ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء ... " حتَّى قال: "يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا". وإسناده جيد.
٤ - وروى أيضًا (٢/ ١٤٥) من طريق يزيد بن هارون قال: قال أبو عبيدة: قال الحسن: رحم الله امرأَ عرف ثم صبر ثم أبصر فبصر ... " حتَّى قال: "يا ابن آدم، دينك دينك، فإنه هو لحمك ودمك. إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك، وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله ... " فذكر نحوًا من الطريقين الأوليين. وأبو عبيدة هو الناجى بكر بن الأسود العابد، وهو واهٍ.
(ووالله) لوددت أن أنقل ما صح من هذه الألفاظ بتمامها لولا مخافة التطويل والمشقة المترتبة عليه، فإن كلمات ومواعظ الحسن البصري - خاصةً - لها جلالة وعليها إشراق، بحيث تستحق الاعتناء بها، والتفرغ لجمعها، وبالله التوفيق.
الحديث المتمم مائة:
يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يُخلف الميعاد، اجمع بينى وبين كذا وكذا".
واه جدًا، أحسبه موضوعًا. رواه ابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (٣/ ١٧ - ١٨) من طريق أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش أنبأ أبو علي الحسن ابن أحمد بن البناء بقراءتى عليه، قال: سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم المالكى يقول: سمعت شيخنا أبا الحسين بن شمعون وأبا إسحاق الطبرى يقولان: سمعنا جعفر بن محمد الخلدى يقول: "كان لى خاتم قد ورثته عن أبي، فعبرت
стр. 317
دجلة فمددت يدى لأغرف من الماء، فسقط الفص فغمنى، فذكرت حديثًا روى عن رسول الله ﵌ أنَّه من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه، فقرأتها ويدى في الماء، فإذا الفص بين أصابعى، والآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إنك لا تخلف الميعاد، اجمع بينى وبين خاتمى، إنك على كل شيء قدير". وأورده السيوطي ﵀ عند تفسير الآية من "الدر" (٢/ ٩) - بمعناه - وعزاه إلى ابن النجار. وهذا إسناد فيه علل:
الأُولى: الإِعضال، فإن جعفرًا الخلدى بينه وبين النبي ﵌ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى.
الثانية: عدم تبين حال علي بن إبراهيم المالكى - الَّذي ذكر ابن النجار الحديث في ترجمته - ولم يبين من حاله في الحديث شيئًا، ولم أجده في مكان آخر.
الثالثة: اتهام أبي العز (٤٢) بن كادش، واسمه: أحمد بن عبيد الله بن محمد "ابن عبيد الله السلمي العكبرى. قال ابن النجار: كان ضعيفًا في الرواية، مخلطًا كذابا لا يحتج به، وللأئمة فيه مقال. وقال السمعانى: كان ابن ناصر يسئ القول فيه. وقال عبد الوهاب الأنماطى: كان مخلطًا. وقال السمعاني - أيضًا -: سمعت ابن ناصر يقول: سمعت إبراهيم بن سليمان يقول: سمعت أبا العز ابن كادش يقول: وضعتُ حديثًا على رسول الله ﵌، وأقر عندى بذلك. وقال عمر بن علي القرشي: سمعت أبا القاسم علي بن الحسن الحافظ يقول: قال لى ابن كادش: وضع فلان حديثًا في حق
стр. 318
على، ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثًا، بالله أليس فعلت جيدًا؟ . قال الذهبى: "قلت: هذا يدل على جهله، يفتخر بالكذب على رسول الله ﵌". وأورد قول ابن النجار: رأيت له كتابًا سماه: "الانتصار لرتم القحاب" فيه أشعار، فيقول: أنشدتنى المغنية فلانة، وأنشدتنى ستوت المغنية بأوانا (٤٣)، وقد قرأه عليه ابن الخشاب". هذا، وقول الحافظ الذهبي ﵀ في "الميزان": "أقر بوضع حديث وتاب وأناب"، لا يلزم منه قبول حديثه - بعد التوبة - وإنما أمره إلى الله ، وحديثه كله مردود كما هو مقرر في كتب "المصطلح" - بخلاف الكاذب في كلام الناس. ثم ما يؤمننا أنَّه لم يضع أحاديث أخرى لم يبح بها لأحد، وأن هذا ليس منها؟ فهذا لا ينفك من وضعه عمدًا، أو تخليطا وسهوا.
(فالثابت) عن جعفر الخلدى إيقافه على بعض مشايخه من الصوفية، فقد روى الخطيب (٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩) من طريق إبراهيم بن أحمد الطبرى (يلاحظ أنَّه هو أبو إسحاق الطبري راويه عن الخلدي في الحديث مقرونًا بغيره) حدثنا جعفر الخلدى قال: ودعت في بعض حجاتى المزين (٤٤) الكبير الصوفى، فقلت: زودنى شيئًا. فقال: إن ضاع منك شئ، أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بينى وبين كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإِنسان بتلك. فجئت إلى الكتانى الكبير الصوفى فودعته، وقلت: زودنى شيئًا، فأعطانى فصًا عليه نقش كأنه طلسم، وقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا، فإنه يزول غمك، قال: فانصرفت فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء إلا استجيب، ولا رأيت الفص وقد اغتمصت إلا زال غمى، فأنا ذات يوم قد
стр. 319
توجهت أعبر إلى الجانب الشرقى من بغداد، حتَّى هاجت ريح عظيمة وأنا في السميرية، والفص في جيبى، فأخرجته لأنظر إليه، فلا أدرى كيف ذهب منى، في الماء أو في السفينة، أو ثيابي؟ فأغتممت لذهابه غمًا عظيمًا، فدعوت بالدعوة وعبرت، فمازلت أدعو الله بها يومى وليلتى ومن غدٍ وأياما. فلما كان بعد ذلك أخرجت صندوقًا فيه ثيابى لأغير منها شيئًا، ففرغت الصندوق فإذا بالفص في أسفل الصندوق، فأخذته وحمدت الله على رجوعه" اهـ. وإسناده إلى جعفر الخلدى جيد. وذكره السهروردى في "عوارف المعارف" (ص ١٢٦) بمعناه مختصرًا جدًّا. والمزين الكبير الصوفي - الَّذي علم جعفرًا الدعاء - ذكره الحافظ السمعانى ﵀ في نسبة: "المزين" من "الأنساب" (٥/ ٢٨١)، فقال: "واشتهر بهذا الاسم أبو الحسن علي بن محمد الصوفى المعروف بالمزين، من أهل بغداد، صحب سهل بن عبد الله التسترى والجنيد بن محمد وبنان الحمال، وكان يقال له: المزين الكبير، وكان صاحب عبادة واجتهاد وتعبد. وكان يقول: (الكلام من غير ضرورة مقت من الله للعبد). أقام بمكة مدة مجاورًا إلى أن مات فيها في سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة". وترجم له أيضًا الخطيب (١٢/ ٧٣) والسلمى في "طبقات الصوفية" (ص ٣٨٢: ٣٨٥) والذهبي في "السير" (١٥/ ٢٣٢) وغيرهم، فلم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
أما الكتانى الكبير الصوفى، فترجم له أيضًا السمعانى (٥/ ٣٢) والخطيب (٣/ ٧٦: ٧٤) وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣٥٧) والسلمى (ص ٣٧٣: ٣٧٧) والذهبي (١٤/ ٥٣٣: ٥٣٥) وغيرهم، فلم يذكروا أيضًا ما يدل على حاله
(وفي) القصة المتقدمة أمور يجب على المسلم المعتصم بحبل ربه، المستمسك. بسنة نبيه ﵌ ألا يمر عليها مر الكرام، منها:
١ - أن الأذكار المخصوصة في مناسبات مخصوصة، لا تتلقى إلا
стр. 320
بتوقيف (٤٥) من معصوم وهو النبي ﵌ وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، وهذا أمر مفتقد في هذه الحكاية، أما الحديث فهيهات أن يصح مثله! .
٢ - أن الخاتم الَّذي أعطاه الكتاني للخلدى - وعليه نقش كأنه طلسم -، أشبه ما يكون بالأحجبة والرقى الشركية غير الشرعية، ولذلك حرم العلماء الرقيا بما يتضمن ألفاظًا غير مفهومة المعنى لاحتمال أن تكون شركًا أو كفرًا كسَبِّ الله أو الاستغاثة بالجن والشياطين ووصفهم بما لا يجوز إلا لله تعالى.
٣ - وكذلك، إرشاده إلى أن يفزع إلى هذا الخاتم المطلسم إذا أصابه غم، من الأمور التي لا يخفى فسادها وعدم مشروعيتها، فإن النبي ﵌ لم يدع صغيرة ولا كبيرة مما يُصلح دين المسلم ودنياه إلا وأمر بها حتَّى: "الخراءة" كما قال اليهود لعنة الله عليهم لسلمان الفارسى ﵁، وصح عنه ﵌ غير حديث يتضمن أذكار الكرب والهم والغم وما شاكل ذلك. وعلمنا ﵌ ألا نفزع في جميع ما يعترينا إلا إلى الكبير المتعال، فلا أدرى أين كانت عقول هؤلاء القوم، وكيف يقبل جعفر بن محمد بن نصير الخلدى المحدث الثقة مثل هذه الترَّهات، فيا سبحان الله! ! ، فالعداوة والنفرة بين التصوف وطلب العلم قديمة، ولبعض القوم عبارات يذمون فيها طلب العلم والتزوج، ويلحقونهما بالدنيا المنهى عن حُبها والحرص عليها، ومن طالع كتب الرجال والتراجم وجد فلانًا دفن كتبه، وآخر أحرق أحاديثه، وثالثًا أغرقها في الماء، بدعوى أنها تشغل عن الله ، وتصد عن عبادته زعموا، ومع ذلك لم يصبر كثير منهم على تحديث الناس بكلام
стр. 321
سيد الناس ﵌ حتَّى وقعوا في الغلط والوهم، بل والكذب عليه ﵌، ففتحوا على أنفسهم باب شر وفتنة كانوا في غنى عنه. نعوذ بالله أن يحكمنا غير هدى النبي ﵌، وأن يكون هوانًا تبعًا لغير ما جاء به المعصوم ﵌، إنه نعم المولى ونعم النصير.
تنبيه هام: كنت قد أوردت نحوًا من حديث الترجمة في القسم الأول من كتاب "البدائل المستحسنة" (٢٤) ونفيت وقوفى له على أصل، سوى قول الإِمام ابن القيم ﵀ في "الوابل الصيب": "وقد قيل ... ", فذكره بنحوه، دون عزوه لقائل. لكن بمضى الأيام والليالى وجدته موقوفًا في ترجمة جعفر الخلدى من "تاريخ بغداد"، ثم مرفوعًا في "ذيله"، فأستغفر العفو الغفور من تقصير لم أتعمده، وخطأ لم أقصده، وأسأله أن يرزقني الأناة والتثبت وحسن البحث والتنقيب، ويهدينى إلى الصواب الَّذي فيه ما يحبه ويرضاه. إنه سميع عليم.
تم بحمد الله القسم الثانى من "تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" فالحمد لله الَّذي بنعمته تتم الصالحات