← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10280

تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (321 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ملحوظتان: الأولى: أنه مما أستحثنى على إيراد حديث الترجمة أننى لما أطلعت أحد الإِخوة الكرام على فكرة "تبيض الصحيفة" -وفيها هذا الحديث- فذكر لى أنه كان يظنه صحيحًا، فهممت بإيراده في القسم الأول منه، لكن لم تتوافر لدَىَّ مادة تخريجه، حتى أنى نسيت قائله، وهذا من لطف ربى الخفى، فقد يَسَّر الله تجميع طرقه المرفوعة والموقوفة، ورزق شركتنا المباركة كتاب ابن أبي الدنيا القيم "إصلاح المال" نعم، وانكشف وهاؤه عن وهب والحسن، فـ: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن). الثانية: أن الحديث بتمامه بقيت له طرق لم أتعرض لها، وإنما كان مدار البحث حول قطعة: "حسن السؤال نصف العلم" وحدها. والله أعلم. ثم وجدت في "تاريخ دمشق" لأبى زرعة الدمشقى (٥٩٨) وعنه ابن عساكر (٧/ ٦٤٥): "حدثنى محمود بن خالد قال: حدثنا مروان بن محمد أنه سمع سعيد بن عبد العزيز يقول: قال سليمان بن موسى: حسن المسألة نصف العلم". وإسناده صحيح رجاله ثقات، وسعيد ثقة إمام "اختلط بأخرة، لكنه هنا يحدث عن شيخه رأسًا، فلا يخشى من تغيره إن شاء الله. الحديث الثامن والستون: " حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة". ضعيف. رواه الإِمام أحمد (٥/ ٣٤٢) وعنه الحاكم (٤/ ٣١٠) وعنه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٣/ ١٢٨) وابن أبي عاصم في "الزهد" (١٥٨) والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٩١) (٨) و "مسند الشاميين" (٩٦٣) -كما قال محققه عن أبي عبيد الحضرمى - يعنى شُرَيحا - أن أبا مالك الأشعرى لما حضرته الوفاة،

стр. 212

قال: "يا معشر الأشعريين، ليبلغ الشاهد منكم الغائب، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ". فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإِسناد". ووافقه الذهبي قال الألباني: "وهو كما قالا". وقال الهيثمى (١٠/ ٢٤٩): "رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات". وقال السلفي: "حديث صحيح. رواه أحمد (٥/ ٣٤٢) والحاكم (٤/ ٣١٠) والبيهقي وابن عساكر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال في المجمع ... " إلخ، ولم يشر إلى الإِشكال الذى في لفظ الطبراني. وقال محقق "زهد ابن أبي عاصم" الشيخ عبد العلى الأعظمي وَحْده: "شريح بن عبيد الحضرمي، ثقة. قال ابن أبي حاتم (الصواب: عن أبيه، أو: قال أبو حاتم): روايته عن أبي مالك مرسلة ... ". قلت: وفي جميع ما تقدم نظر، لا سيما قول مصححيه. نعم، رجاله ثقات كلهم، لكن رواية شريح بن عبيد أبي عبيد الحضرمى ظاهرة الانقطاع. قال أبو حاتم -كما تقدم-: "شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعرى مرسل" كما في "المراسيل" لابنه (رقم ٣٢٧ ب). وذكر العلائى في "جامع التحصيل" (٢٨٣) أبا مالك -في صحابة آخرين- رواية شريح عنهم مرسلة. وفي ترجمة شريح من "تاريخ دمشق" (٨/ ٦٣) وحكاه الحافظ في "التهذيب" (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩): "وسئل محمد بن عوف فقيل له: هل سمع شريح بن عبيد عن أبي الدرداء؟ فقال: لا. فقيل له: فسمع من أحد أصحاب النبي ﵌؟ فقال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيءٍ: سمعت، وهو ثقة". وأورد الحافظ أيضًا قول الآجرى عن أبي داود: لم يدرك سعد ابن مالك ... حتى حكى قول ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك أبا أمامة ولا ... ولا ... ، وهو عن أبي مالك الأشعرى مرسل. ثم قال: "وإذا لم يدرك أبا أمامة الذى تأخرت وفاته، فبالأولى أن لا يكون أدرك أبا الدرداء، وإنى لكثير التعجب من المؤلف (يعنى: المزى) كيف جزم بأنه لم يدرك من سمى هنا (يعنى: سعدًا والصعب بن حثامة وأبا ذر وكعب الأحبار)، ولم يذكر

стр. 213

ذلك في المقداد، وقد توفى قبل سعد بن أبي وقاص وكذا أبو الدرداء وأبو مالك الأشعرى وغير واحد ممن أطلق روايته عنهم، والله الموفق" يعنى بذلك قول المزى: "روى عن ثوبان وأبى الدرداء و ... وأبى مالك الأشعرى ... وروى عن سعد بن أبي وقاص والصعب بن جثامة وأبى ذر الغفارى وكعب الأحبار، ولم يدركهم". مع العلم بأن أبا مالك رضى الله عنه توفى سنة ثمانى عشرة كما في "التقريب" (٨٣٣٦) أى قبل جميع الذين استثناهم المزى بكثير. وقد ذكر ابن عساكر (٨/ ٦٤) أنه وجدت شهادة شريح في كتاب قضاء تاريخه سنة (١٠٨) وحكاه عنه الحافظ في "التهذيب" أما الشيخ الألبانى حفظه الله، فتارة كان يتنبه لهذا الانقطاع ويتعقب من أَغفله، وتارة لا. فمن أمثلة الأول، أنه أورد في "الضعيفة" (١٥١٠) حديث: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال ... " الحديث، من طريق شريح عن أبي مالك، وقال: "قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع بين شريح - وهو ابن عبيد الحضرمي المصرى (كذا، والصواب: الحمصى أو: المقرائى) وأبى مالك الأشعرى، فإنه لم يدركه كما حققه الحافظ في "التهذيب"، فكأنه ذهل عن هذه الحقيقة حين قال في "بذل الماعون" (٢٥/ ١): "وسنده حسن؛ فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن الشاميين، وهى مقبولة". ومن أمثلة الثانى، أنه أورد في "الصحيحة" (٢٢٥) حديث: "إذا ولج الرجل بيته، فليقل: ..... " وقال: "وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ... وشريح هو ابن عبيد الحضرمى الحمصى، ثقة، فالسند كله شامى حمصى". وقال في "صحيح الجامع" (١/ ١٥٦) -تحت حديث: "إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنى أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركه وهداه ... " الحديث: "حسن"، مع أنه من طريق شريح عن أبي مالك الأشعرى أيضًا. وقد أرسلت إلى الشيخ رسالة مع الأخ على الحلبى أسأله عن تحسين هذا

стр. 214

الحديث، وحديث خالد بن معدان عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من صَلَّى عَلَىَّ حين يصبح عشرًا وحين يمسى عشرًا، أدركته شفاعتى يوم القيامة" لأننى كنت تابعت الشيخ على هذا التحسين -وحَسَّن الأول أيضًا: ابن القيم وعبد القادر الأرنؤوط- ثم رجعت عنهما لتحققى من الانقطاع في إسناديهما دون الاهتداء إلى ما يجبره، فلم يجبنى أحد، ولا أدرى أوصلت الرسالة أصلًا إلى الشيخ أم لا؟ . (أما) الشيخ حمدى السلفى -عفا الله عنه- فصحح الحديث، وجاء عند حديث: "إذا ولج الرجل ... " (٣/ ٢٩٦)، فقال: "فإن صح سماع شريح من أبي مالك، فالحديث صحيح" مع أن الشيخ الألبانى -وهو لا يكاد يخالف قوله- صححه كما تقدم. وترك -قبله- ثلاثة عشر حديثًا، - وبعده- تسعة أحاديث بنفس الإِسناد لم يذكر فيها هذا الاستثناء، وإنما أعلها- بمحمد بن إسماعيل بن عياش، مع أن في الإِعلال به نظرًا وتفصيلا ليس هذا محله. (ويعلم) الله أننى -حتى وقتٍ قريبٍ جدًا- كنت أعتقد صحة هذا الحديث لوقوفى على تصحيحه في عدة مراجع، حتى قدر ﵎ أن أقرأ تخريجه في "الصحيحة" فإذا به مروى بهذا الإِسناد، ثم وجدته -بعد ذلك- موقوفا، فاهتبلت الفرصة لإِيراده في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله تعالى تنبيها للإِخوان والأحباب وإفادة. نسأله تعالى التوفيق والقبول. (فقد) صح من قول طاووس بن كيسان اليمامى التابعى الجليل ﵀، صاحب ابن عباس -رضى الله عنهما- كما رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٣٧) - وعنه أبو نعيم (٤/ ١٢) -: "حدثنا يحيى بن أبي بكير (*) قال: حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن طاووس عن أبيه، قال: "حلو الدنيا مُرُّ الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة". وإسناده صحيح. والله أعلم.

стр. 215

الحديت التاسع والستون: " خذوا للرأس ماءً جديدًا". ضعيف جدًا. رواه الطبراني (٢/ ٢٦٠ - ٢٧١) من طريق أسد بن عمرو عن دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه مرفوعًا به. قال في "الضعيفة" (٩٩٥): "قلت: وهذا سند ضعيف جدًا، دهثم قال الحافظ ابن حجر: "متروك". وقال الهيثمى في "المجمع" (١/ ٢٣٤): "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه دهثم بن قران ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قلت: وذكره ابن حبان في "الضعفاء" أيضًا وقال (١/ ٢٩٠): "كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروى عن الثقات أشياءً لا أصول لها. قال ابن معين: لا يكتب حديثه". قلت: وهذا معناه أنه متروك كما قال الحافظ، وهو قول ابن الجنيد. ومثله قول أحمد: "متروك الحديث". وقال النسائى: "ليس بثقة". ونمران بن جارية مجهول لا يعرف كما قال الذهبي والعسقلاني ... ". وأسد بن عمرو -وهو البجلى الكوفى- مختلف فيه اختلافًا كثيرًا، والأشبه أنه صدوق في الحديث، إنما طعنوا فيه من أجل الرأى. (ويغنى) عن هذا الحديث، حديث عبد الله بن زيد- في صفة وضوء النبي صلى الله عليه واله وسلم-، وفيه: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو حديث صحيح، رواه مسلم وغيره. وفي رواية شاذة المتن: "فأخذ لأذنيه ماءً خلاف الماء الذى لرأسه". وقد خرجهما الشيخ حفظه الله عقب الحديث المتقدم، ولكن الأمر انقلب عليه، فقال في الرواية التى قرر وأثبت أنها محفوظة وأورد لها متابعات: "فهو شاهد قوى لرواية الجماعة يؤكد شذوذ رواية الثلاثة، وعليه، فلا يصلح شاهدًا لهذا الحديث الشديد الضعف، ولا نعلم في الباب غيره، على أنها لو كانت محفوظة لم تصلح شاهدًا له، لأنه أمر، وهو بظاهره يفيد الوجوب بخلاف الفعل كما هو ظاهر ... " إلخ. هذا، ولم أكن قد تفطنت لذلك إطلاقًا حين أردت أن أستعين بتخريج الشيخ لحديث

стр. 216

الترجمة، فرأيت لزامًا عَلَيَّ أن أبين الأمر (٩). (وقد) صح هذا الكلام مقطوعًا على مصعب بن سعد ﵀ ابن الصحابى الجليل سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه، فيما رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢١) وعبد الرزاق (٢/ ١٠) -واللفظ له- عن إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة قال: سمعت مصعب بن سعد -وسأله رجل فقال: أتوضأ وأغسل وجهى وذراعى فيكفينى ما في يدى لرأسى أو أحدث لرأسى ماءً؟ -قال: "لا، بل أحدث لرأسك ماءً" ولفظ ابن أبي شيبة -باختصار القصة-: "خذ لرأسك ماءً جديدًا". وأورد آثارًا فعلية عن جماعة من الصحابة. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: بفضل وجهك تمسح رأسك؟ (كذا). قال: لا، ولكن أغمس يدى في الماء وأمسح بهما ولا أنفضهما، ولا أنتظر أن يجف الذى فيهما من الماء، وإنى لحريص على بل الشعر". وبالله التوفيق. الحديث السبعون: " رُبَّ معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة" (١٠).

стр. 217

واه جدًّا، كأنه موضوع. رواه الطبراني (١١/ ٤١) من طريق خالد بن يزيد العمرى نا محمد بن مسلم نا إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس مرفوعًا به. وجزم الألبانى حفظه الله بوضعه، فقال في "الضعيفة" (٤١٧): "قلت: خالد هذا كذبه أبو حاتم ويحيى، وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات". وقال الهيثمى في "المجمع" (٥/ ١١٧) بعد أن عزاه للطبرانى: "وفيه خالد بن يزيد العمرى، وهو كذاب". قلت: ومع ذلك فقد أورد حديثه هذا السيوطى في "الجامع"! وتعقبه المناوى بما نقلته عن الهيثمى. ثم قال: "ورواه عنه أيضًا حميد بن زنجويه" اهـ. قلت: وعزاه -مع الطبراني- للديلمى أيضًا. فكأن العمرى هذا وقع له الحديث موقوفا، فتعمد رفعه إلى النبي ﵌، وإنما الصحيح وقفه. (فقد) رواه الخرائطى في "مساوئ الأخلاق" (٧٨١) والبيهقى في "السنن" (٨/ ١٣٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابى عن الثورى عن ابن طاووس عن أبيه عنه -في قوم يكتبون أبا جاد (١١) وينظر في النجوم-، قال: "ما أرى لمن فعل ذلك عند الله ﵎ من خلاق". وإسناده صحيح على شرط مسلم. والله أعلم.

стр. 218

الحديث الحادى والسبعون: " الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال. ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدى الله، وأن وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصِبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت لك". ضعيف جدًا. رُوى من حديث أبي ذر وأبى الدرداء. أولًا: حديث أبي ذر: رواد الترمذى (٢٣٤٠) -واللفظ له- من طريق محمد بن المبارك الصورى، وابن ماجه (٤١٠٠) وابن عدى (٥/ ١٧٦٩) ص طريق هشام بن عمار قالا: ثنا عمرو بن واقد حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني عنه مرفوعًا به. وزاد ابن ماجه: "قال هشام: قال أبو إدريس الخولاني: يقول: مثل هذا الحديث في الأحاديث، كمثل الإِبريز في المذهب". وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو إدريس الخولاني اسمه: عائذ الله بن عبد الله. وعمرو بن واقد منكر الحديث" اهـ. قلت: وقال الحافظ (٥١٣٢): "متروك". ثانيًا: حديث أبي الدرداء: رواه الطبراني في "الأوسط" وعنه أبو نعيم (٩/ ٣٠٣): "حدثنا موسى ابن عيسى بن المنذر ثنا محمد بن المبارك ثنا عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس الخولاني عنه مرفوعًا بنحوه. وقال الهيثمى (١٠/ ٢٨٦): "وفيه عمرو بن واقد وقد ضعفه الجمهور، وقال محمد بن المبارك: كان صدوقًا، وبقية رجاله ثقات" اهـ. قلت: وموسى بن عيسى بن المنذر - وهو الحمصى شيخ الطبراني - واه. قال الحافظ ﵀ في "اللسان" (٦/ ١٢٦ - ١٢٧): "وكتب النسائى عنه، فقال: حمصى لا أحدث عنه شيئًا، ليس هو شيئًا". قلت: فكأن التخليط في تسمية الصحابى من قِبَله هو، فقد رواه الحافظ الدارمي ﵀ عن محمد بن المبارك -عند الترمذى- فجعله من مسند

стр. 219

أبي در كما تقدم. وهذا هو الأشبه، وإلا فعمرو بن واقد هالك في الضعف، فلا يبعد من مثله أكثر من ذلك. وتعيين محل الخلل في مثل هذه الحالة لا جدوى من ورائه، فإن رفع الحديث وهم، (وإنما) صح هذا الكلام من قول أبي مسلم الخولانى من رواية يونس بن حَلْبَس عنه، ومن قول يونس نفسه أيضًا. ١ - فروى الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ١٨) من طريق خالد بن صبيح حدثنا يونس بن حلبس قال: قال أبو مسلم الخولاني: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يدى الله أوثق مما في يديك، وإذا أصبت بمصيبة كنت أشدَّ رجاءً لأجرها وذخرها من أنها لو بقيت لك". وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. وخالد بن صبيح هو: خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح أبو هاشم الدمشقي قاضي البلقاء، ثقة من رجال "التهذيب". ٢ - وروى ابن الأعرابي في "الزهد وصفة الزاهدين" (ص ٢٠) وعنه البيهقى في "الشعب" (٢/ ٣/ ١٥٦ ب) عن أبي داود الحرانى وفي (٣/ ٣/ ١٠٢ أ) من طريق ابن أبي الدنيا كلاهما عن أبي مسلم الحرانى، قال: حدثنا مسكين بن بكير، عن محمد بن المهاجر، عن يونس قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن يكون حالك في المصيبة، وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون ذامك ومادحك في الحق سواء". وإسناده جيد رجاله ثقات، وأبو مسلم الحرانى اسمه: الحسن بن أحمد بن أبي شعيب - من شيوخ مسلم - ومسكين بن بكير صدوق لكنه يخطئ في حديث شعبة خاصة (انظر الحديث الخمسين من هذا الكتاب). فإن لم يكن قَصَّر في إسناده، فالأثر ثابت من قول يونس بن ميسرة ومن روايته عن أبي مسلم. وهما من أجلة تابعي أهل الشام، إلا أن أبا مسلم - واسمه: عبد الله بن ثُوَب- قديم، رحل إلى النبي صلى الله عليه. وآله وسلم فلم يدركه.

стр. 220

(والحديث) -مرفوعا- ضعَّفه الألبانى جدًا في "ضعيف الجامع" (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢) وأحال على "تخرج المشكاة" (٥٣٠١). وقال ابن عبد ربه الأندلسى في "العقد الفريد" (٢/ ٢٥٩) -كما كان مقيدًا عندى وفطنت إليه بعدُ-: "العتبى يرفعه قال: قيل لرسول الله ﵌: ما الزهد في الدنيا؟ قال: أمَا إنه ما هو بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أغنى منك بما في يدك". وهذا إسناد لا قيمة له, معلق من أوله معضل في آخره، والعتبى أخبارى مشهور لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا سوى قول الذهبي في "السير" (١١/ ٩٦): "وكان يشرب". الحديث الثانى والسبعون: " الساكت عن الحق شيطان أخرس". لم أقف له على أصل صحيح ولا ضعيف عن النبي ﵌، ولا موقوفًا على أحد من الصحابة أو التابعين ومتقدمي السلف رضوان الله عليهم، ولا رأيت أحدًا من المصنفين في "الأحاديث المشهورة" تعرض له بنفى أو إثبات، على الرغم من اشتهاره جدًا في أيامنا هذه. ومن طالع الصحف الجادَّة بانتظام وجد كثيرًا من المقالات قد صُدِّر بها هذا الكلام، وألصق بالنبى ﵌ إلصاقًا بصيغة الجزم! سواء من أصحاب العمائم البيضاء أو غيرهم من أهل الفضل والصلاح، ومن الذين يظن بهم أنهم على قدر من الثقافة الإسلامية والتمييز العلمى. نعم، المصدر الوحيد الذى وجدت فيه هذا الكلام، هو "الرسالة القشيرية" للإِمام أبي القاسم القشيرى ﵀ إذ قال (ص ٦٢: باب الصمت): " ... والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال. سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: من سكت عن الحق، فهو شيطان أخرس". وأبو على الدقاق هذا هو: "الحسن بن على بن محمد بن إسحاق بن

стр. 221

عبد الرحيم بن أحمد أبو على الدقاق الأستاذ الشهيد كما قال الحافظ الجليل عبد الغافر ابن إسماعيل الفارسى كما في (المنتخب من السياق ترجمة ٤٨١)، وقال: "لسان وقته، وإمام عصره، نيسابورى الأصل، تعلم العربية، وحصل علم الأصول، وخرج إلى مرو، وتفقه بها على الخضرى، وبرع في الفقه، وأعاد على الشيخ أبي بكر القفال المروزى في درس الخضرى. ولما استمع إلى ما يحتاج إليه من العلوم، أخذ في العمل، وسلك طريق التصوف، وصحب الأستاذ أبا القاسم النصراباذى، وكان لا يستند على شئ كأنه يعود نفسه ترك الرفاهية ... " إلى أن قال: "توفى في ذى الحجة سنة خمس وأربعمائة". وأورده ابن الجوزى في وفيات سنة (٤١٢) من "المنتظم" (٨/ ٧)، وقال: " ... كان يعظ ويتكلم على الأحوال والمعرفة" ثم ساق له بعض أقواله وإشاراته. وقال الذهبى في "العبر" (٢/ ٢١٢) - وفيات (٤٠٦) -: "الزاهد العارف شيخ الصوفية" وله تراجم أو ذكر في كتب أخرى ذكرها مُحشى "المنتخب"، منها: مرآة الجنان، وطبقات الشافعية الكبرى، وتبيين كذب المفترى -لابن عساكر- والشذرات والنجوم الزاهرة وتذكرة الحفاظ. أقول: ولا عجب أن يُصير الناس كلام هذا الصوفى الزاهد وبعد قرابة ألف عام -حديثًا نبويًا ولا يملك أحدٌ أن يبرز له إسنادًا أو يثبت له مصدرًا من مصادر الحديث، فقد افتريت على النبي ﵌ أحاديث شتى لا يعرف العلماء لها قائلًا - أصلًا - ولا إسنادًا، منها: * خير الأسماء ما عبد وما حمد. * الخير فِىَّ وفي أمتى إلى يوم القيامة. * لو أحسن أحدكم الظن بحجر لنفعه! * علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل. * المغرب جوهرة فالتقطوها. * لو اطلعتم على الغيب لرضيتم بالواقع. * قصوا اللحى ووفروا الشوارب! ! إى والذى لا إله إلا هو.

стр. 222

* إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج. * لا تسيدونى في الصلاة. * الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والبعض يقول: كما تأكل البهيمة الحشيش. * حالفنى الشباب وخالفنى الشيوخ. وغيرها كثير كثير. وطائفة منها، قد ذكرها العلماء المصنفون في "الأحاديث المشتهرة على الألسنة" كالأئمة السخاوى والسيوطى والهيتمى المكى وابن الديبع والعجلونى وملا على القارى والفتنى وغيرهم. وكثير منها أيضًا ظهر في الآونة الأخيرة، ولم يُرَ في كتاب. نسأل الله السلامة. والأدهى والأمر أن بعض الخطباء وغيرهم ممن يعدون من دعاة السنة - يزعمون أن بعضها في "البخارى" أو "مسلم"! لا أدرى كيف؟ فاللهم سلم سلم. وقد بلغنى عن أحدهم في كلام له عن مسألة: "السيادة": "حديث: قولوا: اللهم صل على محمد ... إلخ، وحديث: لا تسيدونى في الصلاة كلاهما في "البخارى" ... "! ! ! . وصدق المعصوم ﵌ حيث يقول: "يقبض العلم، ويظهر الجهل ... " الحديث. وفي آخر: "إن بين يدى الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج". وما أحسن قول أحدهم: "وجدت جميع العلوم في ازدياد إلا علم الدين، فعلمت أنه المقصود في الحديث" أو كما قال ﵀. ولقد صرنا في زمان لا يدرى فيه كثير من المسلمين معنى: "سواك" و "خمار"! ! ويظن أكثر منهم أن ركعتى راتبة العشاء البعدية هى هى ركعتا الشفع! ! ولقد فهم بعض المساكين من كلام للإمام النووى في القدح في صحة زيادة: "وبركاته" في التسليمة الأولى، أن استعمالها يبطل الصلاة! ! فلما ووجه بأن علماء آخرين صححوا الزيادة أصر ووقع فيهم ولم يرجع وزعم أنه متفقه في الدين، فلما امتحنه الأخ الناصح أن يبين له معنى كلمة: "سؤر" في الفقه، أجابه: هذه كلمة أنت اختلقتها من

стр. 223

عندك، ولى كذا وكذا من السنين أتفقه أو قال: أصلى فلم أسمع بهذه الكلمة! ! "يا حسرةً على العباد". اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا بما ينفعنا، وارزقنا علمًا تنفعنا به. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ونعوذ بك من علم لا ينفع. آمين (١٢). الحديث الثالث والسبعون: " الصائم في عبادة ما لم يغتب". ضعيف، رُوِى من حديث أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، وسلمان ابن عامر. أولًا: حديث أبي هريرة: رواه ابن عدى (٥/ ١٩٢٢) من طريق الحسين بن منصور (كذا)، ثنا عبد الرحيم بن هارون أبو هشام الغسانى ثنا هشام بن حسان عن محمد (هو ابن سيرين) عنه به. وقال الدارقطني في "العلل" -وحكاه عنه ابن الجوزى

стр. 224

في "العلل المتناهية" (٨٨٧): "روى عبد الرحيم بن هارون ... " فذكره بزيادة: "مسلمًا أو يؤذيه" قال: "ووهم فيه. والصحيح عن هشام عن حفصة عن أبي العالية من قوله غير مرفوع". قلت: وعبد الرحيم متروك يكذب كما قال الدارقطني كما في "سؤالات البرقاني له" (٣١٥). وأسنده أيضًا الديلمى عن أبي هريرة كما في "تسديد القوس" للحافظ ﵀. حكاه عنه محققًا "الفردوس" (٣٦٤١). وقال المناوى في "الفيض" (٤/ ٢٣٢): "وفيه عبد الرحيم بن هارون. قال الذهبي في الضعفاء: قال الدارقطني: يكذب. والحسن بن منصور. قال ابن الجوزى في العلل: غير معروف الحال وقال ابن عدى: حديث منكر". قلت: لعل ابن الجوزى قال ذلك في ابن منصور في غير هذا الحديث، فإنى لم أرَ فيه سوى كلام الدارقطني المتقدم. ولفظ ابن عدى - بعد أن ساق لعبد الرحيم هذا سبعة أحاديث-: "وهذه الأحاديث التى ذكرتها يحدث بها عبد الرحيم، عن ابن أبي رواد وهشام بن حسان وعطية، وله غير ما ذكرت، ولم أرَ للمتقدمين فيه كلاما، وإنما ذكرته لأحاديث رواها مناكير عن قوم ثقات" اهـ. قلت: والظاهر أنه لم يبلغه قول أبي حاتم الرازى ﵀: "هو مجهول لا أعرفه" كما في "الجرح" (٥/ ٣٤٠)، وفيه: "وكتب لأبى ﵀ إبراهيم بن أورمة بخطه عن شيخ بسامرا يقال له إبراهيم بن جابر المروزى (١٣) عن عبد الرحيم بن هارون نحو ورقة، فلم يأته ولم يسمع منه" اهـ. ثم وجدت: "الحسن بن منصور" في "ذيل الميزان" (٢٩٥): وأورد له الحديث من رواية ابن عدى ثم قال: "قال ابن القطان: الحسن بن منصور غير معروف الحال".

стр. 225

ثانيًا: حديث ابن عباس: ذكره الديلمي-الأب- في "الفردوس" (٣٦٤٢) بلفظ: "الصائم في عبادة من حين يصبح إلى حين يمسى، إذا قام قام، وإذا صلى صلى، وإذا نام نام، وإذا أحدث، ما لم يغتب، فإذا اغتاب خرق صومه". وقال الحافظ في "تسديد القوس": "أسنده -يعنى ولده- عن ابن عباس" حكاه محققًا "الفردوس". وسكت عليه المناوى في "الفيض". وتفرد الديلمى مظنة الضعف أو الوهاء، لا سيما وفي هذه الرواية من الزيادات ما ليس في غيرها. فالله أعلم. ثالثًا: حديث أنس: ذكره في "الفردوس" (٣٦٤٠)، بلفظ: "الصائم في عبادة، وإن كان نائمًا على فراشه". وفي حاشيته عن "التسديد": "أسنده من رواية موسى ابن جابان عن أنس". وقال المناوى (٤/ ٢٣١): "وفيه محمد بن أحمد بن سهيل، قال الذهبى في "الضعفاء": قال ابن عدى: ممن يضع الحديث" اهـ. قلت ولفظه في "الميزان" (٣/ ٤٥٥): "قال ابن عدى: هو أبو الحسن المؤدب، أصله واسطى، كتبت عنه، وهو ممن يضع الحديث" اهـ. وموسى ابن جابان لم أره إلا في "الإكمال" (٢/ ١١) للأمير الحافظ ابن ماكولا ﵀، وقال: "وموسى بن جابان، حدث عن لقمان بن عامر، حدَّث عنه ميسرة بن عبد ربه، وميسرة غير ثقة، ولا يعرف موسى بن جابان إلا به" اهـ. فلا أدرى أهو هذا أم لا؟ . ثم وجدت في "ذيل الميزان" (٢٤٣): "جابان، ويقال: موسى بن حابان. عن أنس بن مالك. قال الأزدى: متروك الحديث وروى له من حديث بقية ثنا محمد بن الحجاج ثنا جابان عن أنس مرفوعًا: خمس خصال تفطر الصائم ... إلخ، قال: "أورده صاحب الحافل، وقال: بقية ومحمد بن الحجاج كان يجب أن يخرج الموصلى من عهدتهما" اهـ.

стр. 226

قلت: لا عيب لبقية سوى التدليس وقد صرح بالسماع من شيخه، وصرح شيخه بالسماع من جابان. وما أظنه أسقط أحدًا بين جابان وأنس، فإنه يدلس التسوية أحيانًا. وشيخه هو الحمصى، قال الأزدى -أيضًا- "لا يكتب حديثه" كما في "الميزان" (٣/ ٥١٠). رابعًا: حديث سلمان بن عامر: رواه تمام في "فوائده" (١٨/ ١٧٢ - ١٧٣): "أخبرنا أبو بكر يحيى بن عبد الله ابن الزجاج قال: ثنا أبو بكر محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن بلال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن: ثنا هاشم بن أبي هريرة الحمصى عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن سلمان بن عامر الضبى مرفوعًا: "الصائم في عبادة، وإن كان راقدًا على فراشه". كما في "الضعيفة" (٦٥٣). قال الشيخ الألمانى حفظه الله: "وهذا سند ضعيف، يحيى الزجاج ومحمد بن هارون لم أجد من ذكرهما. وبقية رجاله ثقات غير هاشم بن أبي هريرة الحمصى، ترحمه ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ١٠٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. قال: "واسم أبي هريرة: عيسى بن بشير". وأورده في "الميزان" وقال: "لا يعرف". قال العقيلى: منكر الحديث". ثم ذكره من رواية الديلمى عن أنس -بنحو ما تقدم- حتى قال: "وقد رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٣٠٣) من قول أبي العالية موقوفا عليه بزيادة. "ما لم يغتب". وإسناده صحيح، فلعل هذا أصل الحديث موقوف، أخطأ بعض الضعفاء فرفعه. والله أعلم" اهـ. قلت: هاشم بن أبي هريرة مختلف فيه، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، (٧/ ٥٨٥، ٩/ ٢٤٢)، وقال في الموضع الأول: "يروى عن ضمرة بن حبيب، روى عنه عمرو بن الحارث". وقال في الثانى: "يروى عن أبيه وضمرة بن حبيب. روى عنه أهل الشام وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقى". ومع ذلك، فالأقرب في حقه، قول العقيلى، ولفظه -كما في "الضعفاء الكبير" له (٤/ ٣٤٣) -: "عن أبيه، عن يحيى بن سعيد، منكر الحديث. وهو

стр. 227

وأبوه مجهولان بالنقل" اهـ. لكن أبوه، قال أبو حاتم: "صالح، يكتب حديثه" كما في "الجرح" (٦/ ٢٧٢)، وفيه: "عيسى بن بشر". أما شيخ تمام -يحيى بن عبد الله بن الزجاج-، فقد ترجم له ابن عساكر (١٨/ ١٤٧)، وذكر روايته عن جماعة منهم: أبو بكر محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن بلال، وختم ترجمته بما رواه بإسناده إلى تمام أنا أبو بكر يحيى بن عبد الله بن الحارث بن الزجاج الشيخ الثقة بحديث ذكره (ولم يسق لفظه ولا بقية إسناده). (وأما) محمد بن هارون فهو ثقة معروف تكلمنا عنه عند الحديث السادس والستين بما يغنى عن أعادته ههنا. وبالله التوفيق. (أما) موقوف أبي العالية الذى صححه الشيخ حفظه الله، فالذى في "الزهد" (ص ٣٠٣): "حدثنا عبد الله بن مندل أنبأنا فضيل بن عياض عن هشام بن (كذا، والصواب: عن) حفصة عن أبي العالية قال: "فذكره. وفي هذا الإِسناد إشكال -عندى-، فإنى لم أقف على راوٍ يدعى: "عبد الله ابن مندل"، وإنما ذكر الحافظ المزى ﵀ في ترجة عبد الله ابن الإمام أحمد من "تهذيب الكمال" (١٤/ ٢٨٧) -ضمن شيوخه-: "عبد الله بن صندل"، وهذا لم أقف له على أثر في مكان آخر. فالله أعلى وأعلم، ويكون سقط من الإِسناد قول القطيعى: "حدثنا عبد الله" كما يتكرر في جميع الأسانيد ثم وجدت الرجل في "تعجيل المنفعة" (ص ٢٢٥)، وتعقب الحافظ قول الحسينى إنه مجهول برواية جماعة عنه وإذن الإِمام أحمد لابنه في الكتابة عنه وعلى كلٍ، (فالأثر) صحيِح: قطعًا، إذ رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤) من طريق سفيان الثورى -باختصار آخره- وعبد الرزاق (٤/ ٣٠٧) وهناد (١٢٠١) عن أبي أسامة ثلاثتهم عن هشام بن حسان عن حفصة عن أبي العالية به. زاد عبد الرزاق: "فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشى. قال هشام: وقالت حفصة: الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة". وإسناده صحيح غاية. وقول حفصة -بنت سيرين- الأخير رُوِى مرفوعًا ولم

стр. 228

يثبت، ولعلى أتعرض له في موضع آخر. إن شاء الله. (وروى) عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن كعبًا قال: "الصائم في عبادة ما لم يغتب". ورجاله ثقات لكنه منقطع (١٤). الحديث الرابع والسبعون: " الصلاة خدمة الله في الأرض، فمن صلى ولم يرفع يديه فهى خداج. هكذا أخبرنى جبريل عن الله بكل إشارة درجة وحسنة". ضعيف جدًا. رواه الديلمى، قال الحافظ: "أسنده عن ابن عباس" كما في حاشية "الفردوس" (٢/ ٥٦٣). وقال المناوى في "الفيض" (٤/ ٢٤٧): "وفيه أحمد بن على بن حسنويه شيخ الحاكم، قال الذهبى: متهم بالوضع. وشبابة بن سوار أورده الذهبى في "الضعفاء" وقال أحمد: كان داعية إلى الإِرجاء. وورقاء اليشكرى لينه القطان" اهـ. قلت: لا يُعَلُّ إلا بابن حسنويه هذا، قال الذهبى في "الميزان" (١/ ١٢١): "قال الخطيب: لم يكن بثقة. قلت: قيل: حدث عمن لم يدركه كمسلم والقدماء. قال الحاكم: لو اقتصر على سماعاته الصحيحة كان أولى به. حدَّث عن جماعة أشهد بالله أنه لم يسمع فهم، ولا أعلم له حديثًا وضعه، ولا إسنادًا ركبه". وزاد الحافظ في "اللسان" (١/ ٢٢٣) كلامًا للحاكم قال في آخره: "وهو في الجملة غير محتج بحديثه". ومما زاده قول الأصم: هذا الحسنوى يدعى أنه سمع معى من الربيع وابن عبد الحكم، والله ما رأيته عندهما قط ولا رأيته بمصر، وإنما رأيته بعد رجوعى من مصر. وقول حمزة السهمى: "وسألت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجانى الكشى عنه، فقال: هو

стр. 229

كذاب" قلت: فالرجل ضعيف جدًا -على أحسن أحواله-، وياليتنى ظفرت بإسناد الديلمى كله، فقد يكون في الطريق إليه ما يوجب التوقف عن إلصاق البلاء به. أما الإِعلال بشبابة بن سوار، وورقاء بن عمر المدائنيين فغير جيد ولا صحيح، فإنهما ثقتان حافظان، قد يهمان في الشئ بعد الشئ كسائر البشر، وإنما تُكلم في رواية ورقاء عن منصور خاصةً، والمناوى -عفا الله عنه- لم يبين لنا عمن رواه. هذا، وقد اختصر الحافظ كلام الحاكم في شيخه ابن حسنويه، فلينظر بتمامه في "الأنساب" (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و "تاريخ دمشق" (٢/ ٢١ - ٢٢). (أما) هذا المتن، ففيه صنعة ظاهرة، وقوله: "فمن صلى ولم يرفع يديه فهى خداج"، يذكرنى بحديث: "من رفع يديه في الصلاة، فلا صلاة له"! الذى وضعه أحد متعصبى الحنفية أخزاه الله. وقاتل الله العصبية والاحتراق اللذين صيَّرا كلام النبي ﵌ ألعوبة في أيدى وأرجل هؤلاء الحمقى، ومضغة في أفواههم. على أن الإِشارة في الصلاة عند الركوع والرفع منه والقيام من التشهد الأول سنة ثابتة عن النبي ﵌، من أنكرها فكأنما أنكر الشمس في رابعة النهار، ومن تركها فاته خير كثير، وحسبه مخالفته لقول النبي ﵌: "صلوا كما رأيتمونى أصلى". وقوله: "من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما قدَّم من عمل" صححه ابن حبان. (أما) الشطر الأول من هذا الحديث، فإنما هو ثابت من قول ثابت بن أسلم البنانى التابعى الجليل الزاهد صاحب أنس رضى الله عنه، فقد روى ابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١٤) والبغوى في "الجعديات" (١٤٣٣، ١٤٣٤) - إلا أنه فرقه على الموضعين بتقديم وتأخير- وأبو نعيم (٢/ ٣٢٠) من طرق عن سيار عن جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتًا يقول: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم شيئًا أفضل من الصلاة، ما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. وإسناده حسن. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٥٥: آل عمران) من طريق عبد الله بن أبي بكر

стр. 230

المقدمى، ثنا جعفر به نحوه. والمقدمى واهٍ. ورواه أيضًا ابن المنذر - في "تفسيره".- كما في "الدر" (٢/ ٢١). و(أما) القطعة الأخيرة من الحديث، فثبت معناها عن عقبة بن عامر الجهنى المصرى الصحابى الجليل رضى الله عنه، فقد روى الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٩٧) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة حدثنى ابن هبيرة أن أبا المصعب مشرح بن هاعان المعافرى حدَّثه أنه سمع عقبة بن عامر الجهنى يقول: "إنه يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل إصبع حسنة أو درجة". قال الهيثمى (٢/ ١٠٣): "وإسناده حسن" اهـ. وقد استدل به الإِمام أحمد ﵀. انظر "التمهيد" (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥) وهو كما قال ﵀، فإن أبا عبد الرحمن المقرئ -واسمه عبد الله بن يزيد - أحد العبادلة - وهم أشهر قدماء أصحاب ابن لهيعة الذين حدثوا عنه قبل أن يكثر الوهم في حديثه، وقبل احتراق كتبه على حد قول الحافظ الذهبى ﵀ في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٣٨). وقد صرح ابن لهيعة أيضًا بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه فيما ذهب إليه ابن حبان ﵀، وهو ما لم يتحرر لى بعد. فالله أعلى وأعلم. الحديث الخامس والسبعون: " طوبى لمن مات في النأنأة". لا يعرف مرفوعًا. ذكره الديلمى في "الفردوس" (٣٧٤١) عن أبي بكر الصديق بزيادة: "قيل: وما النأنأة؟ قال: جدة الإِسلام وبدؤها". وذكر محققاه عن الحافظ في "تسديد القوس" أنه قال: "ابن ماجه عن أبي بكر الصديق". وأن الديلمى -الابن- قال في "المسند": "هو من كلام أبي بكر الصديق رضى الله عنه". قلت: وكلامه بتمامه- كما حكاه عنه المتقى الهندى في "كنز العمال" (١١/ ٢٦٤): "رواه ابن ماجه -ثنا على بن محمد والحسين بن إسحاق قالا: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن طارق ابن شهاب عن أبي بكر- انتهى. قال: "وليس في النسخ الموجودة الآن من

стр. 231

"سنن ابن ماجه" ولا ذكره أصحاب الأطراف، فلعله في بعض الروايات التى لم تصل إلى هذه البلاد أو في غير "السنن" من تصانيف ابن ماجه كالتفسير وغيره" اهـ. قلت: المتضح أن أبا منصور الديلمى حكم على الحديث الذى أورده والده -مرفوعا-، بأنه من كلام الصديق رضى الله عنه -موقوفًا عليه- ولم يذكر ذلك بإسناده هو، ولكن عزاه لابن ماجه بالإِسناد المذكور إلى أبي بكر. فإن ثبت عنه، فهو إسناد صحيح غاية. ثم إنه لا إشكال في خلو النسخ الموجودة من "سننه" منه، لأنه أثر موقوف ليس من شرط الكتاب أصلا، فالظاهر أنه في تصنيف آخر له. والله أعلم. (ثم) إنه قد تابع وكيعا على هذا الإِسناد، ثلاثة آخرون من الثقات الحفاظ فيما وقفت عليه، هم: ١ - الإِمام ابن المبارك في "الزهد" (٢٨١) قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد به. وزاد: "فسألت طارقًا عن النأنأة؟ قال: أراه عنى في جدة الإِسلام أو قال: بدء الإِسلام". ٢ - مروان بن معاوية الفزارى كما رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٦) عنه به، إلا أنه عنعنه. وهو قد رمى بالتدليس. ٣ - عبدة بن سليمان الكلابى الكوفى عند أبي نعيم (١/ ٣٣) من طريقه عن إسماعيل به، ولفظه: "طوبى لمن مات في النانات، قيل: وما النانات؟ قال: جدة الإِسلام". وإسناده جيد. فائدة: قال أبو عبيد: "أما المحدثون فلا يهمزونه؛ وقال الأصمعى: هى النأنأة -مهموزة، ومعناها: أول الإِسلام؛ قال: "إنما سمى بذلك لأنه كان قبل أن يقوى الإِسلام؛ ويكثر أهله وناصره، فهو عند الناس ضعيف، وأصل النأنأة: الضعف، ومنه قيل: رجل نأنأ - إذا كان ضعيفًا، وقال امرؤ القيس يمدح رجلًا:

стр. 232

لعمرك ما سعد بخُلَّه آثم ... ولا نأنأ عند الحفاظ ولا حصر قال أبو عبيد: ومن ذلك قول على رضى الله عنه لسليمان بن صرد - وكان تخلف عن يوم الجمل ثم أتاه بعد-، فقال له على: تنأنأت وتربصت وتراخيت، فكيف رأيت الله صنع. قوله: تنأنأت - يريد: ضعفت واسترخيت. قال الأموى عبد الله بن سعيد: يقال: نأنأت الرجل- إذا نهنهته عما يريد وكففته عنه، كأنه يعنى أنى حملته على أن ضعف عما أراد وتراخى. وقال غير هؤلاء من أهل العلم: إنما سمى أول الإِسلام النأنأة لأنه كان والناس ساكنون هادئون لم تهج بهم الفتن ولم تشتت كلمتهم، وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، يقول: لم يقو التشتت والاختلاف والفتن، فهو ضعيف لذلك" اهـ. قلت: وأثر على المذكور، ذكر مُحشى "الغريب" إسناده، فقال: "قال: حدثنيه ابن مهدى عن أبي عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر [عن أبيه] عن عبيد بن نضلة عن سليمان بن صرد. الحديث في الفائق ٣/ ٦٠" اهـ قلت: وهذا إسناد صحيح جليل. والله أعلم. الحديث السادس والسبعون: " غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها، والمائد فيه كالمتشحط في دمه". ضعيف، رُوى من حديث عبد الله بن عمرو، وأبى الدرداء، وأبى أمامة، وعائشة، ومن مرسل علقمة بن شهاب القشيرى. أولًا: حديث ابن عمرو: رواه الحاكم (٢/ ١٤٣) -واللفظ له- وابن شاهين في "الترغيب" (٤٣٦) والبيهقى في "السنن" (٤/ ٣٣٤ - ٣٤٥) و "الشعب" (٨/ ١٥١ - ١٥٢) وابن بشران في "الأمالى" (٢٧/ ١١٧/ ١) -كما في "الضعيفة" (١٢٣٠) -

стр. 233

من طرق عن عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن يسار (وعند البيهقي: سعيد بن يسار) عنه به. وزاد غير الحاكم - في أوله -: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة ... " الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه". وقال الذهبي (خ) يعنى: "على شرط البخارى". وقال المنذرى في "الترغيب" (٢/ ٥١٢): "وهو كما قال، ولا يضر ما قيل في عبد الله بن صالح؛ فإن البخارى احتج به". وقال المناوى في "الفيض" (٣/ ٣٧٤): "وسنده لا بأس به". وقال الشيخ الألباني حفظه الله في "صحيح الجامع" (٤/ ٦٧): "صحيح". وقال في تخريج "فقه السيرة" (ص ٢٢٨): "حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ١٤٣) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: "صحيح على شرط البخاري" ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وإعلال المناوى له تبعًا لابن الجوزى بأن فيه خالد بن يزيد، يروى الموضوعات عن الأثبات خطأ فاحش، لأن خالدًا هذا، لا ذكر له في سند الحديث عند الحاكم، فالظاهر أنه عند غيره ممن خرج الحديث. وبعد وروده من طريق آخر صحيح، لا يضره رواية أحد المتهمين له" اهـ. قلت: يعنى ما رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٨) وعنه ابن الجوزى في "العلل" (٩٤٩) من طريق خالد بن يزيد العمرى قال: نا الثورى عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن (١٥) يسار عن عبد الله بن عمرو مرفوعا به. وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: خالد بن يزيد يروى الموضوعات عن الأثبات". قلت: والعجب من المناوى عفا الله عنه، إذ حكى كلام ابن الجوزى-

стр. 234

عند رواية الحاكم - في "الفيض" (٤/ ٤٠١). وقال- في رواية الطبراني والبيهقي من نفس الوجه -: "وسنده لا بأس به" كما تقدم. نعم، العمرى كذاب (١٦)، والثابت عن الثورى وقفه كما يأتى، ولكن لم يتفرد برفعه وإن كان الرفع ضعيفًا مرجوحًا. وقد تفطن الألبانى لضعف الحديث، فقال في "الضعيفة" - بعد أن أورد تصحيح الحاكم فمن بعده -: "وفي كل ذلك نظر، فإن ابن صالح فيه كلام كثير، وقد قال الحافظ فيه: "صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة". قلت: وصفه بأنه: "ثبت في كتابه"، فيه نظر. انظر للحافظ نفسه، "هدى السارى" (ص ٤٣٤) و "التهذيب" (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠). أما محقق "الشعب"، فقال: "إسناده: لا بأس به وفيه من لم نعرفه"! يقصد ما وقع له من تسمية الراوى عن عبد الله بن صالح: "محمد بن عمرو" قال الراوى عنه: "يعنى ابن نافع" ومحمد هذا ذكره المزى ضمن الرواة عن عبد الله بن صالح (١٥/ ١٠٠) ونسبه: "المَعَدَّل". وجاء في "السنن" بنفس الإِسناد: "محمد بن عمرو بن خالد" وهو الحرانى، من شيوخ الطبراني، ولم أقف فيه على جرح ولا تعديل بل لم أعرف عنه سوى أن الطبراني روى عنه في "الصغير" وسائر "معاجمه". فلعل قوله: "عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن يسار" وهم منه أو من غيره. فالله أعلم. ثانيا: حديث أبي الدرداء: رواه ابن ماجه (٢٧٧٧) وابن عدى (٦/ ٢٣٩٩) من طريق هشام بن عمار، ثنا بقية عن معاوية بن يحيى، عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعًا: "غزوة في البحر مثل عشر غزوات

стр. 235

في البر، والذى يسدر في البحر كالمتشحط في دمه في سبيل الله". قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٣٩٧): "هذا إسناد ضعيف لضعف معاوية بن يحيى وشيخه ليث بن أبي سليم". وقال الشيخ الألباني: "وهذا إسناد واهٍ مسلسل بالعلل: الأولى: ليث بن أبي سليم، وكان اختلط. الثانية: معاوية بن يحيى، وهو الصدفى، ضعيف. الثالثة: بقية، وهو ابن الوليد، وكان يدلس عن الضعفاء والمجهولين" اهـ. قلت: يؤخذ عليهما- رحمهما الله- معًا أمر اشتركا فيه، وهو الجزم بأن معاوية بن يحيى هو الصدفى، كما صرح به الألبانى، وهو مقتضى إطلاق البوصيرى أيضًا، وإنما هو أبو مطيع الأطرابلسى المُوَثَّق لأمور: الأول: أن الإِمام ابن عدى إنما أورده في ترجمته من "الكامل". الثانى: أن الحافظ المزى ﵀ ذكر في ترجمة ليث من "التهذيب" (ق ١١٥٥) رواية أبي مطيع عنه، وذكر في ترجمة أبي مطيع (ق ١٣٤٨) روايته عن ليث ولم يفعل ذلك في الصدفى. الثالث: أن الصدفى ذكر له المزى خمسة شيوخ فقط - على سبيل الحصر- ليس الليث أحدهم. وأخص الشيخ الألبانى عفا الله عنه بملاحظتين: الأولى: سكوته عن هشام بن عمار- على خلاف عادته-، أما البوصيرى فلا تثريب عليه لأنه يمشيه. الثانية: إعلال الإِسناد بعنعنة بقية، وقد صرح عند ابن عدى بالتحديث، وشيخه ثقة. وكان من اليسير على الشيخ حفظه الله- بوسائل شتى- أن يعلم أن ابن عدى قد روى الحديث أيضًا. نعم، احتمال تسوية بقية قائم، لكن الشيخ لا يقصد إلا تدليس الإِسناد.

стр. 236

ثالثًا: حديث أبي أمامة: رواه أيضًا ابى ماجه (٢٧٧٨) والطبراني (٨/ ٢٠٠ - ٢٠١) من طريق قيس بن محمد الكندى ثنا عفير بن معدان الشامى عن سليم بن عامر عنه مرفوعًا، ولفظه: "شهيد البحر مثل شهيدى البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر. وما بين الموجبتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت لقبض الأرواح، إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم ... " الحديث. قال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف: عفير بن معدان المؤذن ضعفه أحمد وابن معين ودحيم وأبو حاتم والبخارى والنسائى وغيرهم". وقال الألبانى في "الإِرواء" (١١٩٥) - وقد ضعفه جدًا-: "وهذا إسناد فيه علتان: الأولى: عفير بن معدان، قال ابن أبي حاتم (٣/ ٣٦/٢) عن أبيه: "ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﵌ بالمناكير، ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته". وأورده الذهبى في "الضعفاء" وقال: "مجمع على ضعفه، قال أبو حاتم: لا يشتغل به". قلت: وبه أعله البوصيرى في "الزوائد" (ق ١٧٣/ ١)، وخفيت عليه العلة التالية: والأخرى: قيس بن محمد الكندى لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، ومع ذلك فقد أشار إلى أنه لا يحتج به لا سيما في روايته عن عفير فقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن عفير بن معدان" اهـ. رابعًا: حديث عائشة: رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٤٠٠) عن أبي الحريش القصار قال: أنا ابن أبي ليلى عن رجل عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: لو كنت رجلًا لم أجاهد إلا في البحر، وذلك أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من أصابه ميد في البحر كالمتشحط في دمه في البر". وهذا إسناد ضعيف فيه:

стр. 237

أ- أبو الحريش القصار، لم أرَ أحدًا ذكره سوى السمعانى ﵀، فقال: عند نسبه "القصار" من "أنسابه" (٥/ ٥٠٧): "هذه النسبة إلى قصَارة، والمشهور بها: أبو حريش القصار". فلم يذكر عن اسمه ولا حَاله شيئًا. نعم، ترجم أبو أحمد الحاكم في "الكنى" (ق ١٢٦ ب - ١٢٧ أ) لأبى الحريش من روايته عن زيد بن محمد العمرى، ورواية محمد بن الحسن الأسدى عنه، فلا أدرى أهو القصار. أم لا؟ . ٢ - وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن القاضى الكوفى، صدوق سئ الحفظ جدًا كما في "التقريب" (٦٠٨١). ٣ - وشيخه- الراوى عن عائشة- مبهم لا يُدرى من هو. خامسًا: مرسل علقمة بن شهاب القشيرى: رواه عبد الرزاق (٥/ ٢٨٦) عن عبد القدوس عنه مرفوعًا: "من لم يدرك الغزو معى فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر شهر في البر، وإن القتل في البحر كالقتلين في البر، وإن المائد في السفينة كالمتشحط في دمه ... " الحديث. وإسناده واه جدًا، عبد القدوس هو ابن حبيب الكلاعى، وهو متهم بالكذب، وعلقمة وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضًا ابنه محفوظ وسعيد بن عبد العزيز. وقد رواه ابن المبارك في "الجهاد" (١٩٦) وعنه ابن عساكر (١١/ ٧٩٨) وابن أبي شيبة (٥/ ٣١٤) عن وكيع كلاهما عن سعيد عن علقمة بغير هذا السياق، وليس فيه: "المائد في السفينة كالمتشحط في دمه" فهى منكرة من حديث علقمة مع ضعفه وإرساله. (أما) الروايات الموقوفة، فقد ثبت الأثر- بنحوه - عن عبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار، ورُوِى أيضًا عن مجاهد. أ- أثر ابن عمرو، وقد جاء من وجهين عن عطاء بن يسار عنه الأول:

стр. 238

علقه البيهقي عن الثورى، ووصله عبد الرزاق (٥/ ٢٨٥) وابن أبي شيبة (٥/ ٣١٥) عنه عن يحيى بن سعيد قال: أخبرنى مُخبر عن عطاء عنه قال: "غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية (زاد ابن أبي شيبة والبيهقى: كلها)، والمائد في السفينة، كالمتشحط في دمه". وهو عند ابن أبي شيبة بهذا الإِسناد مفرقًا على موضعين، فقال في الأول: "عن يحيى بن سعيد عمن سمع عطاء بن يسار" وفي الثانى: "أخبرنى محرز (كذا، والصواب: مخبر) عن عطاء بن يسار" ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى الراوى عن عطاء، فإنه مبهم. وذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٣٨) عن ابن وهب قال: أخبرونى عمرو بن الحارث عن يحيى ابن سعيد عن عطاء به، بإسقاط الواسطة - كالرواية المرفوعة. ورواية الثورى أصح بلا ريب. والله أعلم. الثانى: رواه سعيد بن منصور (٢٣٩٥) عن ثقتين عن أبي حازم عن عطاء به. ولفظه: "غزوة في البحر تعدل عشرًا في البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر". وإسناده صحيح، فزيادة: "ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية كلها" تظل على ضعفها، لانتفاء شاهد لها في هذه الرواية الصحيحة. ٢ - أثر كعب: رواه سعيد (٢٣٩٩) عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر عن أبيه عن تبيع عنه قال: "إذا وضع الرجل رجله في السفينة خلَّف خطاياه خلف ظهره كيوم ولدته أمه، والمائد فيه كالمتشحط في دمه في سبيل الله، والصابر فيه كالملك على رأسه التاج". وإسناده حسن. والظاهر أنه - وسابقه - متلقى من صحف أهل الكتاب، فإن ابن عمرو رضى الله عنهما صح عنه أنه أصاب زاملتين من صحفهم يوم اليرموك، فكان يحدث بها. ٣ - أثر مجاهد: رواه عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قال مجاهد: "غزوة

стр. 239

في البحر تعدل عشرًا في البر، والمائد في البحر كالمتشحط بدمه في سبيل الله". وإسناده منقطع، ابن جرج قال البرديجى: "لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا" كما في "التهذيب" (٦/ ٤٠٥). تنبيهان: الأول: قوله - في رواية غير الحاكم لحديث ابن عمرو -: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج". لم أستوف طرق هذه اللفظة، لأن المقصد الأصلى كان متعلقًا بلفظ الترجمة وحده. الثانى: أن ما رواه الحميدى (٣٤٩) وأبو داود (٢/ ٧) وعنه البيهقي (٤/ ٣٣٥) وابن عبد البر وغيرهم من طريق مروان بن معاوية الفزارى ثنا هلال بن ميمون الرملى، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي ﵌ أنه قال: "المائد في البحر الذى يصيبه القئ له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين". ولفظ الحميدى: "ذكر رسول الله ﵌، غزاة البحر، للمائد أجر شهيد، وللغرق أجر شهيدين، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: اللهم اجعلها منهم. فغزت البحر فلما ركبت دابتها فسقطت فماتت". فرواته ثقات، لكن يغلب على الظن عدم اتصاله، فإن يعلى بن شداد بن أوس من الثالثة كما في "التقريب" (٧٨٤٣) - وهى طبقة أواسط التابعين. وأم حرام رضى الله عنها استشهدت في خلافة عثمان سنة سبع وعشرين، فهى قديمة الوفاة، ثم إن لها حديثًا في الغزو في البحر- متفق عليه- بغير هذا اللفظ. وأظن أبا حاتم ﵀ تكلم في هلال بن ميمون من أجل روايته للحديث بهذا السياق، فقال ابنه عبد الرحمن: "سألت أبي عن هلال بن ميمون الفلسطيني، فقال: ليس بالقوى، يكتب حديثه" كما في "الجرح" (٩/ ٧٦). بلى، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال النسائى: ليس به بأس. والرجل

стр. 240

مقل- فيما يظهر- فتفرده بهذه اللفظة المخالفة للثابت عن أم حرام رضى الله عنه، يوجب التوقف عن حديثه هذا، مع مراعاة ما في اتصاله من النظر. والله أعلم. الحديث السابع والسبعون: " قنت في صلاة الصبح، قال (القائل: أنس): فسمعْتُه يدعو في قنوته على الكفرة. قال: وسمعته يقول: "واجعل قلوبهم كقلوب نساء كوافر". منكر. رواه البزار (٥٥٨) وأبو يعلى (٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩) - واللفظ له- من طريق حماد بن زيد، والطحاوي في "شرح معانى الآثار" (١/ ٢٤٤) - مختصرًا- من طريق الحارث بن عبيد، حدثنا حنظلة بن عبد الله السدوسى عن أنس رضى الله عنه أن النبي ﵌. فذكره. وقال البزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ عن أنس إلا من حديث حنظلة". وقال الهيثمى في "كشف الأستار": "قلت: القنوت في "الصحيح" خلا الدعاء". وقال في "المجمع" (٢/ ١٣٩): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه حنظلة بن عبد الله (في الأصل: عبيد الله) السدوسى، ضعفه أحمد وابن المدينى وجماعة، ووثقه ابن حبان". قلت: والصواب قول الجمهور. قال على بن المدينى: سمعت يحيى بن سعيد - وذُكِر حنظلة السدوسى-، فقال: قد رأيته وتركته على عمد. قلت ليحيى: كان قد اختلط؟ قال: نعم. وقال الميمونى عن الإِمام أحمد: ضعيف الحديث. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حنظلة السدوسى، فقال: حنظلة - ومد بها صوته - ثم قال: ذاك منكر الحديث، يحدث بأعاجيب، حدَّث عن أنس، قيل: يا رسول الله: أينحنى بعضنا لبعض، وعن أنس: أن النبي ﵌ كان يدعو في القنوت، وعن شهر عن

стр. 241

ابن عباس، كان رسول الله ﵌ يقرأ في الفجر. وضعَّفه. وقال ابن معين: تغير في آخر عمره. وقال أيضًا: ضعيف. وفي رواية ابن الدورقي عنه: ليس حديثه بشئ. وقال أبو حاتم: ليس بقوى. وقال النسائى: ضعيف. وتناقض ابن حبان، فذكره أيضًا في "المجروحين" (١/ ٢٦٧)، وقال: "اختلط بأخرة حتى كان لا يدرى ما يحدث، فاختلط حديثه القديم بحديثه الأخير، تركه يحيى القطان". (ثم) وجدت للحديث لفظا آخر عن حنظلة، فرواه الحارث بن أبي أسامة (زوائده: ١٧٥) حدثنا العباس بن الفضل ثنا عبد الوارث عنه عن أنس قال: صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة قنت بعد الركوع. فكان من دعائه: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يحادون رسلك، ويصدون عن سبيلك، وألقِ بينهم العداوة والبغضاء". والعباس بن الفضل- شيخ الحارث - هو البصرى العبدى الأزرق، وهو هالك. قال البخارى وأبو حاتم: ذهب حديثه. وقال ابن معين: كذاب خبيث. وضعَّفه ابن المدينى جدًا. وتساهل ابن حبان، فأدخله في "الثقات" (٨/ ٥١٠ - ٥١١)، وقال: "يخطئ ويخالف". ثم وجدته من حديث شعبة عن حنظلة عن أنس عند الخطيب (٨/ ١٧٣) بلفظ: "أن رسول الله ﵌ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على هؤلاء". والمتن ثابت، واستغربه الخطيب من حديث شعبة عنه، وفيه الكديمى وهو متهم. (والصحيح) - في هذا الحديث - وقفه على يحيى بن وثاب التابعى الثقة الجليل- ﵀ كما رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤٣) عن أبي معاوية عن الأعمش عنه، قال: سمعته يقول في قنوته: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب. اللهم اجعل قلوبهم على قلوب نساءٍ كوافر". وإسناده صحيح. ورواية الأعمش عن يحيى في "الأدب المفرد" و"جامع الترمذي" و"سنن ابن ماجه". كما في ترجمة سليمان بن مهران الأعمش من "تهذيب الكمال" (١٢/ ٨٠). (وقوله) - في رواية الحارث -: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ... " إلخ.

стр. 242

ثابت أيضًا عن الفاروق عمر رضى الله عنه في قنوته كما رواه عبد الرزاق (٣/ ١١٠ - ١١١) وابن أبي شيبة (٢/ ٣١٤ - ٣١٥) والطحاوى (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) والبيهقى (٢/ ٢١٠ - ٢١١) من طرق أكثرها صحيح - مطولة ومختصرة -، أسوق اثنتين منها: الأولى: رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع عبيد ابن عمير يأثر عن عمر بن الخطاب في القنوت أنه كان يقول: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق (١٧) " اهـ. الثانية: روايته أيضًا عن معمر عن على بن زيد بن جدعان عن أبي رافع قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقنت بعد الركوع، قال: فسمعته يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفارين (وفي النسخة ص: بالكفار) ملحق. اللهم عذب الكفرة، وألق في قلوبهم الرعب، وخالف بين كلمتهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك، اللهم عذب كفرة

стр. 243

أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أوليائك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإِيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك، وأوزعهم أن يوفوا بالعهد الذى عاهدتهم عليه، وانصرهم على، عدوك وعدوهم إله الحق. واجعلنا منهم" وعلى بن زيد بن جدعان ضعيف، كما في "التقريب" (٤٧٣٤) لكنه ثابت من مجموع طرقه. وقد قال الإِمام النووى ﵀ في "الأذكار" (ص ٤٩): "قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان حسنًا، وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: " فذكره بنحو الرواية الثانية. تم قال: "واعلم أن المنقول عن عمر رضى الله عنه: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب"، لأن قتالهم في ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول: "عذب الكفرة"، فإنه أعم. وقوله: نخلع: أى نترك، وقوله: يفجرك، أى: يلحد في صفاتك، وقوله: نحفد - بكسر الفاء -، أى: نسارع، وقوله: الجِدّ- بكسر الجيم-، أى: الحق، وقوله: ملحق بكسر الحاء على المشهور، ويقال: بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره وقوله: ذات بينهم أى: أمورهم ومواصلاتهم، وقوله: والحكمة، هى كل مانع من القبيح، وقوله: وأوزعهم: أى: ألهمهم، وقوله: واجعلنا منهم، أى: ممن هذه صفته ... " إلخ. قلت: وكذلك قال البيهقي (٢/ ٢١١): "وروينا عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرأ في دعاء القنوت: إن عذابك بالكفار ملحق - يعنى بخفض الحاء". وكذلك قال ابن الأثير ﵀ في "النهاية" (٤/ ٢٣٨) - مادة (لحق) -: "في دعاء القنوت "إن عذابك بالكفار مُلحق" الرواية بكسر - الحاء: أى من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. وقيل: هو بمعنى لاحق، لُغة في لَحَق. يقال: لحقته وألحقته بمعنىً، كتبعته وأتبعته. ويروى بفتح الحاء

стр. 244

على المفعول: أى أن عذابك يُلْحَق بالكفَّار ويصابون به" اهـ. وفيه رَدٌّ على الذين لا تستسيغ أذواقهم وعقولهم رواية اللفظة بكسر الحاء، تعللًا بأن: "المُلحِق" هو الله ! . (وقد) ورد دعاء عمر مرفوعًا من طريق ضعيفة ومرسلة، ففى "مراسيل أبي داود" (٨٩) و "سنن البيهقي" (٢/ ٢١٠) من طريق معاوية بن صالح، عن عبد القاهر، عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله ﵌ يدعو على مضر إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال: ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنما نستعينك ... " الحديث، حتى قوله: "ملحق". وهذا إسناد ضعيف له علتان: الأولى: جهالة عبد القاهر، وهو ابن عبد الله، ويقال: أبو عبد الله. قال الحافظ (٤١٤٣): "مجهول". الثانية: الإِرسال، بل الإِعضال في غالب الأمر، فإن خالد بن أبي عمران- وهو أبو عمر التجيبى التونسى قاضى إفريقية-، لم يذكر له المزى في "التهذيب" (٨/ ١٤٢) رواية عن أحد من الصحابة سوى عبد الله بن الحارث ابن جزء، وسائر حديثه عن التابعين أمثال سالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان ابن يسار وعروة وعكرمة ونافع وغيرهم. نعم، ذكر روايته عن عبد الله بن عمر، لكن قال: "ولم يسمع منه" (١٨).

стр. 245

والثابت في نزول هذه الآية: ما رواه البخارى (٤٥٥٩) من طريق سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه سمع رسول الله ﵌ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله ﴿ليس لك من الأمر شئ - إلى قوله - فإنهم ظالمون﴾. وروى أيضًا (٤٥٦٠) من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﵌ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال، إذا قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد": "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسنى يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا - لأحياء من العرب- حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وقد أورد الحافظ ابن كثير ﵀ هذين الحديثين- بنحوهما- وغيرهما عند تفسير آل عمران (٩٩) من "تفسيره" (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وذكر عقب ذلك مناسبة أخرى لنزول الآية، فانظره إن شئت. ملاحظات مختصرة: الأولى: أن القنوت في النوازل من السنن المؤكدة عند أهل الحديث وجمهور الفقهاء. الثانية: أنه لا يختص بصلاة الصبح وحدها، فقد ثبت ذلك -كما رأيت - وثبت أيضًا في الصبح والظهر والعشاء. فعله أبو هريرة ثم قال: "لأنا أشبهكم صلاةً برسول الله ﵌". وثبت أيضًا في الصبح والمغرب.

стр. 246

رواه مسلم وغيره عن البراء. وثبت في الصلوات الخمس جميعها. رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس، وإسناده جيد. الثالثة: أن قنوت عمر- رضى الله عنه- يسمى الشطر الثانى منه: السورتين - سورتى الخَلع والحَفد- قال ميمون بن مهران ﵀: "في قراءة أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق". وكذلك قال حماد بن سلمة ﵀: قرأنا في مصحف أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك ... الأثر بنحوه. وأخرج ابن نصر عن ابن إسحاق قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق: بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد- إلى آخرها - بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق- إلى آخرها- بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس - إلى آخرها- بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ... الأثر وبوب على ذلك وغيره كثير، الإِمام السيوطى ﵀ في "الدر": (ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد) (٦/ ٤٢٢: ٤٢٠) فانظره. وللقنوت بالسورتين شأن عظيم عند كثير من السلف كما تراه في مصنفى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق و "قيام الليل" لابن نصر مع ما أحلنا عليه القارئ من نقول السيوطى. وبالغ بعض أهل الحديث في شأنه، فقال عبد الله ابن داود الخريبى الكوفى- ﵀: "من لم يقنت به بالسورتين، فلا يصلى خلفه" كما في "بداية المجتهد" لابن رشد ﵀ (١/ ٩٦). الرابعة: أن الدعاء في قنوت النازلة لا يكون بالتشهى، ولا كيفما اتفق، يل باتباع الوارد الثابت - قدر الاستطاعة - ويتضمن لزاما الدعاء لقوم والدعاء على آخرين. لقول أبي هريرة في حديث البخارى المتقدم، وفي رواية ابن حبان: "كان رسول الله ﵌ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم". ولقول أنس رضى الله عنه: "أن النبي

стр. 247

صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يقنت إلا إذا دعى لقوم أو دعى على قوم". قال صاحب "التنقيح": "وسند هذين الحديثين صحيح، وهما نص في أن القنوت مختصٌ بالنازلة". وصححهما أيضًا الحافظ ﵀ في "الدراية". انظر "الضعيفة" (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨). الخامسة: أن قنوت عمر رضى الله عنه، ورد عن غيره من الصحابة كعثمان وعلى بأسانيد لا تثبت. (وبعد) فإن مما يؤسف له أن كثيرًا من الناس لا يفطنون - ومنهم من ينكر أن يكون المسلمون في نازلة الآن! والنوازل قد حاقت بالعالم الإِسلامى أجمع، فلم تكد بقعة منه تسلم. والمستمسكون بحبل الله ينالهم النصيب الأوفى من العذاب والتنكيل والتشريد والاعتقال والإِبادة كما لا يخفى على أحد. فالدعاء لهؤلاء المستضعفين من المسلمين في السجود وقيام الليل والقنوت من أجلهم من أدنى الواجبات التى بمقدور الجميع أن يقدمها لهم فهى أخف على النفوس التى يضن أصحابها أن يشروها لبارئها ﵎ ظفرًا بجواره في جنة الخلد، فماذا بقى إذًا لم نبخل به؟ ! وقد قال المعصوم ﵌: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم". وقال: "ابغونى في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". والمشاهد أن المسلمين الاَن قد ألهتهم مطالب الحياة وتحصيل الدنيا والسعى من أجلها، واللهو واللعب فيها - بل قد أُلهوا عمدًا بناء على تخطيط خبيث كما يعلم الفطناء - عن التفكير في فك رقابهم - أولًا- واستنقاذ إخوانهم المنكوبين بالدعاء والدعوة والبذل، فمتى نفلح ونحن لا نعيش إلا من أجل أنفسنا؟ نسأل الحق تعالى أن يرزقنا الإيثار والكد لصالح هذا الدين والقنوت من أجل المعذبين المزلزلين في أرجاء الأَرض من أجل العقيدة وفي سبيل الحق العلى الكبير. آمين.

стр. 248

الحديث الثامن والسبعون: " كان يَدَّهِنُ بالزيت غير المقتت عند الإِحرام". منكر. رُوِى من حديث ابن عمر وابن عباس من نفس الوجه. أولًا: حديث ابن عمر: رواه الإِمام أحمد (٢/ ٢٩، ٢٥، ٥٩، ٧٢, ١٤٥) وأبو عبيد في "الغريب" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وابن أبي شيبة (الجزء المفقود ص ٣٩٨) والترمذى (٩٦٢) من طرق عن حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عنه مرفوعًا به. وعند أبي عبيد: "عن الحسن أو سعيد بن جبير". وقال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخى عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخى، وروى عنه الناس". وكذلك أورده الذهبى في "الميزان" (٣/ ٣٤٦) في جملة ما استنكر عليه. وهو ضعيف، ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين- في رواية- وتكلم فيه في عدة روايات عنه. وقال الحافظ في "التقريب" (٥٣٨٤): "صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ". ثانيًا: حديث ابن عباس: رواه أبو نعيم (٣/ ٤٩) والبيهقى (٥/ ٥٨) من طريقين عن حماد بن سلمة به، عن ابن عباس. وقال البيهقي: "ورواه الأسود بن عامر شاذان عن حماد ابن سلمة عن فرقد عن سعيد عن ابن عمر". قلت: كأنه يجعل الاختلاف فيه من أبي سلمة الخزاعى- راويه عن حماد عنده -، وهو ثقة حافظ إمام، والأشبه أنه ممن دونه، فقد رواه الإِمام أحمد - في أحد المواضع المذكورة - عنه عن حماد كرواية الجماعة. أما راويه عن حماد عند أبي نعيم، فهو مسلم ابن إبراهيم الفراهيدى، رواه من ثلاث طرق عنه، فجعله أيضًا من مسند

стр. 249

ابن عباس، ومسلم ثقة حافظ لكن الوهم لا ينفك عنه بشر، لا سيما والجادة هى رواية ابن جبير عن ابن عباس، ثم وجدته في "الأخلاق" لأبى الشيخ (ص ١٥٠) من طريق مسلم عن حماد به على الصواب. على أن الحمل على فرقد أولى لأنه ضعيف كما تقدم. (والصحيح) عن سعيد بن جبير وقف الحديث على ابن عمر رضى الله عنهما، فقد رواه ابن أبى شيبة أيضًا عن وكيع قال: ثنا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير عنه: "أنه كان يدهن بالزيت عند الإِحرام". وإسناده صحيح غاية، وهو على شرطهما. ثم وجدته اليوم عند البخارى (١٣٥٧) - بزيادة -، فرواه عن محمد بن يوسف (وهو الفريابي) حدثنا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير قال: "كان ابن عمر ﵄ يدهن بالزيت" فذكرته لإِبراهيم (القائل: منصور) قال: ما تصنع بقوله؟ حدثنى الأسود عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﵌، وهو محرم". ثم روى (١٥٣٩) من طريق الإمام مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﵌ لإِحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". وهو في "الموطأ" (١/ ٣٢٨) وقال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٦٥) - عند قوله في الأثر "يدهن بالزيت": "أى عند الإِحرام بشرط أن لا يكون مطيبًا، كما أخرجه (١٩) الترمذى من وجه آخر عنه مرفوعًا، والموقوف عنه أخرجه ابن أبي شيبة وهو أصح، ويؤيده ما تقدم في كتاب الغسل من طريق محمد بن المنتشر أن ابن عمر قال: "لأن أطلى بقطران أحبُّ إليَّ من أن أتطيب ثم أصبح محرمًا". وفيه إنكار عائشة عليه، وكان ابن عمر يتبع في ذلك أباه فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإِحرام كما سيأتى، وكانت عائشة تنكر عليه ذلك. وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله

стр. 250

ابن عبد الله بن عمر أن عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإِحرام" قال: فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر فأرسلته إليها وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبي، فجاءنى رسولى فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإِحرام فأصب ما بدالك. قال: فسكت ابن عمر. وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة، قال ابن عيينة: "أخبرنا عمرو بن دينار عن سالم أنه ذكر قول عمر في الطيب ثم قال: قالت عائشة" فذكر الحديث، قال سالم: سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق أن تتبع". وقال- في قول إبراهيم لمنصور: "فقال: ما تصنع بقوله" يشير إلى ما بينته، وإن كان لم يتقدم إلا ذكر الفعل، ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن وأنها مستغنى بها عن آراء الرجال وفيها المقنع". وانظر شرحه ﵀ لحديث عائشة، وجوابه عن شبهات المخالفين له وتأويلاتهم حتى (ص ٤٦٧). وانظر أيضًا روايات شتى لحديث عائشة في "جامع الأصول" لابن الأثير الجزرى ﵀ (٣/ ٣١: ٣٥) بتعليقات الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله. وانظر أيضًا "التمهيد" للحافظ ابن عبد البر (١٩/ ٢٩٦: ٣٠٩). الحديت التاسع والسبعون: " لأن أمشى على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلى برجلى، أحبُّ إلَيَّ من أن أمشى على قبر مسلم، وما أبالى أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق". ضعيف. رواه ابن ماجه (١٥٦٧) من طريق المُحَارِبىِّ، عن (٢٠) الليث
следующие страницы →