← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10280

تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (321 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد رواه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٧) من طريق شعيب بن حرب عن الثورى، فأوقفه عليه. وإسناده صحيح. فإما أن يكون شعيب أو أحد ممن دونه قَصَّر به، أو أن الثورى ﵀ كان يسنده إلى عروة تارة، ويذكره من قِبَل نفسه أخرى، فالله أعلم. وفي معناه ما رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٣٥٣) عن ابن علية عن عمارة أبي سعيد، قال: "قلت للحسن: إلى ما ينتهى العقوق؟ قال: أن تحرمهما وتهجرهما وتحد النظر إلى وجه والديك، يا عمارة! كيف البر لهما؟ ". وإسناده صحيح. ورواه عبد الله بن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٢٦٣) من طريق حزم - وهو ابن أبي حزم القطعى عن عمارة بنحوه - بزيادة ونقص- وفي آخره: "قال: أما علمت أن نظرك في وجه والديك أو والدتك عبادة؟ ". وإسناده صحيح أيضًا. تنبيه: أما حديث: "من أحزن والديه فقد عقهما"، فكذب موضوع، رواه الخطيب في "جامعه" (١٦٩٩) عن على مرفوعًا، وفيه: محمد بن محمد ابن الأشعث الكوفى، وهو رافضى يضع الحديث. وضع كتابا كاملًا بأسانيد مسلسلة بآل البيت، سماه "السنن"، وقد ذكرت له حديثًا في حاشية "البدائل" (١/ ٥١). وسأعيد ذكره عند الحديث السادس والتسعين بإذن الله. ولم يطلع العلامة الألبانى حفظه الله على إسناده، فقال في "ضعيف الجامع" (٥/ ١٥٢): "ضعيف"، استنادًا إلى قاعدة الحافظ السيوطى ﵀ في ضعف كل ما تفرد به جماعة من المخرجين، منهم الخطيب في "جامعه"، فلزم التنبيه. الحديث الثامن والثمانون: " من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، ويفتح القول، ويخزن العمل، ويُقرأ بالقوم المثناة ليس فيهم أحد ينكرها. قيل:

стр. 282

وما المثناة؟ قال: ما اكتتبت سوى كتاب الله ". ضعيف. رواه الحاكم (٤/ ٥٥٤) من طريق هشام بن عمار ثنا يحيى بن حمزة حدثنى عمرو بن قيس السكونى قال: كنت مع أبي الفوارس (كذا، ولعل الصواب: مع أبي في الوفد كما في الرواية الأخرى له) وأنا غلام شاب، فرأيت الناس مجتمعين على رجل. قلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمرو ابن العاص، فسمعته يحدث عن رسول الله ﵌ أنه قال: فذكره، وهذا إسناد لين، رجاله كلهم ثقات سوى هشام بن عمار، وهو صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، كما في "التقريب". قلت: ويستثنى من ذلك رواية الإِمام البخارى ومن سمعوا منه قبل ذلك. وراويه عند الحاكم هو إبراهيم بن يوسف الهسنجانى - وهو ثقة حافظ توفى ٣٠١ - فيبعد أن يكون متقدم السماع من هشام، والله أعلم. والحديث رواه أيضًا الطبراني في "الكبير" بنحوه، وقال الهيثمي (٧/ ٣٢٦): "ورجاله رجال الصحيح". قلت: وأحاديث ابن عمرو وقعت في القسم المفقود من "المعجم"، ولكن يغلب على الظن أنه رواه ص طريق هشام بن عمار أيضًا، فإنه من شيوخ البخارى كما تقدم. (وقد) خالف هشامًا جماعة من الثقات، فأوقفوه على عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما، وهم: الإِمام الأوزاعي، وإسماعيل بن عياش، ومعاوية بن صالح الحضرمي، ومحمد بن حمير. ١ - فقد روى الحاكم (٤/ ٥٥٤ - ٥٥٥) - عقب ما تقدم - من طريق محمد ابن كثير الصنعاني ثنا الأوزاعي عن عمرو بن قيس السكونى قال: "خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية فسمعت رجلًا يحدث الناس، يقول: "إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار، وأن يخزن الفعل والعمل ويظهر القول، وأن يقرأ بالمثناة في القوم ليس فيهم من يغيرها أو ينكرها. فقيل:

стр. 283

وما المثناة؟ قال: ما اكتتبت سوى كتاب الله ". قال: فحدثت بهذا الحديث قومًا، وفيهم إسماعيل بن عبيد الله، فقال: أنا معك في ذلك المجلس، تدرى من الرجل؟ قلت: لا. قال: عبد الله بن عمرو". وقال: "هذا حديث صحيح الإِسنادين جميعًا، ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح". قلت: بل محمد بن كثير المصيصي صدوق كثير الغلط كما في "التقريب"، لكن المتابعات الآتية تؤكد صحة روايته إن شاء الله تعالى. ٢ - ورواه أبو عبيد في "الغريب" (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، قال: "حدثناه إسماعيل بن عياش قال: حدثني عمرو بن قيس السكوني ... " فذكره. وإسناده صحيح. ٣ - ورواه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٦٥ - ١٦٦) عن زيد بن الحباب قال: أخبرنا معاوية بن صاع قال: أخبرني عمرو بن قيس الكندي ... فذكره وإسناده جيد، ومعاوية ثقة حافظ. ٤ - ورواه نعيم بن حميد في "الفتن" (٦٧٦) من طريق محمد بن حمير عن عمرو بن قيس به أفاده محقق "المصنف" جزاه الله خيرًا. وابن حمير صدوق. فظهر من مجموع هذه الطرق، أن رواية هشام بن عمار - على لينها - مُعَلَّةٌ بالوقف. والله أعلى وأعلم. فائدة: قال أبو عبيد - عقب هذا الأثر -: "فسألت رجلًا من أهل العلم بالكتب الأول قد عرفها وقرأها عن المثناة، فقال: إن الأحبار والرهبان من بني إسرائيل بعد موسى وضعوا كتابًا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله ﵎، فسموه بالمثناة، كأنه يعنى أنهما أحلوا فيه ما شاءوا وحرموا

стр. 284

فيه ما شاءوا على خلاف كتاب الله ﵎. فبهذا عرفت تأويل حديث عبد الله بن عمرو أنَّه إنما كره الأخذ عن أهل الكتب (كذا) لذلك المعنى، وقد كانت عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك، فأظنه قال هذا لمعرفته بما فيها، ولم يرد النهى عن حديث رسول الله ﵌ وسنته، وكيف ينهى عن ذلك، وهو أكثر الصحابة حديثًا عنه؟ " اهـ. والله والمستعان، ولا حول ولا قوة إلا به. الحديث التاسع والثمانون: " من استرضى فلم يرضَ فهو شيطان، ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار". لا أصل له مرفوعًا. قال الحافظ السخاوى في "المقاصد" (١٠٧٩): "ليس في المرفوع، وإنما هو فيما أورده البيهقي في "الشعب" من جهة جعفر ابن محمد الصادق قال: من لم يغضب عند التقصير، لم يكن له شكر عن المعروف، ومن طريق الربيع، وفي "مناقب الشعب" (كذا) من جهة أحمد ابن سنان كلاهما عن الشافعي من قوله بزيادة: "ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار". وذكره عنه الشوكاني ﵀ في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٩٥) باختصار الكلام عن طرقه. وقال الشيخ ملا على القارى في "المصنوع" (٣١٠): "من كلام الشافعي". وذكره العلامة محمد الأمير الكبير المالكى في "النخبة البهية" (٣٧٧) وقال: "وفي رواية جبان". وقال: "ليس بحديث، بل من قول الشافعي". قلت: رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ٢٠٢) من طريق أحمد بن محمد بن الحسين المصري عن الربيع به. ورواه ابن عساكر (٥/ ٣٢١) من طريق البيهقي أيضًا - بإسناد آخر - عن أبي بكر بن إسحاق عن الزبير

стр. 285

ابن عبد الواحد عن محمد بن [. . . . . .] عن الربيع به (كذا في النسخة الظاهرية ببياض في اسم أبي الراوى عن الربيع) وفي الطريق الأولى: أحمد بن محمد بن الحسين المصري، ترجم له الذهبي في "السير" (١٥/ ٥٤١: ٥٤٣)، فقال: "الشيخ الكبير، مسند وقته، أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندى، المصري الصابونى ... " حتَّى قال: "وهو صدوق في نفسه. وليس بحجة، وقد أدخل عليه حديث باطل فرواه". ثم روى بإسناده إليه عن محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا: "النظر إلى وجه علِىٍّ عبادة". وقال: "فهذا أدخل على أبي الفوارس". وقال في "الميزان": "صدوق إن شاء الله، إلا أنى رأيته قد تفرد بحديث باطل عن محمد بن حماد الطهرانى كأنه أدخل عليه". وقال في "العبر" (٢/ ٨٠): "وفيها - يعنى سنة ٣٤٩ - : أبو الفوارس الصابونى، ... الثقة المُعَمَّر، مسند ديار مصر ... ". وقال الحافظ في "اللسان" (١/ ٢٩٦): " وكان ينبغي ذكر ذلك الحديث ليُجتنب، وسأبحث عنه إن شاء الله، ثم رأيت عن المالينى أن ابن المنذر قال: هو كذاب. فأورد (كذا) له الدارقطني في "غرائب مالك" حديثًا رواه عن العباس بن العباس بن الفضل بن عون التنوخى عن سوادة بن إبراهيم الأنصاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر في تجاوز الله عن الخطأ والنسيان، الحديث، وقال عقبه: لا يصح، ومن دون مالك ضعفاء. قلت: مات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، وقد جاوز المائة ... "إلخ. قلت: فالرجل غير ثقة، على أنَّه قد توبع عند ابن عساكر إلا أن اسم متابعه لم يأت كاملًا كما تقدم، وقد ذكر الحافظ المزى في "تهذيب الكمال" (٩/ ٨٨) ثلاثة من المحمدين يروون عن الربيع ما منهم إلا ثقة حافظ هم: أبو إسماعيل الترمذي - محمد بن إسماعيل - والأصم - محمد بن يعقوب -

стр. 286

والرويانى - محمد بن هارون-، فأرجو أن يكون أحدهم. كذلك ذكر ابن عساكر (٦/ ٣٤٠) في ترجمة الزبير بن عبد الواحد جماعة من شيوخه المحمدين منهم: محمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن إسحاق السراج ومحمد بن الحسن ابن قتيبة العسقلانى وغيرهم ممن يحتمل أن يكون لهم رواية عن الربيع - وأيًا كان الأمر، فقد تابع الربيعَ: أحمد بن سنان - وهو الواسطى أحد الثقات الحفاظ -كما تقدم عن السخاوى ﵀. وقد صحح الحافظ ابن حجر ﵀ نسبة هذا الأثر إلى الإِمام الشافعي رحمة الله عليه، إذ عقد الفصل السابع من كتابه "توالى التأسيس" في سياق شيء من بليغ كلامه نظمًا ونثرًا. وقال: "ذكر شيء من منثور كلامه". قال: "وهو كثير لو جمع لكان جزءًا كبيرًا، وقد اقتصرت منه على ما ساقه الآبرى، وأبو نعيم، والبيهقي بأسانيدهم الثابتة إليه محذوف الأسانيد"، فذكره (ص ١٣٦). أما رواية: "ومن استغضب فلم يغضب فهو جبان"، فلما أقف عليها بعد، ولا وجدت أحدًا أشار إليها سوى الأمير المالكى، فلعلها من تزيدات وتحريفات العامة في عصره بعد أن جعلوها حديثًا، فرَدَّ هو ذلك، والله أعلى وأعلم. الحديث التسعون: " من صلى صلاة في جماعة، فقد ملأ نحره عبادة". لا يعرف مرفوعًا. ذكره الغزالى ﵀ في "الإِحياء" (١/ ١٤٨) كحديث، قال العراقى: "لم أجده مرفوعًا، وإنما هو من قول سعيد بن المسيب، رواه محمد بن نصر في كتاب "الصلاة" اهـ. قال الزبيدى: "قلت: ووجدت في "العوارف" ما نصه: ومن أقام

стр. 287

الصلوات الخمس في جماعة، فقد ملأ البر والبحر عبادة. وقال ابن السبكى في "طبقات الشافعية" (٦/ ٢٩٤): "لم أجد له إسنادًا" اهـ. كما في "تخرج الإِحياء" (٣٧٦). (أما) الوقوف على سعيد بن المسيب، فقد رواه ابن نصر (٣٤٩): "حدثنا يحيى بن يحيى ... "، والحكيم الترمذى في "أسرار الصلاة" (ص ٤٥): "حدثنا صالح بن محمد ... "، وأبو نعيم (٢/ ١٦٢) من طريق قتيبة بن سعيد ثلاثتهم قالوا: ثنا عطاف بن خالد عن (وعند الحكيم: حدثنا) عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد به، واختلفت ألفاظهم، فلفظ ابن نصر: "من حافظ على الصلوات الخمس، فقد ملأ اليدين والنحر من عبادة الله". ولفظ الحكيم: "من صلى الخمس في جماعة، فقد ملأ البرين والبحرين عبادة". ولفظ "الحلية": "من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة، فقد ملأ البر والبحر عبادة". وإسناده حسن، رجاله كلهم موثقون، وفي عطاف وابن حرملة كلام لا ينزل حديثهما عن مرتبة الحُسن سوى ما استنكر عليهما، وسيأتى مزيد كلام عند الحديث التاسع والتسعين إن شاء الله. والله أعلم. الحديث الحادى والتسعون: " من فتح له باب خير فلينتهزه، فإنه لا يدرى متى يغلق عنه". ضعيف. رواه ابن المبارك في "الزهد والرقائق" (١١٧) وعنه الإِمام أحمد في "الزهد" أيضًا (ص ٣٦٤): أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني، قال: حدثنا حكيم بن عمير، أن النبي ﵌ قال: فذكره. وهذا إسناد ضعيف له علتان:

стр. 288

الأولى: الإِرسال، فإن حكيم بن عمير - وهو أبو الأحوص الحمصي - تابعى. وهو صدق كما قال الحافظ الذهبي في "الكاشف" (١/ ٢٤٩)، ومثله في "التقريب" (١٤٧٦)، وزاد: "يهمُ" (٣٣). الثانية: ضعف ابن أبي مريم واختلاطه. انظر الحديث المتقدم في الرقم (٦٦)، ووعدنا هناك بإيراد هذا الحديث له. وله طريق أخرى موصولة عن حذيفة، فقد عزاه المتقى الهندى ﵀ في "كنز العمال" (٥/ ٩٧١) إلى ابن شاهين من طريق عبد الله بن أبان بن عثمان بن خليفة بن أوس عن أبيه عن جده عنه به. وعبد الله وأبوه وجده لم أجد لأحدهم ترجمة ولا ذكر، والذين بين ابن شاهين وبينهم يحتاج إلى النظر فيهم، لعل فيهم ضعيفًا أو متروكًا، ولم أجد الحديث في "الترغيب في فضائل الأعمال" له، فالله أعلم. (والصحيح) أن هذا من كلام خالد بن معدان الكلاعي الحمصي - التابعى الجليل العابد - كما رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ٣٨٤) وعنه أبو نعيم (٥/ ٢١١) عن أبي المغيرة حدثنا حريز عنه به، ولفظه: "إذا فتح لأحدكم باب خير، فليسرع إليه، فإنه لا يدرى متى يغلق عنه". وإسناده صحيح. والله أعلى وأعلم. الحديث الثانى والتسعون: " من قتل حية، فكأنما قتل كافرًا".

стр. 289

ضعيف. رُوِى من أربعة أوجه عن ابن مسعود، كلها ضعيف أو معلول. الوجه الأول: رواه الطيالسي (٣١٥) والإِمام أحمد (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ٤٢١) وابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٥) وأبو يعلى (٩/ ٢٢١) وعنه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٥٠) - بإسناد آخر - والطبرانى (١٠/ ١٣٠) من طرق عن داود بن أبي الفرات عن محمد بن زيد عن أبي الأعين العبدى عن أبي الأحوص قال: بينما ابن مسعود يخطب ذات يوم فإذا هو بحية تمشى، فقطع خطبته ثم ضربها بقضيبه حتَّى قتلها، ثم قال: "سمعت رسول الله ﵌ يقول: من قتل حية، فكأنما قتل رجلًا مشركًا قد حَلَّ دمه". وإسناده ضعيف جدًا، أبو الأعين العبدى، قال الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ص ٤٦٤ - ٤٦٥): "ضعفه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: مجهول وقال ابن حبان: كان يأتى بأشياء مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به". قلت: لفظه في "المجروحين": "كان ممن يأتى بأشياء مقلوبة وأوهام معمولة، كأنه تعمدها، لا يجوز الاحتجاج به، وهو الَّذي روى عن أبي الأحوص ... " فذكر الحديث، حتَّى قال: "في نسخة كتبناها عنه بهذا الإِسناد، ما لشئ منها أصل يرجع إليه". ومحمد بن زيد مختلف فيه، قواه أبو حاتم وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره الدارقطني في "الضعفاء" (٤٦٩) ساكتا عنه، فهو عنده متروك. وفي رواية ابن أبي خيثمة عن ابن معين، قال - عن أبي الأعين -: "ضعيف, ولا يعرف" كما في "الجرح" (٩/ ٣٣٥) فالبلاء لا ينفك عن أحدهما. والله أعلم. الوجه الثانى: رواه البزار (١٢٢٩) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله أن النبي ﵌ قال:

стр. 290

"من قتل حية، فكأنما قتل كافرًا". وفي إسناده شريك، تقدم الكلام فيه في الحديث السادس والثمانين. وهدا من رواية يزيد بن هارون عنه، وهي متوقف فيها كما تقدم. ولو مُشِّيت، فقد خالف شريكًا رجل من أثبت الناس في أبي إسحاق السبيعى، وهو حفيده إسرائيل (٣٤) كما يأتى. وقال البزار: "لا تعلم روى أبو إسحاق عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود إلا هذا". ورواه أبو داود (٢/ ٦٥٣) والطبراني (٩/ ٤١٠) من طريق إسحاق الأزرق عن شريك به، بلفظ آخر، وهو: "اقتلوا الحيَّات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس منى" وإسحاق أصح حديثًا عن شريك من يزيد بن هارون، ومن أعلمهم بشريك. وهذا إسناد رجاله ثقات - كما قال الهيثمي -، والمتن صحيح له طرق. ولكن سيأتى عن ابن عبد البر ما يقضى عليه بالنسخ. الوجه الثالث: رواه البزار (١٢٣٠) من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن حبيب بن أبي ثابت عن عبدة - يعنى ابن أبي لبابة - عن زر عنه مرفوعًا: "من قتل حية أو عقربًا، فقد قتل كافرًا، أو: فكأنما قتل كافرًا". ورجاله ثقات لكن حبيبًا كثير التدليس والإِرسال، وقد عنعنه. وقد تقدم شيء عنه في الحديث الرابع والثمانين. وقد خولف عبيد الله بن موسى عن إسرائيل في إسناده - مع الوقف -، وخولف إسرائيل عن منصور أيضًا كما يأتى وأجمل الهيثمي القول في هذه الطرق، فقال (٤/ ٤٦): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار بنحوه والطبراني في "الكبير" مرفوعًا وموقوفًا، قال البزار في حديثه، وهو مرفوع: من قتل حية أو عقربًا، وهو في موقوف الطبراني. ورجال البزار

стр. 291

رجال الصحيح". الوجه الرابع: رواه الخطيب (٢/ ٢٣٤) من طريق فضالة بن الفضل التميمى قال: نبأنا أبو داود الحفرى عن الثورى عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله مرفوعًا: "من قتل حية، فكأنما قتل كافرًا". وفي رواية بالإِسناد: "قتل كافرًا" وقال الخطيب: "هكذا روى فضالة بن الفضل عن أبي داود مرفوعًا. ورواه سلم بن جنادة عن أبي داود موقوفًا، لم يذكر فيه النبي ﵌" اهـ. قلت: وفضالة، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه النسائي وابن حبان، ولكن قال: "ربما أخطأ". وهذا مما أخطأ فيه، فقد خالفه سلم بن جنادة، وهو ثقة ربما خالف كما في "التقريب" (٢٤٦٤)، والإِمام الحافظ الثَّبت أبو بكر بن أبي شيبة، فأوقفاه على ابن مسعود ﵁. (فالصحيح) في هذا الحديث الوقف عليه، وثبت أيضًا عن علقمة ومجاهد. وله عن ابن مسعود خمس طرق: الأولى: عند ابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٣) عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم (٣٥) عنه، قال: "من قتل حية، قتل كافرًا". وإسناده صحيح جدًا

стр. 292

وإرسال إبراهيم عن ابن مسعود أصح من إسناده. وقد تعرضت لهذه المسألة في الحديث الحادى والثلاثين من الكتاب. الثانية: عنده أيضًا (٥/ ٤٠٥) عن أبي داود الحفرى عن الثورى عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنه قال: فذكره. وإسناده صحيح، وقد أخرج مسلم لأبي داود الحفرى - واسمه: عمر بن سعد الكوفي - عن الثورى، فإن كان احتجاجًا فهو على شرطه. وهو الراجح عن أبي داود. الثالثة: عند الطبراني من طريق إسرائيل من أبي إسحاق من القاسم عن أبيه عنه، قال: "من قتل حية أو عقربا، قتل كافرا". ورواه أيضًا من طريق أبي نعيم ثنا المسعودى عن القاسم قال: قال عبد الله، فذكره بنحوه. وأسقط: "عن أبيه" من إسناده. الرابعة: عند عبد الرزاق (١٠/ ٤٣٦) عن معمر في "جامعه" عن بعض الكوفيين أن ابن مسعود قال: "من قتل حية، فكأنما قتل كافرًا، ومن قتل عقربًا فكأنما قتل كافرا". وإسناده ضعيف، فيه جهالة وانقطاع. الخامسة: عند ابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٣) من طريق ابن وضاح قال: ثنا محمد بن قدامة قال: ثنا جرير عن منصور عن حبيب بن أبي ثابت عن زر بن حبيش عنه، قال: "من قتل حية أو عقربًا، قتل كافرا". وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت. وقد رُوِى عن حبيب مرفوعًا، بإدخال عبدة بن أبي لبابة بينه وبين زر كما تقدم. وإسرائيل - في غير أبي إسحاق - غيره أثبت منه. والله أعلم. (وأما) عن علقمة، فرواه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٤) عن وكيع عن سفيان عن أبي قيس عنه قال: "ما يضر أحدكم قتل حية أو قتل كافرًا، إلا الَّذي كأنه مَيْل، فإنه جِنُّها" وإسناده حسن. (وأما) عن مجاهد، فرواه أيضًا عن ابن علية عن ابن أبي نجيح عنه،

стр. 293

قال: "من قتل حية، فقد قتل عدوًا كافرًا". وإسناده صحيح. رجاله رجال الشيخين، فإن كانا احتجا بهذا الإِسناد، فهو على شرطهما. فائدة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (١٦/ ٢٣: ٣٠): "اختلف العلماء في قتل الحيات جملة، فقال منهم قائلون: تقتل الحيات كلها في البيوت والصحارى، في المدينة وغير المدينة - لم يستثنوا منها نوعًا ولا جنسًا، ولا استثنوا في قتلهن موضعًا؛ وسنذكر اختلافهم في إذنها بالمدينة وغيرها في باب صيفى - إن شاء الله. ومن حجتهم حديث عبد الله ابن مسعود، عن النبي ﵌ أنَّه قال: فذكره وغيره مرفوعًا. قال: "ومن حجتهم أيضًا ما مضى من الأحاديث فيما سلف في هذا الباب في قتل الحية في الحل والحرم" ثم ذكر أثر ابن مسعود - مرفوعًا وموقوفًا - وأحاديث أخرى. قال: "قالوا: ففي هذه الأحاديث قتل الحيات جملة: ذى الطفتين وغيره وكذلك الأحاديث التي قبلها لم يخص شيئًا دون شيء. وقال آخرون: لا يقتل من الحيات ما كان في البيوت بالمدينة خاصة إلا أن ينذر ثلاثًا، وما كان في غيرها فيقتل في البيوت وغير البيوت - ذا الطفتين كان أو غيره. ومن حجتهم حديث أبي سعيد الخدرى من رواية صيفى عن أبي السائب عن أبي سعيد عن النبي ﵌ أنَّه قال: إن نفرًا من الجن بالمدينة أسلموا، فإذا رأيتم أحدًا منهم فحذروه ثلاثة أيام، ثم إن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. وروى أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﵌ نحوه بمعناه. ومن حديث سهل بن سعد أيضًا عن النبي ﵌ قال: إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا فتعوذوا منه، فإن عاد فاقتلوه. وهذا يحتمل أن يكون إشارة إلى بيوت المدينة - وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس البيوت - والله أعلم،

стр. 294

وسيأتى ذكر حديث أبي سعيد الخدرى، وحديث سهل بن سعد في تخصيص حيات المدينة بالإِذن في باب صيفى من هذا الكتاب - إن شاء الله. وقال آخرون: لا تقتل حيات البيوت بالمدينة ولا بغيرها حتَّى تؤذن، فإن عادت قتلت، ومن حجتهم ... " فذكر حديث أبي ليلى أن رسول الله ﵌ سئل عن حيات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئًا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم (٣٦) العهد الَّذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا، فإن عدن فاقتلوهن. قال: "فلم يخص في هذا الحديث بيوت المدينة من غيرها، وهو - عندى - محتمل للتأويل، والأظهر فيه العموم. وقال آخرون: لا تقتل ذوات البيوت من الحيات بالمدينة أو بغير المدينة، واحتجوا بظاهر حديث أبي لبابة عن النبي ﵌ أنَّه نهى عن قتل الجنان التي في البيوت - لم يخص بيتا من بيت، ولا موضعا من موضع، ولم يذكر الإِذن فيهن. وقال الآخرون: يقتل من حيات البيوت، ذو الطفتين والأبتر - خاصة بالمدينة وغيرها من المواضع دون إذن ولا إنذار، ولا يقتل من ذوات البيوت غير هذين الجنسين من الحيات. واحتجوا بما حدثناه ... " فذكر بإسناده إلى الإِمام مالك، عن نافع عن أبي لبابة أن رسول الله ﵌ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، إلا أن يكون ذا الطفتين والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء. قال: "ومن حديث نافع عن سائبة - مثل هذا سواء، وسيأتى في موضعه من كتابنا هذا - إن شاء الله. وحدثنا ... " فذكر بإسناده إلى الإِمام أحمد قال: محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد ربه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يأمر بقتل الحيات كلها، فقال له أبو لبابة: أما بلغك أن رسول الله

стр. 295

صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل ذوات البيوت، وأمر بقتل ذى الطفتين والأبتر؟ قال: "هذا نص رواية القعنبي في المتن، ورواية ابن وهب في الإِسناد، وقد أجمع العلماء على جواز قتل حيات الصحارى صغارًا كن أو كبارًا أي نوع كان الحيات؛ وأما قتلهن في الحرم فقد مضى فيما سلف من كتابنا هذا - وبالله توفيقنا". قال: "ترتيب هذا الأحاديث كلها المذكورة في هذا الباب وتهذيبها، استعمال حديث أبي لبابة والاعتماد عليه، فإن فيه بيانًا لنسخ قتل حيات البيوت، لأنَّ ذلك كان بعد الأمر بقتلها جُملة، وفيه استثناء ذى الطفتين والأبتر، فهو حديث مفسر لا إشكال فيه لمن فهم وعلم - وبالله التوفيق. ومما يدلك على ذلك أن ابن عمر كان قد سمع من النبي ﵇ الأمر بقتل الجنان جملة، فكان يقتلهن حيث وجدهن حتَّى أخبره أبو لبابة أن النبي ﵌ نهى بعد ذلك عن قتل عوامر البيوت منهن، فانتهى عبد الله بن عمر، ووقف عند الآخر من أمره ﵌ على حسبما أخبره أبو لبابة، وقد بأن ذلك في رواية أسامة بن زيد وغيره عن نافع - على حسبما تقدم في الباب. وحدثنا .. " فذكر بإسناده إلى أبي داود حديث سالم عن أبيه أن رسول الله ﵌ قال: اقتلوا الحيات وذا الطفتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل. قال: وكان عبد الله يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة أو زيد بن الخطاب - وهو يطارد حية - فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. وحدثنا ... " فذكر طريقا أخرى إلى سفيان عن الزهري عن سالم به. قال: "قال سفيان: كان الزهري يشك فيه زيد أو أبو لبابة". قال: "هو أبو لبابة صحيح - لم يشك فيه نافع وغيره، وقد رواه بكير (تصحف إلى بكر) ابن الأشج عن سالم، فاستثنى من ذوات البيوت ذا الطفتين والأبتر، وهو موافق لرواية عبد ربه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر. ولرواية القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ وهو الصواب في هذا الباب، وعليه يصح

стр. 296

ترتيب الآثار فيه - والحمد لله. وقد روى عن ابن مسعود في هذا الباب قول غريب حسن ... " فذكر ما تقدم من رواية مغيرة عن إبراهيم عنه. وانظر حديث صيفى الَّذي أشار إليه مرارًا في نفس الجزء (ص ٢٥٧: ٢٧٠)، ففيه فوائد طيبة وآثار عجيبة هذا، وقد فسر ﵀ ذا الطفتين والأبتر بقوله - قبل حكايته الخلاف في المسألة رأسا -: "يقال إن ذا الطفتين حنش يكون على ظهره خطان أبيضان، ويقال: إن الأبتر: أفعى. وقيل إنه حنش أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقال النضر بن شميل: الأبتر من الحيات: صنف أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها - والله أعلم". الحديث الثالث والتسعون: " من نسى شيئًا من نسكه أو تركه، فليهرق دمًا". ضعيف. رواه ابن حزم - كما في "اللسان" (١/ ٢٢٢) و"التلخيص" (٢/ ٢٤٤) من طريق علي بن الجعد عن ابن عيينة عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به. قال الحافظ: "وأعله بالراوى عن علي بن الجعد: أحمد بن علي بن سهل المروزي، فقال: إنه مجهول, وكذا الراوى عنه: على ابن أحمد المقدسي، قال: هما مجهولان" اهـ. ثم إنه ﵀ ذهل عن ذلك، فأعاد الحديث في "التلخيص" (٢/ ٢٧٥)، وقال: "هذا لم أجده مرفوعاً، وقد تقدم من قول ابن عباس في باب المواقيت" اهـ. قلت: والحديث ليس في "المحلى"، بل في كتاب آخر لابن حزم، وذلك، لجملة أمور: الأول: أننى تصفحت (كتاب الحج) من "المحلى" - من أوله إلى آخره - فلم أجده مرفوعًا، بل ذكره في موضع واحد منه (٧/ ٢٥٦) موقوفًا، فقال:

стр. 297

"فإن ذكروا ما روى عن ابن عباس والنخعى أن من ترك من نسكه شيئًا فليرق دمًا، قلنا: أنتم أول من خالف ذلك لأنكما تجعلون في أكثر ذلك صدقة لا دمًا، ولا عجب أعجب ممن يحتج بشيء يراه حقًّا، ثم هو أول مخالف له .. " إلخ. الثانى: أن صَاحبى كتاب "تجريد أسماء الرواة الذين تكلم فيهم ابن حزم جرحًا وتعديلًا" أوردا: "أحمد بن علي بن سهل المروزي" (٦)، فأحالا على "اللسان" (١/ ٢٢٢)، ولم يذكرا موضع ذكره من "المحلى"، وهذا يدل على أنهما لم يجداه فيه. الثالث: أن في إسناد الحديث أيضًا: علي بن الجعد - وهو الجوهرى أحد الحفاظ الأثبات -، وقد لينه ابن حزم (٥/ ٢٢٦)، فقال: "على بن الجعد ليس بالقوى"، فلو كان الحديث في "المحلى" لكان الظاهر أن يعله به ابن حزم أيضًا في غير الموضع الأول بطبيعة الحال. (أما) إعلال ابن حزم الحديث بعلي بن أحمد المقدسى فلا غبار عليه، فإنى لم أجد للمقدسى هذا ترجمة فيما بين يَدَيَّ من كتب الرجال، وفات الحافظ إيراده في "اللسان" مع أنَّه حكى تجهيل ابن حزم له كما تقدم. أما تجهيله لأحمد ابن علي بن سهل، فهو بناء على عادته فيمن لا يعرفهم - كما قال الحافظ في بعض من جهلهم ابن حزم، كابن حسنويه في الحديث الرابع والسبعين - وإلا فالرجل ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٠٤)، وقال: "روى عنه عبد الله بن جعفر بن الورد المصري، و ... ، و ... ، و ... ، و ... أحاديث مستقيمة". فالبلية - في رفع هذا الحديث - ممن دون على بن الجعد، فقد رواه عن سفيان الثورى - لا سفيان بن عيينة - موقوفًا، لا مرفوعا كما يأتى. ولعل هذا المقدسى - أو غيره - وجدا الأثر عن على عن سفيان، فظنه ابن عيينة، ثم رفعه وهمًا أو عمدًا، فالله أعلم، وهو - تعالى - حسيبنا.

стр. 298

(والصحيح) إيقاف الحديث على ابن عباس رضى الله عنهما، كما رواه جماعة من الثقات الأثبات - وغيرهم - عن أيوب من سعيد بن جبير عنه به، وهم: ١ - الإِمام مالك ﵀ في "الموطأ" (١/ ٤١٩)، ولفظه: "من نسى من نسكه شيئًا أو تركه، فليهرق دمًا". قال أيوب: "لا أدرى، قال: ترك، أو: نسى". ورواه البيهقي (٥/ ١٥٢) من طريق ابن بكير عن مالك، وفيه: "قال مالك: لا أدرى قال: ترك أم نسى". قلت: إن كان ابنى بكير تفرد بذلك، فسماعه للموطأ مطعون فيه، لأنَّه كان برواية حبيب كاتب مالك، وهو كذاب مخلط، وإنما هذا قول أيوب - شيخ الإِمام مالك - كما تقدم من رواية يحيى بن يحيى عن مالك. ٢ - ويحيى بن سعيد. ٣ - وإسماعيل بن أمية. ٤ - وابن جريج، ثلاثتهم عند الدارقطني (٢/ ٢٤٤) من طريق أبي صالح كاتب الليث نا يحيى بن أيوب عنهم به. وأبو صالح ضعيف - على تفصيل للحافظ في أمره -، ولا بأس به في الشواهد. ٥ - وسفيان الثورى، علقه عنه الدارقطني والبيهقى في "سننيهما"، ووصله عنه على بن الجعد، وعنه أبو القاسم البغوي في "الجعديات" (١٨٢٥). ٦ - وعبيد الله بن عمر العمرى، الحافظ الثَّبت. ٧ - وأخوه عبد الله، وهو لين الحديث - كلاهما عند الدارقطني. والأثر - من رواية مالك والثوري - صحيح على شرط الشيخين. والله أعلى وأعلم.

стр. 299

الحديث الرابع والتسعون: " المؤذن أملك بالأذان، والإِمام أملك بالإِقامة". منكر. رُوِى من حديث أبي هريرة، وابن عمر. أولًا: حديث أبي هريرة: رواه ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٣٢٧) من طريق يحيى بن إسحاق، ثنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: "المؤذن أملك بالأذان، والإِمام أملك بالإِقامة، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين". وقال: "وهذا - بهذا اللفظ - لا يروى إلا عن شريك ص رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ آخر هو قوله: "الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" اهـ. قلت: فهو معدود في مناكير شريك بهذا اللفظ، وأومأ البيهقي إلى عدم صحته، فقال في "سننه" (٢/ ١٩) - عقب روايته موقوفًا على علي بن أبي طالب -: "ورُوى عن شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا، وليس بمحفوظ" اهـ. ثانيًا: حديث ابن عمر: قال الحافظ ﵀ في "التلخيص" (١/ ٢٢٢) - بعد الإِشارة إلى حديث أبي هريرة وقول البيهقي فيه -: "ورواه أبو الشيخ من حديث أبي الجوزاء عن ابن عمر، وفيه معارك بن عباد وهو ضعيف، ورواه البيهقي عن علي موقوفًا، وقد أخرج مسلم من حديث جابر ابن سمرة: "كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، ولا يقيم حتَّى يخرج النبي ﵌" اهـ. وعزاه السيوطى في "الجامع" (٩١٣٥) - وتبعه الهندي في "الكنز" (٧/ ٦٩٤) - إلى أبي الشيخ في كتاب "الأذان" عن أبي هريرة لكن زاد الهندى من "الإِكمال" عزوه إلى أبي الشيخ من ابن عمر بلفظ: "المؤذن أحق ... ". وقال المناوى (٦/ ٢٥٠): "رمز لحسنه.

стр. 300

ينظر في قول الشيح: "عن أبي هريرة" فإن الحافظ ابن حجر ذكر أن أبا الشيخ خرجه من طريق أبي الجوزاء عن ابن عمر، قال: "وفيه معارك ابن عباد (تصحفت إلى: مبارك) ضعيف, وذكر أن الَّذي رواه عن أبي هريرة ابن عدى، ويحتمل أن أبا الشيخ خرجه عن صحابيين لكنى لم أره. ورواه البيهقي عن علي موقوفًا. قال: ورفعه غير محفوظ. وقال الذهبي: بل لا يصح". قلت: ومعارك (٣٧) ضعيف جدًا. قال البخاري: منكر الحديث. وأورده الدارقطني في "الضعفاء" (٥٣٦) ساكتا عنه، فهو متروك عنده وعند البرقانى وابن حمكان. وقال الإِمام أحمد: لا أعرفه. وقال أبو زرعة.: واهى الحديث. وقال أبو حاتم: أحاديثه منكرة. وحكى أحمد بن الحسن الترمذي أنَّه ذكر حديثه في الجمعة، فقال له أحمد بن حنبل: استغفر ربك. أما ابن حبان، فخالف كل هؤلاء وأورده في "الثقات" (٩/ ١٩٨)، وقال: "يخطئ ويهم" والحديث، قال الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" (٦/ ٣): "ضعيف". (والصحيح) وقف الحديث على علي ﵁، فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤١٤) من طريق سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي عبد الرحمن أو هلال عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن قال: قال على: فذكره. وإسناده صحيح، وهذا التردد لا يضر، فإن الإِسناد صحيح متصل في الحالتين، لا سيما وقد رواه عبد الرزاق (٢/ ٤٧٦) عن الثورى عن منصور عن هلال عن أبي عبد الرحمن به - بغير تردد -، وأفاد فائدة ليست عند ابن أبي شيبة، فقال عقبه: "قال سفيان: يعني: يقول الإِمام للمؤذن: تأخر حتَّى أتوضأ أو أصلى ركعتين". ووافق شعبة ﵀ أيضًا رواية عبد الرزاق عن الثورى، فقد رواه البيهقي من طرق عنه عن منصور قال: سمعت هلال

стр. 301

ابن يساف يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضى الله عنه: فذكره الله أعلى وأعلم. الحديث الخامس والتسعون: " النساء على ثلاثة أصناف: صنف كالعر - وهو الجرب - وصنف كالوعاء تحمل وتضع، وصنف ودود ولود مسلمة تعين زوجها على إيمانه، وهي خير له من الكنز". منكر. رواه الرامهرمزى في "الأمثال" (١١١)، وتمام في "الفوائد" (٢٠٦/ ٢) - كما في "الضعيفة" (٧١٤) -كلاهما من طريق عبد الله بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن جابر مرفوعًا به، وقال تمام: "عبد الله بن دينار هو الحمصي". قال الشيخ الألباني حفظه الله: "قلت: وهو ضعيف كما جزء به الحافظ في "التقريب" تبعا لغير واحد من الأئمة، ومنهم أبو حاتم، فقد قال ابنه في "العلل" (٢/ ٣١٠) بعد أن ساق الحديث: "وقال أبي: هذا حديث منكر، عبد الله بن دينار منكر الحديث". بل قال الدارقطني: "ضعيف لا يعتبر به" اهـ. قلت: كلام أبي حاتم - بتمامه -: "هذا حديث منكر. قلت: (القائل ابنه عبد الرحمن): ممن إنكاره؟ قال: من عبد الله ابن دينار هو منكر الحديث يحدث عنه إسماعيل بن عياش أحاديث مسندة لا يعرفها منكرة ومنقطع عن كعب لا يضبط" كذا، والصواب - إن شاء الله -. "لا نعرفها"، أما بقية العبارة فلا تخلو من خلل. والحديث أيضًا ذكره الديلمى في "فردوس الأخبار" (٧١٧٥)، وعزاه لجابر ﵁. (والصحيح) وقفه على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه - بأطول من هذا - كما رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠) - واللفظ له - من طريق شيبان بن عبد الرحمن، وعمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٢/ ٧٧١ - ٧٧٢).

стр. 302

من طريق سفيان الثورى كلاهما عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة من سمرة بن جندب عنه قال: "النساء ثلاثة: امرأة هينة لينة عفيفة مسلمة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقل ما يجدها، ثانية: امرأة عفيفة مسلمة إنما هي وعاء للولد ليس عندها غير ذلك، ثالثة: غلٌّ قَمِلٌ يجعلها الله في عنق من يشاء، ولا ينزعها غيره. الرجال ثلاثة: رجل عفيف مسلم عاقل يأتمر في الأمور إذا أقبلت ويسهب، فإذا وقعت فرج (٣٨) منها برأيه. ورجلٌ عفيف مسلم ليس له رأى، فإذا وقع الأمر أتى ذا الرأى والمشورة فشاوره واستأمره، ثم نزل عند أمره، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشدًا، ولا يطيع مرشدًا" (صوبها المحقق إلى: جائر حائر، وذكر أنها (حائر) في النسخة: س، وفي الأصل. يابر، وفي رواية ابن شبة وابن قتيبة: حائر بائر، فهي الأشبه، والله أعلم. وقال محقق "عيون الأخبار": "يقال: رجل حائر بائر: ضال تائه لا يتجه لشئ" اهـ قلت: فهو تعبير معروف، والله أعلم. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح سوى زيد بن عقبة، وهو ثقة من رجال الثلاثة. وقد وراه ابن أبي الدنيا في "الأشراف" - كما في "الكنز" (١٦/ ٢٦٣) وعنه - وعن البغوي أيضًا - ابن عساكر (١٣/ ١٣٨). كلاهما عن أبي نصر التمار عن عبيد الله ابن عمرو- وهو الرقى - عن عبد الملك به، بإسقاط سهرة من إسناده. والصحيح الراجح ما اجتمع عليه الثورى وشيبان. نعم، عبيد الله بن عمرو الرقى ثقة حافظ، لكنه دون هذين. فقد جاء في كلام بعض الحفاظ ما يفهم منه أنَّه قد يَهِمُ أحيانًا. قال ابن سعد ﵀

стр. 303

في "الطبقات الكبرى" (٧/ ٢ / ١٨٢): "وكان ثقة صدوقًا كثير الحديث، وربما أخطأ، وكان أحفظ من روى عن عبد الكريم الجزرى ... ". والأثر ذكره ابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٢٧٥) - بنحوه -، وقال: "كان سفيان بن عيينة يروى هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير. وحدثنيه عبد الرحمن عن عمه عن شيخ من بنى العنبر، أنَّه قال: كان يقال، وذكر الكلام كله، ولم يروه عن عمر" اهـ. قلت: وهذا أيضًا لا يقدح في ثبوته عن عمر، ولعل هذا الشيخ المبهم قد بلغه هذا الأثر فرواه على ما بلغه. وعبد الرحمن هو ابن عبد الله بن قريب، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٨١). وعمه هو عبد الملك بن قريب الأصمعى النحوى المشهور. وعنه علقه ابن قتيبة في كتاب آخر له هو "عيون الأخبار" (٤/ ٢). ولم أقف على أثر عمر عن ابن عيينة مطولًا، فإن كان كرواية سفيان وشيبان، فهو مما يؤكد أن الرقى ﵀ قد قَصَّر في إسناده. وممن رواه أيضًا عن عمر: الخرائطى في "مكارم الأخلاق"، ولم أره في "المنتقى منه" للحافظ السلفى ﵀، والبيهقي في "شعب الإِيمان" كما في "الكنز". ولعل الله ييسر لى إيراد هذا الأثر وتوضيح بعض من معانيه في "فضل المرأة الصالحة" عما قريب بإذنه تعالى. الحديث السادس والتسعون: " نهى أن تلقى النواة على الطبق الَّذي يؤكل منه الرطب أو التمر". ضعيف على أحسن أحواله. رواه الشيرازى في "الألقاب" عن علي كما في "الجامع الصغير" (٩٥٦١) مرموزًا له بالضعف، وقال في "ضعيف الجامع" (٦/ ٢٢ - ٢٣): "ضعيف". وأخشى أن يكون حال هذا الحديث أسوأ من ذلك، فقد وضع غلاة الرافضة على على وآل بيته رضى الله عنهم

стр. 304

الآلاف المؤلفة من الأحاديث والآثار، حتَّى أن أحد جهالهم، واسمه: "محمد ابن محمد بن الأشعث أبو الحسن الكوفي" وضع كتابًا كاملًا سماه "السنن"، وقد روى عنه ابن عدى، وقال فيه (٦/ ٢٣٠٣): "مقيم بمصر، كتبت عنه بها، حمله شدة ميله إلى التشيع إلى أن أخرج لنا نسخة قريبًا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده إلى أن ينتهى إلى على والنبي ﵌ كتاب كتاب (كذا، ولعل الصواب: كتب كتابا) يخرجه إلينا بخط طرى على كاغد جديد فيها مقاطيع وعامتها مسندة مناكير كلها أو عامتها فذكرنا روايته هذه الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب - وكان شيخًا من أهل البيت بمصر، وهو أخ الناصر وكان أكبر منه -، فقال لنا: كان موسى هذا جارى بالمدينة أربعين سنة ما ذكر قط أن عنده شيئًا من الرواية لا عن أبيه ولا عن غيره". وقد تقدمت الإِشارة إلى هذا الرجل عند آخر الحديث السابع والثمانين، فأخشى أن يكون قد أدخل هذا الحديث في "سننه"! ! أو يكون عن طريق أشباهه ونظرائه. وقد بدأت دلالة هذا الحديث تشيع بين الشباب - خاصَّةً - ويكثر تساؤلهم عنه. (وإنما) وقفت على معناه عن أَنس ﵁ من قوله - كما رواه البيهقي في "سننه" (٧/ ٢٨١) من طريق الحافظ أبي أمية الطرسوسي نا سعيد ابن سليمان نا عباد بن العوام عن حميد عنه: "أنَّه كان يكره أن يضع النوى مع التمر على الطبق". وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات محتج بهم في "الصحيحين"، سوى أبي أمية - واسمه: محمد بن إبراهيم بن مسلم-، وهو صدوق حافظ حَدَّث بمصر بأحاديث من حفظه، فوهم فيها. وراويه عنه هنا: هو الحافظ أبو العباس الأصم النيسابورى. نعم، دخل الأصم مصر، لكن لا دليل قاطع على أنَّه قد سمع أبا أمية فيها. وقد نص الحافظ الذهبي رحمه الله

стр. 305

في "السير" (١٥/ ٤٥٣) على جماعة سمع منهم الأصم بمصر، ليس فيهم أبو أمية الطرسوسي. فالله أعلى وأعلم. والأثر لم يعقب عليه البيهقي ﵀ إلا بقوله: "هذا موقوف". فائدة: وروى أبو الشيخ في "الأخلاق" (ص ١٧٧) من حديث شعبة عن يزيد بن خمير قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: دخل علينا رسول الله ﵌، فأتاه أبي بتمر وسويق، فجعل يأكل التمر، ويلقى النوى على ظهر إصبعيه، ثم يلقيه". يعنى السبابة والوسطى. قلت: وهو حديث صحيح، أصله عند مسلم وأبى داود والترمذى مطولًا. انظر "جامع الأصول" (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨) و"تحفة الأشراف" (٥٢٠٥). الحديث السابع والتسعون: " نهى رسول الله ﵌ أن يشرب بنفس واحد، وقال: ذاك شراب الشيطان". ضعيف جدًا. رواه ابن عدى (٣/ ٩٢٤) من طريق خارجة بن مصعب السرخسى عن جهضم بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا به. وهذا إسناد ضعيف جدًا، خارجة متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذَّبه، كما في "التقريب" (١٦١٢). (وفي) الباب أيضًا: ما رواه الترمذي (١٨٨٥) والطبرانى في "الكبير" (١١/ ١٦٦) من طريق أبي فروة الرهاوى - يزيد بن سنان الجزرى - عن الزهري عن ابن لعطاء بن أبي رباح (ولم يذكره الطبراني) عن أبيه عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم". وقال محقق "المعجم" - الشيخ حمدى السلفى فك الله أسره -: "ورواه الترمذي ١٩٤٧ وقال: غريب. وضعَّفه الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٩٣). قلت: لأنَّ في إسناده ابن أبي فروة وهو متروك" اهـ.

стр. 306

كذا قال، وأنما هو: أبو فروة - واسمه يزيد بن سنان كما تقدم - وقد ضعَّفه الجمهور، وقال النسائي: متروك. وقال البخاري - وحده -: مقارب الحديث. أما ابن أبي فروة المجمع على تركه، فاسمه: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموى المدني. وصنيعه - عفا الله عنه - يدل على أنه لم ينظر في كلام الترمذي بنفسه، وإلا لوجده يقول: "حدثنا أبو كريب. حدثنا وكيع عن يزيد بن سنان الجزرى ... " حتَّى قال: "هذا حديث غريب، ويزيد بن سنان الجزرى هو أبو فروة الرهاوى"! يؤكد ذلك أنَّه ليس في كلامه المتقدم أدنى إشارة إلى الاختلاف بين روايتى الترمذي والطبرانى في إثبات ابن عطاء وحذفه. هذا، ووكيع أثبت من الفضل بن موسى السينانى - راويه عند الطبراني -، وعليه فعلته الثانية أن ابن عطاء لم يُسَمَّ، فإن كان يعقوب فهو ضعيف. ولذلك قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٨٤٨٢): "ابن عطاء، شيخ لأبي فروة، كأنه يعقوب، وإلا فمجهول". وهذا الحديث من الأحاديث القليلة الضعيفة في كتاب "رياض الصالحين" للإِمام أبي زكريا النووي روَّح الله روحه. ومتنه أيضًا منكر لمعارضته لحديث صحيح يجيز الشرب مرة واحدة، وهو ما رواه الإِمامان مالك وأحمد، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم - كلهم عن مالك - من طريق أبي المثنى الجهنى قال: "كنت عند مروان بن الحكم، فدخل عليه أبو سعيد الخدرى، فقال له مروان بن الحكم: أسمعت من رسول الله ﵌ أنَّه نهى عن النفخ في الشرب؟ فقال له أبو سعيد: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله ﵌: فأبن القدح عن فيك ثم تنفس، قال: فإنى أرى القذاة فيه، قال: فأهرقها". وقد خرجه الشيخ الألبانى في "الصحيحة" (٣٨٥) واقتصر على تحسينه لأنَّ أبا المثنى هذا جَهَّله ابن المدينى، ووثقه ابن معين وابن حبان وروى عنه ثقتان. وصحح الحديث أيضًا الذهبي والنووى والمناوى.

стр. 307

أقول: عدم معرفة ابن المدينى له - حيث قال: "مجهول، لا أعرفه" - لا يعارض قول هؤلاء الذين عرفوه ووثقوه وصححوا حديثه - وفيهم إمام الجرح والتعديل أبو زكريا يحيى بن معين ﵀، ولا يُنزل حديثه من مرتبة الصحة - لو لم يقل ابن المدينى ما قال - إلى الحسن. ولا تندرج هذه الحالة - قطعًا - تحت قاعدة: "من طبيعة الراوى المختلف فيه أن يكون حسن الحديث". بل إما أن يرجح جانب التوثيق باعتبار أن الموثقين عندهم زيادة علم خفيت على المُجَهَّل، وإما أن تقوم قرينة على صحة اتصاف الراوى بالجهالة، بأن يتفرد ابن حبان وحده - مثلًا - بإدخاله في "الثقات" مع أنَّه لم يرو عنه سوى واحد، ولم يظهر له سوى حديث أو حديثين يصعب على النقاد تبين مدى موافقته للثقات المعروفين من خلالهما. نعم، لو قال الخالفون للمجهل: إن هذا الراوى: لا بأس به، أو صالح الحديث، أو صدوق يهم أحيانًا، ونحو هذه الصيغ المشعرة بخفة الضبط، أو حسن حديثه إمام معتبر، فلا مناص من القول بأنه: "حسن الحديث" حَسْب. والله أعلى وأعلم. (ثم) إن الشيخ نفع الله به قد ذكر فائدتين لحديث أبي سعيد هذا، ثانيهما: "جواز الشرب بنفس واحد، لأنَّ النبي ﵌ لم ينكر على الرجل حين قال: "إنى لا أروى من نفس واحد"، فلو كان الشرب بنفس واحد لا يجوز لبينه ﵌ له، ولقال له مثلًا: "وهل يجوز الشرب من نفس واحد؟ ! ". وكان هذا أولى من القول له: "فأبن القدح .. "، لو لم يكن ذلك جائزًا، فدل قوله هذا على جواز الشرب بنفس واحد، وأنه إذا أراد أن يتنفس تنفس خارج الإِناء. وهذا ما صرح به حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: فذكر حديث: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء، فإذا أراد أن يعود، فليُنَحِّ الإِناء، ثم ليعد، إن كان يريد". خرجه في الرقم (٣٨٦) وحَسَّنه. وأورد عن الحافظ ﵀ في "الفتح" كلاما متينًا جدًا عمن جوَّز الشرب بنفس واحد، فانظره هناك. (وختامًا)، فقد صح حديث الترجمة من قول عكرمة أبي عبد الله البربري

стр. 308

مولى ابن عباس رضى الله عنهما، وهو تابعى إمام من أئمة التفسير والفقه ﵀، كما رواه عبد الرزاق (١٠/ ٤٢٦) عن معمر عن خالد الحذاء عنه، قال: "لا تشربوا نفسًا واحدًا، فإنه شراب الشيطان". وإسناده صحيح. وهذا أمر لا يطلع الله عليه إلا نبيًّا، ولو كان الأمر كذلك لبينه رسولنا المعصوم صلى الله عليه واله وسلم، ولورد إلينا بإسناد مقبول إن شاء الله، كيف وقد صح عنه ﵌ خلافه، وهو ما ينبغي أن يدين به كل مسلم عقل عن الله أمره ونهيه و"إذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل". وبالله التوفيق. الحديث الثامن والتسعون: " لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة - أو قال: مربض الشيطان، وبها رايته". وفي رواية: "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، ففيها باض الشيطان وفرخ". ضعيف. رُوي مرفوعًا من ثلاث طرق عن أبي عنان النهادي عن سلمان. الأُولى: عند ابن أبي عاصم في "الأوائل" (١٧٤) - مختصرًا - والطبراني في "الكبير" (٦/ ٢٥٢) وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٠١ - ١٠٢) من طريق أبي الربيع الحارثى ثنا يزيد بن سفيان بن عبد الله بن رواحة ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان به، باللفظ الأول. وفي هذا الإسناد يزيد بن سفيان بن عبد الله ابن رواحة. قال في "الميزان" (٤/ ٤٢٦): "له نسخة منكرة. تكلم فيه ابن حبان. حداث عنه عبيد الله بن محمد الحارثى. فمن مناكيره: عن التيمي، عن أبي عثمان النهدى، عن سلمان: " فذكر حديثا قلت: ولفظ ابن حبان في "المجروحين": (٣/ ١٠١) "يروي عن سليمان التيمي بنسخة مقلوبة، روى عنه عبد الله (والصواب: عبيد الله) بن محمد الحارثى، لا يجوز الاحتجاج

стр. 309

به إذا انفرد لكثرة خطئه ومخالفتة الثقات في الروايات" ثم أرود له ثلاثة أحاديث هذا أولها. وقال العقيلي (٤/ ٣٨٤): "عن سليمان التيمي، ولا يتابع على حديثه، ولا يعرف بالنقل، والحديث يروى من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ" فذكر له حديثا رابعًا في فضل أهل فارس. والحديث، قال الهيثمي (٤/ ٧٧): "رواه الطبراني في "الكبير" وفي الرواية الأُولى (وهي الآتية) القاسم بن يزيد، فإن كان الجرمى فهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي الثانية يزيد بن سفيان، وهو ضعيف". قلت: ليس هو الجرمى - كما يأتى - فالجرمي من طبقة ابن فضيل (التاسعة)، بل توفى قبله بسنة. الثانيه: عند الطبراني (٦/ ٢٤٨) والخطب (١٢/ ٤٢٦) من طريق القاسم ابن يزيد بن كليب ثنا محمد بن فضيل عن عاصم عن أبي عثمان به، باللفظ الثاني. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات سوى ابن كليب هذا، وقد ترجم له الخطيب برواية جماعة عنه، ولم يذكر سوى قول عبد الله بن أبي سعد - أحد الرواة عنه-: "كان شيخ صدق من الأخيار". قلت: ولم أجد فيه توثيقًا في مكان آخر، إلا أن ابن الجزرى ﵀ ذكره في "غاية النهاية" (٢/ ٢٥)، وذكر كلاما يتعلق كله بالقراءات. فالقلب لا يطمئن لاعتماد الثناء المتقدم لأمور: الأول: أن قوله: "كان شيخ صدق"، لا يلزم منه أن يكون الرجل صدوقًا أو حتَّى: محله الصدق، بالمعنى الاصطلاحى الَّذي يستوجب تحسين حديثه، لجواز أن يكون المراد التصديق المتعلق بالعدالة وحدها. الثانى: أن ابن أبي سعد هذا - وإن قال الخطيب (١٠/ ٢٦): "وكان ثقة صاحب أخبار وآداب وملح" - لكنه لم يذكر ما يستدل به على كونه من أهل النقد للرجال، ولا ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه "ذكر من

стр. 310

يعتمد قوله في الجرح والتعديل". فتفرد مثله بذلك، مع سكوت أئمة آخرين عن ابن كليب - وفيهم بغاددة - كصالح جزرة وابن حبان والنسائي والدارقطني وغيرهم - يجعل في القلب من ذلك شيء، فالظاهر أن الرجل من أئمة القراءات ليس له كبير حديث يحكم به له أو عليه. الثالث: وما هو -أيضًا - من أصحاب ابن فضيل المعروفين به، كالإِمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبى خيثمة وابن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج ونحوهم، فأين كان هؤلاء من هذا الحديث المرفوع، وهل يجوز أن يفوت جميعهم، ويتفرد به سواهم مثل ابن كليب؟ الرابع: ولو سلمنا أن ابن كليب حفظه عن محمد بن فضيل، فقد خالف ابن فضيل عبدة بن سليمان - وهو أثبت منه أطلق جميع الأئمة توثيقه - فرواه عن عاصم الأحول به موقوفًا. وهو الأُولى والأوفق لرواية الحافظين الثبتين: سليمان التيمي، وعوف الأعرابى. والله أعلم. الثالثة: عند ابن ماجة (٢٢٣٤) من طريق عبيس بن ميمون ثنا عون العقيلي عن أبي عثمان به، ولفظه: "من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإِيمان، ومن غدا إلى السوق غدا براية إبليس". وإسناده - على ما فيه من قصور واختلاف - ضعيف جدًا، عبيس (٣٩) بن ميمون واه. قال ابن معين: ضعيف. وقال مرة: ليس بشيء. وقال الفلاس: صدوق كثير الخطأ والوهم، متروك. وقال أبو داود: ضعيف. وقال أيضًا: ترك حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال أبو نعيم: روى المناكير، لا شيء وعون العقيلي - وهو ابن أبي شداد مختلف فيه. فوثقه ابن معين

стр. 311

وابن حبان وأبو داود مرة، وضعفه أخرى. والأشبه توثيقه، والله أعلم. والحديث قال البوصيرى ﵀ في "مصباح الزجاجة" (٢/ ١٨٧): "هذا إسناد فيه عبيس بن ميمون، وهو متفق على تضعيفه". (إلى عيسى، تصحف وجاء على الصواب في طبعة أخرى). وهو منكر، فقد أورد الحافظ المزى ﵀ في "تهذيب الكمال" (ق ٩٠٠) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "سألت أبي عن حديث حدثناه خلف بن هشام البزار قال: حدثنا عبيس بن ميمون عن ثابت البنانى عن أَنس ... وعن عبيس بن ميمون عن عون بن أبي شداد عن أبي عثمان النهدى عن سلمان ... فذكره. قال أبي: هذه كلها مناكير". ورواه المزي بإسناده من طريق البغوي عن خلف بن هشام البزار عنه به، بلفظ: "من غدا إلى صلاة الصبح أعطى ربع الإِيمان، ومن غدا إلى السوق أعطى راية إبليس، وهو أول من يغدو وأول من يروح". وقال الحافظ المناوى (٦/ ١٨٣): "وفيه عبيس بن ميمون. قال في "الكاشف". ضعفه ابن معين وغيره". (تصحفت عبيس إلى: عنبس). وقال الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" (٥/ ٢٢٢): "ضعيف"، وعزاه إلى تحقيق "المشكاة" (٤٠) (٦٤٠). وباللفظ الثانى رواه الطبراني أيضًا (٦/ ٢٥٥) من طريق خلف بن هشام البزار ثنا عبيس به، بلفظ: "وهو مع أول من يغدو .. " الحديث. وقال الهيثمي: "قلت: روى ابن ماجة بعضه - رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه عبيس بن ميمون وهو ضعيف متروك". (والصحيح) وقف الحديث - باللفظين الأولين - على سلمان رضى الله عنه. وله ثلاث طرق عن أبي عثمان عنه أيضًا:

стр. 312

الأُولى: عند هناد (٦٧٥): "حدثنا عبدة عن عاصم عن أبي عثمان ... " فذكره بلفظ: "لا تكن أول أهلها دخولًا، ولا آخرهم منها خروجًا، فإنها حيث باض الشيطان وفرخ" يعنى السوق. الثانية: عند الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ١٥٠) ومسلم في "صحيحه" (٧/ ١٤٤) والبيهقى في "الشعب" (٣/ ٣ / ٨٤ أ - ب) من طرق عن سليمان التيمي حدثنا أبو عثمان به، ولفظه: "لا تكونن إن استطعت أول داخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها يركز رايته". ملحوظة: ووهم العلامة الشبلى الحنفي ﵀، فقال في "آكام المرجان" (ص ٢١٠): "روى مسلم من حديث سلمان، قال ﵌: " فذكره، وإنما هو عنده موقوف، ولذلك أورده الحافظ ﵀ في كتابه: "الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف" (١٥٨). الثالثة: عند ابن أبي شيبة (١٣/ ٣٣٨) عن أبي أسامة، ورواه عباس الدورى عن سعيد بن عامر الضبعي - كما في "الآكام" - كلاهما عن عوف - وهو ابن أبي جميلة الأعرابى - عن أبي عثمان به، ولفظه: "إن السوق مبيض الشيطان ومفرخه، فإن استطعت أن لا تكون أول من يدخلها ولا آخر من يخرج منها فافعل". فهذا صحيح ثابت عن سلمان ﵁ بلا ريب، ولا يلزم من ذلك أن يكون مرفوعًا حكمًا، فلم يزل ﵁ يحدث عن الإِسرائيليات، فالله أعلم عمن تلقاه. وقوله هذا لعله يعارض بقول النبي ﵌: "اللهم بارك لأمتى في بكورها"، وغيره من الأحاديث والآثار التي تحث على التبكير في طلب الرزق والكد في تحصيله طلبًا للعفاف وصون ماء الوجه عن السؤال وامتثالًا لأمره تعالى بالانتشار في الأرض والمشى في مناكبها وأكل من رزقه سبحانه، وهذا كان واقع النبي ﵌ وأصحابه معه ومن بعده في ممارستهم التجارة والاحتراف،

стр. 313

وما قصة سعد ﵁ في نزول المهاجرين على إخوانهم الأنصار وقوله: "دلونى على السوق" - من أحدٍ ببعيد. ولم يزل المحدثون والفقهاء وغيرهم يباشرون هذه المهن والتجارات، فنجد منهم: البزاز، والبزار، واللحام، والحداد، والصيرفي، والقفال، والطيالسى، والعطار، والجمَّال، والصواف، والفَرَّاء، والقواريرى، والنقاش، والقنَّاد، والكمال، والنبال، والنحاس، والنخاس، والورَّاق، والوزَّان والسراج ... إلخ. ومن آثارهم في ذلك قولى أبي قلابة لأيوب السختياني - رحمهما الله -: "الزم السوق، فإن الغنى من العافية". وفي رواية: "فإن أعظم العافية الغنى عن الناس". وفي رواية: "كان أبو قلابة يحثنى على السوق والضيعة والطلب من فضل الله وكان محمد (يعنى ابن سيرين) يحثنى على التزويج". وعن إسحاق بن يسار (والد محمد بن إسحاق رحمهما الله) أنَّه كان يمر بالبزازين، فيقول: "الزموا تجارتكم، فإن أباكم إبراهيم ﵇ كان بزازًا". وقال أبو بكر المروزي: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد الله (يعنى الإِمام أحمد ﵀: إني في كفاية، فقال: "الزم السوق تصل به الرحم وتعود به". وقال: وسمعت أبا عبد الله يقول: قد أمرتهم - يعنى ولده - أن يختلفوا إلى السوق، وأن يتعرضوا للتجارة. وقال: قد روى عن عائشة رضى الله عنها عن النبي ﵌ أنَّه قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه" (٤١). وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق، ويقول: "ما أحسن الاستغناء عن الناس". انظر "الحث على التجارة والصناعة والعمل" للحافظ أبي بكر الخلال الحنبلي ﵀ (ص ٢٥: ص ٢٩). وقد تعمدت إيراد ما فيه الحث على لزوم السوق خاصة، من أجل هذا الحديث المنكر. والله أعلم.

стр. 314

الحديث التاسع والتسعون: " يا ابن عمر: دينك دينك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا". منكر. رواه ابن عدى (١/ ١٥٥)، وعنه - وعن غيره - الخطيب في "الكفاية" (ص ١٩٥) - وهذا لفظه - من طريق عن المبارك مولى إبراهيم ابن هشام المرابطى قال: ثضا العطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا به، ولفظ ابن عدى عنه، قال: "خرجت يومًا، فإذا أنا برسول الله ﵌ قائمًا، فدنوت منه ودنا منى، ووضع يده على عاتقي وغمزني غمزة وقلت: هو هو (كذا)، قال: يا ابن عمر لا يغرنك ما سبق لأبويك من قبل، فإن العبد لو جاء يوم القيامة بالحسنات كأمثال الجبال الرواسي يظن أنَّه لا ينجو من أهوال ذلك اليوم، يا ابن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك، وانظر ... " الحديث. وكان شيخى المطيعى رحمة الله عليه يذكره بلفظ: "يا ابن عباس، دينك دينك، فإنه (أو: فإنما هو، لا أتذكر جيدًا) لحمك ودمك". وكان يثبته في مجلة "الاعتصام" عند مقاله النافع: "ليس حديثًا" و: "ليس صحيحًا". ولم أقف عليه بهذا اللفظ، فالله أعلم. والحديث أورده الشيخ الألباني حفظه الله في "الضعيفة" (١١٢٦)، وقال - عقب عزوه للخطيب -: "قلت: وهذا إسناد ضعيف، العطاف هذا مختلف فيه، وقد أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: "وثقه أحمد وغيره، وقال أبو حاتم: ليس بذاك". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق يهم". والمبارك مولى إبراهيم بن هشام المرابطى لم أجد له ترجمة" اهـ. قلت: عطَّاف وثقه وقواه كثير من الأئمة، وغمزه الإِمام مالك، ولينه أبو حاتم - كما تقدم عنه - وأخذ بعضهم عليه أحاديث عن نافع عن ابن عمر

стр. 315

لم يتابع عليها، أحدها البلاء فيه من غيره. وليست فيها هذه الغرابة والنكارة التي في متن هذا الحديث، فالرجل صدوق يهم كما قال الحافظ ﵀ لكنه لا يحتمل هذا المتن، والبلاء - عندى - من راويه عنه، وقد أعيانى البحث عنه دون جدوى. ويغلب على الظن أن لو كان هذا من صحيح حديث العطاف، ما فات مشاهير كبار أصحابه كقتيبة بن سعيد، وسعيد بن منصور، وأبي اليمان الحمصي، وأبى عامر العقدى، وسعيد بن أبي مريم، ونحوهم. ولخرجه الأئمة المشهورون في مسانيدهم وسننهما ومعاجمهم، ولما تفرد به مثل ابن عدى ﵀ عن هذا النكرة. والله أعلى وأعلم. (أما) عبارة: "دينك دينك، فإنما هو لحمك ودمك" فثابته عن الحسن البصري ﵀ من وجوه عنه، بعضها صحيح أو جيد. ١ - فقد روى الفريابى في "صفة النفاق" (٤٩) من طريق وهب بن جرير حدثنا أبي أنَّه سمع الحسن يقول: "إنما كان الناس ثلاثة نفر: مؤمن، ومنافق، وكافر ... " الأثر بطوله، وفيه: "يا ابن آدم، دِينك دينك، فإنما هو لحمك ودمك، فإن تسلم فيالها من راحة، ويالها من نعمة. وإن كانت الأخرى فنعوذ بالله، فإنما هي نار لا تطفأ، وحجر لا يبرد، ونفس لا تموت". وإسناده صحيح. ٢ - وروى الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ٢٨٢ - ٢٨٣) من طريق القاسم بن فائد عن الحسن قال: "ابن آدم، دينك دينك، فإنما هو لحمك ودمك، فإن يسلم لك دينك يسلم لك جسمك ودمك، وإن تكن الأخرى ... " فذكره بنحوه. والقاسم روى عنه جمع، ولم أرَ فيه جرحًا ولا تعديلًا. ٣ - وروى أبو نعيم (٢/ ١٤٣) ص طريق طالوت بن عباد قال: ثنا عبد المؤمن بن عبيد الله عن الحسن قال: يا ابن آدم عملك عملك، فإنما هو لحمك

стр. 316

ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء ... " حتَّى قال: "يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا". وإسناده جيد. ٤ - وروى أيضًا (٢/ ١٤٥) من طريق يزيد بن هارون قال: قال أبو عبيدة: قال الحسن: رحم الله امرأَ عرف ثم صبر ثم أبصر فبصر ... " حتَّى قال: "يا ابن آدم، دينك دينك، فإنه هو لحمك ودمك. إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك، وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله ... " فذكر نحوًا من الطريقين الأوليين. وأبو عبيدة هو الناجى بكر بن الأسود العابد، وهو واهٍ. (ووالله) لوددت أن أنقل ما صح من هذه الألفاظ بتمامها لولا مخافة التطويل والمشقة المترتبة عليه، فإن كلمات ومواعظ الحسن البصري - خاصةً - لها جلالة وعليها إشراق، بحيث تستحق الاعتناء بها، والتفرغ لجمعها، وبالله التوفيق. الحديث المتمم مائة: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يُخلف الميعاد، اجمع بينى وبين كذا وكذا". واه جدًا، أحسبه موضوعًا. رواه ابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (٣/ ١٧ - ١٨) من طريق أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش أنبأ أبو علي الحسن ابن أحمد بن البناء بقراءتى عليه، قال: سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم المالكى يقول: سمعت شيخنا أبا الحسين بن شمعون وأبا إسحاق الطبرى يقولان: سمعنا جعفر بن محمد الخلدى يقول: "كان لى خاتم قد ورثته عن أبي، فعبرت

стр. 317

دجلة فمددت يدى لأغرف من الماء، فسقط الفص فغمنى، فذكرت حديثًا روى عن رسول الله ﵌ أنَّه من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه، فقرأتها ويدى في الماء، فإذا الفص بين أصابعى، والآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إنك لا تخلف الميعاد، اجمع بينى وبين خاتمى، إنك على كل شيء قدير". وأورده السيوطي ﵀ عند تفسير الآية من "الدر" (٢/ ٩) - بمعناه - وعزاه إلى ابن النجار. وهذا إسناد فيه علل: الأُولى: الإِعضال، فإن جعفرًا الخلدى بينه وبين النبي ﵌ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى. الثانية: عدم تبين حال علي بن إبراهيم المالكى - الَّذي ذكر ابن النجار الحديث في ترجمته - ولم يبين من حاله في الحديث شيئًا، ولم أجده في مكان آخر. الثالثة: اتهام أبي العز (٤٢) بن كادش، واسمه: أحمد بن عبيد الله بن محمد "ابن عبيد الله السلمي العكبرى. قال ابن النجار: كان ضعيفًا في الرواية، مخلطًا كذابا لا يحتج به، وللأئمة فيه مقال. وقال السمعانى: كان ابن ناصر يسئ القول فيه. وقال عبد الوهاب الأنماطى: كان مخلطًا. وقال السمعاني - أيضًا -: سمعت ابن ناصر يقول: سمعت إبراهيم بن سليمان يقول: سمعت أبا العز ابن كادش يقول: وضعتُ حديثًا على رسول الله ﵌، وأقر عندى بذلك. وقال عمر بن علي القرشي: سمعت أبا القاسم علي بن الحسن الحافظ يقول: قال لى ابن كادش: وضع فلان حديثًا في حق

стр. 318

على، ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثًا، بالله أليس فعلت جيدًا؟ . قال الذهبى: "قلت: هذا يدل على جهله، يفتخر بالكذب على رسول الله ﵌". وأورد قول ابن النجار: رأيت له كتابًا سماه: "الانتصار لرتم القحاب" فيه أشعار، فيقول: أنشدتنى المغنية فلانة، وأنشدتنى ستوت المغنية بأوانا (٤٣)، وقد قرأه عليه ابن الخشاب". هذا، وقول الحافظ الذهبي ﵀ في "الميزان": "أقر بوضع حديث وتاب وأناب"، لا يلزم منه قبول حديثه - بعد التوبة - وإنما أمره إلى الله ، وحديثه كله مردود كما هو مقرر في كتب "المصطلح" - بخلاف الكاذب في كلام الناس. ثم ما يؤمننا أنَّه لم يضع أحاديث أخرى لم يبح بها لأحد، وأن هذا ليس منها؟ فهذا لا ينفك من وضعه عمدًا، أو تخليطا وسهوا. (فالثابت) عن جعفر الخلدى إيقافه على بعض مشايخه من الصوفية، فقد روى الخطيب (٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩) من طريق إبراهيم بن أحمد الطبرى (يلاحظ أنَّه هو أبو إسحاق الطبري راويه عن الخلدي في الحديث مقرونًا بغيره) حدثنا جعفر الخلدى قال: ودعت في بعض حجاتى المزين (٤٤) الكبير الصوفى، فقلت: زودنى شيئًا. فقال: إن ضاع منك شئ، أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بينى وبين كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإِنسان بتلك. فجئت إلى الكتانى الكبير الصوفى فودعته، وقلت: زودنى شيئًا، فأعطانى فصًا عليه نقش كأنه طلسم، وقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا، فإنه يزول غمك، قال: فانصرفت فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء إلا استجيب، ولا رأيت الفص وقد اغتمصت إلا زال غمى، فأنا ذات يوم قد

стр. 319

توجهت أعبر إلى الجانب الشرقى من بغداد، حتَّى هاجت ريح عظيمة وأنا في السميرية، والفص في جيبى، فأخرجته لأنظر إليه، فلا أدرى كيف ذهب منى، في الماء أو في السفينة، أو ثيابي؟ فأغتممت لذهابه غمًا عظيمًا، فدعوت بالدعوة وعبرت، فمازلت أدعو الله بها يومى وليلتى ومن غدٍ وأياما. فلما كان بعد ذلك أخرجت صندوقًا فيه ثيابى لأغير منها شيئًا، ففرغت الصندوق فإذا بالفص في أسفل الصندوق، فأخذته وحمدت الله على رجوعه" اهـ. وإسناده إلى جعفر الخلدى جيد. وذكره السهروردى في "عوارف المعارف" (ص ١٢٦) بمعناه مختصرًا جدًّا. والمزين الكبير الصوفي - الَّذي علم جعفرًا الدعاء - ذكره الحافظ السمعانى ﵀ في نسبة: "المزين" من "الأنساب" (٥/ ٢٨١)، فقال: "واشتهر بهذا الاسم أبو الحسن علي بن محمد الصوفى المعروف بالمزين، من أهل بغداد، صحب سهل بن عبد الله التسترى والجنيد بن محمد وبنان الحمال، وكان يقال له: المزين الكبير، وكان صاحب عبادة واجتهاد وتعبد. وكان يقول: (الكلام من غير ضرورة مقت من الله للعبد). أقام بمكة مدة مجاورًا إلى أن مات فيها في سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة". وترجم له أيضًا الخطيب (١٢/ ٧٣) والسلمى في "طبقات الصوفية" (ص ٣٨٢: ٣٨٥) والذهبي في "السير" (١٥/ ٢٣٢) وغيرهم، فلم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا. أما الكتانى الكبير الصوفى، فترجم له أيضًا السمعانى (٥/ ٣٢) والخطيب (٣/ ٧٦: ٧٤) وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣٥٧) والسلمى (ص ٣٧٣: ٣٧٧) والذهبي (١٤/ ٥٣٣: ٥٣٥) وغيرهم، فلم يذكروا أيضًا ما يدل على حاله (وفي) القصة المتقدمة أمور يجب على المسلم المعتصم بحبل ربه، المستمسك. بسنة نبيه ﵌ ألا يمر عليها مر الكرام، منها: ١ - أن الأذكار المخصوصة في مناسبات مخصوصة، لا تتلقى إلا

стр. 320

بتوقيف (٤٥) من معصوم وهو النبي ﵌ وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، وهذا أمر مفتقد في هذه الحكاية، أما الحديث فهيهات أن يصح مثله! . ٢ - أن الخاتم الَّذي أعطاه الكتاني للخلدى - وعليه نقش كأنه طلسم -، أشبه ما يكون بالأحجبة والرقى الشركية غير الشرعية، ولذلك حرم العلماء الرقيا بما يتضمن ألفاظًا غير مفهومة المعنى لاحتمال أن تكون شركًا أو كفرًا كسَبِّ الله أو الاستغاثة بالجن والشياطين ووصفهم بما لا يجوز إلا لله تعالى. ٣ - وكذلك، إرشاده إلى أن يفزع إلى هذا الخاتم المطلسم إذا أصابه غم، من الأمور التي لا يخفى فسادها وعدم مشروعيتها، فإن النبي ﵌ لم يدع صغيرة ولا كبيرة مما يُصلح دين المسلم ودنياه إلا وأمر بها حتَّى: "الخراءة" كما قال اليهود لعنة الله عليهم لسلمان الفارسى ﵁، وصح عنه ﵌ غير حديث يتضمن أذكار الكرب والهم والغم وما شاكل ذلك. وعلمنا ﵌ ألا نفزع في جميع ما يعترينا إلا إلى الكبير المتعال، فلا أدرى أين كانت عقول هؤلاء القوم، وكيف يقبل جعفر بن محمد بن نصير الخلدى المحدث الثقة مثل هذه الترَّهات، فيا سبحان الله! ! ، فالعداوة والنفرة بين التصوف وطلب العلم قديمة، ولبعض القوم عبارات يذمون فيها طلب العلم والتزوج، ويلحقونهما بالدنيا المنهى عن حُبها والحرص عليها، ومن طالع كتب الرجال والتراجم وجد فلانًا دفن كتبه، وآخر أحرق أحاديثه، وثالثًا أغرقها في الماء، بدعوى أنها تشغل عن الله ، وتصد عن عبادته زعموا، ومع ذلك لم يصبر كثير منهم على تحديث الناس بكلام
следующие страницы →