها وفي طيبة الغراء لي أمل ... يصاحب القلب منه ما يصاحبه
ما أنس لا أنس أياماً بظلهما ... سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
إن ردها الدهر يوماً بعد ما عبثت ... في الشمل منا يداه لا نعاتبه
معاهد شرفت بالمصطفى فلها ... من أجله شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الحادي الشفيع إلى ... رب العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمماً، أسماهم همماً ... أعلاهم كرماً، جلت مناقبه
стр. 248
(٨٧ب) هو المكمل في خلق وفي خلق ... زكت علاه كما طابت مناسبه
عناية قبل بدء الخلق سابقة ... من أجله آتيه وذاهبه وهي طويلة، أعزه الله تعالى وامتع به، وأوصل السعادة بسببه؛ آمين.
٨٦ -؟ الشيخ الرئيس صاحب العلامة (١) أبو القاسم عبد الله
بن يوسف بن رضوان البخاري (٢) :
العلم العلامة، وصاحب الحلي (٣) والعلامة، أتته منقادة، وألقت في يده المقادة، بعد أن صرفت عند خطبتها قادة، فما بخس حظها ولا وكس، ولم تكن تصلح إلا له ومعاذ الله أن تنعكس؛ مجموع الكمال الذي لا تطور " لولا " بساحته، وركن المقام المريني الذي لا راحة للقلم الأعلى إلا في لثم راحته، وجو (٤) الفنون الذي لا مطمع للحسبان في مساحته، ولا الركبان في جوب ساحته، إلى خلق وخلق، تنال كيمياء السعادة من وجهه بطلق، سلم إجماع القول بفضله من الخلاف،
стр. 249
وفعل ذكره في الأعطاف فعل السلاف، وجل أن يعدل فرده بالآلاف، ولا أن يهدد فقده؟ ولا كان؟ بالاستخلاف؛ رحل عن بلده والصون يلحفه، والكون يطرف به الوجود ويتحفه، وسماسرة الحظ المجلوب للمشتري الفيل بالسعد المطلوب تصفه، واستقر من الملك المريني مستقر البرهمانية من التاج، والغنى من كف المحتاج، واتصفت مقدماته بالانتاج، والقت السعادة عصاها واستقرت، وارتفع النزاع لما اعترفت بوجوب حقه الأيام وأقرت، فهو اليوم من المجلس صدره، ومن الأفق بدره، ومن الأمر لسانه، ومن الدهر إحسانه؛ علم لا يخفى في الأرض ولا يلتبس، ومشكاة فيها مصباح والخلق يقتبس؛ وأما خصاله فحقها (٨٨آ) أن تستر ما أمكن وتبرقع، وتعوذ من عين عطارد كي لا تلقع (١) ، خطاً مقروناً بالنصر والعتب، مخلوقاً للمعجز المكتتب، ونظماً علا الرتب، كأنه إذا جلاه، وعلى الكرام الكاتبين أملاه، غائص ينتاب وطباً، ويخرج منه لؤلؤاً رطباً. نقسم بالله قسم من فرغ من تكليف الكلفة، وابتغى الوسيلة والزلفة، ما نعرف نظيراً لفرده، ولا نرجساً مقارباً لورده (٢) ، أمتع الله حسام الملك من يراعه اللدن بشقيقه، يخطب له الحظ باختياره وتحقيقه، ثم يكتب له عقد (٣) رقيقه، ونجلب من فنون آدابه ما تحسده أزهار الأفنان، ويجعل خواتم في البنان، فمن ذلك؟ ولنتخط المطولات الشهيرة، الشائعة شياع الشمس وقت الظهيرة -: كتبت له من الأندلس وقد راب السلطان
стр. 250
بها اختصار في التخطيط الذي تتضمنه (١) الكتب الواردة من سلطانه أبحث على السبب، الذي نقل من الوافر إلى الخفيف (٢) ، وربما كانت الضمائر فاسدة، وسوق ما بينهما في البر كاسدة، هذه الأبيات:
أيا قاسماً لا زلت للفضل قاسماً ... بميزان عدل ينصر الحق من نصر
مدادك وهو المسك طيباً ومنظراً ... وإلا سواد الفود والقلب والبصر
عهدناه في كل المعارف مطنباً ... فما باله في حومة الود مختصر
أظنك من ليل الوصال انتخبته ... إلينا وذاك الليل يوصف بالقصر
أردنا بك العذر الذي أنت أهله ... فمثلك لا يرمى بعي ولا حصر فراجعني عن ذلك بما نصه:
حقيق أبا عبد الإله لك الذي ... لمذهبه في البر يتضح الأثر
وإن الذي نبهت مني لم يكن ... نئوماً وحاشا الود أن أغمط الأثر
(٨٨ب) ورب اختصار لم يشن نظم ناظم ... ورب اقتضاب لم يعب نثر من نثر
وعذرك عني من من محاسنك التي ... (٣) نظام حلاها في الممادح ما انتثر
ومن عرف الوصف المناسب منصفاً ... تراءى له نهج من العذر ما اندثر ونظم ليكتب على دواة للسلطان موشية بالذهب: