← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10280

تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (321 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة تأليف محمد عمرو عبد اللطيف [القسم الأول: من ١ إلى ٥٠] مكتبة التوعية الإسلامية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ , وَمَنْ يُضْلِلْ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، ، ، فهذا كتاب "تبيض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" للأخ الشيخ - محمد عمرو عبد اللطيف - والذي تفضل - جزاه الله خيرا - بإسناد نشره إلينا. ننشره في مكتبتنا "التوعية الإِسلامية" سائلين الله أن يجعلنا جميعا ممن يدفعون عن الدين صنع الوضاعين، وانتحال المفترين، وتأويل المنحرفين، حتي تشرق شموس صحاح الأخبار، وتنبعث أشعة الحق في جميع الأقطار، فيعم الخير الَّذي ننشده، ويزهق الباطل الَّذي نأباه ونرفضه. آملين من العلماء وطلاب العلم والحق اعلامنا بما يبدو لهم - مما يعتري البشر - من الهنّات والزلات أو ما يرونه من الفوائد والتعليقات والإِرشادات - ونعدهم بارفاق ما يرسل منهم من الخير ضمن طبعات الكتاب القادمة، حتَّى يكون التعاون المنشود بعيدا عن اتباع الأهواء، وتحكيم الآراء. وسننشر الكتاب بعون الله تعالي تباعا كلما أُنجر جزءٌ، نشرناه. ونسأل الله بأسمائه الحسني وصفاته العلي أن يثبتنا علي الحق بالحق وللحق. الصابر بالله بن صابر البناوي الأثري عماد بن صابر المرسي

стр. 3

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن تصانيف أهل العلم في الأحاديث الضعيفة أو الواهيات أو الموضوعة، أو المشهورة على الألسنة - على عمومها - كثيرة ومتعددة

стр. 4

المناهج، فمنها المطول والمختصر، ومنها ما يحرص صاحبه على سوق الأسانيد، ومن يحرص على حذفها. ومنها ما يتعرض صاحبه لأصل حديث ما لم يثبت، ويرده إلى قائله الَّذي ثبت عنه هذا الكلام موقوفًا عليه. أو آخر جعل جُلَّ همه أن يضعف نسبة الحديث المرفوع إلى النبي ﵌ دون اهتمام برده إلى أصله بل منها من ينسب صاحبه الحديث إلى صحابي أو تابعي دون كان مدى ثبوته عنه، وهو لا يثبت. أو يكون ثابتا عن صحابي أو تابعي آخر ولم يقع لى تصنيف يلتزم بالغرض المتقدم ذكره سوى كتاب واحد، وهو: [الوقوف على الموقوف] للإِمام أبى حفص عمر بن بدر الموصلى ﵀ (ت ٦٢٤). لكنه لم يستوعب فيه كل الأحاديث غير الثابتة التي لها أصل موقوف، ولاجُلها، إذ غاية ما فيه واحد وخمسون ومائة (١٥١) حديثًا فقط. ومع ذلك فقد سلك فيه مسلك الاختصار الشديد، إذ لم يُطِل ببيان الحديث الأصلى ولا أصله تخريجًا وجرحا وتعديلا، بل يكتفى بقوله - على سبيل المثال -: (قال ابن الجوزى: هذا حديث باطل عن النبي ﵌: إنما يروى هذا عن سفيان ... ) أو (قال الدارقطني: روى عن أبى الدرداء موقوفًا، وهو المحفوظ) (*). ولا شك أن هذا المنهج لا يقنع طالب الحديث المولع بالنظر في الطرق والأسانيد، ولا يشبع نهمته، ولا يروى غليله، ولا يعطيه الأمثلة العملية لفن التخرج والرجال والعلل. ولولا ما في حاشية الكتاب من الفوائد والتعليقات - جزى الله ساطرها - لكاد يكون عديم الجدوى

стр. 5

في معرفة مواطن الأحاديث والآثار الواردة فيه. على أن فكرة (أصول الأحاديث الضعيفة) لم يكن منشؤها كتاب ابن بدر الموصلى قط، بل كنت قد هممت بإدراج بعضها في عمل آخر يشتمل على جملة من الفوائد الحديثية والأقوال المأثورة والأدعية والمواعظ والأحكام المتناثرة - حَسْب ما يفتح به الله لكننى تراجعت عن ذلك، وآثرت إفراد هذه الفكرة في تصنيف مستقل مع إصداره في أقسام لأنَّ استيعاب جميع هذه الأحاديث ذات الأصول أمر يشبه المحال مع ما يقتضيه من المشقة الشديدة والبحث الدؤوب المتواصل. وجعلت شرطى في هذا الكتاب أن يصح السند إلى القائل الحقيقى للحديث غير الصحيح (سواء أكان ضعيفًا أو واهيًا أو موضوعًا أو لم يوقف له على أصل ألبتة)، وقد أتجاوز عن هذا الشرط في بعض المواطن لاعتبارات معينة كأن يحتمل وجود متابع أو شاهد للسند الَّذي أوردت الموقوف من طريقه، أو لجزم بعض أهل العلم بأنه الأشبه، أو لاكتشاف مطعن في إسناده بعد الفراغ من تخريج طرقه المرفوعة وبيان ما فيها، فلم أشأ حذفه بعد ذلك. وكل هذا قليل بل نادر، وهو خلاف الأصل في هذا الكتاب والحقيقة أن هذه الفكرة مشابهة ومكملة - بل ومتداخلة - مع فكرة (البدائل المستحسنة) التي وفقنى الله لإِصدار القسم الأول منها (١: ٢٥) إلا أننى لم يكن مقصدى هناك استقصاء صحة نسبة الحديث الضعيف إلى أحد من السلف، ولكن أحيانًا يكون بديله الصحيح ثابتًا بمعناه عن أحدهم كما في حديث: "الأذان سهل سمح ... " فمعناه ثابت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ خامس الخلفاء الراشدين - مقطوعًا عليه.

стр. 6

وحديث: "إن الله يحب الصمت عند ثلاث ... " ثبت موقوفًا على الصحابة ﵃ أنهم كانوا يحبون ذلك. ولذلك يمكن للخطيب أو المحاضر أن يستفيد من الكتابين على النحو التالى: فإذا كان موضوع الخطبة عن مجاهدة النفس فبعد إيراد الآيات كنحو قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ والأحاديث كقوله ﵌: "المجاهد من جاهد نفسه في الله " و"أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله "، فله أن يدعم ذلك بالآثار كالذى ثبت عن إبراهيم بن أبى عبلة - التابعي الجليل - أنَّه قال لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل، وفي الجهاد الأكبر، قال: جهاد القلب، مع توجيه معناه الوجهة الصحيحة بما لا يتوهم منه الحط من شأن مجاهدة العدو من الكفار والمنافقين. وإذا كان يحاضر في فضيلة التوبة فبعد إيراد الآيات والأحاديث الكثيرة الطيبة، له أن يستشهد بقول الشعبى ﵀: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. فإن كتاب الله يشهد لصحة هذا القول، بل على أفضل منه كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ]. ولا حرج على فضل الله . هذا لمن أراد أن يستبرئ لدينه ويسلم من الكذب والغلط على النبي ﵌، فقد علمنا النبي ﵌ أن من حدث بكل حديث يسمعه أو يتناهى إلى علمه بوسيلة من الوسائل، فسيقع في الكذب عليه لا محالة، فقال: "كفى بالْمَرء كذبًا أن يحدث

стр. 7

بكل ما سمع" ويبين قوله ﵌: "بئس مطية الرجل: زعموا" إن الَّذي يكثر من الحكايات والروايات التي لا يعلم أصلها ولا صحتها، والتى من شأنها أن يولع بها السامعون وتقع منهم موقع القبول، هو رجل مذموم. وحذَّر ﵌ أصحابه وأمته أن ينسبوا إليه غير الحق فقال- وهو على المنبر - "يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عنى. من قال عَلىَّ فلا يقولن إلا حقًّا أو صدقًا، فمن قال عَلَيَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار (*) ". ألا فليتق الله رجال ونساء - نحسبهم من أهل الخير والفضل - يستطيع الواحد منهم أن يسوق عشرة أحاديث في نفس واحد، لعل النبي ﵌ لم يقل منها حرفًا واحدًا! مع خوف الفتنة العظيمة عليه فإن عوام السامعين يولعون بالغرائب والعجائب والمبالغات التي لا يصح منها إلا القليل. ولا يشفع لهؤلاء الكرام رغبتهم في الخير، وشدة تأثير كثير من الأحاديث الواهية والموضوعة على نفوس كثير من الناس، ولا الرغبة في كان محاسن هذه الشريعة وسماحتها ولا غير ذلك من الأغراض الشريفة الطيبة فإن الخبيث لا يمحو الخبيث و (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) وما مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) إلا أحد مبادئ الغرب الكافر، والمفتونين به. ولنا في كتاب الله والأحاديث الصحيحة والحسنة وآثار الصحابة والتابعين والسلف الصالح بعامة، ما يشفى الصدور ويَسُدّ الخلة.

стр. 8

وإني مورد في هذا الكتاب الَّذي سميته: [تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة] خمسين حديثًا - بمثابة القسم الأول منه - انتخبتها من كتب شتى وتحققت من صحة غالبها عن أحد الصحابة أو التابعين وتابعيهم، وقد يصح بعضها عن غير واحد منهم كحديث: "الحكمة ضالة المؤمن" وحديث: "خير الأمور أوساطها". أما كان حجيتها ومدى صلاحيتها للاحتجاج أو الاستشهاد، فكثيرًا ما أتجاوزه، وأدعه لأهل الشأن والاختصاص وفقًا لما تمليه عليهم القواعد العلمية للاستدلال والاستنباط، وقد أنشط لذلك أحيانا لا سيما إذا كان الموقوف من الأمور التي لا مجال للرأى والاجتهاد فيها. وعسى أن يكون هذا الكتاب خطوة أولى في خدمة آثار السلف الصالح وتمييز صحيحها من سقيمها، حيث لم تلق الآثار من العناية والاهتمام ما لقيته أحاديث النبي ﵌. والله أسأل أن يبارك لى في وقتى وعمرى وعملى وأن يجعله كله صالحًا ولوجهه الكريم خالصا. وأن يرزقني وإخواني العلم النافع والعمل الصالح والحياة الطيبة. وكتبه: محمد عمرو بن عبد اللطيف. القاهرة في: الثامن عشر من شوال ١٤٠٨ هـ.

стр. 9

الحديث الأول: " إذا أحب الله عبدًا ابتلاه ليسمع تضرعه". ضعيف. رُوِى عن أبى هريرة مرفوعا، وعن عبد الله بن مسعود وعمرو بن مرة الجملى موقوفًا. ١ - حديث أبى هريرة: رواه هناد في "الزهد" (٤٠٥) وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٢٢) والديلمي في "مسند الفردوس" (١) من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عنه به. وإسناده ضعيف جدًا، يحيى هذا قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٧٥٩٩): "متروك". وأبوه هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب، أبو يحيى التيمي المدني، قال الحافظ (٤٣١١): "مقبول" أي إنه لين الحديث حيث لم يتابع كما بين الحافظ في مقدمة "التقريب" (ص ٧٤ بتحقيق محمد عوامة). ورواه أيضًا البيهقي في "شعب الإِيمان" كما في "الجامع الصغير" (٣٥٣). ٢ - أثر ابن مسعود، ٣ - أثر عمرو بن مرة: رواهما الطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٤٤) أولًا من طريق أبي جابر محمد بن عبد الملك عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: "إن مما أنزل الله : إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه، ليسمع تضرعه" ثم بنفس الإِسناد من طريقه أيضًا عن شعبة عن حماد عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: "مثله". وكلاهما ضعيف. قال الحافظ الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٥): (وفيه محمد ابن عبد الملك، قال أبو حاتم: ليس بالقوى). قلت: (وقد خولف)، فقد رواه ابن أبي الدنيا (ص ٢٣) وعنه التنوخى (١/ ١١٣, ١١٤)

стр. 10

كلاهما في "الفرج بعد الشدة" عن علي بن الجعد قال: أخبرنى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث عن كردوس بن عمرو، وكان ممن قرأ الكتب قال: (٢) [فيما أنزل الله من الكتب]: "إن الله يبتلى العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه". وإسناده صحيح إلى كردوس (٣) هذا. وعلي بن الجعد هو الجوهرى البغدادى، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب شعبة. ولكن يبدو أن أبا جابر - محمد بن عبد الملك المتقدم ذِكره - كان يضطرب فيه، فقد جاء أيضًا عنه على الصواب كما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨٠) من طريقه عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى وائل عن كردوس بنحوه. ورواه - قبلها - من طريق منصور عن شقيق (وهو ابن سلمة أبو وائل) عن كردوس قال: كنت أجد في الإِنجيل إذ كنت أقرأ: "إن الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه - وإنه ليحبه - لينظر كيف تضرعه". وإسناده جيد. أما ما حكاه الحافظ المناوى في "فيض القدير" (١/ ٢٤٦) عن الحافظ العراقى - رحمهما الله - أنَّه - أي حديث الترجمة يتقوى بتعدد طرقه فلم أجده عنه في "تخريج الإِحياء"، وفيه من النظر أنَّه لا يعلم له إلا طريقان تقدمتا، إحداهما واهية، والأخرى مُعَلَّة - صوابها: "أبو وائل عن كردوس" ومرجعها إلى الإسرائيليات المتلقاة من صحف أهل الكتاب، والتى لم نؤمر بتصديقها ولا تكذيبها. نعم، وفى الباب حديثان واهيان - بأطول من هذا اللفظ - وهما: ١ - ما رواه الطبرانى في "الكبير" (٨/ ١٩٥) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الله يقول للملائكة: انطلقوا إلى عبدى فصبوا عليه البلاء صبًا، فيأتونه فيصبون عليه البلاء، فيحمد الله، فيرجعون فيقولون: يا ربنا صببنا عليه البلاء صبًا لما أمرتنا، فيقول: ارجعوا فإنى

стр. 11

أحب أن أسمع صوته". وإسناده ضعيف جدًا، عفير هذا واهٍ. قال ابن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: سمعت دحيمًا يقول: عفير بن معدان ليس بشيء، لزم الرواية عن سليم بن عامر. وشبَّهه بجعفر بن الزبير وبشر بن نمير (٤). وقال أبو حاتم أيضًا: هو ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﵌ بالمناكير ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته. كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ٣٦). والحديث رواه الشجرى في "أماليه" (٢/ ٢٨٢) من طريق الطبرانى به. ٢ - وروى ابن أبي الدنيا من طريق بكر بن خنيس عن يزيد الرقاشي عن أَنس- كما قال العراقي (٤/ ١٣٢) - قال: قال رسول الله ﵌: "إذا أحب الله عبدًا، أو أراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبًا، وثجه عليه ثجا (٥). فإذا دعا العبد قال: يارباه، قال الله: لبيك عبدى لا تسألنى شيئًا إلا أعطيتك، إما أن أعجله لك، وإما أن أدخره لك"كما في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٥٢٦) وجزم الحافظ المنذرى بضعفه، فصدَّره بصيغة التمريض: "ورُوِى". وإسناده واهٍ جدًا، بكر بن خنيس قال الدارقطني وجماعة: متروك. ويزيد الرقاشي متفق على تضعيفه، وتركه النسائي أيضًا وقال شارح الترغيب ﵀: "حديث ركيك متهافت". ورواه الديلمى من طريق يزيد الرقاشي عن أَنس (٦) بأطول منه وفيه: "فإذا دعا العبد قال جبريل: أي رب، اقضِ حاجته. فيقول الله تعالى: دعه، فإني أحب أن أسمع صوته فإذا دعا يقول الله : لبيك عبدى ... "الحديث: والحديثان أوردهما الحافظ العراقى (١/ ٣٠٦) - في تعليقه على حديث الترجمة

стр. 12

كأنه لم يستحضره وقتئذ- وقال (وسندهما ضعيف). نعم، الجملة الأُولى من حديث الترجمة ثابتة عن النبي ﵌ من وجوه -بدون التعليل- أعنى قوله: "ليسمع تضرعه". ١ - فروى الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٤٢٨) عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﵌ قال: "إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع". وإسناده جيد، ومحمود صحابى صغير، وجل روايته عن الصحابة كما في (التقريب) [٦٥١٧]. فمرسله حجة على الصحيح. ٢ - وله شاهد ضعيف رواه الترمذي (٢٥٠٧) وغيره من طريق سعد بن سنان عن أَنس، وزاد في أوله: "إن عظم الجزاء مع عظم الابتلاء". ٣ - وروى أحمد في "الزهد" (ص ٥٢) عن وهب بن منبه ﵀ مرفوعًا مرسلًا: "إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم". ورجاله ثقات. ٤ - وبمعناه ما رواه البخاري (٧/ ١٤٩) وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: "من يرد الله به خيرًا يصب منه" قال الحافظ المنذرى (٤/ ٥٢٦): "أي يوجه إليه مصيبة ويصبه ببلاء". والأحاديث في فضل الابتلاء والصبر عليه كثيرة جدًا تنظر في مثل "الترغيب" و "جامع الأصول" للإِمام ابن الأثير الجزرى ﵀. وقد دل كتاب الله على أنَّه يبتلى الأمم التي لم تستجب لدعوة رسله، ويأخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون له وينيبون إليه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 13

الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٢: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا بربهم وما يتضرعون حتَّى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون﴾. [المؤمنون ٧٦: ٧٧]. والذي لا ريب فيه أن الرب جل وعلا يحب من سائر العباد أيضًا أن يظهروا له التضرع والاستكانة والذل له والإِخبات إليه تعالى، فالتضرع داخل في جملة أسباب الابتلاء المعروفة من امتحان الله للعباد حتَّى يعلم- تعالى- صدق إيمانهم وصلابة عقيدتهم، ولتكفير ذنوبهم وخطاياهم، ورفع لدرجاتهم ومنزلتهم عنده، ولاستعتابهم فيما بقى من أعمارهم. والله أعلى وأعلم. الحديث الثانى: " إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده". رفعه منكر. رواه البزار (١٣٧ - كشف الأستار) - واللفظ له (٧) - وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ١٦١) وعنه الطبرانى). (١٠/ ٢٤٢) - بدون آخره - وابن عدى في "الكامل" (١/ ١٧٩) وأبو نعيم (٤/ ١٠٧) من طريق أحمد بن محمد بن أيوب ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود مرفوعًا به. وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث الأعمش" تفرد به أبو بكر بن عياش،

стр. 14

واختلف في اسمه فقيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه شعبة". وقال ابن عدى في أول الترجمة - ترجمة أحمد بن محمد بن أيوب - "وحدث عن أبي بكر بن عياش بالمناكر". وقال عقب الحديث: "ولم يحدث به عن ابن عياش غير ابن أيوب". وقال الذهبي في ترجمة ابن أيوب من "الميزان" (١/ ١٣٣): " ... وله ما ينكر، فمن ذلك مما ساقه ابن عدى أنَّه روى عن أبي بكر بن عياش ... " فذكر هذا الحديث. وقال الحافظ في "التقريب" (٩٣): "صدوق كانت فيه غفلة، لم يدفع بحجة. قاله أحمد". قلت: وشيخه أبو بكر بن عياش- وإن احتج به البخارى- ففيه مقال أيضًا، قال الحافظ (٧٩٨٥): "ثقة عابد، إلا أنَّه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح". وقد (خالفه) جماعة من الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش فأوقفوه. فرواه أبو خيثمة في "العلم" (٥٧) عن جرير بن عبد الحميد الرازي، والإِمام أحمد في "الزهد" (ص ٣٧٨) عن سفيان الثورى، ووكيع في "الزهد" (٢٢٩) وعنه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٤٤) ثلاثتهم عن الأعمش فقالوا: "عن أبى سفيان عن عبيد بن عمير الليثي قال: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده فيه". وإسناده جيد. ورواه أبو نعيم (٣/ ٢٩٦) من طريق الإِمام أحمد فقال: "عن وكيع" بدلًا من "ابن مهدى عن الثورى" وقال: "كذا رواه وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا مثله". قلت: هذا يعارض كلام البزار المتقدم، بل كلام أبى نعيم نفسه حيث قال: "تفرد به أبو بكر بن عياش "وقد تقدم أيضًا فلو صح أن وكيعا حدث به مرة كما قال أبو نعيم- وهذا ما لا نعلمه ثابتًا عنه- فالراجح الَّذي رواه غير واحد

стр. 15

عنه رواية الوقف، بمتابعة الثورى وجرير. وقال علامة الشام الشيخ الألبانى حفظه الله في "تخرج العلم": "إسناده موقوفًا على عبيد بن عمير صحيح، وقد رواه البزار والطبرانى من حديث ابن مسعود مرفوعًا بإسناد لا بأس به على ما قاله المنذرى. قلت: ثم تبين لى أن فيه نكارة، وشهد بذلك الذهبي كما شرحت ذلك في "الأحاديث الضعيفة" (٥٠٣٢) اهـ. قلت: وعندى أن منشأ الوهم في روايته عن الأعمش من حديث ابن مسعود مرفوعًا أن الأعمش قد حدَّث به بإسناد آخر موقوفًا على ابن مسعود، وهو ما رواه أبو خيثمة (٣) عن جرير، والطبرانى (٩/ ١٦٤) عن زائدة كلاهما عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". ورجاله ثقات لكنه منقطع, أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه كما نص عليه غير واحد من الأئمة. لكنه ثابت عن النبي ﵌ من حديث معاوية ﵁ كما في "الصحيحين" وغيرهما. أما زيادة: "ويلهمه رشده" - فهي من قول عبيد بن عمير الليثي ﵀، وهو تابعي جليل مجمع على ثقته ومعناها صحيح لا ريب فيه. والله أعلى وأعلم. الحديث الثالث: " أربع من أعطيهن أعطى خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا ماله". ضعيف. رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (٣٤) والطبرانى في "الكبير" (١١/ ١٣٤) وأبو نعيم (٣/ ٦٥) من طرق عن محمود بن غيلان المروزي نا المؤمل ابن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، نا حميد الطويل، عن طلق بن حبيب، عن ابن

стр. 16

عباس مرفوعًا به. وقال محقق "المعجم الكبير" - حفظه الله - "ورواه في الأوسط ١٩١ مجمع البحرين بنفس السند والمتن، فلا معنى لقول الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٣: ورجال الأوسط رجال الصحيح. فهو في الكبير بنفس السند. قال المنذرى في الترغيب ٣/ ٢٠٦: رواه الطبرانى بإسناد جيد. وضعَّفه شيخنا في سلسلة الضعيفة ١٠٦٦ "اهـ. قلت: لأنَّ مداره على مؤمل بن إسماعيل العدوى، وهو صدوق سيئ الحفظ كما في "التقريب" (٧٠٢٩). نعم، وثقه ابن معين وغيره ولكن جرحه جماعة من الأئمة جرحًا مفسرًا، ووصفوه بكثرة الخطأ وسوء الحفظ. وما أحسن قول الإِمام يعقوب بن سفيان الفسوى: "ومؤمل بن إسماعيل سنى شيخ جليل، سمعت سليمان بن حرب يحسن الثناء عليه يقول: كان مشيختنا يعرفون له ويوصون به، إلا أن حديثه لا يشبه حديث أصحابه، حتَّى ربما قال: كان لا يسعه أن يحدث. وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه ويتخففوا من الرواية عنه فإنه منكر يروى المناكير عن ثقات شيوخنا، وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن ضعاف لكنا نجعل له عذرًا" كما في "المعرفة" (٣/ ٥٢). وقال الإِمام محمد بن نصر المروزي ﵀: "المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه لأنَّه كان سيئ الحفظ، كثير الغلط". كما في "التهذيب" (١٠/ ٣٨١). ومن تتبع مخالفاته التي أوردها له ابن أبي حاتم ﵀ في "علل الحديث" ووقف على أوهامه ومناكيره، علم علم اليقين صحة اتصافه بما قدمنا، ولا جرم قال الإِمام البخاري ﵀: "منكر الحديث". وقد تفرد المؤمل برفع هذا الحديث ووصله. قال أبو نُعيم: "غريب من حديث طلق، لم يروه متصلًا مرفوعًا إلا مؤمل عن حماد". قلت: كأنه ﵀ يشير إشارة خفية إلى وروده من طريق أخرى غير مرفوعة

стр. 17

كما يأتى. والحديث رواه أيضًا الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢٨٣/ ٢) من طريق الطبراني، ومن طريق أبى نعيم أيضًا كما في "الصحيحة" (١٠٦٦) (٨). وقد وقف له الشيخ الألباني على طريق أخرى لا يُفرح بها - من حديث أَنس - فقال: " ... أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٦٧) عن هشام بن عبيد الله الرازي: ثنا الربيع بن بدر: ثنا أبو مسعود: حدثني أَنس بن مالك مرفوعًا به. قلت: وهذا إسناد واهٍ جدًا. ١ - هشام بن عبيد الله الرازي فيه ضعف. ٢ - الربيع بن بدر، متروك شديد الضعف. ٣ - أبو مسعود هذا لم أعرفه" اهـ. كذا قال، وهذا منه عجيب - حفظه الله - فإن تمام كلام أبي نعيم: "أبو مسعود هو سعيد بن إياس الجريرى "اهـ. وهو ثقة كان قد اختلط، ولم أجد له رواية عن أَنس في ترجمة كل منهما من "تهذيب الكمال" للحافظ المزى، فلعله من تخبط الربيع بن أَنس وأمثاله من المتروكين. وبعد، (فالأشبه) أن هذا الكلام موقوف على طلق بن حبيب نفسه، فقد رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٨٧) عن محمد بن بشر العبدى قال: حدثني عتبة بن قيس عنه قال: "أربع من أوتيهن أوتى خير الدنيا والآخرة: من أوتى لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وجسدًا على البلاء صابرًا، وزوجة مؤمنة لا تبغيه في نفسها خونًا". وعتبة ابن قيس هو القراط الكوفي، وهو مستور روى عنه أيضًا ابن عيينة ومسعر، ووثقه ابن حبان (٧/ ٢٧١) ومع ذلك فالوقف أشبه، والمستور لا يرد حديثه بإطلاق لا سيما في مثل هذه الموقوفات والمقاطيع. وكأنه شُبِّه على مؤمل بن إسماعيل هذا

стр. 18

الأثر، فوصله ورفعه عن طلق عن ابن عباس. والله أعلم. نعم، صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلبم أحاديث أخرى بغير هذا اللفظ منها حديث ثوبان قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. قال: كنا مع رسول الله ﵌ في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه. فقال: "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه". رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما، وهو في "فضل المرأة الصالحة" (١) يسَّر الله خروجه. الحديث الرابع: " أربع لا يصبن إلا بعجب: الصمت - وهو أول العبادة - والتواضع، وذكر الله، وقلة الشيء". موضوع. رواه الطبراني (٩) (١/ ٢٥٦) وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٩٦) وابن عدى (٢/ ٦٩٧) والحاكم (٤/ ٣١١) وغيرهم من طريق أبى معاوية الضرير عن العوام بن جويرية عن الحسن عن أَنس مرفوعًا به. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه". فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: قال ابن حبان في العوام: يروى الموضوعات". وقال في "الميزان" (٣/ ٣٠٣) - بعد إيراد هذا الحديث في ترحمة العوام هذا - "قلت: والعجب أن الحاكم أخرجه في "المستدرك". وقال ابن عدى: "الأصل فيه موقوف من قول أَنس". وقال الحافظ المنذرى في "الترغيب" (٣/ ٧٩٤): " ... ورُوِى عن أَنس موقوفًا عليه، وهو أشبه أخرجه أبو الشيخ في "الثواب" وغيره".

стр. 19

قلت: لم أطلع على سنده في "الثواب" لأنَّه ليس بمتناول الأيدى الآن، ولكن رواه ابن أبي عاصم في "الزهد" (٤٨) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٥٦) من نفس الطريق المتقدمة المحكوم بوضعها - عن أَنس موقوفًا. وروى هناد (١١٣٠) من طريق الوصافى عن العوام عن الحسن مرفوعا مرسلًا بعضه، ولفظه: "أول العبادة الصمت". وهذا أوهى مما قبله من وجهين: الأول: أن فيه - مع العوام - عبيد الله بن الوليد الوصافى وهو واهٍ. الثانِى: أنَّه مرسل ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل عندهم على الراجح، فإن بعضهم قواها. وقال ابن أبى حاتم في "علل الحديث" (٢/ ١١٤): "سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حسان عن أبي معاوية الضرير ... " (فذكره). قال أبي: إنما يروى عن الحسن فقط. وقال بعضهم: الحسن عن أَنس قوله. قلت: وأيضًا لم أقف عليه عن الحسن من قوله إلى الآن، وأما عنه عن أَنس فلم أجده إلا بالسند المتقدم ذكره. وإنما (صح) عن الثورى ووهيب بن خالد - رحمهما الله - أنهما نسباه إلى عيسى بن مريم ﵉ بنحوه. ١ - فروى هناد (١١٣١، ٥٩٤) عن قبيصة عن الثورى قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أربع هن عجب، ولا يحفظن إلا بعجب: الصمت، وهو أول العبادة، وذكر الله على كل حال، والتواضع، وقلة الشيء". وإسناده صحيح. ٢ - وروى ابن المبارك في "الزهد" (٦٢٩) وعنه أبو نعيم (٨/ ١٥٧) قال: أخبرنا وهيب قال: قال عيسى بن مريم: "أربع لا تجتمع في أحد من الناس إلا بعجر، أو: إلا يعجبه: الصمت، وهو أول العبادة، والتواضع لله، والزهادة في الدنيا، وقلة الشيء". وإسناده صحيح أيضًا. فهذا من الإِسرائيليات التي أذن لنا في التحديث بها - ولا حرج - بغير تصديق ولا تكذيب. والله أعلى وأعلم.

стр. 20

الحديث الخامس: " ارحموا عزيز قوم ذل، وغنى قوم افتقر، وعالمًا بين جهال". منكر. رُوِى من حديث أَنس - من طريقين عنه - وابن عباس وابن مسعود - وبلفظ آخر - عن أبي هريرة. ١ - حديث أَنس: من الطريق الأُولى: رواه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١١٨) وعنه ابن الجوزى في "الموضوعات" (١/ ٢٣٧) من طريق يوسف بن هاشم أبي الميمون قال: حدثنا يزيد بن أبي الزرقاء الموصلى قال: حدثنا عيسى بن طهمان عنه به، بلفظ: "ارحموا من الناس ثلاثة ... "الحديث. ورواه العسكرى في "الأمثال" والسليماني في "الضعفاء" من حديث زيد (لا يزيد) بن أبي الزرقاء كما في "المقاصد" (ص ٤٩) ولعله الصواب. لقول الآجرى: "سألت أبا داود عن عيسى بن طهمان فقال: لا بأس به". قلت: بصرى؟ قال: قال لي ابن أبي الزرقاء سمع منه أبي بالكوفة، فقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة" كما في "تاريخ بغداد" (١١/ ١٤٣). وابن أبي الزرقاء الَّذي يروى عنه أبو داود هو هارون بن زيد بن أبي الزرقاء كما في "التهذيب" (١١/ ٥). وقال ابن حبان - في ترحمة عيسى بن طهمان الكوفي، أبي ليث - "ينفرد بالمناكير عن أَنس ويأتى عنه بما لا يشبه حديثه، كأنه كان يدلس عن أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وإن اعتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير. وهو الَّذي روى عن أَنس بن مالك .. "فذكر الحديث. وقال السليماني: "الحمل فيه على عيسى بن طهمان". وقال ابن طاهر في "معرفة التذكرة" (١٠٢): "فيه أبو البخترى وهب بن

стр. 21

وهب - يعنى في حديث ابن عباس الآتى - وهو كذاب، وعيسى بن طهمان متروك". وقال ابن الجوزى: "موضوع" حتَّى قال "وعيسى ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به". وقال العراقى (٤/ ٢٨): "وعيسى ضعيف". كذا قالوا وعيسى بن طهمان ثقة وثقه جميع الأئمة - إلا ابن حبان - وهم: أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والفسوى وأبو داود والدارقطني والحاكم (١٠) نعم، أورده العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٨٥) ولكنه جعل الحمل في الأحاديث التي لم يتابع عليها على الراوى عنه- خالد بن عبد الرحمن الخراساني - فقال: "ولعله أُتى من قبل خالد لأنَّ أبا نعيم وخلادًا يحدثان عنه أحاديث مقاربة". قال الحافظ في "هدى السارى" (ص ٤٣٤) (١١): "وهو كما ظن العقيلي. وأما ابن حبان فأفحش القول فيه في "كتاب الضعفاء" فقال: فذكر كلامه حتَّى قال: "ثم لم يسق له إلا حديثا واحدًا والآفة فيه ممن دونه" وقال (ص ٤٦٣) "ضعفه ابن حبان بلا مستند، والحمل على غيره". وقال في "التقريب" (٥٣٠١) "صدوق أفرط فيه ابن حبان، والذنب فيما استنكره من حديثه لغيره". قلت: الذنب في هذا الإِسناد، والبلاء فيه من يوسف بن هاشم أبى الميمون - شيخ شيخ ابن حبان - فإن تعبت عليه فلم أجده ولا حتَّى في "ثقات ابن حبان". والظاهر أن الحافظ يعنيه، فإن رجال الإِسناد كلهم ثقات غيره.

стр. 22

والحديث - من الطريق الثانية - رواه ابن الجوزى (١/ ٢٣٦) من جهة الخطيب البغدادى بسنده إلى محمد بن مقاتل الرازي عن أبي العباس جعفر بن هارون عن سمعان بن المهدى عن أَنس بلفظ: "وفقيهًا يتلاعب به الجهال". وجعفر بن هارون قال الذهبى (١/ ٤٢٠): "أتى بخبر موضوع" وقال في ترجمة سمعان بن المهدى (٢/ ٢٣٤): "حيوان لا يعرف، أُلصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبَّح الله من وضعها" زاد الحافظ في "اللسان" (٣/ ١١٤): "وهي من رواية محمد بن مقاتل الرازي عن جعفر بن هارون الواسطي عن سمعان "فذكر النسخة، وهي أكثر من ثلاث مائة حديث أكثر متونها موضوعة". ٢ - حديث ابن عباس: رواه ابن حبان (٣/ ٧٤) وعنه ابن الجوزى من طريق وهب بن وهب أبي البخترى القاضي عن ابن جرج عن عطاء عنه به، بلفظ "وعالمًا يتلاعب به الصبيان". ووهب هذا أحد الوضَّاعين المشهورين. ٣ - حديث ابن مسعود: رواه القضاعى (٧٣٤) من طريق عبد الله بن الوليد العدنى، ثنا سفيان الثورى، عن منصور، عن مجاهد عنه به ولفظه: "ارحموا ثلاثة: غنى قوم افتقر، وعزيزًا ذل، وعالمًا يلعب به الحمقى والجهال". وفى هذا الإِسناد مجاهيل وانقطاع. قال الشيخ السلفى حفظه الله - محقق "مسند الشهاب" - "قال في "فتح الوهاب" (٢/ ١١): وفيه جماعة لم أعرفهم، ورواية مجاهد عن ابن مسعود قال أبو زرعة: فيه إرسال ... ". وأعله السخاوى بالعلة الثانية وحدها ثم استدركت بأن شيخ القضاعي - محمد بن منصور التسترى - قال أبو إسحاق الحبال الحافظ: كذاب" فانظر "الميزان" (٤/ ٤٨) و"لسانه" (٥/ ٣٩٥، ٣٩٦). ٤ - وأما حديث أبى هريرة فرواه الديلمى. قاله الشيخ الغمارى في حاشية "المقاصد". ولم أجده في "فردوس الأخبار" بلفظ حديث الترجمة. وقد تعقب الحافظ السيوطي ﵀ دعوى ابن الجوزى وضع الحديث بأمر

стр. 23

عجيب فقال في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢١١): "قلت: قال الديلمى: أنبأنا أبو علي الحداد أنبأنا أبو نعيم حدثنا محمد بن عمر بن سليم حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سعيد القارى الرازي حدثنا أبى حدثنا أبو الأزهر الخطيب بن عفان حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا: "بكت السموات السبع ومن فيهن ومن عليهن، والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل، وغنى افتقر، وعالم تلعب به الجهال" (١٢) والله أعلم اهـ. وهذا إسناد مظلم، كل من بَيْن أبي نعيم وابن علية لم أجد لهم ترجمة، والحسن مدلس وقد عنعنه، ولم يسمع من أبى هريرة إلا أحرفا يسيرة - على الأصحّ (١٣) - ومع ذلك فما أبعد الشاهد عن المشهود له، وبين الأمر برحمة هؤلاء الثلاثة، والإِخبار عن بكاء السموات والأرضين وأهلهن عليهم. والظاهر أن السخاوى والغمارى يعنيان هذا الحديث. (وبَعْد) فإن حديث الترجمة إنما يعرف من قول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى كما قال ابن الجوزى ثم روى بسنده إلى الحاكم قال: سمعت إسماعيل بن محمد ابن الفضل يقول: سمعت جدى يقول: سمعت سعيد بن منصور يقول: قال الفضيل ابن عياض: "ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيا افتقر، وعالمًا بين الجهال". ورواه البيهقي في "المدخل" (٦٩٩) عن الحاكم به. وقال: "وَرُوِى هذا مرفوعًا عن النبي ﵌ من أوجه كلها ضعيفة". قلت: ومع ذلك ففي شيخ الحاكم مقال، قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٤٧, ٢٤٨): "قال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ، ثم قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا جدى، حدثنا عبيد الله العيشى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أَنس، قال رسول الله ﵌: "طلب العلم فريضة

стр. 24

على كل مسلم". غريب فرد" اهـ. قلت: ورجاله كلهم ثقات سواه، فالحمل فيه عليه إذ أن هذا المتن لا يُحتمل صدوره بهذا الإِسناد الصحيح، أو إنه وهم، ودخل عليه حديث في حديث، فالله أعلم به، وهو حَسيبه. ثم إننى أثناء تبييض الكتاب للمرة الثانية تذكرت حديثا عجيبًا مَرَّ عَلَيَّ أثناء تقليب "فردوس الأخبار" (١٤) للديلمى - الأب - وهو ما رواه الخطيب في "تاريخه" (١٣/ ٣٢٢, ٣٢٣) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: "ارحموا حاجة الغنى". قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وما حاجة الغنى؟ فقال: "الرجل الموسر يحتاج صدقة، الدرهم عليه عند الله بمنزلة سبعين ألفا". وقال: "هذا غريب جدًا من حديث الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله، ومن حديث الثورى عن الأعمش، لا أعلم رواه غير محمد بن يحيى الطوسى عن الفريابى" اهـ. والطوسى هذا لم أقف له على ترجمة. وفيه أيضًا: نافع بن علي بن يحيى أبو عبد الله السروى الفقيه، أورده الخطب في ترجمته وقال: "حدثنا عنه العتيقى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وسماه أبو الفضل المقدسي "نافع بن علي بن بحر بن عمرو بن حازم" وقال: "روى عنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، والطبقة، وتوفى قبل الأربعمائة" كما في "الأنساب" (٧/ ٧٧). الحديث السادس: " استعينوا على النساء بالعُرْى". ضعيف جدًا. رواه ابن عدى (١/ ٣٠٧) - هكذا - وعزاه السيوطي في

стр. 25

"الجامع" (٩٨٨) إليه بزيادة: "فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها، وأحسنت زينتها، أعجبها الخروج". وهو عنده من طريق إسماعيل بن عباد المزني ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أَنس (١٥) به. قال: "وهذا الحديث - بهذا الإِسناد - منكر لا يرويه عن سعيد غير إسماعيل هذا، ولإِسماعيل عن سعيد غير ما ذكرت من الحديث، مما يتفرد به عنه، وإسماعيل ليس بذلك المعروف". قلت: بل هو واهٍ، فقد قال الدارقطني في "الضعفاء" (٨٢): "متروك". وقال ابن حبان (١/ ١٢٣): "يروى عن سعيد بن أبى عروبة ما لا يتابع عليه من الروايات، ويقلب الأخبار التي رواها الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال" ثم ذكر له بالإِسناد المتقدم عدة أحاديث وقال: "أخبرنا الحسن بن سفيان بهذه الأحاديث كلها ثنا زكريا بن يحيى الرقاشي المقري قال: ثنا إسماعيل بن عباد ثنا سعيد عن قتادة عن أَنس بن مالك في نسخة كتبناها عنه لا تخلو من المقلوب أو الموضوع". ولذلك ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٩) - في عداد الكذابين والوضاعين. والحديث رواه الطبرانى في "الأوسط" كما أورده الهيثمي (٥/ ١٣٨) - باللفظة المختصرة - وقال: " ... عن شيخه موسى بن زكريا، وهو ضعيف". قلت: قال الدارقطني: "متروك" كما في "سؤالات الحاكم للدارقطني" (٢٢٧). وله لفظ آخر عن أَنس أيضًا رواه ابن عدى (٤/ ١٦٣٩) عن شيخه محمد ابن داود بن دينار عن أحمد بن إسحاق بن يونس عن سعدان بن عبدة القداحى عن عبيد الله بن عبد الله العتكي البصري عنه وقال: "هذه الأحاديث - يعنى

стр. 26

هذا وغيره - مناكير كلها، وسعدان بن عبدة القداحي غير معروف، وأحمد بن إسحاق بن يونس لا يعرف أيضًا، وشيخنا محمد بن داود بن دينار كان يكذب، وقد روى النضر بن شميل عن عبيد الله، عن أَنس أحاديث - إن شاء الله - مستقيمة". وقال الذهبي (٣/ ١٠): "لعل هذه الأحاديث من وضع محمد بن داود، ولا يدرى من شيخه ولا من شيخ شيخه" فتعقبه الحافظ في "اللسان" (١٠٦/ ٤) بأن هذا من جملة كلام ابن عدى، ثم ساق كلامه. وفى الباب أيضًا: ما رواه الطبراني (١٩/ ٤٣٨) وابن جميع في "معجم الشيوخ" (ص ١٠٥) والقضاعي (٦٨٩) عن مسلمة بن مخلد مرفوعًا: "أعروا النساء يلزمن الحجال" وهو ضعيف. قال الهيثمي (٥/ ١٣٨): "رواه الطبرانى في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه مجمع بن كعب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: ترجمه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٩٦) برواية جعفر بن ربيعة وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٤١٠): "مجمع بن كعب عن مسلمة ابن مخلد - فِعْله، قاله عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٣٨). ففي الإِسناد أيضًا انقطاع، فإن مداره على بكر بن سهل الدمياطى عن شعيب بن يحيى عن يحيى بن أيوب عن عمرو بن الحارث عن مجمع به. فإن عَمْرًا يروى عن جعفر بن ربيعة عنه. وبكر بن سهل فيه كلام كثير، وقد استنكر عليه هذا الحديث خاصَّةً. قال الحافظ في "اللسان" (٢/ ٥٢): "وقال مسلمة بن قاسم: تكلم الناس فيه ووضعوه من أجل الحديث الَّذي حَدَّث به عن شعيب بن يحيى (١٦) عن يحيى بن

стр. 27

أيوب عن مجمع بن كعب عن مسلمة بن مخلد رفعه: "أعروا النساء يلزمن الحجال" ووقع وهم عجيب لمحقق "مسند الشهاب" حفظه الله فقال: "وأورده ابن الجوزى في "الموضوعات" (٢/ ٢٨٢)، وقال (٢/ ٢٨٣): قال أبو حاتم: شعيب بن يحيى ليس بمعروف. وقال إبراهيم الحربي: ليس لهذا الحديث أصل". قلت: شعيب صدوق كما قال الحافظ، وبكر بن سهل - وإن تكلم فيه - فلم ينفرد به كما قال الحافظ في ترجمته من "اللسان". والصواب ما أعله ابن الحافظ الهيثمي .. "الخ. قلت: ليس هذا هو الحديث الَّذي يعنيه الحافظ، بل حديثه من طريق حفص ابن ميسرة عن زيد بن أسلم عن أَنس مرفوعًا: "ما من معمر عمر في الإِسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه الجنون والجذام والبرص ... " الحديث، فإن الحافظ قال: "قلت: والحديث الَّذي أورده المصنف (١٧) لم ينفرد به، بل رواه أبو بكر المقرى في "فوائده" عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني عن مخلد بن مالك الحرانى عن الصنعاني - وهو حفص بن ميسرة - به. أملاه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في المجلس التاسع والسبعين من أماليه وقال: إنه حديث حسن وأما حديث مسلمة فأخرجه الطبراني عنه" اهـ. ولم يزد على ذلك بشأن حديث مسلمة. وقد وقع في نفس الوهم محقق "الكشف الإلهى عن شديد الضعف والوضوع والواهى. للعلامة السندروسى (١/ ١٠٢, ١٠٣)، ثم تبين لى أن سلفهما في ذلك هو الحافظ المناوى ﵀، قال ذلك في " فيض القدير" (١/ ٥٦٠) فأخذا كلامه ولم يرجعا إلى الأصل، فقارنه بما تقدم عن "اللسان" وانظر كذلك "القول المسدد" (ص ٢٧، ٢٦) توقن أن الحافظ لم يعنِ حديث مسلمة بن مخلد قَطّ. وبعد، فإن (الصحيح) في حديث الترجمة أنَّه من كلام عمر بن الخطاب

стр. 28

رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٤٢٠) من طريق أبى إسحاق السبيعى عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ... فذكره بلفظه - بالزيادة - سواء. ورواه أيضًا المخلص في "فوائده" عن عمر كما في "الجامع الكبير" (ج ١/ عدد ٨ ص ٩٦٣). والمراد بقوله: "استعينوا على النساء بالعرى": عدم التوسعة عليهن في اللباس والاقتصار على ما يقيهن الحر والبرد على الوجه اللائق كما قال المناوى ﵀ (١/ ٤٩٤) وقال (١/ ٥٥٩) - في حديث "أعروا النساء يلزمن الحجال": "أي جردوهن من ثياب الزينة والخيلاء والتفاخر والتباهي، ومن الحلي كذلك، واقتصروا على ما يقيهن الحر والبرد ... " حتَّى قال: "يعنى إن فعلتم ذلك بهن لا تعجبهن أنفسهن فيطلبن البروز بل يخترن عليه المكث في داخل البيوت، وأما إن وجدن الثياب الفاخرة والحلى الحسن فيعجبهن أنفسهن ويطلبن الخروج متبرجات بزينة ليراهن الرجال في الطرقات والنساء، فيصفوهن لأزواجهن، ويترتب على ذلك من المفاسد ما هو محسوس بل كثيرا ما يجرّ إلى الزنا، وفيه حث على منع النساء من الخروج إلا لعذر وعلى عدم إكثار ثياب الزينة لهن والمبالغة في سترهن (١٨) ... ". قلت: وبذلك فلا منافاة بينه وبين قول النبي ﵌ بمعرض كان حق النساء على أزواجهن - "ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". وقوله - حين سأله معاوية بن حيدة بقوله -: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". وهما مخرجان في "جامع الأصول" - بتحقيق الأرنؤوط - (٦/ ٥٠٤، ٥٠٥).

стр. 29

فعلى الزوج المسلم أن يأخذ بالحزم في غير عنف، واللين في غير ضعف، وأن يجتنب الإِفراط والتفريط، فخير الأمور أوساطها كما قال غير واحد من السلف ﵏. وبالله التوفيق. الحديث السابع: " اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه". ضعيف جدًا. رُوِى من حديث النعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو. ١ - حديث النعمان بن بشير: رواه الخطيب (٣/ ١٩٢) من طريق محمد بن كثير القرشي الكوفي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عنه ومحمد بن كثير هذا واهٍ، قال الذهبي (٤/ ١٧): "قال أحمد: خرقنا حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن المديني: كتبنا عنه عجائب وخططت على حديثه. ومشاه ابن معين". قلت: ثم استبان له أمره فمال إلى تكذيبه فانظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٩١: ١٩٣). ٢ - حديث عبد الله بن عمرو: رواه القضاعى (٣٩٢، ٧٤١) من طريق فهد ابن عوف عن إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن شهر بن حوشب عنه به، وزاد في أوله: "من لم ينفعه علمه، ضره جهله" ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير"، وعنه أبو نعيم في "رياضة المتعلمين" ومن طريقه الديلمى في "مسند الفردوس" كما قال محقق "مسند الشهاب" نقلًا عن "فتح الوهاب" (١/ ١٥١). وهذا إسناد واهٍ جدًا له علتان: الأُولى: أن فهد بن عوف، واسمه زيد - وفهد لقب - متروك. الثانية: أن عبد العزيز بن عبيد الله - وهو الحمصي - واهٍ كما قال الذهبي في "الكاشف" (٢/ ٢٠١). وقد قال أبو زرعة: "مضطرب الحديث، واهى

стр. 30

الحديث" وقال أبو داود "ليس بشيء" وقال النسائي: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه". وقال الدارقطني: "متروك". ومع ذلك قال الحافظ في "التقريب" (٤١١١): "ضعيف" ولا أدرى إن كان فهد بن عوف في سند الطبراني ومن رواه عنه أم لا، وعلى كل، فالإِسناد ساقط بدونه. (والصحيح) أن هذا الكلام من قول الحسن البصري ﵀، كما رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص ٢٨٥) من طريق حمزة الزيات عن منصور السلمي عنه قال: "اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه، رب حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه علمه ضره جهله". وإسناده صحيح، حمزة هو ابن حبيب الزيات القارئ المشهور، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره وتكلم فيه بعضهم بلا مستند ومنصور السلمي هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة ثبت وحافظ كبير. استدراك: وروى أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٧٧) بإسناد حسن عن مكحول قال: "من لم ينفعه علمه ضره جهله. اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه". الحديث الثامن: " أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون". منكر. رواه أحمد (٣/ ٦٨) وأبو يعلى (٢/ ٥٢١) وابن حبان (٨١٤ إحسان) وابن عدى (٣/ ٩٨٠) والحاكم (١/ ٤٩٩) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبى سعيد مرفوعًا به. وقال الحاكم: "صحيح الإِسناد" كذا قال، ودراج هو ابن سمعان أبو السمح المصري القاصّ مختلف فيه اختلافًا كثيرًا (١٩) خلاصته أنَّه مستقيم الحديث إذا روى

стр. 31

عن غير أبي الهيثم - سليمان بن عمرو العتوارى - فإنه كثير المناكير عنه. وهذا منها، ولذلك أورده ابن عدى ثم الذهبي (٢/ ٢٥) في جملة ما استنكر عليه. ولقد عجبت وسررت أيضًا حينما وقفت لهذا الحديث على أصل من كلام بعض السلف. فقد (روى) عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٣٨٢) وعنه ابن عساكر (٩/ ٣٣) عن يحيى بن عثمان الحربي قال: نا أبو المليح عن يزيد بن يزيد - يعنى ابن جابر - قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتَّى مع الصبيان، وكان يقول: "اذكر الله حتَّى يقول الجاهل أنك مجنون". ورجاله كلهم ثقات لكنه منقطع بين يزيد بن يزيد وأبى مسلم. ولكن له متابع رواه ابن عساكر أيضًا من طريق إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن لقمان ابن عامر عن أبى مسلم الخولاني أن رجلًا أتاه فقال له: أوصنى يا أبا مسلم قال: اذكر الله تحت كل شجرة وحجر. قال: زدنى. قال: اذكر الله حتَّى يحسبك الناس من ذكر الله مجنونًا. قال: فكان أبو مسلم يكثر ذكر الله ، فرآه رجل يذكر الله فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون". ورجاله كلهم ثقات إلا أن عقيل بن مدرك وثقه ابن حبان وحده - فيما نعلم - وروى عنه جماعة. وأبو مسلم الخولاني - تابعى جليل اسمه: عبد الله بن ثوب - بضم ففتح - وهو ثقة عابد، من الثانية، رحل إلى النبي ﵌ فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية كما في "التقريب" (٨٣٦٧) ثم وجدت نحوه عن أبي الدرداء رواه ابن عساكر (١٣/ ٧٥٣) بسند ضعيف واهٍ فيه ثلاث علل. الحديث التاسع: " أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم". ضعيف جدًا. رواه ابن ماجة (٣٦٧١) والقضاعي (٦٦٥) والخطيب (٨/ ٢٨٨).

стр. 32

وابن عساكر (٧/ ٣٢٥) من طرق عن سعيد بن عمارة الكلاعي أخبرني الحارث ابن النعمان سمعت أَنس بن مالك يحدث عن رسول الله ﵌ قال: ... فذكره. وهذا إسناد ضعيف جدًا. سعيد بن عمارة الكلاعي ترجمه ابن عساكر فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وقال الأزدى: متروك. وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٥٣): "قلت: روى عنه بقية، وعلي بن عياش، وجماعة. جائز الحديث". وصوَّب العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٦٤٩) قوله في "الكاشف" (١/ ٣٦٨): "مستور" والحارث ابن النعمان قال الذهبي (١/ ٤٤٤): "قال أبو حاتم: ليس بقوى وقال البخاري: منكر الحديث" (٢٠). ثم ساق له هذا الحديث فيما استنكر عليه. وقال الحافظ الشهاب البوصيرى ﵀ في "مصباح الزجاجة" (٣/ ١٦٣): "هذا إسناد ضعيف, الحارث وإن ذكره ابن حبان في "الثقات" فقد لينه أبو حاتم. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال العقيلي: أحاديثه مناكير. قال المزى: ورواه أبو الجماهر محمد بن عبد الرحمن الحمصي عن علي بن عياش (هو شيخ شيخ ابن ماجة) فزاد في إسناده "سعيد بن جبير" بين الحارث وبين أَنس" اهـ. قلت: أبو الجماهر هذا صدوق كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٧/ ٣٢٧) لكن الأرجح عدم الزيادة. والحديث رواه أيضًا الديلمى (٢١) وقال الحافظ: "ابن ماجة وأبو الشيخ عن أَنس". وقال العلامة الألباني في "ضعيف الجامع" (١/ ٣٤٦) و"الضعيفة" (١٦٤٩):

стр. 33

"ضعيف جدًا". وبعد (فالصحيح) أنَّه من كلام ابن سيرين ﵀ يحكيه عمن قبله - كما رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٤١٥) وعنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٨٤) عن ابن علية عن ابن عون عنه قال: "كانوا يقولون، أكرم ولدك، وأحسن أدبه". وإسناده صحيح على شرطهما. ورواه ابن المقرئ في "معجمه" (ص ١٨٢) عن مؤمل حدثنا سعيد بن عامر عن ابن عون قال: قال ابن سيرين: "أكرم ولدك، وأحسن أدبه". ورواية ابن أبى شيبة أصح، فإن إسماعيل بن علية أثبت بكثير من سعيد بن عامر، وهي أيضًا أرفع، فإن الظاهر أنَّه يعنى بقوله: "كانوا يقولون" الجيل السابق له وهم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أدرك منهم ثلاثين صحابيًا كما قال (٢٢) صاحبه هشام بن حسان ﵀. ومؤمل - في سند ابن المقرئ - هو ابن إهاب الربعى العجلي، فإنه هو الَّذي يروى عن سعيد بن عامر كما في "تهذيب الكمال" (ق ١٣٩٥) لا كما توهم المعلق على "معجم ابن المقرئ" فأدرجه في الفهارس على أنَّه: "مؤمل بن إسماعيل". والكمال لله وحده ثم وجدت عبد الوهاب بن عطاء تابع ابن علية بلفظ: "كان يقال" عند ابن عساكر (١٥/ ٤٤٦). الحديث العاشر: " اللهم ارزقنى حبك، وحب من ينفعنى حبه عندك. اللهم ارزقنى مما أحب، فاجعله قوة لى فيما تحب. اللهم ما زويت عنى مما أحب، فاجعله فراغًا لى فيما تحب". ضعيف. رواه الترمذي (٣٥٥٧): "حدثنا سفيان بن وكيع أخبرنا ابن أبي عدى عن حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن محمد بن كعب القرظى عن

стр. 34

عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري عن رسول الله ﵌ أنَّه كان يقول في دعائه: ... " فذكره. وقال: "هذا حديث حسن غريب، وأبو جعفر الخطمى اسمه: عمير بن يزيد ابن خماشة". قلت: كيف يكون حسنًا وشيخه - سفيان بن وكيع - واهٍ متفق على تضعيفه. قيل لأبي زرعة: كان يتهم بالكذب؟ قال: نعم. وقال النسائي ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: لين. وقال ابن عدى (٣/ ١٢٥٤): "ولسفيان بن وكيع حديث كثير، وإنما بلاؤه أنَّه كان يتلقن ما لقن، كان له وراق يلقنه من حديث موقوف يرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل في الإِسناد قوما بدل قوم كما بينت طرفًا منه في هذه الأخبار التي ذكرتها". وقال الحافظ (٢٤٥٦): "كان صدوقًا إلا أنَّه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه". قلت: ولعل هذا من الموقوفات التي لقنه وراقه إياها مرفوعة، (فإن الصحيح) وقفه كما يأتى. وقد تابعه ضعيف آخر على رفعه، فرواه الطبرانى في "الدعاء" (١٤٠٣) من طريق نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا حماد بن سلمة به. ونعيم مختلف فيه بين موثق ومجرح، لكن الراجح جرحه، فإنه مفسر بكثرة الأخطاء والمناكير، ولذلك قال الحافظ (٧١٦٦): "صدوق يخطئ كثيرًا ... " حتَّى قال: "وقد تتبع ابن عدى ما أخطأ فيه، وقال: باقى حديثه مستقيم". قلت: لم يستوعب ابن عدى ﵀ كل ما يمكن أن ينكر عليه بدليل هذا الحديث، وبدليل ما رواه الحاكم (٢/ ٣٦٨) من طريقه عن هشيم بسنده إلى أبي سعيد الخدرى مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين". وصححه، فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: نعيم ذو مناكير".

стр. 35

قلت: وقد خالفه عارم (٢٣) - محمد بن الفضل السدوسي - وسعيد بن منصور وأبو عبيد وغيرهم فأوقفوه عن هشيم، وخالفوه في المتن فقالوا: "أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". ثم وجدت الحافظ البيهقي ﵀ رواه في "الشُعَب" (ج /١ ق ٣ ص ٦١) من طريق سعيد بن منصور به موقوفًا وقال: "هذا هو المحفوظ موقوف. ورواه نعيم بن حماد عن هشيم فرفعه". فالحمد لله على توفيقه. وقد تابع نعيمًا على رفعه عنده: يزيد بن مخلد بن يزيد وهو مستور، والراوى عنه ضعيف. هذا ولا يبعد إطلاقا أن يتوارد راويان ضعيفان على خطأ واحد في حديث بعينه، فإن بلية كُلٍّ من سفيان بن وكيع ونعيم بن حماد في رفع الموقوفات والخطأ في الأسانيد واحدة على اختلاف التفاصيل! (أما) الرواية الموقوفة لحديث الترجمة، فعند ابن أبى شيبة (١٠/ ٣٥٤) عن الحسن ابن موسى الأشيب أخبرنا حماد بن سلمة به موقوفًا. وبوَّب عليه: "ما ذكر عن قوم مختلفين مما دعوا به" وإسناده صحيح. والحسن بن موسى ثقة حافظ، قال الإِمام أحمد: "كان من متثبتى أهل بغداد". وقال: "وكان الأشيب ضابطًا لحديث شعبة وغيره ... ". هذا ولقائل أن يقول: إن حماد بن سلمة قد يهم في غير حديث ثابت وحميد الطويل، فلعله وهم أيضًا في هذا الحديث أو اضطرب. قلنا: حماد ثقة حافظ، لا يجوز توهيمه بغير حجة ولا بَينّةَ، ولو سلمنا جدلًا بوهمه في هذا الحديث فإن الأوهام - عامة - ولدَى حماد بن سلمة خاصَّةً - تكون

стр. 36

برفع الموقوف ووصل المرسل - وهذا ما نريد إثباته. أما دعوى الاضطراب فمرفوضة أيضًا، إذ شرط الحكم على الحديث بالاضطراب أن تكون الأوجه المتعارضة متكافئة، وأين التكافؤ ههنا؟ واجتماع الضعيفين المذكورين لا ينتهض للحُكم لهما لو خالفهما ثقة من جملة الثقات، فكيف بذلك الثَّبت الحافظ؟ والله أعلم. الحديث الحادى عشر: " اللهم إنى أعوذ بك من زوج تشيبنى قبل المشيب، ومن ولد يكون عَلَيَّ ربًا، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابًا، ومن خليلى ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعانى، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها". ضعيف. رُوِى من حديث أبي هريرة وابن عباس، ومن مرسل سعيد المقبرى: ١ - حديث أبي هريرة: رواه الطبرانى في "الدعاء" (١٣٣٩) من طريق الحسن بن حماد الحضرمي ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبرى عنه ﵁ قال: "كان من دعاء رسول الله ﵌: اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن زوج تشيبنى ... " الحديث. وهذا إسناد جيد لكن وصله ورفعه وهم، (والصحيح) أنَّه من قول سعيد المقبرى ﵀ يحكيه عن داود ﵇ -كما رواه ابن أبى شيبة (١٠/ ٢٧٧) وهناد (٢٠٣٨، ١٤٠١) وبحشل في "تاريخ واسط" (ص ١٣٠) عن أبى سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثلاثتهم عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سعيد قال: كان من دعاء داود النبي ﵌ ... فذكره. وابن أبي شيبة وهناد والأشج ثقات حفاظ كلهم، أما الحسن بن حماد الحضرمي - ولقبه: سجادة - فثقة كما قال ابن حبان والخطيب والذهبي في "الكاشف" (١/ ٢٢٠) بل قال الحافظ في "التقريب" (١٢٣٠): "صدوق".

стр. 37

ولا أعلم أحدًا وصفه بالحفظ ومنشأ الوهم عندى أن أبا خالد الأحمر - واسمه: سليمان بن حيان - كان قد حَدَّث أيضًا عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي ﵌ بحديث: "اللهم إني أعوذ (٢٤) بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول". كما عند ابن أبى شيبة (٨/ ٣٥٩) وعنه الطبراني (١٣٤٠) والبخارى في "الأدب" (١١٧) وابن حبان (٢٠٥٦) والحاكم (١/ ٥٣٢)، كما حدَّث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى قال: كان من دعاء داود ... الخ. فاختلط الأمر على الحسن بن حماد فأدرج المتنين بالسند الموصول وحده ولم يفصل هذا من ذاك. هذا إن لم يكن الوهم من الحافظ الطبرانى نفسه ﵀ فإن له أوهامًا نادرة، فانظر ترجمته من "لسان الميزان" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤). وفى الباب حديث آخر عن أبي هريرة، واهى الإِسناد رواه البيهقي في "شعب الإِيمان" (٢/ ٣/ ٧٧) من طريق الأشعث بن بُراز الهجيمى قال: ثنا علي بن زيد عن عمارة بن قيس مولى ابن الزبير عنه مرفوعًا: "تعوذوا بالله من ثلاث فواقر، تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرًا كتمه، وإن رأى شرًّا أَذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء ... "الحديث. وإسناده ضعيف جدًا. كما قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ٣٦) فإن أشعث بن براز الهجيمى واهٍ، وقد رواه الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٦٢) بإسناده إليه، وعده من مناكيره.

стр. 38

وعلي بن زيد هو ابن جدعان البصري وهو ضعيف لسوء حفظه. وعمارة بن قيس فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٦/ ٣٦٨) من رواية علي بن زيد وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ووثقه ابن حبان (٥/ ٢٤٢) على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل. ٢ - حديث ابن عباس: رواه بحشل (ص ١٣٠) من طريق الحسين بن قيس عن عكرمة عنه مرفوعًا: "كان من دعاء أخي داود ... " فذكره مختصرًا وإسناده ضعيف جدًّا. حسين بن قيس - ولقبه حنش - متروك الحديث وشيخ بحشل: الحسن بن زياد بن زبالة المدني لم أقف عليه، فإن كان صوابه "محمد بن الحسن بن زبالة المدني" فقد كذبوه كما قال الحافظ (٢٨١٥). وفى السند تحريف لا محالة فإنه هكذا: ثنا الحسن بن زياد بن زبالة المدني، قال: ثنا محمد بن يزيد عن هشيم الحذاء عن حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ ... " الحديث. ولعل الصواب: "عن هشيم عن خالد الحذاء" أو "ثنا خالد الحذاء" فالله أعلم. فإن كان هشيم عنعنه فهي علة أخرى فإنه كثير التدليس. ثم ترجح عندى أن شيخه هو "عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة" فقد روى عنه (ص ٤٧، ٧٤، ١٠٠) وله ترجمة في "المجروحين" (٢/ ١٣٨). ٣ - مرسل سعيد المقبرى: رواه ابن النجار في "تاريخه" كما في "الجامع الصغير" (١٥٣٥) - مقتصرًا على الفقرة الثالثة وحدها - فلا أدرى أهكذا الرواية أم اختصره السيوطي؟ وهو ضعيف - على الأقل - للإِرسال وقد تكون فيه علة أو علل أشد من ذلك كما يشهد الواقع العملي للأسانيد التي ينفرد بها أمثال ابن النجار وابن عساكر والديلمى. على أن رفع الحديث خطأ كما بيَّنا موصولًا كان أم مرسلًا. والله أعلم.

стр. 39

(وقد) عزاه آخرون - سوى سعيد المقبرى - إلى داود ﵇ أيضًا. ١ - ففي "مصنف ابن أبي شيبة" (١٠/ ٤٥٠) من طريق يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلى قال: "كان داود النبي ﵌ يقول: اللهم إنى أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى خيرًا دفنه، وإن رأى شرًا أشاعه". عطاء بن السائب ثقة كان قد اختلط، لكن تخليطه في مثل هذا المقطوع بعيد. وشيخه أبو عبد الله الجدلى اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة رمى بالتشيع كما في "التقريب" (٨٢٠٧). والرواية مختصرة. ٢ - وفى كتاب "العزلة" للإِمام الخطابي ﵀ (ص ١٢٤) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن داود النبي ﵌ كان يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابا، ومن ولد يكون عَلَيَّ وبالًا، ومن زوجة تشيبني قبل المشيب، ومن خليل ماكر، عينه ترعانى، وقلبه يشنؤني، إن رأى خيرًا أخفاه، وإن رأى شرًّا أفشاه". وإسناده إلى سعيد حسن، وسعيد بن أبي هلال ثقة من أتباع التابعين. والله أعلم. الحديث الثانى عشر: " اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله". (في ابتداء الطعام). ضعيف جدًا. رواه ابن السنى في "عمل اليوم والليلة" (٤٥٩) وابن عدى (٦/ ٢٢١٢) - واللفظ له - من طريق محمد بن أبي الزعيزعة حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله علط وآله وسلم أنَّه كان يقول في الطعام إذا قرب إليه [قال] (٢٥): "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله. وإذا فرغ [قال]: الحمد لله الَّذي مَنَّ علينا فهدانا، والحمد لله الَّذي أطعمنا

стр. 40

وسقانا فأروانا، وكل الإِحسان آتانا" (٢٦). قال عمرو: فكتبه لنا جدى فكنا نتعلمه كما نتعلم السورة من القرآن. وإسناده ضعيف جدًا، ابن أبي الزعيزعة هذا قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٨٨): "منكر الحديث جدًّا". وقال ابن عدى: "منكر الحديث جدًّا لا يكتب حديثه. سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري". وترجمه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٨٨, ٢٨٩) مرتين، قال في ثانيهما: "دجال من الدجاجلة، كان يروى الموضوعات". وأورد له الذهبي (٣/ ٥٤٨، ٥٤٩) هذا الحديث من جملة مناكيره. وراجع "البدائل المستحسنة" (١/ ٥١، ٥٢). (والصحيح) في هذا الدعاء أنَّه من قول عروة بن الزبير ﵀ ورضى عن أبيه - بعد الطعام - لا قبله - كما رواه الإِمام مالك ﵀ في "الموطأ" (٢/ ٩٣٤, ٩٣٥/ ٣٤) وابن أبي شيبة (٨/ ١٢٣، ١٠/ ٣٤٤, ٣٤٥) عن هشام بن عروة عنه أنَّه كان لا يؤتى أبدًا بطعام ولا شراب حتَّى الدواء، فيطعمه أو يشربه إلا قال: الحمد لله الَّذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر. اللهم ألفتنا نعمتك بكل شر، فأصبحنا منها وأمسينا بكل خير نسألك تمامها وشكرها. لا خير إلا خيرك. ولا إله غيرك إله الصالحين. ورب العالمين. الحمد لله ولا إله إلا الله. ما شاء الله ولا قوة إلا بالله. اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار". وإسناده صحيح غاية. وله طريق أخرى عند أبي الدنيا في "الشكر" (١٦٦) عن حسين الجعفي عن أبي موسى - إسرائيل بن موسى البصري - عنه ورجاله ثقات، فإن صح سماع أبي موسى من عروة فالإِسناد صحيح فإنه محتمل لكن لم أرَ أحدًا ذكر عروة في شيوخه.
следующие страницы →