← Тараджим

Тараджим · id 1027

الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (302 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تمهيد هذا هو الكتاب الثامن في هذه السلسلة التي أطلقنا عليها اسم " المكتبة الأندلسية " نقدمه للقراء والباحثين الذين أيدوا عملنا بالإقبال عليه، وتقدير ما نبذله من جهد في جانبي الدراسة والبحث ونشر الأصول التي احتاجها الدارسون والباحثون. وكل ما نرجو أن نمضي قدماً؟ بتوفيق من الله وعونه؟ في خدمة تراثنا العربي، داعين إخواننا المهتمين بأدب الأندلس وتاريخها؟ أينما كانوا؟ إلى الإسهام في هذا العمل، إذ أننا لا ندعي القدرة على الاضطلاع بكل ما تحتاجه المكتبة الأندلسية من خدمات وتضحيات، وإن كنا آلينا على أنفسنا أن لا نوفر جهداً في هذا السبيل. وقد كان تحقيق هذا الجزء من المكتبة الأندلسية ثمرة بفضل إخواني المغاربة في الرباط، الذين أمدوني بثلاث مخطوطات مما يحتفظون به في خزائنهم العامرة، فأنا أحب أن أسجل لهم هنا اعترافي بجميلهم، متوجهاً بشكري الخالص الوفير للأستاذ عبد الله الرجراجي مدير الخزانة العامة بالرباط؛ وأما أصدقائي العلماء الأجلاء الأستاذ محمد العابد الفاسي

стр. 2

والأستاذ إبراهيم الكتاني والأستاذ محمد المنوني، فأني اعجز عن أن أفيهم حقهم من الشكر على الحفاوة التي تلقوني بها في المغرب العربي في صيف عام ١٩٦٢ وعلى المساعدة التي بذلوها من اجلي، حفظهم الله ورعاهم وجزاهم عني خير جزاء. لقد كتب لسان الدين بن الخطيب هذا الكتاب ليهديه للمشارقة، وإنما اقتدي بكرم نفسه حين اهديه - بعد تحقيقه - لأخواني في المغرب، وان على يقين من إننا جميعا نتعاون على خدمة تراث عربي مشترك. وان ليس هنالك ما يقال فيه إزاء العاملين في ميدان العلم: هذا تراث مغربي فهو وقف على المغاربة وذاك تراث مشرقي فهو وقف على المشارقة وقد كنت أرجو لفضل أخواني في المغرب أن لا يقنع لي بالنغبة اليسيرة من معين تراثهم الغزير وان لا يستكثروا علي الإخلاص في إظهار دورهم في تاريخ الأدب والحضارة العربيين وقد كنت اطمع في كرمهم وعونهم على ما بين يدي من دراسات تعطل جانب كبير منها لظنهم بما اعتقد انه حق للدارسين جميعا ومن الغبن أن يؤخذ المرء بجريرة غيره واشد الظلم ظلم عبقري ينالك من صديق وما سمحت لنفسي بهذا العتاب إلا إبقاء على صداقة اعتز بها والله يحفظهم من كل سوء؟. بيروت في ١٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٦٣

стр. 3

مقدمة - ١؟ في غرة جمادى الآخرة من سنة ٧٧٣ جاز لسان الدين بن الخطيب إلى سبتة، تاركاً أعباء الوزارة بالأندلس مفارقاً المال والولد والجاه، فاراً إلى ما يرجوه من حياة هادئة مطمئنة في ظل السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز. وقد كانت هجرته تلك وليدة أزمة نفسية طالت به معاناتها إلى أن وضح له المنهج واستبانت الطريق. وقد كشف هو عن هذه الأزمة في عهد مبكر حين كتب إلى الشيخ أبي عبد الله ابن مرزوق رسالة يعذله فيها على جنوحه إلى خدمة الدولة ونزوعه إلى الدنيا ويصور فيها مكاره الحياة السياسية ومكايدها وقد علق ابن مرزوق عليها حين قراها بقوله: " والعجب كل العجب أن جميع ما خاطبني به - أبقاه الله تعالى - تحلى به اجمع وابتلي بما منه حذر فكأنه خاطب نفسه وانذرها بما وقع له فالله تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص " (١) . ولعل مما زاد في حدة تلك الأزمة النفسية انتشاب لسان الدين في التصوف قولا

стр. 4

يحفزه إلى الرياضة العملية، والى التجرد عن الدنيا. وقد صور دواعي هذه الأزمة في رسالته إلى الغني بالله سلطان الأندلس حين فارقه، وفي رسالة إلى ابن خاتمة حين عذله على اعتزام الهجرة، وفي كتابة أعمال الأعلام، وفي مقدمة الكتيبة الكامنة، فتحدث عن رغبته في الراحة والذهاب إلى مكة وإيثاره للآخرة على الدنيا فقال في رسالته لابن خاتمة: " أني إلى الله تعالى مهاجر، وللعرض الأدنى هاجر، ولأضعان السرى زاجر، لنجد - إن شاء الله تعالى - وحاجر " (١) وفي رسالته للغني بالله يقول: " طرقته الأفكار وزعزعت صبره الرياح الخواطر وتذكر أشراف العمر على التمام وعواقب الاستغراق وسيرة الفضلاء عند شمول البياض فغلبته حال شديدة هزمت التعشق بالشمل الجميع والوطن المليح والجاه الكبير والسلطان القليل النظير وعمل بمقتضى قوله: موتوا قبل أن تموتوا " (٢) . وكان الذي أيأسه من حياة السياسة تغير النفوس عليه لما بلغه من مكانة واستقلال في النظر وبسطة في النفوذ، فكثرت السعايات وتنكر له من كان هو سببا في تقريبهم ورفع جاههم، وسيطر الحسد على بعض النفوس، ولم يكن هو غافلا عما يجري من حوله، فهو يقول في وصف هذه الظاهرة: " وصرت انظر إلى الوجوه فالمح الشر في نظراتها، واعتبر الكلمات فأتبين الحسائف في لغاتها، والضغينة في كل يوم تستحكم والشر يتضاعف، ونعمة الولد تطلق لسان الحسود، وشبح الكلاب المطيفة تهيج حسائف النمور الجائعة والأسود، والأصحاب الذين تجمعهم المائدة كل يوم وليلة يفتنون في الإطراء والمديح وتحسين القبيح والمحاولات في الغي

стр. 5

والتقرب بالسعي، انظر إليهم يتناقلون الإشارات بالعيون والمغامزة بالجفون والمخاطبة باللغوز، فإذا انصرفوا صرف الله قلوبهم فقلبوا الأمور ونقلوا العيوب وافسدوا القلوب وتعللوا بالأحلام وقواطع الأحكام " (١) . ولقد قضى ابن الخطيب في هذا الجو المكفهر فترة من الزمن وهو فريسة للخوف والحذر، نهبة للتلوم النفسي والتردد، وكلما خلا إلى نفسه جعل يخاطبها قائلا: " يا مشئومة! أما تشعرين لما نزل بك، حملت هذا الكل على ضعفك، وأوسعت هذا الشغب في فكرك.. وتعرضت لان تسخطي الطالب الممنوع بخيبته، وتسخطي المعطى بما يرى انك قد منعته الزيادة في عطيته، وتسخطي الأجنبي بالقبول على عدوه؟ وتسخطي الجاني بإنفاذ العقوبة في جنايته؟ وتسخطي الجيش باختباره وعرضه؟ وتسخطي الرعية باستقصاء الجباية " (٢) .. وجاءت اللحظة الحاسمة التي وجد فيها أن الفرار أمر محتوم، وهي لحظة عبر عنها لسان الدين " بالعجز " حين قال للغني بالله " ونختم لكم هذه الغزارة بالحلف الأكيد: أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا ألا وقد وفيتها لكم ولا فارقتكم ألا عن عجز " (٣) ، وهذا التصريح يدل على الحقيقة النفسية الكامنة التي كانت تتعلل بالماضي والمستقبل، أما الماضي فقد لفه لسان الدين في ثوب من الترفع عن الكسب وجمع المال وجعله كله عملا مخلصا ممتدا في الزمان، استطاع فيه أن يؤمن للدولة أسبابها ويطمئن على صاحبه، بإرضاء الجند وعقد المعاهدات مع الاعداء، وتكثير الأصدقاء، وأما المستقبل فسوف يكون هجرة إلى الله تعالى وزيارة لمكة وقبر

стр. 6

الرسول، ولكن كلمة العجز كانت تدل على أن لا خيار ثمة، وان الاضطرار هو القوة الداعية إلى التحول، وهون الرجل على نفسه مفارقة الأهل والوطن بأنه لا يفر لذنب اقترفه وإنما خلف " الوسائل المرعية والآثار الخالدة والسير الجميلة " وانه - أن فسح الله له في الآجل - يود العودة إلى وطنه. ولم يفده الإلحاح على سلطانه بان يأذن له بالسفر فعمد إلى اصطناع جفاء يثير غضبه، والسلطان يعد ذلك إدلالا ويعتذر عما يفعله صاحبه. وعندئذ قرر لسان الدين أن يخفي أمر فراره، فاتصل بالسلطان المريني واخذ منه عهدا بالإقامة في كنفه، وبتمكينه من الحج والزيارة، واستأذن الغني بالله في تفقد الثغور " وسار إليها في لمة من فرسانه، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان، وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح، فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه، وسرح أذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه، وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه، فأجاز إلى سبتة وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم " (١) . وقد عيره أعداؤه من بعد بفراره وبهذه الخدعة التي اختارها، فقال القاضي النباهي في رده عليه: " ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء، مكرا منكم، فلما بلغتم ارض الجبل انحرفتم عن الجادة وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم من بلغه حديثكم - أو يبلغه إلى آخر الدهر - في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر " (٢) . أما بقية التهم التي وجهها النباهي إلى ابن الخطيب فتتلخص في إخلاد

стр. 7

هذا الثاني إلى الدنيا بالاستكثار من العقار والبناء، وانه إنما هرب من الأندلس لأنه يمد عينيه إلى التمتع بغيرها، مع أن الأندلس دار رباط لا يستحب للرجل المؤمن أن يتركها إلا إلى مكة أو طيبة أو بيت المقدس. وسرد النباهي بعض القضايا التي تدل على تدخل ابن الخطيب في نزاهة القضاء، واتهم لسان الدين بالعبث في " الابشار والأموال وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار وكشف الأستار واستعمال المكر والحيل والغدر في غالب الأحوال للشريف والمشروف والخادم والمخدوم " (١) ، ولم ينس النباهي إن يوجه إلى ابن الخطيب تهمة الطعن في الشريعة والوقوع في جناب الرسول الكريم، وانه نقلت عنه في ذلك أشياء منكرة، وانه متأثر في ذلك بأستاذه وشيخه المستخف ابن هذيل منك علم الجزئيات القائل بعدم قدرة الرب - جل اسمه - على جميع الممكنات. وما كان القاضي النباهي إلا واحدا من أولئك الذين ارصدوا العداوة والشنآن لابن الخطيب، ولعله آثار عليه كثيرا من القلوب، بما يروجه من نقد لتصرفاته، وكذلك كان تلميذه ابن زمرك من اشد الناس طعنا عليه وكيدا له، ومثلهما في ذلك ربيبه احمد بن سليمان بن فركون، - في اغلب الظن - وغير هؤلاء ممن كان لسان الدين قد رشحهم للمناصب ومكنهم منها، وكان هذا كله في نظر لسان الدين تنكرا للجميل، وعضا ليد المحسن الكريم، ولذلك عبر عن موقفه من الحياة السياسية بالعجز واثر الفرار. فوصل الباب العزيزي - أي باب السلطان عبد العزيز - بتلمسان في ١٩ رجب سنة ٧٧٣: " فتلقاني بما يليق بحسبه وشرف مذهبه: من اركاب الحجبة ورعي الوسيلة ودنو الجلسة واجراء

стр. 8

النعمة ". وكتب إلى سلطان الأندلس في استقدام أولاد ابن الخطيب أهله، فأرسلهم إليه. إلا إن السعاية ضده لم تفتر، وذلك - حسبما يعتقد لسان الدين - كي يأمن أعداؤه عودته إلى الأندلس، ومال السلطان إلى رأي الوشاة والأعداء فقام النباهي بإصدار فتوى توجب حرق كتب لسان الدين لأنها تنطوي على الزندقة فحرقت، وصودرت أملاكه، واستحثت السلطان المريني على تسليمه لإجراء العقوبة عليه بسبب الإلحاد فأبى، وقال لرسل ابن الأحمر: " هلا أنقذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم، وانتم عالمون بما كان عليه ". ويقول لسان الدين في التعليق على هذه الحال (١) : " وكنت لغروري بالزمان، وثقتي منه بالأمان أظن أن لا سبيل للدهر علي، ولا تطرق له ألي، وان مفارقتي لمن بالأندلس إنما هي مفارقة أب لولد، وقلب لخلد، وان عقاري الموروث والمكتسب جار مجرى الوقف الذي لا يبدل، وصريح الشريعة الذي لا يتأول، وان فوائده تلحق بي حيث كنت من المعمور، فلا أكلف رزقا جهدا لغرور " (٢) . - ٢ - توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز أو " دك الجبل العاصم من الطوفان، والممسك للأرض عند الرجفان " في شهر ربيع الآخر سنة ٧٧٤هـ؟. وانتقل ابن الخطيب من تلمسان إلى فاس مع الوزير أبي بكر ابن غازي الوصي على

стр. 9

السلطان الابن - لم يحج كما انتوى حين هاجر من الأندلس، ولم يعتزل الدنيا والحياة السياسية، بل انه حين أقام بفاس استكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنات (١) واخذ يستغل الحال التي تمخضت عنها الأزمة النفسية والهجرة استغلال المؤلف الذي لا يزال مورط الخواطر في العداوة الفردية وفي التقلبات السياسية. ففي حياة السلطان عبد العزيز آلف له كتابه " المباخر الطيبة في المفاخر الخطيبية " يذكر فيه نباهة سلفه وما لهم من المجد، وقصده الرد على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة القادحين في فخر سلفه (٢) ألف للسلطان المذكور كتابا آخر اسماه: " خلع الرسن في التعريف بأحوال ابن الحسن " جمع فيه نوادر وحكايات عن النباهي، وقال في وصف الكتاب " انه لاشيء فوقه في الظرف والاستطراف يسلي الثكالي، ونستغفر الله تعالى " (٣) . وفي جمادى الآخر من سنة ٧٧٤ كان يكتب كتابه هذا الذي سماه: " الدرر الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة "، أي كان تأليفه له بعد نحو ثلاثة اشهر من وفاة السلطان عبد العزيز (٤) وسأتحدث

стр. 10

بعد قليل عن هذا الكتاب حديثا مفصلا. لما توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز واصبح الآمر بيد ابن غازي الوزير صديق لسان الدين والوصي على ابن صغير من أبناء السلطان هو أبو زيان محمد السعيد، كثرت القالة في الوزير لأنه بايع صبيا وقال الطامحون والمعترضون في الأندلس والمغرب أن البيعة له لا تجوز فألف لسان الدين انتصارا لصديقه كتاب " أعمال الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام " (١) وفيه يقول رادا على أهل الأندلس: " فمتى نبس أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير، أو نيابة صاحب أو وزير فقد عموا وصموا، وخطروا بربع الأنصاف فاعرضوا وما الموا، وبما سنوه لغيرهم ذموا " (٢) . كل هذا وابن الأحمر لا يفتر عن المطالبة بابن الخطيب وقد فسد ما بين البلاطين - بلاط غر ناطة وبلاط فاس - بسبب تمسك الوزير ابن غازي بحماية صديقه وعدم إسلامه إلى أعدائه، واتصلت كتب ابن زمرك بابي العباس المستنصر ووزيره محمد بن عثمان تحثه على الثورة وخلع الصبي أو اسط عام ٧٧٥، وانتصر أبو العباس في هذه الحركة في أوائل ٧٧٦، فتحقق لبلاط غر ناطة ما يريده، إذ قبض السلطان الجديد على لسان الدين، أودع السجن، وأرسل الخبر بذلك إلى ابن الأحمر، فأرسل كاتبه ابن زمرك إلى فاس، وعقد لابن الخطيب مجلس وبخ فيه وعذب على مشهد من الملأ، ثم دس له أحد مبغضيه من قتله في السجن خنقا ثم طرح في اليوم التالي

стр. 11

وقد جمعت حول جثته أعواد أضرمت عليه نار فاحترق شعره واسودت بشرته ثم أعيد إلى حفرته، بمقبرة باب المحروق بمدينة فاس (١) . - ٣ - قلت أن ابن الخطيب كان يكتب " الكتيبة الكامنة " في جمادى الآخرة من عام ٧٧٤، وعمدتي في ذلك ما قاله هو في كتابه " الورقة: ٨٥ب ": " وكل من ذكر إلى هذا الحد من المشايخ والإعراب، وقد تسابقوا تسابق العراب إلى التراب؟ ومن يجري ذكره بعد هذا فهم بقيد الحياة لتمام جمادى الآخرة عام أربعة وسبعين وسبعمائة ". وتدل مقدمته للكتاب أيضا على انه كتبه وهو في سن عالية، وانه كان قد تخلى عن الحياة السياسية واستكمل دوره: " واستوعبت من صحبة المغرب حصتي، وختمت بالدعاء قصتي، ونزلت عن منصتي، وابتلعت غصتي ". لكن يبقى هنالك أشكالا لابد من أثارته، وهو أن لسان الدين ذكر كتابه: " الكتيبة الكامنة في أدباء المائة الثامنة " في ثبت كتبه الذي أورده في كتاب الإحاطة (٢) . ونحن نعلم أن ابن الخطيب بدا تأليف الإحاطة في دور مبكر من حياته لعله يرقى إلى عام ٧٥٥هـ؟. ألا أن هذا الأشكال ينتفي إذا نحن تذكرنا أن الإحاطة لم يكتب دفعة واحدة، فحتى سنة ٧٦٣ كان ابن الخطيب قد جعله في مجلدات ستة،

стр. 12

قال ابن الأحمر: " ولما عاد ابن الخطيب إلى الأندلس بعودة جدنا الغني بالله تعالى ملكه عام ثلاثة وستين وسبعمائة، تلاحقت الفروع من كتاب الإحاطة بالأصول، أنجز من التبحر فيه الوعد الممطول، ووضعت بخناقاه سعيد السعداء النسخة المتممة من اثني عشر سفرا " (١) . وفي تراجم الإحاطة ما يشير إلى أن المؤلف ظل يضيف إليها حتى عام ٧٧١هـ ولا نستبعد أن يكون قد زاد فيها بعد ذلك وكان مما زاد في ترجمته بعض ما جد من كتبه بعد هجرته من الأندلس. غير أن المقري بعد أن نقل أسماء كتبه من الإحاطة، عاد يقول: ولنذكر ما تأخر تاريخه عن الإحاطة أو أشير أليه فيها مجملا؟ وذكر في جملة هذه الكتب كتاب " الكتيبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة "، فأنت ترى إن هذا الكتاب يذكر مرة الإحاطة ويذكر مرة في ما تأخر تأليفه عن الإحاطة مع تغيير في الاسم، ففي المرة الأولى ذكر كلمة " أدباء " وفي المرة الثانية لفظة " شعراء "، فهل الإشارة إلى كتابين أو كتاب واحد؟ أن لسان الدين لم يهتم في الكتاب الذي بين أيدينا بنثر من ترجم لهم وإنما اهتم بإيراد أمثلة من أشعارهم. ومع ذلك فإني استبعد أن يكون قد ألف كتابين باسم " الكتيبة الكامنة "، وإذا كان اهتمامه بالنثر قليلا فما ذلك ألا لأنه دون قسما كبير امن هذا النثر في كتبه الأخرى. أما تغيير العنوان والتصرف به بعض التصرف، فأمر مألوف كثيرا، وهاهو المقري نفسه يورد اسم الكتاب مرة ثالثة على النحو الآتي: " الكتيبة الكامنة في أبناء المائة الثامنة (٢) ".

стр. 13

ويبدو أن تأليف هذا الكتاب إنما اقترن بإزماع ابن الخطيب أن يؤدي فريضة الحج، وانه صرف إلى المشرق وجه، واخذ يمني النفس برؤية المشاهد الكريمة، والمعاهد التي طاب ثراها " نسأل الله أن يتم علينا فضله باحتلالها، وتسكين الأشواق في ضلالها " ثم يقول معتذرا عن هديته هذه التي يحتقبها إلى المشرق: " وان كان كل جالب مثل هذا إلى البلاد المشرقية - اعز الله اهلها، وامن حزنها وسهلها - جالب نغبة إلى غدير، وحبابة إلى كاس مدير " (١) . فالكتاب في صورته العامة " تقرير " يقدمه ابن الخطيب إلى المشارقة معرفا بشعراء الأندلس المعاصرين على مثال ما فعل ابن سعيد وابن اليسع وابن دحية من قبل: " فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة، ممن لقيناه في بلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله ما بين من تلقينا أفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين من علمناه وخرجناه، ورشحناه ودرجناه، ومن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه " (٢) . وفي هذه النية غرض كامن، تدل عليه هذه الكلمات المقتبسة، وذلك أن الكتاب شهادة لابن الخطيب نفسه، بما كان له من مكانة وما أثار من نشاط ادبي، وما أفاض على غيره من فضل، إذ يكاد يكون محور هذا الكتاب هو ابن الخطيب نفسه، ممدوحا أو متفضلا أو مثيرا إلى القول أو مواجها بنكران الجميل. ثم أن لسان الدين كان قد كتب في عصر الشباب كتابه " التاج المحلى في مساجلة القدح المعلى " وفاته أن يذكر فيه بعض من لم يكن بلغه شئ

стр. 14

من إنتاجه، أو من شب في خدمة الأدب، بعد تأليف ذلك الكتاب فجاء كتاب الكتيبة الكامنة زيادة تعريف أو صلة للكتاب الأول، وان اعتمد لسان الدين على التاج نفسه في ذكر بعض التراجم المكررة، كما اعتمد على كتاب له آخر اسمه " الإكليل الزاهر، فيما فضل عند نظم التاج من الجواهر " فكتاب الكتيبة مع هذين الكتابين ومع رابع سماه " النقابة بعد الكفاية " كلها تمثل جانبا من جهد ابن الخطيب في تراجم الشعراء وإيراد نماذج من أشعارهم. وتلتقي هذه الكتب الأربعة في أنها تعتمد السجع محاكاة لما صنعه الفتح ابن خاقان في القلائد والمطمحين (١) . على أني المح عاملا آخر قويا حدا على تأليف هذه الكتاب وهو رغبة لسان الدين في أن يعيد النظر في تقدير الأشخاص الذين تنكروا له مثل القاضي النباهي وابن فركون وابن زمرك وأبي القاسم بن قطبة الدوسي، وان يكيل لهم من الذم ما يشفي به بعض غليله، ويصحح آراءه التي سجلها فيهم من قبل في الإحاطة وغيرها من كتبه ورسائله، وحسبك أن تقارن مثلا بين ما كتبه في ظهير بتولية ابن الحسن القضاء وفي ترجمته له في الإحاطة وفي الإشارات التي دونها عنه في مواضع أخرى منها (٢) وبين ترجمته في الكتيبة " لجعسوس " (٣) حتى ترى مبلغ التغير الذي أصاب نظرة ابن الخطيب نحو صديق قديم، ومثل ذلك

стр. 15

موقفه من سائر الأشخاص الذين تنكروا له وتأمروا عليه. وإذا كان ابن الخطيب ملوما من الزاوية التاريخية فأولئك الأشخاص يتلقون قدرا مكافئا من اللوم. هذا ابن زمرك الذي حرق البخور الكثير على أعتاب أستاذه تحين كل فرصة بعد تغير الحال لينحي عليه بالذم في قصائده ويعرض به تقربا إلى السلطان، أنها أزمة لم تحرق ابن الخطيب وحده بنارها بل حرقت خصومه أيضا. ترجم ابن الخطيب في كتاب الكتيبة الكامنة لثلاثة أشخاص ومائة جعلهم في قسمين كبيرين: الذين قضوا نحبهم قبل تأليف الكتاب (من رقم ١ ٨٤) والذين كانوا ما يزالون على قيد الحياة عند تأليفه (من رقم ٨٥ - ١٠٣) . وفي هذه القسمة شئ من التجوز فان بعض الذين ترجم لهم في القسم الأول وعاشوا بعد وفاة الخطيب نفسه مثل القاضي النباهي. ثم قسم المترجمين حسب ما غلب على كل واحد منهم فجاءوا في الطبقات آلاتية: ١ - طبقة الخطباء والصوفية (١ - ١٩) وحظهم في الإجادة قليل. ٢ - طبقة المقرئين والمدرسين (٢٠ - ٣٠) وهم اقل شانا من الطبقة السابقة في باب الشعر. ٣ - طبقة القضاة (٣١ - ٥٤) وهي طبقة منحطة في البيان لاقتصار مداركها على علوم الأديان ويندر فيها المجيد. ٤ - طبقة من خدم أبواب الأمراء من الكتاب والشعراء (٥٥ - ١٠٣) وربما كانوا متميزين بالإجادة اكثر من أفراد الطبقات السابقة. وإذا قارنا هذا العدد بما احتواه " التاج المحلى " وجدنا أن الكتيبة تنقص عن التاج بمقدار سبعة تراجم، فهل هذا كل ما أدرجه لسان الدين في الكتيبة؟ أن النسخ التي اعتمدناها في تحقيقها لا تختم بشيء يشير إلى

стр. 16

نهاية الكتاب، وقد ورد في هامش آخر ورقة من النسخة ك: " يوجد في الأصول المكتوب منها بطرتها ما نصه: " إلى هنا توجد هذه الكتيبة ولعل مؤلفها اخترمته المنية قبل تمامها، والله تعالى اعلم ". لعل لسان الدين لم يشغل عن إتمام الكتيبة لأنه عاش ليكتب لعدها أعمال الأعلام، وإنما تقاعس عن إتمامها لان رحلته إلى المشرق لم تتم، وفترت حماسته بفقدان الغاية الأولى التي ألف الكتاب من اجلها: ثم إذا صح أن نسخ الكتيبة جميعا تقف عند الترجمة رقم: ١٠٣ فلعل المؤلف شاء أن يتركها دون خاتمة لأنه عهد إلى ابنه عبد الله أن يكملها فقد قال في ترجمة ابنه هذا: " فحسبي أن اقدم منه على تذييل هذا الكتاب بعدي وكيلا، يوفي منه مكيلا، وينكل الحسدة تنكيلا " (١) . - ٤ - وإذا كان كتاب الكتيبة، لقيامه على السجع، قليل الفائدة من الناحية التاريخية الأخبارية، إذا نحن قارناه بكتاب الإحاطة، فانه يقدم لنا صورة عن جانب من الحياة الأدبية في القرن الثامن بالاندلس، وعن الاتجاهات التي كان الشعر يسلكها حينئذ، وإذا لمس القارئ ضعف النماذج الأدبية فليذكر أن هذا الشعر حصيلة القرن الثامن، وليحاول أن يستعيد إلى ذاكرته صورة الشعر في هذا القرن في المشرق نفسه، فانه يكون حينئذ اقرب إلى الأنصاف في حكمه.

стр. 17

وليس يستقل كتاب الكتيبة الكامنة بإعطاء صورة عن الأدب الأندلسي حينئذ لأنه ليس إلا حلقة واحدة من عدة حلقات إذا نحن جمعناها معا تكاملت جوانب الصورة أصبحت أتم وأوضح، ومن تلك الحلقات مؤلفات لسان الدين الأخرى كالتاج والإكليل والنقاية والإحاطة وعائد الصلة ونفاضة الجراب. ولكن لسان الدين لا يستقل بالإحساس بعصره وبالتوفر على تدوين ظواهره الأدبية - وان تميز بالإكثار من ذلك - بل لعل القرن الثامن في الأندلس والمغرب كان عصر هذا الشعور بالتاريخ المعاصر يومئذ ولابد لمن شاء أن يستكمل صورته من الوقوف على حلقات أخرى تمثلها المؤلفات الآتية: ١ - فهرسة أبي عبد الله الحضرمي. ٢ - فهرسة أبي زكريا السراج. ٣ - المؤتمن في أنباء من لقيه من أبناء الزمن لأبي البركات ابن الحاج. ٤ - نثير فرائد الجمان في من نظمني وإياه الزمان لابن الأحمر. ٥ - تراجم المعاصرين من أبناء القرن الثامن في مراقبة العليا للنباهي ومزية المرية لابن خاتمة. ٦ - كتب مفردة في التراجم مثل " التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا " لابن خلدون نفسه، والبقية والمدرك من شعر ابن زمرك لابن الأحمر، وتنبيه الساهي على طرف النباهي، وخلع الرسن في أمر القاضي ابن الحسن لابن الخطيب، وأشباهها. هذا عدا الكتب التاريخية الجامعة الهامة. وبين هذه الحلقات لابد أن يكون للكتيبة الكامنة مقامه في دراسة الحياة الأدبية بالأندلس والمغرب في القرن الثامن الهجري.

стр. 18

وقد قمت بتحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ: (١) النسخة " ك " وهي رقم ٢٢٩١ بالمكتبة الكتانية. كتبت بخط مغربي واضح وجميل، مشكول بعض الشكل، جيدة الضبط وعلى هامشها رواية من نسخة أخرى تتفق في بعض صورها مع النسخة التالية، وتقع في٢١٢ صفحة. تحتوي كل صفحة على ٢١ سطرا، والبياض فيها قليل. وقد اعتمدتها في اغلب القراءات. (٢) النسخة " د " وهي رقم ١٣٢ بالخزانة العامة بالرباط، وخطها مغربي جميل، وتقع في ٢١١ صفحة وهي أيضا جيدة الضبط، ولولا أن النقص في مواطن منها اكثر مما هو في الأولى لكانت أحق أن تعتمد. (٣) النسخة " ج " وهي رقم ٥٦ج بالخزانة العامة بالرباط، وتقع في ٢٣٥ صفحة، وتتفق مع ك كثيرا، إلا إن المواضع التي تعسر قراءتها من ك قد تركت فيها بياضا، لذلك كانت اقل قيمة من النسختين السابقتين، ولعلها اشتركت مع ك في الأصل الذي نقلت عنه النسختان. وبعد أن قمت بالمقارنة بين النسختين عرضت الكتاب على المصادر المتيسرة وزودته بالتعليقات التي وجدتها لازمة. راجيا بتقديمه المشاركة بشيء من الجهد المتواضع في بعث اثر من آثار ابن الخطيب، التي تمثل " مكتبة " كاملة، تستحق العناية والاهتمام والنشر العلمي المحقق. إحسان عباس

стр. 19

مراجع التحقيق الإحاطة في أخبار غر ناطة ج؟ ١ تحقيق الأستاذ محمد عبد الله عنان ط. دار المعارف بمصر. الإحاطة في أخبار غر ناطة (الجزء١، ٢) ط. مصر ١٣٢٩. أعمال الإعلام تحقيق الأستاذ ل. بروفنسال، ط. بيروت ١٩٥٥. اللمحة البدرية في الدولة النصرية ط. السلفية ١٣٤٧. أزهار الرياض (١ - ٣) للمقري تحقيق الأستاذ السقا والابياري وشلبي، لجنة التأليف ١٩٣٩، ١٩٤٢. نفح الطيب (١ - ١٠) للمقري بعناية الشيخ محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية ١٩٤٩. الديباج المذهب لابن فرحون ط. مصر. نيل الابتهاج (على هامش الديباج) . نيل الابتهاج للتنبكي ط، فاس. بغية الوعاة للسويطي ط. الخانجي بمصر. المرقبة العليا للنباهي تحقيق الأستاذ ل. بروفنسال، ط. دار الكاتب المصري. الدرر الكامنة لابن حجر. ط. حيدر آباد الدكن. التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي ط. لجنة التأليف ١٩٥١. رحلة البلوي المسماة تاج المفرق في تحلية علماء المشرق (نسخة خطية رقم ١٠٧٥ جغرافيا بدار الكتب المصرية) . مسالك الأبصار للعمري (ج١١) نسخة خطية رقم ٢٧٩٧ بمكتبة طوبقبو سراي.

стр. 20

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد واله وسلم (اللهم الإعانة على التمام بجاه سيد الأنام، عليه افضل الصلاة وأزكى السلام) (١) .

стр. 21

الحمد لله الذي جعل الأدب في جميع ما للفنون من الأسواق، فاكهة شهية الأذواق، تهدى في الأطباق، مكللة بالإحداق، وريحانا عطر الانتشاق، في أنوف عشاق الكمال واكرم بأولئك العشاق، وجعل بينه وبين النفوس الرقاق نسبا ثابت الاستحقاق، والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله سيد ولد آدم على العموم والإطلاق، الذي أوتى جوامع الكلم ومكارم الأخلاق، والرضى عن أصحابه واله نجوم ملته الباهرة الاشراق، لهداية الطراق، ما أقامت الذكرى أسواق الأشواق، فضاقت عن الزفرات مسالك الاطواق، وما خفقت جوانح القلوب من الاشفاق، عند هبوب النسيم الخفاق. أما بعد فأنني لما استوفيت اوطاري، واستكملت أدواري، وتشوفت ظلمي إلى مطالع انواري، واستوعبت من صحبة المغرب حصتي، وختمت بالدعاء قصتي، ونزلت عن منصتي، وابتلعت [٢ب] غصتي، ومن بعد أن لبست دنياه فاخلقت، وبنيت بمبانيه المشيدة وطلقت، ولبيت بمواقيت جهاده واهللت، وحللت من ملوكه حيث حللت، ومن مأزق العربدة تسللت، واستعادتي الدنيا فتجنيت وتعللت، وأخبرتها أني قد مللت وأملت، ولم يبق للشهرة مرقب إلا ركزت فيه راية خافقة، ولا للفخر مذهب إلا كتبت فيه أية ناطقة، حمدا لربي الغني الحميد، المنوه بالعدم حتى يذكر، المشيد به فتراه يحمد ويشكر، ويعرف فلا ينكر، صرفت إلى المشرق وجهي والعشية قد ضقت، والعمرة قد أفاقت

стр. 22

والخوف من توقع القواطع شديد، ومجال التقية من فوات البقية (١) عريض مديد، لكن الأمل يشب مع الشبيبة، وعين الحريص تعمى عن تصور الخيبة، والطمع يحث على انتهاز الفرصة، قبل أفول القرصة، والنفس تقول: قنعنا ولو بإلمام، وطل عن غمام، وبسلام من طويل كلام، ومن لنا بالنظر إلى تلك الوجوه المشرقة المقسمات، السافرة عن كرائم السمات، من قبل الممات، واجتلاء تلك المعاهد التي طاب ثراها، والمشاهد التي راق مراها، نسأل الله تعالى أن يتم علينا فضله باحتلالها، وتسكين الأشواق في ظلالها، ويقر العيون باجتلاء جمالها، والنفوس ببلوغ آمالها، من خير (١) كمالها. ولما وقع العزم، وكاد يحذف العلل الجزم، وكاد الرسم أن يطوق القادم محل وسطه بتحفة قدوم، إن رائحة محروم، على قدر حاله، ووسيع انتحاله، وبضائع رحاله، وموازين خصبه أو امحاله، فتح بين يديه أبواب الأدلال قبل الاختلال، وتسبب الوسائل إلى أمد الكمال، ومطاوي الآمال، وكنا ارقنا بقايا المزاد، ونفضنا [٣ ا] ؟ (٣) في الطريق فضلات الزاد، وردنا على الدنيا بعد الشبع من طحين ثفالها، وملء اليدين من ثقالها، ما بقي من أوضاع احتفالها، ورفعنا مخفف القماش فوق اكفالها، وأزمعنا وداعها طوعا لا اضطرارا، وأقرضنا صاغتها فرارا وازورارا، ولم نتبع حولها الالتفات، ولا أغرينا - والحمد لله - الندم على ما فات، فجعلت الهدية، من جنس ما تتشوف إليه النفوس الغنية، وتتجر في أسواقه الهمم السنية، من

стр. 23

وضع يستطرف، أو اختراع إليه يستشرف، واثر يدل على طور المتسول، وطريقة المتعرف المسترسل، يظهر منه مصرف عنايته، وشرح كنايته، وبيان دعايته، ومرعى رعايته، ويتبين ما وراء صحيفته من عنوانه، ويخبر بذلك عن تفصيل ديوانه، وينوب مكتوبه عن لسانه، فيما ينتحل من احسانه، فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة، مما لقيناه ببلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين من تلقينا أفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين من علمناه وخرجنا، ورشحناه ودرجناه، ومن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه، بعد أن وصفنا كل واحد منهم وحليناه، وبما تولاه الله تعالى توليناه، إذ لا يلزمنا أن ننحل الكمال لمن لم يكمله مكمل الذوات، ومخول الادوات، فننتحل الكذب لغير ضرورة مبيحة، ونتحمل المشقة لا لتجارة ربيحة، والمقصود إنما هو إلمام بتعريف، وجلب أدب ظريف، وخبر طريف، بل التماس إنعام ممن يقف عليه وتشريف، وان ينظر النقص بعين كماله، ويعذر المهدي في تقصيره واسهاله، فالله تعالى لا يكلف العبد من أعماله فوق احتماله. وسميت هذا الوضع بالكتيبة الكامنة فيمن لقيناه [٣ب] بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، يستدل به من يباشره، على نبل من كنا نعاشره، ويقف من يدارسه، على فضل من كنا نمارسه، وان كان جالب مثل هذا إلى البلاد المشرقية اعز الله اهلها، وامن حزنها وسهلها، جالب نغبة إلى غدير، وحبابة إلى كاس مدير، فالعذر إلى الوسع مصروف، ولا تجود (١) يد إلا بما تجد بمثل معروف، ولو كانت

стр. 24

الهدايا التي تجلب إلى أبوابهم، لالتزام ثوابهم، يشترط فيها المماثلة لمحالهم (١) العالية، والمناسبة لأقدارهم الغالية، لسد الباب، وعجزت الالباب، وتقطعت؟ ونعوذ بالله تعالى؟ تلك الأسباب، ومثلهم على المسامحة جبل، وقد أهدت قبرة إلى سليمان ﵇ جرادة فقبل، وهم أهل المزايا الفاخرة (٢) ، وأولو الدنيا والآخرة، ومعدن الكمال، ومعرف وجوه الآمال، وصل الله لهم عوائد الاجلال، ومتعهم بما وهبهم من حسن الخلق وفضل الخلال. وقد كنت جمعت في الزمان (٣) المنصرم، قبل أن يرسل الله تعالى على شبابنا سيل العرم، وقبل ان يعتاض الشباب بحال الهرم وقلق البرم، مائة شاعر وعشرة، وسميته بالتاج المحلى في مساجلة القدح المعلى، وربما تخلل ذلك من تأخر عن مولدي أجله، ممن أرحله عن الوطن (٤) عجله، وبلغني مرواه ومرتجله، وربما دعوت إلى هذا المدعى بعض من حضر الأول، وألقيت بيده ما كان من الحلي قد تحول، أو شذ نادر لا يعتد به ممن لم أحقق وفاته، ورامه هذا الغرض فما فاته، وهاأنا أنسقهم على ترتيب مقرر، وتبويب محرر، وأضيف الرجل إلى ما غلب عليه من انتحال، وعرف به في كل حال، وألاحظ أحوالهم بحسب الزمان والمكان، وأقرب ذلك جهد الإمكان، إنشاء الله [٤ا] تعالى.

стр. 25

- ١ - فمن الخطباء الفصحاء، والصوفية الصلحاء: قلت: وهذه الطبقة أهلها أعلام سراوة ومجادة، وفرسان (١) مرقى وسجادة، وليسوا بحجة في إجادة، إلا من جرى منهم مجرى إفادة في وفادة، ومظنة الإجادة في هذا الكتاب، هم طبقات الشعراء والوزراء والكتاب. ١ - الخطيب الصالح أبو جعفر احمد بن محمد بن خميس الأنصاري كان هذا الرجل في بلده مقلة بها يبصر، ولسانا يسهب ببلاغته ويختصر، ويستعدى ويستنصر؛ شأنه عجاب، ودعاؤه مستجاب، ووجوه (٢) فضله لا يعوق عن اجتلائها حجاب، وورعه لا تقرب الشبهات حماه، واجتهاده لا يبلغ مرماه، وكان له أدب يقتحم حمى الإجادة، وتزين حلاه حلل الدين والمجادة، فمن ذلك قوله: يا أخي اقبل وصيتي لك أني ... قد خبرت الورى على التحقيق لا تؤمل مهما استطعت سوى الله ولا تتكل على مخلوق ... بل تحفظ من كل ما دب فوق الأرض وأحذر منهم بكل طريق ... ورض النفس بالقناعة واليأس من الناس تحظ بالتوفيق ... إنما الناس في زمانك يا ... صاح فريق مغرى بضر فريق (٣)

стр. 26

فادر اكؤس المداراة حلما ... لعدو مبارز وصديق واجعل الزاد يا مسافر تقوى الله واجعل هداه أولى طريق ... وقال رحمة الله عليه: عليك بأعمال القناعة والرضى ... بما قدر الرحمن إن كنت ذا حلم ولو لم يكن للمرء في مقتضاهما ... من الخير إلا راحة القلب والجسم وقال رحمة الله عليه (١) : [٤ب] إذا لم يكن للمرء مال فما له ... لعمرك عند الناس قدر ولا حظ وان هو أبدى حكمة وبلاغة ... وفصل خطاب لم يحسن له لفظ وقال أيضا رحمه الله تعالى: قوام العيش في جدة وأمن ... وصحة إنها أقصى الأماني وأوفاهن للدارين أمن ... فوال السعي في طلب الأماني ٢ - الخطيب الصالح أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن [أبي] العاصي (٢) التنوخي رحمه الله تعالى (٣) : سابق في حلبة العلم والدين، بشهادة تلك الميادين، رأى الله تعالى تقلب وجهه الوجيه في الساجدين، فوسمه بسمة الهادين المهتدين، اغربت طريف (٤)

стр. 27

منه بطرفة رائقة ورغبت منه في رغيبة (١) فائقة، وقذف بحرها منه بدرة (٢) بزينة الحضرة لائقة، فاتخذها دارا وملا هالتها ابدارا، وصعد منبرها تجلو الخطوب خطبه، ويهز جذعه فيتساقط رطبه، وحمل نفسه على الجود بالحاضر الموجود، لا يلفي شيئا إلا بذله، غي مصغ إلى من عذله، فجلب إليه (٣) القلوب واستمالها، ولم يدع غاية إلا استمى لها، وكان يلم بيسير الأبيات، ويبدي جيادها رائقة الشياة، فمن ذلك قوله رحمة الله عليه (٤) : اعمل بعلمك تؤت حكما إنما ... جدوى علوم المرء نهج الأقوم وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ... يعمل به فكأنه لم يعلم وقال أيضا رحمه الله تعالى وقد احسن: دنياك مهما اعتبرت فيها ... كجيفة عرضة انتهاب إن شئتها فاحتمل أذاها ... واصبر عليها مع الكلاب (٥آ) وقال موطئا على البيت الأخير: (٥) أمولاي أنت الكريم العفو ... لبذل النوال وللمعذره علي ذنوب وتصحيفها ... ومن عندك الجود والمغفره

стр. 28

٣ - الخطيب (١) الصالح أبو جعفر احمد بن الحسن بن علي الكلاعي المعروف بابن الزيات (٢) ﵀ ونفع (٣) به آمين: رحلة الوطن، وملقى العطن (٤) ، وخبيئة العناية التي لا يعثر عليها إلا أهل الفطر السليمة والفطن، والخطيب الذي إذا نطق اخرس سحبان، وإذا رجح خف متالع وأبان (٥) وإذا تاوه بذكر الله تعالى تأرج الهندي والبان، والولي الذي تضرب آباط مطيها إليه الركبان، حثا في وجوه السابقين ثانيا من عنان سيره، وجمع من شروط الخطابة ما تفرق في غيره، صورة أنشأها الله في احسن تقويم، ومجتلى احب إلى العيون من سنة التنويم، ولسانا يرمي البلابل بالعي، ويوقفها إذا ادعت نسب الفصاحة موقف الدعي، وخشوعا يعلم غلاظ الكبود معاملة المعبود، ونغمة بالسبع المثاني، تزري (٦) بنغمات المثالث والمثاني، وصدقا يصدع بوعظه الصخر، وانشاء يتمم هذا الفخر، إلى الحفظ الأقوى، والانفراد بإحراز قصب السباق في مجال البر والتقوى. وهذه الشروط قلما اجتمعن في سواه، ولا اطعن إلا خافق لواه، وكان يتدفق بالشعر تدفق البحر

стр. 29

الزاخر، ويتكل معربا في هذا الزمان المستاخر، ومثواه بالأندلس كعبة المفاخر، بشهادة العظم الناخر. ومن شعره (١) : شهود ذاتك سر عنك محجوب ... لو كنت تدركه لم يبق مطلوب علو وسفل ومن هذا وذاك معا ... دور (٢) على نقطة الأشراف منصوب (٥ ب) ومنزل النفس منه ميم مركزه ... إن صح للغرض الطيني مرغوب وان تناءت مساويها فحيزها ... أوج الكمال وتحت الأوج تقليب والروح ان لم تخنه النفس قام (٣) به ... في حضرة القدس تخصيص تقريب ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: برق بآفاق المعارف لاحا ... حيا (٤) الجسوم وجرح الأرواحا ولوى عليها من سناه سرداقا ... أحيت (٥) مباسمه ندى وسماحا نشرت بنود العز من تلقائه ... نشرا غدا في الصالحات وراحا وأقام منه عليه برهانا أبت ... أنواره إلا هدى وصلاحا ما لم يفدك العقل تبصرة بما ... أومى إليه ويورث استمناحا فالعقل في حكم الهوى ولذاك لم ... ينفض بميدان النفاذ (٦) جناحا فانظر بعقلك هل ترى من كائن ... إلا ويفصح بالهدى إفصاحا وارجع إلى النظر الصحيح ولا تدع ... سر العناية لا يفيد فلاحا

стр. 30

واكسر زجاج الحس تعويلا على ... (١) روحية المعقول ان تلتاحا أو ما تحن إلى فراديس العلا ... فتشد في طلب الكمال وشاحا ولقد دعاك إليه (٢) مصطف الهدى ... واراك من سبحاته مصباحا فكففت (٣) إلا عن متابعة الهوى ... وأبيت إلا كبوة (٤) وجماحا ومن مستحسن قوله رحمه الله تعالى ورضي عنه (٥) : دعني على حكم الهوى اتضرع ... فعسى يلين لي الحبيب ويخشع إني وجدت أخا التضرع فائزا ... بمراده ومن الدعا ما يسمع واها (٦) وما شيء بأنفع للفتى ... من أن يذل عسى التذلل ينفع فامح اسم نفسك طالبا إثباته ... واقنع بتفريق لعلك تجمع (٦آ) واخضع فمن أدب المحب خضوعه ... ولربما نال المنى من يخضع ومن ذلك قوله (٧) : مالي بباب غير بابك موقف ... كلا ومالي عن فنائك مصرف هذا مقامي ما حييت فان أمت ... فالذل مأوى والضراعة مألف غرضي وأنت به عليم لمحة ... تدع الشتيت الشمل وهو مؤلف وعليك ليس على سواك معولي ... جاروا علي لأجل ذا أو أنصفوا

стр. 31

ومن المقطوعات في التجنيس قوله رحمه الله تعالى (١) : يقال خصال أهل العلم ألف ... ومن جميع الخصال الألف سادا ويجمعها الصلاح فمن تعدى ... مذاهبه فقد جمع الفسادا وقال أيضا (٢) : واغلب هوى النفس لا يغررك عاجله ... (٣) فكل شيء يحط القدر منها جا إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدا ... فاسلك من العمل المرضي منهاجا وثبت له في كتاب المحلى نثر أشف من نظمه (٤) رحمه الله تعالى آمين: ٤ - الأستاذ الخطيب أبو الحسن علي بن عمر بن حسين القيجاطي شيخنا (٥) رحمه الله تعالى: روض المعارف الذي جعل الله أزاهره الفنون، وثدي الفوائد أرضعها الآباء والبنون، إلى ان كان فطامها المنون، بدر شهدت هالته

стр. 32

الأفق، بحر صرف إليه الآمل (١) الرفق، قل ان يذكر فن الا وركض في مجاله، وأخذه عن رجاله، وكان من الرسوخ والتمكين، حالا من التخلق بالمكان المكين، يرسل النادرة شهابا، وينتهب مجالس الأنس انتهابا، ويتحكم في القول إيجازا واسهابا، خبا بوفاته (٦ب) الكوكب الثاقب، ووريت بمواراته المناقب، ومن شعره في غرض الرثاء: (٢) حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ... تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد وذلك شجو في حناجرنا شجى ... وذلك لهو في ضمائرنا جد أرى أرجل الأرزاء تشتد نحونا ... وأيديها تسعى إلينا فتمتد ونحن أولو سهو عن الامر ما لنا ... سوى أمل إيجابنا عنده جحد وان خطرت للمرء ذكرى بخاطر ... فتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد مصاب به قدت قلوب وانفس ... لدينا إذا في غيره قطعت برد تلين له الصم الصلاب وتنهمي ... عيون ويبكي عنده الحجر الصلد فلا مقلة ترنو ولا أذن تعي ... (٣) ولا راحة تعطو ولا قدم تعدو وقد كان يبدو الصبر منا تجلدا ... فهذا مصاب صبرنا فيه لا يبدو ومن شعره في غرض العتاب (٤) : روض المشيب تفتحت ازهاره ... حتى استبان ثغامه وبهاره ودجى الشباب قد استبان صباحه ... وظلامه قد لاح فيه نهاره

стр. 33

فأتى حمام لا يعاف وقوعه ... ومضى غراب لا يخاف مطاره والعمر مثل البدر يونق حسنه ... حينا ويعقب بعد ذاك سراره ما للإخاء تقلصت أفياؤه ... ما للصفاء تكدرت آثاره والحر يصفح إن أخل خليله ... والبر يسمح ان تجرأ جاره فتراه يدفع إن تمكن جاهه ... وتراه ينفع ان علا مقداره تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت زنداً والحياء سواره ولانت تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت ممن طاب فيك إزاره والهجر ما بين الأحبة لم يزل ... ترك الكلام أو السلام مثاره (٧ا) ولكم تجافى عن جفاء خليله ... فطن وقد ظفرت به أظفاره ولكم أصر على التدابر مدبر ... أفضى إلى ندم به إصراره فأقام كالكسعي بان نهاره ... أو كالفرزدق فارقته نواره أنكرتم من حق معترف لكم ... بالحق ما لا ينبغي إنكاره والشرع قد منع التقاطع نصه ... قطعا وقد وردت بذا (١) أخباره والسن سن تورع وتبرع ... وتسرع لتشرع تختاره ما يومنا من أمسنا قدك (٢) اتئد ... ذهب الشباب فكيف يبقى عاره هلا حظرتم أو حذرتم منه ما ... فرض عليكم حظره وحذاره عجبا لمن يجري هواه لغاية ... محدودة إضماره مضماره يأتي ضحى ما كان يأتيه دجى ... فكأنه ما شاب منه عذاره فيعد ما تفنى به حسناته ... ويعيد ما تبقى به أوزاره

стр. 34

فالنفس قد أجرته ملء عنانها ... يشتد في إحضارها إحضاره والمرء من إخوانه في جنة ... بل جنة تجري بها أنهاره فاليمن قد مدت إليه يمينه ... واليسر قد شدت عليه يساره شعر به أشعرت بالنصح الذي ... يبديه من أشعاره إشعاره ولو اختبرتم نقده بمحكه ... لامتاز بهرجه وبان نضاره هذا هدى فبه (١) اقتده تنل الرضى ... أو أنت في هذا وما تختاره وعليكم مني سلام مثل ما ... أرجت بروض يانع أزهاره ٥ - الصوفي المتاله أبو عمرو محمد بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن عباد (٢) النفزي (٣) ﵀ صوفي صافاه المصافي، أورده من عين اليقين في الزلال الصافي، فقال: (٧ب) من أنا ومن أوصافي، مهما حكمت إنصافي، وبرز إلى الأهوال فقارع أبطالها، وإلى المشاهدات يشكو مطالها، وفر (٤) من الشواغل التي تشوش الوقت، وتجلب (٥) المقت، فما أبقى جدة تنسب،

стр. 35

ولا لحظة عليه تحسب، ورقي من التأله (١) في سفينة بعدما عابها، وعانى الطريقة فاقتحم شعابها، وكان له حظ من العلم غير منزور، وشعر لا يرمى بسهمه غرض زور؛ فمن ذلك قوله: هذا العقيق فسل معاطف بأنه ... هل نسمة عادته من نعمانه واسأله ان زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلميين أو سكانه وأصخ لحسن حديثها واعده للمضنى ففيه البرء من أشجانه ... يا حبذا ذاك الحديث وحبذا ... من قد رواه وحبذا ببيانه وسقى الإله زمانه ومكانه ... ويعز قدر زمانه ومكانه يا سعد ساعد مستهاما فيه لا ... ذقت الهوى ونجوت من عدوانه وأصخ لمل يجلو (٢) الوجود عليك من ... أنبائهم بلسان حال بيانه وأبنه لي واقبل ذماي بشارة ... ويقل بذل ذماي في تبيانه وسل النسيم يهب من واديهم ... بشذا خزاماه وطيب ليانه ارحم بروح منه روحي تحيه ... وبسقمه سقمي فديتك عانه وبنشره انشر نفس مشتاق قضت ... شوقا لنفحة هبة من بانه يا سعد حدثني حديثا عنهم ... ويجل قدر الحب عن نسيانه يا سعد طار حنيه واملأ مسمعي ... من سره إن شئت أو إعلانه أنا في الغرام أخوك حقا والفتى ... لا يكتم الأسرار عن إخوانه قل كيف وادي واد سكان الحمى ... ومنى أمانيه وروض أماته (٨آ) هل قلصت أيدي النوى من ظله ... أو ما جرى هل عاث في جريانه

стр. 36

وهل الربوع أو أهل بحمى (١) لهم ... فسقى الربوع الودق من هتانه وهل التقى بان على عهد الهوى ... وهل اللوى يلوي بعود زمانه وبروض السهم عهدت نضارة ... نزهت منها القلب في بستانه وارى هجير الهجر اذبل يانعا ... منه وأذوى الغض من ريحانه أحال (٢) حال الأنس فيه وحشة ... وطوى بساط الأنس (٣) في هجرانه واها ووالهفي وويحي ان مضى ... عهد عرفت الأنس في أزمانه وباجرع العلمين من شرقيه ... حب غذاني حبه بلبانه حاز المحاسن كلها فجمعن لي ... كل الهوى وحملت (٤) كل هوانه وزها علي بعزه فبواجب ... أزهى (٥) بذلي في يدي سلطانه وقضى بان اقضي وليت بما قضى ... يرضى فطيب العيش في رضوانه واختار لي أن لا أميل لسلوة ... عن حبه فسلوت عن سلوانه يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي ... تبغي السلو ولات حين أوانه غلب الغرام وعز سلطان الهوى ... فالكل فيه علي من اعوانه فعلام تعتب مستهاما كل ما ... في الكون عاذره على هيمانه دع عنك لومي إنني لك ناصح ... أبدى الجمال العذر عن هيمانه وإذا الفتى قام الجمال بعذره ... في الحب فاتركه وثني عنانه من سام قلبي في هواه سلوة ... قد سامه ما ليس في إمكانه

стр. 37

وقال أيضا رحمه الله تعالى: يا للرجال الأحب يساعدني ... في ذا الغرام فابكيه ويبكيني غلبت فيه وما أجدت مغالبتي ... وهنت، والصب أولى الناس بالهون (٨ب) ركبت لجته وحدي فأدهشني ... وتهت في بيده فردا فدلوني واضيعة العمر والبلوى مضاعفة ... من بين يأس وآمال ترجيني والهف نفسي إن أودت وما ظفرت ... (١) في ذا الهوى بتمن أو بتامين وليت شعري وعمري ينقضي طوعا ... في الحب ما بين مغلوب ومغبون هل للألى ملكوا رقي وقد علموا ... بذلتي وافتقاري أن يواسيني فكم أكفكف دمعي بعدهم وارى ... مجددا نار يأسي وهي تبليني وكم أمر على الأطلال اندبها ... وبالمنازل من خيف ودارين وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمه ... الأهم علمهم بالحال يكفيني أهمي المدامع كي أروى فتعطشني ... (٢) والزم الذكر للسلوى فيشجيني وكل من لمحت عيني أسائله ... عنهم فيغري بهم (٣) قلبي ويغريني يا أهل نجد ومجدي (٤) ان احبكم ... لا اطلب الوصل عز الحب يغنيني هل في الهوى من سبيل للمنى فلقد ... (٥) عزت امانيه في النيا وفي الدين

стр. 38

وقال أيضا: رحمه الله تعالى: سري يسر (١) اليك انك تاركي ... نفسي فداك للطفك المتدارك يا مالكي ولي الفخار فإنني ... لك في الهوى ملك وانك مالكي الترك هلكي فاعفني منه وعد ... بالوصل تحي ذما محب هالك واعد جميلا في الهوى عودتني ... إن لم تعده إلي من للهالك يا منية القلب الذي بجماله ... فتن الورى من فاتك أو ناسك أأتيه دونك أو أحار وفي سنا ... ذاك الجمال جلا الظلام الحالك ولكم سلكت إليك لكن حين لم ... تكن الدليل اختل قصد السالك ولقد عرفت بستر سري في الهوى ... فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك (٩ ا) ما الستر إلا ما يحوك رضاك لا ... ما حاكه للستر كف الحائك ما الفصل إلا ما حكمت به فعد ... واهتك وصل إن شئت أو كن تاركي مالي سوى حبيك يا حبي فدع ... تركي فهلك الملك ترك المالك

стр. 39

٦ - الشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله محمد بن احمد الساحلي (١) نفع الله ببركاته آمين. علم العباد، بين البلاد والعباد، ومحج العاكف والباد، من المتقربين إلى الله تعالى برمي جمار الدموع وهدي الاكباد، قد قسمت زمانه الاوراد، وتعينت له الإشارة في وقته والانفراد، وكان أصحابه يخبرون بمشاهدته الصورة المحمدية عيانا، وتلقيه المراشد من لدنها أحيانا؛ وقدر هذا الرجل اشهر، وفضله اظهر، من ان يطريه القلم أو يعرف به وهو العيلم (٢) ؛ وكان يلم بالشعر عادلا عن المقاصد المتركة، ونجلب منه بقصد البركة، قوله: إن كنت تطلب أن تنال وصالهم ... فامح الهوى في القيل والأفعال واصبر على مر الدواء فإنه ... يأتيك بعد بخالص السلسال

стр. 40

٧ - الخطيب أبو القاسم محمد بن احمد بن جزي الكلبي شيخنا (١) رحمه الله تعالى ورضى عنه: قريع أصالة قديمة، وبارق ديمة، وذخيرة في صوان أقطار عديمة، تفخر منه الحضرة بقرى مائها وهوائها، ونيرها الذي استقل بخط استوائها، والحر يسر بقريع نجاره، وفضل اتجاره، ويفرح بنجابة ولده اكثر منه بولد جاره، كان ﵀ كثير الاجتهاد، منكب الهاد (٢) ، متوصلا لوصال السها بالسهاد، وهجر المهاد، فدون وصنف، وقرط المسامع وشنف، وتقدم بالجامع الأعظم خطيب حفله، وأمام (٩ب) فرضه ونفله، مع توفر اهاه، وتعدد شيخه في الاختيار وكهله، فوقع عليه الاتفاق، وانعقد (٣) الاصفاق، وعقد له في عصا منبره اللواء الخفاق، ولم يزل يقيم الرسوم تدريسا وتعليما، وردا وتسليما، ويسرح في روض المعارف مسيما، إلى ان استشهد (٤) في الوقيعة
следующие страницы →