برفع الموقوف ووصل المرسل - وهذا ما نريد إثباته. أما دعوى الاضطراب فمرفوضة أيضًا، إذ شرط الحكم على الحديث بالاضطراب أن تكون الأوجه المتعارضة متكافئة، وأين التكافؤ ههنا؟ واجتماع الضعيفين المذكورين لا ينتهض للحُكم لهما لو خالفهما ثقة من جملة الثقات، فكيف بذلك الثَّبت الحافظ؟ والله أعلم.
الحديث الحادى عشر:
" اللهم إنى أعوذ بك من زوج تشيبنى قبل المشيب، ومن ولد يكون عَلَيَّ ربًا، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابًا، ومن خليلى ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعانى، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها".
ضعيف. رُوِى من حديث أبي هريرة وابن عباس، ومن مرسل سعيد المقبرى:
١ - حديث أبي هريرة:
رواه الطبرانى في "الدعاء" (١٣٣٩) من طريق الحسن بن حماد الحضرمي ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبرى عنه ﵁ قال: "كان من دعاء رسول الله ﵌: اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن زوج تشيبنى ... " الحديث.
وهذا إسناد جيد لكن وصله ورفعه وهم، (والصحيح) أنَّه من قول سعيد المقبرى ﵀ يحكيه عن داود ﵇ -كما رواه ابن أبى شيبة (١٠/ ٢٧٧) وهناد (٢٠٣٨، ١٤٠١) وبحشل في "تاريخ واسط" (ص ١٣٠) عن أبى سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثلاثتهم عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سعيد قال: كان من دعاء داود النبي ﵌ ... فذكره.
وابن أبي شيبة وهناد والأشج ثقات حفاظ كلهم، أما الحسن بن حماد الحضرمي - ولقبه: سجادة - فثقة كما قال ابن حبان والخطيب والذهبي في "الكاشف" (١/ ٢٢٠) بل قال الحافظ في "التقريب" (١٢٣٠): "صدوق".
стр. 37
ولا أعلم أحدًا وصفه بالحفظ ومنشأ الوهم عندى أن أبا خالد الأحمر - واسمه: سليمان بن حيان - كان قد حَدَّث أيضًا عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي ﵌ بحديث: "اللهم إني أعوذ (٢٤) بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول".
كما عند ابن أبى شيبة (٨/ ٣٥٩) وعنه الطبراني (١٣٤٠) والبخارى في "الأدب" (١١٧) وابن حبان (٢٠٥٦) والحاكم (١/ ٥٣٢)، كما حدَّث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى قال: كان من دعاء داود ... الخ. فاختلط الأمر على الحسن بن حماد فأدرج المتنين بالسند الموصول وحده ولم يفصل هذا من ذاك. هذا إن لم يكن الوهم من الحافظ الطبرانى نفسه ﵀ فإن له أوهامًا نادرة، فانظر ترجمته من "لسان الميزان" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤).
وفى الباب حديث آخر عن أبي هريرة، واهى الإِسناد رواه البيهقي في "شعب الإِيمان" (٢/ ٣/ ٧٧) من طريق الأشعث بن بُراز الهجيمى قال: ثنا علي بن زيد عن عمارة بن قيس مولى ابن الزبير عنه مرفوعًا: "تعوذوا بالله من ثلاث فواقر، تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرًا كتمه، وإن رأى شرًّا أَذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء ... "الحديث. وإسناده ضعيف جدًا.
كما قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ٣٦) فإن أشعث بن براز الهجيمى واهٍ، وقد رواه الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٦٢) بإسناده إليه، وعده من مناكيره.
стр. 38
وعلي بن زيد هو ابن جدعان البصري وهو ضعيف لسوء حفظه. وعمارة بن قيس فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٦/ ٣٦٨) من رواية علي بن زيد وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ووثقه ابن حبان (٥/ ٢٤٢) على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل.
٢ - حديث ابن عباس:
رواه بحشل (ص ١٣٠) من طريق الحسين بن قيس عن عكرمة عنه مرفوعًا: "كان من دعاء أخي داود ... " فذكره مختصرًا وإسناده ضعيف جدًّا.
حسين بن قيس - ولقبه حنش - متروك الحديث وشيخ بحشل: الحسن بن زياد بن زبالة المدني لم أقف عليه، فإن كان صوابه "محمد بن الحسن بن زبالة المدني" فقد كذبوه كما قال الحافظ (٢٨١٥).
وفى السند تحريف لا محالة فإنه هكذا: ثنا الحسن بن زياد بن زبالة المدني، قال: ثنا محمد بن يزيد عن هشيم الحذاء عن حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ ... " الحديث. ولعل الصواب: "عن هشيم عن خالد الحذاء" أو "ثنا خالد الحذاء" فالله أعلم.
فإن كان هشيم عنعنه فهي علة أخرى فإنه كثير التدليس. ثم ترجح عندى أن شيخه هو "عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة" فقد روى عنه (ص ٤٧، ٧٤، ١٠٠) وله ترجمة في "المجروحين" (٢/ ١٣٨).
٣ - مرسل سعيد المقبرى: رواه ابن النجار في "تاريخه" كما في "الجامع الصغير" (١٥٣٥) - مقتصرًا على الفقرة الثالثة وحدها - فلا أدرى أهكذا الرواية أم اختصره السيوطي؟ وهو ضعيف - على الأقل - للإِرسال وقد تكون فيه علة أو علل أشد من ذلك كما يشهد الواقع العملي للأسانيد التي ينفرد بها أمثال ابن النجار وابن عساكر والديلمى. على أن رفع الحديث خطأ كما بيَّنا موصولًا كان أم مرسلًا. والله أعلم.
стр. 39
(وقد) عزاه آخرون - سوى سعيد المقبرى - إلى داود ﵇ أيضًا.
١ - ففي "مصنف ابن أبي شيبة" (١٠/ ٤٥٠) من طريق يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلى قال: "كان داود النبي ﵌ يقول: اللهم إنى أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى خيرًا دفنه، وإن رأى شرًا أشاعه". عطاء بن السائب ثقة كان قد اختلط، لكن تخليطه في مثل هذا المقطوع بعيد. وشيخه أبو عبد الله الجدلى اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة رمى بالتشيع كما في "التقريب" (٨٢٠٧). والرواية مختصرة.
٢ - وفى كتاب "العزلة" للإِمام الخطابي ﵀ (ص ١٢٤) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن داود النبي ﵌ كان يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابا، ومن ولد يكون عَلَيَّ وبالًا، ومن زوجة تشيبني قبل المشيب، ومن خليل ماكر، عينه ترعانى، وقلبه يشنؤني، إن رأى خيرًا أخفاه، وإن رأى شرًّا أفشاه". وإسناده إلى سعيد حسن، وسعيد بن أبي هلال ثقة من أتباع التابعين. والله أعلم.
الحديث الثانى عشر:
" اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله". (في ابتداء الطعام).
ضعيف جدًا. رواه ابن السنى في "عمل اليوم والليلة" (٤٥٩) وابن عدى (٦/ ٢٢١٢) - واللفظ له - من طريق محمد بن أبي الزعيزعة حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله علط وآله وسلم أنَّه كان يقول في الطعام إذا قرب إليه [قال] (٢٥): "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله. وإذا فرغ [قال]: الحمد لله الَّذي مَنَّ علينا فهدانا، والحمد لله الَّذي أطعمنا
стр. 40
وسقانا فأروانا، وكل الإِحسان آتانا" (٢٦).
قال عمرو: فكتبه لنا جدى فكنا نتعلمه كما نتعلم السورة من القرآن. وإسناده ضعيف جدًا، ابن أبي الزعيزعة هذا قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٨٨): "منكر الحديث جدًّا". وقال ابن عدى: "منكر الحديث جدًّا لا يكتب حديثه. سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري".
وترجمه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٨٨, ٢٨٩) مرتين، قال في ثانيهما: "دجال من الدجاجلة، كان يروى الموضوعات". وأورد له الذهبي (٣/ ٥٤٨، ٥٤٩) هذا الحديث من جملة مناكيره. وراجع "البدائل المستحسنة" (١/ ٥١، ٥٢).
(والصحيح) في هذا الدعاء أنَّه من قول عروة بن الزبير ﵀ ورضى عن أبيه - بعد الطعام - لا قبله - كما رواه الإِمام مالك ﵀ في "الموطأ" (٢/ ٩٣٤, ٩٣٥/ ٣٤) وابن أبي شيبة (٨/ ١٢٣، ١٠/ ٣٤٤, ٣٤٥) عن هشام بن عروة عنه أنَّه كان لا يؤتى أبدًا بطعام ولا شراب حتَّى الدواء، فيطعمه أو يشربه إلا قال: الحمد لله الَّذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر. اللهم ألفتنا نعمتك بكل شر، فأصبحنا منها وأمسينا بكل خير نسألك تمامها وشكرها. لا خير إلا خيرك. ولا إله غيرك إله الصالحين. ورب العالمين. الحمد لله ولا إله إلا الله. ما شاء الله ولا قوة إلا بالله. اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار".
وإسناده صحيح غاية. وله طريق أخرى عند أبي الدنيا في "الشكر" (١٦٦) عن حسين الجعفي عن أبي موسى - إسرائيل بن موسى البصري - عنه ورجاله ثقات، فإن صح سماع أبي موسى من عروة فالإِسناد صحيح فإنه محتمل لكن لم أرَ أحدًا ذكر عروة في شيوخه.
стр. 41
وفى الباب أثر ضعيف أيضًا، وهو ما رواه ابن أبى شيبة (٨/ ١٢٢، ١٠/ ٣٤٣) - واللفظ له - وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ١٥٣) وعنه أبو نعيم (١/ ٧٠) من طريق الجريرى عن أبي الورد عن ابن أعبد أو: ابن معبد قال: قال على: تدرى ما حق الطعام؟ قلت: وما حقه؟ قال: تقول: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ثم قال: تدرى ما شكره، قلت: وما شكره؟ قال: تقول: الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا".
قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٢): "وابن أعبد قال ابن المدينى: ليس بمعروف، وبقية رجاله ثقات".
قلت: لفظ ابن المديني: "ابن أعبد ليس بمعروف، ولا أعرف له غير حديثه (٢٧) عن علي أنَّه قال لفاطمة: ائتى أباك فسليه خادما" كما في "الجرح والتعديل" (٩/ ٣١٦).
وفى هذا الإِسناد علة أخرى، وهي جهالة حال أبى الورد بن ثمامة، فإنى لا أعلم أحدًا وثقه ولا ابن حبان! أما قول ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٧/ ٢٢٦): " ... وكان معروفًا قليل الحديث" (١) فليس صريحًا في التوثيق، ولذلك قال الذهبي في "الكاشف" (٣/ ٣٨٧): "شيخ".
وقال الحافظ (٨٤٣٤): "مقبول". والمراد أن الثابت عن النبي ﵌ وصحبه رضوان الله عليهم الاقتصار على: "بسم الله" وحدها في ابتداء الطعام لأدلة ذكرتها في الكتاب المتقدم ذكره، وأزيد عليها ما رواه الإِمام أحمد (٤/ ٦٢, ٣٣٧) والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (١٥٦٢٠) وأبو الشيخ في "الأخلاق" (ص ٢٣٨) عن عبد الرحمن بن جبير أنَّه حَدَّثه رجل خدم النبي ﵌ ثمان سنين أنَّه سمع النبي ﵌ إذا قرب إليه طعامه يقول: "بسم الله"، وإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم
стр. 42
أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت (٢٨)، فلك الحمد على ما أعطيت". وإسناده حسن. والله أعلم.
الحديث الثالث عشر:
" امش ميلا عد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال زر أخًا في الله".
ضعيف. رواه ابن أبى الدنيا في "كتاب الإِخوان" عن مكحول مرسلًا كما في "الجامع الصغير" (١٦٤٧). قال المناوى (٢/ ١٩٥): "ظاهر كلام المصنف أنَّه لم يقف عليه مسندًا وهو عجب، فقد خرجه البيهقي عن أبي أمامة لكن فيه على ابن يزيد الألهاني، قال البخاري: منكر الحديث. وعمرو بن واقد (*): متروك.
قلت: لا عجب في ذلك لأمرين:
الأول: أن المرسل الصحيح إلى مرسله أرجح وأقوى عند العلماء من الموصول الضعيف، فكيف بالواهى؟ ولذلك احتج بالمرسل - على انفراده - كثير من الأئمة في الأحكام الشرعية أيضًا. وهذا المذهب - وإن كان غير راجح - لكنه لحرى أن يدل على ما تقدم من أرجحية الحديث المرسل على الموصول الضعيف.
الثاني: أن السند الموصول - الَّذي أحسن السيوطى صنعًا فأعرض عنه - تالف لا قيمة له بإقرار المناوى حيث أعله بهذين الهالكين. وعلي بن يزيد وهاه جماعة غير البخاري، وانظر "البدائل" (١٩) و"القسطاس" (ص ٢٤، ٢٥).
стр. 43
وعمرو بن واقد هالك كما قال الذهبي (٣/ ٢٩٢). وبقى احتمال عدم صحة هذا المرسل إلى مكحول، فالله أعلم.
وإن صح عنه فلعله تلقاه من رجل ضعيف رفعه له، (فقد صح) من قول حسان بن عطية، وهو شامى تابعى ثقة. قال ابن حبان في "مشاهير علماء الأمصار" (١٤٢٣): "من أفاضل أهل زمانه ثقة وإتقانا وفضلا وخيرًا، وكان يُغرب". والأثر عنه رواه هناد (٣٧٧) عن عيسى بن يونس عن الإِمام الأوزاعي ﵀ عنه بلفظ: "امش ميلا، وعد مريضا، وامش ميلين، وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثة، وزر في الله". وإسناده صحيح غاية.
وروى أبو نعيم (٥/ ١٩٨) من طريق ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: "تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم، وكان يقال: امش ميلا وعد مريضا، وامش ميلين وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثًا وزر أخا في الله". وعثمان بن عطاء الخراسانى ضعيف جدًا. والصواب ما قدمنا. والله أعلم.
الحديث الرابع عشر:
" إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسى التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس".
ضعيف. رُوِى من حديث أنس، - وبلفظ آخر - من حديث معاذ بن جبل.
١ - حديث أَنس - رواه أبو يعلى (٧/ ٢٧٨، ٢٧٩) - واللفظ له - والحكيم الترمذي في "الصلاة ومقاصدها" (ص ١٩) وابن عدى (٣/ ١٠٤٤) وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (١٥٤) وأبو نعيم (٦/ ٢٦٨) والبيهقى في "الشعب" (٢/ ٤٣٥، ٤٣٦) من طريق عدى بن أبى عمارة عن زياد النميري عن أَنس مرفوعًا به.
стр. 44
ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" كما فى "الدر المنثور" (٦/ ٤٢٠). ورواه ابن شاهين في "الترغيب في الذكر" بلفظ: "إن للوسواس خطمًا كخطم الطائر، فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس، فإن ابن آدم ذكر الله نكص وخنس، فلذلك سمى الوسواس الخناس" كما في "منتخب كنز العمال" (١/ ١٢٣ على هامش المسند) وقال: "وهو ضعيف".
قلت: وعدى بن أبي عمارة هو الذارع، وهو ضعيف. وبه وحده أعله الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٤٩). وزياد النميرى ضعيف أيضًا، قال الحافظ (٢٠٨٧): "ضعيف, من الخامسة". وانظر المزيد عنه في "أخذ الجُنَّة" (ص ٢٦: ٢٣).
وضعَّف الحديث أيضًا المنذرى في "الترغيب" (٢/ ٦٦٧) والحافظ في "الفتح" (٨/ ٧٤٢ سلفية) واستغربه ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥٧٥).
٢ - حديث معاذ: رواه الديلمي بلفظ: "إن إبليس له خرطوم كخرطوم الكلب واضعه على قلب ابن آدم يذكره الشهوات واللذات ويأتيه بالأماني ويأتيه بالوسوسة على قلبه ليشككه في ربه، فإذا قال العبد: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله أن يحضرون، إن الله هو السميع العليم، خنس الخرطوم عن القلب". كما في "المنتخب" أيضًا. ولم أجده في "الفردوس".
(والصحيح) في حديث الترجمة وقفه على ابن عباس رضى الله عنهما - وغيره صت السلف - فإنه - وإن علقه البخاري في "صحيحه" (٦/ ٢٢٣) بصيغة التمريض فقال: "ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد خنسه الشيطان، فإذا ذكر الله ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه".
قال الحافظ: "قوله: وقال ابن عباس: الوسواس .. الخ، كذا لأبى ذر، ولغيره: "ويُذكر عن ابن عباس وكأنه أولى لأنَّ إسناده إلى ابن عباس ضعيف, أخرجه الطبرى والحاكم وفى إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف ولفظه: "ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس".
стр. 45
ورويناه في "الذكر" لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفى إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، ولفظه: "يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس".
وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن عباس ولفظه: "يولد الإِنسان والشيطان جاثم على قلبه ... "الخ.
قلت: طريق حكيم بن جبير عند الطبرى (٣٠/ ٣٥٥) والحاكم (٢/ ٥٤١) عنه عن سعيد بن جبير به. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وقال الذهبي (خ م). وهذا وهم منهما - رحمهما الله - فإن حكيمًا على ضعفه من رجال السنن الأربعة وحدها. وقال الحافظ (١٤٦٨): "ضعيف، رمى بالتشيع".
وأما محمد بن حميد الرازي - وهو شيخ الطبرى في الطريق الثانية - وإن كان متهمًا شديد الضعف - فقد وجدت له متابعة جليلة جدًا، (إذ رواه) الحافظ الكبير أبو بكر بن أبى شيبة في "مصنفه" (١٣/ ٣٦٩) عن جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "الوسواس الخناس" قال: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس". وإسناده صحيح على شرطهما.
وفى هذا مزيتان:
الأُولى: صحة إسناده إلى ابن عباس. وقد فات الحافظ فجزم بضعفه.
الثانية: شدة مشابهته لحديث أنس المرفوع - بخلاف رواية البخاري المعلقة ورواية الطبرى والحاكم الضعيفة. وبه يعلم ما في قول العلامة الألباني حفظه الله في "السلسلة الضعيفة" (١٣٦٧) - بشأن رواية البخاري المعلقة - "فهذا غير حديث الترجمة كما هو ظاهر". وكذلك وصفه للأثر بالوقف وهو لا مجال للرأى فيه. وأستبعد أيضًا أن يكون ابن عباس قد استفاد هذا من الإِسرائيليات في مثل
стр. 46
هذا الموطن. ولذلك لم يرده الحافظ ﵀ لكونه موقوفًا، بل لكونه عنده ضعيفًا فتأمل. على أننا أيضًا لا نقول بتعضيده للرواية الضعيفة، بل نجعل هذا الأثر أصلًا لها، رفعه هؤلاء الضعفاء المتقدم ذكرهم. وقد روى الطبرى نحوه عن مجاهد وقتادة وغيرهما كما أومأنا في أول الكلام عن الأثر. والله أعلم.
الحديث الخامس عشر:
" إن لكل شيء شرفًا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة". ضعيف. رُوِى من حديث ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة.
١ - حديث ابن عباس:
رواه الطبرانى في "الكبير" (١٠/ ٣٨٩) والقضاعى (١٠٢٠، ١٠٢١) والخطيب في "جامعه" (٢/ ٦١) وأبو سعد السمعاني في "أدب الإِملاء والاستملاء" (ص ٤٤) من طريق هشام بن زياد أبى المقدام عن محمد بن كعب القرظي عنه، وزاد الطبراني: "ومن نظر في كتاب أخيه من غير أمره، فكأنما ينظر في النار". وزاد القضاعى في الرواية الثانية: "وإنما تجالسون بالأمانة".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٥٩): "وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك".
ورواه الحاكم (٤/ ٢٦٩، ٢٧٠) من طريق مصادف بن زياد المديني، ثم من طريق أبي المقدام كلاهما عن محمد بن كعب به مطولًا.
وقال: "هذا حديث قد اتفق هشام بن رياد النصرى ومصادف بن زياد المدينى على روايته عن محمد بن كعب القرظى، والله أعلم. ولم أستجز إخلاء هذا الموضع منه، فقد جمع آدابا كثيرة".
فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه
стр. 47
الدارقطني، فبطل الحديث".
قلت: ابن معاوية - وهو النيسابورى - هو الَّذي رواه عن مصادف بن زياد وأثنى عليه خيرًا! ومصادف قال أبو حاتم الرازي: "هو مجهول" كما في "الجرح" (٨/ ٤٤١).
ورواه الخطيب (٢/ ٦٢) من طريق صالح بن حسان عن القرظي به نحوه، لكن صالح قال الحافظ (٢٨٤٩): "متروك".
٢ - حديث ابن عمر:
رواه أبو يعلى والطبرانى في "الأوسط" كما في "المجمع" و"المقاصد" (ص ٧٦, ٧٧) وابن عدي (٢/ ٧٨٥) والسمعاني (ص ٤٥) من طريق حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عنه بلفظ: "أكرم المجالس ما استقبل به القبلة" وقال الهيثمي والسخاوى: "وفيه حمزة بن أبي حمزة، وهو متروك". وقال الحافظ (١٥١٩): "متروك، متهم بالوضع".
٣ - حديث أبي هريرة:
رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ١٨٢, ١٨٣) فقال: "حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة".
وقال الهيثمي والسخاوى، وكذلك المنذرى في "الترغيب" (٤/ ٩٨): "إسناده حسن" (٢٩). كذا قالوا، وكنت قد تابعتهم على هذا الأمر واعتمدت هذا التحسين في تخريج أحاديث "آداب حملة القرآن" للحافظ الآجرى ﵀ من باب إحسان
стр. 48
الظن، وتعذر النظر في سند "الأوسط" وقتئذ. فلما صدر المجلد الثالث من الكتاب، علمت ما في هذا التحسين من التساهل، وصح ما كان في قلبي من ريبة نحوه، إذ أن فوات حديث حسن الإِسناد في حكم كهذا على الأئمة الستة في مصنفاتهم، بل خلو "مسند أحمد" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" و "الأحاديث المختارة" - للضياء - ونحوها من الكتب المشهورة، مع أن عامة أحاديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبي هريرة - في اعتقادى - مسطورة في هذه الكتب، فكل هذا ليس بالأمر اليسير على من رزقه الله بصيرة بأسانيد أحاديث النبي ﵌، ومظانّ الصحة والضغف منها. نعم، رجال هذا الحديث كلهم صدوقون على شرط الحسن سوى شيخ الطبراني واسمه: إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، فإنه آفته. قال الذهبي (١/ ٦٣): "شيخ للطبراني غير معتمد. قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر - مرفوعًا: "يخرج المهدى وعلى رأسه ملك ينادى: هذا المهدى فاتبعوه" فالمعروف بهذا الحديث هو عبد الوهاب بن الضحاك (٣٠) لا: ابن نجدة "اهـ.
وأقره الحافظ في "اللسان" (١/ ١٠٥).
قلت: والمعروف - أيضًا - بهذا الكلام - في فضل استقبال القبلة - بعض تابعي أهل الشام وتابعيهم، لا رواية الشاميين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا!
(وذلك) ثابت عن ثلاثة منهم:
١ - فروى ابن أبى شيبة (٨/ ٤٨٦، ٤٨٧) وعنه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٢١٥) عن عبد الأعلى عن برد بن سنان عن سليمان بن موسى
стр. 49
الأشدق قال: "إن لكل شيء شرفًا، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة". قال: يعنى برد بن سنان كما في "الحلية" (٦/ ٨٧) "ما رأيت سليمان يجلس إلا مستقبل القبلة". (فى الأصل: سفيان، والتصويب من "الحلية").
وروى ابن أبي شيبة أيضًا (٨/ ٤٨٧) عن وكيع عن ثور بن يزيد عنه قال: "لكل شيء سيد، وسيد المجالس مستقبل القبلة". وإسناداهما صحيحان.
٢ - وروى أيضًا عن وكيع عن محمد بن عبد الله الشعيثى عن مكحول قال: "أفضل المجالس مستقبل القبلة". وإسناده صحيح.
٣ - وروى السمعاني والخطيب في "جامعه" من طريق هشام بن عمار: نا صدقة: نا ابن جابر قال: أقبل مغيث بن سمى إلى مكحول فأوسع إلى جنبه، فأبى وجلس مقابل القبلة، وقال: "هذا أشرف المجالس".
قلت: نعم، ولكن ما فعله مغيث ﵀ مخالف لهدى النبي ﵌ في قوله: "إذا دخل أحدكم إلى القوم فأوسع له فليجلس، فإنما هي كرامة من الله أكرمه بها أخوه المسلم، فإن لم يوسع له فلينظر أوسعها مكانًا فليجلس فيه".
رواه الحارث بن أبى أسامة في "مسنده" عن أبي شيبة الخدرى ﵁، وقال الذهبي: "حديث جيد" كما في "الفيض" (١/ ٣٣٨) وانظر ألفاظه وشواهده في "الصحيحة" (١٣٢١). والله أعلم.
الحديث السادس عشر:
" إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".
ضعيف. ورد من حديث أَنس، ومن مرسل الحسن البصري.
стр. 50
١ - حديث أَنس:
رواه أحمد (٣/ ١٥٧) والرامهرمزى في "الأمثال" (٥١) من طريق رشدين بن سعد المصري عن عبد الله بن الوليد التجيبي (٣١) عن أبي حفص عنه به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، قال الهيثمي (١/ ١٢١): "رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، اختلف في الاحتجاج به، وأبو حفص صاحب أَنس مجهول.
قلت: رشدين ضعيف كادوا يطبقون على ضعفه. وقدم أحمد وأبو حاتم عليه ابن لهيعة، بل قال النسائي: متروك. فهو ممن تتردد أنظار العلماء في تضعيفه وتركه. وما أعلم وثقه سوى الهيثم بن خارجة الخراسانى ﵀ وعبد الله بن الوليد التجيبي، قال الحافظ (٣٦٩١): "لين الحديث".
٢ - مرسل الحسن:
رواه البيهقى في "المدخل" (٣٩٢) من طريق سهل بن أبى الصلت السراج عنه مرفوعًا بلفظ: "إنما مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا رآها الناس اقتدوا بها، وإذا عميت عليهم تحيروا".
وإسناده ضعيف للإِرسال، ومراسيل الحسن سبق التعرض لحالها في الحديث الرابع.
وسهل بن أبي الصلت فيه مقال، قال الحافظ (٢٦٦٣): "صدوق له أفراد، كان القطان لا يرضاه" (والأصحّ) أن هذا الكلام من قول أبى مسلم الخولانى وأبى قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمى البصري موقوفًا عليهما (مقطوعا).
١ - أثر أبي مسلم: رواه أبو نعيم (٥/ ١٢٠) والبيهقي (٣٩٤) من طريقين عن الحسن قال: كان أبو مسلم الخولاني يقول: "مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، إذا بدت لهم اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا".
стр. 51
٢ - أثر أبى قلابة: رواه ابن أبى شيبة (١٣/ ٤٩٦) وأبو نعيم (٢/ ٢٨٣) والبيهقى (٣٩٥) من طريقين عن أيوب عن أبى قلابة (٣٢) قال: "مثل العلماء مثل النجوم التى يهتدى بها، والأعلام التى يقتدى بها، إذا تغيبت عنهم تحيروا، وإذا تركوها ضلوا" وإسناده صحيح.
وقال محقق "المدخل": " ورواه أحمد فى "الزهد" عن أبى الدرداء موقوفًا بلفظ: "مثل العلماء فى الأرض، مثل النجوم فى السماء، إذا ظهرت ساروا بها، وإذا توارت عنهم تاهوا". ولم أجده فى "زهد أبى الدرداء" من كتاب "الزهد" (ص ١٤٣: ١٣٤). فالله أعلم.
الحديت السابع عشر:
" تحريك الإصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان".
ضعيف جدًا، منكر. رواه ابن عدى (٦/ ٢٢٤٧) والبيهقى فى "سننه" (٢/ ١٣٢) والخطيب فى "تخليص المتشابه" (ص ٢٨١) من طريق محمد بن عمر الواقدى ثنا كثير بن زيد عن نافع عن أبن عمر به مرفوعًا.
وفى إسناده الواقدى أورده ابن عدى فى جملة مناكيره وقال: "وهذه الأحاديث التى أمليتها للواقدى، والتى لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروى عنه الواقدى من الثقات، فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدى، والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدى غير محفوظة، وهو بَيِّن الضعف".
وأما البيهقي فألان فيه القول لما قال: " تفرد به محمد بن عمر الواقدى، وليس بالقوى. وروينا عن مجاهد أنه قال: "تحريك الرجل إصبعه فى الجلوس فى الصلاة مقمعة للشيطان".
стр. 52
قلت: بل الواقدى بَيِّن الضعف كما تقدم عن ابن عدى، وهو متروك الحديث كذبه ورماه بالوضع جماعة من الأئمة. وأورد له الذهبي أيضًا هذا الحديث (٣/ ٦٦٤) فى جملة ما استنكر عليه. وقد خالفه أحد الثقات فى متنه.
فقد روى الإمام أحمد (٢/ ١١٩) والبزار (٥٦٣ كشف) عن أبى أحمد الزبيرى- وهو ثقة- ثنا كثير بن زيد عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﵌: "لهى أشد على الشيطان من الحديد". يعنى السبابة. وإسناده حسن، وكثير بن زيد صدوق حسن الحديث على الراجح من أقوال العلماء.
وقد صحح الإمام البخارى ﵀ حديثا هو فى إسناده كما فى "علل الترمذى الكبير" (ص ٦٧٧).
ثم وجدت كذابًا آخر روى حديث الترجمة على لون آخر، ففى "الحلية" (٧/ ١٣٩) من طريق أبى حذيفة إسحاق بن بشر ثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵌ إذا دعا يدعو بيده اليسرى (٣٣) يبسطها ويشير بإصبعه المسبحة ويقول: إن الإشارة فى الدعاء بالمسبحة مقمعة للشيطان". وأبو حذيفة هذا هو البخارى صاحب كتاب "المبتدأ" وهو متهم بالوضع، وهو شر من الواقدي إذ لم يعدم الأخير من يوثقه ويدافع عنه - بغير صواب - أما أبو حذيفة فلا أعلم أحدًا شهد له بخير! ثم وجدت محمد بن عمر الداربجردى يوثقه، فقال الحافظ فى "اللسان" (١/ ٣٠٤): "فلم يلتفت إليه أحد لأن أبا حذيفة بين الأمر لا يخفى حاله على العميان"! والراوى عنه: القاسم ابن المساور الجوهرى ترجمه الخطيب (١٢/ ٤٢٧) برواية ابنه أحمد عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
стр. 53
وبعد، (فالصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول التابعي الجليل مجاهد بن جبر رحمة الله عليه - مع اختلاف يسير - فالإمام البيهقى ﵀ بعد أن علقه عنه - عقب حديث الواقدى - وصله من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن عثمان بن الأسود عنه، فاختصر لفظه ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (٣٢٤٥) عن الثورى به عنه قال: "تحريك الرجل إصبعه فى الصلاة مقمعة للشيطان".
والمراد بالتحريك هاهنا الإشارة نفسها، فقد رواه ابن أبى شيبة (٢/ ٤٨٤) عن حفص بن غياث عن عثمان عن مجاهد بلفظ: "الدعاء هكذا - وأشار بأصبع واحدة - مقمعة للشيطان". وإسناده صحيح.
وبالإشارة فسره أيضًا الإمام البيهقي كما يفهم من إيراده للآثار فى ذلك (٢/ ١٣٣)، وبصنيعه استدل الشيخ الأعظمى ﵀ على ما ذكرناه.
(أما) ما جاء فى رواية - فردة - من روايات حديث وائل بن حجر الحضرمى رضى الله عنه - فى صفة صلاة النبى ﵌ وفيها: "ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها ... " الحديث.
وهى عند النسائى وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقى وغيرهم بإسناد رجاله ثقات لكن لفظة: "يحركها" زائدة من زائدة! وهو زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفى، ثقة ثبت صاحب سنة كما فى "التقريب" (١٩٨٢) لكنها شاذة، وقد جزم ابن خزيمة فى "صحيحه" (١/ ٣٥٤) بأنه تفرد بها، ولم أجد له متابعًا مع كثرة التفتيش عن طرق هذا الحديث وقد رواه أحد عشر رجلًا كلهم - إلا واحدًا - من الثقات الحفاظ، فلم يذكروها، وهم:
١ - سفيان بن سعيد الثورى.
٢ - سفيان بن عيينة الهلالى.
٣ - شعبة بن الحجاج.
٤ - عبد الواحد بن زياد.
٥ - عبد الله بن إدريس.
٦ - زهير بن معاوية.
٧ - أبو عوانة اليشكرى.
٨ - أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفى.
стр. 54
٩ - بشر بن المفضل.
١٠ - خالد بن عبد الله الواسطى الطحان.
وكلهم ثقات حفاظ أئمة.
١١ - غيلان بن جامع. وهو ثقة.
وهذا سوى روايات أخرى ضعيفة وواهية عند الطبراني توافق ما رواه كل هؤلاء الثقات. ولقد ظللت- لفترة من الزمان- متهيبًا من الحكم على هذه الزيادة بالشذوذ- مع اعتقاد أرجحية الإشارة فى الصلاة بغير تحريك - حتى علمت أن أخوين فاضلين من أهل الحديث يشرع كل منهما فى إعداد رسالة بهذا الصدد، أحدهما من تشاد والآخر من اليمن. وسوف أتعرض لرواية زائدة هذه، ولبيان صحة حديث ابن الزبير فى عدم التحريك - إن شاء الله - فى مشروع يتعلَّق بأحاديث فى أسانيدها أو متونها شذوذ أو علة قادحة، زائدة على ما فى "علل الحديث" لابن أبى حاتم الرازى، وربما أورد أحاديث حكم أبو حاتم أو أبو زرعة عليها بالنكارة أو البطلان أو الخطأ، ولم يوردا حجتهما فى ذلك، لإثبات صحة قولهما، كحديث ابن الزبير رضى الله عنهما "كان اسم أبى بكر: عبد الله بن عثمان، فقال له النبى ﵌: "أنت عتيق الله من النار".
وقد تجمع لى قدر منها، فانتخبت منه خمسين حديثًا - كقسم أول كما هى عادتي - يسر الله خروجه وقدر لنا الخير حيث كان.
الحديث الثامن عشر:
" تفكر ساعة خير من قيام ليلة".
ضعيف جدًا. رواه أبو الشيخ من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "التفكر فى عظمة الله وجنته وناره ساعة خير من قيام ليلة، وخير الناس المتفكرون فى ذات الله، وشرهم من لا يتفكر فى ذات الله".
قاله محقق "العظمة" لأبى الشيخ (١/ ٣٠١) نقلًا عن "زهر الفردوس" (٢/ ٥٢)
стр. 55
- باختصار بعض من السند - قال: "ولم أهتد إلى هذا الحديث فى "العظمة"، لعله أخرجه فى غيره".
قلت: وإسناده ضعيف جدًا، نهشل هذا متروك وكذبه إسحاق بن راهويه كما فى "التقريب" (٧١٩٨)، ورواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة.
ثم وجدته مرويا بلفظ الترجمة فى "كنز العمال" (٣/ ١٠٧) وقال: "رواه صالح ابن أحمد فى كتاب "التبصرة" عن أنس"، ولم أجد للآن من تكلم عليه.
وقد رُوِى بألفاظ أخرى، ففى "العظمة" (٤٣) من طريق عطاء الخراساني عن أبى هريرة مرفوعًا: "فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة". وفى إسناده: عثمان بن عبد الله القرشى، وإسحاق بن نجيح الملطي، وهما متهمان بالوضع. ورواية عطاء الخراساني عن أبي هريرة منقطعة أيضًا. وقال العلامة الألباني فى "الضعيفة" (١٧٣): "موضوع".
وروى الديلمى من طريق محمد بن جعفر الوركانى عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: "تفكر ساعة فى اختلاف الليل والنهار، خير من عبادة ألف سنة".
أورده السيوطى فى "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٣٢٧) كشاهد لحديث أبى هريرة، فتعقبه الألبانى بأنه - مع كونه موقوفًا ومغايرًا للفظ الحديث - فهو موضوع أيضًا.
(وبعد)، فإن حديث الترجمة ورد موقوفًا من قول ابن عباس وأبى الدرداء - رضى الله عنهم - والحسن ﵀.
١ - أثر ابن عباس: رواه أبو الشيخ (٤٢) من طريق ليث بن أبى سليم عن سعيد بن جبير عنه. والديلمى (٣٤) بلفظ: "خير من قنوت ليلة". ولكن لا أدرى أهو عنده من نفس الطريق أم من غيرها. وليث ضعيف يعتبر بحديثه فى الشواهد والمتابعات. وقول الحافظ فى "التقريب" (٥٦٨٥): "صدوق، اختلط
стр. 56
أخيرًا (٣٥) , ولم يتميز حديثه فترك".
ليس معناه أنه "متروك الحديث" كما فهم محقق "تفسير ابن أبى حاتم"، وإنما مراده أنه لما اختلطت أحاديثه التي حدث بها قبل الاختلاط بتلك التي حدث بها بعده رُدَّت كلها وحكم بضعفها. والله أعلم.
ورواه أبو الشيخ (٤٤) من طريق أخرى ضعيفة عن سعيد عنه بلفظ: "ركعتان مقتصدتان فيهما تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه". ورواه ابن المبارك فى "الزهد" (٢٨٨) عن رجل عن عكرمة عنه، فالطريقان يقوى كل منهما الآخر. وهو بهذا اللفظ عنه أشبه من الأول.
٢ - أثر أبى الدرداء: وله - فيما وقفت عليه - أربع طرق:
الأول: عند أحمد فى "الزهد" (ص ١٣٩) وهناد (٩٤٣) وابن سعد (٧/ ٢ / ١١٧, ١١٨) ثلاثتهم عن أبى معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم ابن أبى الجعد عن أم الدرداء عنه. وإسناده صحيح على شرطهما.
الثانية: عند ابن عساكر (١٣/ ٧٥٣) من طريق مكحول عنه. وإسناده منقطع.
الثالث: عند أبى نعيم (١/ ٢٠٨, ٢٠٩) عن سالم بن أبى الجعد أيضًا عن معدان ابن أبي طلحة عنه.
الرابعة: عند ابن عساكر من طريق عون بن عبد الله عن أم الدرداء عنه به. وكلاهما واهٍ.
٣ - أثر الحسن: رواه أحمد فى "الزهد" (ص ٢٧٢) وابن أبى شيبة (١٣/ ٥٠٧) كلاهما عن محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عنه. وإسناده صحيح.
стр. 57
وروى ابن المبارك (٢٨٥) عن الربيع بن صبيح عنه قال: "إن من أفضل العمل الورع والتفكر".
ورواه عبد الله بن أحمد فى "زوائد الزهد" (ص ٢٦٥) بلفظ: "أفضل العلم الورع والتوكل". والربيع بن صبيح رجل صالح، وفيه ضعف. قال الحافظ (١٨٩٥): "صدوق سيئ الحفظ".
قلت: لكن يغتفر له مثل هذا الأثر المقطوع، لا سيما وهو واحد من أشهر أصحاب الحسن، وقد قواه غير واحد من الأئمة. والله أعلم.
الحديث التاسع عشر:
" التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود وابن عباس وأنس وأبو سعيد الأنصارى وأبو عنبة الخولانى وعائشة.
١ - حديث ابن مسعود: رواه ابن ماجة (٤٢٥٠) والطبرانى فى "الكبير" (١٠/ ١٨٥) - وعنه أبو نعيم (٤/ ٢١٠) والشجرى (١/ ١٩٨) - والقضاعى (١٠٨) وغيرهم من طريق وهيب بن خالد عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه به.
ورجاله كلهم ثقات لكنه منقطع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه كما تقدم فى أثناء الحديث الثاني ومع أن هذه الطرق معدودة من أصح طرق هذا المتن، لكنني وقفت لها على علة قادحة.
قال الحافظ الخطيب ﵀ فى "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ٢٥٧): "تفرد بروايته محمد بن عبد الله الرقاشي عن وهيب بهذا الإسناد مرفوعًا، ولم يتابع عليه".
стр. 58
قلت: وتكلم على هذه الطريق (١/ ٢٥٧, ٢٥٨) كلامًا حاصله:
١ - أن عبد الرزاق رواه عن معمر - فلم يقم إسناده - فقال: "عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبى مريم عن عبد الله" وأوقفه بلفظ: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".
٢ - وأن ابن المبارك (٣٦) أيضًا رواه عن معمر فقال "عن عبد الكريم عن أبى عبيدة عن أبيه" وأوقفه مقتصرًا على قوله: "الندم توبة".
٣ - وأن ابن المدينى رواه عن عبد الرزاق عن معمر هكذا، ثم قال: قال لنا عبد الرزاق: "وهذا وهم، اجعلوه عن رجل عن ابن مسعود".
وقد أوقفه على ابن مسعود ثقة ثالث - هو محمد بن ثور الصنعانى- فقد قال ابن أبى حاتم فى "علل الحديث" (٢/ ١٤١): "سألت أبى عن حديث رواه ابن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله عن ابن مسعود قال: الندم توبة، التائب من الذنب كمن لا ذنب له. قال أبى: هذا خطأ إنما هو: عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل قال: دخلت مع أبى على ابن مسعود.
قلت: هذا الترجيح صواب بشأن رواية ابن مسعود عن النبى ﵌ أنه قال: "الندم توبة". حَسْبُ. أما لفظة: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فلا أعلم لها إسنادًا إلا من طريق معمر عن عبد الكريم الجزرى على الخلاف المتقدم إسنادًا، ورفعا ووقفا.
وإنما روى جماعة من الثقات وغيرهم عن عبد الكريم بالسند الذى رجحه أبو حاتم، قوله ﵌: "الندم توبة". وقد أفاض الخطيب جدًا
стр. 59
في بيان ذلك، فانظر "الموضح" (١/ ٢٦٣: ٢٤٧) مع تعليق العلامة المعلمى رحمة الله عليه. فالحاصل أن الحديث مُعَلّ بالوقف بإسناد منقطع.
٢ - حديث ابن عباس: رواه ابن أبي الدنيا بزيادة: "والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه، ومن آذى مسلمًا كان عليه من الإثم مثل كذا وكذا" كما في "المقاصد" (ص ١٥٢) وقال السخاوى: "وسنده ضعيف، فيه من لا يُعرف، وروى موقوفًا، قال المنذرى: ولعله أشبه، بل هو الراجح".
ورواه البيهقى في "الشعب" (٢/ ٣٧٣/ ١) وغيره بلفظ: "كان عليه من الإثم مثل منابت النخل". كما في "الضعيفة" (٦١٦). وقال الذهبى: "إسناده مظلم" كما في "الفيض" (٣/ ٢٧٧).
قلت: وهو من طريق سلم بن سالم البلخى عن سعيد الحمصي عن عاصم الجذامي عن عطاء عن ابن عباس وهذا إسناد واهٍ، سلم بن سالم اتفقوا على تضعيفه وأشار أبو زرعة الرازى إلى أنه كان لا يصدُق. وسعيد الحمصى لا يعرف. ويحتمل أن يكون: "سعيد بن عبد الجبار الزبيدى الحمصى". وهو واهٍ، من طبقة بقية، وروى بقية عنه أيضًا. وقرينة هذا الاحتمال أن شيخه من شيوخ بقية. قال الذهبى (٢/ ٣٥٨): "شيخ لبقية. لا يعرف" ثم وجدت لسلم بن سالم رواية عن سعيد ابن عبد الجبار عند الشجرى (٢/ ٤٧) فلله الحمد.
٣ - حديث أنس: رواه القشيرى في "الرسالة" (ص ٤٩) قال: "أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خرزاذ (٣٧) قال: حدثنا محمد بن فضل بن جابر قال: حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا قال: حدثنى أبي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب" ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
стр. 60
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قيل يا رسول الله، وما علامة التوبة؟ قال: "الندامة".
ورواه ابن النجار من طريقه (١٠/ ١٦١/ ٢). قال الشيخ الألبانى حفظه الله في "الضعيفة" (٦١٥)(٣٨): "قلت: وهذا إسناد مظلم، من دون أنس لم أجد لأحد منهم ذكرًا في شيء من كتب الرجال، اللهم إلا ابن خرذاذ (٣٩) هذا فهو من شيوخ الدارقطني، وقد ساق له حديثا بسند له إلى مالك عن الزهرى عن أنس. ثم قال الدارقطني: "هذا باطل بهذا الإسناد، ومن دون مالك ضعفاء". وقال في موضع آخر: "مجهول" كما في "اللسان". فالظاهر أنه هو آفة هذا الحديث. والله أعلم. والحديث أورده في "الجامع الصغير" من رواية القشيرى وابن النجار، ولم يتكلم عليه المناوى بشئ" اهـ.
قلت: كذا قال حفظه الله، وجماعة من الذين لم يجدهم الشيخ معروفون:
١ - فشيخ القشيرى الصواب في اسمه: "أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك" وهو المتكلم المشهور، ترجمه الذهبي في "السير" (١٧/ ٢١٤: ٢١٦)، ولم يذكر في ترجمته ما يفصح عن حاله في الحديث. وقال: " ... وسمع من ابن خرزاذ الأهوازي". وختم ترجمته بحكايتين شنيعتين، فانظرها إن شئت.
٢ - وشيخ شيخه وقع اسمه للشيخ: "محمد بن فضيل بن جابر" فلم يعرفه، ولو وضع احتمال تصحفه لعرفه، فإنه: "محمد بن الفضل بن جابر" وهو السقطى - من شيوخ الطبراني - صدَّقه الدارقطني كما في "سؤالات الحاكم" (١٩٧) ووثقه الخطيب (٣/ ١٥٣).
٣ - وشيخ السقطى - سعيد بن عبد الله - يحتمل أن يكون: "سعيد بن
стр. 61
عبد الله بن دينار". قال ابن حبان في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري من "الثقات" (٤٠) (٧/ ١٢٤): "ويجتنب من حديثه من رواية سعيد بن عبد الله بن دينار، فإن سعيدًا يأتي بما لا أصل له عن الأثبات" وأورده الحافظ في "اللسان" (٣/ ٣٥) وقال: "له ذكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصرى" وذهل فأعاده في (٣/ ١٢٦) وهو هو فكان على الشيخ أن يستظهر أنه هو ثم وجدت له ترجمة في "تاريخ دمشق" (٧/ ٢٨٨/ ٢٨٩) و "الجرح" (٤/ ١٨) وقال أبو حاتم: "مجهول".
٤ - حديث أبي سعيد الأنصارى: رواه أبو نعيم (١٠/ ٣٩٨) من طريق ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعيد الأنصارى عن أبيه مرفوعًا. ولفظه: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".
ورواه الحكيم الترمذى في "نوادر الأصول" - بتقديم وتأخير- كما في الإصابة (٤/ ٨٧) - ولكن سماه: "ابن أبي سعد".
وإسناده ضعيف مظلم، فيحيى بن أبي خالد مجهول قاله أبو حاتم كما في "الجرح" (٩/ ١٤٠) وحكى الحافظ في "اللسان" (٦/ ٢٥٢) عنه أنه قال: "روى عن ابن أبي سعيد عن أبيه رفعه: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وهو حديث ضعيف، رواه مجهول عن مجهول".
وابن أبي سعيد ترجمه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٢١) باسم: "ابن أبي سعد" وحكى عن أبيه أيضًا أنه قال: "مجهول". وأبوه ترجمه (٩/ ٣٧٨) وسماه "أبا سعد الأنصارى" وقال: "روى عن النبى ﵌: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومنك من أعتبك (كذا) وإنى لأكره
стр. 62
المرأة المرهاء، والمرأة السلتاء". روى ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعد عن أبيه".
٥ - حديث أبي عنبة الخولاني: أخرجه البيهقى كما في "المقاصد"، ولم أرَ أحدًا تعرض للكلام عنه، فالله أعلم بحاله.
٦ - حديث عائشة: رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ١٣٢) من طريق على بن زيد عن سعيد بن المسيب عنها - في حديث طويل عجيب لوائح الوضع عليه بادية، فأوله: "الموت غنيمة، والمعصية مصيبة، والفقر راحة، والغناء عقوبة، والعقل هدية من الله، والجهل ضلالة، والظلم ندامة، والطاعة قرة العين، والبكاء من خشية الله النجاة من النار، والضحك هلاك البدن، والتائب .... " الحديث.
وعلى بن زيد ضعيف، والإسناد إليه واهٍ وفيه إظلام أيضًا.
وبَعْد، فمن الواضح - بعد ظهور علة حديث ابن مسعود - أن سائر طرق هذا الحديث مظلمة، وأكثرها - مع إظلامه - واهٍ، وإحداها حالها مجهولة، ولذلك فالقول بحُسنه - مع كثرتها - مما تدفعه القواعد الحديثية الدقيقة ولا ينشرح القلب لمثله.
أما نسبته إلى ابن مسعود فالأمر في ذلك هين، فإن أبا عبيدة يروى عن جماعة من الصحابة وعن كبار أصحاب أبيه.
والغالب على أصحاب ابن مسعود الثقة والأمانة (ولكن) حديث الترجمة صحيح قطعًا من قول عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ وهو من فقهاء التابعين وفضلائهم - كما رواه وكيع في "الزهد" (٢٧٨) والبيهقى في (٤١) "شعب الإيمان" (٢/ ٢/ ٤٥٠) عن سفيان الثورى عن عاصم الأحول عنه به، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 63
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا كما في "المقاصد". وإسناده صحيح على شرطهما. ورواه أبو نعيم (٤/ ٣١٨) من طريق قيس - هو ابن الربيع - عن عاصم عنه، بلفظ: "كان يقال (٤٢): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب، وذنب لا يضر كذنب لم يعمل".
وفى هذا الإسناد مقال، قيس بن الربيع هو الأسدي الكوفي، قال الحافظ (٥٥٧٣): "صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به".
قلت: والثورى ﵀ لا نظير له في الحفظ والإتقان، فروايته - مختصرًا - هى الراجحة عن عاصم عن الشعبى، والتى تجعل المتن من قول الشعبي نفسه، لا من حكايته بلفظ: "كان يقال" فتنبه. والله أعلم.
الحديث العشرون:
" الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها".
ضعيف. رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣٢٢) من طريق يحيى بن يحيى حدثنا ابن لهيعة عن عياش بن عباس عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن النبى ﵌ قال: ... فذكره.
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات سوى عبد الله بن لهيعة المصرى، فإنه معروف بالضعف - على تفصيل فيه. وما هو من رواية أحد من قدماء أصحابه
стр. 64
كالعبادلة الثلاثة وغيرهم.
والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمرو، وأخطأ ابن لهيعة فرفعه، (فقد) قال أبو نعيم ﵀ في "الحلية" (١/ ٢٨٨): "حدثنا محمد بن معمر ثنا موسى ابن هارون ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث بن سعد عن عياش بن عباس (٤٣) عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: "إن الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها".
ورجاله كلهم ثقات معروفون، رجال الصحيح سوى موسى بن هارون وهو ابن عبد الله الحمال، أحد الثقات الحفاظ، وسوى شيخ أبي نعيم: محمد بن معمر وهو ابن ناصح الأصبهانى، ترجمه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٨٤/ ٢٨٥) وقال: "الذهلى الأديب، توفى في صفر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. روى عن موسى بن هارون ويوسف القاضى وأبى شعيب وطبقتهم، وعن ابن أبي عاصم ببعض مصنفاته". ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وترجمه الذهبى في "العبر" (٢/ ٩٦) - في وفيات سنة ٣٥٥ - فقال: "وفيها: محمد بن معمر بن ناصح، أبو مسلم الذهلي الأديب، بأصبهان، روى عن أبي بكر بن أبي عاصم، وأبى شعيب الحرانى، وطائفة".
ثم وجدت الخطيب أيضًا ترجمه في "تلخيص المتشابه" (ص ١٢٩، ١٣٠) فذكر نحوًا مما قاله أبو نعيم وقال "ثنا عنه أبو نعيم أحمد بن عبد الله، وعلى بن يحيى بن جعفر الأصبهانيان" ثم روى له حديثًا عن ابن أبي عاصم. ولم أقف على أحد تكلم فيه، وقد تتبعت ما رواه أبو نعيم عنه - من خلال "فهارس الحلية" - فوجدته روى (٢/ ٢٩٧, ٢٩٨) عنه حديثا قال عقبه: "هذا حديث صحيح ثابت. أخرجه مسلم في صحيحه" عن القواريرى عن حماد بن زيد ... " فذكر الاختلاف في إسناده. ولم أجد في سائر المواضع ما يمكن أن يؤخذ عليه.
стр. 65
وقد توبع على أصل السند في الحديث الذى نحن بصدده - لولا أن ابن لهيعة زاد الرفع - وأوقفه هذا الشيخ، فمحله الصدق والأمانة إن شاء الله تعالى ومما يجدر التنبيه عليه أن الحافظ السيوطى ﵀ ذكر حديث الترجمة في "الجامع" (٣٦٤٨) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في "الصمت" وأبى نعيم في "الحلية" عن ابن عمرو، ورمز لضعفه، وأقره على ذلك الحافظ المناوى ﵀ مؤكدًا ذلك بقوله: "كلاهما" أى كلاهما رواه عن ابن عمرو مرفوعًا.
ومثله قول الحافظ العراقى ﵀ في "تخرج الإحياء" (٣/ ١٢١):
"أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في "الحلية" من حديث عبد الله بن عمرو" وقد علمت أنه في "الحلية" موقوف، فالكمال لله وحده. وحكى المناوى وغيره عن الحافظ العراقى قال: "سنده لين". والله أعلم.
الحديت الحادى والعشرون:
" الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أبي هريرة، وأنس، وعلى، وبريدة، ومن مرسل زيد بن أسلم.
١ - حديث أبي هريرة: رواه الترمذى (٢٨٢٨) وابن ماجة (٤١٦٩) والقضاعي (٥٢) والعسكرى في "الأمثال" والبيهقى في "المدخل" (٤١٢) وابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١١٤) من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عنه به وإسناده ضعيف جدًا.
قال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزومي ضعيف في الحديث".
وقال البيهقى: "تفرد به إبراهيم بن الفضل، وليس بالقوي".
وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح. قال يحيى: إبراهيم ليس حديثه بشئ".
стр. 66
وكذلك أورده كل من "العقيلي" في "الضعفاء الكبير" (١/ ٦٠، ٦١) وابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٠٥) وابن عدى (١/ ٢٣٢) من جملة ما استنكر عليه.
وقال الحافظ (٢٢٨): "متروك" والحديث قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع" (٤/ ١٦٦): "ضعيف جدًا".
٢ - حديث أنس: رواه العسكرى في "الأمثال" من حديث عنبسة بن عبد الرحمن عن شبيب بن بشر عنه رفعه: "العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه" كما في "المقاصد" (ص ١٩١, ١٩٢).
وإسناده ضعيف جدًا أيضًا، عنبسة متروك، وشبيب مختلف فيه، فوثقه ابن معين وقال ابن حبان في "الثقات": "يخطئ كثيرًا" ولينه أبو حاتم وقال البخارى: منكر الحديث. فهو إلى الضعف أقرب.
٣ - حديث على: له طريقان:
الأولى: من رواية أبي الدنيا الأشج عنه. قال السخاوى " ... وكذا هو في نسخة أبي الدنيا الأشج الكذاب عن على".
الثانية: عند الديلمى من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عنه مرفوعًا بلفظ:
"ضالة المؤمن العلم، كلما قيد حديث طلب إليه آخر".
قاله السخاوى أيضًا. وإسناده ضعيف جدًا، عبد الوهاب بن مجاهد متروك وقد كذبه الثورى كما في "التقريب" (٤٢٦٣).
وقال محقق "مسند الشهاب": "ورواه الديلمى (٢/ ١٠١) من حديث على، وهو ضعيف جدًا".
٤ - حديث بريدة: رواه الديلمي (٤٤) بلفظ: "الحكمة ضالة المؤمن، من
стр. 67
حيث ما وجدها أخذها". ولم يتكلم الحافظ على إسناده. فالله أعلم.
٥ - مرسل زيد بن أسلم: رواه القضاعي (١٤٦) من طريق الليث بن سعد عن هشام بن سعد عنه مرفوعًا بلفظ: "الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجد المؤمن ضالته، فليجمعها إليه".
وشيخ القضاعى: أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن داود لم أجد له ترجمة. وفيه أيضًا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلانى، لم أجد أيضًا له ترجمة مستقلة، لكن ذكره المزى في "تهذيب الكمال" (٢/ ٣٠٣) في الرواة عن آدم بن أبي إياس العسقلانى - شيخه في هذا الإسناد- وهو أيضًا معلول، فقد ورد بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم موقوفًا عليه كما يأتى.
إذ (الصحيح) أن حديث الترجمة من قوله، وكذلك من قول سعيد بن أبي بردة - بلفظ: "كان يقال" - وعبد الله بن عبيد بن عمير، وثلاثتهم من خيار التابعين وثقاتهم.
١ - أثر زيد بن أسلم: رواه ابن عساكر (٦/ ٥٥١) من طريق عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عنه قال: "نعم الهدية الكلمة من كلام الحكمة يهديها لأخيه. والحكمة ضالة المؤمن، إذا وجدها أخذها".
وإسناده صحيح، وهشام وإن كان فيه مقال، فقد قال الإمام أبو داود ﵀: "هو أثبت الناس في زيد بن أسلم". وقال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمته من "الميزان" (٤/ ٢٩٨): " ... يقال له يتيم زيد بن أسلم، صحبه وأكثر عنه ... " وفى ترجمته من "السير" (٧/ ٣٤٥): " ... يتيم زيد بن أسلم. حدث عن .... وزيد بن أسلم، وهو مكثر عنه، بصير بحديثه".
٢ - أثر سعيد بن أبي بردة - وهو ابن أبي موسى الأشعرى رضى الله عنه - رواه ابن أبي شيبة (١٤/ ٥١) والبيهقي في "المدخل" (٨٤٤) من طريق وكيع عن المسعودى عنه قال: "كان يقال: الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها".
стр. 68
٣ - أثر عبد الله بن عبيد بن عمير: رواه ابن أبي شيبة (١٤/ ٦٠) وأبو خيثمة في "العلم" (١٥٧) - واللفظ له - وأبو نعيم (٣/ ٣٥٤) من طرق عن عبد العزيز ابن أبي رواد عنه قال: "العلم ضالة المؤمن، كلما أصاب شيئًا حواه، وابتغى ضالة أخرى". وإسناده صحيح، صححه العلامة الألباني في تحقيق "العلم".
الحديث الثانى والعشرون:
" خير الأمور أوساطها".
ضعيف. رُوِى من حديث على، ومن مرسل مطرف بن عبد الله ومعضل عمرو ابن الحارث المصرى بلاغًا.
١ - حديث على: رواه ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" بسند مجهول. قاله السخاوى في "المقاصد" (ص ٢٠٥).
وقال السيوطى في "الدرر المنتثرة" (٢١٨): " ... بسند فيه من لا يعرف حاله".
٢ - مرسل مطرف: يأتى الكلام عليه في محله.
٣ - معضل عمرو بن الحارث: رواه البيهقى في "سننه" (٣/ ٢٧٣) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون عن كنانة أن النبى ﵌ نهى عن الشهرتين: أن يلبس الثياب الحسنة التي ينظر إليه فيها، أو الدنية أو الرثة التي ينظر إليه فيها. قال عمرو: بلغنى أن رسول الله ﵌ قال: "أمرًا بين أمرين، وخير الأمور أوساطها". وقال البيهقى: "هذا منقطع".
قلت: الحديث الأول ضعيف لإرساله، وكنانة هو ابن نعيم العدوى. أفاده ابن التركمانى حفظه الله في "الجوهر النقي". وهو ثقة من الرابعة كما في "التقريب" (٥٦٦٨).
стр. 69
وللبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة وزيد بن ثابت مرفوعًا: "نهى عن الشهرتين: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد" كما في "الجامع الصغير" (٦٠٥٧) وقال الألبانى في "ضعيفه" (٦/ ٣٠): "موضوع".
وأما قول عمرو بن الحارث: بلغنى ... الخ، فهو ضعيف لإعضاله، وعمرو بينه وبين النبى ﵌ ما لا يقل عن رجلين. ولم أجد أحدًا ممن تكلم على حديث الترجمة تعرض لهذه الطريق المعضلة، وإنما وقفت عليها - بمحض القدر - أثناء تقليبى لفهارس "السنن الكبرى" إذ لم يكن في الحسبان أن الحديث فيها.
وللديلمى عن ابن عباس مرفوعًا - بلا سند كما قال السخاوى - "دوموا (٤٥) على أداء الفرائض والنوافل، فمن عوَده الله عبادة فليمض عليها، فإن خير الأعمال أوسطها، وأحمد الأعمال ما دام عليه العبد، وإن قلت".
(وحديث) الترجمة إنما هو ثابت من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبى قلابة الجرمى رحمهما الله.
١ - أثر مطرف:
رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٧٩) وابن سعد (٧/ ١/ ١٠٣) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عنه وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٣٩٧, ٣٩٨) عن ابن علية عن إسحاق ابن سويد عنه - حين قال لابنه لما اجتهد في العبادة: "خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة" (٤٦). وإسناده صحيح على شرط
стр. 70
الشيخين.
وذكر السيوطي ﵀ في "الدر المنثور" (٤/ ٢٠٨) - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أن ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم أخرجوا عنه قال: "العلم خير من العمل، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين تلك السيئتين، وذلك لأن الله تعالى يقول: ... وذكر الآية. ولم أجد شيئًا من ذلك عند الطبرى في تفسير هذه الآية لا عن مطرف ولا عن يزيد بن مرة الجعفي - إذ عزاه السخاوى والسيوطى إليهما مختصرًا. وجزم الغزالى بنسبته إلى النبى ﵌ (٣/ ٥٧, ٩٦, ١٦٩) فعزاه العراقى في المواضع الثلاثة إلى "شعب الإيمان" عن مطرف مرسلًا (٤٧)، ولم يتيسر النظر في سنده الآن ولكن قرائن الحال تدل على ضعف الرواية المرفوعة عن مطرف وقد أعرض عنها غير واحد، فالله أعلم.
٢ - أثر أبي قلابة:
رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٩٧) وعنه أبو نعيم (٢/ ٢٨٦) عن يعمر بن بشر الخراساني عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عنه بلفظ: "خير أموركم أوساطها". وإسناده صحيح جليل.
ويعمر بن بشر من كبار أصحاب ابن المبارك، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٩١) وعليه اقتصر الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ص ٤٥٧) وأبو زرعة بن العراقى في "ذيل الكاشف" (١٧٢٨) مع أن له ترجمة جيدة في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٣٥٧, ٣٥٨) جاء فيها أن الإمام أحمد قال: "ما أرى كان به بأس" وأن ابن المديني قال: "كان يعمر بن بشر ثقة، وكان له ختن سوء، وكان عدوًا له". وأن أبا رجاء محمد بن حمدويه قال: "يعمر بن بشر من ثقات أهل مرو ومتقنيهم، وقد روى عنه أقرانه من أصحاب ابن المبارك ... " الخ. وأن الدارقطنى قال:
стр. 71
"يعمر بن بشر ثقة ثقة".
وقال الهيثمى في "المجمع" (٥/ ١٢٢) - في حديث لسمرة بن فاتك الأسدى - "رواه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
فهذا منه ﵀ أعجب، فإن توثيق ابن حبان معتمد عنده - في الغالب - ووجه العبرة من ذلك ألا يعتمد الباحث أو طالب العلم على كتب الأئمة المتأخرين الجامعة - كـ "تعجيل المنفعة" و "ميزان الاعتدال" و "التهذيب" ونحوها - فضلًا عن "الكاشف" و "ذيله" و "الخلاصة" و "التقريب" ونحوها - وحدها، بل عليه أن يرجع إلى الأصول من كتب الأئمة المتقنين كـ "تواريخ يحيى بن معين" و "علل الإمام أحمد" و "المعرفة والتاريخ" للفسوى يعقوب بن سفيان و "الضعفاء" للعقيلي و "الكامل" لابن عدى و "تاريخ بغداد" و "سؤالات الحاكم والسهمى والبرقاني للدارقطني" و "تاريخ دمشق" لابن عساكر، ليتحقق من سلامة النص - من جهة - وليحيط علمًا بكل ما قيل في الراوى من مدح أو قدح، وبما استنكروه عليه من جهة أخرى، لا سيما إذا افتقر الراوى إلى توثيق لغير ابن حبان ﵀ كما في هذه الحالة.
ورحم الله أئمتنا جميعهم، إذ جاهدوا في سبيل دينه وسنة نبيه حق الجهاد، وبلغوا الغاية في الفضل والعلم والعمل، وكل من أتى بعدهم فهو عالة عليهم، وما يساوى أحد منهم تراب نعالهم، وإن استدرك عليهم ما استدرك! .
هذا - وفى معنى الأثر - (ما رواه) أبو يعلى بسند رجاله ثقات - كما قال السخاوى - وعنه ابن عساكر (١٧/ ٩٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء".
وجاء من طريقين منقطعين عن على - عند ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٨٢) وأبى عبيد
стр. 72
في "الغريب" (٢/ ١٥٦) قال: "خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالى، ويرجع إليهم الغالي". وتعمدت إثباته في هذا الموضع عسى أن تظهر له طرق أخرى تقويه بفضل الله ومنه.
استدراك:
أثر مطرف بن عبد الله رواه أبو نعيم (٢/ ٢٠٩) من طريق ابن علية أيضًا عن إسحاق بن سويد قال: تعبد عبد الله بن مطرف، فقال له أبوه: "أي عبد الله العلم أفضل من العمل، والسيئة بين الحسنتين، وشر السير (في الأصل الشيئين، وهو تصحيف) الحقحقة" ورجاله ثقات لكنه مقلوب، والصواب "والحسنة بين السيئتين" كما هى رواية أبي عبيد.
وأثر وهب بن منبه: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا .. " في "الحلية" أيضًا (٤/ ٤٥).
الحديث الثالث والعشرون:
" الدعاء سلاح المؤمن".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث على، وجابر.
١ - حديث على:
رواه أبو يعلى (١/ ٣٤٤) وابن عدى (٦/ ٢١٨١) والحاكم (١/ ٤٩٢) والقضاعي (١٤٣) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي به مرفوعًا بزيادة: "وعماد الدين، ونور السموات والأرض". وإسناده ضعيف جدًا، الهمداني واه وكذبه ابن معين، ووهم الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التل، وهو صدوق في الكوفيين".
стр. 73
وقال الذهبي: "صحيح"، مع أنه أورد هذا الحديث بعينه في جملة مناكير الهمداني، في ترجمته من "الميزان" (٣/ ٥١٤) وسبقه إلى ذلك ابن عدى ووهم الذهبي أيضًا، فأورده في جملة مناكير التل (٣/ ٥١٣).
وقال الهيثمى (١٠/ ١٤٧): "رواه أبو يعلي، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك" وفى الإسناد أيضًا انقطاع بين على بن الحسين وجده على رضى الله عنه وانظر تفصيل ما تقدم - بأطول منه - في "الضعيفة" (١٧٩).
٢ - حديث جابر:
رواه أبو يعلى أيضًا (٣/ ٣٤٦) من طريق محمد بن أبي حميد المدني عن محمد بن المنكدر عنه به مرفوعًا، ولفظه: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، ويدر لكم أرزاقكم؟ تدعون الله ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن".
وقال الهيثمى (١٠/ ١٤٧): "وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف".
قلت: ووهاه كثير من الأئمة كابن معين والبخارى وأبو حاتم الرازى والجوزجاني والنسائى وغيرهم، وهو كما قال هؤلاء ﵏ فإن عامة أحاديثه مناكير لا يتابع عليها.
والحديث من هذا الوجه في "الضعيفة" أيضًا (١٨٠). واقتصر الشيخ الألبانى حفظه الله على تضعيفه. وقال - في آخر الكلام عن حديث على -: "والجملة الأولى من الحديث وردت من كلام الفضيل بن عياض، رواه السلفى في "الطيوريات" (٦٤/ ١)، ورويت في حديث آخر ضعيف وهو ... " فذكر حديث جابر.
قلت: (الأثر) عن الفضيل ﵀ رواه أيضًا الشجرى في (٤٨) "أماليه" (١/ ٤٤)
стр. 74
من طريق الحافظ أبي يعلي ﵀ قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "الدعاء سلاح المؤمن، والصبر سلاح المؤمن، ولو كان مع علمائنا صبر، لما تمندلوا بهم هؤلاء" - يعنى الملوك - اهـ. وإسناده حسن.
الحديث الرابع والعشرون:
" الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه، من جاء بخاتم مولاه، قضيت حاجته".
ضعيف جدًا. رواه الطبراني في "الأوسط". قال السخاوى (ص ٢١٥, ٢١٦): "من حديث ابن عيينة وابن أبي فديك كلاهما عن محمد بن عمرو عن ابن أبي لبيبة عن أبي هريرة به مرفوعًا، وقال: "لا يروى عن النبي ﵌ إلا بهذا الإسناد".
وقال المناوى (٣/ ٥٤٤): "قال الهيثمى: وفيه أحمد بن محمد بن مالك بن أنس، وهو ضعيف وقال الذهبي: حديث ضعيف".
قلت: وأورد أحمد هذا في "المغنى" (١/ ٥٧) وقال: "ضعفوه" وهو إلى الضعف الشديد أقرب، فقد أورده الدارقطني في "الضعفاء" (٤١) وسكت عنه، فهو متروك عنده وعند البرقاني وأبي منصور بن حمكان كما هو منصوص عليه في مقدمة الكتاب المذكور.
وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٤٠): "منكر الحديث، يأتى بالأشياء المقلوبة التي لا يجوز الاحتجاج بها". وذكر له حديث الغار من طريق يونس عن الزهري عن أنس، وقال: "ما حدث الزهري بشئ من هذا قط، ولا يونس. إنما هو حديث ثابت عن أنس فقط، ولم يروه عن ثابت إلا همام وجعفر بن سليمان الضبعي" وقد أورد السخاوي لدى الكلام على حديث الترجمة حديثين آخرين:
стр. 75
الأول: رواه الطبراني أيضًا في "الأوسط" و "الصغير" عن المقدام بن معديكرب مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن بالعيش". قال: "ورواه أحمد بلفظ: "يأتي على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدرهم والدينار".
قلت: لفظه في "المسند" (٤/ ١٣٣) "ليأتين على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدينار والدرهم" وهو أيضًا في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٢٧٨، ٢٧٩). وقال الهيثمي (٤/ ٦٥): "ومدار طرقه كلها على أبي بكر بن أبي مريم، وقد اختلط".
الثاني: رواه الديلمي عن جابر رفعه: "الموت تحفة المؤمن، والدرهم والدينار مع المنافق، وهما زاده إلى النار".
قلت: وهو في "فردوس الأخبار" (٤/ ٥١٢) بلفظ: "الموت تحفة المؤمن، والدرهم والدينار ربيع المنافق، وهما زاداه إلى النار".
ورواه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١٤٨٠) من طريق الدارقطني قال. نا الحسين بن جعفر الكوكبى قال: نا أحمد بن عمر بن بشر البزاز قال: نا جدى إبراهيم بن فرقد قال: نا القاسم بن بهرام عن عطاء عن جابر به بلفظ: " ... وهما زادان أهليهما إلى النار".
وقال: "تفرد به القاسم بن بهرام. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال".
قلت: لفظه في "المجروحين" (٢/ ٢١٤): "يروى عن أبي الزبير العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وكذَّبه ابن عدى في "الكامل" (٧/ ٢٧٤٩) والراويان دونه لم أقف لهما على ترجمة.
وأخيرًا (فالصواب) في حديث الترحمة أنه من قول وهب بن منبه ﵀ كما رواه ابن عساكر (١٧/ ٩٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عنه قال: "الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، فمن ذهب بخاتم