قائما بنفسه كالجوهر، وقد تجد النفس بمجرد العقل ويتدرج من وجودها هذه العشرة إلى معرفة ما هو موجود حقا غير موصوف بشيء من صفات هذه العشر وهو الأول الواحد الخالق الذي لم يزل لا إله الا هو. فكل ما يقع تحت جنس واحد فلا يكون وجوده إلا على صفة واحدة جامعة لجمعه، أي يجد واحد جامع لكل ما تحت الجنس، أو بخاصة واحدة جامعة لكل ما تحت الجنس، على ما نبين في باب كل رأس من العشر المذكور، وخواص الرؤوس المحققة من هذه العشر مختلفة فوجب أن لا تكون كلها تحت جنس واحد، فوجب أن لا يكون موجود جنسا لهذه العشر البتة. والقول في مثبت كالقول في موجود ولا فرق. وأما لفظة حق وشيء فبعض هذه العشر إنما هو حق بنفسه، وهو الجوهر، وكذلك هو أيضا شيء بنفسه، وسائرها إنما هي حق بغيرها وشيء بغيرها، لانها إنما تحققت بالجوهر، وبه (١) صارت أشياء، ولولا الجوهر لم تكن حقا ولا شيئا. وكل ما يقع تحت جنس فطبيعته واحدة لا مختلفة، وهذه الأشياء طبائعها مختلفة كما ترى، فوجب أن لا يكون حق وشيء جنسا لها، إذ إنما يكون إيقاع أسماء الاجناس على ما تحتها على حسب اتفاقها في طبائعها، واتفاقها في حدودها، واتفاقها في فصولها فيوجب ذلك اتفاق اسمائها، وبحسب اختلافها في الطبائع تختلف فصولها وحدودها فتختلف أجناسها لذلك.
واعلم أم موجودا وحقا ومثبتا وشيئا واقعة على كل ما تقع عليه وقوع الأسماء المشتركة، على ما نبين في باب الاسماء على المسميات. فان قال قائل: فهلا جعلتم قولكم " عرضا " جنسا للتسع الباقية دون الجوهر؟ قيل له، وبالله التوفيق: إن هذه التسع المسميات عرضا كون مختلف، وحمل الجوهر لها حمل مختلف، لأن بعضها محمول في شخصه وعرض فيه كالكيفيات، وبعضها محمول في طبيعته وعرض فيها كالعدد والزمان، وبعضها عرض له من قبل غيره، ومحمول في طبيعته بطبيعة غيره، كالاضافة. وقد قدمنا أن الجنس منبئ عن طبيعة ما تحته، وهذه التي ذكرنا طبائعها في كونها عرضا مختلفة ورسومها مختلفة فبطل كون [١١ظ] عرض جنسا لها، فمن نازعنا من أهل
стр. 37
السخف والسفطة وقال: أنا أريد أن أسمي جنسا كل اسم عبر به عن كثير وجماعة، ولا أبالي باتفاق طبائعها تحت ذلك الاسم أو باختلافها، قلنا له: لسنا ننازعك ولا ننفق معك الساعات في ما لا فائدة فيه، إلا أننا نقول لك قولين كافيين لمن عقل ولم يرد الشغب، فنقول: إن عزمت على ما ذكرت وكنت موحدا، فاعلم أنك قد أوقعت الله تحت الأجناس، لأنه تعالى موجود وحق ومثبت. فإذا أوقعته تحت جنس فقد جعلته محدودا ضرورة، إذ كل ما وقع تحت جنس فمحدود، تعالى الله عن ذلك. والقول الثاني نقول: لسنا ننازعك في الجيم والنون والسين فان بدا لك أن تسمى يدك أو رجلك أو ضرسك جنسا فلا مانع لك من ذلك إلا أنك تحتاج إلى من يوافقك على التخاطب بهذه اللغة التي أحدثتها، وحسبنا أنك تقف عند طاعتك في اسم توافقنا عليه، نتفق على إيقاعه على كل جماعة تجمعها طبيعة واحدة تقوم منه فصولها، فتوجد منه حدودها، ويوجد أيضاً تحته كثيرون مختلفون بأنواعهم، لنتفاهم به مرادنا، فان أبيت من ذلك ولم توقع ما دون الخالق تعالى تحت حدود، فانك واقع تحت المجاهرة بمكابرة العقل والحواس، لأنك ترى ضرورة أشياء تتفق في صفة واحدة، وأشياء أخر تخافها في تلك الصفة وتتفق في صفة أخرى، وهذا هو معنى الحد لأن كل صفة تحد ما هي فيه دون ما ليست فيه، لا يدفع ذلك إلا مجنون أو من هو في أسوأ من حال المجنون لقصده إبطال الحقائق وتلبيس المعارف وإثبات الاشكال. ومن يبغ [هذا] ها هنا ترك الكلام معه، إذ غايتنا ممن نكلم أن ينصرف إلى الحق أو للحق لا الذين (١) لا تجري أحكامهم العقل عليهم، مع أن هذا كفر من معتقده، أن كان ممن يسم نفسه بالايمان؛ وبالله نعوذ من الضلال وما دعا إليه.
وبهذا نكلم أيضا من قال لنا: هلا سميتم نوعا ما سميتم جنسا وسميتم جنسا ما سميتم نوعا، فاني قد يسأل هذا السؤال الاحمق. واعلم أن الجوهر وحده دون سائر الاشياء التي ذكرنا موجود بنفسه وسائرها متداول عليه، وكلها موجود به لا سبيل إلى أن توجد دونه البتة،
стр. 38
والجوهر وان كان لا يوجد دونها أيضا، فقد يوجد أيضا دون بعضها، ولا سبيل إلى ان يوجد شيء منها دون جوهر ألبتة لأن الجوهر محسوس بالعقل فقط، وليس مرئيا ولا مذوقا ولا ملموسا ولا مشموما وإنما نرى الالوان، فإذا عدم اللون لم نر شيئا كالهواء المتحرك، وهو الريح فانه يحس باللمس، وينطح [١٢و] الاجسام العظام فيسقطها وهو غير مرئي لأنه لا لون له، والجن كذلك، وقد أخبرنا الصادق، ﵇، عن الله ، أنهم يروننا من حيث لا نراهم، ونحن ذوو ألوان وهم غير ذوي ألوان، وكذلك أيضا لا نشم الحجر لأنه لا رائحة له، وإنما نشم الرائحة على حسب اختلافها وكذلك أيضا لا يذاق الحجر فانه لا طعم له وإنما تذاق الطعوم على حسب اختلافها، وإنما تلمس المحية من الخشونة أو اللين أو الاملاس أو الصلابة أو التهيل، وقد يسمح (١) بعض الجوهر بعرض فيه على ما يأتي بعد هذا، ان شاء الله . وإنما أوقعنا ما يقع تحت الحواس تحت الكيفية طلبا للاختصار وجمعا للكثير (٢) تحت اسم واحد، ولأنها كلها ترسم برسم واحد، على ما يقع في بابه ان شاء الله. وكل من الرؤوس التي ذكرنا جامع لطبيعة أشياء كثيرة فسمينا كل واحد جنس أجناس، وسمينا كثيرا مما يقع تحت كل رأس منه أجناسا أيضا، إلى أن نبلغ إلى الانواع المحضة التي تلي الأشخاص.
واعلم أن كل رأس أعلى، ومرادنا بذلك جنس الاجناس، وكل ما تحته مما يسمى جنسا أو نوعا فان كل ما يقع تحته يسمى باسم الرأس الذي هو أعلى منه، ونحدده بحده، فأن نفس الإنسان تسمى جوهرا وتسمى حية وترسم برسم الجوهر وتحد بحد الحي وكذلك جسد الإنسان يتسمى ناميا وجوهرا وجسما ويحد ويرسم برسم وحد كل واحد من هذه الأسماء.
واعلم انه لا يسمى الرأس الأعلى باسم ما تحته ولا يجد بحده. والمتقدمون يعبرون في هذا المكان بأن يقولوا: " الأعلى يقال على الأسفل والأسفل لا يقال على الأعلى " وإنما كان ذلك لأن الأسفل موجود في الرأس الأعلى وغيره مما هو واقع تحت الرأس الأعلى، فلو سميت الرأس الاعلى باسم ما يقع تحته لكنت قد
стр. 39
نقصته بعض صفاته. الا ترى أن كل نام جسم فلو سميت الجسم المطلق ناميا، لكنت مخطئا كاذبا، لأن الحجر جسم وليس الحجر ناميا، وهذا محال. وانت إذا سميت النامي جسما كنت مصيبا؛ وزيد إنسانا ويحد بحد الإنسان، ويسمى حيا ويحد بحد الحي، ويسمى جسما ويرسم برسم الجسم، ولا يسمى الجسم المطلق حيا ولا يحد بحد الحي ولا يسمى أيضاً إنسانا ولا يحد بحد الإنسان، ولا يسمى زيدا ولا يحد بحد زيد. ونعني بالجسم المطلق كل ما يطلق على كل طويل عريض عميق. فالحجر جسم وليس حيا ولا إنسانا ولا زيدا. فالمطلق هو الاسم الكلي الذي يعم كل ما سمي به وقد [١٢ظ] قدمنا قبل ان الاشياء والمخلوقات تنقسم اقساما ثلاثة: اجناس وانواع واشخاص. فكل ما يسمى جنسا مما لا يكون الا جنسا محضا ومما يكون جنسا ونوعا فانه محدود وعندنا وفي الطبيعة، أي اننا نبدأ فنقول: كل ما دون الخالق ينقسم قسمين: جوهو ولا جوهر. فالجوهر هو الجسم من قولنا والجسم هو الجوهر ولا شيء دون الخالق تعالى الا جسم محمول في جسم. وقد اثبت غيرها جوهرا ليس جسما وهذا باطل وليس هذا مكان حل الشكوك المعترض بها علينا في هذا القول وقد أحكمنا في مكانه. وبالله التوفيق. والكلام في هذا هو واقع فيما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل في الملل والنحل.
وكذلك رسم غيرنا أيضا في حد الإنسان انه حي ناطق ميت. وهذا الحد لا يخلو من أن يكون أراد به الجسم المركب وحده أو النفس وحدها أو الجسم المركب والنفس معا فان أراد الجسم المركب فذلك خطأ لأنه ادخل الجسم المركب تحت الحي، والحي إنما هو النفس وحدها، وهي الحساسة المتحركة التي ان بطلت بطل حس الجسم وحركته ألبتة، وان كان أراد النفس وحدها فذلك أيضا خطأ لأنه ادخلها تحت النامي، والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب فقط وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذكرناه في كتاب الفصل في باب النفس. ثم نرجع فنقول: والجوهر
стр. 40
منقسم قسمين: حي ولا حي. والحي ينقسم قسمين: نفس ناطقة ونفس غير ناطقة. ولا حي بحياة الا نفس حية بحياة. وحد الحي ذي الحياة هو الحساس المتحرك بارادة، فالنفوس الناطقة هي الملائكة وأنفس الاشخاص الخلدية التي أخبرنا الصادق، ﷺ ، أنها في دار النعيم من الحور والولدان وأنفس الأنس وأنفس الجن. وغيرنا يعتقد مكان الاشخاص الخلدية التي ذكرنا ان الاجرام العلوية من الكواكب والفلك ذات أنفس حية ناطقة وللكلام في كل هذا الشك مكان غير هذا. والنفس غير الناطقة هي انفس سائر الحيوان. والنفس الناطقة تنقسم قسمين: ناطقة ميتة وناطقة غير ميتة. فالغير ميتة هي الملائكة وأنفس الاشخاص الخلدية التي ذكرنا والميتة هي أنفس الانس والجن. ومعنى قولنا ميتة أي أنها مفارقة لحد وعائها من الاجسام المركبة من العناصر الاربع التي ابتدأت بالتشبث بها في عالم الامتحان، لا أنها تعدم ولا يبطل حسها وفكرها وتمييزها وحركتها أصلا. والميتة تنقسم قسمين: ذات حس [١٣و] تقبل الالوان، وهي نفس الإنسان، وذات جسد لا تقبل الالوان وهي نفس الجن وأما غير الناطقة فترسم بالصهال والنباح والشحاح وبغير ذلك من سائر الصفات المخصوصة بها المفرقة أنواعها وهي انواع كثيرة تلي الاشخاص بعد وأما اللاحي فيزيد على القسم الذي هو حي فينقسم قسمين: مركب ولا مركب فالغير مركب هي العناصر الاربعة التي هي النار والهواء والماء والارض والافلاك التسعة وما فيها من الدراري والكواكب. والافلاك التسعة هي السماوات السبع التي هي سبع طرائق للدراراي والكرسي الذي هو فلك المنازل والعرش الذي هو الفلك الكلي المحيط الذي يدور دورة في كل يوم وليلة الذي ليس فوقه خلاء ولا ملاء والذي هو منتهى جرم العالم وكرنه ولا شيء بعده. ومعنى قولنا مركب وغير مركب هو أن المركب ما خلقه الله من أشياء شتى كأجسام الحيوان والشجر المركبة من العناصر الاربعة. ومعنى قولنا غير مركب هو ما خلقته الله تعالى واحدة لا من أشياء شتى، والا فكل مركب وكل غير مركب فمؤلف من أجزاء كثيرة محتمل للتجزيء والانقسام أبدا. والمركب ينقسم قسمين: نام ولا نام، والنامي ينقسم قسمين: ذو نفس ولا
стр. 41
ذو نفس. وحد النامي هو ما تغذى تغذيا ينقسم من وسطه إلى طرفيه ويحله إلى نوعه فاللا ذو نفس (١) الشجر والنبات وهما قسمان: ذو ساق ولا ذو ساق ثم كل واحد من هذين القسمين ينقسم على انواع كثيرة تلي الأشخاص بعد. وذو النفس ينقسم قسمين: ذو نفس ناطقة مثل أجساد الانس والجن وذو نفس لا ناطقة مثل أجساد سائر الحيوان. وذو النفس الناطقة ينقسم قسمين جسم ملون وهو جسم الإنسان وجسم لا ملون وهو جسد الجن. وذو النفس الغير ناطقة هو أجسام سائر الحيوان وهي انواع كثيرة جدا تلي الاشخاص بعد وتحد بصفاتها المختصة بها وبفصولها المميزة لطبائعها وبالاضافة إلى أنفسها. فنقول: ذو النفس المفترسة الزائرة، ذو نفس ناهقة وما أشبه ذلك. وهكذا يحد كل نوع من الشجر والنبات بفصوله المميزة بطبائعه وبصفاته المختصة به وهذا أمر يكثر جدا ويتسع وإنما قصدنا هنا الكلام على الجمل.
وغير النامي ينقسم اقساما كثيرة منها معدنيات [١٣ظ] كالياقوت والذهب وغير ذلك، ومنها خشبيات وهي انواع محضة تلي الاشخاص ويحد كل نوع منها بفصوله المميزة لطبيعته مما سواه وبصفاته التي تخصه. فهذه الاجناس محدودة كما ترى عندنا محصورة، ومحدودة في أنفسها محصورة، وهو الذي أردنا بقولنا أنها محدودة في الطبيعة لأننا قد تيقنا أن هذه الاقسام لا زيادة فيها أصلا وأنها متناهية العدد كما ذكرنا. وأما كل ما هو نوع محض وهي الانواع التي تلي الأشخاص وهي التي قلنا فيها انها تسمى انواع الانواع فانها محدودة في الطبيعة غير محدودة عندنا نعني بذلك أن عدد هذه الانواع من الحيوان والشجر والنبات والاحجار متناه في ذاته عند الباري بعدد لا يزيد أبدا ولا ينقص فنحن على يقين من انه لا يحدث بعد، مثل ذي أربع من الجمال يطير أذي ثلاثة رؤوس ولا أن الخيل تفنى حتى لا يوجد في العالم فرس وكذلك سائر الانواع. وقد نبه الرسول ﵇ على ذلك بقوله: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ". ففي هذا اخبار أن كل أمة من
стр. 42
الأمم لا سبيل إلى اعدامها. وقال تعالى في أنهلا مزيد من الانواع (١) ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته﴾ (١١٥ الانعام: ٦) وكذلك قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾ (٣١ البقرة: ٢) .
برهان ثان: جميع الانواع محصورة العدد لا زيادة فيها لادخاله تعالى الكلية فيها والكلية لا تدخل الا في ذي نهاية، الا اننا لا نحيط بأعدادها نحن، فلسنا نحصر انواع الطير، ولا انواع الحيوان المائي والبري وسائر الحشرات، وإنما يعلم عددها باريها ، الا انه متناه محصور كما قد منا. وبرهان ذلك ان ما لا نهاية فلا يجوز ان يكون اكثر منه، والاشخاص الواقعة تحت الانواع اكثر من الانواع، فلما كان ذلك وجب الانواع ليست مما لا نهاية له، واذا كان ذلك وجب انها متناهية ضرورة؛ ولما كانت أنواع الانواع لا نحيط بجزئيها اوجب ذلك علينا ان نتوصل إليها بالانواع التي تكون اجناسا لنصل إلى علم اتفاقها واختلا [فها] ولذلك لم ننحدر؟ من الاجناس الأول إلى الانواع المحضة؛ واما الاشخاص فليست محصورة لا عندنا ولا في الطبيعة، لاننا نجد بالحس الضروري أن الاشخاص من الناس إذا كان الطاعون أو قتل ذريع في يوم معركة، أنها قد قلت جدا عما كانت عليه بالامس، ثم إذا اتصل النماء والذرء وتهذنت البلاد، كاد المعمور (٢) يضيق بأهله لكثرتهم، فهم أبدا يزيدون وينقصون. والانواع ليست كذلك. لكنها لا [١٤و] تزيد ولا تنقص أبدا إلا أن يشاء الخالق إفناء ما شاءه منها يوم البعث في عالم الجزاء [فهو] القادر على ما يشاء لا إله إلا هو.
وأما الاشخاص فليس لها عدد تقف عنده، فلا يمكن أن تزيد ولا تنقص، ولكن ما خرج منها إلى الوجود فمحدود العدد، محصور مذ خلق الله العالم إلى كل وقت يقال فيه الآن. وأما ما لم يخرج منها بعد إلا أنه مما علم الله تعالى أنه سيخرج فهو في علم الله تعالى محدود محصور وفي الطبيعة معدود إذا خرج، لا قبل أن يخرج، والزيادة فيه ممكنة في قوته بلا نهاية في عدد ولا أمد.
стр. 43
وأنت ترى؟ بما بينا - انه كلما ابتدأنا من عند انفسنا، نعنى الاشخاص، صاعدين إلى جنس الاجناس ابتدأنا بالكثرة، فكلما ارتفعنا قل العدد إلى ان نبلغ إلى الرؤوس التي ذكرنا. واذا ابتدأنا من هنالك لم نبتدئ الا بقسمين فقط وهما: جوهر ولا جوهر ثم نتزيد العدد في الكثرة إلى أن نبلغ إلى الانواع التي تلي الاشخاص.
واعلم ان العموم ليس بلا نهاية، لكن بنهاية، فاعم الاشياء قولك شيء وموجود، وهذا الذي يسميه النحويون أنكر النكرات، وكذلك الخصوص ليس أيضاً بلا نهاية، ولكن اخص الاسماء كلها فيما دون الله، ﵎، انا وانت، وهذا اعرف المعارف.
واعلم أن جنس الاجناس مبدأ لما تحته، كآدم للناس، والانواع كالامم، وانواع الأنواع كالقبائل، نريد أنها مثلها في التفرع عنها فقط.
واعلم أنهم قالوا: ان الجنس الذي هو جنس الاجناس مرسوم لا محدود لأنه ليس فوقه جنس يؤخذ حد منه وأما الانواع فمحدودة.
واما الاقسام التي تنقسم عليها انواع الانواع فانها تسمى أقساما وأصنافا؛ وذلك ذكور كل نوع وإناثه، أو سودانه أو بيضانه، أو ما اختلفت ألوانه من سائر الانواع، أو ما اختلفت طعومه مما استوى تحت نوع واحد من الثمار والنبات وسائر ما يختلف في صفة ما هو يجمعه كله نوع واحد؛ لأنك تجد الأسود والأبيض من الناس، والذكر والأنثى من كل نوع من الناس والحيوان غير الناطق وكثير من النوامي غير الحية، وذوات الألوان المختلفة من الخيل والدجاج وغير ذلك، فكل ذلك محدود بحد واحد، ومجتمع في طبيعته واحدة. وكثير من ذلك يعم أبعاضا من أنواع كثيرة، كالذكر والأنثى والأسود والأبيض، ومن المحال أن يكون نوع واحد تقع تحته طبائع مختلفة متضادة الصفات، لا تحد كلها بحد جامع لها؛ فلذلك لم نجعل هذه أنواعا جامعة لما تحتها، وإنما نبهنا على هذا لئلا يقول جاهل: إن هذه الأقسام مختلفة، فهلا جعلتموها أنواعا مختلفة فأريناه أن حدها واحد، وطبيعتها واحدة، وخواصها واحدة، وفصولها واحدة، وإنما [١٤ظ] اختلفت في الأعراض
стр. 44
فقط، وبهذا لم ننكر صبغ النحاس حتى يعود في مثل لون الفضة، وأنكرنا ومنعنا من أن نحيل طبع النحاس أصلا إلى طبع الفضة، كما لا سبيل إلى إحالة طبع الحمار إلى الإنسان ألبتة أصلا.
٨ - باب الفصل
ذكرت الأوائل في الفصل قسمين سموهما: عاميا وخاصيا، وليس وضعهما عندنا في باب الكلام في الفصل الذي نقصده في الفلسفة صوابا، لأنهما واقعان في باب الكلام في الفصل الذي لا يفصل الأنواع بعضها عن بعض تحت جنس واحد. مثل أن تقول: حي، ونفس الحمار حي، فأي الحيين تعني؟ فتقول: الحي الناطق الميت، فالناطق الميت فصلان، فصلا نوع الإنسان من نوع الحمار تحت جنس الحي، فهذا الفصل نريد، لا ما سواه. وهذا الذي يسميه الاوائل " خاص الخاص ": وبالله نستعين وبه التوفيق:
إن الفصل هو ما فصل طبيعة من طبيعة، فبان لنا به أن هذه غير هذه البتة مما إذا توهمنا أن ذلك الفصل معدوم مما هو فيه، مرتفع عنه، فقد فسد الذي هو فيه وبطل ألبتة، فانك متى رفعت النطق والموت عن الإنسان لم يكن إنسانا أصلا، بوجه من الوجوه، وهذا فرق ما بين الفصل والخاصة على ما يقع بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولذلك سمي هذا الفصل ذاتيا فيما خلا قبل هذا. وبهذا الفصل تقوم الأنواع تحت الجنس وينفصل بعضها من بعض، ويتميز بعضها من بعض. ومنفعته عظيمة في كل علم، إذ قد يلزم بعض النامي ما لا يلزم بعضه، ويلزم بعض الحي ما لا يلزم سائره، فلولا الفصول المميزة لكل نوع على حدة، لاختلطت الأحكام والصناعات وجميع فوائد العالم، فلم تستبن.
واعلم أن هذه الفصول تسميها الاوائل " الجوهرية " للزومها ما هي فيه، فكأنها الجواهر لثباتها.
واعلم ان الفصول والاجناس والانواع لا تقبل الاشد ولا الاضعف، ولا
стр. 45
تقع على ما تقع إلا وقوعا مستويا، لا يجوز أن يكون إنسان أشد في انه إنسان من إنسان آخر، ولسنا نعني المرودة والمذكورة، لكن نعني في انه آدمي وإنسان فقط، ولا يكون فرس أضعف فرسية من فرس آخر، ولا حمار أقوى حمارية من حمار آخر وهكذا كل أشياء استوت في جنس أو نوع أو فصل، فانها كلها فيه متساوية لا يفضل في كونها إياه بعضها بعضا أصلا بوجه.
ورسم الفصل هو أن تقول: هو الذي تتميز به الانواع بعضها من بعض تحت جنس واحد، والفصول موجودة في الانواع بالفعل، وفي الجنس بالقوة. ونريد بالقوة: إمكان ان يكون، وبالفعل: انه قد كان وجب [١٥و] وظهر ووجد، فانك إذا قلت: الحي: فان النطق فيه بالقوة، أي ان بعض الاحياء ناطقون، ولو كان الناطق فيه بالفعل لكان كل حي ناطقا، وهذا محال. وانت إذا قلت: الحي الناطق، فالنطق فيه بالفعل أي أنه قد ظهر ووجد.
والنطق الذي يذكر في هذا العلم ليس الكلام ولكنه التمييز للأشياء والفكر في العلوم والصناعات والتجاورات وتدبير الأمور، فعن جميع هذه المعاني كنينا بالنطق اتفاقا منا. وكل إنسان فناطق النطق الذي بينا، إلا من دخلت على ذهنه آفة عرضية، وإلا فبنيته، ولو رمى الحجارة، محتملة؟ أو زالت تلك الآفة - لكل ما ذكرنا. وليس كذلك سائر الحيوان، حاشا الملائكة والجن، فانه لا يتوهم ن شيء من الحيوان غير ما ذكرنا فهم الأمور التي وصفنا.
وأما الفصول إذا حققتها فكيفيات، إلا أنها لا تفارق ما هي فيه ولا تتوهم مفارقتها له إلا ببطلانه. وذلك المعنى الذي به صارت الاشخاص تسمى أنواعا وأجناسا، فانه أيضاً كيفية كما ذكرنا. وأنت إذا وجدت فصلا ذاتيا يستغنى به في تمييز ما تريد منه من الانواع، فاكتف به ولا معنى لأن تأتي بفصل آخر. فان اضطررت إلى فصول كثيرة، ينفرد النوع الذي تريد ان تفصله من غيره بجميعها وتشاركه أشياء أخر في كل واحد منها على الانفراد، فلا بد ان تأتي
стр. 46
بجميعها أو بما ينفرد منها به ليتم لك التمييز والتخليص الذي تريد إبانته.
واعلم انه ليس الجنس والنوع شيئا غير الاشخاص، وإنما هي اسماء تعم جماعة اشخاص اجتمعت واشتركت في بعض صفاتها، وفارقتها سائر الاشخاص فيها، فلا تظن غير هذا، كما يظن كثير من الجهال الذين لا يعلمون.
٩ - باب الخاصة
من الخاصة ما هو مساو للمخصوص، أي انها في جميع اشخاصه، وهذا الذي نقصد بالكلام في هذا الكتاب. ومنها ما هو أخص من المخصوص بها أي انها في بعض اشخاصه لا في كلها، وذلك مثل الشيب في حال الكبر، فانه فيما هو في وقت دون وقت، ومثل النحو والشعر فانهما بالفعل في بعض ما هما فيه بالقوة دون بعض، فليس كل إنسان نحويا ولا شاعرا، إلا أنه قد كان ممكنا ومتوهما أن يكون نحويا وشاعرا.
وأما الخاصة المساوية فقد تقوم قام الحد، ويرسم بها ما كان فيه رسما صحيحا [١٥ ظ] دائرا على طرفي مرسومه منعكسا. فانك تقول: كل إنسان حي ناطق ميت، وكل حي ناطق ميت إنسان، فهذا هو الانعكاس الصحيح، وهذا هو الدوران على الطرفين. أي أنه لا يشذ عنه مما يريد أن ترسمه به أو تحده. وكل إنسان فضاحك اما بالقوة أي بالامكان في كل وقت، واما بالفعل في بعض الاوقات دون بعض أي بظهور الضحك منه. فان قال قائل: فلأي شيء فرقتم بين الخاصة والفصل؟ فالجواب: إن الفصل هو ما لا يتوهم عدمه عن الشيء الذي هو فيه الا ببطلان ذلك الشيء، فان النطق والموت ان توهم أنهما قد عدما من شيء لم يكن ذلك الشيء إنسانا ألبتة، وأما الخاصة فبخلاف ذلك، ولو توهمنا الضحك معدوما بالكل جملة واحدة، حتى لا يعرف ما هو، لم يبطل الإنسان ولا امتنع من أجل عدم الضحك أن يتكلم في النحو والفقه والفلسفة وأن يعمل الديباج ويخيط ويغرس ويحرث ويحصد وذلك مما ينتجه له النطق الذي هو التمييز، فهذا فرق بين واضح.
стр. 47
١٠ - باب العرض
هذا وإن كان كيفية كالفعل والخاصة فبينه وبينها فرق كثير، وهو ان الفصل لا يوجد في غير ما فصل به أصلا، والخاصة أيضا كذلك، لا توجد في غير مخصوصها أصلاً. وأما العرض العام الذي قصدنا بالكلام فيه في هذا المكان فانه يعم أنواعا كثيرة جدا، وهو ينقسم أقساما: فمنه ما يعرض في بعض الانواع دون بعض ثم في بعض احواله دون بعض، وذلك كحمرة الخجل، وصفرة الجزع، وكبدة الهم، وهذه سريعة الزوال جدا؛ وكالعقود والقيام والنوم وما اشبه ذلك، وهذه كلها تستحيل بها احوال من هي فيه استحالة الاسباب المولدة لها، وتنفصل بها احواله بعضها من بعض؛ ومنها ما هو ابطأ زوالا كصبا الصبى وكهولة الكهل وما أشبه ذلك؛ ومنها مالا يزول أصلاً، الا انها لو امكن ان تزول لم يبطل شيء من معاني ما هي فيه، كزرقة الازرق وقنا الاقنى وفسطة الافطس وسواد الغراب وحلاوة العسل وما اشبه ذلك فانه ان توهم الزنجي ابيض والغراب اعصم لم يخرجا بذلك عن الغرابية ولا عن الإنسانية، وكذلك العسل قد يكون منه مر ولا يبطل عن أن يكون عسلا؛ وبالصفات التي ذكرنا ينفصل بعض انواع الاعراض عن بعض.
واعلم ان في الاعراض انواعا واجناسا واشخاصا، كما في الجواهر، على ما قد منا قبل.
واعلم ان بعض [١٦و] النوع لو توهم معدوما لم يعدم الجنس، الا ترى لو عدم البياض لم يعدم اللون لأنه يبقى السواد والخضرة والحمرة وغير ذلك، وكذلك لو عدم الإنسان لم يعدم الحي، لأنه يبقى الخيل والدجاج وغير ذلك ولو عدم الجنس لعدمت جميع الانواع.
وهذا انتهاء الكلام في المدخل إلى علم المنطق والالفاظ الخمسة التي هي: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض، وهو الذي يسميه الاوائل " ايساغوجي " واول من جمعه رجل يسمى فرفوريوس من اهل صور.
والحمد لله رب العالمين كثيرا لا شريك له ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما
стр. 48
- ١ -
كتاب الأسماء المفردة
وهو اول ما بدأ به أرسطاطاليس من كتبه، وهو المسمى في اللغة اليونانية " قاطاغورياس "، معناه: العشر المقالات، فنقول وبالله التوفيق: [مقدمة أولى] : ان الاسماء التي يقع كل واحد منها على كثير، أي على جمعة اشخاص فانها يقع تحتها مسمياتها في جميع اللغات، اولها عن آخرها، على خمسة اوجه لا سادس لها:
إما ان يكون المسمى يوافق المسمى الثاني في اسمه وحده معا، كقولنا: فرس وفرس، أو كقولنا: حي وحي؛ فان كل واحد من هذين المسميين يوافق الآخر في اسمه، لأنه لفظ واحد، ويوافقه أيضاً في حده، لأن كليهما حساس متحرك بارادة، وكلاهما أيضاً صهال محدد الآذان مستعمل في الركوب، متوهم منه السرعة في الجري، وهذا النوع يسمى " الاسماء المتواطئة " وان شئت قلت: المتفقة.
والثاني أن يكون المسمى يخالف المسمى في اسمه وحده، كقولنا: رجل وحمار، فان هذين مختلفان، وهذا النوع يسمى " الأسماء المختلفة ".
والثالث: ان يكون المسمى يوافق المسمى في اسمه ويخالفه في حده، كقولنا: " نسر " للطائر المبالغ في الاستعلاء في الجو الذي يأكل الجيف، وقولنا لبعض اعضاء الفرس؟ حافر الفرس - نسر، وقولنا، نسر، للنجم
стр. 49
الذي في السماء وما أشبه هذا مما هو كثير في اللغة، وهذا النوع يسمى " الأسماء المشتركة "، ومنها يقع البلاء كثيرا في المناظرة، فيتنازع الخصمان ويكثران الهراش وأحدهما يريد معنى والآخر يريد معنى، وهذا لا يقع إلا بين جاهلين أو جاهل [١٦ظ] وعالم أو سوفسطانيين أو سوفسطاني ومنصف، ولا يقع ابدا بين عالمين منصفين بوجه من الوجوه، ولا يسلم من ذلك إلا من تميز في هذه الصناعة وأشرف عليها وقوي فيها، فانه لا يخفى عليه من معاني الكلام شيء.
والرابع يكون المسمى يوافق المسمى في حده، ويخالفه في اسمه، مثل قولنا: سنور وضيون (١) وهر، فان هذه ألفاظ مختلفة، وهي كلها واقعة وقوعا واحدا على كل شخص من أشخص النوع المتخذ في البيوت لصيد الفأر الذي يلج في السؤال عند الأكل، وتشبه الاسد في خلقه، وهذا النوع من الاسماء يسمى " المترادفة ".
والخامس: أن يكون المسمى يخالف المسمى في حده (٢) وفي اسمه الذي خص نوعه به إلا أنهما يتفقان في صفة من صفاتها أوجبت لهما الاشتراك في اسم مشتق منهما، إما جسمانية وإما نفسانية، حالا كانت أو هيئة، فالجسمانية كقولنا: ثوب أبيض، وطائر أبيض، ورجل أبيض، فان كل واحد، من هذه المسميات حده غير حد صاحبه، واسمه في نوعه غير اسم صاحبه، وقد اشتركت كبها في أن سمي كل واحد منها أبيض. والنفسانية كقولنا أسد شجاع ورجل شجاع، وهذا النوع من الاسماء يسمى " المشتقة ".
وهذه الاقسام الخمسة تقع على الاجناس والانواع وأصناف الانواع التي كأنها انواع، كقولنا: رجل وامرأة وذكر وأنثى.
وأما الاسماء المختصة فهي التي تقع على ذات المسمى وحده، أو على كل شخص من أشخاص ما، وهي أن تكون المسميات منها وضعت لها أسماء تختص بالمسمى أو بأشخاص ما لتمييز بعضها من بعض، فاما تتفق فيها واما تختلف، وقد تبدل ولا تستقر استقرارا لازما، إنما يكون باختيار المسمى،
стр. 50
ولو شاء لم يسمي بذلك، ولم يقصد به الابانة عن صفات مجتمعة في المسمى دون غيره، كما قصد في الأول، ولا اشتقت للمسمى بها من صفة فيه أصلا وهي يسميها النحويون " الاسماء الاعلام " وذلك نحو قولك: زيد وعمرو أو زيد وزيد أو أسد في اسم رجل أو كافور في اسمه أيضاً وما أشبه ذلك.
فهذه أقسام المسميات كلها تحت الاسماء، ووقوع الاسماء كلها على المسميات ولا مزيد.
وأسماء الله تعالى التي ورد النص بها أسماء أعلام غير مشتقة من شيء أصلا. وأما صفات الفعل له تعالى فمشتقة من أفعاله، كالمحيي والمميت، وما أشبه ذلك وتلك الأفعال أعراض حادثة في خلقه، لا فيه، تعالى الله عن ذلك [١٧ و] .
ب -[مقدمة ثانية]
باب من أقسام الكلام ومعانيه
قد بينا، قبل، أن الكلام ينقسم قسمين: مفرد ومركب، فالمفرد لا يفيدك فائدة أكثر من نفسه، كقولك: رجل وزيد وما أشبه ذلك؛ والمركب يفيدك خبرا صحيحا، كقولك: زيد أمير، والإنسان حي وما أشبه ذلك.
والمركب كله ينقسم أقساما خمسة لاسادس لها وهي: إما خبر وإما استخبار، - وهو الاستفهام - وإما نداء وإما رغبة وإما أمر.
فهذه الأربعة منها لا يقع فيها صدق ولا كذب، ولا يقوم منها برهان أول. على من ينكر وجوب الأمر، وأما بعد وجوب قبول الأمر لخبر يوجبه أو باتفاق من الخصمين فالامر حينئذ مبرهن على صحة وجوبه، وليس برهانا؛ وقد ينطوي في الأمر خبر، وذلك أن القائل: افعل كذا، ينطوي فيه أنك ملزم أن تفعل كذا. وأما النهي فهو نوع من أنواع الأمر، لأنه أمر بالترك. وكذلك ينطوي في الطلبة، وهي الرغبة، إخبار بأن الراغب يريد الشيء المرغوب فيه، ولا تظن أن قولك آمرا: قم: أنه اسم مفرد، فذلك ظن فاسد، بل هو مركب لأن معناه " قم انت ". وكذلك قولك مخبرا عن غائب: " قام هو "، ولو انفرد في حقيقة المعنى دون ضمير، لما تم ولكان ناقصا فاعلمه.
стр. 51
وكذلك قولك مستفهما: أقام؟ أي هل قام هو. وأما إذا خرجت الرغبة على غير وجهها، فان الكذب قد يدخل فيها، كمن قال وهو صحيح: اللهم أصحني، وإنما الحق أن يقول: اللهم أدم صحتي. وكذلك الاستفهام، إذا استفهم عن باطل، كسائل سأل: لم اشتد الحر في الشتاء؟
وأما الخبر ففيه يدخل الصدق والكذب، وفيه تقع الضرورة والاقناع، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب، ومن صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم، وإياه قصد الأوائل والمتأخرون بالقول، وتحته تدخل جميع الشرائع، وكل موات من الطبيعات وغيرها اتفق الناس عليه أو اختلفوا فيه.
وهو يصح بوجوه: أحدها أن يكون معلوما صحته بأول العقل أو بالحواس ومنها ما يصح ببرهان، يقوم على صحته من مقدمات تنتج نتائج على ما يقع في هذا الديوان إن شاء الله ، ومنها ما ينقله صادق قد قام على صدقه برهان مما قدمنا، أو نقله مصدقون بضرورة، على ما قد وقع في غير هذا القول؛ وقد ظن قوم أن القسم والشرط والتعجب والشك، وجوه زائدة على ما ذكرنا، وذلك ظن فاسد [١٧ ظ] لأنها كلها واقعة تحت قسم الخبر وراجعة إليه.
أما القسم فانه إخبار بارادتك إذا قلت: " والله " فان قولك ذلك إنما هو أحلف معظما لأمر الله تعالى.
وأما الشرط فانه خبر واضح لا خفاء به؛ والشك كذلك؛ والتعجب إخبار بالحال التي تعجبت منها.
وقد ظن قوم أن من الخبر ما لا يدخله صدق ولا كذب، وهو إخبار الهاذي بأمر متيقن صحته، لم يقصده، كقوله: لا إله إلا الله، مات فلان فهذان خبران صحيحان.
قال أبو محمد: وهذا الظن غير صحيح لأنه لا يكون مخبرا إلا من قصد الخبر، والخبر مع الخبر من باب الاضافة، فلا خبر إلا المخبر، والهاذي ليس مخبرا بكلامه، فكلامه ليس خبرا.
стр. 52
وإذا قد وافانا ذكر الامر فلنقل على أقسامه قولا مجيزا؛ وذلك أن الامر ينقسم اقساما منها: الواجب الملزم، وهو عنصر الامر لا ينقل عنه لفظ الامر الا بدليل برهاني؛ ومنها المحضوض عليه غير الملزم، ومنها المسموح فيه، وهو الذي تركه افضل؛ ومنها التبرؤ كقول القائل: اعمل ما شئت؛ ويكون الآمر غير راض عن المأمور؛ ومنها الوعيد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (٤٠ فصلت: ٤١) ومنها التهكم (١) كقوله تعالى: ﴿ذق إنك انت العزيز الكريم﴾ (٤٩ الدخان ٤٤) ومنها تقرير كقول المعصي: فد نهيتك فاصبر واحتمل ما أتاك؛ ومنها تعجيز كقوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾ (٥٠ الاسراء: ١٧) ومنها ما هو بمعنى الدعاء، كقول القائل: ابعد، اخسأ؛ ومنها زجر؛ كقول القائل: اخسئوا فيها، ومنها تكوين، وليس هذا القسم الا للباري تعالى وحده في أمره ما يريد ان يكون بالكون، وما يريد ان يعدم بالتلف. ومنه أمر بمعنى الهي كقول القائل لمن تقدم نهيه إياه عن شيء: افعله وسترى ما يكون أو وادري انك رجل. وما اشبه ذلك؛ ومنه أمر بمعنى التعجب كقوله: أحسن بزيد أي ما أحسنه.
ثم تنقسم الأسماء أيضا أقساما أربعة إما حاملة ناعتة، وإما حاملة منعوتة، وإما محمولة منعوتة، وإما محمولة ناعتة. ومعنى قولك: ناعتة، أي أنها تقال على جماعة أشخاص تحتها فتسمى تلك الاشخاص كلها بذلك الاسم، ومعنى قولنا: منعوتة، أي تسمى باسم واحد وهي جماعة، ومعنى قولنا: حاملة أي أنها تقوم بأنفسها وتحمل غيرها، ومعنى قولنا: محمولة: أي لا تقوم بأنفسها.
والحمل المذكور حملان: حمل جوهري وحمل عرضي، فالجوهري يكون أعم ويكون مساويا، ولا يكون أخص أصلا، والعرضي [١٨و] يكون أعم ومساويا وأخص، فالحمل الجوهري الاعم مثل قولك: الإنسان حي، فان الحياة محمولة في الإنسان حملا جوهريا، إذ لولا لم يكن إنسانا، والحياة أيضا في غير الإنسان موجودة. فلذلك قلنا إن هذا الحمل أعم؛ والحمل الجوهري المساوي مثل كون الحياة في الحي فانها مساوية للحي، لا تكون حياة في غير حي، ولا يكون حي في العالم بلا حياة؟ وتسميتنا الخالق تعالى حيا ليس على
стр. 53
هذا الوجه، وإنما سميناه بذلك اتباعا للنص ولولا لم يجز لنا أن نسميه حيا إذ الحياة ليست إلا قوة تكون بها الحركة الارادية والحس، وكلا الأمرين منفي عن الباري . وليست أسماؤه مشتقة أصلا ولا واقعة تحت شيء من الأقسام الخمسة التي ذكرنا، لكنها أسماء أعلام فقط، لم يوجب تسميه تعالى بها دليل، حاشا أننا أمرنا تعالى بأن نسميه بها وندعوه بها ونناديه بها، لا إله الا هو. وإنما دل البرهان على أنه تعالى أول حق واحد خالق فقط ثم نخبر عنه بأفعاله، ، فقط من إحياء وإماتة وتصوير وترتيب ونحو ذلك، أو ما أمرنا أن نسميه به، دون ان يكون هنالك شيء أوجب تسميته بذلك.
ولا يجوز ان يكون حمل جوهري أخص أصلا، حينئذ كان يكون غير جوهري، إذ الجوهري هو ما لم يتسم جميع النوع الا به، لا بما يكون في بعضه دون بعض.
وأما الحمل العرضي الاعم فكقولنا للزنجي: أسود، فان الأسود اعم من الزنجي، لان السواد في الغرب والسبج والمراح (١) . اما الحمل العرضي المساوي فكقولنا للأنسان: ضحاك، والضحك لا يكون في غير الإنسان، ولا يكون إنسان الا ضحاكا. واما الحمل العرضي الاخص فكقولنا في بعض الناس: فقهاء وحاكة وما اشبه ذلك، فان هذه الصفات لا توجد في كل إنسان، لكن في بعضهم، ولا توجد في غير إنسان؛ وقد يكون من هذا الحمل ما هو أخص الخاص، كقولك هذا الشخص هو زيد. واما الحمل الممكن فيكون أعم، كالسواد هو في بعض الناس وغيرهم، ويكون أخص كالطب، ليس الا في بعض الناس فقط لا في جميعهم، ولا في غيرهم، ولا يكون مساويا، كالضحك، للإنسان. وأما الحمل الواجب فينقسم قسمين: عام كالحياة للحي، ومساو كالضحك للإنسان، ويكون أعم كالحياة له ولغيره، ولا يكون اخص؛ والنفي في الممتنع يكون اعم فقط، كنفي الجمادية عن الإنسان، وربما وجد مساويا،
стр. 54
ولا يوجد اخص فيما اوجبه الطبع للنوع [١٨ظ] .
واما الاشياء الحاملة الناعتة فكقولك: الإنسان الكلى، أي الواقع على كل اشخاص الناس، وهو الذي اراد الله تعالى بقوله: (ان الإنسان خلق هلوعا) (١٩المعارج: ٧٠) فانه تعالى لم يرد إنسانا بعينه، لكنه ، عنى النوع كله. فأما الإنسان الكلي وقد يقال أيضاً: الإنسان المطلق، هو حامل لصفاته من النطق والحياة واللون والطول والعرض وغير ذلك، وناعت لزيد وخالد وهند وزينب، ولكل شخص من الناس، وهو المسمى الإنسان الجزئي، فزيد يسمى إنسانا، وعمرو يسمى إنسانا، وكل واحد من الناس كذلك؛ فالإنسان الكلي ناعت لكل من ذكرنا، أي مسمى به كل واحد من الناس. وهذا القسم لا يكون محمولا أصلاً، أي لا يكون عرضا ألبتة، لان العرض محمول لا حامل، والجوهر حامل لا محمول.
واما الحاملة المنعوتة: فالأشخاص الجوهرية، مثل قولك: زيد وعمرو وكلب خالد وجمل عبيد، وغير ذلك، فان هذه كلها منعوتة تسمى كلها باسم واحد يجمعها كما بينا، وهي حاملة لصفاتها من العلم والشجاعة والطول والعرض والنطق وغير ذلك من سائر الصفات، وهذه أيضاً لا تكون محمولة ألبتة.
واما المحمولة الناعتة: فكقولنا العلم بأي نوع من كيفيات النفس، وتحت العلم أنواع كثيرة، هو لها جنس جامع، كالفقه والطب والفلسفة والنحو والشعر وغير ذلك، وكل واحد م هذه يسمى علما، فالعلم ناعت لها، وكل واحد من هذه العلوم نوع يقع تحت أصناف منه وأشخاص أبواب ومسائل، كوقوع القبائل واشخاص الناس تحت قولك: الإنسان، وهكذا كل نوع تحت كل جنس، فسبحان مدبر العالم كما شاء، لا اله غيره.
ثم نرجع إلى تفسير الناعتة المحمولة فنقول: ان العلم الكلي محمول في انفس النحويين، وكذلك كل علم في انفس اهله، ونقول: ان كل علم من العلوم ناعت لما تحته من الابواب والمسائل، أي ان جميعها يسمى باسم ذلك العلم، فكل مسألة من مسائل النحو تسمى نحوا أو علما، وكل مسألة من مسائل الفقه تسمى فقها وعلما، وكل قضية من قضايا الطب تسمى طبا وعلما، وكل
стр. 55
لفظة من اللغة تسمى لغة وعلما، وكل حديث من الخبر يسمى خبرا وعلما، وهكذا في كل علم. وهذه المسائل تسميها (١) الأوائل " علما جزئيا " وعلم كل واحد من الناس أيضاً يسمى علما جزئيا، وجميع علوم الناس تسمى: " علما كليا ".
واما المحمولة المنعوتة فهي علم كل امرئ على حياله [١٩و] وهي أيضاً مسائل كل علم، فان محمول في نفس العالم به، وهي منعوتة باسم العلم الجامع لها، أي أنها كلها تسمى علما؟ كما قلنا -.
واعلم ان الناعت قد يكون منعوتا، الا انه لا بد في اول طرفيه من ناعت لا ينعته شيء، وهو جنس الأجناس الذي قدمنا أولا، ولا بد في آخر طرفيه من منعوت لا ينعت شيئا، وهو الأشخاص من الجواهر؟ على قدمنا -
واعلم أن الحامل لا يكون محمولا أصلا، والمحمول لا يكون حاملا أصلا؟ لنا قد بينا من أن الحامل هو القائم بنفسه، والمحمول هو الذي لا يقوم بنفسه، فمحال لا يتشكل في العقل أن يكون شيء قائم بنفسه لا قائم بنفسه.
وقد أضجرني بعض أصدقائنا ببلية أدخلها عليه حسن ظنه بكلام قرأه لكثير الهذر المكني بأبي العباس المعروف بالناشيء، فكان ابدا يسومني الفرق بين المحمول والمتمكن، ولم يعنه الخالق تعالى إلى وقتنا الذي كتبنا فيه كتابنا هذا، على فهم الفرق بينهما، وهو ان المحمول إنما تقوله في الصفات التي تبطل ببطلان ما هي فيه، كبياض زيد وحياته، فان زيدا إن بطل، بطلت حياته وبياضه، بلا شك، وقد يبطل أيضا بياضه ولا يبطل زيد بل يكون صحيحا سويا إما لشحوب واما لبعض الحوادث. والمتمكن إنما نقوله في الجواهر التي لا تبطل ببطلان ما هي فيه ككون زيد في البيت ثم ينهدم البيت ويصير رابية أو هوة (٢) ، وزيد قائم صحيح ينظر في أسبابه، ويزايل زيد البيت ولا يبطل واحد منهما وهكذا أجزاء الجسم في الجسم إنما هي متمكنة لا محمولة، وهذا فرق لا يختل على ذي حس سليم أو إنصاف. وبالجملة، فكون الجسم في الجسم
стр. 56
تمكن، وهو غير الحمل الذي هو كون العرض في الجسم.
وكل ما نعت نوعا فهو ناعت لأشخاص ذلك النوع، أي كل اسم سمى به نوعا فانه يسمى به كل شخص من أشخاص ذلك النوع، جوهرا كان أو غير جوهر. إذ ليس الجنس شيئا غير أنواعه، وليس الجنس وأنواعه شيئا غير الأشخاص الواقعة تحتها.
واعلم أن فصول كل جنس من الاجناس فانه يوصف بها كل ما تحته من انواعه، وكل شخص من الاشخاص الواقعة تحت أنواعه، كالحساس فانه يقال على كل حي وعلى كل إنسان وفرس وحمار وعلى زيد عمرو وهند وسائر أشخاص الحيوان كله، وهكذا في جميع الأجناس والأنواع كلها. وقد قلنا أيضا: ان الأجناس تعطي كل ما تحتها من نوع أو شخص أسماءها وحدودها، أي ان اسم ذلك الجنس وحده يسمى به ويحد كل نوع تحته وكل شخص يقع تحت [١٩ ظ] كل نوع من أنواع ذلك الجنس.
واعلم ان فصول كل نوع فأنها لا توجد في نوع آخر أصلا بوجه من الوجوه لا اسمه ولا حده، لان الفرس لا يسمى باسم الإنسان ولا يحد بحده، وكذلك كل نوع أبدا.
[المقولات العشر]
١ - الكلام على الجوهر
وهو أول الرءوس العشر التي قدمنا أنها أجناس الأجناس، لأنه حامل لها، وباقيها محمولة فيه، وهو قائم بنفسه، وهي غير قائمة بأنفسها. وسمت (١) الأوائل أشخاص الجواهر: " الجوهر الأوائل " تعنى بذلك زيدا وعمرا وبعير عبد الله وكلب خالد وثوب عمرو، وما أشبه ذلك. وسمت " الجواهر الثواني " لان الاولة على الحقيقة هي الأشخاص القائمة، وسكت ما في الأشخاص من الاعراض: " الاعراض الحق الأول " وسمت أنواعها وأجناسها التي في أنواع الجواهر وأجناسها: " الاعراض الثواني ".
стр. 57
واعلم أن الجواهر لا ضد لها أصلا، فان وضعت بالتضاد يوما، فإنما يراد أنها تتضاد كيفياتها فقط. وبهذا المعنى أن يكون الأول ضدا لخلقه لأنه لا كيفية له أصلا والتضاد لا يكون إلا في كيفية على مكيف، فالبارى ليس ضدا ولا مضادا ولا منافيا لا إله إلا هو.
والجوهر لا يقال فيه أشد ولا أضعف أي لا يكون حمارا أشد في الحمارية من حمار آخر، ولا تيس أشد في التيسية من تيس آخر، ولا إنسان أضعف إنسانية من إنسان آخر، وكذلك الكمية أيضاً على ما يقع في بابها إن شاء الله وإنما يقع التضاد والأشد والأضعف في بعض الكيفيات على ما يقع في بابها، إن شاء الله.
ورسم الجوهر هو أن تقول: إنه القائم بنفسه القابل للمتضادات، فان النفس قائمة بنفسها تقبل العلم والجهل والشجاعة والجبن والنزاهة والطمع وسائر المتضادات من أخلاقها، التي هي كيفياتها، وكذلك كثير من الاجرام تقبل البياض والسواد اللذين احدهما لون مفرق للبصر وهو البيض، والثاني جامع للبصر وهو السواد. وكثير منها يقبل الحر والبرد والمجسة، التي هي خشونة أو املاس، والرائحة التي هي طيب أو نتن، وغير ذلك من الصفات التي تقع عليها الحواس؛ فكل قائم بنفسه قابل للمتضادات لأنه حامل لها في ذاته، وبهذا خرج الباري عن ان يكون جوهرا أو يسمى جوهرا، لأنه تعالى ليس حاملا لشيء من الكيفيات أصلاً [٢٠ و] فليس جوهرا.
أما ما (١) يظن قوم من ان الكيفية تقبل الأضداد لأن اللون يقبل البياض والحمرة فذلك ظن فاسد، لأن انواع الكيفية بعضها من الأضداد أنفسها، فبي متضادة بذاتها، لا حاملة للتضاد في ذاتها، بل هي الأضداد المحمولة انفسها، والجوهر حامل لها كزيد، مرة هو صبي، ومرة هو شيخ، ومرة هو اصفر من الفزع أو المرض، ومرة هو اسمر من الشمس، ومرة هو حار لقربه من النار، واخرى بارد لقربه من الثلج، ومرة قاعدا ومرة قائما، وهو زيد نفسه. وكل هذه كيفيات واعراض متعاقبة عليها ذاهبة وواردة، فبعضها متضاد وبعضها مختلف. وكذلك الكلام والفكر الذي هو التوهم لا يقبلان الأضداد
стр. 58
قبول الجواهر للأضداد، لأن الكلام والتوهم اما ان يكون صدقا واما ان يكون كذبا، بصحة معنى الشيء المتوهم، أو الكلام، أو ببطلانه، وليس الصدق والكذب متعاقبين على كلام واحد، بل هما كلامان: أحدهما صدق، والآخر كذب، وكذلك التوهم أيضاً.
٢ - الكلام على الكمية؟ وهي العدد -
ذكر الأوائل أن الكمية تقع على سبعة أنواع: أولها العدد ثم الجرم ثم السطح ثم الخط ثم المكان ثم الزمان ثم القول؛ ثم تنقسم هذه السبعة على قسمين: أحدهما منفصل والآخر متصل؛ ما كان له فصل مشترك وهو خمسة من هذه السبعة وهي: الجرم والسطح والخط والمكان والزمان، فالفصل المشترك للجرم هو: السطح، والفصل المشترك للسطح هو الخط، والفصل المشترك للخط هو النقطة، والفصل المشترك للزمان هو الآن، وللمكان أيضاً فصل مشترك. والمنفصل هو الذي له ترتيب وليس له فصل مشترك وهو: العدد والقول.
قال أبو محمد علي بن احمد؟ رضوان الله عليه - ونحن ان شاء الله، مفسرون ما ذكرنا في هذا، على ما شرطنا في أول الكتاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فنقول:
ان القسم الذي هو العدد من هذه السبعة هو الكمية على الحقيقة الذي لا كمية غيره، لكنه يقع على سائر الأنواع التي ذكرنا، فوقوعه على الجرم إنما هو بمساحته: فان كل جرم في العالم، فله مساحة، ودق أم عظم، والمساحة عدد يوجد بمقدار متفق عليه: أما شبر واما ذراع واما ميل [٢٠ ظ] واما فرسخ واما غلط ظفر أو شعرة، أو اقل أو اكثر، فلهذا ادخلوا الجرم في باب الكمية.
والعدد أيضاً واقع على الاجرام بوجه آخر، وهو عدد أجزائه بعد انقسامها، أو عدد الأشخاص ان أردت إحصاء جملة منها، والاجرام هي الاجسام، فتعد ما أردت عدده بواحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، حتى تبلغ إلى ما تريد إحصاءه منها.
وقد رأيت بعض من يدعي هذا العلم يتعقب على الأوائل إدخالهم الجرم تحت الكمية، وهذا يدل على مغيب هذا المعترض عن هذا العلم، وعن الحقيقة
стр. 59
المقصودة، ولو ان مثل هذا الصنف من الناس ينصفون أو يتركون التعلم لكان أصون للعلم واقل ضررا على أهله واعظم للمنفعة، لكن صدق الله إذ يقول: ﴿ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم﴾ (١١٩ هود: ١١) .
والجرم المذكور هو كل طويل عريض عميق.
واما وقوع العدد على السطح فهو نهاية من جميع جهاته الست، وهذا أيضاً وجه من وجوه وقوع العدد على الجرم، فانه لا بد لكل جرم من جهات ست، وهو فوق واسفل وامام ووراء ويمين وشمال، ولا بد لكل جرم من هذه الجهات الست، ولا سبيل إلى جهة سابعة، والست عدد، فهذا عدد لازم واقع على كل جرم. ووقوع العدد بالمساحة على الجرم هو نفس وقوعه على السطح.
ونقول أيضاً في زيادة شرح في السطح: ان السطح هو منقطع كل جرم لاقى جرما، [إما] هواء وإنا أرضا غير ذلك، أي جرم كان؛ والمساحة تقع على السطح، على ما قدمناه، إذ لكل سطح مقدار ما معدود مذروع كما وصفنا آنفا.
وأما وقوع العدد على الخط هو متناهي كل سطح وانقطاعه، وأمثل ذلك بمثال ليكون زائدا في البيان فأقول: ان السكين جرم ومنتهى جانبيه سطح، ومتناهي كل جانب من جوانبه خط، فمن أول طرفه الحاد إلى منتهاه خط، وكذلك ما أخذ من تناهي سطحه مع حرف قفاه فهو خط. ونهايته هي النقطة، ولا يقع على النقطة عدد ولا مساحة ولا ذرع لانها ليست شيئا أصلا، وإنما هو اسم عبر به عن الانقطاع والتناهي وعدم تمادي ذلك الجرم فقط؛ فالخط المذكور له أيضا مساحة وهي مذروعة معدودة، وهذا أيضا وجه من وجوه لعدد على الجرم.
وأما وقوع العدد على المكان، فالمكان أيضا جرم من [٢١و] الاجرام لأنه أما ارض واما هواء وإما ماء واما بساط وغير ذلك، أي جرم كان فيه جرم آخر، ولكل شيء مما ذكرنا مساحة وذرع معدود.
стр. 60
وأما وقوع العدد على الزمان، فالأزمنة ثلاثة: حال وماض (١) ومستقبل فهذا وجه من وجوه وقوع العدد على الزمان. وأيضا فالزمان هو مدة بقاء الجرم ساكنا أو متحركا، والحركات معدودة بأولى وثانية وهكذا إما زاد، فالعدد لازم وواقع عليه من هذا الوجه، وإلا فالزمان ليس عددا محضا مجردا لكنه مركب من جرم وكيفيته في سكونه أو حركته ومن عدد تلك الكيفية.
وأما القول: فإنما اراد الأوائل بذلك عدد نغم اللحون، وعدد معاني الكلام، فان لكل ذلك عددا محصورا في ذاته، فمنه ما نعلمه ومنه ما يغمض عنا. وأرادوا بذلك أيضا الحروف المسموعة بالصوت المندفع من مخارج الكلام، وهي التي تسميها العامة: " حروف الهجاء " وهي التي تبتدئ بأبجد وبألف ب، ت، ث؛ وهي محصورة معدودة لا مزيد فيها في الطبيعة البتة، وان كان قد تفاوتت أعدادها في اللغات، فهي في العربية ثمانية وعشرون حرفا، إلى ذلك انتهى تحصيلنا فيها؛ واخبرني المخبر، وهو أبو الفتوح الجرجاني انها تبلغ في اللغة الفارسية أربعين حرفا، ولم استخبره عن الكيفية في ذلك، الا إن كانوا يعدون منها الأصوات الحادثة من إيشاع الحركات الثلاث التي هي الرفع والنصب والخفض، فحينئذ تبلغ واحدا واربعين حرفا، وللكلام في هذا المعنى مكان آخر.
واما العدد نفسه فهو: اثنان ثلاثة أربعة فما زاد، والواحد مبدأ وليس عددا، كما سنبينه في آخر هذا الباب، ان شاء الله .
واما ما ذكرنا آنفا ان من العدد ما هو متصل وما هو منفصل، وما ذكرنا في الفصل المشترك، فالمعنى في الفصل المشترك انه ما كان من انواع ما يقع عليه العدد له نهاية إذا التقت بنهاية شيء آخر من نوعه اتحد الشيئان معا، أي صارا شيئا واحدا، كالمجرمين فانهما إذا التقيا بعد ان كانا مفترقين، وتمازجا، فانهما يصيران جرما واحدا كماء جمعته إلى ماء، فصار ماء واحدا، وترابا،
стр. 61
واحدا إلى تراب، وحيطا إلى حيط، وما اشبه ذلك، وهذا إنما [يكون] بتلاقي سطحيهما، وكذلك إن التقى سطح وسطح، فصارا خطا واحدا، بعد ان كان السطحان [٢١ظ] مفترقين، كسطح عجين ضممته إلى سطح عجين آخر، فصارا عجيبا واحدا، وما اشبه ذلك. وكذلك القول في التقاء الخطين، وكل ذلك إنما هو بضم جرم إلى جرم، وكذلك مكان كان فيه زيد، ومكان كان فيه عمرو إلى جانبه، فقاما عنه، فصار المكانان مكانا واحدا، فهذا هو الفعل المشترك بين الجرمين الذي هو آخر الأول وأول الثاني وليس جزءا لهما ولا لواحد منهما وإنما هو نهاية ارتفعت الاجتماع الحادث. وكذلك الفصل المشترك للزمان، فهو قولك الآن، فان الآن نهاية للماضي وابتداء للمستقبل، فإذا أتى المستقبل، صار الذي كان الآن ماضيا، مع الماضي قبله، فاتحدا أي صارا زمانا واحدا ماضيا، وقولك " الآن " هو حال لا ماضيا ولا مستقبلا، فهذا هو الذي قلنا فيه إنه متصل الشيئان منه فيصيران شيئا واحدا.
وأما قولنا في العدد والقول: انهما منفصلان وان لهما ترتيبا وليس لهما فصل مشترك، فهو أن الحروف التي ذكرناها آنفا وهي حروف الهجاء فانه لا يجوز أن تجتمع الباء مع التاء فيصيران معا باء واحدة وتاء واحدة أو حرفا واحدا وكذلك الباء والتاء مع التاء وكل حرف مع مثله أو مع خلافه كذلك ولا فرق، بخلاف ما ذكرناه قبل من تصيير المكانين مكانا واحدا والجرمين جرما واحدا والسطحين سطحا واحدا والخطين خطا واحدا. لكن لهذه الحروف ترتيب في ضم إلى بعض، يقوم من ذلك الترتيب فهم المعاني في الكلام؛ وكذلك النغم، لا يجوز أن تصير النغمتان غمة واحدة ولا المعنيان معنى واحدا، ولكن لكل ذلك ترتيب معلوم، فلهذا سمى القول منفصلا، وقيل فيه: إنه له فصل مشترك. وكذلك العدد فانه لا يجوز أن تضم ثلاثة قد انتهت تبتدئها فتصير الثلاثتان ثلاثة واحدة. وهكذا كل عدد إلا أن يضم بعض الأعداد إلى بعض ترتيبا ونظما معلوما يعرف به نسبة بعضها من بعض وحدوث أعداد من جمع بعضها إلى بعض، فهذا غاية البيان في هذا الباب، ولم نترك فيه شيئا من اللبس بحول الله تعالى وقوته الواردة علينا
стр. 62
الموهوبة من قبله وله الحمد والشكر، لا إله إلا هو.
وذكر الاوائل أيضا قسما آخر لأنواع الكمية التي ذكرنا وهي أيضا تنقسم قسمين: أحدهما: للذي هو [٢٢و] وضع والآخر لغير ذي وضع وتفسير ذلك أن قوله: " ذو وضع " عبارة عما ثبتت أجزاؤه، وقوله " ليس ذا وضع " إنما هو عبارة عما لا تثبت أجزاؤه.
فالذي ثبتت أجزاؤه هو الجرم والسطح والخط والمكان لأن أجزاء كل واحد من هذه ثابتة مع مرور العدد عليها، فانك كلما ذرعت المكان أو الجرم كان ما ذرعت منها باقيا مع ما يستأنف ذرعه من باقيه. والخط والسطح معدود الذرع مع عدد ذرع الجرم الحامل لهما.
وأما الذي هو غير وضع فهو الزمان والعدد والقول، فانك إذا قلت أمس أو عددت ساعات يومك وجدت كل ما تعد من ذلك فانيا ماضيا غير ثابت ولا باق، وهكذا ينقضى الأول فالأول من الزمان، وكل ما تقضى منه فهو فان معدوم، بخلاف ما ذكرنا، قبل، من بقاء أجزاء الجرم. ونجد أجزاء الزمان التي لم تأت بعد، معدومة، بخلاف جميع أجزاء الجرم، وما طواه العدد معه من سطوحه وخطوطه. وما أنت فيه من الزمان فلا يثبت ثباتا تقدر على إقراره وإمساكه أصلا بوجه من الوجوه، لكنه يثبت ثم ينقضى بلا مهلة، وهكذا أبدا. وكذلك أجزاء القول، إذا تكلمت عن حروفه ونظمه ومعانيه، فان كل ما تكلمت به من ذلك فقد فني وعدم، وما لم تتكلم به من ذلك فمعدوم لم يحدث بعد، والذي أنت فيه من كل ذلك لا قدرة لك على إثباته ولا إمساكه ولا إقراره أيضا أصلا، بوجه من الوجوه، لكن ينقضى أولا فأولا بلا مهلة، فسبحان مخترع العالم ومدبره.
وأما من ظن أن الكيفيات قد تدخل تحت الكمية أيضا وذلك لأنه سمع الناس يقولون: بياض كثير وبياض قليل، فذلك ظن فاسد لأنه إنما يعني بذلك سطح الجرم الحامل للون أو ضيقه وقلة ذرعه، وإنما الكية هاهنا لمساحة الجرم الحامل كما قدمنا قبل، وكذلك أيضاً من قال: عمل كثير أو طويل
стр. 63
فإنما ذلك لكثرة الزمان وطوله، ليس للكمية ضد ألبتة، ليس للذرع ضد، ولا للشبر ضد، وكذلك سائر مقادير الكمية. وكذلك من ظن أن الكثير ضد القليل، والكبير ضد الصغير فظنه فاسد، وإنما ذلك من باب الاضافة، إذ ليس في العالم شيء كبير بذاته، ولا صغير بذاته، وإنما الكبير كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، والصغير صغير بالإضافة إلى ما هو اكبر منه. ألا ترى الخردلة، وكذلك الأرض صغيرة بالإضافة إلى الفلك، ولا جزء وإن دق إلا ومتوهم [٢٢ ظ] أدق منه. وكذلك الفلك الأعلى الذي لا شيء بالفعل اكبر منه، فالمتوهم في قوة الخالق تعالى الزيادة فيه، وإحداث ما هو اعظم منه. وقد نقول: جبل صغير، وخردلة كبيرة بالإضافة إلى جبل اكبر منه، وبالإضافة إلى خردلة أخرى اصغر منها، فلو كان الصغير ضدا للكبير لكان ضدا لنفسه لأنه كبير من جهة صغير من أخرى، وهذا محال. وهكذا القول في القليل والكثير، ولا فرق، فان المائة قليلة بالإضافة إلى الألف، وكثير بالإضافة إلى العشرة، وهكذا كل عدد فمتوهم الزيادة عليه أبدا. إلا أن كل ما خرج منه إلى الفعل فمتناه (١) أبدا. ولو كان عشرة في مدينة لكان ذلك عددا قليلا جدا، فلو كانوا مع رجل وامرأة في بيت لكانوا عددا كثيرا جدا، وكذلك لو كانوا بنيه.
واعلم أن الكثير والقليل والطويل والقصير والصغير والعظيم والحقير والجليل والدقيق والضخم والضئيل والغليظ والرقيق والجسيم واليسير والتافه والنزر كل هذه من باب الكمية وليس شيء منها موصوف به شيء في العالم على الإطلاق، لكن بالإضافة إلى ما فوقه وما دونه؟ على ما قدمنا -.
والقبل والبعد أيضا مما يقع في العدد لأن الاثنين قبل الثلاثة، وتقع في الزمان، وتقع في الإضافة على ما تذكر في بابها إن شاء الله تعالى.
والكمية هو كل معنى، حسن فيه السؤال بكم، الكمية لا تقبل الأشد ولا الأضعف. لست تقول خمسة من خمسة [في] انها خمسة، ولا أضعف منها في ذلك أيضا، هكذا لا تقول: زمان أشد زمانية من
стр. 64
زمان ولا أضعف. وخاصة الكمية لا توجد في غير الكمية، ولا يخلو منها نوع من أنواع الكمية فهي مساو ولا مساو وكثير وقليل وزائد وناقص، فانك تقول هذه العشرة مساوية للثمانية والاثنين، وغير مساوية للثمانية فقط، وهكذا في جميع أنواع الكمية. وهذه عبارة لم تعط اللغة العربية غيرها، وقد تشاركها فيها الكيفية، وهذا يستبين في اللغة اللطينية عندنا استبانة ظاهرة لا تختل، وهي لفظة فيها تختص بها الكمية دون سائر المقولات العشر. وللكيفية أيضا في اللطينية لفظ بها اختصاصنا بينا لا إشكال فيه، دون سائر المقولات، لا يوجد لها ترجمة مطابقة في العربية، فإنما يصار في مثل هذا إلى الأبعد من الأشكال على حسب الموجود في اللغة وبالله تعالى التوفيق [٢٣ و]
وبهذا الذي ذكرنا يتبين أن الواحد ليس عددا لان العدد هو ما مجد عدد آخر مساو له، وليس للواحد عدد يساويه، لأنك إذا قسمته لم يكن واحدا بل هو كسير حينئذ، وبهذا وجب أن الواحد الحق إنما هو الخالق المبتدئ ولجميع الخلق، وانه ليس عددا معدودا، والخلق كله معدود.
٣ - باب الكيفية
تكاد الكيفية تعم جميع المقولات التسع، حاشا الجوهر، لكنها لما كانت جوابا فيما سئل عنه بكيف، لم تعمها عموما كليا مطلقا، إذ من سأل: كيف هذا؟ لم يجب: إنه سبعة أذرع، ولا أنه أمس، ولا أنه في الجامع.
والكيفية هو كل ما تعاقب على جميع الاجرام ذوات الأنفس، وغير ذوات الأنفس من حال صحة وسقم وغنى وعدم وخمول ولون، وسواء أكانت الأمور التي ذكرنا مزايلة: كصفرة الخوف وحمرة الخجل وكدرة الهم، أو كانت غير مزايلة كصفرة الذهب وخضرة البقل وحمرة الدم وسواد القار وبياض البلور.
ومن الكيفيات أيضا جميع أعراض النفس من عقل وحمق وحزم وسخف
стр. 65
وشجاعة وجبن وتمييز وبلادة وعلم وجهل ورضى وغضب وفسق وإقرار وانكار وبغض وحب، ومنها الطعوم والروائح والمجسات وتراكيب الكلام والحر والبرد والصور في جميع الأشكال وسائر الاعراض، كل ذلك كيفية، والتضاد لا يكون الا في الكيفيات خاصة، وليس يكون في كل كيفية، بل يكون في بعضها دون بعض، والكيفيات أنواع كثيرة جدا، ففي بعض أنواع الكيفية يقع التضاد، فيكون نوع منها ضدا لنوع آخر بذاتهما.
ومن خواص الكيفيات أيضا أنه يكون بعضها أشد من بعض، وبعضها أضعف من بعض، كما كان بعض الكميات أكثر من بعض، وبعضها أقل من بعض. فتقول: ان صوت الرعد أشد من صوت البط وريح المسك أعبق من ريح الصندل، وطعم العسل أحلى من طعم الحنظل، وهكذا في الخشونة واللين والألوان وفي كثير من الكيفيات؛ وإنما ذلك منها فيما كانت له وسائط من ضدين، وكانت تقبل المزاج ومداخلة بعضها بعضا لا في كل كيفية على ما نبين في باب الكلام في التقابل ان شاء الله .
وأما استواء أشخاصها تحت النوع الجامع لها تحت الجنس فلا يجوز أن يقع في شيء من ذلك أشد ولا أضعف ولا [٢٣ظ] يجوز أن نقول: لون اشد لونية من لون آخر، أي في أن كل واحد منها لون؛ ولسنا نعني بذلك الإشراق أو الانكسار، وكذلك لا يكون صدق أصدق من صدق آخر ولا كذب أكذب من كذب آخر وإنما يتفاضل هذا في الاثم والاستشناع فقط، وإلا فكذب المزاج كذب بحث، والكذب على الخالق كذب بحث، وكذلك المحال كذب بحث، متساو كل ذلك في أنه كذب استواء صحيحا، لا تفاضل فيه، ولا أشد ولا أضعف، لكن بعضها أعظم إثما وأقبح في الشناعة من بعض. وكذلك لا يكون علم شيء أصح من علم آخر بشيء آخر، ولا جهل بشيء أكثر من جهل بشيء آخر، ولا أشد ولا أضعف. فان دخلت وسيطة الشك في شيء من ذلك، خرجت تلك الكيفية من أن تكون علما جملة واحدة، ولم يقع ذلك الظن تحت نوع العلم. وكذلك لا يكون سواد اشد من سواد آخر إلا وقد دخل أحد السوادين بياض شابه أو حمرة أو خضرة أو صفرة. وكذلك لا تكون سرعة أشد من
стр. 66
سرعة إلا وقد داخل إحداهما توقف في خلال الحركة. وهكذا كل ما يقال فيه أشد وأضعف، فتأمل هذا بعقلك تجده صحيحا يقينا لا محيد لك عنه أصلا.
وأما الخاصة التي تخص جميع الكيفيات ولا تخلو منها كيفية أصلا فهي شبيه ولا شبيه، فانك تقول هذا الصدق شبيه بهذا الصدق، وهذا الكذب غير شبيه بهذا الكذب، وهكذا في كل كيفية. وقد ذكرنا قبل أن هذه عبارة لم نقدر في اللغة العربية على أبين منها، ولهذا المعنى في اللطينية لفظة لائحة البيان غير مشتركة، لم توجد لها في العربية ترجمة مطابقة لها فصير إلى اقرب ما وجد رافعا للاشكال.
والكيفيات أجناس وأنواع متوسطة، وأنواع أنواع، وذلك أن اللون نوع تحت الكيفية وجنس لما تحته، ثم البياض والحمرة والخضرة والصفرة أنواع تحت اللون وذوات أشخاص شتى، وهكذا كيفيات النفس: الفضيلية تحت الكيفية، والصبر نوع تحت الفضيلية، والحلم نوع تحت الصبر، وهذا كثير جدا.
ونقول: إن الكيفيات تنقسم قسمين: جسمانية ونفسانية، فالجسمانية ما عمت الأجسام أو خصت بعضها كاللون والطعم والمجسة وغير ذلك، والنفسانية ما عمت النفوس أو خصت بعضها كالعقل والحمق والعلم والجهل والفكر والذكر والتوهم وسائر أخلاق النفس.
ونقول أيضا: إن القسمين اللذين ذكرنا ينقسم كل واحد منهما قسمين: أحدهما ما كان بالقوة، وهو ما كان يمكن ظهوره إلا أنه لم يظهر بعد، كقعود القائم وكفر المؤمن وإيمان الكافر وغضب الحليم وحلم الغضبان [٢٤و] وسواد ما يحمل الصبغ مما لو يصبغ بعد وما أشبه ذلك. والثاني ما كان بالفعل، وهو قد ظهر وعلم حسا أو بتوسط حس أو بالعقل، كحمرة الاحمر، وطول الطويل، وحلاوة الحلو وإيمان المؤمن وحلم الحليم وما أشبه ذلك، فهذا هو معنى ما نفهمه بالحكاية عن الأوائل أنهم يقولون: هذا الأمر بالقوة، وهذا الأمر بالفعل، وإنما يعنون بالقوة: الإمكان وما احتمل البنية أو الرتبة أن يوجد فيها أو بها، ويعنون بالفعل: الذي قد ظهر ووجد ووجب.
ثم نقول: إن الكيفيات أيضاً تنقسم أحدهما يسمى: " حالا "
стр. 67
وهو ما كان سريع الزوال كالغضب الحادث والطرب الحادث وحمرة الخجل وصفرة الفزع والقيام والعقود وما أشبه ذلك؛ والثاني يسمى " هيئة " وهو ما لم يعهده زائلا عما هو فيه، إلا أن يتوهم زواله ويبقى الذي هو فيه بحسبه: كطبع الشح وطبع النزق وطبع السخف وكزرقة الأزرق وفسطة الأفطس وما أشبه ذلك.
وأما الكيفية الجسمانية فهي تع تحت الحواس وهي تنقسم: احدهما يحيل ضده إذا لاقاه إلى طبعه فيسمى ذلك " فاعلا " وهذا كالحر والبرد، فان الحر إذا لاقى بردا لا يقاومه أكسب حامله حرا، والبرد إذا لاقى حرا لا يقاومه أكسب حامله حرا. والقسم الثاني يضعف عن هذا الأمر منه ويكثر فيه فعل القسم الأول، فيسمى هذا القسم الثاني " منفعلا " وذلك مثل الرطوبة واليبس فان الحر إذا لاقى رطبا أيبسه، وقد يرطبه أيضا، بأن تصعد إليه رطوبة.
ووقوع الكيفية الجسمانية تحت الحواس ينقسم خمسة أقسام: أحدها ما يدرك بحس البصر، والثاني ما يدرك بحس السمع، والثالث ما يدرك بحس الشم، والرابع ما يدرك بحس الذوق، والخامس ما يدرك بحس اللمس باليد أو بجميع الجسد. وكل هذه الحواس موصلات إلى النفس، والنفس هي الحساسة المدركة من قبل هذه الحواس المؤدية إليها. وهذه الحواس إلى النفس كالأبواب والأزقة والمنافذ والطرق. ودليل ذلك أن النفس إذا عرض لها أو شغلها شاغل بطلت الحواس كلها، مع كون الحواس سليمة، فسبحان المدبر، لا إله إلا هو.
وأما الذي يدرك البصر فينقسم قسمين: أحدهما ما يدرك بالنظر بالعين مجردا فقط، وليس ذلك شيئا غير الألوان، والثاني ما ادركته النفس بالعقل والعلم وبتوسط اللون واللمس أو بها جميعا، كتناهي الطول والعرض، وشكل كل ذي شكل من مدور ومربع وغير ذلك، والحركة أو السكون أو [٢٤ ظ] ضخم الجسم وضؤولته، وما أشبه ذلك. فانك لما رأيت اللون قد انتهى بتناهيه من كل جهة، علمت كيفية شكل ذلك الجرم، وكذلك لما رأيت اللون منتقلا من مكان إلى مكان علمت ان الحامل له منتقل ناقل له، وكذلك
стр. 68
لما رأيت اللون ساكنا علمت ان حامله ساكن، وهذا كله يدركه البصير، والأعمى بالمس، كما قلنا في اللون، سواء سواء. فانك إن لمست مجسة الشيء منتقلة، علمت ان حامل تلك المجسة متحرك، وان لمستها ساكنة، علمت أن حاملها ساكن في مائية البصر وإدراكه. ومن هذا ما يدرك بتوسط اللون وحده والعقل فيوصلان إلى النفس ما أدركا وما فهم العقل بتوسط إدراكه وإدراك البصير معل، كالمعاني المفهومة من الخط في الكتاب، فانك بتناهي ألوان الخطوط تعلم الحروف التي من تألفها تفهم المعنى، وكمعرفتك بهيئة الإنسان لأنه خجل أو خائف أو مكسور أو غضبان أو ملك أو عالم وما أشبه ذلك فمن معرفتك برؤية اللون ومعرفة الصفات عرفت من هو المرئي وما هو. وللكلام في مائية البصر وإدراكه للألوان مكان آخر. ولكن نذكر منه ها هنا طرفا بحسب استحقاق هذا الديوان، وهو: ان البصر إذا لاقى ملونا وانقطع علمت ان حامله قد انتهى وانتهى طوله، وكذلك علمت أنه خرج من الناظرين خطان يقعان على المرئي بلا زمان وبتشكيل ذلك المرئي فيهما، وفي قوة الناظر قبول لجميع الألوان. وإنما قلنا بلا زمان، لأنك ترى الكواكب التي في الأفلاك البعيدة إذا أطبقت بصرك ثم فتحته بلا زمان. وكذلك إذا أطبقت بصرك ثم فتحته فانك ترى أقرب الأشياء إليك في مثل الحال التي رأيت فيها الكواكب لا في أسرع منها، فصح انه يقع على المرئي بلا زمان. وأيضا فان في الطريق إلى المرئي أشياء كثيرة لا يقع البصر عليها، أما بظلام حواليها، واما لاشتباه الألوان، فلو قطع الأماكن بنقلة زمانية لرأى الأقرب قبل الأبعد. وإنما قلنا بخروج الخطين من الناظرين دون الرأي الآخر الذي لبعض الأوائل، لانا نقدر على صرف ذينك الخطين كيف شئنا، بمرآة أخرى فترد قوة النظر إلى قفا الناظر. وقد ترد ذينك الخطين أيضا الأبخرة المتصاعدة والماء وغير ذلك، وبمرآة فيها فينعكس ذانك الخطان فترى وجهك. وكذلك ينعكس الصوت الخارج من الصائح قبالة الجبل بعد ان يقرع الجبل فيرجع إلى اذن ذلك الصائح، فيسمع صوته نفسه كأن مكلما آخر رد [٢٥ و] عليه مثل كلامه، وفي هذا كفاية.
стр. 69
واما المحسوس بالسمع فينقسم قسمين: أحدهما الادراك يسمع الاذن نفسه بذاته بلا واسطة، لكن بمرقاة الهواء المندفع مما بين الصوت، أي شيء كان، وما يقرع أو ما يقرعه، بالطبع الذي ركبه فيه الباري إلى اذن السامع. وهو يقطع الاماكن في مدة متفاوتة على قدر البعد والقرب وقوة القرع وضعفه، فلذلك صار بين اول القرع الذي هو عنصر الصوت وبين سماع السامع له مدة؛ وانا نستبين ذلك إذا كان المصوت منك على بعد جدا يصح ان له مدة كالذي يشاهد من ضرب القصار الارض بالثوب فنراه حين يقلعه بلا زمان ثم يقيمه حينا، وحينئذ يتأدى الينا الصوت. وهكذا القول في الرعود الحادثة مع البروق فإن البرق يرى اولا حين حدوثه في الجو بلا مهلة ثم يقيم حينئذ حينا ثم يسمع الرعد، ذلك تقدير العزيز العليم.
والقسم الثاني هو ما تدركه النفس بالعقل والعلم وبتوسط الصوت مثل تأليف اللحون وتركيب النغم ومعاني الكلام المسموع وما اشبه ذلك، إذ إنما تأدى الينا ذلك بحاسة السمع وتوسطها. وبهذا القسم صح لنا ان نقول سمعنا كلام الله وسمعنا كلام النبي ﷺ وسمعنا كلام فلان وفلان ممن لم نشاهده وقدم زمانه من السالفين من البلغاء والشعراء وكل من حكي لنا كلامه. ومن ذلك تمييزك بالكلام من هو المتكلم وما حاله: اسائل ام ملك ام مريض وما اشبه ذلك، وكمعرفتك ما هو المصوت وأي الاشياء هو. واما المحسوس بالشم فهي الأرواح من الطيب والنتن وما يليها من الوسائط كروائح بعض المعادن وما أشبه ذلك. والشم هو ادراك النفس بتوسط الشم من الانف تغيرا يحدث في الهواء الذي بينهما وبين المشموم وانفعالا من طبع المشموم وانحلال بعض اجزائه من رطوباته. وقد تدرك النفس أيضاً بتوسط العقل والشم معرفة مائية المشموم الرائحة كمعرفتنا المسكر بتمييزها رائحته، والنتن كذلك، وكذلك سائر المشمومات. واما المحسوس بالذوق فهو الطعوم كالحلاوة والمرارة والتفاهة والزعوقة (١) والملوحة والحموضة والخرافة والعفوصة؛ وهو ادراك النفس بملاقاة اعضاء
стр. 70
الفهم جسم المطعوم، لا بتوسط بينها وبينه الا بانحلال ما ينحل من الطعوم من رطوباته فيمازج رطوبة الحنك واللسان والشفتين واللهوات. وقد تدرك الاعضاء [٢٥ظ] المذكورة أيضاً بعض الطعوم بتوسط الهواء وانحلال بعض أجزاء. المطعوم فيه كالحنظل المدقوق؛ وقد تدرك النفس أيضاً بتوسط الذوق والعقل معرفة مائية المذوق كمعرفتنا بذوق العسل في الظلام انه عسل وكذلك غير ذلك. من المذوقات ومعرفتنا بأنه عسل غير معرفتنا بانه حلو. أما معرفة انه حلو فبالذوق مجردا واما معرفة انه عسل فبتوسط العقل والذوق معا. وكذلك القول في الاقسام المتقدمة في سائر الحواس. واما ما لا ينحل منه شيء فلا طعم له ولا رائحة كبعض الحجارة وكالزجاج وما أشبه ذلك. وعلى قدر قوة ما ينحل من المذوق تدرك النفس طعمه. واما المحسوس باللمس فهو ينقسم قسمين: احدهما ما تدركه النفس بملاقاة بشرة الجسد السليم لسطح الملموس بلا توسط شيء بينهما، اما من استواء أجزاء سطحه ويسمى بذلك املاسا، واما من ثباته فيسمي صلابة، واما من تفرقها فيسمى تهيلا أو تهولا، واما من اختلاف أجزاء سطحه ويسمى ذلك خشونة.
والثاني ما ادركته النفس بالعقل والعلم أو بتوسط اللمس المذكور أو البصر كالذي قدمنا قبل من معرفة تناهي الجسم وكيفية الاشكال والحركة ومائية الملموس أي شيء هو فانه، يعرف ما هو بتوسط العقل واللمس معا أو بحس النفس مجردا أو بتوسط اللمس وحده كالحر والبرد والرطوبة واليبس. فقد صح كما ترى ان العقل يشارك جميع الحواس فيما تدركه وينفرد عنها بالدلالة على اشياء كثيرة وادراك أشياء جمة.
٤ - باب الاضافة
الاضافة على الحقيقة: هي ضم شيء إلى شيء وها هنا عبارة اخرى اخص بالمعنى المراد بالاضافة في طريق الفلسفة وهي ان تقول: الاضافة هي نسبة شيء من شيء وحسابه منه، كالقليل الذي لا يكون قليلا الا باضافته إلى ما هو
стр. 71
اكثر منه ونسبته إليه وحساب قدره من قدره.
واما الغرض المقصود بالاضافة في هذا المكان فهو نسبة شيئين متجانسين ثبات كل واحد منهما بثبات الآخر يدور عليه ولا ينافيه. ومعنى قولنا متجانسين أي انهما تحت جنس واحد من المقولات العشر التي قدمنا انها اجناس الاجناس. والمضافان هما الشيئان اللذان لا يثبت واحد منهما الا بثبات الآخر. وبالجملة فان الاوائل لما رأوا شيئين لا يثبت احدهما الا بثبات الآخر، وان ضم كل واحد منهما إلى صاحبه [نتج] معنى ثالث غيرهما فعجلوا ذلك [٢٦و] المعنى رأسا من رؤوس المقولات وهو الاضافة، فتكلموا عليه مجردا، وان كان لا يتجرد، لكن كما تكلموا على الكيفية مجردة وعلى الكمية مجردة، وعلى الجوهر مجردا، وان كان الجوهر لا يخلو أبدا من كيفية وكمية وزمان ومكان، ولا تخلو الكيفية من جوهر يحملها، ولا تخلو الكمية من معدود، ولا الزمان من ساكن أو متحرك، ولا المكان من متمكن، لكن لتخلص الاشياء المتغايرات ويتبين لكل طالب للعلم حكم كل شيء على انفراده، فإنما أتت البلية في الآراء والديانات من قبل امتزاج الكلام والضعف عن تخليص حكم كل شيء ما هو مخصوص به دون غيره.
والمضاف ينقسم لنظير ولغير نظير؛ فالنظير هو الذي يتفق فيه المضافان بالاسم والاضافة معا، كقولك: المصادق أو الجار أو الاخ أو المعادي فانه لا يكون احد مصادقا لأحد الا وذلك الآخر مصادق له وكذلك المعادي والاخ والجار. وأما الذي من باب هذه الاضافة فالصديق والعدو فقد يكون المرء صديقا لمن ليس له صديقا؟ أي محبا - وكذلك العدو فقد يعادي الإنسان من يحبه ككثير من الابناء لآبائهم وبعض الازواج لبعضهم. واما غير النظير فينقسم قسمين: احدهما ما كانت فيه ذات كل احد من المضافين موجودة قبل الاضافة، مثل المالك والمملوك والزوج والزوجة فان المملوك قد يكون موجودا قبل ان يكون مملوكا وكذلك مالكه. والقسم الثاني ما كانت فيه ذات احد المضافين موجودة قبل الاضافة وقبل المضاف الآخر وذلك كالاب والابن فان ذات
стр. 72
الاب قد كانت موجودة قبل ان يكون ابا، وقبل ان توجد ذات الابن، وان كانا معا في الاضافة، أي انه كان موجودا فلم يكن ابا حتى وجد الابن. وبالجملة فاستحقاق احد المضافين لاسم الاضافة بينهما سواء، لا يتقدم احدهما الآخر فيها، وذلك لأنه إذا ذكر احد المضافين بالاسم الذي يقضي الاضافة دل ذلك على وجود الآخر ضرورة، وهكذا كل مضاف. وكذلك لا يجوز ان نقول ضعف الا ووجب مضعوف، والمضعوف هو نصف لعدد يسمى النصف الثاني إذا اضيف إلى هذا النصف ضعفا له، وهكذا القول في الصغير والكبير والقليل والكثير والخفيف والثقيل والرخو والمكتنز [٢٦ ظ] والمساوي والمثل وغير ذلك مما يقتضي مضافا إليه. والاضافة تقع في جميع المقولات إذا اصبت في ادارتها وايقاع حكمها فانك تقول في الكيفية: الهيئة هيئة للمتهيء بها والمتهيء بالهيئة ذو هيئة والجعد جعد بالجعودة والجعودة جعودة للجعد؛ وكذلك العلم يقتضي عالما والعالم فيما بيننا يقتضي علما؛ وكذلك سائر الكيفيات. وكذلك جميع الكميات: فالعدد يقتضي معدودا والمعدود يقتضي عددا. وكذلك المكان يقتضي متمكنا والمتمكن يقتضي مكانا. وكذلك ذو الزمان يقتضي زمانا والزمان يقتضي ذا زمان. وكذلك القيام والقعود والملك والفعل والانفعال. وإنما تكون الاضافة صحيحة إذا اصبت في لفظ ايقاعها وادارتها. وكذلك قالت الاوائل ان الاضافة موجودة في المقولات كلها بالعرض لا بالطبع، أي انها ليست موجودة في اقتضاء اللفظ لها على كل حال لأنك إذا قلت: الطائر بالجناح طائر كان غير مستقيم لأنك تجد ذا جناح لا يطير كالنعام وتجد ما قد ذهب جناحه بآفة يسمى طائرا، ولكن ان قلت: ذو الجناح بالجناح ذو جناح والجناح لذي الجناح جناح كان قولا صحيحا صوابا فتحفظ من مثل هذا في مناظرتك وفي طلبك الحقائق فانك ربما ألزمت في شيء انه يقتضي شيئا آخر فتجيب إليه وذلك غير واجب عليك والا لزم لك؟ على ما قدمنا - وهذا من أغاليط الارذال الممخرقين وذلك نحو قول بعض الكذابين: الفاعل من اجل فعله جسم، فهذا فاسد جدا لما قد بينا لك لأنه ليس من اجل ان الفاعل فاعل وجب ان
стр. 73
يكون جسما، لكن الصواب في القضية ان نقول: الفاعل بالفعل فاعل أو ذو فعل فهذه قضية صحيحة تعلمها النفس بأول العقل. وقد غالط بعضهم: السميع بالسمع سميع والحي بالحياة حي فأرادوا ان يوجبوا للباري تعالى حياة وسمعنا تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ ونحن لم نسم الباري تعالى حيا من اجل وجود الحياة له فيلزمنا إضافة الحياة إليه، وكذلك التسمية له تعالى بأنه بصير؛ وإنما سميناه حيا وسميعا وبصيرا اتباعا للنص لا للمعنى أوجب وليس شيء من ذلك مشتقا من عرض فيه، تعالى الله عن أقوال الجهلة الملحدين، أو يقع تحت الأجناس والأنواع أو عن [٢٧و] حمل الاعراض فكل هذا تركيب لا يكون الا في محدث وإنما هذه أسماء أعلام للباري تعالى فقط. وكذلك القول في ان المجداف للسفينة مجداف والسفينة بالمجداف سفينة خطأ لكن الصواب ان تقول المجداف للمجدوف مجداف والمجدوف بالمجداف مجدوف. وكذلك لو قال إنسان: الرأس بالإنسان راس والإنسان بالراس إنسان لكان خطأ، إذ قد يكون ذو راس ليس إنسانا لكن الصواب ذو الرأس بالراس ذو رأس والرأس لذي الرأس رأس فهذه الرتبة في غاية الصحة والإضافة. فهذه الرؤوس الأربعة والست البواقي منها مركبات على ما يقع في ابوابها ان شاء الله تعالى.
٥ - القول على الزمان
قدمنا في باب الكمية ما الزمان وما نعنى هذه اللفظة وانها مدة وجود الجرم ساكنا أو متحركا فلو لم تكن مدة، ولو لم تكن مدة لم يكن جرم. وقد ذكرنا في باب الإضافة وجه كون الزمان مضافا، والله جل وتعالى ليس جرما ولا محمولا في جرم فلا زمان له ولا مدة، تعالى الله عن ذلك، ولو كانت له تعالى مدة لكان معه اول آخر غيره، ولو كان ذلك لوقع العدد عليهما ودخلا بعددهما تحت نوع من أنواع الكمية. ولو كان ذلك لكان تعالى محصورا محدثا، تعالى الله عن ذلك. وهو تعالى لا يجمعه مع خلقه عدد إذ لا يكون الشيئان معدودين بعدد واحد الا باجتماعهما في معنى واحد ولا معنى لجمع الخالق والخلق أصلاً.
стр. 74
والزمان ينقسم ثلاثة اقسام: احدها مقيم وهو الذي يسميه النحويون فعل الحال ثم ماض ثم آت وهو الذي يسميه النحويون الفعل المستقبل. وقد اكثروا في الخوض في ايها قبل وإنما ذلك للجهل بطبائع الاشياء وحقائقها. وهذا امر بين وهو ان الحال وهو الزمان المقيم اولها كلها لان الفعل حركة أو سكون يقعان في مدة فإذا كان زمان الفعل اولا لغيره من الازمان، فالفعل الذي فيه اول لغيره من الافعال ضرورة، والزمان المقيم اول الازمنة كلها لأنه قبل ان يوجد مقيما لم يكن موجودا البتة ولا كان شيئا أصلاً، وما كان بشيء فإنما هو عدم فلا وجه للكلام فيه باكثر من انه عدم ولا شيء. ثم لما وجد كان ذلك اول مراتبه في الحقيقة، ثم انقضى وصار ماضيا وصح الكلام فيه لأنه قد كان حقا [٢٧] موجودا. وإنما غلط من غلط في هذا لباب لوجهين: احدهما انه رأى حال نفسه فلما وجد نفسه مستقبلة للامور قبل كونها وللزمان قبل حلوله وقبل مضي كل ذلك، قدر ان الزمان المستقبل قبل المقيم وقبل الماضي وهذا غلط فاحش وجهل شديد، لأنه موافق لنا من حيث لا يفهم. ألا ترى انه إنما جعل الأول في الرتبة كونه مستقبلا لما لم يأت وهذا هو الزمان المقيم على الحقيقة، وفعله ذلك هو فعل الحال لأنه غيره، وهو الذي قلنا فيه قبل اول الازمنة والمقدم من الافعال، ثم جاء ذلك الزمان المستقل والفعل المنتظر معه بعد ذلك. والماضي اشد تحققا من المستقبل لان الماضي قد كان موجدودا ومعنى صحيحا لحسن الاخبار عنه وتقع الكمية عليه والكيفية، والمستقبل بخلاف ذلك كله.
واعلم ان الموجود من هذه الازمنة هو المقيم وحده، والموجود من الافعال هو المسمى حالا الذي هو في الزمان المقيم، لأن الماضي إنما موجود وثابتا وصحيحا وحقيقة وشيئا إذ كان مقيما، ثم لما انتقل عن رتبة كونه مقيما عدم وبطل وتلاشى. والمستقبل إنما يوجد ويصح ويثبت ويصير حقيقة وشيئا إذا كان مقيما واما قبل ذلك فليس شيئا وإنما هو عدم وباطل. فتدبر هذا بعقلك تجده ضروريا يقينا لا محيد عنه ولا سبيل إلى غيره الا لمن كابر حسه وناكر عقله، نعوذ بالله من ذلك. والوجه الثاني ان الذي لم يحقق النظر لما لم يقدر على امساك الزمان
стр. 75
وقتين تفلت عليه ضبط الزمان ولم يكد يتحقق ذلك بحسه. فلتعلم ان الزمان لا يثبت وإنما هو منقض ابدا شيئا بعد شيء والزمان المقيم هو الآن. فان قولك الآن هو فضل موجود ابدا بين الزمان الماضي والزمان الآتي؛ والآن هو الموجود في الحقيقة من الزمان ابدا، وما قبل الآن فماض وما بعد الآن فمستقبل؛ الا ان العبارة في اللغة العربية عن الزمان المقيم والزمان المستقبل بلفظ واحد وهو في اللغة الاعجمية بصيغتين مختلفتين وذلك اوضح في البيان والافهام. الا ان في اللغة العربية إذا اردت تخليص المستقبل محضا ورفع الاشكال عنه أدخلت عليه السين أو سوف فقلت سيكون اوسوف يكون فأتى المستقبل مخلصا مجردا. وام شئت زدت لفظا غير هذا [٢٨ و] وهو مثل قولك غدا أو بعد ساعة أو فيما يستأنف وما أشبه ذلك من الألفاظ التي تحدد معنى الاستقبال مخلصا بلا اشكال. والزمان مركب من جرم ومن كيفية في سكونه أو من حركته ومن عدد أجزاء سكونه أو أجزاء حركاته فلذلك لم يكن رأسا مع الاربع المقولات المتقدمات. والقبل والبعد واقع في الزمان باضافة بعضه إلى بعض.
٦ - القول في المكان
هو ما كان جوابا في السؤال باين: فتقول اين محمد؟ فيقول المجيب: في المسجد أو بالقصر أو في منزله وما أشبه ذلك. والمكان لا يكون البتة إلا جرما، لا يجوز غير ذلك. وإنما تركب المكان من جرم اضيف إلى جرم بمعنى انه لاقى أحد سطوح المكان احد سطوح المتمكن أو بعضها أو جميعها على حسب تمكن المتمكن في المكان. والمتمكن مع المكان ينقسم قسمين: احدهما ان يكون المتمكن متشكلا بشكل المكان الذي هو فيه وذلك مثل كل شيء مائع الاجزاء أو منثورها، في كل جامد الاجزاء أو مجموعها، كالماء في الخابية فانه يتشكل بشكل الخابية حتى لو تمثلته قائما لرأيته في صفة الخابية نفسها، وترى ذلك عيانا إذا جمد الماء فيها بعد ميعانه وانكسرت الخابية، وكالبر والدقيق في الاناء