(٥٩ب) الناس كالأرض دون شك ... ما طاب منها يطيب زرعه ومنها في وصف القلم وهو بديع (١) :
لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... وان لم يكن إلا قصيرا مجوفا
تعلم منه السيف أبدع حكمة ... فها هو (٢) أمضى ما يكون محرفا ومنها في التورية الفقهية (٣) :
لي دين عل الليالي قديم ... ثابت الرسم منذ خمسين حجة
أفأعادي بالحكم بعد عليها ... أم لها في تقادم العهد حجة ويختم له بقوله نفعه الله تعالى (٤) :
نجوت (٥) بفضل الله مما أخافه ... ولم لا وخير العالمين شفيع
وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة ... فكيف إذا كان الشفيع أضيع
стр. 177
٦٢ - شيخنا الرئيس أبو الحسن علي بن محمد بن علي
بن سليمان بن الجياب الأنصاري (١) ﵀
تعالى، وهو مذكور في كتاب التاج:
صدر الصدور الجلة، وعلم من أعلام الملة، شيخ الكتابة وبنيها، ومتولي أيام خدمتها وسنيها، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرئاسة فناء بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة فدارت أفلاكها على شباة يراعه، وتعاقبت دول العدل فلم تر له عديلا، ولا وجدت لسنة اصطباغه تبديلا، ولا ثكلت (٢) سواجع البيان، من يراعه الرائع الافتنان، هديلا، أي ندب (٣) على علو القدر متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا يمر الكلام في فن إلا كان له في ميدانه التبريز، ولا تعرض جواهر الإفهام (٤) على ميدان الإبهام إلا انتسب إليه الإبريز، إلى نفس هذبت الآداب (٥) شمائلها، وجادت الرياضة رياضها العاطرة (٦٠آ) وخمائلها، ومراقبة لربه، وانتشاق لروح الله من مهبه، وانس بالأسحار يقريها من الأوراد خير قرى، ثم يبكي معتذرا عن جهده
стр. 178
ومحتقرا؛ وكل ما ظهر علينا؟ معشر بنيه؟ من شارة تحلى بها العين، أو إشارة كما سكب اللجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسانته محسوبة، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها؛ وما عسى ان يقال في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمة، والمثل السائر في بعد الصيت وعلو الهمة، والحق ان نعدل عن سلطانياته (١) لاشتهارها، ونجلب شيئا من إخوانياته لإيناع أزهارها.
كتب إليه الفقيه أبو القاسم ابن أبي العافية (٢) المتقدم الذكر في غرض العتاب قصيدة بديعة اولها:
أطير فؤادي قل اذن من أطاركا ... لآخذ قبل الفوت بالموت ثاركا
وان كنت مختار النزوع فإنني ... لأرضى بطوعي أو بكرهي أختياركا
وان كنت لم تحمد جواري فإنني ... لأحمد في سري وجهري جوراكا
وما زلت أستسقي سحاب مدامعي ... فتهمي بما يسقي ويشفي أواركا
وتسرح في أرض المنى بين أضلعي ... فأجني بأثناء الأماني ثماركا
وما جئته بدع وجدك يعتني ... بنحس فطر ما شئت واحمد مطاركا
" كذلك جدي ما أصاحب صاحبا ... من الناس " (٣) إلا مل ودي وتاركا
стр. 179
وهي طويلة فأجابه رحمة الله عليه بهذه الأبيات:
خليلي لك العتبى وما أنت مذنب ... ولكن عساها ان تروض ازوراركا
أتاني كتاب منك لم أر وجهه ... (١) فيا ليت شعري أنى طرت مطاركا
أبا للوم ترميني وحاشاك فالتمس ... لي العذر لا تشنن علي مغاركا
(٦٠ ب) حكمت ولم تعذر وتلك حكومة ... لنفسك ما أبلغت فيهاانتظاركا
عتبت ولم تعذر وتزعم أنني ... لك الصاحب الخوان مل وتاركا
ولو إنني نازلت منك نظيرها ... بسطت على ما كان منك اعتذاركا
أعيذ الوداد المحض والخطة التي ... جعلت التقى والعدل فيها شعاركا
من الحكم بالظن الذي لم يقم على ... أساس ولا محضت فيه اختباركا
صدعت فؤادي بالعتاب وانه ... لمنزلك الأرضي فخربت داركا
فيا ثائر العتب الذي قد عكسته ... بحق ألا فارجع على من اثاركا
قدحت زنادي بالعتاب فهاكها ... نتيجة (٢) فكر فيه أضرمت ناركا
فها هي تبدي من وجوه جفائها ... وتجزي سواء بالنفار نفاركا
ولو أنني انصف سلمت طائعا ... لتأخذ مني باحتكامك ثاركا
فان لك الحب الوثيق بناؤه ... وان لك الفضل الذي لن يشاركا
وكم لك عندي قبلها من قصيدة ... أريت بها في رفع قدري اقتداركا
نشرن علي القول مثنى وموحدا ... وأعلين في سمك المعالي مناركا
رياض تروق الطرف والقلب بهجة ... فها أنا أجني في رباها ثماركا
стр. 180
فلو نشر الصادان (١) من مضجعيهما ... ليوم رهان لم يشقا غباركا
تثبت ولا تعجل على من تحبه ... فمثلك من أولى الرضى وتداركا
فعهدي محفوظ وحسبي بحفظه ... شهادة رب العالمين تباركا وخاطبته، ﵀، وأنا شاب، أيام الانتفاع به بقصيدة أولها:
أمستخرجا كنر العقيق بآماقي ... أناشدك الرحمن في الرمق الباقي
فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتي ... عليك وضاقت عن زفيري أطواقي
أجن إذا جن الظلام فليس لي ... سوى نسمة الفجر اللطيفة من راق
(٦١ آ) وربما استعديت فيها تميمة ... فزعفرها بالدمع كاتب آماقي فأجابني عنها، ﵀، بما نصه:
سقاني فآهلا بالسقاية والساقي ... أناشدك بها قام السرور على ساق
ولا نقل إلا من بدائع حكمة ... ولا كاس إلا من سطور وأوراق
فقد أنشأت لي نشوة بعد نشوة ... تمد بروحانية ذات أذواق
فمنخطها الباهي متاع لناظري ... وسمعي وحظ الروح من حظها الباقي
أعادت شبابي بعد سبعين حجة ... فأثوابه قد جددت بعد إخلاق
وما كنت يوما للمدامة صاحب ... ولا قبلتها قط نشأة أخلاقي
ولا خالطت لحمي ولا مزجت دمي ... وقى شرها مولاي فالشكر للواقي
وهذا على عهد الشباب فكيف لي ... بها بعد ماء للشبيبة مهراق
تبصر (٢) فحكم القهوتين تخالفا ... (٣) فكم بين إثبات لعقل وإزهاق
стр. 181
وشتان ما بين المدامين فاعتبر ... (١) فكم بين إنجاح لسعي وإنفاق
فتلك تهادى بين ظلم وظلمة ... وهذي تهادى بين نور واشراق
أيا علم الأعلام غير منازع ... (٢) شهادة إجماع عليها وإطباق
فضائلك الحسنى علي تواترت ... (٣) بمنهمر من سحب فكرك غيداق
خزائن آداب بعثت بدرها ... إلي ولم تمنن لخشية (٤) إنفاق
ولا مثل بكر حرة عربية ... زكية أخلاق كريمة أعراق
فأقسم ما البيض الحسان تبرجت ... تناجيك سرا بين وحي وإطراق
بدور بدت من فوقها أطواق على ... رياض شدت في قضبها ذات أوراق
يناظر منها الأقحوان ثغورها ... وقابل منها نرجس حسن أحدق
وناسب منها الورد خد موردا ... سقاه الشباب الغض بورك من ساق
(٦١ ب) وألبسن من صنعاء وشيا منمنما ... وحلين من در نفائس اعلاق
بأحلى لأفواه وأبهى لأعين ... وأجلى لألباب وأشهى لعشاق
رأيت بها شهب السماء تنزلت ... إلي تحييني تحبية مشتاق
ألا إن هذا السحر لا سحر بابل ... فقد سحرت قلبي المعنى فمن راق
لقد أعجزت نطقي شمائل ماجد ... أبر بأحباب وأوفى بميثاق
تقاضى ديون الشعر مني بيانها ... (٥) رويدك لا تعجل علي بإرهاق
فلو نشر (٦) الصادان من مضجعيهما ... لإنصاف هذا الدهر (٧) لاذا بإملاق
стр. 182
فخذ بذمام الدهر شيخا تقاصرت ... خطاه وعامله بمعهود إشفاق
ولازلت تحيي للمكارم رسمها ... وقدرك في أعلى العلا والنهى راق ومن غريب ما خاطبني به وأنا صبي (١) بين يديه:
أقسم بالقيسين والنابغتين ... وشاعري طيء المولدين
وبابن حجر وزهير بعده ... (٢) والاعشبين بعده والأعميين
ثم بعشاق الثريا والرقيات ... وعزة ومي وبثين
وبابي الشيص ودعبل ومن ... كشاعري خزاعة المخضرمين
وولد المعتز والرضي والسري ... ثم حسن وابن الحسين
واختم بقس وبسبحان وان ... أوجبت أن يكونا أولين
وليتي نظمهم ونثرهم ... في مشرقي أقطارهم والمغربين
إن الخطيب ابن الخطيب سابق ... بنثره ونظمه للحلبتين
وافتني الصحيفة الحسنا التي ... شاهدت فيها المكرمات (٣) رأي عين
تجمع من براعة المعنى إلى ... براعة الألفاظ كلتا الحسنيين
اشهد انك الذي سبقت في ... طريقة الآداب أقصى الأمدين
(٦٢آ) شعر حوى جزالة ورقة ... تصاغ منه حلية للشعريين
رسائل أزهارها منثورة ... سرور قلب ومتاع ناظرين
стр. 183
يا احوذيا يا نسيج وحده ... شهادة تنزهت عن قول مين
بقيت في مواهب الله التي ... تقر عينيك وتملا اليدين وكان ﵀ مولعا بالألغاز يفاكنها بطرفها اكثر الأوقات، ويرى إن طريقها في اللغو اسلم الطرقات، فيشغلها بحلوائها، عن أغراض الألسنة وأهوائها، فمن ذلك قوله ملغزا في حجلة؟ الطائر المعروف (١) :
خاطبت (٢) كل فطن لبيب ... ما اسم لأنثى من بني يعقوب
ذات كرامات فزرها قربة ... فزورها أحق بالتقريب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضى ... لها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما (٣) الحاء منه صحفت ... صبغ الحياء لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارها ... فأمرها اقرب من قريب وقال في آب الشهر بالقبطية (٤) :
حاجيتكم ما اسم علم ... ذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وهو ... راجع كما زعم
وهو الحميم معربا ... تصحيف أو بدء قسم (٥)
стр. 184
دونكه أوضح من ... نار على راس علم وقال في كانون (١) :
وما اسم لسميين ... ولم يجمعها جنس
فهذا كلما يأتي ... فبالآخر لي انس
وهذا اصله الأرض ... وهذا اصله الشمس
(٦٢ب) وهذا ما له سوم ... وهذا سومه فلس وهذا واحد من سبعة تحيا به النفس ...
فمن محموله الجن ... ومن موضوعه الأنس فقد بان الذي ألغزت ما في أمره لبس ... ومن ذلك قوله في نمر:
ما حيوان ما له من حومة ... إذا اسمه صحف فابن العمه (٣)
وقلبه من بعد تصحيف له ... يريك في الذكر الحكيم أمه ومن ذلك قوله في سلم (٢) :
ما اسم مركب مفيد الوضع ... مستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن اكثر استعماله ... يعنى به في الخفض أو في الرفع
وهو إذا صغرته مخففا ... تراه شملا لم يزل ذا صدع
стр. 185
فالاسم ان طلبته تجده في ... (١) خامسة من الطوال السبع
وهو إذا صحفته يعرب عن ... (٢) مكسر في غير باب الجمع
له أخ افضل منه لم تزل ... (٣) آثاره محمودة في الشرع
هما جميعا من بني (٤) النجار ... والأفضل اصل في حنين الجذع
فهاكه قد سطعت أنواره ... لا سيما لكل زاكي الطبع ومن ذلك في فنار (٥) :
ما اسم إذا حذفت ... منه فاءه المنوعة
فانه بنت الزنا ... (٦) مضافة لأربعه ومن ذلك قوله في الحوت (٧) :
ما حيوان في اسمه ... إذا اعتبرته فنون
حروفه ثلاثة ... والكل منها هو نون (٨)
تصحيفه قطع الفلا ... (٩) أو ما جناه المذنبون
أو ابيض أو اسود ... (١٠) أو صفة الخئون
стр. 186
وقلبه مصحفا (٦٣آ) ... (١) عليه دارت السنون
كانت به فيما مضى ... (٢) عبرة قوم يعقلون
أودع فيه عنده ... سر من السر المصون
هاكه كالنار في الزند ... لها فيه كمون ومن ذلك في مائدة (٣) :
حاجيت كل فطن نظار ... ما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرها ... فقلما يغفل عنها القاري
في خبر المهدي فاطلبها تجد ... إن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلا العيد عيد رحمة ... ونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسن ... من وصف قضب الروضة المعطار (٤)
فهاكه كالشمس في وقت الضحى ... قد شق (٥) عنه حجب الأستار ومن ذلك في زبيب:
ما نقي العرض طاهر الجسد ... كلما خالطه الماء فسد
خالط الماء القراح فغوى ... بعدما قد كان من أهل الرشد
عجمي الأصل تم حسنه ... (٦) عندما صاد الغزالة الاسد
стр. 187
واسمه اسم امرأة (١) مصحفا ... ولقد يكون وصفا لولد
هاكه قد بهرت أنواره ... فارم بالفكر تصب قصد السدد ٦٣ - الكاتب أبو علي حسن بن علي بن عمر بن إبراهيم القيجاطي (٢)
رحمه الله تعالى:
فكه غزل، وعن (٣) أشعرية الخدود معتزل، ركض طرف الشبيبة فأنضاه، وطلب دينها فاقتضاه، وكانت له عن بلده رحلة ساعده فيها الجد، وطلق القبول الممتد، فكتب بافريقية عن ملوكها، وانتظم في سلوكها، إلى أن أمضى لسبيله، شان قدوم (٤) الوجود وقبيله، وله شعر رقيق الغزل، (٦٣ب) غير ملتبس بالجزل، فمن ذلك في غرض النسيب، إذ الشباب قشيب، والفود لم يرعه مشيب:
يا منية والهجران منيته ... اهجر فإني على ما شئت مصطبر
وته واعرض وعذب واستطل واهن ... فكل ذلك محمول ومغتفر
стр. 188
الله يعلم إن النفس فانية ... وان جفني قد أودى به السهر
كيف الخلاص وسحب الدمع واكفة ... وجذوة الشوق في الأحشاء تستعر
يا لين القد حتى انه غصن ... وقاسي القلب حتى انه حجر
اسحر بابل من عينيك يمنعني ... دين السلو أم الصمصامة الذكر
لولاك ما أرقت عيني ولا علقت ... بمهجتي للهوى ناب ولا ظفر ومن ذلك قوله:
على مثل عبد الله يستعبد الحر ... ويستعذب التعذيب والتيه والهجر
وإلا فمن هذا الذي هو مثله ... وقد قصرت عن مثله الشمس والبدر
له وجنة وردية ومنصف ... به اللؤلؤ الرطب المنضد والدر
ولحظ علمت السحر منه حقيقة ... وما كنت ادري قبل ذلك ما السحر
أمولاي رفقا بالعبيد فانه ... مشوق كما شاءت جفونك والدهر
يرجي انقضاء الهجر منك وربما ... تسلسل حتى ينقضي دونه العمر
قضى الله إن أفنى عليك صبابة ... له الحمد فيما قد قضى وله الشكر ومن أبياته في اللف والنشر المرتب:
جبين وشعر ووجه وقد ... وخد وطرف وريق وثغر
صباح وليل وبدر وغصن ... وورد وسحر وخمر ودر
стр. 189
٦٤ - الشيخ الوزير والقائد الكاتب أبو بكر بن ذي الوزارتين
(٦٤ آ) أبي عبد الله بن الحكيم (١) رحمه الله تعالى بمنه
ماجد أقام ربع المجد بعد عفائه، وأيقظ طرف الفضل بعد إغفائه، وكتب على عقده باكتفائه، ما شئت منكرم بحت، ويرى في المجد ونحت، برز في حمل الحديث وروايته، واجتنى ثمرة رحلة إليه وهو في حجر دايته، ودون الفهارس، وأحيا الأثر الدارس، وكان من مفاخر الدهر، ورياض الفضل المونقة المزهرة، وله شعر دون مقداره، وما يليق بهالة ابداره، وان كان له (٢) فضل حكم اقتداره، فمن ذلك، ونقلته من خطه (٣) :
تصبر إذا ما أدركتك ملمة ... فصنع إله العالمين عجيب
وما يدرك الإنسان عارة بنكبة ... فينكب فيها صاحب وحبيب
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة ... وعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحائب نعمة ... فيخضب ربع للسرور جديب
стр. 190
إلهك يا هذا مجيب لمن دعا ... وكل الذي عند القريب قريب وقال رحمه الله تعالى (١) :
أيا من له الحكم في خلقه ... ويا من بكربي له أشتكي
تول أموري ولا تسلمني ... وان أنت أسلمتني أهلك
تعاليت من منعم مفضل ... ونزهت من طالب مدرك ٦٥ - الكاتب بالدار السلطانية أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد
بن الحكيم (٢) ، ولد من الإكليل:
فرع محمد وجلالة، ورث الفضل لا عن كلالة، واقتفى من سنن سلفه اثر هاد يدله، فيما يعقده أو يحله، واتسم بميسم الحياء والحياء خير كله، وله أدب حسن الشارة، ومعان لطيفة الإشارة، فمن (٦٤ ب) ذلك قوله:
وساق يدير السكر من كأس لحظه ... ويفتن ألباب البرايا بسحره
يدير عقارا مثل ورد حيائه ... بهاء، وطيبا مثل نفحة نشره
يريك إذا قبلت فاه بكأسه ... سهيلا وقد أوفى (٣) إلى لثم بدره
عجبت لها قد نعمت ورد خده ... ولم تسق إلا أقحوانة ثغره
стр. 191
ومن مقطوعات التورية (١) :
بنفسي حبيب مال عامل قده ... علي ولما ينعطف وهو كالغصن
ويا عجبا منه متى صار ذابلا ... ونضرته لم تنأ عن خوطه اللدن
وأعجب من ذا إن سيف لحاظه ... يمزق أفلاذ الحشا وهو في الجفن وقال في التورية أيضا (٢) :
بأبي وغير أبي غزال نافر ... بين الجوانح يغتدي ويروح
قمر تلألأ واستنار جبينه ... غارت به بين الكواكب يوح
لم يرض غير القلب منزلة فهل ... يا ليت شعري بالذراع يلوح ٦٦؟ الشيخ الكاتب أبو اسحق إبراهيم بن يحيى
بن زكريا (٣) ، رحمه الله تعالى:
حامل لواء الخط، والمنفرد بأحكام البري والقطن السابح من الإبداع في لجة بعيدة الشط، كثير الحشمة والحيا، وأخذ نفسه في ذلك بالاغيا (٤) ، من أولي الأصالة والأحساب، والبيوت النبيهة عند الانتساب،
стр. 192
وشعره متوسط، وفي الطولات متبسط، فمن ذلك قوله:
يا ظاهراً ما عرفت الحب لولاه ... وما المراد وما المقصود إلا هو
من (١) حبه ساكن في القلب يعمره ... ومن منى النفس في ترديد نجواه
(٦٥ آ) وذكره في ضميري لا زوال له ... أنسي وراحة نفسي يوم القاه
أحاط في لطفه ما إن يفارقني ... فما ألذ على قلبي وأحلاه
مولاي والعبد في بحر الهوى غرق ... والقلب في حرق والحب أغراه
والحب ما اختاره من كان يعقله ... والسقم أوله والموت أخراه
والذل في الحب عز إن ذا عجب ... والموت للعبد فيه عين محياه ٦٧؟ الكاتب أبو العلاء محمد بن محمد بن سماك العاملي،
رحمه الله تعالى وعامله بفضله وكرمه:
مجموع خصل، وفرع نشأ عن أي اصل، ومشيخ بنصل، في يوم فصل، كتب مع الحلبة، وشاركهم في افتراع الهضبة، وانشد الشعر فأجرى بغير الخلاء، وجعل دلوه في الدلاء، فمن شعره يمدح السلطان ويذكر الواقعة البحرية بالروم:
فتح قضاه لملكك الرحمن ... لم تأت قط بمثله الأزمان
فلأي يوم سعادة أولاكه ... ذلت بعزة نصره الصلبان
стр. 193
بشرى كما فغم (١) العبير لناشق ... وافتر عن أزهاره البستان ومن قصيدة يمدح السلطان ويذكر فتح بعض الحصون:
بشرى بها صبح الهداية مسفر ... بشرى بها ليل الضلالة مدبر
فتح تلقى النصر منه تحية ... من لفظها ماء البشاشة يقطر
فتحت سيوفك (٢) كريكول وانه ... في الفتح عنوان لما هو اكبر
ثغر على الأرض الفضاء طليعة ... فله على كل البسيطة مظهر
يرنو إلى أرض العدو كأنه ... لحظ يضم عليه منها محجر
ما إن يشن الكفر يوما غارة ... ألا وبالمغوار منه منذر
(٦٥ب) صعد العداة عليه امنع معقل ... متمثلين (٣) بأنه لا يحصر
فسمت جيوشك منه أعلى شاهق ... يرتد عنه الطرف وهو محير
في راس (٤) سن لا (٥) تقام سماؤه ... من دونه قطر الغمام الممطر
فكان هرمس بث حكمته به ... وأدق فيه فكره الاسكندر
فضفا من النقع المثار عليهم ... (٦) برد باطراف الرماح محبر
فاستنزلوا مستسلمين وربما ... أعيا الحماة حلول ما لا يقدر
ألقوا يد الإذعان خيفة هلكهم ... وضلوعهم تندق أو تتفطر
واحتل فيه الدين دين محمد ... والله يخذل من يشاء وينصر وكتب الي يهزني بمجلس السلطان أنجاده وأعانته على مراده:
стр. 194
يا ابن الخطيب من الذي بثنائه ... قد قام في مرقى مناي خطيبا
جدد عوائدك التي أنشقتني ... من زهر نعمتها المنعم طيبا
واهزز لنا غصن الخلافة يانعا ... يسقط جنى نيل المراد رطيبا
لازلت ذا فضل علي وحمده ... مني مطيلا لا يزال مطيبا وانشد في بعض مجالسه، وجهل ما عند الصوفية في قوله بالله ثم مع الله:
مناي من الدنيا كتاب وخلوة ... أكون بها بالله ثم مع الله
وأنشر من ذاك الكتاب معارفا ... لكل منيب للمهيمن آواه ٦٨ - الكاتب أبو بكر محمد بن محمد بن عمر
بن علي القرشي ﵀ وغفر له بمنه
قريع أصالة وديانة، ونشأة ورع وصيانة، أصبح لهبة الظرف ناسما، فلا تلقاه الا باسما، وأمسى لشذا الكمال ناشقا، فتراه لإغراض النبل راشقا، فما شئت من حلاوة الضرائب والشمائل، والأدب (٦٦آ) المزري بأزهار الخمائل؛ وله شعر يشهد بجودة الخاطر، وإغداق الطبع الماطر، ومضاء الفكر الشاطر، كتب إلي يهزني للنظر في حاله، ويحركني لسقي امحاله، بقوله:
قد حل دهري مرائر العقد ... لا عزمتي عزمتي ولا جلدي
وكنت إذ امدح الجواد إذا ... دنياي تصفي الحياض لم أرد
стр. 195
إربا إذا أقبلت بزهرتها ... وأدبرت ان تمر في خلدي
حتى إذا أرسلت خمائلها ... بالأهل ختالة وبالولد
تلعب بي كيفما تشاء كما ... يلعب موج البحار بالزبد
هذا ولو أنصفت لما رضيت ... (١) إن تحمل الأسد محمل النقد
وحلبة الخيل لم يكن أبدا ... سكيتها كالسبوق في الأمد
يا ابن الخطيب الذي قد أرتفعت ... به سماء العلا على عمد
واستخدم السيف عنده قلم ... مقلم الظفر في يدى أسد
وأصبح السعد في سياسته ... لمنصب الملك ضامن الرشد
هذي عظيم الأمور قمت بها ... (٢) جميعها غير واهن الكتد
فانهض بمن قد أوى إلى حرم ... منك وقد التجا إلى سند
وشد له رتبة نصبت له ... (٣) فيما مضى أمرها فقال: قد
حسبت تلك التي لدي فما ... آفاتها كونها على صدد
وقد تصير النفوس راغبة ... في الشيء لم تعتبره من زهد
والحب ملء الفؤاد لو طلبت ... زيادة فوق ذاك لم أجد
أنت الذي فضله قد انتشرت ... آثاره في القريب والبعد
تخدي بذاك الحداة أينقها ... من بلد نازح إلى بلد
(٦٦ب) فدم لأفق السماء شمس هدى ... وآبق لكسب العلا مدى الأبد وكتب لي لمل قدمت من المغرب إلى الأندلس لإقامة الدولة، ولو شاء
стр. 196
ربك ما فعلوه (١) :
قدمت فما الغيث عند الجدوب ... ولا السلم عند توالى الحروب
ولا البرء من دنف مزمن ... وشرخ الشبيبة بعد المشيب
ولا الأمن من خيفة والغنى ... من الفقر، والأهل عند الغريب
بأحسن من نبأ وارد ... ببشرى إيابك يا ابن الخطيب
فإنك قطب مدار العلا ... ومركزها وعماد الطنوب
وإنسان عين الزمان الذي ... تداعت به مضمرات القلوب
هنيئاً لأندلس بشرها ... بيوم لقائك بعد القطوب
فعند ركوبك من بحرها ... ثوى عندها قلب لفظ الركوب
فإن كمن عطلتها بالنوى ... فقد جئتها بالحلي العجيب
وأبرز لفظك در افتخار ... فقلدت في جيدها والتريب
واطلعت في أفقها آيباً ... لأنوارك الشمس بعد الغروب
وجددت سالف أيامها ... كما جدد الأنس وصل الحبيب
فدام لنا بك توفيقها ... على الأرض من نازح أو قريب
ودمت تشيد ربع العلا ... كما شاده من مضى للغعقيب
وتبلغ فيما تريد المنى ... وتعطى من السعد أوفى نصيب ومن المقطوعات المطبوعات (٢) قوله:
شاركت لحظم في السقام ... ولهيب خدك في الضرام
وحكيت خصرك رقة ... فحملت أثقال الغرام
стр. 197
(٦٧آ) ولقد غدا صبري الجميل ... كمثل عهدك في انصرام وقال متغزلاً في أحول، وهو من المليح:
يا لائمين لحوا في حب ذي حول ... جفونه أبداً تشكو لنا مرضا
لا تنكروا واحذروا من سهم مقلته ... فإنما هو رام يأخذ الغرضا ومن فكاهته قوله:
غنى بشعر سواي أغيد لم يلح ... للعين أبدع من بدائع حسنه
فغدوت فيه مخالفاً كل امرئ ... وموافقاً هذا الهوى في فنه
والمرء يفتن بابنه وبشعره ... إلا أنا فبشعر غيري وابنه وقال ﵀ وبه يختم اسمه:
يا عجباً من عاقل غافل ... هيهات أين العقل ما أشحطه
وضاحك بملء ولا ... يدري أأرضى الله أم أسخطه ٦٩؟ الكاتب أبو القاسم محمد بن سعيد بن عيسى الحميري:
رحمة الله تعالى عليه:
هذا الرجل قريع أبوه، وإعجاز سور الفضل متلوه. نشأ آية الصون في هذا الكون، ومتجملاً بأحسن اللون، وولي الكتابة والقضاء، فما عدم في كليهما المضاء؛ وله أدب يقيم الرسم، ويحسن
стр. 198
الوسم، فمن ذلك نما كتب به إليّ ونحن غازون، وإلى نسب الشبيبة معتزون، وقد ثبت هذا بمحله:
يا قدوة الأعصار والأزمان ... وعجيبة من مذهل الأذهان
شملت شمائلك المحاسن كلها ... وطبعت في خلق على إحسان
يبأى البيان بأن طلعت بأفقه ... بدراً وما يخشى من النقصان
(٦٧ب) فجرى الزمان بمعجبات للنهى ... من فكركم لاحت على الأزمان
وأبان تبياناً بفضلك فضله ... يغني غناء الشمس عن تبيان
أما البيان ففي لديك لواؤه ... يحمى ببيض القضب والمران
يحمي اليراع بمرهف من حده ... (١) وبذابل من قده بسنان
هذي البلاغة قد ملكت زمامها ... فإليك ألقت بيعة الرضوان
فتح من الرحمن قد أوتيته ... فبه تعوذه من الشيطان
فتبارك الوهاب كل فضيلة ... سبحانه من منعم منان وهي طويلة فأجبته عنها بمثلها بما أوله:
ذكروا العهود فهاج من أشجاني ... شوق إذا جن الدجى ناجاني
فكأنما الآماق مني أبحر ... يقذفن بالياقوت والمرجان
ولو أنني أمسكت أجفاني وقد ... ذكروا العهود لقلت: ما أجفاني ومن شعره يوصي من التنمس منه ذلك:
عليك بتقوى الله في السر والجهر ... وراقبه مهما جئت يوماً إلى أمر
وعامل جميع الناس والرضى ... وصاحب عرفانه بك لا يزري
стр. 199
وواظب على تحصيل علم وطاعة ... وقدم جميعاً للضريح وللنشر
ومهما دهاك الخطب واشتد وقعه ... فصبراً فإن الخير عاقبة الصبر
فهذي وصاتي قد منحتك صفوها ... فخذها بجد تكتسب درر الخير ٧٠؟ الكاتب الفارس أحمد بن أحمد
بن خلف الجزيري، رحمه الله تعالى:
فارس يخدم للتأديب والتجند تحت رايتين، ويستأثر من أجل ذلك بجريالتين، فإن عرضت كتيبة الخط كتب، أو تعرضت كتيبة الخطي (٦٨آ) حرس ورتب، إلى خط حسن، ولسان لا يخلو عن لسن، وكان منزور الشعر قليله، نابي الحد فيه فليله، فمما حفظ عنه:
سقم الجفون هو السقام حقيقة ... يعدي الجسوم فلا تبين نحولا
لا تنظرن لها فتندم بعدها ... زمناً طويلاً إن نظرت قليلا
فالنرجس المصفر في روض الربى ... مر النسيم به فجاء عليلا ٧١؟ الشيخ الكاتب أبو علي الحسن بن عبد السلام
ابن يوسف وهو (١) الأنصاري، ﵀ عليه:
حامل براعةٍ بارعة، وبديهة مطاوعة مسارعة، لاك الكلام
стр. 200
وتملكه (١) ، واستحسن الإحسان وملكه، وأدار على قطب الإجادة فلكه، وساعده الدهر فتحرى طريق السرور فسلكه، ولم يزل المقدار يساعده، وينوء بالجد ساعده، حتى كثر ماله وآماله، ونجحت أعماله، ثم عجم الدهر عود صولته، وتقلب بدولته، فآثر الرحيل، وفارق الربع المحيل، فنضبت جمامه، وأتاه بتونس حمامه؛ ومن شعره يلغز في الوطن:
أحاجيك ما شيء إذا ما ذكرته ... " سما لك شوق بعدما كان اقصرا "
تسير له الركبان شرقاً ومغربا ... وشوقاً له ما أن تمل من السرى
يحن له من كان مثلي نازحاً ... وبهواه حقاً كل من وطئ الثرى
ومن عجب أن ليس بهوى لحسنه ... ولكن لأمر سره شمل الورى
وأعجب من ذا أنه غير ناطق ... ويسأل أحياناً فيوجد مخبرا
فهاهو للأبصار أوضح من ضحى ... وأشهر في الآفاق من مثل سرى وقال يخاطب الوزير أبا عبد الله بن الحكيم (٢) :
رأتك الوزارة أفقاً وإن ... فويق السها أوطأت رجلها
(٦٨ب) فهامت ورامت بأن ترتقي ... إليك وقد خلعت نعلها
هوت وصل من لم تجد غيره ... وإن كثر الناس أهلاً لها
فأوليتها من رضاك المنى ... وجمعت فضلاً بكم شملها
فيهني الوزارة إن أصبحت ... تجرر تيهاً بكم ذيلها
وينهك ما نلت من نعمة ... مجددةٍ لك ما قبلها
стр. 201
وقال يرثي الأستاذ أبا محمد (١) بن أبي السداد رحمه الله تعالى:
صروفك أدهى لا البحار الزواخر ... وخطبك أمضى لا القصار البواتر
ومن عجب أنا نحن إليك ما ... حيينا وأنا من سواك نحاذر
وما مر يوم منك إلا وإنه ... لمر ولم لا وهو بالعيش سائر
ومن نظر الدنيا بعين بصيرةٍ ... نهته عن أن تصبو إليها البصائر
فيا عجباً أنى تلذ لنا الكرى ... وما نام عنها للمنية ناظر ومنها بعد كثير:
أتيت عليهم تارة بعد تارة ... فلم يبق وتراً صرفك (٢) المتواتر
وأوردتهم رغم الأنوف موارداً ... من الحتف لكن ما لهن مصادر
فأمست ربوع القوم وهي بلاقع ... كأن لم يكن فيهن من قبل عامر
وليتك لم تسلب أولي الفضل أولاً ... أظنك من شوق إليهم تبادر
وما زلت تختار العباد وتنتقي ... كأنك ما يرضيك إلا الأخاير
كمثل إمام العصر أستاذنا الذي ... بأدنى سجاياه الكرام نفاخر ٧٢؟ الرئيس الكاتب أبو علي حسين بن عبد الحكيم بن الحسين
بن تداررت التنملي، المحسوب من الأندلس لولادته بها، وإن
كان أبوه من قسنطينة ﵀، وهو من شعراء الأكليل: (٦٩آ)
درة تحلى بها الزمن العاطل، وعدة أنجزها الفضل الماطل،
стр. 202
وبارق جود أومض به الجود الهاطل، ما شئت من خلق تدل على الكمال مخايله، ومجد كرمت أواخره وأويله، وأدب تجلت عذاراه وعقايله، فإذا تناول الرقاع ووشاها، وغشى الطروس من حلل بيانه ما غشاها، ود صفح البدر أن يكون لها قرطاساً، ونجم النوء إن يكون على درها غطاساً؛ نشأ بالصون مكلوفاً، وعن الدناءات أنوفا، فلما فاز فرنده بصقاله، وزها روض حسنه بأفعاله، بادر عزمه بحل عقاله، وسعد سعادة تشبه الصخر عند انتقاله، فكان بالدولة المرينية جملة الكمال، ومظنة الآمال، إلى أن استأثر بدرته النفيسة البحر، فتعطل النحر، وكان له أدب يستعير منه العرف النسيم، ويحسد حسنه الصبح الوسيم؛ فمن ذلك قوله في الأغراض السلطانية:
منحت اللهى وحميت الذمارا ... فرقت ثناء ورعت اقتدار
وعمرت وقتيك نسكا وملكاً ... فتعبد ليلاً وتهدي نهارا
ولم تلو حزماً على لذة ... لأنك لم تلف فيها افتخارا
ولم تتهيب صعاب المرامي ... ولم تخش من هولها حين ثارا
أطعت الإله فلا شيء إلا ... أطاعك دأباً وأبدى ابتدار
وأيدك (١) السعد يا حبذا ... فما إن تبارى وما إن تجارى
ولا نفس إلا بحبك دانت ... ولا قلب إلا لخوفك طارا
فلله منك حمى أو حمام ... إذا ما أغار ومهما أجارا
مليك إذا ما دجا ليل ظلم ... أرانا من العدل فيه نهارا (٦٩ب) ومنها بعد كثير:
стр. 203
إذا ما حبا فهو الجود جوداً ... ومهما أحتبى فثبير وقارا
له رأفة وطأت منه نفساً ... وبأس عدا (١) الشامخات انفطارا
من القوم إن ركبوا الصافنات ... رأيت الرياح بأسد تجارى
نجوم بدت في سماء العلا ... فكل شهاب بها قد توارى
رأوا غاية المجد بذلاً فجادوا ... بأنفسهم واستقلوا النضارا ومن قوله في المقطوعات:
ليهن خليلي من ودادي إنني ... بعين الرضى في كل حين ألاحظه
وأن لست ذا حقد عليه إذا هفا ... ولو أنه ثارت عليه حفائظه
متى ساء منه لفظ فلست من ... أجازيه بالهجر الذي هو لافظه
وإن نال من عرضي بعيب غفرته ... وإني بظهر الغيب جهدي لحافظه
وما المرء إلا يمنح الخل بشره ... إذا ما أتاه منه ما هو غائظه
ومن حاسب الإخوان في اللفظ عاتباً ... فقد أحرز الخلق المحمد لافظه
فرب أخي خلق جديد مراجع ... بصيرته يهديه للحق واعظه
فما الخل إلا الطرف يعظم نفعه ... ويغضي إذا أقذت عليه لواحظه ومما صدر به رسالة:
زارت على حين يأس من تلاقيها ... والنفس رهن اشتياق في تراقيها
فأنتشرت ميت عتب آي منشيها ... وابرأت مس وجد صحف راقيها
صحيفة حسنات الدهر قد جمعت ... فباليمن يلقى يمن لاقيها
كأن ألفاظها تحوي معانيها ... كأس المدامة أسلافاً تساقيها
стр. 204
لكن حين حياني الرسول بها ... كأس الثريا التيم ساقيها (٧٠آ) وقال وقد عرض الجيش بحضرته:
رأيت العرض بين يدي مليك ... له ملك يناقشه الحسابا
فهذا يرتضي فيري نعيما ... وذا لا يرتضي فيري عذابا
فأذكرني ولا أنساه عرضاً ... له فود الوليد الغر شابا
لدى ملك كبير ليس يرجو ... نوالاً لا ولا يخشى عقابا ٧٣؟ الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المسنجي
المالقي، رحمه الله تعالى:
طالب لطيف الشميلة والضريبة، سالك على السبل القريبة، يجيد الخط، ويعاني الأدب المنحط، مستظهراً السكون، والجنوح إلى الخير والركون، تعلق بخدمة الدولة المرينية ملقياً بعطنه، نازغعاً إليها من وطنه، عارضاً بضائع فطنه، فانتظم في كتاب بابها، وعكف على أعتابها، وأينعت حاله بربابها (١) ، إلى أن هلك في بعض الأسفار، غريباً في القفار، فلا عدته مغفرة الغفار؛ وكان له شعر يزعجه التلفيق، ويمده الشفيق، فمن ذلك قوله:
يا بدر آفاق المعارف والعلا ... وإمام كل بديعة وصواب
стр. 205
ومن الذي أزرى بأكثم حلمه ... ونأى على الجرمي في الأعراب (١)
لما اقتبست سنا بلاغتك التي ... أزرت على الشعراء والكتاب
جاريت سباق البيان ففقتهم ... في حالي الإيجاز والأسهاب ومن شعره قوله:
حنانيك يا من قد وكلت له أمري ... ورحماك في مستصرخ بك يا ذخري
(٧٠ب) حنانيك أعلى ما قصدت بهمتي ... ونعماك أسنى ما اعتمدت من الدهر
إذا كنت لي لم أخش خسران صفقة ... وإن لم تكن لي كان تجري ذا خسر
وعلياك ما لي غير جودك ملجأ ... أيممه في حالي السر والجهر ٧٤؟ الطالب محمد بن عبد الله بن أبي القاسم اللوشي الكاتب،
رحمه الله تعالى عليه:
كان طالباً خيراً، وموسوساً متطيراً، وكان من قربه وزلفه، شهرة سلفه، فانتظم في الكتاب وارتسم، ثقيلاً كلما ابتسم، ومنقبضاً
стр. 206
فبالانبساط ما اتسم، إلى أن عاجله مبيد النسم؛ وشعره مناسب لحاله، ومن جنس انتحاله، فمن قوله يرثي أستاذ الجماعة أبا عبد الله ابن الفخار (١) ، رحمه الله تعالى:
ويوم نعى الناعي شهاب المحامد ... تغيرت الدنيا لمهلك واحد
فلا عذر للعينين أن لم تسامحا ... بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد
قضى من بني الفخار أفضل ماجد ... (٢) جميل المساعي للعلا جد شائد
طواه الردى ما كل حي يهابه ... وما ورده عاراً يشين لوارد
لقد غيبت منه المكارم في الثرى ... غداة ثوى وانسد باب الفوائد
فيا حاملي أعواده ما علمتم ... بسؤدده الجم الكريم المحاتد
ويا حفرة خطت له اليوم مضجعاً ... سقتك الغوادي الغاديات الرواعد
ألا يا حمام الأيك ساعدن في البكا ... على عالم الدنيا وزين المشاهد
على من لو اسطعت الفدا لفديته ... بأنفس مال من طريف وتالد
محمد ما النعمى لموتك غبطة ... تروق ولا ماء الحياة ببارد
وكيف وباب العلم بعدك مغلق ... وموردك المتروك بين الموارد
(٧١آ) أأستاذنا كنت الرجاء لآمل ... فأصبحت مهجور الفناء لقاصد
فلا تبعدن شيخ المعارف والحمى ... أليس الذي (٣) تحت التراب بباعد
لتبك العيون بعدك اليوم شجوها ... ويعف (٤) لها ربع العلا والمحامد
стр. 207
ليبك عليك الجود والحلم والتقى ... وحسب البكا أن صرت ملحود لاحد
أمولاي من للمشكلات يبينها ... فتجلو عمى كل القلوب الشواهد
ومن ذا يحل (١) المقفلات صعابها ... ومن ذا الذي يهدي السبيل لحائد
فيا راحلاً عنا فزعنا لفقده ... لقد أونست منك القبور بوافد
ويا كوكباً غال الزمان ضياءه ... وشيكا (٢) وهل هذا الزمان بخالد
سأبكيك ما لاحت بروق لشائم ... (٣) وأرعاك ما كان الغمام بعائد
عليك سلام الله ما هبت الصبا ... تهب بغصن في الاراكة مائد ٧٥؟ الكاتب محمد بن عبد الحكيم بن تداررت أخو أبي علي
المذكور (٤) ، رحمه الله تعالى:
فاضل، عن حماه مناضل، شدت من أواخيه، حرم " أخيه، فكتب مع الجماعة وسلك، وتصرف في القضاء إلى أن هلك، رحمة الله عليه أية (٥) سلك، ولم أسمع له شعراً إلا قوله يرثي:
أخي حسيناً وحيد الزمان ... سقى الله قبرك صوب الولي
فقد كنت في الجود حاتم طي ... وفي مجمع الحفل صدر الندي
стр. 208
وفي الكتب آية فخرٍ ... تتيه الطروس بمنشئها البابلي
وفي الحرب عمراً ثباتاً وصبراً ... (١) إذا طاش بالذعر قلب الكمى
وفي الحسن بدر تمامٍ تجلى ... فراق العيون بمرأى بهي
رمتك وشيكاً قسي المنون ... فلم تخط أسهم تلك القسي
(٧١ب) فمن للمعالي يصوغ حلالها ... فتختال زهواً بأبهى الحلي
طوتها البحار ولا غرو إن ... تغار على درها المعتلي
بكاك الوجود وحق البكا ... على فقد ذاك الجمال السني
بكاك الوجود وحق ... على درها المعتلي
فيا فجعةً طالما أثقلت ... فؤادي يوم طروق النعي
فلو كنت تفدى بمالٍ ونفسٍ ... لأعطيت فيك نفيس الفدي
ولكن فقدتك كنزاً عتيداً ... فحسبي التأسي بفقد النبي ٧٦؟ الفقيه الكاتب معلم ولد السلطان، محمد بن محمد بن محمد
الخولاني الشريشي، ﵀ بمنه.
مجموع طلب، وحميد منقلب، ساعده الحظ بعد كدح، وأورى بعد اصلاد (٢) قدح، فأصبح ماليء الأعطان، مستحصد الأشطان، معلم ولد السلطان، وله في الأدب حصة نامية، وفي سمائه ربابها (٣) هامية؛ فمن شعره في النسيب:
بي شادن أهيف مهما انثنى ... يحكي تثنيه القضيب الرطيب
ذو غرة كالبدر قد أطلعت ... فوق قضيب نابت في كثيب
стр. 209
خضت حشا الظلماء من حبه ... أختلس الوصل حذار الرقيب
فبت والوصل لنا ثالث ... يضمنا ثوب عفافٍ قشيب
حتى إذا ما الليل ولىّ وقد ... مالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودعته والقلب ذو لوعةٍ ... أسبل من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين ودعته ... قلب بأضلاعي غدا أم قليب وقال أيضاً:
يا أجمل الناس ويا من غدت ... غرته تمحو سنا الشمس
(٧٣آ) أنعم على عبدك يا مالكي ... دون اشتراء ومنى نفسي
بأن (١) ترى وسطى لعقدي وأن ... تعيد ربعي كامل الأنس
فإن تفضلت بما أرتجي ... أبقيتني في عالم الإنس
وإن تكن ترجعني خائباً ... فإنني أدرج في رمسي وقال في فضل العلم:
يا طالب العلم اجتهد إنه ... خير من التالد والطارف
فالعلم يزكو قدر إنفاقه ... والمال إن أنفقته تالف
стр. 210
٧٧ -؟ الشيخ الكاتب الرئيس أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أحمد
بن صفوان القيسي (١) ، ﵀:
فارس بهذه الميادين معلم، وحجة برهانها مسلم، وبطل لا ترد شباة نقده، ولا تحل مبرمات عقده، يرمي الغوامض بالذهن الذي لا ترد شباه، ولا تفل عند الضرب ظباه، ويفك الأقفال إذا عظم الاشتباه، وله في إيضاح المعميات مقام خفق لواه، وتخصيص من الله تعالى لم يخص به سواه؛ حل في حلبة الكتاب بطلاً بئيساً، وكتب عن السلطان رئيساً، ثم آثر الانقباض فما أعمل في خدمة بنانا، ولا شغل بها جناناً، يتمعش من عقد الشروط أحيانا، والدهر يوسعه نسياناً، ويذهب أثراً منه وعيانا، قد اجر رسنه (٢) همة لا ترضى الكاتب بعلاً، ولا الجوزاء وشاحاً ولا الثريا نعلا، إلى أن نظرت في أمور الملك فانتشلته من مهواه، ودللت البر على مثواه، واسنيت له الجراية، ونشرت من تعظيمه الراية، فأصبح به حفيا، إلى أن مات مكفيا. وشعره وثيق
стр. 211
مبناه، ومتكاف لفظه ومعناه، وله بالمقاصد الصوفية كلف، (٧٢ب) وبالأقوال الشهيرة فيها زلف، فمن ذلك قوله:
هم بالرقي إلى المحل السامي ... ليس المقام لدى الثرى بمقام
جرد حسام الغزم عن غمد الهوى ... واقطع علائق شاغل الأوهام
وانهض بجد لاقتباس النور من ... برق الحمى بمثابة الإحرام
واهجر عوالم حسك الأدنى ولا ... تحفل بشمس ضحى وبدر تمام
فالكون أجمعه وما يحويه من ... عال ومنخفض حجاب ظلام
يا أيها الآوي إلى أضداده ... ليست خيامك هذه بخيام
هجروك فأنبهم الطريق إليهم ... وتشابه الأنجاد بالأتهام
فظللت تندب للجهالة أربعا ... إفصاحها كمضلل الأعجام
المم بيم السر منك فغص به ... وإذا غرقت فناد دون كلام
يا درة النفس النفيسة يممي ... سمط العلا تحظي بخير نظام
يا جوهراً حار الورة في كنهه ... وعتا تصوره على الأفهام
يا مظهراً سر الوجود ومازجاً ... ماء الندى رفقاً بلفح ضرام
أنت الموصل باشتراك طباعه ... نور العقول بظلمة الأجسام
أنت المهيا بالطهارة والصفا ... لقبول سر الوحي والإلهام
يا مسنداً خبر الذين أحبهم ... وأخصهم بصبابتي وهيامي
لك في الفؤاد مكانة محفوفة ... مني بوافي السر والإكرام
إني وجدت لديك نفحة طيبهم ... كعبيق مسك عند فض ختام
كرر على سمعي لذيذ حديثهم ... فحديثهم يروي غليل أوامي
تفديك نفسي من حديث قادم ... من عند أحباب علي كرام
стр. 212
فصلوك عنهم كي تخط علومهم ... في صفح لوحك علية (١) الأقلام
حجبوك عن مرأى النواظر غيرة ... ووقوك كرة حوادث الأيام
(٧٣آ) دلوا عليك بهم وأنت دليلهم ... لذوي النهى ومسددي الأفهام
حتى إذا كمل الذي قصدوا له ... جذبوك نحوهم بفضل زمام
فخروف (٢) ذاتك تقتضي قدم الذي ... أضفى عليك ملابس الإنعام
وكمال حسنك مفصح بكمالهم ... شهدت بذلك حال الاستلزام
عرج على الواد الكريم مبادراً ... خلع النعال بموطئ الأقدام
وأصخ لما يلقى بسرك بائعاً ... ح الوجود خلعة الأعدام
فإذا فقدت فقد وجدت بغبطة ... مقرونة بمسرة ودوام
فهم إذاً لا (٣) أنت إن سواهم ... بيد الفناء أذيق كأس حمام
وابثث لديهم عند ذلك قصتي ... واشرح لهم وجدي بهم وغرامي
ومدامعاً أسبلتها من شوقهم ... ما بين ندماني كؤوس مدام
غني ختمت على الضمير بحبهم ... فغدا هواهم فيه زهر كمام
وجعلته حرماً لهم فسواهم ... ما إن له بحماه من إلمام
حسبي بهم من غيرهم بدلاً فهم ... روحي وريحاني وبرة سقامي
إن لاح لي من أفق مغناهم سنا ... فعلى الوجود تحيتي وسلامي
стр. 213
ومن قصائده في هذا الغرض الشريف:
أدهى (١) حجابك رؤية الأغيار ... فامح الدجى بأشعة الأنوار
يا قارئاً لفظ الوجود وفكره ... في فهم معناه الجلي مماري
لا تشغلن بظاهر لك قد بدا ... عما بباطنه من الأسرار
أودعت أنفس جوهر فأضعته ... وغمرته في لجة الأعمار
حجبتك هذي الكائنات بظلها ... عن سرها المكتوم حجب سرار
أو ما ترى أشخاصها قد أومأت ... طراً إلى صنع الحكيم الباري
دلت عليه بافتقار وجودها ... لوجوده في الجهر والأسرار
(٧٣ب) فلسان حال الكل ينطق مفصحاً ... بخضوعه للواحد القهار
فاخلع نعال الكون خلع محقق ... وجد المؤثر في بقا الآثار
لحظ المنازل يستشف جمالها ... لحظ الحبيب البادي الاستبصار
فأعار حسن الدار صفحة معرض ... وسما بهمته لرب الدار
لاحت له أنوار شمس أشرقت ... فكست دجى الظلماء ضوء نهار
واعتاض من صحو غذاه ناشئاً ... محواً عراه به انتشاء عقار
دارت عليه بدير معناه طلا ... محروسة الأدوار والأديار
مشمولة شملت شمائله فلم ... ترتح لغير الراح والأسكار
قد أسكنت (٢) دن الدنو وألبست ... أسمال أسما وقارَ وقار
عصرت يمين المن صرف سلافها ... لمديرها في سالف الأعصار
стр. 214
وتعتقت حتى تروق جسمها ... لطفاً وفات توهم الأفكار
فالنور في عرصاتها والنور في ... دوحاتها ولهيبها كالنار
شعشع حمياها وحث كؤوسها ... واخلع عذارك واضح الأعذار
فإذا انتشت فناد من تهوي وبح ... بصريح ما أكننت في إضمار
فألذ ما يجني المتيم في الهوى ... ما ناله جهراً خليع عذار
وإذا خلوت بهم بغير مراقب ... فابثث هواك بذلة وصغار
فأرق ما بث الحبيب حبيبه ... شكوى الصبابة في خفي سرار
لا تبغين لهم شفيعاً غيرهم ... فهم الشفيع لمبتغي الأيسار
وهم الذين بهم تنال وصالهم ... وتفوز بالتقريب والإيثار
حسب العميد من الوجود هم فهم ... أنس الفؤاد ونزهة الأبصار
إن باعدوا أو ساعدوا لا ارتضي ... في حبهم ما عشت فك إسار
(٧٤آ) لم نتخذ شيئاً (١) ولكن قصرت ... عن فهم ذاك مباحث النظار
لا زال سري آهلاً بهواهم ... مستوحشاً من رؤية الأغيار ومن ذلك القصيدة التي كلف بها القوالون (٢) :
بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبة بانوا
لم ينقضوا عهداً ببينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان
لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران
لو صح حبك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبك الأظعان
تشتاقهم وحشاك هالة بدرهم ... والسر منك لخيلهم ميدان
ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السلوان
стр. 215
لا يشتكي ألم البعاد متيم ... أحبابه بفؤاده سكان
ما عندهم إلا الكمال وإنما ... غطى على مرآتها النقصان
شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان
غمض جفونك عن هواهم معرضاً ... إن الصوارم حجبها الأجفان
واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصاً ... ترسم (١) بقلبك كيف كنت وكانوا
ما غاب عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليك سحابها الهتان
وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان
جغلوا دليلاً منك فيك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان
يا لامحاً سر الوجود بعينه ... السر فيك بأسره والشان
ارجع لذاتك أن أردت تنزها ... فبها لعيني ذي الحجى بستان
هي روضة مطلولة بل جنة ... فيها المنى والروح والريحان
كم حكمة صارت تلوح لمبصر ... حارت لباهر صنعها الأذهان
حجبت بشخصك عن عيانك شمسها ... فمحا خاسن ذكرها النسيان
لولاك ما خفيت عليك إياتها ... والجو من أنوارها ملآن
فاخرج إليهم عنك مفتقراً لهم ... إن الملوك بافتقار تدان
واخضع لعزهم ولذ بهم يلح ... منهم عليك تلطف وحنان
هم رشحوك إلى الوصال إليهم ... وهم على طلب الوصال أعانوا
عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فسبا المشوق الحسن والإحسان
يا ملبسين عميدهم حلل الضنى ... جسمي بما تكسونه يزدان