← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تمرينات على طرق القصر: تمرين١: ١- بين لماذا أُوثر القصر بالعطف على غيره في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ؟ وبين ما فيه من مزايا القصر. ٢- بين طريق القصر، والمقصور، والمقصور عليه في قول الشاعر: بك اجتمع الملك المبدد شمله ... وضمت قواصٍ منه بعد قواص تمرين٢: ١- لماذا أوثر القصر بـ "إنما" في قول الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا؟ ٢- من أي طرق القصر قول الشاعر: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو أم مخزوم ووالدك العبد؟ وما هو المقصور فيه؟ وما هو المقصور عليه؟ تمرين٣: ١- لماذا لم يُفِد تعريف المسند بـ "ال" القصر في قول الخنساء: إذا قبح البكاء على قتيل ... وجدتُ بكاءك الحسن الجميلا؟ ٢- لماذا أوثر القصر بالنفي والاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] وبـ "إنما" في قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] ؟ تمرين٤: ١- ما هو طريق القصر؟ وما هو المقصور عليه في قول الشاعر:

стр. 247

ما افترينا في وصفه بل وصفنا ... بعض أخلاقه وذلك يكفي؟ ٢- بين كيف اختصت المزايا البلاغية بالقصر بطرقه من العطف وغيره؟ تمرين٥: ١- لماذا قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥] ولم يفد الاختصاص بطريق من طرقه المعروفة؟ ٢- يأتي التوكيد لدفع التردد في نحو: "إن زيدا شاعر"، ويأتي قصر التعيين لدفع التردد في نحو: "إنما زيد شاعر"، فما هو الفرق بين دفع التردد فيهما؟ تمرين٦: ١- لماذا قدم المقصور عليه في قول الشاعر: وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب؟ ٢- بين موقع المقصور عليه في جملتيه في قول الشاعر: ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدا بيد تمرين٧: ١- هل من قصر الفعل على الفاعل, أو من قصر المفعول عليه قول الشاعر: في ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكي علينا إلا كواكبها؟ ٢- بين الذي أفاد القصر -من التقديم أو العطف- في قول الشاعر: للفتى من ماله ما قدمت ... يداه قبل موته لا ما اقتنى ٣- هل من القصر قول الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان؟ ٤- اختلف في إفادة الاستثناء من الإثبات بالقصر، فبين ما تختاره في ذلك.

стр. 248

الباب السادس: القول في الإنشاء أقسام الإنشاء: الإنشاء ضربان: طلب، وغير طلب. الطلب يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب؛ لامتناع تحصيل الحاصل١، وهو المقصود بالنظر ههنا٢، وأنواعه كثيرة. أنواع الطلب: التمني: منها التمني٣، واللفظ الموضوع له "ليت"، ولا يشترط في التمني

стр. 249

الإمكان، تقول: "ليت زيدا يجيء، وليت الشباب يعود". قال الشاعر "من الرجز": يا ليت أيام الصِّبَا رواجعا١ وقد يُتمنى بـ "هل"٢؛ كقول القائل: "هل لي من شفيع" في مكان يعلم أنه لا شفيع له فيه٣ لإبراز المتمنى -لكمال العناية به- في صورة الممكن٤, وعليه قوله تعالى, حكاية عن الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣] . وقد يتمنى بـ "لو"٥ كقولك: "لو تأتيني فتحدثَني" بالنصب٦. قال السكاكي٧: وكأن حروف التنديم والتحضيض: هَلَّا، وألّا بقلب الهاء همزة، و"لولا، ولوما" مأخوذة منهما٨ مركبتين مع "لا" و"ما" المزيدتين؛ لتضمينهما معنى التمني٩؛ ليتولد منه في الماضي التنديم، نحو: "هلا أكرمت زيدا"

стр. 250

وفي المضارع التحضيض، نحو: "هلا تقوم". وقد يتمنى بـ "لعل" فتعطَى حكم ليت١، نحو: "لعلي أحج فأزورك" بالنصب؛ لبعد المرجو عن الحصول٢، وعليه قراءة عاصم في رواية حفص: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] . ومنها الاستفهام٣. والألفاظ الموضوعة له: "الهمزة"، و"هل"، و"ما"، و"من"، و"أي"، و"كم"، و"كيف"، و"أين"، و"أنى"، و"متى"، و"أيّان". فالهمزة لطلب التصديق٤، كقولك: "أقام زيد؟ وأزيد قائم؟ " أو التصور٥: كقولك: "أدِبْس في الإناء أم عَسَل؟ " أو: "أفي الخابية دبسك أم في الزق؟ " ولهذا لم

стр. 251

يقبح: "أزيد قائم؟ " و"أعمرًا عرفت؟ "١. المسئول عنه بها هو ما يليها، فتقول: "أضربت زيدا؟ " إذا كان الشك في الفعل نفسه وأردتَ بالاستفهام أن تعلم وجوده٢، وتقول: "أأنت ضربت زيدا؟ " إذا كان الشك في الفاعل من هو؟ وتقول: "أزيدا ضربت؟ " إذا كان الشك في المفعول من هو؟ ٣. و"هل": لطلب التصديق فحسب، كقولك: "هل قام زيد؟ وهل عمرو قاعد؟ "؛ ولهذا امتنع: "هل زيد قام أم عمرو؟ "٤ وقبُح: "هل زيدا صربتَ؟ "؛ لما سبق أن

стр. 252

التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل والشك فيما قُدِّم عليه١, ولم يقبح: "هل زيدا ضربته؟ "؛ لجواز تقدير المحذوف المفسّر مقدما كما مر، وجعل السكاكي٢ قبح نحو: "هل رجل عرف؟ " لذلك، أي: لما قبح له: "هل زيدا ضربت؟ "، ويلزمه ألا يقبح نحو: "هل زيد عرف؟ "؛ لامتناع تقدير التقديم والتأخير فيه عنده على ما سبق٣. وعلل غيره٤ القبح فيهما بأن أصل "هل" أن تكون بمعنى "قد"، إلا أنهم تركوا الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام. و"هل" تخصص المضارع بالاستقبال، فلا يصح أن يقال: "هل تضرب زيدا وهو أخوك؟ "٥، كما تقول: "أتضرب زيدا وهو أخوك؟ "، ولهذين٦ -أعني اختصاصها بالتصديق وتخصيصها المضارع بالاستقبال- كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانيا أظهر؛ كالفعل٧، أما الثاني٨ فظاهر, وأما الأول٩ فلأن الفعل لا يكون إلا صفة، والتصديق حكم بالثبوت أو الانتفاء، والنفي والإثبات إنما

стр. 253

يتوجهان إلى الصفات لا الذوات؛ ولهذا١ كان قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أدل على طلب الشكر من قولنا: "فهل تشكرون؟ "، وقولنا: "فهل أنتم تشكرون؟ "٢؛ لأن إبراز ما سيتجدد في معرض الثابت أدل على كمال العناية بحصوله من إبقائه على أصله٣، وكذا من قولنا: "أفأنتم شاكرون؟ " وإن كانت صيغته للثبوت؛ لأن "هل" أدعى للفعل من الهمزة، فتركه معها أدل على كمال العناية بحصوله؛ ولهذا لا يحسن: "هل زيد منطلق؟ " إلا من البليغ٤. وهي قسمان: بسيطة، وهي التي يُطلب بها وجود الشيء؛ كقولنا: "هل الحركة موجودة؟ " ومركبة، وهي التي يُطلب بها وجود شيء لشيء، كقولنا: "هل الحركة دائمة؟ "٥.

стр. 254

والألفاظ الباقية لطلب التصور فقط١. أما "ما" فقيل: يطلب به إما شرح الاسم٢، كقولنا: "ما العنقاء؟ "، وإما ماهية المسمى؛ كقولنا: "ما الحركة؟ ". والقسم الأول يتقدم على قسمَيْ "هل" جميعا، والثاني يتقدم على "هل" المركبة دون البسيطة؛ فالبسيطة في الترتيب واقعة بين قسمي "ما"٣. وقال السكاكي٤: يسأل بـ "ما" عن الجنس٥؛ تقول: "ما عندك؟ " أي: أي أجناس الأشياء عندك٦؟ وجوابه: إنسان، أو فرس، أو كتاب، أو نحو ذلك. كذلك تقول: "ما الكلمة؟ وما الكلام؟ "، وفي التنزيل: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ [الحجر: ٥٧] ، أيْ: أيّ أجناس الخطوب خطبكم؟، وفيه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] أي: أي من في الوجود تُؤْثرونه للعبادة؟ أو عن الوصف٧؛ تقول: ما زيد؟ وما عمرو؟

стр. 255

وجوابه: الكريم أو الفاضل، ونحوهما١. وسؤال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] ٢ إما عن الجنس؛ لاعتقاده لجهله بالله تعالى أن لا موجود مستقلا بنفسه سوى الأجسام، كأنه قال: أي أجناس الأجسام هو؟ وعلى هذا جواب موسى ﵇ بالوصف٣؛ للتنبيه على النظر المؤدي إلى معرفته، لكن لما لم يطابق السؤال عند فرعون عجّب الجَهَلَة الذين حوله من قول موسى بقوله لهم: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ثم لما وجده مصرا على الجواب بالوصف إذ قال في المرة الثانية: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ استهزأ به وجنّنه بقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ، وحين رآهم موسى ﵇ لم يفطنوا لذلك في المرتين، غلّظ عليهم في الثالثة بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . وإما عن الوصف٤ طمعا في أن يسلك موسى ﵇ في الجواب معه مسلك الحاضرين٥، ولو كانوا هم المسئولين مكانه؛ لشهرته بينهم برب العالمين إلى درجة دعت السحرة إذ عرفوا الحق أن عقّبوا قولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٤٧] بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ نفيا لاتهامهم أنهم عنوه، ولجهله٦ بحال موسى إذ لم يكن جمعهما

стр. 256

قبل ذلك مجلس، بدليل١: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠، ٣١] فحين سمع الجواب تعداه، عجّب، واستهزأ، وجنَّن، وتفيهق بما تفيهق من قوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وأما "مَنْ" فقال السكاكي٢: هو للسؤال عن الجنس من ذوي العلم٣، تقول: "من جبريل؟ بمعنى: أبشر هو أم ملك أم جني؟ " وكذا: "من إبليس؟ ومن فلان؟ " ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] أي: أملك هو أم بشر أم جني؟ منكِرا لأن يكون لهما رب سواه؛ لادعائه الربوبية لنفسه، ذاهبا في سؤاله هذا إلى معنى: "ألكما رب سواي؟ " فأجاب موسى ﵇ بقوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] كأنه قال: نعم, لنا رب سواك هو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بيّن بإيجاده لما أوجد، وتقديره إياه على ما قدره، واتبعت فيه الخِرِّيت الماهر، وهو العقل الهادي عن الضلال؛ لزمك الاعتراف بكونه ربا، وأن لا رب سواه، وأن العبادة له مني ومنك ومن الخلق أجمع حق لا مَدْفَع له. وقيل: هو للسؤال عن العارض المشخِّص لذي العلم٤، وهذا أظهر؛ لأنه إذا

стр. 257

قيل: "من فلان؟ " يجاب بـ "زيد" ونحوه، مما يفيد التشخيص، ولا نسلم صحة الجواب بنحو: "بشر أو جني" كما زعم السكاكي١. أما "أي" فللسؤال عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما٢، يقول القائل: "عندي ثياب" فتقول: "أي الثياب هي؟ " فتطلب منه وصفا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية، وفي التنزيل: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] أي: أنحن أم أصحاب محمد ﵇؟ ٣. وفيه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] أي: الإنسي أم الجني؟ وأما "كم" فللسؤال عن العدد، فإذا قلت: "كم درهما لك؟ وكم رجلا رأيت؟ " فكأنك قلت: "أعشرون أم ثلاثون أم كذا أم كذا؟ " وتقول: "كم درهمك؟ وكم مالك؟ أي: كم دانقا٤ أو كم دينارا؟ وكم ثوبك؟ أي: كم شبرا أو كم ذراعا؟ وكم زيد ماكث؟ أي: كم يوما أو كم شهرا؟ وكم رأيتك؟ أي: كم مرة؟ وكم سرت؟ أي: كم فرسخا؟ أو كم يوما؟ قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] أي: كم يوما؟ أو كم ساعة؟ وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾

стр. 258

[المؤمنون: ١١٢] ، وقال: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] . ومنه قول الفرزدق "من الكامل": كم عمة لك يا جرير وخالة ... فَدْعَاء قد حلبت علي عِشارى١ فيمن روى بالنصب، وعلى رواية الرفع تحتمل الاستفهامية والخبرية٢. وأما "كيف" فللسؤال عن الحال، إذا قيل: "كيف زيد؟ " فجوابه: صحيح، أو سقيم، أو مشغول، أو فارغ، ونحو ذلك. وأما "أين" فللسؤال عن المكان, إذا قيل: "أين زيد؟ " فجوابه: في الدار، أو في المسجد, أو في السوق، ونحو ذلك. وأما "أنَّى" فتستعمل تارة بمعنى "كيف" قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: كيف شئتم، وأخرى بمعنى: "من أين"٣ قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] أي: من أين لك هذا؟ وأما "متى، وأيّان" فللسؤال عن الزمان، إذا قيل: "متى جئت؟ " أو "أيان جئت؟ " قيل: يوم الجمعة، أو يوم الخميس، أو شهر كذا، أو سنة كذا. وعن علي بن عيسى الربعي: أن "أيان" تستعمل في مواضع التفخيم٤؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] ، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] . ثم هذه الألفاظ كثيرا ما تستعمل في معانٍ غير الاستفهام بحسب ما يناسب

стр. 259

المقام١؛ منها الاستبطاء٢ نحو: "كم دعوتك؟ " وعليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] . ومنها التعجب٣ نحو قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] . ومنها التنبيه على الضلال٤ نحو: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] . ومنها الوعيد٥؛ كقولك لمن يسيء الأدب: "ألم أؤدب فلانا؟ " إذا كان عالما بذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] . ومنها الأمر٦ نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] , ونحو: ﴿فَهَلْ

стр. 260

مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] . ومنها التقرير١: ويُشترط في الهمزة أن يليها المقرَّر به٢ كقولك: أفعلتَ؟ إذا أردتَ أن تقرره بأن الفعل كان منه، وكقولك: "أأنت فعلت؟ " إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل. وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي٣ وغيرهما إلى أن قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] من هذا الضرب. قال الشيخ٤: لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يريدون أن يُقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان، وكيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ وقال ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ولو كان التقرير بالفعل في قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾ لكان الجواب: "فعلتُ أو لم أفعل"٥. وفيه نظر؛ لجواز أن تكون الهمزة فيه على أصلها٦؛ إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه ﵇ هو الذي كسر الأصنام، وكقولك: "أزيدا ضربتَ؟ " إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه زيد.

стр. 261

ومنها الإنكار١: إما للتوبيخ، بمعنى: ما كان ينبغي أن يكون٢ نحو: "أعصيتَ ربك؟ " أو بمعنى: لا ينبغي أن يكون٣؛ كقولك للرجل يضيع الحق: "أتنسى قديم إحسان فلان؟ " وكقولك هذا للرجل يركب الخَطَر: أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ والغرض بذلك تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل أو يرتدع عن فعل ما همّ به. وإما للتكذيب بمعنى: "لم يكن" كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] وقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ، أو بمعنى: لا يكون؛ نحو: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] ، وعليه قول امرئ القيس "من الطويل": أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ ٤ فيمن روى "أيقتلني؟ "٥ بالاستفهام. وقول الآخر "من الطويل": أأترك أن قلّت دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذن للئيم٦ والإنكار كالتقرير يشترط "فيه" أن يلي المنكر الهمزة، كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ، ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] ، ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾

стр. 262

[القمر: ٢٤] ، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢] ، أي: ليسوا هم المتخيرين للنبوة من يصلح لها، المتولين لقسم رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته. وعد الزمخشري قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] من هذا الضرب، على أن المعنى: أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان؟ أو أفأنت تقدر على هدايتهم؟ على سبيل القصر والإلجاء؛ أي: إنما يقدر على ذلك اللهُ لا أنت. وحمل السكاكي١ تقديم الاسم في هذه الآيات الثلاث٢ على البناء على الابتداء، دون تقدير التقديم والتأخير؛ كما مر٣ في نحو: "أنا ضربت" فلا يفيد إلا تقوِّي الإنكار٤. ومن مجيء الهمزة للإنكار نحو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] , وقول جرير "من "الوافر": ألستم خير من رَكِب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح٥ أي: الله كافٍ عبده، وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي: للتقرير بما دخله النفي, لا للتقرير

стр. 263

بالانتفاء١. وإنكار الفعل مختص بصورة أخرى٢، وهي نحو قولك: "أزيدا ضربتَ أم عمرا؟ " لمن يدعي أنه ضرب إما زيدا وإما عمرا دون غيرهما؛ لأنه إذا لم يتعلق الفعل بأحدهما، والتقدير أنه لم يتعلق بغيرهما؛ فقد انتفى من أصله لا محالة، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] أخرج اللفظ مخرجه؛ إذ كان قد ثبت تحريم في أحد الأشياء ثم أريد معرفة عين المحرَّم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله. وكذا قوله: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] إذ معلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أُخرِج مُخْرَجَه إذا كان الأمر كذلك؛ ليكون أشد لنفي ذلك وإبطاله، فإنه إذا نُفِي الفعل عما جُعل فاعلا له في الكلام، ولا فاعل له غيره، لزم نفيه من أصله. قال السكاكي رحمه الله٣: "وإياك أن يزول عن خاطرك التفصيل الذي سبق٤ في نحو: أنا ضربت، وأنت ضربت، وهو ضرب من احتمال الابتداء، واحتمال التقديم، وتفاوت المعنى في الوجهين، فلا تحملْ نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] على التقديم، فليس المراد أن الإذن يُنْكَر من الله دون غيره٥، ولكن احملْه على الابتداء مرادا منه تقوية حكم الإنكار".

стр. 264

وفيه نظر؛ لأنه إن أراد أن نحو هذا التركيب -أعني ما يكون الاسم الذي يلي الهمزة فيه مُظهَرا- لا يفيد توجه الإنكار إلى كونه فاعلا للفعل الذي بعده؛ فهو ممنوع١، وإن أراد أنه يفيد ذلك إن قدر تقديم وتأخير، وإلا فلا -على ما ذهب إليه فيما سبق- فهذه الصورة مما منع هو ذلك فيه على ما تقدم٢. لا يقال: قد يلي الهمزةَ غيرُ المنكر في غير ما ذكرتم، كما في قوله "من الطويل": أيقتلني والمشرفي مضاجعي٣؟! فإن معناه أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي٤ بدليل قوله: يغط غطيط البكر شُدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال٥ لأنا نقول: ليس ذلك معناه؛ لأنه قال: "والمشرفي مضاجعي" فذكر ما يكون منعا من الفعل، والمنع إنما يحتاج إليه مع من يُتصور صدور الفعل منه دون من يكون في نفسه عاجزا عنه. ومنها التهكم٦ نحو: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا

стр. 265

مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] . ومنها التحقير١ كقولك: من هذا؟ وما هذا؟ ومنها التهويل٢ كقراءة ابن عباس ﵄: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ٣٠، ٣١] بلفظ الاستفهام، لما وصف الله تعالى العذاب بأنه مُهين لشدته وفظاعة شأنه، أراد أن يصور كُنْهه فقال: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أتعرفون من هو في فرط عتوه وتجبره؟ ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذَّب به؟ ثم عرّف حاله بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ . ومنها الاستبعاد٣ نحو: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣، ١٤] . ومنها التوبيخ والتعجيب جميعا٤؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ

стр. 266

أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: كيف تكفرون, والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ وأما التوبيخ؛ فلأن الكفر مع هذه الحال يُنبئ عن الانهماك في الغفلة أو الجهل. وأما التعجيب؛ فلأن هذه الحال تأبى ألا يكون للعاقل علم بالصانع، وعلمه به يأبى أن يكفر، وصدور الفعل مع الصارف القويّ مظنة تعجب، ونظيره: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] .

стр. 267

تمرينات على التمني والاستفهام: تمرين١: ١- لماذا آثر الشاعر في التمني "ليت" على غيرها في قوله: ليت الكواكب تدنو لي فأنظِمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كَلِمي؟ ٢- لماذا أوثرت "لو" في التمني على "ليت" في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] ؟ تمرين٢: ١- بين ما تدل عليه "هل" في قوله تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] , وما الداعي إلى إيثارها على غيرها فيه؟ ٢- بين معنى الاستفهام في قول الشاعر: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر؟ تمرين٣: ١- هل الإنكار بالاستفهام في البيت الآتي للتوبيخ أو للتكذيب؟ وهل المقصود به الفعل أو غيره؟ أعندي وقد مارست كل خفية ... يُصدَّق واشٍ أو يُخَيَّب سائل ٢- بين ما يدل عليه الاستفهام في قول الشاعر: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يُضير!! تمرين٤: ١- بين معنى "هل" في قول الشاعر: هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض؟ ٢- بين معنى "ليت" في قول الشاعر: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شَنّوا الإغارة فرسانا وركبانا

стр. 268

الأمر: الأمر: ومن أنواع الإنشاء الأمر، والأظهر أن صيغته -من المقترنة باللام، نحو: "ليحضر زيد" وغيرها، نحو: "أكرم عمرا" و"رويد بكرا"- موضوعة لطلب الفعل استعلاء؛ لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك، وتوقف ما سواه على القرينة. قال السكاكي١: ولإطباق أئمة اللغة على إضافتها إلى الأمر بقولهم: "صيغة الأمر، ومثال الأمر، ولام الأمر"، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل٢. ثم إنها -أعني: صيغة الأمر- قد تستعمل في غير طلب الفعل استعلاء، بحسب مناسبة المقام٣؛ كالإباحة٤؛ كقولك في مقام الإذن: "جالس الحسن أو ابن سيرين". ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير "من الطويل": أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلَّتِ٥ أي: لا أنت ملومة ولا مقلية، ووجه حسنه: إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت

стр. 269

لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أي: مهما اخترتِ في حقي من الإساءة والإحسان؛ فأنا راضٍ به غاية الرضا؛ فعامليني بهما، وانظري: هل تتفاوت حالي معكِ في الحالين؟ والتهديد١ كقولك لعبد شتم مولاه وقد أدّبه: "اشتُم مولاك". وعليه قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] . والتعجيز٢ كقولك لمن يدعي أمرا تعتقد أنه ليس في وُسْعه: "افعلْه"، وعليه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] . والتسخير٣ نحو: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] . والإهانة٤ نحو: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] , وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . والتسوية٥ كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] ,

стр. 270

وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] . والتمني١ كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٢ والدعاء: إذا استُعملتْ في طلب الفعل على سبيل التضرع٣ نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] . والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف٤؛ كقولك لمن يساويك في الرتبة: "افعل" بدون الاستعلاء. والاحتقار٥ نحو: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] . ثم الأمر: قال السكاكي٦: "حقه الفور؛ لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافه إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع, وإرادة التراخي" والحق خلافه؛ لما تبين في أصول الفقه٧.

стр. 271

النهي: ومنها النهي، وله حرف واحد وهو "لا" الجازمة في نحو قولك: "لا تفعلْ"؛ وهو كالأمر في الاستعلاء، وقد يستعمل في غير طلب الكف أو الترك١؛ كالتهديد٢؛ كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: "لا تمتثل أمري". واعلم أن هذه الأربعة -أعني التمني والاستفهام والأمر والنهي- تشترك في كونها قرينة دالة لى تقدير الشرط بعدها٣ كقولك: "ليت لي مالا أنفقه" أي: إن أُرزقه، وقولك: "أين بيتك أزرْك" أي: إن تُعرِّفنيه، وقولك: "أكرمني أكرمك"، أي: إن تكرمني، قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] بالجزم، فأما

стр. 272

قراءة الرفع فقد حملها الزمخشري على الوصف١، وقال السكاكي٢: الأولى حملها على الاستئناف دون الوصف؛ لهلاك يحيى قبل زكريا ﵉ وأراد بالاستئناف أن يكون جواب سؤال مقدر تضمنَه ما قبله، فكأنه لما قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ قيل: ما تصنع به؟ فقال: ﴿يَرِثُنِي﴾ فلم يكن داخلا في المطلوب بالدعاء٣. وقولك: "لا تشتم يكن خيرا لك"؛ أي: إن لا تشتم. وأما العرض كقولك لمن تراه لا ينزل: "ألا تنزل تصب خيرا" أي: إن تنزل، فمولّد من الاستفهام٤، وليس به؛ لأن التقدير: أنه لا ينزل؛ فالاستفهام عن عدم النزول طلب للحاصل، وهو محال. وتقدير الشرط في غير هذه المواضع لقرينة جائز أيضا؛ كقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: إن أرادوا وليا بالحق, فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه٥. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ١, أي: لو كان معه إله إذن لذهب.

стр. 273

النداء: ومنها النداء١: وقد تستعمل صيغته في غير معناه: كالإغراء في قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم٢. والاختصاص٣ في قولهم: "أنا أفعل كذا أيها الرجل٤، ونحن نفعل كذا أيها

стр. 274

القوم، واغفر اللهم لنا أيتها العصابة"؛ أي: متخصصا من بين الرجال، ومتخصصين من بين الأقوام والعصائب. ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء١: إما للتفاؤل، أو لإظهار الحرص في وقوعه كما مر٢. والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل الوجهين٣، أو للاحتراز عن صورة الأمر؛ كقول العبد للمولى إذا حوّل عنه وجهه: "ينظر المولى إلي ساعة" أو لحمل المخاطب على المطلوب؛ بأن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب٤، أو لنحو ذلك٥.

стр. 275

تنبيه: ما ذكرناه في الأبواب الخمسة السابقة ليس كله مخصَّصا بالخبر، بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر١ يظهر ذلك بأدنى تأمل؛ فليعتبره الناظر.

стр. 276

تمرينات على الأمر والنهي والنداء: تمرين١: ١- ما يُرَاد بالنهي في قول الشاعر: لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا؟ ٢- ما يراد بالأمر في قول الشاعر: أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلا مخلدا؟ تمرين٢: ١- ما يراد بالنداء في قول الشاعر: يا درة نُزعت من تاج والدها ... فأصبحت حلية في تاج رضوان؟ ٢- لماذا أتى بنداء القريب في قول الشاعر: أَأُبَيّ لا تبعد وليس بخالد ... حي، ومن تصب المَنُون بعيد؟ تمرين٣: ١- لأي شيء استُعمل الأمر باللام في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] ؟ ٢- لماذا أُتي بنداء البعيد في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ؟ وما يراد بالأمر فيه؟ تمرين٤: ١- لماذا عُبِّر بالخبر عن الطلب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] ؟ ٢- ما يراد بالأمر في قول الشاعر: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتْنا يا جرير المجامع؟

стр. 277

الباب السابع: القول في الوصل والفصل تعريف الوصل والفصل: الوصل: عطف بعض الجمل على بعض، والفصل: تركه١. وتمييز موضع

стр. 278

ونحوه١ مقبولا في المفرد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة٢ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] ٣ يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولا في الجملة، ذلك كقولك: "زيد يكتب ويُشعِر، أو يعطي ويمنع", وعليه قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ؛ ولهذا عِيبَ على أبي تمام قوله "من الطويل": لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم٤

стр. 279

إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر١. الفصل لعدم الاشتراك في الحكم: وإن لم يقصد ذلك تُرك عطفها عليها٢ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤, ١٥] لم يعطف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ؛ لأنه لو عطف عليه؛ لكان من مقول المنافقين؛ وليس منه. وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢] ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] . الوصل بغير الواو من حروف العطف: وعلى الثاني إن قصد بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف العطف سوى الواو, عُطفت عليها بذلك الحرف٣ فتقول: "دخل زيد فخرج

стр. 280

عمرو" إذا أردتَ أن تخبر أن خروج عمرو كان بعد دخول زيد من غير مهلة، وتقول: "خرجت ثم خرج زيد" إذا أردت أن تخبر أن خروج زيد كان بعد خروجك بمهلة، وتقول: "يعطيك زيد دينارا أو يكسوك جبة" إذا أردت أن تخبر أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه، وعليه قوله تعالى: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] . الفصل لعدم الاشتراك في القيد: وإن لم يقصد ذلك, فإن كان للأول حكم ولم يقصد إعطاؤه للثانية؛ تعين الفصل١؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] لم يعطف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُوا﴾ لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدَّم٢، وهو قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ فإن استهزاء الله بهم -وهو أن خذلهم، فخلاهم وما سوَّلتْ لهم أنفسهم، مستدرجا إياهم من حين لا يشعرون- متصل لا ينقطع بكل حال، خلوا إلى شياطينهم أم لم

стр. 281

يخلوا إليهم، وكذلك في الآيتين الأخيرتين١؛ فإنهم مفسدون في جميع الأحيان؛ قيل لهم: لا تفسدوا، أو لا، وسفهاء في جميع الأوقات؛ قيل لهم: آمنوا، أو لا. أحوال أخرى للفصل: وإن لم يكن للأولى حكم كما سبق، فإن كان بين الجملتين كمال الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود كما سيأتي، أو كمال الاتصال، أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، أو بمنزلة المتصلة بها, فكذلك يتعين الفصل٢. أما في الصورة الأولى؛ فلأن الواو للجمع، والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبة بينهما كما مر. وأما في الثانية؛ فلأن العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه، مع أن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه٣. وأما في الثالثة والرابعة فظاهر مما مر٤.

стр. 282

الأول: كمال الانقطاع: وأما كمال الانقطاع فيكون لأمر يرجع إلى الإسناد، أو إلى طرفيه: الأول: أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى؛ كقولهم: "لا تدنُ من الأسد يأكلك"، و"هل تصلح لي كذا أدفع إليك الأجرة؟ " بالرفع فيهما. وقول الشاعر "من البسيط": وقال رائدهم: ارسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار١ أو معنى لا لفظا؛ كقولك: "مات فلان ﵀"٢. أما قول اليزيدي "من السريع": ملّكتُهُ حَبْلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي وقال: إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب٣ فعده السكاكي٤ ﵀ من هذا الضرب, وحمله الشيخ عبد القاهر٥

стр. 283

-﵀ على الاستئناف بتقدير: "قلت"١. الثاني: ألا يكون بين الجملتين جامع كما سيأتي٢.

стр. 284

الثاني: كمال الاتصال. وأما كمال الاتصال فيكون لأمور ثلاثة: الأول: أن تكون الثانية مؤكدة للأولى، والمقتضي للتأكيد دفع توهم التجوز والغلط، وهو قسمان: أحدهما: أن تنزّل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في المعنى١؛ كقوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] , فإن وزان "لا ريب فيه" في الآية وزان "نفسه" في قولك: "جاءني الخليفة نفسه"٢، فإنه لما بُولِغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى من

стр. 285

الكمال بجعل المبتدأ "ذلك" وتعريف الخبر باللام١؛ كان عند السامع قبل أن يتأمله مظنة أنه مما يُرْمَى به جزافا من غير تحقق٢، فأتبعه ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ نفيا لذلك٣ إتباع "الخليفة نفسه" إزالةً لما عسى أن يتوهم السامع أنك في قولك: "جاءني الخليفة" متجوز أو ساهٍ، وكذا قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] . الثاني مقرر لما أفاده الأول٤. وكذا قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ؛ لأن قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ معناه الثبات على اليهودية، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رد للإسلام، ودفع له منهم؛ لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع له لكونه غير معتد به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته٥. ويحتمل الاستئناف٦؛ أي: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد؟
следующие страницы →