مقدمة
١ - اسم الكتاب
اسمه كما جاء على الورقة الأولى من المخطوطة " كتاب التقريب لحد المنطق، كلام الرئيس الأوحد ارسطاطاليس وغيره، مما عني بشرحه الفقيه الإمام الأوحد الأعلم أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم؟ ". وقد أشار إليه ابن حزم مرات في كتابه الفصل في الملل والنحل فقال في باب عن ماهية البراهين " هذا باب قد أحكمناه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام " (١) . وقال في موضع آخر " " هذه شغبية قد طالما حذرنا من مثلها في كتبنا التي جمعناها في حدود المنطق " (٢) فأطلق اسم " الكتب " على هذا الكتاب لأنه مؤلف من كتب ثمانية؛ وذكره مرة ثالثة في الفصل فقال: " وبينا في كتاب التقريب لحدود الكلام أن الآلة المسماة الزرافة؟ الخ " (٣) وقال مرة رابعة " على حسب المقدمات التي بيناها في كتابنا الموسوم بالتقريب في مائية البرهان " (٤) فأشار في هذه التسمية إلى بعض جزء من الكتاب.
وقد ورد ذكر هذا الكتاب فيما ألفه ابن حزم الأندلسي عند كل من الحميدي في الجذوة وصاعد في طبقات الأمم. فقال الحميدي: " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه والألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، فانه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب
стр. 2
الممخرقين به طريقة لم يسلكها احد قبله فيما علمناه " (١) وهذه التسمية هي أدق، ما هنالك وهي بعينها مثبتة كاملة على الورقة (٥٥) من كتاب التقريب. أما صاعد فقال: " فعني بعلم المنطق وألف فيه كتابا سماه التقريب لحدود المنطق بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف واستعمل فيه أمثلة فقهية وجوامع شرعية وخالف ارسطاطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا اتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بين السقط " (٢) ويبدو ان ابن حيان مؤرخ الأندلس اطلع على قول صاعد هذا فردده دون ان يذكر اسم التقريب إذ قال: " كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من انواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة لم يخل فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور على الفنون، لا سيما المنطق، فانهم زعموا انه زل هنالك، وضل في سلوك المسالك، وخالف ارسطاطاليس واضعه، مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه " (٣) .
وقد اتفق صاعد وابن حيان على القول بان ابن حزم اخطأ في فهم بعض الأصول من كلام ارسطاطاليس، ورأياهما رأي واحد لاعتماد الثاني منهما على الأول. وهذه مسألة سأعرض لها فيما يلي.
٢ - متى ألف هذا الكتاب
إن إشارات ابن حزم إلى كتاب الفصل لا تدلنا على أن " التقريب " سابق للفصل في الزمن، فقد لحظنا في الفقرة السابقة انه أشار أيضا إلى التقريب في كتاب الفصل نفسه، وهذا قد يدل على أنه توفر الكتابين دون استيفاء لأحدهما قبل الآخر وأنه كان يراوح العمل فيما بينهما.
وهو في كتاب التقريب يحيل أيضا على كتابين آخرين وهما: كتاب السياسة وكتاب أخلاق النفس. ولا نعرف تاريخ تأليفه لهذين الكتابين أيضا ولكن ان التقريب سابق لهما لأنه إذا ذكرهما قال " على ما نبين في؟ " فعلق كلامه بالمستقبل، ودل على
стр. 3
انه لم يكن قد اخذ في تأليفها حينئذ وإنما حدد لنفسه منهجا هنالك.
ويقول ابن حزم في التقريب: " وما ألفنا كتابنا هذا وكثيرا مما ألفنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الموطن والأهل والولد مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا " (١) . وهذا القول على ما فيه من فائدة لا يحدد شيئا دقيقا وإنما هو ينبئنا بأن التقريب كغيره من سائر مؤلفات ابن حزم كتبت بعد مفارقة قرطبة وبدء التنقل في بلدان الأندلس.
وفي التقريب إشارات هامة تومئ إلى التوقيت الزمني، وهي:
١ - يروى ابن حزم حكاية عن مؤدبه احمد بن محمد بن عبد الوارث، ويترحم عليه (٢) ولكنا للأسف لا نستطيع الاستفادة من هذه الحقيقة لأني لم اعثر على تاريخ لوفاة هذا الرجل.
٢ - يتحدث ابن حزم في الكتاب عن حادث اعتقاله على يد المستكفي (٣) لان ابن حزم كان يوالي المستظهر وقد تم هذا في سنة ٤١٤ أو أواخر ٤١٣ في اكثر تقدير.
٣ - يذكر ان صديقه ابن شهيد ألف كتابا في علم البلاغة أثناء كتابته هو لكتاب التقريب (٤) وقد توفي ابن شهيد سنة ٤٢٦ وتعطل عن الأليف قبل ذلك بعام أو اكثر. وهذا يعين أن كتاب التقريب أو بعض فصول منه كتب قبل ذلك.
ونضيف إلى هذه الإشارات قول صاعد: " وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيرا لعبد الرحمن المستظهر؟ ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فعني بعلم المنطق؟ وأوغل بهد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة " (٥) فهو لم يبدأ دراساته حسب قول صاعد إلا بعد سنة ٤١٤، وكان المنطق من أول العلوم التي أقبل عليها.. " وبعد " ذلك أوغل في علوم الشريعة مستكثرا منها، وكل هذه الشواهد مجتمعة تجعل تاريخ للتقريب بعد عام ٤١٥ وقبل عام ٤٢٥هـ.
٣ - دواعي تأليفه
قضى ابن حزم جانبا من شبابه وهو يطلب العلم في قرطبة حتى سنة ٤٠١. وقد أثر في نفسه في ذلك الدور المبكر من حياته ما سمع بعض الأغرار يقولونه في المنطق والعلوم
стр. 4
الفلسفية عامة دون تحقيق، وأولئك هم اللذين عناهم بقوله: " ولقد رأيت طوائف من الخاسرين شاهدتهم أيام عنفوان طلبنا، وقبل تمكن قوانا في المعارف، وأول مداخلتنا صنوفا من ذوي الآراء المختلفة، كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين أنتجه بحث موثوق به على ان الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة " (١) ولعل بيئة قرطبة والأندلس عامة - يومئذ بمعاداتها لعلوم الأوائل - هي التي حفزت حب الاستطلاع لديه فجعلته يدرس الفلسفة والمنطق، ومن ثم قوي لديه الشعور بأن العلوم الفلسفية لا تنافي الشريعة، بل ان المنطق منها خاصة يمكن أن يتخذ معيارا لتقويم الآراء الشريعية وتصحيحها، وكان اتجاهه إلى مجادلة أهل المذاهب والنحل الأخرى يفرض عليه أن يتدرع بقوة منطقية في المناظرة والجدل. وهاتان الغايتان كانتا من أول العوامل التي حدت به إلى التأليف في المنطق ليثبت عدم التنافي بينه وبين الشريعة وليعزز به موقفه العقلي إزاء الخصوم ويضع فيه القواعد الصحيحة للجدل والمناظرة ويبين فيه حيل السفسطة والتشغيب.
وظل ابن حزم على رأيه هذا يؤمن بفائدة المنطق والفلسفة وسائر علوم الأوائل؟ ماعدا التنجيم -. فهو في رسالة " مراتب العلوم " ينصح الدارس أن يبدأ بعد تعلم القراءة والكتابة وأصول النحو واللغة والشعر والفلك، بالنظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف ما البرهان وما الشغب كلها ويميزها من الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب (٢) . ويسأله أحدهم رأيه في أهل عصره وكيف انقسموا طائفتين: طائفة اتبعت علوم الأوائل وطائفة اتبعت علم ما جاءت به النبوة ويطلب إليه ان يبين له أيهما المصيب، فيقول في الجواب: اعلم؟ وفقنا الله وإياك لما يرضيه - أن علوم الأوائل هي الفلسفة وحدود المنطق التي تكلم فيها أفلاطون وتلميذه ارسطاطاليس والاسكندر ومن قفا قفوهم، وهذا علم حسن رفيع لأنه فيه معرفة العالم كله بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه، إلى أشخاص جواهره وأعراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به وتمييزه مما يظن من جهل أنه برهان وليس برهانا، ومنفعة هذا العلم عظيمة في تمييز الحقائق مما سواها؟ (٣)
стр. 5
فهذا الإيمان بفائدة علوم الفلسفة والنطق هو الذي جعل ابن حزم بعد درسه لها، يحاول أن يوصل ما فهمه منها مبسطا إلى الآخرين. وقد كسب له هذا الاتجاه عداوة الفريق الذي كان يكره الفلسفة والمنطق، وهو يومئذ الفريق الغالب في الأندلس. واتخذ أعداؤه هذه الناحية فيه محطا لهجماتهم، ومن أمثلة ذلك أن أحد الناقمين كتب إليه كتابا غفلا من الإمضاء، اتهمه فيه بأن الفساد دخل عليه من تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب اقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين. فكتب ابن حزم يقول في الجواب: أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق واقليدس والمجسطي: أطالعها أيها أنكرت ذلك على نفسك؟ وأخبرنا عن الإلحاد الذي وجدت فيها ان كنت وقفت على مواضعه منها، وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر مالا تعرف (١) وأصبح ابن حزم يعتقد أن فائدة المنطق أمر لا يرتاب فيه منصف لانها فائدة غير واقفة عند حدود الاطلاع والرياضة الذهنية بل تتدخل في سائر العلوم الديانة والمقالات والأهواء وعلم النحو واللغة والخبر والطب والهندسة وما كان بهذا الشكل فانه حقيق ان يطلب وان تكتب فيه الكتب، وتقرب فيه الحقائق الصعبة.
وغدا هذا الإيمان بقيمة المنطق وفائدته؟ ابتداء - حافزا قويا للتأليف فيه. الا ان ابن حزم واجه في دراسته لهذا العلم صعوبتين فلم لا يحاول تذليلهما للقارئ الذي يود الانتفاع بدراسة المنطق: الأولى تعقيد الترجمة وإيراد هذا العلم بألفاظ غير عامية، ويعني ابن حزم بالعامية الألفاظ الفاشية المألوفة التي يفهمها الناس لكثرة تداولها، فليكتب، اذن كتابا قريبا إلى الإفهام " فان الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله ان يسهله جهده ويقربه بقدر طاقته ويخففه ما أمكن " (٢) . وهو يحسن الظن بالمترجمين ويرى أن توعيرهم للألفاظ هو شح بالعلم وضن به يوم كان الناس جادين في طلبه يبذلون فيه الغالي والنفيس. الصعوبة الثانية: ان المناطقة قد درجوا على استعمال الرموز والحروف في ضرب الأمثلة. ومثل هذا شيء يعسر تناوله على عامة الناس فليحول ابن حزم الأمثلة من الرموز إلى أخرى منتزعة من المألوف في الأحوال اليومية والشريعية. وهو يحس بخطر ما هو مقدم عليه. ويعتقد انه أول من يتجشم هذه المحاولة.
стр. 6
ولم يكتب ابن حزم هذا الكتاب الا بعد ان حفزه كثير من الدواعي في الحياة اليومية، وإلا بعد ان وجد الحاجة ماسة إلى المنطق في النواحي العملية من علاقات الناس وتفكيرهم، فهو قد لقي من ينعته بالسؤال عن الفرق بين المحمول والمتمكن، ولقي كثيرا من المشتغبين الآخذين بالسفسطة في الجدل، وواجه من يسومه ان يريه العرض منخولا عن الجوهر، وقرأ مؤلفات معقدة لا طائل تحت تعقيدها، ورأى من يدعي الحكمة وهو منها براء فأراد لكتابه أن يكون تسديدا لعوج هذه الأمور وإصلاحاً لفسادها، وردا على المخالفين والمشغبين وإقامة للقواعد الصحيحة في المناظرة، وهي يومئذ شغل شاغل لعلماء الأندلس.
- ٤مصادر الكتاب
منذ أن بدأ دور الترجمة في تاريخ الفكر العربي بدأ النقلة ومن بعدهم من الشراح يهتمون بكتب ارسطاطاليس المنطقية. وينسب إلى ابن المقفع انه نقل ثلاثة من كتب المنطق الارسطاطاليسي وهي قاطيغورياس وبارى ارمينياس وأنولوطيقا، وأنه ترجم المدخل المعروف بايساغوجي؟ وعبر عما ترجم من ذلك بعبارة سهلة قريبة المأخذ (١) . ويذكر طيماثاوس الجاثليق الذي اتصل بالرشيد والمأمون ان الخليفة " امرنا بترجمة كتاب طوبيقا لأرسطو الفيلسوف من السريانية إلى العربية. وقد قام بذلك بعون الله الشيخ أبو نوح " (٢) . ويرى طيماثاوس ان الترجمات التي تمت قبل ذلك كانت غثة لا من ناحية الألفاظ فحسب بل من ناحية المعاني. وقد ترك لنا صاحب الفهرست صورة من جهود النقلة والشراح المختصرين للكتب المنطقية الثمانية (٣) . وهو بيان يدل على ما بذله كل من الكندي واحمد بن الطيب وثابت بن قرة ومتى بن يونس القنائي والفارابي ويحيى بن عدي وغيرهم في هذا الميدان:
١ - فأما الكندي فان له رسالة في المدخل مختصرة موجزة ورسالة في المقولات العشر، ورسالة في الاحتراس من خدع السوفسطائيين، ورسالة في إيجاز واختصار البرهان المنطقي.
стр. 7
٢ - وأما تلميذه احمد بن الطيب فقد اختصر كلا من فاطيورياس وباري أرمنياس وانالوطيقا الأول والثاني، وايساغوجي. وله كتاب في الصناعة الديالقطية أي الجدلية على مذهب ارسطاطاليس من كتاب سوفسطيقا لارسطاطاليس.
٣ - ولثابت كتاب باريمنياس، وجوامع كتاب انالوطيقا الاولى، واختصار المنطق ونوادر محفوظة من طوبيقا وكتاب في اغاليط السوفسطائيين.
٤ - وانتهت رياسة المنطقيين إلى متى في عصره وكان اكثر جهوده موجها إلى النقل، كما انه فسر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها، وعليها يعول الناس في القراءة، وله شرح إيساغوجي.
٥ - وأبعدهم أثراً في الدراسات المنطقية هو الفارابي، وهو لم يكن مترجما ولكنه وضع الكتب المنطقية في شكل معتمد، وفسرها بعبارات واضحة نالت إعجاب من جاءوا بعده وأصبحت كتبه المرجع المفضل في هذا الباب.
٦ - وتتلمذ عليه وعلى متى منطقي آخر أصبحت له الرياسة بعدهما في المنطق وهو يحيى بن عدي. ومن يحيى استمد أبو سليمان المنطقي أستاذ التوحيدي وشيخ تلك العصبة من التلامذة الذين كتب مقالة في اغراض كتب ارسطاطاليس ومقالة في معاني إيساغوجي وكتاب اللبس في الكتب الأربعة في المنطق.
تلك هي الحال في المشرق. أما في الأندلس فان الإقبال على الفلسفة والمنطق قبل عهد الحكم المستنصر كان ضعيفا، فكان اشهر من عني بالدراسات الفلسفية عامة قبل الفتنة البربرية (٣٩٩) هو أبو القاسم مسلمة بن احمد المرحيطي وعليه تتلمذ بعض المشهورين من حكماء الأندلس، ولكنه هو واكثر تلامذته اتجهوا اتجاها رياضيا مع بعض اهتمام بالأمور المنطقية وقد شاركه هذا الاهتمام الطبقة الأولى من دارسي المنطق في الأندلس وهم: ابن عبدون الجبلي وعمر بن يونس بن احمد الحراني واحمد بن حفصون وأبو عبد الله محمد ابن إبراهيم القاضي وأبو عبد الله محمد بن مسعود البجاني ومحمد بن ميمون المعروف بمركوس وسعيد ين فتحون السرقسطي، وعلى هؤلاء درس ابن الكتاني، شيخ ابن حزم (١) . ونضيف إلى هؤلاء من الأندلسيين المهتمين بالمنطق ملحان بن عبيد الله بن سالم
стр. 8
وكان له نظر في حد المنطق ومطالعة لكتب الفلسفة، والرباحي وقد نظر في المنطقيات فاحكمها (١) واثنين من اليهود وهما منجم بن الفوال من سكان سرقسطة، وقد ألف كتابا في المنطق على طريقة السؤال والجواب، ومروان بن جناح، ولم يذكر له في المنطق تأليف معين (٢) .
وعلى هذا يكون ابن حزم من رجال الطبقة الثالثة الذين توفروا على الدراسات المنطقية في الأندلس، بل لعله أن يكون أبرزهم في عصره. ولا استبعد ان يكون شيخه ابن الكتاني ذا اثر بعيد في توجهه إلى هذه الدراسات فانه يتحدث عنه في كتبه بإعجاب وتقدير (٣) .
لكن إلى أي حد كانت الترجمات والشروح والمختصرات المشرقية معروفة في الأندلس؟ لا القاضي صاعد يحدثنا بشيء من ذلك، ولا ابن حزم في كتاب التقريب يشير إلى شيء واضح دقيق، وكل ما نستطيع ان نقوله في هذا الصدد لا يعدو الفرض والتقدير. ولنا ان نفترض ان المشارقة الراحلين إلى الأندلس مثل الحراني، والأندلسيين الراحلين إلى المشرق مثل ابن عبدون الجبلي قد نقلوا معهم فيما نقلوه من كتب شيئا من الترجمات في المنطق. ولا يبعد أن يكون ابن حزم قد أفاد شيئا منها وعول عليها كما عول على بعض مؤلفات الأندلسيين أنفسهم. وانه ليقول في بعض تعليقاته في التقريب: " قال الشيخ: هذه عبارات المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على ان الرسم ليس مأخوذا من الأجناس والفصول وإنما هو مأخوذ من الاعراض والخواص " (٤) . وقد استوقفتني عبارته هذه لأنها تتحدث فحسب عن " المترجمين "؟ بصيغة الدمع - وإنما لأنه صدرها بقوله: قال الشيخ، فمثل هذا التصدير ليس مما يجري في كتب ابن حزم. ثم هداني البحث إلى عبارة في " كتاب الرد على المنطقيين " لابن تيمية جاء فيها: " ولتعظيمه؟ يعني ابن حزم - المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية " (٥) . وقد حلت هذه العبارة بعض المشكلات وخلقت أخرى، اطلعتنا على المصدر الذي استغله
стр. 9
ابن حزم في كتابه هذا، وجعلتني اعتقد أن كلمة " الشيخ " ربما تشير إلى متى المنطقي نفسه. غير ان ابن حزم لم يذكر شيئا عن متى هذا في هذه النسخة، أترى النسخة التي بين أيدينا مفتقرة إلى ذلك السند؟؛ ويحق لنا في هذا الموقف ان نتساءل: هل اطلع ابن تيمية على كتاب التقريب وان كان قد فعل فلم يناقش ابن حزم كما ناقش غيره من أنصار المنطق؟ اكبر الظنان انه اطلع عليه ولكنه لم يكن بين يديه حين ألف كتابه، أو انه لم يكن يرى في كتاب مغربي خطرا على الفكر المشرقي، فاكتفى بمهاجمة كتب المشارقة والرد عليها.
ثم: أكانت هناك ترجمات أندلسية خاصة غير تلك التي افترضنا ورودها من المشرق؟ ليس هناك جواب حاسم على هذا التساؤل وكل ما نستطيع أن نقدره هنا ان ابن حزم ربما عرف بعض الترجمات اللاتينية فانه كان يعرف هذه اللغة، وقد تعرض لذكرها في مواطن من كتاب التقريب فقال: " ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام " (١) وقال مرة أخرى: " وهذا يستبين في اللغة اللطسنية عندنا استبانة ظاهرة " (٢) وقال في موضع ثالث: " ولهذا المعنى في اللطينية لفظة لائحة البيان " (٣) وليس بغريب أن يعرف ابن حزم اللاتينية فقد كانت حينئذ شائعة في الأندلس، أما اليونانية فلم يكن هنالك من يحسنها ولذلك نجد في التقريب ما يوحي بأنه لا يعرفها (٤) غير أن مما يلفت النظر مناقشة لبعض الآراء على انها مما لم يقل به ارسطاطاليس، فهل استمد هذا من متى المنطقي أو كان يعرف أصولا دقيقة وهو ينقل عمن يسميهم " الأوائل "؟
وهناك مصدرا آخر مشرقي رشك في ان ابن حزم اطلع عليه وهو كتاب؟ أو كتب - من تأليف الناشئ الأكبر أبي العباس المعروف بابن شريشر (- ٢٩٣) . وأبو العباس هذا الشاعر معتزلي ألف في الرد على المنطقيين وهو من أوائل المفكرين الذين حاولوا الطعن في المنطق أرسطو. وقد استشهد به أبو سعيد السيرافي في مناظرته مع متى المنطقي؟ وهي المناظرة التي حفظها أبو حيان في كتاب الإمتاع والمؤانسة - ويبدو مما أورده ابن حزم أن بعض آراء الناشئ كانت نوعا من السفسطة، ولذلك حمل عليه ووصفه بكثرة الهذر.
стр. 10
ولعل الناشئ ممن لفتوا ابن حزم إلى بحث مسألة أسماء الله تعالى لأن الناشئ كان يقول: إن الأسماء " حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق " (١) .
٥ - منهج ابن حزم في التقريب
ورث المناطقة المسلمون عن المدرسيين والشراح الاسكندرانيين وغيرهم ترتيب الكتب المنطقية الارسططاليسية في ثمانية وهذا هو ما وضحه الفارابي توضيحا كافيا في نص تفصيلي نقله ابن أبي أصيبعة (٢) ، سمى الكتاب الأول " المقولات "؟ قاطاغورياس - والثاني: العبارة؟ باريمنياس، والثالث: القياس أو أنالوطيقا الأولى والرابع البرهان أو أنالوطيقا الثانية والخامس المواضع الجدلية أو طوبيقا والسادس: الحكمة المموهة أو سوفسطيقا والسابع: الخطابة أو الريطورية والثامن الشعر أوفويطيقا. وقال الفارابي: والجزء الرابع هو أشدها تقدما للشرف والرياسة، والمنطق إنما التمس به على القصد الجزء الرابع وباقي أجزائه إنما تحمل لأجل الرابع.
وقد سار ابن حزم على هذه القسمة، على نحو مقارب، فقدم قبل الكتب الثمانية القول في المدخل أو ايساغوجي، ثم تناول القول في كتب أرسطاطاليس فسمى الأول، الأسماء المفردة وسمى الثاني كتاب الأخبار؟ وهو الذي دعاه الفارابي باسم " العبارة " وأدرج الكتب الأربعة التالية (٣، ٤، ٥، ٦) في باب واحد وجمعها تحت اسم " البرهان "، ورفض اسم القياس. ومع إيمانه بأن " البرهان " هو الغاية الكبرى فانه لم يمييز " أنالوطيقا الثاني " تمييزا بائنا، وفرق القول في السفطة على عدة مواضع، وقبيل آخر هذا الفصل تحدث عن رتبة الجدال وآداب المناظرة (والفقرة: ١٨) ثم شفع هذه الفقرة بفقرة اخرى (رقم: ١٩) تحدث فيها على أخذ المقدمات من العلوم وقسمها إلى اثني عشر علما ونص على أنه لا يلتزم في هذه القسمة ما جرى عليه المتقدمون. وبعد ذلك كتب فصلين صغيرين اجرى فيهما أحكاما من عنده على البلاغة والشعر ولم يقف عند شيء من آراء ارسطاطاليس.
وقسم الكتاب كله في سفرين، وقف في آخر السفر الأول عند نهاية القضايا القاطعة. وابتدأ السفر الثاني بذكر القضايا الشرطية دون ان يكون لهذه القسمة أية علاقة بطبيعة
стр. 11
الموضوع، ولعله إنما راعى فيها حجم الكتاب نفسه. وقد ذكر في موضع من كتابه (١) انه بناه على الاختصار، ولكنه في الحقيقة كان يطلق العنان لنفسه كلما وجد الموضوع أمامه يسمح بالانطلاق وخاصة في النواحي السلوكية وآداب المعاملة والأمور العقائدية وما شابه ذلك. فإذا دققنا في التقريب لم نجد شرحا لآراء ارسطاطاليس كما كتب على الورقة الأولى، ولكنه في أكثره تبسيط لأقرب الآراء. هذا وإن مقارنة عابرة بين ما كتبه ابن حزم عن البرهان وبين ما كتبه ابن سينا في كتابه البرهان ليدل على شيء من بعد الاحتذاء أو قربه من الأصل الارسطاطاليسي. ومن مقارنات أخرى نرى ابن حزم ينفرد بالمطمح المنطقي في مواطن كثيرة. والنص الذي ذكره الفارابي في أسماء الكتب الثمانية نفسها هو نفسه دليل على ذلك.
٦ - قيمة الكتاب
لم يدع ابن حزم لنفسه شيئا من الابتكار في المنطق بل صرح بأن كتابه هذا يقع تحت النوع الرابع من المؤلفات وهو النوع الذي يتناول شرح المستغلق: " ولن نعدم إن شاء الله ان يكون فيها بيان تصحيح رأي فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس، وتنبيه على أمر غامض، واحتقار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع أشياء متفرقة مع الاستيعاب لكل ما بطالب البرهان إليه اقل حاجة " (٢) .
وقد اتهم ابن حزم؟ كما تقدم - بأنه خالف ارسطاطاليس في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتابه واثبات هذه المخافة مما لا تتسع له هذه المقدمة، ولا تتيحه الظروف، ولكنها مخالفة ليست مستبعدة لعدة أسباب منها:
١ - ان ابن حزم تجاوز التمثيل بالحروف والرموز إلى انتزاع الأمثال من مألوف الحياة ومن الشريعة، ومن هنا يسهل دخول الخطأ وتقوم المخالفة.
٢ - انه صدر في مفهوماته عن مقدمات دينية لم تكن لدى ارسطاطاليس وان شغفه بالتقريب بين المنطق ولشريعة قد يوقعه في الوهم أو الإحالة.
٣ - أنه حكم نظرته الظاهرية في كثير من الأمور فأنكر القياس وأنكر العلية في الأمور الشرعية، وأطنب في بيان المعرفة العقلية، واضعف من قيمة الاستقرار مع أن
стр. 12
ارسطاطاليس يقول: " اننا يلزم أن نعلم الأوائل بالاستقرار وذلك أن الحس إنما يحصل فيها الكلي بالاستقرار ".
٤ - صرح في مواضع من كتابه بأنه لا يتقيد في هذا أو ذاك من الآراء بقول الأوائل.
٥ - استأنس بأحكام مستمدة من طبيعة اللغة العربية نفسها مما هو موجود؟ أو غير متحقق - في لغة اخرى كاليونانية.
ولم يكن ابن حزم منفردا في محاولته تقريب المنطق بالاستكثار من الأمثلة الشريعية ولكن لعله أول من فتح هذا الباب، مثلما حاول ابن سينا استمداد الأمثلة من الطب، ومن بعد جاء الغزالي فعاد يستمد الأمثلة من الفقه فكتاب التقريب يثبت أن الغزالي مسبوق إلى هذه المحاولة.
ومنذ البدء وقف المفكرون الدينيون فرقتين في النظر إلى منطق المعلم الأول. فريق حاولوا الاستقلال عنه وأوجدوا ما يمكن أن يسمى " منطق المتكلمين " وفريق آخر انتصر للمنطق الارسطاطاليسي. وبهذا الكتاب يقف ابن حزم في الفريق الثاني مع الفخر الرازي والغزالي، وعلى النقيض منهم يقف الناشئ والنوبختي والباقلاني وابن تيمية. ومن الطريف ان يقارن المرء بين اثنين متقاربين في المذهب العقائدي تقاربا شديدا مثل ابن حزم وابن تيمية وهما يقفان على طرفين متباعدين في النظر إلى المنطق.
ومهما يكن من شيء فان كتاب التقريب حلقة هامة في تاريخ الفكر لفلسفي الإسلامي عامة وفي تاريخ الفكر الأندلسي خاصة. وفيه إذا تجاوزنا النواحي المنطقية حقائق هامة تمس طبيعة الحياة الفكرية في الأندلس، وبعضها يتصل بشخصية ابن حزم نفسه ونظرته في الحياة والناس. ولا ريب في انه يفتح أمام الدارسين آفاقا جديدة في دراسة المصطلح المنطقي، وفيما خالف ابن حزم به ارسطاطاليس، وينشئ مقارنات بينه وبين الغزالي وابن تيمية وسواهم في نطاق المحاولة التي قام بها، ويدل على الأصل الذي استوحاه ابن مضاء في الرد على النحويين وإنكار العلل النحوية.
- ٧تحقيق التقريب
اعتمدت فيه على نسخة وحيدة اعرف لها ثانية وهي نسخة محفوظة بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس ورقمها: ٦٨١٤، وهي من المخطوطات التي احضرها معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، الفيلم رقم: ٨ فللقائمين عليه شكري لأنهم أتاحوا لي تصويرها.
стр. 13
وتقع المخطوطة في اثنين وتسعين ورقة، في كل صفحة ٢٦ سطرا ومتوسط كلمات السطر الواحد: ١١ كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي دقيق القلم؟ أو متوسط الدقة - وكثير من الكلمات فيها ينقصه الاعجام. ومن ابرز ما فيها ان الناسخ يضع الحرف " ط " فوق الكلمة التي تشير بحذفها أو إسقاطها. وهو يثبت الياء في حال الرفع في كلمات مثل: متناهي. تالي. واهي. وهكذا وقد حذفت هذه الياء حيثما وقعت وأشرت إلى بعض ذلك؟ لا كله - في الحواشي على سبيل التمثيل. كذلك فان الناسخ لا يتقيد بعكس الهدد المفرد مع المعدود فهو يكتب مثلا: ستة أرجل، وقد سمحت لنفسي بتغيير هذا أيضاً. وليس على هوامش النسخة سوى بعض التصويبات وتعليقتين وثلاث.
والنسخة ليست مؤرخة ولكن خطها قد يدل على أنها ربما كتبت في القرن السابع أو قبله بقليل.
وقد بذلت في تصحيحها جهدي، ولكني لم استطع أن أحل كل ما اعترضني فيها من مشكلات (١) ، على إدامة النظر وتكرار المحاولة، والله أرجو أن ينفع بهذا الكتاب بمنه وكرمه.
بيروت في ١٠ تموز (يوليه) ١٩٥٩
إحسان عباس
стр. 14
التقريب لحد المنطق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" اللهم صل على سيد المرسلين
وعلى آل محمد وصحبه وسلم "
قال الإمام الأوحد الأعلم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب ابن صالح بن خلف بن معدان بن يزيد الفارسي:
الحمد لله رب العالمين، بديع السماوات والأرض وما بينهما، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، وصلى الله على محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله إلى عباده من الأنفس الحية القابلة للموت، من الإنس والجن، بالدين الذي اجتبرهم به، ليسكن الجنة التي هي دار النعيم السرمدي من أطاعه ويدخل النار التي هي محل العذاب الأبدي من عصاه؛ وما توفيقنا إلا بالله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، .
أما بعد: فان الأول الواحد الحق الخالق لجميع الموجودات دونه، يقول في وحيه الذي آتاه نبيه وخليله المقدس: ﴿الله الخالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ . (٦٢ الزمر: ٣٩) وقال تعالى ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ (١٩١ آل عمران: ٣) مثنيا عليهم؛ وقال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان﴾ (٣ الرحمن: ٥٥) وقال تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (٣ العلق: ٩٦)
стр. 15
فهذه الآيات جامعة لوجوه البيان الذي امتن به ، على الناطقين من خلقه وفضلهم به على سائر الحيوان، فضلا منه تعالى يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ووجدناه قد عدد في عظيم نعمه على من ابتدأ اختراعه من النوع الانسى تعلمه أسماء الأشياء؛ فقال تعالى: " ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (٣١ البقرة: ٣) وهو الذي بانت به الملائكة والإنس والجن من سائر النفوس الحية، وهو البيان عن جميع الموجودات، على اختلاف وجوهها، وبيان معانيها، التي من أجل اختلافها وجب أن تختلف اسمتؤها، ومعرفة وقوع المسميات تحت الأسماء فمن جهل مقدار هذه النعمة عند نفسه، وسائر نوعه، ولم يعرف موقعها لديه، لم يكن يفضل البهائم إلا في الصورة؛ فلله الحمد على ما علم وآتى، لا إله إلا هو. ومن لم يعلم صفات الأشياء المسميات، الموجبة لافتراق أسمائها ويحد كل ذلك بحدودها، فقد جهل مقدار هذه النعمة النفيسة، ومر عليها غافلا عن معرفتها، معرضا عنها، ولم يخب خيبة يسيرة بل جليلة جدا.
فان قال جاهل: فهل تكلم أحد من السلف الصالح في هذا؟ قيل له: إن هذا العلم مستقر في نفس كل ذي [٢ظ] لب، فالذهن الذكي واصل بما مكنه الله تعالى فيه من الفهم، إلى فوائد هذا العلم، والجاهل منكسع كالأعمى حتى ينبه عليه، وهكذا سائر العلوم. فما تكلم أحد من السلف الصالح، رضى الله عنهم، في مسائل النحو، لكن لما فشا جهل الناس، باختلاف الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة العربية، وضع العلماء كتب النحو، فرفعوا إشكالا عظيمة، وكان ذلك معينا على الفهم لكلام الله ، وكلام نبيه ﷺ ، وكان من جهل ذلك ناقص الفهم عن ربه تعالى، فكان هذا من فعل العلماء حسنا وموجبا لهم أجرا. وكذلك القول في تواليف كتب العلماء في اللغة والفقه؛ فان السلف الصالح غنوا عن ذلك كله بما آتاهم الله به من الفضل ومشاهدة النبوة، وكان من بعدهم فقراء إلى ذلك كله، يرى ذلك حسا ويعلم نقص من لم يطالع هذه العلوم ولم يقرأ هذه الكتب وأنه قريب النسبة من البهائم، وكذلك هذا العلم فان من جهله خفي عليه بناء كلام الله مع كلام نبيه ﷺ ، وجاز
стр. 16
عليه من الشغب جوازا لا يفرق بينه وبين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليدا، والتقليد مذموم، وبالحرى إن سلم من الحيرة، نعوذ بالله منها. فلهذا وما نذكره بعد هذا، إن شاء الله، وجب البدار إلى تأليف هذا العلم، والتعب في شرحه وبسطه، بحول الله وقوته، فنقول وبالله نستعين:
إن جميع الأشياء التي أحدثها الأول، الذي لا أول على الإطلاق سواه، وقسمها الواحد الذي لا واحد على التصحيح حاشاه، واخترعها الخالق الذي لا خالق على الحقيقة إلا إياه، فان مراتبها في وجوه البيان أربعة، لا خامس لها أصلا وان تناقص منها واحد اختل من البيان بمقدار ذلك النقص.
فأول ذلك كون الأشياء الموجودات حقا في أنفسها، فانها إذا كانت حقا فقد امكنت استبانتها، وإن لم يكن لها مستبين، حينئذ، موجود، فهذه اول مراتب البيان؛ إذ ما لم يكن موجودا فلا سبيل إلى استبانته.
والوجه الثاني: بيانها عند من استبانها وانتقال أشكالها وصفاتها إلى نفسه، واستقراره فيها بمادة العقل الذي فضل به العاقل من النفوس، وتمييزه لها على ما هي عليه إذ من يبن له الشيء لم يصح له علمه ولا الإخبار عنه، فهذه المرتبة الثانية من مراتب البيان.
والوجه الثالث: إيقاع كلمات مؤلفات من حروف مقطعات، مكن الحكيم [٣و] القادر لها المخارج من الصدر والحلق وأنابيب الرئة والحنك واللسان والشفتين والأسنان، وهيأ لها الهواء المندفع بقرع اللسان إلى سماخ الآذان، فيوصل بذلك نفس المتكلم مثل ما قد استبانته واستقر منها إلى نفس المخاطب، وينقلها إليها بصوت مفهوم بقبول الطبع منها للغة اتفقا عليها، فيستبين من ذلك ما قد استتبانته نفس المتكلم، ويستقر في نفس المخاطب، مثل ما قد استقر في نفس المتكلم، وخرج إليها بذلك مثل ما عندها، لطفا من اللطيف الخبير، لينتج بما وهب لنا من هذه الخاصة الشريفة، والقوة الرفيعة، والطبيعة الفاضلة
стр. 17
المقربة لمن استعملها في طاعته، إلى فوز الأبد برضاه والخلود في جنته، نتيجة يبين بها من البهائم التي لا ثواب ولا عقاب عليها، والتي سخرها لنا في جملة ما سخر، وذللتها لحكمنا مع ما ذلل، إذ خلق لنا ما في السموات والأرض، الا ما حمى عنا، واستثنى بالتحريم علينا، فله الحمد والشكر منا، والسمع والطاعة علينا، ومن تتميم ذلك لنا بمنه وطوله، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (٤ إبراهيم: ١٤) فهذه المرتبة الثالثة من مراتب البيان.
والوجه الرابع: إشارات تقع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان المذكور، بخطوط متباينة، ذات لون يخالف لون ما يخط فيه، متفق عليها بالصوت المتقدم ذكره، فسمى كتابا، تمثله اليد التي هي آلة لذلك. فتبلغ به نفس المخطط ما قد استبانته إلى النفس التي تريد ان تشاركها في استبانة ما قد استبانته، فتوصلها إليها العين، التي هي آلة لذلك. وهي في الأقطار المتباعدة، وعلى المسافات المتباينة التي يتفرق الهواء المسمى صوتا قبل بلوغها، ولا يمكن توصيله إلى من فيها فيعلمها بذلك دون من يجاورها في المحل ممن لا يريد اعلامه. ولولا هذا الوجه، ما بلغت إلينا حكم الاموات على آباد الدهور، ولا علمنا علم الذاهبين على سوالف الاعصار، ولا انتهت الينا اخبار الامم الماضية والقرون الخالية. وتندرج في هذا القسم اشياء تبين وليست بالفاشية، فمنها: اشارات باليد فقط، ومنها اشارات بالعين أو بعض الاعضاء، وقد يمكن ان يؤدي البيان بمذاقات، فمن ذلك ما يدرك الاعمى بها البيان إلى الحاضر وحده على حسب ما يتفق عليه مع الشير بذلك إليه، فهذه المرتبة الرابعة من مراتب البيان [٣ظ] إذ لا سبيل إلى الكتاب الا بعد الاتفاق على تمييز تلك الخطوط بالاصوات الموقفة عليها، ندرة عجزت العقول عن اكثر المعرفة بها، وتوحد الواحد الأول الخالق الحق بتدبير ذلك واختراعه دون علة اوجبت عليه ذلك، الا انه يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وصارت غاية الفضائل فيها ما ذكرنا واستعماله في وجوهه والإقرار للخالق الأول الواحد الحق بالقوة والقدرة والعلم
стр. 18
وانه مباين لخلقه في جميع صفاتهم.
وبعد:
فان من سلف من الحكماء، قبل زماننا، جمعوا كتبا رتبوا فيها فروق وقوع المسميات تحت الأسماء التي اتفقت جميع الأمم في معانيها، وان اختلفت في أسمائها التي يقع بها التعبير عنها، إذ الطبيعة واحدة، والاختيار مختلف شتى، ورتبوا كيف يقوم بيان المعلومات من تراكيب هذه الاسماء، وما يصح من ذلك وما لا يصح، وتقفوا هذه الأمور، فحدوا في ذلك حدودا ورفعوا الاشكال، فنفع الله تعالى بها منفعة عظيمة، وقربت بعيدا، وسهلت صعبا، وذللت عزيزا [في] إرادة الحقائق، فمنها كتب أرسطاطاليس الثمانية المجموعة في حدود المنطق. ونحن نقول قول من يرغب إلى خالقه الواحد الأول في تسديده وعصمته، ولا يجعل لنفسه حولا ولا قوة الا به، ولا علم الا ما علمه: إن من البر الذي نأمل أن نغبط به عند ربنا تعالى بيان تلك الكتب لعظيم فائدتها فانا رأينا الناس فيها على ضروب أربعة: الثلاثة منها خطأ بشيع وجوز شنيع، والرابع حق مهجور، وصواب مغمور، وعلم مظلوم؛ ونصر المظلوم فرض وأجر.
فأحد الضروب الأربعة قوم حكموا على تلك الكتب بانها محتوية على الكفر وناصرة للإلحاد، دون ان يقفوا على معانيها أو يطالعوها بالقراءة. هذا وهم يتلون قول الله ، وهم المقصودون به إذ يقول تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم، لإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ . (٣٦ الاسراء: ١٧) وقوله تعالى: ﴿ها أنتم أولاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (٦٦ آل عمران ٣) وقوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين﴾ (٦٤ النمل: ٢٧) فرأينا من الأجر الجزيل العظيم في هذه الطائفة إزالة هذا الباطل من نفوسهم الجائرة الحاكمة قبل التثبيت، القابلة دون علم، القاطعة دون برهان، [٤و] ورفع المأثم الكبير عنهم بإيقاعهم هذا الظن الفاسد على قوم برآء ذوي ساحة سالمة وبشرة نقية وأديم أملس مما
стр. 19
قرفوهم به. وقد قال رسول الله، ﷺ ، الواسطة بيننا وبين الواحد الأول: " من قال لاخيه يا كافر فقد باء بها احدهما " فنحن نرجو من خالقنا أن نكون ممن يضرب لنا في كشف هذه الغمة بنصيب وافر به حدا يوم فقرنا إلى الحسنات وحاجتنا إلى النجاة بأنفسنا مما يقع فيه الآثمون، ييسرنا لسنة حسنة نشارك من تصرف بعدها ما كنا السبب في علمه إباه، دون أجره، دون ان ينقص من أجره شيء، فهكذا وعدنا الخالق الأول على لسان رسوله ﷺ فهؤلاء ضرب.
والضرب الثاني: قوم يعدون هذه الكتب هذيانا من المنطق وهذرا من القول وبالجملة فاكثر الناس سراع إلى معاداة ما جهلوه وذم ما لم يعلموه، وهو كما قال الصادق ﵇: " الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة " فرأينا أيضاً أن من وجوه البر إفهام من جهل هذا المقدار الذي نصصنا الذي فضله اولا، ولعمري ما ذلك بقليل إذ بالعلم بهذا المعنى ننأى عن البهائم وفهمنا مراد الباري في خطابه إيانا.
والضرب الثالث: قوم قرأوا هذه الكتب المذكورة بعقول مدخولة واهواء مؤوفة وبصائر غير سليمة، وقد اشربت قلوبهم حب الاسنخفاف واستلانوا مركب العجز واستوبأوا نقل الشرع وقبلوا قول الجهال فوسموا انفسهم بفهمها، وهم أبعد الناس عنها وأناهم عن درايتها، وكان ما ذكرنا زائدا في تلبيس هذه الكتب ومنفرا عنها فقوي رجاؤها في اننا في بيان ما نبينه منها يكون السبب في هداية من سبقت له الهداية في علم الله ، فيفوز بالحظ الاعلى ويحوز القسم الاسنى ان شاء الله . ولم نجد احدا قبلنا أنتدب لهذا فرجونا ثواب الله في ذلك.
والضرب الرابع: قوم نظروا بأذهان صافية وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستناروا بها ووقفوا على اغراضها فاهتدوا بمنارها وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها، وشاهدوا انقسام المخلوقات وتأثير الخالق فيها وتدبيره إياها، ووجدوا هذه الكتب الفاضلة كالفريق الصالح والخدين الناصح
стр. 20
والصديق المخلص [٤ظ] الذي لا يسلم عند شدة ولا يفتقده صاحبه في ضيق إلا وجده معه. فلم يسلكوا شعبا من شعاب العلوم الا وجدوا منفعة الكتب امامهم ومعهم، ولا طلعوا ثنية من ثنايا المعارف الا أحسوا بفائدتها غير مفارقة لهم، بل ألفوها لهم كل مستغلق، وتليح لهم كل غامض في جميع العلوم، فكانت لهم للصير في، والاشياء التي فيها الخواص لتجلية مخصوصاتها. فلما نظرنا في ذلك وجدنا بعض الآفات الداعية إلى البلايا التي ذكرنا، تعقيد الترجمة فيها وايرادها بالفاظ غير عامية ولا فاشية الاستعمال، وليس كل فهم تصلح له كل عبارة، فتقربنا إلى الله بان نورد معاني هذه بالفاظ سهلة سبطة يستوي ان شاء الله في فهمها العامي والخاصي والعالم والجاهل حسب إدراكها وما منحنا خالقنا ﵎ من القوة والتصرف. وكان السبب الذي حدا من سلف من المترجمين إلى إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها، الشح منهم بالعلم والضن به.
ولقد يقع لنا أن طلاب العلم يومئذ والراغبين فيه كانوا كثيرا ذوي حرص قوي، فأما الآن وقد زهد الناس فيه، إلى ايذاء اهله وذعرهم ومطالبتهم والنيل منهم ولم يقنع بان يترك وجهله، بل صار داعية إليه وناهيا عن العلم بفعله وقوله، وصاروا كما قال حبيب بن أوس الطائي في وصفهم:
غدوا وكأن الجهل يجمعهم به ... أب وذوو الأدب فيهم نوافل فان الحظ لمن آثر العلم فضله، أن يسهله جهده، ويقربه بقدر طاقته، ويخففه ما أمكن. بل لو أمكن أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجزي الأجور لمقتنيه، ويعظم الاجعال عليه للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابرا في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظا
стр. 21
جزيلا وعملا جيدا وسعيا مشكورا كريما واحياء للعلم؛ والا فقد درس وبلي وخفي، إلا تحلة القسم، ولم يبق منه الا آثار لطيفة وأعلام دائرة والله المستعان. ورأينا هذه الكتب كالدواء القوي، إن تناوله ذو الصحة والمستحكمة، والطبيعة السالمة، والتركيب الوثيق، والمزاج الجيد، انتفع به وصفى بنيته وأذهب اخلاطه [٥و] وقوى حواسه، وعدل كيفياته؛ وان تناوله العليل المضطرب المزاج، الواهي التركيب، أتى عليه، وزاده بلاء وربما أهلكه وقتله. وكذلك هذه الكتب إذا تناولها ذو العقل الذكي والفهم القوي لم يعدم اين تقلب وكيف تصرف منها نفعا جليلا وهديا منيرا وبيانا لائحا وتنجحا في كل علم تناوله وخيرا في حينه ودنياه وان اخذها ذو العقل السخيف ابطلته وذو الفهم الكليل بلدته وحيرته؛ فليتناول كل امرئ حسب طاقته. وما توفيقنا إلا بالله . ولا ينذعر قارئ كتابنا هذا من هذا الفعل، فيكع راجعا، ويجفل هاربا، ويرجع من هذه الثنية ثانيا من عنانه، فانا نقول قولا ينصره البرهان، ونقضي قضية يعضدها العيان: إن اقواما ضعف عقولهم عن فهم القرآن فتناولوه باهواء جائرة، وافكار مشغولة، وافهام مشوبة فما لبثوا أن عاجوا عن الطريقة، وحادوا عن الحقيقة: فمن مستحل دم الامة، ومن نازع إلى بعض فجاج الكفر، ومن قائل على الله ما لم يقل. وقد كر الله وحيه وكلامه فقال: ﴿يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به الا الفاسقين﴾ (٢٦ البقرة: ٢) وهكذا كل من تناول شيئا على غير وجهه، أو هو غير مطيق له، وبالله تعالى نستعين.
وليعلم من قرأ كتابنا هذا ان منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد فقط بل كل علم، فمنفعتها في كتاب الله ، وحديث نبيه، ﷺ وفي الفتيا في الحلال والحرام، والواجب والمباح، من أعظم منفعة. وجملة ذلك في فهم الاشياء التي نص الله تعالى ورسوله، ﷺ ، عليها وما تحتوي عليها من المعاني التي تقع عليها الاحكام وما يخرج عنها من المسميات، وانتسابها تحت الاحكام على حسب ذلك
стр. 22
والالفاظ التي تختلف عبارتها وتتفق معانيها. وليعلم العالمون ان من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي ﷺ ، ولم يجز له ان يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام، وبناء بعضه على بعض، وتقديم المقدمات، وانتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصدق ابدا، أو يمييزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب اخرى ولا ينبغي بها.
واما علم النظر بالآراء والديانات والاهواء والمقالات فلا غنى لصاحبه عن الوقوف على معاني هذه الكتب لما سنبينه من أبوابه إن شاء الله تعالى. وجملة ذلك معرفة ما يقوم بنفسه مما لا يقوم بنفسه، والحامل والمحمول، ووجوه الحمل في الشغب والاتباع، وغير ذلك.
فاما علم النحو واللغة والخبر وتمييز حقه من باطله والشعر والبلاغة والعروض [٥ظ] فلها في جميع ذلك تصرف شديد وولوج لطيف وتكرر كثير ونفع ظاهر. فاما الطب والهندسة والنجوم فلا غنى لاهلها عنها أيضاً لتحقيق الاقسام والخلاص من الثلاثة الاشياء المشتركة وغير ذلك، مما ليس كتابنا هذا مكانا لذكره. وهذه جمل يستبينها من قرأ هذه الكتب وتمهر فيها وتمرن بها ثم نظر في شيء من العلوم التي ذكرنا وجد ما قلنا حقا، ولاحت له أعلامها في فجاجها وأغماضها تبدي له كل ما اختفى وبالله تعالى التوفيق.
وكتابنا هذا واقع من الانواع التي لا يؤلف أهل العلم والتمييز الصحيح إلا فيها تحت النوع الرابع، وهو شرح المستغلق، وهو المرتبة الرابعة من مراتب الشرف في التواليف. ولن نعدم، ان شاء الله، أن يكون فيها بيان تصحيح رأي فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس وتنبيه على أمر غامض، واختصار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع اشياء مفترقة مع الاستيعاب لكل ما يطالب البرهان إليه اقل حاجة، وترك حذف من ذلك البتة. والانواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إما شيء لم نسبق إلى استخراجه فنستخرجه؛ واما شيء ناقص فنتممه، واما شيء مخطأ فنصححه، واما شيء مستغلق فنشرحه، واما شيء طويل فنختصره، دون ان نحذف منه شيئا يخل حذفه إياه بغرضه
стр. 23
واما شيء متفرق فنجمعه، واما شيء منثور فنرتبه. ثم المؤلفون يتفاضلون فيما عانوه من تواليفهم مما ذكرنا على قدر استيعابهم ما قصدوا أو يقصر بعضهم عن بعض، ولكل قسط من الاحسان والفضل والشكر والاجر، وان لم يتكلم الا في مسألة واحدة إذا لم يخرج عن الانواع التي ذكرنا في أي علم ألف. واما من اخذ تأليف غيره فاعاده على وجهه وقدم وأخر، دون تحسين رتبه، أو بدل ألفاظه دون أن يأتي بأبسط منها وأبين، أو حذف مما يحتاج إليه، أو اتى بما [لا] يحتاج إليه، أو نقض صوابا بخطأ، وأتى بما لا فائدة فيه، فإنما هذه أفعال أهل الجهل والغفلة، وأهل القحة والسخف فنعوذ بالله من ذلك.
[المدخل إلى المنطق أو ايساغوجي]
وهذا حين نبدأ، إن شاء الله يحوله وقوته، فيما له قصدنا فنشرع في بيان المدخل إلى الكتب المذكورة، وهو المسمى باللغة اليونانية إيساغوجي. معنى إيساغوجي في اللغة اليونانية " المدخل " وهو خاصة من تأليف فرفوريوس الصوري. والكتب التي بعده من تأليف أرسطاطاليس معلم الاسكندر ومدبر مملكته، وبالله تعالى التوفيق، وبه نعتصم ونتأيد، لا إله إلا هو.
١ - الكلام في انقسام الاصوات المسموعة [٦و]
جميع الاصوات الظاهرة من المصوتين فانها تنقسم قسمين: اما ان تدل على معنى، واما أن لا تدل على معنى. فالذي لا يدل على معنى لا وجه للاشتغال به لأنه لا يحصل لنا منه فائدة نفهمها؛ وطلب ما هذه صفته ليس من أفعال أهل العقول. وهذا مثل كل صوت سمعته لم تدر ما هو؛ ويدخل فيه أيضا الكلام الظاهر من المبرسمين والمجانين ومن جرى مجراهما. فان قال قائل: " فان هذا الكلام الذي ذكرت يدل على أن قائله لا يعقل أو أنه مريض "؛ قيل له وبالله تعالى التوفيق، انه يدلك [على] ذلك بمعناه. لكن لما فارق كلام أهل التمييز كان كالدليل على آفة بصاحبه. وأيضا فقد يظهر مثل هذا الكلام من حاك أو مجان، فلا يدل على أن صاحبه لا يعقل. فليس ما اعترض به هذا
стр. 24
المعترض حقا. وهذا العلم إنما قصد به ما يكون حقا، وتخليصه مما قد يكون حقا وقد لا يكون. ثم نرجع فنقول ان الصوت الذي يدل على معنى ينقسم قسمين: إما أن يدل بالطبع واما أن يدل بالقصد فالذي يدل بالطبع هو كصوت الديك الذي يدل في الاغلب على السحر وكأصوات الطير الدالة على نحو ذلك وكأصوات البلارج والبرك والاوز والكلاب بالليل الدالة في الاغلب على انها رأت شخصا، وكأصوات السنانير في دعائها اولادها وسؤالها وعند طلبها السفاد وعند التضارب، وكل صوت تدل بطبعه على مصوته كالهدم ونقر النحاس وما اشبه ذلك من اصوات الحيوان غير الإنسان. فهذه إنما تدل على كل ما ذكرنا بالعادة المعهودة مما في شاهده تلك الاصوات، لا أنا نفهمها ما نتخاطب به فيما بيننا باللغات المتفق عليها بين الامم التي نتصرف بها في جميع مراداتنا. فهذه الاصوات التي ذكرناها لم نقصدها في كتابنا هذا إذ ليس يستفاد منها توقيف على علم ولا تعلم صناعة ولا افادة خبر وقع. واما الصوت الذي يدل بالقصد فهو الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما بينهم ويتراسلون بالخطوط المعبرة عنه في كتبهم لايصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض، وهذه التي عبر عنها الفيلسوف بأن " سماها الاصوات المنطقية الدالة ". فان شغب مشغب بما يظهر من بعض الحيوان غير الناطق من كلام مفهوم كالذي يعلمه الزرزور والببغاء والعقعق من حكاية كلام يدرى فيه قائم المعنى، فليس ذلك صحيحا ولا مقصودا به افهام معنى ولا يعد مما علم ولا يضعه موضعه ولكن يكرره كما يكرر سائر تغريده كما عوده. وكثير من الحيوان في طبيعته أن يصوت بحروف ما على رتبة ما، وذلك كله بخلاف كلام الإنسان [٦ ظ] الذي يعبر به عن أنواع العلوم والصناعات والاخبار وجميع المرادات.
ثم نرجع فنقول: إن هذا القسم الذي ذكرنا أنه يدل بالقصد ينقسم قسمين:
стр. 25
إما أن يدل على شخص واحد واما أن يدل على أكثر من شخص واحد.؟ فأما الذي يدل على شخص واحد فهو كقولنا زيد وعمرو وأمير المؤمنين والوزير وهذا الفرس وحمار خالد وما أشبه ذلك. فهذه إنما تعطينا إذا سمعنا الناطق ينطق بها الشخص الذي أراد الناطق وحده، لسنا نستفيد منه اكثر من ذلك وليس هذا الذي قصدنا الكلام عليه لان هذه الاسماء لا يضبط حدها من اسمها لفرق نذكره بعد هذا، ان شاء الله. واعلم ان كل مجتمع في العالم يوجد في العالم أجزاء مثله كثيرة، الا ان بعضها منحاز عن بعض فانا نسميه شخصا بالاتفاق منا كالرجل الواحد، والكلب الواحد، والجبل الواحد، وبياض الثوب الواحد، والحركة الوحدة وسائر كل انفرد عن غيره فإذا سمعتنا نذكر الشخص والاشخاص فهذا نريد.
زاما القسم الثاني: وهو الذي يدل على اكثر من واحد فهو كقولنا الناس والخيل والحمير والثياب والالوان وما اشبه ذلك. فان كل لفظة مما ذكرنا تدل إذا قلناها على اشخاص كثيرة العدد جدا. وقد تقوم مقام هذه الألفاظ أيضاً في اللغة العربية اسماء تقع على الجماعة كما ذكرنا، وتقع أيضاً على الواحد، الا ان حال المتكلم يبين عن مراده كقولك: " الإنسان " فان هذه اللفظة تدل على النوع كله، كقول الله : ﴿إن الإنسان لفي خسر] (٢ العصر: ١٠٣) فإنما عنى جماعته ولد آدم ﷺ وتقع أيضاً هذه اللفظة على واحد فتقول: أتأتي الإنسان الذي تعرف، وانت تريد غلامه أو زوجته أو واحد من الناس بعينه. وكذلك أيضاً في جميع الانواع فتقول " الفرس " فتعني كل فرس. الا ترى انك تقول: الفرس صهال، أو تقول " الفرس " لفرس واحد بعينه معهود، فإذا اردت رفع الاشكال اتيت بلفظ الجمع الموضوع له فقلت: الخيل أو الناس وما اشبه ذلك. فهذا القسم هو الذي قصدنا بالكلام عليه، ولوقوعه على جماعة احتجنا إلى البيان عنه تكلمنا لا على غيره من الاقسام التي ذكرنا قبل، لفرط الحاجة إلى ان تحد كل شخص واحد تحت هذه اللفظة بصفات وتوجد في جميعها
стр. 26
ولا توجد في سائر الاشخاص التي لا تقع عليها هذه اللفظة، تميزه مما سواه فانك تقدر ان تأتي بصفات توجد في كل ما يسمى جملا لا يخلو منها أصلاً ولا توجد البتة [٧و] فيمن يسمى زيدا. فهذا هو الفرق الذي وعدنا بذكره آنفا ودعت الضرورة أيضاً إلى طلب هذه الفروق لاختلاف الاسماء في اللغات العربية والعجمية فاحتجنا إلى تقدير الصفات التي تتميز بها المسميات إذ المعاني في جميع اللغات واحدة لا تختلف وإنما تختلف الاسماء فقط. وايضا فان اللغة إما ان تضيق عن ان توقع على كل نوع اسما يفرد به واما انه لم يتهيأ ذلك للناس بالاتفاق أو أن الله أعلم به. واكثر ذلك في الكيفيات فانك تجد صفرة النرجس صفرة، وصفرة الشمس صفرة، وصفرة الخيري صفرة، وصفرة الذهب صفرة، وهذه كلها ظاهرة التباين للعين وليس لكل واحد منها اسم يخصه يبين به مرادنا منها. وكذلك أيضاً كثير من انواع الحيوان كالمتولد في مناقع المياه وعفن الرطوبات حتى انواع الحشرات التي لا نعلم لها اسماء تخصها والاختلاف بين صفاتها مرئي معلوم، فلا بد من طلب صفات مفرقة يقع بها البيان لما نريده، ان شاء الله ، لا اله الا هو.
٢ - الكلام على الاسماء التي تقع على جماعة أو اشخاص
قد نظر إلى القسم الذي قصدنا الكلام عليه فوجدناه قسمين: احدهما دال على جماعة الاشهاص دلالة لا تفارقها البتة، ولا ترتفع عنها الا بفسدها، وهذا القسم سماه الفيلسوف " ذاتيا " وشبهه بجزء من أجزاء ما هو فيه للزومه إياه، ونحن نقول إنه ألزم لما هو فيه من الجزء لسائر أجزائه. فان الجزء قد يذهب وتبقى سائر الاجزاء بحسبها كيد الإنسان تقع ويبقى إنسانا بحسه. وهذا اللفظ إن ذهبت الصفات التي من اجلها استحق الشيء المسمى أن يسمى بهذا الاسم بطل المسمى به جملة على ما نبينه بعد هذا، ان شاء الله . والقسم الثاني دال على جماعة اشخاص دلالة قد تفارق ما هي فيه أو تتوهم مفارقتها له ولا يفسد بمفارقتها إياه. وهذا القسم سماه الفيلسوف " غيريا " للدليل الذي ذكرنا فيه.
ثم نظرنا إلى القسم الأول الذي قلنا انه يسمى ذاتيا فوجدناه ينقسم ثلاثة أقسام:
стр. 27
إما أن يكون لفظ يسمى به اشخاص كثيرة مختلفة بأشخاصها وبأنواعها، ويجاب بذلك اللفظ من سأل فقال: " ما هذا الشيء؟ " فاتفقنا على أن نسمي ذلك اللفظ " جنسا "؛ واما أن يكون لفظ يسمى به أشخاص كثيرة مختلفة بأشخاصها لا بأنواعها، ويجاب بذلك من سأل فقال: " ما هذا من الجملة التي سميت؟ " فاتفقنا على أن سمينا هذا اللفظ " وإما أن يكون يسمى به أشخاص كثيرة مختلفة أنواعها وأشخاصها إلا أنه يجاب به من سأل فقال: " أي شيء هذا من الجملة التي سميت؟ " [٧ظ] فاتفقنا على أن سمينا هذا " فصلا ". وتفسير هذه المعاني يأتي بعد هذا، إن شاء الله .
فهذه الثلاثة الاقسام هي ذاتيات كما قدمنا. وبيان ذلك أن تقول: ما هذا؟ فيقال لك جسم؛ فتقول: أي الاجسام هو؟ أي الاجسام هو؟ فيقال: النامى؛ فيقال أي النماة هو؟ فيقال لك: ذو السعف والخوص والورق والجريد والمستطيل والثمرة المسماة تمرا. فالجسم: جنس، والنمامى: نوع، وقولك: ذو السعف والخواص والجريد: فصل؛ وأنت إذا أسقطت الصفات التي ذكرنا، التي من أجلبها استحقت تلك الاشخاص أن تسمى بالاسماء التي ذكرنا، وتوهمت معانيها معدومة، سقطت عنها تلك الأسماء البتة، فلهذا سميت ذاتية.
ثم نظرنا إلى القسم الثاني الذي ذكرنا أنه سمتى غيريا فوجدناه ينقسم قسمين: إما لفظ يدل على مختلفين بأنواعهم في جواب " أي " فيكون " عرضا عاما " واما لفظ يدل على مختلفين بأشخاصهم في جواب " أي " فيكون " عرضا خاصا ". واعلم أن اللغة العربية لم تمكن العبارة فيها بأكثر مما ترى. على أن السؤال ب " ما " والسؤال ب " أي " قد يستويان في اللغة العربية وينوب كل واحد من هذين اللفظين عن صاحبه ويقعان بمعنى واحد، ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام، فان فيها للاستفهام عن العام لفظا غير لفظ الاستفهام عن أبعاض ذلك العام ببيان لا يختل على صاحبه أصلا.
стр. 28
٣ - الكلام في تفسير الفاظ اندرجت لنا في الباب الذي قبل هذا الذي نبدأ به
ذكرنا في الباب الذي قبل هذا اشياء تختلف بانواعها واشخاصها، واشياء تختلف باشخاصها فقط دون انواعها، ومثال ذلك انا نقول في الذاتية: حيوان، فيدلنا على الإنسان والفرس وغير ذلك. وهذه اشياء تختلف بالانواع والاشخاص معا، فان الإنسان يخالف الفرس بشخصه في انه غيره، ويخالف أيضاً بصفات شخصه؛ نقول: فرس زيد، وفرس عمرو فهذان أنما يختلفان بالشخص فقط، أي ان هذا، والا فهذا فرس وهذا فرس، متفقان في الصفات التي استحق كل واحد منهما يسمى فرسا؛ وكذلك الدينار والدينار، والدرهم والدرهم، وهكذا سائر الاشياء. وكذلك نقول في الغيرية: ابيض وابيض ونعني الإنسان ابيض، والحائط ابيض، وهذه كلها مختلفة بانواعها في أن كل واحد منها غير الآخر. وتختلف أيضاً بصفاتها في ان احدها لحم ودم والثاني كتان محوك والثالث [٨ و] تراب وماء وجص. ونقول ضحاك وضحاك فإنما يختلفان بالشخص في ان هذا غير هذا. واما سائر الصفات التي بها استحقا اسم الإنسانية فهما فيها متفقان، فهذه الجملة كافية تفرج اكثر الغم في الجهل بالمراد بهذا اللفظ الذي تقدم قبل؛ وبقي تفسير كثير يأتي بعد هذا، ان شاء الله تعالى.
٤ - الكلام في الحد والرسم وجمل الموجودات وتفسير الوضع والحمل
هذا باب ينبغي ضبطه جدا فهو كالمفتاح لما يأتي بعد هذا ان شاء الله . اعلم أنه لا موجود أصلا ولا حقيقة البتة الا الخالق وخلقه فقط، ولا سبيل إلى ثالث أصلا. فالخالق واحد اول لم يزل. وأما الخلق فكثير. ثم نقول: أما الخلق فينقسم قسمين لا ثالث لهما أصلا: شيء يقوم بنفسه ويحمل غيره، فاتفقنا على أن سميناه " جوهرا "؛ وشيء لا يقوم بنفسه ولا بد ان
стр. 29
يحمله غيره فاتفقنا على ان سميناه " عرضا ". فالجوهر هو جرم الحجر والحائط والعود وكل جرم في العالم. والعرض هو طوله وعرضه ولونه وحركته وشكله وسائر صفاته هي محمولة في الجرم. فانك ترى البلحة (١) خضراء ثم تصير حمراء ثم تصير صفراء والحمراء غير الخضرة وغير الصفرة والعين التي تتصرف عليها (٢) هذه الالوان واحدة ثم تنقل فتصير جسما آخر. وكذلك ترى الذهب زئبرة (٣) ، ثم يصير سبيكة ثم يصير دينارا منقوشا والجسم في كل ذلك هو نفسه. وكذلك ترى الإنسان مضطجعا ثم راكعا قائما ثم قاعدا وهو في كل ذلك واحد لم يتبدل، واعراضه متبدلة متغيرة، صفة تذهب [وصفة] تحدث. ولا بد لكل ما ذكرنا من قسمي الخالق من صفات محمولة فيه أو معنى يوجد له يمتاز بذلك عما سواه ويجب من أجله الفرق بين الاسماء.
وأما الخالق ، فليس حاملا ولا محمولا بوجه من الوجوه وقد أحكمنا هذا المعنى في مكان غير هذا، والحمد لله رب العالمين على توفيقه إيانا.
ثم نرجع فنقول: إن الصفات أو المعاني التي ذكرنا أنه لا بد لكل ما دون الخالق تعالى، فانها تنقسم قسمين: إما دالة على طبيعة ما هي فيه مميزة له مما سواه، فاتقنا على أن سميناها " حدا "؛ وإما مميزة له مما سواه وهي غير دالة على طبيعة، فاتفقنا على أن سميناها " رسما " ونقول: إن المحارجة (٤) في الاسماء لا معنى لها، وإنما يشغل بذلك أهل الهذر والنوك والجهل؛ وإنما غرضنا منها الفرق بين المسميات، وما يقع به إفهام بعضنا بعضا فقط. فقد ارسل الله تعالى رسلا بلغات شتى، والمراد بها معنى واحد، [٨ظ] فصح أن الغرض إنما هو التفاهم فقط، ولا بد لكل مادون الخالق تعالى من ان يكون مرسوما ومحدودا (٥) ضرورة، لأنه لا بد أن يوجد له معنى يميز به
стр. 30
طبعه مما سواه، عرضا كان أو جوهرا. وقد سمى المتقدمون الاسم في هذا المكان " موضوعا "، فإذا سمعتهم يقولون " الموضوع " فإنما يعنون الاسم المراد بيانه بالرسم أو الحد، فكل محدود مرسوم وليس كل مرسوم محدودا لان كل حد تمييز للمحدود مما سواه، وكل رسم فهو تمييز المرسوم مما سواه؛ فكل حد رسم حد، وليس كل رسم مميزا لطبيعة المرسوم ولا مبينا لها، وكل حد فهو مميز لطبيعة المحدود ومميز لها فليس كل رسم حدا فالرسم اهم من الحد.
قال الشيخ: هذه عبارة المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على أن الرسم ليس مأخوذا من الاجناس والفصول، وانه إنما مأخوذ من الاعراض والخواص. ثم لم يلبثوا ان تناقضوا فقالوا: إن كل حد رسم، فأوجبوا ان الحد مأخوذ من الاعراض أو ان بعض الرسم مأخوذ من الفصول، وهذا ضد ما قالوه قبل. وايضا قالوا: ان الرسم غير الحد، ثم قطعوا بأن الحد هو بعض الرسم، وهذا تناقض كما ترى. لكن الصواب ان نقول: ان كل مميز شيئا عن شيء فهو إما ان يكون تمييزه يوجد من اجناس وانواع، فيكون حدا منبئا عن طبيعة الشيء، مميزا له مما سواه أو يتميز بتمييز يوجد من اعراض أو خواص، فيكون مميزا للشيء مما سواه فقط، غير منبئ عن طبيعته، فيكون التمييز رأسا جامعا، ينقسم إلى نوعين: اما حد وإما رسم. فالرسم ينقسم قسمين: قسم يميز طبيعة المرسوم فهو رسم وحد، وقسم لا يميزها فهو لا حد حد. وعبر الاوائل عن الحد بأنه: " قول وجيز دال على طبيعته الموضوع مميز له من غيره "، والرسم في انه: " قول وجيز مميز للموضوع من غيره ". والحد محمول في المحدود والرسم محمول في المرسوم، لان كل واحد منها صفات ما هو فيه. فإذا كان التميز مأخوذا من جنس الشيء المراد تمييزه ومن فصوله كان حدا وسيما، واذا كان مأخوذا من خواصه واعراضه كان رسما لا حدا. وهذا إنما هو بيان لمعنى لفظة الحد ولفظة الرسم، لا ان الحد يحتاج إلى حد، ولو كان ذلك لوجب وجود محدودات لا نهاية لها، وهذا محال ممتنع باطل.
وإنما يشغب علينا في هذا المكان احد رجلين: إما مشغب لا يستحي من
стр. 31
إنكار ما يعلم [٩و] صحته فيسعى في ابطال الحدود عن المحدودات، وإما ملحد ساع في إثبات أزلية العالم، وكل لا يعبأ به، لأنه دافع مشاهدة، ولله الحمد. وقد بينا أن الحد إنما هو صفات ما متيقنة في أشياء ومتيقن عدمها في اشياء أخر، فتصف كلا بما فيه. فمن انكر فقد انكر الحس والعيان وخرج من حد من نشتغل به.
فالحد هو قولنا في الإنسان: إنه الجسد القابل للون، ذو النفس الناطقة الحية الميتة. فان الحي جنس للنفس، أي نفس كانت؛ وسائر ما ذكرنا فصول لها من سائر النفوس الحيوانية. فهذا هو الحد كما ترى. والرسم مثل قولك (١) في الإنسان: إنه هو الضحاك أو الباكي. فهو كما ترى مميز للأنسان مما سواه، وليس منبئا عن طبيعته التي هي قبول الحياة والموت. والحد مبين ذلك. وحكم الحد أن يكون مساويا للمحدود. ومعنى ذلك أن يقتضى لفظه إذا ذكر، جميع المراد فلا يشذ عنه شيء مما أردت أن تحده، ولا يدخل فيه ما ليس منه. فان زدت في الحد لفظا، فان كان الذي زدت لفظا يقع على المعاني اكثر من معاني المحدود أو مثلها، بقي المحدود بحسبه، كقولنا في حد نفس الإنسان: إنه حي ناطق ميت جوهر حساس ضحاك بكاء مشرق في جسد يقبل اللون منتصب القامة ونحو هذا. فالمحدود حتى الآن صحيح الرتبة لأن كل نفس لكل إنسان فهذه صفاتها. وإن كان الذي زدت لفظا يقتضي معاني أقل من معاني المحدود، كان ذلك نقصانا من المحدود، كقولك في نفس الإنسان: إنها حية ناطقة ميتة حائكة أو تقول: طبيبة أو كاتبة، فان هذا إنما هو حد لبعض نفوس الناس لا لجميعها، إذ ليس كل إنسان كاتبا ولا طبيبا ولا حائكا. وأما إذا أنقضت من الحد الذي لا فضلة فيه، نعني لا زيادة فيه على مقدار الكفاية في الحد، فانه زيادة في المحدود كقولك في الإنسان: إنها حية ناطقة فان الملك والجني يدخلان تحت هذا الحد.
واتفق الأوائل على أن سموا المخبر عنه موضوعا، وعلى أن سموا ذكرك
стр. 32
لمن تريد أن تخبر عنه وضعا، واتفقوا على أن سموا الخبر " محمولا " وكون الصفة في الموصوف " حملا "؛ فما كان ذاتيا من الصفات؟ كما قدمنا - قيل فيه: هذا " حمل جوهري "، وما كان غيريا قيل: هذا " حمل عرضي " وكل هذا اصطلاح على ألفاظ يسيرة تجمع تحتها معاني كثيرة، ليقرب الافهام. فإذا قلت: زيد منطلق، فزيد موضوع، منطلق محمول على زيد، أي هو وصف له. وهذا يسميه النحويون الابتداء والخبر إذا جاء على هذه الرتبة. فإذا سمعت الموضوع والمحمول فأنما تريد المخبر عنه والخبر عنه فاعلم.
الكلام على الجنس
ذكر الأوائل قسما في الجنس لا معنى له، وهو: كتميم لبني تميم، والبصرة لأهلها، والوزارة لكل وزير [٩ظ] ، والصناعة لأهلها، وهذا غير محصور ولا فلا وجه للاشتغال به. وإنما نقصد بكلامنا الجنس الذي ذكرنا أولا وهو: اللفظ الجامع لنوعين من المخلوقات فصاعدا، وليس يدل على شخص واحد بعينه كزيد وعمرو، ولا على جماعة مختلفين بأشخاصهم فقط كقوله: الناس، أو كقوله الأبل، أو كقولك القبلة، لكن على جماعة تختلف بأشخاصهم وأنواعهم كقولك " الحي " الذي يدل على الخيل والناس والملائكة والحي كل حي. والجنس الذي يتكلم عليه ليس يقع على بعض ما يقتضيه حده، لكن على كل ما يقع عليه لحد، والجنس لا يفارق ما تقع عليه التسمية به الا بفساد المسمى واستحالته. وذلك مثل قولك " الجوهر " فان هذه اللفظة يسمى بها كل قائم بنفسه حاملا لغيره، فلا يمكن أن يوجد شيء قائم بنفسه حامل لغيره لا يسمى جوهرا، ولا يمكن أن يوجد جوهر لا يكون قائما بنفسه حاملا لغيره. ولو أنك توهمت هذا الشيء غير قائم بنفسه، لبطل أن يسمى جوهرا. وأما البلدة فقد ينتقل عنها الإنسان إلى غيرها ويبقى إنسانا بحسبه. وكذلك الخطة والصناعة والتجارة. وأما بنو تميم فقد نجد ناسا كثيرا ليسوا من بني تميم، فليس شيء من هذه الوجوه جنسا.
стр. 33
٦ - الكلام على النوع
سمى الأوائل النوع في بعض المواضع اسما آخر وهو " الصورة " وارى هذا اتباعا للغة يونان، فربما كان هذا الاسم عندهم، اعني الذي يترجم عنه في اللغة العربية بالصورة، واقعا على النوع المطلق، ولا معنى لأن نشتغل بهذا إذ لا فائدة فيه. وإنما نقصد إلى ان نسمي به كل جماعة متفقة في حدها أو رسمها مختلفة بأشخاصها فقط، كقولك: الملائكة والناس والجن والنجوم والنخل والتفاح والجراد والسواد والبياض والقيام والقعود وما اشبه ذلك كله. والنوع واقع تحت الجنس لأنه بعضه. وقد يجمع الجنس انواعا كثيرة يقع اسمه؟ نعني اسم الجنس - على كل نوع منها، ويوجد حده في جميعها وتتباين هي تحته بصفات يختص بها كل نوع منها دون الآخر. وذلك انك تقول: حي فيقع تحت هذه التسمية الناس والخيل والبغال والاسد وسائر الحيوانات، فإذا حددت الحي فقلت: هو الحساس المتحرك بأرادة كان هذا الحد أيضا جامعا لكل ما ذكرنا وموجودا في جميعها، وكان كل نوع مما ذكرنا يختص بصفة دون سائرها، كالمنطق والصهيل والشحج الزئير وغير ذلك. فالحي جنس وكل ما ذكرنا أنواع تحته، أي أن الحي يجمعها، وهي أبعاضه، وهي مختلفة تحته كما قدمنا [١٠و]
وهاهنا رتبة عجيبة وهي ان المبدأ في التقسيم للعالم جنس لا يكون نوعا ألبتة، كالجوهر فانه يسمى به الحجارة والشجر والنبات والحيوان، كل ذلك اوله عن آخره جوهر، والجوهر مبدأ ليس فوقه جنس يقع تحت اسمه الجوهر وغير الجوهر. والوقف في تقسيم العالم نوع لا يكون جنسا البتة كالناس والخيل والنمور والياقوت والعنب وما اشبه ذلك؛ فانه ليس تحت كل اسم من هذه الاسماء إلا اشخاصه فقط كزيد وعمرو وهند، وكل فرس على حدته، وكل ياقوتة على حدتها، وكل عنبة على حدتها. ولا تعتبر بأن تكون أيضاً اوصاف تجمع بعض الناس دون بعض كالسود والبيض والفطس والطوال والقصار، وكذلك في كل نوع فإنما هذه اصناف واقسام. والطبيعة في كل واحدة منهم واحدة، وحد كل واحد منهم واحد جامع لجميعهم، وليس كذلك حد الانواع، بل لكل نوع حد على حدة لا يشاركه فيه نوع آخر
стр. 34
البتة، وبين الطرفين اشياء تكون نوعا وجنسا كالنامي فانه نوع للجوهر لأن الجوهر [يكون] ناميا وغير نام، والنامي أيضاً جنس لذي النفس الحية الميتة، ولغير ذي النفس، لأن الشجر والنبات وجسم الإنسان وسائر الحيوان القابل للموت نوام كلها، واسم النامي يقع على جميعها ويعمها.
واتفق الاوائل على ان سموا الجنس الأول جنس الاجناس نعني الذي لا جنس فوقه، وهو الذي لا يكون نوعا أصلا. واتفقوا على ان سموا النوع الآخر نوع الانواع، وهو الذي قلنا فيه إن فيه الوقف وإنه لا يكون جنسا ألبتة، وإنه لا نوع تحته، وليس تحته شيء غير اشخاصه فقط. وهذا النوع هو الذي يعبر عنه بأنه يلي الاشخاص. واما سائر الانواع التي ذكرنا انها من الطرفين وانها انواع وأجناس فانها ليست تلي الاشخاص في الرتبة، لأن بينها وبين الاشخاص انواعا أخر، كقولك: " الناس " فان هذه اللفظة بين قولك " الحي " وبين: زيد وعمرو. فاستبان ولله الحمد ان الجنس ينقسم قسمين: جنس لا يكون نوعا وهو المبدأ أعني الجوهر، وجنس قد يكون نوعا؛ فاستبان ان النوع ينقسم قسمين: نوع لا يكون جنسا وهو الذي فيه الوقف في القسمة، كأشخاص الناس أو الخيل، ونوع قد يكون جنسا وهو في ثلاثة اقسام: القسم الواحد جنس محض، والقسم الثاني نوع محض، والقسم الثالث جنس من وجه ونوع من وجه آخر، فهو جنس لما تحته لأنه معموم به. وقد عبر بعضهم بأن قال إنما هو نوع لما تحته أي جامع له ولم يعبر احد بأن يقول انه جنس [١٠ظ] لما فوقه. وإنما ذكرت لك هذا لئلا تراه فيشكل عليك. والصواب ما ذكرنا اولا من انه نوع لما فوقه من الاجناس، وجنس لما تحته من الانواع، لأنك إذا اضفته إلى ما فوقه فالاحسن ان تسميه باسم غير الذي تسميه به إذا اضفته إلى ما تحته، ليلوح الفرق بين اختلاف إضافتيه. واما نوع الانواع الذي ذكرنا فلا يجوز ان نسميه جنسا أصلاً لأن الجنس إنما يسمى به ما يجمع نوعين فصاعدا لا الذي يلي الاشخاص فقط.
стр. 35
٧ - باب جامع للكلام في الأجناس والأنواع
أجناس الأجناس التي لا تكون نوعا أصلا وهي أوائل في قسمة العالم: ذكر المتقدمون انها عشرة ثم حققوا فقالوا: إن الأصول منها أربعة، فالعشرة منها هي: الجوهر، والكم، والكيف، والإضافة: والمتى، والأين، والنصبة والملك، والفاعل، والمنفعل. والأربعة التي حققوا أنها رؤوس المبادئ وأوائل القسم: الجوهر والكم والكيف والإضافة. وأما الست البواقي فمركبات من الأربع المذكورة، أي من ضم بعضها لبعض على ما يقع في أبوابها، إن شاء الله .
واعلم أن الجوهر وحده؟ من جملة الأسماء التي ذكرنا - قائم بنفسه وحامل لسائرها، والتسعة الباقية محمولات في الجوهر وأعراض له وغير قائمات بأنفسها. فان قال قائل: هلا جعلت شيئا أو موجودا أو مثبتا أو حقا، جنسا جامعا لهذه الاسماء العشرة؛ لأن جميعها موجود ومثبت وحق وشيء، قيل له وبالله تعالى التوفيق: قد قدمنا أن الجنس منه حد كل ما تحته. والطبيعة هي قوة في الشيء توجد بها كيفياته على ما هي عليه. فما لم يكن منبئا عن طبيعة ما تحت اسمه فليس جنسا. فلما كانت لفضة شيء وموجود ومثبت وحق لا تنبئ عن طبيعة كل ما وقعت عليه، ولم يكن فيها اكثر من أنه ليس باطلا ولا معدوما فقط، وجب أن لا يكون شيء من هذه الألفاظ جنسا لما سمي به. وأما لفظة معلوم فقد تقع على الموجود والمعدوم والحق والباطل لأن الباطل معلوم أنه باطل، والمعدوم معلوم أنه معدوم، فليس أيضا جنسا لما قدمنا، ولأنه كان يجب ان يكون الباطل والحق تحت جنس واحد وهذا محال شنيع. وأيضا فأن وجودنا بعض هذه الرؤوس مخالف لوجودنا سائرها [١١و] فبعضها تجدها النفس بالحواس الاربعة المؤديات لصفات محسوساتها إلى النفس الحساسة، غير قائمة بأنفسها، وبعضها تجدها النفس بمجرد العقل، غير قائمة بأنفسها، كوجود العدد والزمان والاضافة، وبعضها تجدها النفس بتوسط من الحواس والعقل معا، غير قائمة بأنفسها، كالحركات، وبعضها تجده النفس بتوسط العقل والحواس معا
стр. 36
قائما بنفسه كالجوهر، وقد تجد النفس بمجرد العقل ويتدرج من وجودها هذه العشرة إلى معرفة ما هو موجود حقا غير موصوف بشيء من صفات هذه العشر وهو الأول الواحد الخالق الذي لم يزل لا إله الا هو. فكل ما يقع تحت جنس واحد فلا يكون وجوده إلا على صفة واحدة جامعة لجمعه، أي يجد واحد جامع لكل ما تحت الجنس، أو بخاصة واحدة جامعة لكل ما تحت الجنس، على ما نبين في باب كل رأس من العشر المذكور، وخواص الرؤوس المحققة من هذه العشر مختلفة فوجب أن لا تكون كلها تحت جنس واحد، فوجب أن لا يكون موجود جنسا لهذه العشر البتة. والقول في مثبت كالقول في موجود ولا فرق. وأما لفظة حق وشيء فبعض هذه العشر إنما هو حق بنفسه، وهو الجوهر، وكذلك هو أيضا شيء بنفسه، وسائرها إنما هي حق بغيرها وشيء بغيرها، لانها إنما تحققت بالجوهر، وبه (١) صارت أشياء، ولولا الجوهر لم تكن حقا ولا شيئا. وكل ما يقع تحت جنس فطبيعته واحدة لا مختلفة، وهذه الأشياء طبائعها مختلفة كما ترى، فوجب أن لا يكون حق وشيء جنسا لها، إذ إنما يكون إيقاع أسماء الاجناس على ما تحتها على حسب اتفاقها في طبائعها، واتفاقها في حدودها، واتفاقها في فصولها فيوجب ذلك اتفاق اسمائها، وبحسب اختلافها في الطبائع تختلف فصولها وحدودها فتختلف أجناسها لذلك.
واعلم أم موجودا وحقا ومثبتا وشيئا واقعة على كل ما تقع عليه وقوع الأسماء المشتركة، على ما نبين في باب الاسماء على المسميات. فان قال قائل: فهلا جعلتم قولكم " عرضا " جنسا للتسع الباقية دون الجوهر؟ قيل له، وبالله التوفيق: إن هذه التسع المسميات عرضا كون مختلف، وحمل الجوهر لها حمل مختلف، لأن بعضها محمول في شخصه وعرض فيه كالكيفيات، وبعضها محمول في طبيعته وعرض فيها كالعدد والزمان، وبعضها عرض له من قبل غيره، ومحمول في طبيعته بطبيعة غيره، كالاضافة. وقد قدمنا أن الجنس منبئ عن طبيعة ما تحته، وهذه التي ذكرنا طبائعها في كونها عرضا مختلفة ورسومها مختلفة فبطل كون [١١ظ] عرض جنسا لها، فمن نازعنا من أهل
стр. 37
السخف والسفطة وقال: أنا أريد أن أسمي جنسا كل اسم عبر به عن كثير وجماعة، ولا أبالي باتفاق طبائعها تحت ذلك الاسم أو باختلافها، قلنا له: لسنا ننازعك ولا ننفق معك الساعات في ما لا فائدة فيه، إلا أننا نقول لك قولين كافيين لمن عقل ولم يرد الشغب، فنقول: إن عزمت على ما ذكرت وكنت موحدا، فاعلم أنك قد أوقعت الله تحت الأجناس، لأنه تعالى موجود وحق ومثبت. فإذا أوقعته تحت جنس فقد جعلته محدودا ضرورة، إذ كل ما وقع تحت جنس فمحدود، تعالى الله عن ذلك. والقول الثاني نقول: لسنا ننازعك في الجيم والنون والسين فان بدا لك أن تسمى يدك أو رجلك أو ضرسك جنسا فلا مانع لك من ذلك إلا أنك تحتاج إلى من يوافقك على التخاطب بهذه اللغة التي أحدثتها، وحسبنا أنك تقف عند طاعتك في اسم توافقنا عليه، نتفق على إيقاعه على كل جماعة تجمعها طبيعة واحدة تقوم منه فصولها، فتوجد منه حدودها، ويوجد أيضاً تحته كثيرون مختلفون بأنواعهم، لنتفاهم به مرادنا، فان أبيت من ذلك ولم توقع ما دون الخالق تعالى تحت حدود، فانك واقع تحت المجاهرة بمكابرة العقل والحواس، لأنك ترى ضرورة أشياء تتفق في صفة واحدة، وأشياء أخر تخافها في تلك الصفة وتتفق في صفة أخرى، وهذا هو معنى الحد لأن كل صفة تحد ما هي فيه دون ما ليست فيه، لا يدفع ذلك إلا مجنون أو من هو في أسوأ من حال المجنون لقصده إبطال الحقائق وتلبيس المعارف وإثبات الاشكال. ومن يبغ [هذا] ها هنا ترك الكلام معه، إذ غايتنا ممن نكلم أن ينصرف إلى الحق أو للحق لا الذين (١) لا تجري أحكامهم العقل عليهم، مع أن هذا كفر من معتقده، أن كان ممن يسم نفسه بالايمان؛ وبالله نعوذ من الضلال وما دعا إليه.
وبهذا نكلم أيضا من قال لنا: هلا سميتم نوعا ما سميتم جنسا وسميتم جنسا ما سميتم نوعا، فاني قد يسأل هذا السؤال الاحمق. واعلم أن الجوهر وحده دون سائر الاشياء التي ذكرنا موجود بنفسه وسائرها متداول عليه، وكلها موجود به لا سبيل إلى أن توجد دونه البتة،
стр. 38
والجوهر وان كان لا يوجد دونها أيضا، فقد يوجد أيضا دون بعضها، ولا سبيل إلى ان يوجد شيء منها دون جوهر ألبتة لأن الجوهر محسوس بالعقل فقط، وليس مرئيا ولا مذوقا ولا ملموسا ولا مشموما وإنما نرى الالوان، فإذا عدم اللون لم نر شيئا كالهواء المتحرك، وهو الريح فانه يحس باللمس، وينطح [١٢و] الاجسام العظام فيسقطها وهو غير مرئي لأنه لا لون له، والجن كذلك، وقد أخبرنا الصادق، ﵇، عن الله ، أنهم يروننا من حيث لا نراهم، ونحن ذوو ألوان وهم غير ذوي ألوان، وكذلك أيضا لا نشم الحجر لأنه لا رائحة له، وإنما نشم الرائحة على حسب اختلافها وكذلك أيضا لا يذاق الحجر فانه لا طعم له وإنما تذاق الطعوم على حسب اختلافها، وإنما تلمس المحية من الخشونة أو اللين أو الاملاس أو الصلابة أو التهيل، وقد يسمح (١) بعض الجوهر بعرض فيه على ما يأتي بعد هذا، ان شاء الله . وإنما أوقعنا ما يقع تحت الحواس تحت الكيفية طلبا للاختصار وجمعا للكثير (٢) تحت اسم واحد، ولأنها كلها ترسم برسم واحد، على ما يقع في بابه ان شاء الله. وكل من الرؤوس التي ذكرنا جامع لطبيعة أشياء كثيرة فسمينا كل واحد جنس أجناس، وسمينا كثيرا مما يقع تحت كل رأس منه أجناسا أيضا، إلى أن نبلغ إلى الانواع المحضة التي تلي الأشخاص.
واعلم أن كل رأس أعلى، ومرادنا بذلك جنس الاجناس، وكل ما تحته مما يسمى جنسا أو نوعا فان كل ما يقع تحته يسمى باسم الرأس الذي هو أعلى منه، ونحدده بحده، فأن نفس الإنسان تسمى جوهرا وتسمى حية وترسم برسم الجوهر وتحد بحد الحي وكذلك جسد الإنسان يتسمى ناميا وجوهرا وجسما ويحد ويرسم برسم وحد كل واحد من هذه الأسماء.
واعلم انه لا يسمى الرأس الأعلى باسم ما تحته ولا يجد بحده. والمتقدمون يعبرون في هذا المكان بأن يقولوا: " الأعلى يقال على الأسفل والأسفل لا يقال على الأعلى " وإنما كان ذلك لأن الأسفل موجود في الرأس الأعلى وغيره مما هو واقع تحت الرأس الأعلى، فلو سميت الرأس الاعلى باسم ما يقع تحته لكنت قد
стр. 39
نقصته بعض صفاته. الا ترى أن كل نام جسم فلو سميت الجسم المطلق ناميا، لكنت مخطئا كاذبا، لأن الحجر جسم وليس الحجر ناميا، وهذا محال. وانت إذا سميت النامي جسما كنت مصيبا؛ وزيد إنسانا ويحد بحد الإنسان، ويسمى حيا ويحد بحد الحي، ويسمى جسما ويرسم برسم الجسم، ولا يسمى الجسم المطلق حيا ولا يحد بحد الحي ولا يسمى أيضاً إنسانا ولا يحد بحد الإنسان، ولا يسمى زيدا ولا يحد بحد زيد. ونعني بالجسم المطلق كل ما يطلق على كل طويل عريض عميق. فالحجر جسم وليس حيا ولا إنسانا ولا زيدا. فالمطلق هو الاسم الكلي الذي يعم كل ما سمي به وقد [١٢ظ] قدمنا قبل ان الاشياء والمخلوقات تنقسم اقساما ثلاثة: اجناس وانواع واشخاص. فكل ما يسمى جنسا مما لا يكون الا جنسا محضا ومما يكون جنسا ونوعا فانه محدود وعندنا وفي الطبيعة، أي اننا نبدأ فنقول: كل ما دون الخالق ينقسم قسمين: جوهو ولا جوهر. فالجوهر هو الجسم من قولنا والجسم هو الجوهر ولا شيء دون الخالق تعالى الا جسم محمول في جسم. وقد اثبت غيرها جوهرا ليس جسما وهذا باطل وليس هذا مكان حل الشكوك المعترض بها علينا في هذا القول وقد أحكمنا في مكانه. وبالله التوفيق. والكلام في هذا هو واقع فيما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل في الملل والنحل.
وكذلك رسم غيرنا أيضا في حد الإنسان انه حي ناطق ميت. وهذا الحد لا يخلو من أن يكون أراد به الجسم المركب وحده أو النفس وحدها أو الجسم المركب والنفس معا فان أراد الجسم المركب فذلك خطأ لأنه ادخل الجسم المركب تحت الحي، والحي إنما هو النفس وحدها، وهي الحساسة المتحركة التي ان بطلت بطل حس الجسم وحركته ألبتة، وان كان أراد النفس وحدها فذلك أيضا خطأ لأنه ادخلها تحت النامي، والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب فقط وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذكرناه في كتاب الفصل في باب النفس. ثم نرجع فنقول: والجوهر
стр. 40
منقسم قسمين: حي ولا حي. والحي ينقسم قسمين: نفس ناطقة ونفس غير ناطقة. ولا حي بحياة الا نفس حية بحياة. وحد الحي ذي الحياة هو الحساس المتحرك بارادة، فالنفوس الناطقة هي الملائكة وأنفس الاشخاص الخلدية التي أخبرنا الصادق، ﷺ ، أنها في دار النعيم من الحور والولدان وأنفس الأنس وأنفس الجن. وغيرنا يعتقد مكان الاشخاص الخلدية التي ذكرنا ان الاجرام العلوية من الكواكب والفلك ذات أنفس حية ناطقة وللكلام في كل هذا الشك مكان غير هذا. والنفس غير الناطقة هي انفس سائر الحيوان. والنفس الناطقة تنقسم قسمين: ناطقة ميتة وناطقة غير ميتة. فالغير ميتة هي الملائكة وأنفس الاشخاص الخلدية التي ذكرنا والميتة هي أنفس الانس والجن. ومعنى قولنا ميتة أي أنها مفارقة لحد وعائها من الاجسام المركبة من العناصر الاربع التي ابتدأت بالتشبث بها في عالم الامتحان، لا أنها تعدم ولا يبطل حسها وفكرها وتمييزها وحركتها أصلا. والميتة تنقسم قسمين: ذات حس [١٣و] تقبل الالوان، وهي نفس الإنسان، وذات جسد لا تقبل الالوان وهي نفس الجن وأما غير الناطقة فترسم بالصهال والنباح والشحاح وبغير ذلك من سائر الصفات المخصوصة بها المفرقة أنواعها وهي انواع كثيرة تلي الاشخاص بعد وأما اللاحي فيزيد على القسم الذي هو حي فينقسم قسمين: مركب ولا مركب فالغير مركب هي العناصر الاربعة التي هي النار والهواء والماء والارض والافلاك التسعة وما فيها من الدراري والكواكب. والافلاك التسعة هي السماوات السبع التي هي سبع طرائق للدراراي والكرسي الذي هو فلك المنازل والعرش الذي هو الفلك الكلي المحيط الذي يدور دورة في كل يوم وليلة الذي ليس فوقه خلاء ولا ملاء والذي هو منتهى جرم العالم وكرنه ولا شيء بعده. ومعنى قولنا مركب وغير مركب هو أن المركب ما خلقه الله من أشياء شتى كأجسام الحيوان والشجر المركبة من العناصر الاربعة. ومعنى قولنا غير مركب هو ما خلقته الله تعالى واحدة لا من أشياء شتى، والا فكل مركب وكل غير مركب فمؤلف من أجزاء كثيرة محتمل للتجزيء والانقسام أبدا. والمركب ينقسم قسمين: نام ولا نام، والنامي ينقسم قسمين: ذو نفس ولا