أغراض تقديم بعض المعمولات على بعض:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض فهو:
إما لأن أصله التقديم ولا مقتضي للعدول عنه١؛ كتقديم الفاعل على المفعول٢ نحو: "ضرب زيد عمرا"، وتقديم المفعول الأول على الثاني، نحو: "أعطيت زيدا درهما".
وإما لأن ذكره أهم، والعناية به أتم٣.
стр. 212
فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه، لا وقوعه ممن وقع منه؛ كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى، فقُتل، وأردت أن تخبر بقتله، فتقول: "قَتَلَ الخارجيَّ فلانٌ" بتقديم "الخارجي"؛ إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله، وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلُصوا من شره.
ويقدم الفاعل على المفعول: إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه، لا وقوعه على من وقع عليه، كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يُقدّر فيه أن يَقتل، فقتل رجلا، وأردت أن تخبر بذلك، فتقول "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن، ومعلوم أنه لم يكن نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه، بل من حيث كان واقعا ممن وقع منه.
وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] ، قدم المخاطبين١ في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ؛ فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع؛ فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم؛ لأن حاصل، فكان٢ أهم؛ فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما لأن في التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
стр. 213
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فإنه لو أخّر ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لتُوهم أن ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَكْتُمُ﴾ ، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون١.
أو التناسب, كرعاية الفاصلة، نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٢.
وإما لاعتبار آخر مناسب٣.
وقسم السكاكي٤ التقديم للعناية -مطلقا٥- قسمين:
أحدهما: أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالمبتدأ المعرَّف٦؛ فإن أصله التقديم على الخبر؛ نحو: "زيد عارف" وكذي الحال المعرف، فإن أصله التقديم على الحال، نحو: "جاء زيد راكبا"، وكالعامل؛ فإن أصله التقديم على معموله، نحو: "عرف زيد عمرا، وكان زيد عارفا، وإن زيدا عارف"، وكالفاعل؛ فإن أصله التقديم على المفعولات وما يُشبهها من الحال والتمييز، نحو: "ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له، ممتلئا من الغضب"، و"امتلأ الإناء ماء"، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب
стр. 214
"علمت"١ نحو: "علمت زيدا منطلقا"، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب "أعطيت" و"كسوت"٢؛ نحو: "أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا جبة"٣، وكالمفعول المتعدَّى إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدَّى إليه بواسطة؛ نحو: "ضربت الجاني بالسوط". وكالتوابع, فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات٤.
ثانيهما: أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه لكونه في نفسه نُصْبَ عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد، كما تجدك قد مُنيتَ بهجْر حبيبك وقيل لك: ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب أتمنى" وعليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي: على القول٥ بأن ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا ﴿وَجَعَلُوا﴾ .
أو لعارض يورثه ذلك٦: كما إذا توهمت أن مخاطَبك ملتفت الخاطر إليه، ينتظر أن تذكر، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالا للذكر صالحا أوردته، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] قُدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل من إصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنة أن يلعن السامع -على مجرى العادة- تلك القرية، ويبقى مُجيلا في فكره: أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر
стр. 215
-دانٍ أم قاصٍ- منبت خير؟ منتظرا لإلمام الحديث به، بخلاف ما في سورة القصص١.
أو كما إذا وُعدت٢ ما تستبعد وقوعه من جهتين؛ إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى؛ فإنك -حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما- تجد تفاوتا في إنكارك إياه قوة وضعفا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك -إذا أنكرت- تقول في الأول٣: شيء حاله في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وُعدت هذا أنا وأبي وجدي, فتقدم المنكر على المرفوع٤. وفي الثاني: لقد وُعدت أنا وأبي وجدي هذا, فتؤخر. وعليه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٨] , وقوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ [المؤمنون: ٨٣] فإن ما قبل الأولى: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وما قبل الثانية: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ , فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا
стр. 216
شبهة أن الأول أدخل عندهم في تبعيد البعث١.
أو كما إذا عرفت في التأخير مانعا٢ كما في قوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بتقديم المجرور على الوصف٣؛ لأنه لو أُخِّر عنه -وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول، وتمامه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ - لاحتمل أن يكون من صلة الدنيا، واشتبه الأمر في القائلين: إنهم من قومه أم لا, بخلاف قوله تعالى في موضع آخر منها: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فإنه جاء على الأصل٤؛ لعدم المانع، وكان في قوله تعالى في سورة طه: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] للمحافظة على الفاصلة، بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] .
وفيما ذكره نظر من وجوه:
أحدها: أنه جعل تقديم ﴿لِلَّهِ﴾ على ﴿شُرَكَاءَ﴾ للعناية والاهتمام، وليس كذلك؛ فإن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق ﴿وَجَعَلُوا﴾ بـ ﴿لِلَّهِ﴾ منكرا من غير اعتبار تعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ ، إذ لا ينكر أن يكون جعل "ما" متعلقا به, فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ , وتعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ كذلك
стр. 217
منكرا باعتبار تعلقه بـ "الله"، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها١.
وقد عُلم بهذا أن كل فعل متعد إلى مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر؛ إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية.
وثانيها: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى، والتقديم للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه٢.
وثالثها: أن تعلق "من قومه" بـ "الدنيا" على تقدير تأخره غير معقول المعنى إلا على وجه بعيد٣.
стр. 218
تمرينات على التقديم والتأخير:
تمرين١:
١- لماذا قدم الظرف على الفعل في قول الشاعر:
أبعد المشيب المنقضي في الذوائب ... تحاول وصل الغانيات الكواعب؟
٢- هل تقديم الجار المجرور للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قول الشاعر:
على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن؟
تمرين٢:
١- لماذا قدم المفعول الثاني على نائب الفاعل في قول الشاعر:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي؟!
٢- لماذا قدم الجار والمجرور على متعلقه, وعلى الفاعل في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] ؟
تمرين٣:
١- ما الغرض من تقديم المفعول على الفعل في قول الشاعر:
صهوة الجو اعتلوا تحسبهم ... جمع أفلاك على الخيل تسامى؟
٢- ما الغرض من تقديم الجار والمجرور على الفعل في قول الشاعر:
إذا شئت يوما أن تسود عشيرة ... فبالحلم سُدْ لا بالتسرع والشتم؟
تمرين٤:
١- لماذا قدم المفعول على الفعل في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٣، ٤] ؟
٢- هل تقديم الجار والمجرور للاهتمام أو للتخصيص في قول الشاعر:
بك اقتدت الأيام في حسناتها ... وشيمتها لولاك هم وتكريب؟
стр. 219
٣- ما الغرض من تقديم بعض المعمولات على بعض في قول الشاعر:
ألقت مقاليدها الدنيا إلى رجل ... ما زالت وقفا عليه الجود والكرم
إلى هنا تم بحمد الله الجزء الأول كما قسمه المؤلف ﵀
"ويليه الجزء الثاني وأوله: القصر في علم المعاني"
"وقد أرجأنا فهرس المحتويات إلى آخر الجزء الثاني حيث ينتهي علم المعاني"
стр. 220
المجلد الثاني
تكملة الفن الأول: علم المعاني
الباب الخامس: القول في القصر
القصر
القصر حقيقي، وغير حقيقي ١:
وكل واحد منهما ضربان: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على
стр. 221
الموصوف١. والمراد الصفة المعنوية٢ لا النعت.
والأول من الحقيقي كقولك: "ما زيد إلا كاتب" إذا أردت أنه لا يتصف بصفة غير الكتابة، وهذا لا يكاد يوجد في الكلام؛ لأنه ما من متصور إلا وتكون له صفات تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر٣.
والثاني منه كثير؛ كقولنا: "ما في الدار إلا زيد"٤. والفرق بينهما ظاهر؛
стр. 222
فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الصفة المذكورة، وفي الثاني يمتنع، وقد يقصد به١ المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور، فينزّل منزلة المعدوم.
والأول من غير الحقيقي: تخصيص أمر بصفة دون أخرى٢ أو مكانَ أخرى، والثاني منه: تخصيص صفة بأمر دون آخر٣ أو مكان آخر، فكل واحد منهما ضربان، والمخاطب بالأول من ضربي كل "أعني تخصيص أمر بصفة دون أخرى, وتخصيص صفة بأمر دون آخر" من يعتقد الشركة٤؛ أي: اتصاف ذلك الأمر بتلك
стр. 223
الصفة وغيرها جميعا في الأول، واتصاف ذلك الأمر وغيره جميعا بتلك الصفة في الثاني، فالمخاطب بقولنا: "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد أن زيدا كاتب وشاعر, وبقولنا: "ما شاعر إلا زيد" من يعتقد أن زيدا شاعر، لكن يدعي أن عمرا أيضا شاعر، وهذا يسمى قصر إفراد؛ لقطعه الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف، أو بين الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة.
والمخاطب بالثاني من ضربي كل "أعني تخصيص أمر بصفة مكان أخرى, وتخصيص صفة بأمر مكان آخر": إما من يعتقد العكس؛ أي: اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضا عنها في الأول، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضا عنه في الثاني، وهذا يسمى قصر القلب؛ لقلبه حكم السامع، وإما من تساوى الأمران عنده؛ أي: اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه بغيرها في الأول، واتصافه بها واتصاف غيره بها في الثاني، وهذا يسمى قصر تعيين؛ فالمخاطب بقولنا: "ما زيد إلا قائم" من يعتقد أن زيدا قاعد لا قائم، أو يعلم أنه إما قاعد أو قائم ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعينه، وبقولنا: "ما قائم إلا زيد" من يعتقد أن عمرا قائم لا زيدا، أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم من هو منهما بعينه١.
стр. 224
وشرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا عدم تنافي الصفتين١؛ حتى تكون المنفية في قولنا: "ما زيد إلا شاعر" كونه كاتبا أو منجما أو نحو ذلك، لا كونه مفحما لا يقول الشعر؛ ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما. وشرط قصره قلبا تحقق تنافيهما؛ حتى تكون المنفية في قولنا: "ما زيد إلا قائم" كونه قاعدا أو جالسا أو نحو ذلك، لا كونه أسود أو أبيض أو نحو ذلك؛ ليكون إثباتها مشعرا بانتفاء غيرها٢. وقصر التعيين أعم؛ لأن اعتقاد كون الشيء موصوفا بأحد أمرين معينين على الإطلاق لا يقتضي جواز اتصافه بهما معا، ولا امتناعه، وبهذا عُلم أن كل ما يصلح أن يكون مثالا لقصر الإفراد أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالا لقصر التعيين، من غير عكس٣. وقد أهمل السكاكي٤ القصر الحقيقي، وأدخل قصر التعيين في قصر الإفراد٥، فلم
стр. 225
يشترط في قصر الموصوف إفرادا عدم تنافي الصفتين١، ولا في قصره قلبا تحقق تنافيهما٢.
стр. 226
تمرينات على أقسام القصر:
تمرين١:
١- هل القصر في البيت الآتي حقيقي أم إضافي:
قد علمت سلمى وجارتها ... ما قطّر الفارس إلا أنا؟
٢- بأي اعتبار ينقسم القصر إلى حقيقي وغير حقيقي؟ وما فائدة هذا التقسيم بلاغة؟ ولماذا أهمله السكاكي؟
تمرين٢:
١- من أي القصرين -قصر الموصوف على الصفة, أو العكس- قول الشاعر:
وما المرء إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق؟
٢- بأي اعتبار ينقسم القصر إلى قصر صفة على موصوف، وبالعكس؟ وما فائدة ذلك بلاغة؟
تمرين٣:
١- هل القصر في البيت الآتي قصر إفراد أم قصر تعيين:
فإن كان في لبس الفتى شرف ... فما السيف إلا غمده والحمائل؟
٢- بأي اعتبار ينقسم القصر إلى: قصر إفراد وقصر قلب وقصر تعيين؟ وما فائدة ذلك بلاغة؟ وما هو الحال ومقتضى الحال في الأقسام الثلاثة؟
تمرين٤:
١- هل من القصر الحقيقي أو الادعائي قول الشاعر:
وما البأس إلا حمل نفس على السرى ... وما العجز إلا نومة وتشمس؟
٢- هل يأتي القصر الادعائي في القصر الإضافي؟ وأيهما أبلغ: الحقيقي أم الادعائي؟
стр. 227
طرق القصر:
وللقصر طرق؛ منها:
١- العطف١: كقولك في قصر الموصوف على صفة إفرادا: "زيد شاعر لا كاتب"، أو "ما زيد كاتبا بل شاعر"٢ وقلبا: "زيد قائم لا قاعد"، أو "ما زيد قاعدا بل قائم"٣، وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا أو قلبا بحسب المقام: "زيد قائم لا عمرو" أو: "ما عمرو قائما بل زيد"٤.
стр. 228
٢- النفي والاستثناء:
ومنها النفي والاستثناء١؛ كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادا: "ما زيد إلا شاعر" وقلبا: "ما زيد إلا قائم"، وتعيينا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] أي: لستم في دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب٢ كما يكون ظاهر حال المدعي إذا ادعى، بل أنتم عندنا كاذبون فيها. وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين٣: "ما قائم" أو "ما من قائم" أو "لا قائم إلا زيد".
وتحقيق وجه القصر في الأول٤ أنه متى قيل: "ما زيد" توجّه النفي إلى صفته لا ذاته؛ لأن أنفس الذوات يمتنع نفيها، وإنما تُنفَى صفاتها كما بُيّن ذلك في غير هذا العلم، وحيث لا نزاع في طوله وقصره وما شاكل ذلك، وإنما النزاع في كونه شاعرا أو كاتبا تناولهما النفي، فإذا قيل: "إلا شاعر" جاء القصر٥.
وفي الثاني٦ أنه متى قيل: "ما شاعر" فأدخل النفي على الوصف المسلَّم ثبوته -أعني الشعر- لغير من الكلام فيهما -كزيد وعمرو مثلا- توجه النفي إليهما، فإذا قيل: "إلا زيد" جاء القصر٧.
стр. 229
٣- إنما:
ومنها: إنما؛ كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادا١: "إنما زيد كاتب"،
стр. 230
وقلبا: "إنما زيد قائم"، وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين: "إنما قائم زيد". والدليل على أنها تفيد القصر كونها متضمنة معنى "ما وإلا"١ لقول المفسرين٢ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] بالنصب؛ معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو المطابق لقراءة الرفع٣ لما مر في باب: "المنطلق زيد"، ولقول النحاة٤: "إنما" لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه، ولصحة انفصال الضمير معها٥؛ كقولك: "إنما يُضرَب أنا" كما تقول: "ما يُضرَب إلا أنا"، قال الفرزدق "من الطويل":
стр. 231
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يُدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي١
وقال عمرو بن معديكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قَطَّر الفارس إلا أنا٢
قال السكاكي٣: ويذكر لذلك وجه لطيف يسند إلى علي بن عيسى الربعي, وهو أنه لما كانت كلمة "إن" لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها "ما" المؤكدة, لا النافية -كما يظنه من لا وقوف له على علم النحو- ناسب أن يُضمَّن معنى القصر؛ لأن القصر ليس إلا تأكيدا على تأكيد٤، فإن قولك: "زيد جاء لا عمرو" -لمن يردد المجيء الواقع بينهما- يفيد إثباته لزيد في الابتداء صريحا، وفي الآخَر ضمنا.
стр. 232
٤- التقديم:
ومنها التقديم١ كقولك في قصر الموصوف على الصفة:
إفرادا: "شاعرٌ هو" لمن يعتقده شاعرا وكاتبا.
وقلبا: "قائم هو" لمن يعتقده قاعدا٢.
وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا: "أنا كفيت مُهِمَّك" بمعنى وحدي، لمن يعتقد أنك وغيرك كفيتماه مهمه، وقلبا: "أنا كفيت مهمك" بمعنى لا غيري، لمن يعتقد أن غيرك كفى مهمه دونك، كما تقدم٣.
فروق طرق القصر:
وهذه الطرق تختلف من وجوه:
الأول: أن دلالة الثلاثة الأولى بالوضع دون الرابع٤.
стр. 233
الثاني: أن الأصل في الأول أن يدل على المثبت والمنفيّ جميعا بالنص، فلا يترك ذلك إلا كراهة الإطناب في مقام الاختصار، كما إذا قيل: "زيد يعلم النحو والتصريف والعروض والقوافي"، أو "زيد يعلم النحو, عمرو وبكر وخالد" فتقول فيهما: "زيد يعلم النحو لا غير"١، وفي معناه "ليس إلا" أي: لا غير النحو أو لا غير زيد, وأما الثلاثة الباقية فتدل بالنص على المثبت دون المنفي٢.
الثالث: أن النفي٣ لا يجامع الثاني؛ لأن شرط المنفي بـ "لا" ألا يكون منفيا قبلها بغيرها، ويجامع الأخيرين، فيقال: "إنما زيد كاتب لا شاعر، وهو يأتيني لا عمرو"؛ لأن النفي فيهما غير مصرح به٤ كما يقال: "امتنع زيد عن المجيء لا عمرو".
قال السكاكي٥: "شرط مجامعته للثالث: ألا يكون الوصف مختصا
стр. 234
بالموصوف١ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ؛ فإن كل عاقل يعلم أن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمع. وكذا قولهم: "إنما يعجل من يخشى الفوت"، قال الشيخ عبد القاهر٢: "لا تحسن مجامعته له في المختص كما تحسن في غير المختص، وهذا أقرب٣، قيل: ومجامعته له إما مع التقديم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] ، وإما مع التأخير؛ كقولك: "ما جاءني زيد, وإنما جاءني عمرو"، وفي كون نحو هذين مما نحن فيه نظر٤.
الرابع: أن أصل الثاني أن يكون ما استُعمل له مما يجهله المخاطَب وينكره٥؛ كقولك لصاحبك وقد رأيت شبحا من بعيد: "ما هو إلا زيد" إذا وجدتَه يعتقده غير زيد، ويصر على الإنكار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] .
وقد يُنَزَّل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب؛ فيستعمل له الثاني إفرادا؛ نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، أي: إنه ﷺ مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبرِّي من الهلاك؛ نزّل استعظامهم هلاكه منزلة
стр. 235
إنكارهم إياه١. ونحوه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢، ٢٣] ؛ فإنه ﷺ كان لشدة حرصه على هداية الناس يكرر دعوة الممتنعين عن الإيمان، ولا يرجع عنها، فكان في معرض من ظن أنه يملك مع صفة الإنذار إيجاد الشيء فما يمتنع قبوله إياه، أو قلبا؛ كقوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] ، أي: أنتم بشر لا رسل، نزّلوا المخاطَبين٢ منزلة من ينكر أنه بشر؛ لاعتقاد القائلين٣ أن الرسول لا يكون بشرا مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة. وأما قوله تعالى٤ حكايةً عن الرسل: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فمن مجاراة الخصم للتبكيت والإلزام والإفحام٥؛ فإن من عادة من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه؛
стр. 236
أن يعيد كلامه على وجهه، كما إذا قال لك من يناظرك: "أنت من شأنك كيت وكيت" فتقول: "نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا يلزمني من أجل ذلك ما ظننتَ أنه يلزم"، فالرسل ﵈ كأنهم قالوا: "إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم هو كما قلتم لا ننكره، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون الله تعالى قد مَنَّ علينا بالرسالة". وأصل الثالث أن يكون ما استُعمل له مما يعلمه المخاطب ولا ينكره، على عكس الثاني؛ كقولك: "إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم" لمن يعلم ذلك ويقر به، تريد أن ترقّقه عليه وتنبهه لما يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب١، وعليه قول أبي الطيب "من الخفيف":
إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولا٢
لم يرد أن يُعلِم كافورا أنه بمنزلة الوالد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكّره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه.
وقد ينزّل المجهول منزلة المعلوم؛ لادّعاء المتكلم ظهوره؛ فيستعمل له
стр. 237
الثالث١ نحو: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١] ادَّعوا أن كونهم مصلحين ظاهر جلي، ولذلك جاء: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] للرد عليهم مؤكَّدا بما ترى: من جعل الجملة اسمية، وتعريف الخبر باللام، وتوسيط الفصل٢، والتصدير بحرف التنبيه٣، ثم بـ "إن".
ومثله قول الشاعر "من الخفيف":
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء٤
ادعى أن كون مصعب -كما ذهب- جلي معلوم لكل أحد، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في كل ما يصفون به ممدوحيهم الجلاء، وأنهم قد شُهروا به حتى إنه لا يدفعه أحد؛ كما قال الآخر "من الطويل":
وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد٥
وكما قال البحتري "من الكامل":
стр. 238
لا أدَّعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه١
واعلم أن لطريق "إنما" مزية٢ على طريق العطف، وهي أنه يُعقل منها إثبات الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة، بخلاف العطف، وإذا ما استقريتَ وجدتَها أحسن ما تكون موقعا إذا كان الغرض بها التعريض بأمر هو مقتضى معنى الكلام بعدها٣ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] فإنه تعريض بذم الكفار، وأنهم من فرط العناد وغلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل؛ فأنتم في طمعكم منهم أن ينظروا ويتذكروا كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية فكأنه ليس له أذن تسمع، وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار. قال الشيخ عبد القاهر٤: ومثال ذلك من الشعر قوله "من المديد":
أنا لم أُرزَق محبتها ... إنما للعبد ما رُزِقا٥
стр. 239
فإنه تعريض بأنه قد علم أنه لا مطمع له في وصلها، فيئس من أن يكون منها إسعاف به. وقوله:
وإنما يعذر العشَّاق من عَشِقا١
يقول: ينبغي للعاشق ألا ينكر لوم من يلومه؛ فإنه لا يعلم كُنْه بلوى العاشق، ولو كان قد ابتُلي بالعشق مثله لعرف ما هو فيه فعذره. وقوله "من الكامل":
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نُجْح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يُدعَى الطبيب لساعة الأوصاب٢
يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه، وفي الثاني: إنّا قد طلبنا الأمر من جهته حين استعنّا بك فيما عرض لنا من الحاجة وعوّلنا على فضلك، كما أن من يعوِّل على الطبيب فيما يعرض له من السقم كان قد أصاب في فعله.
ثم القصر -كما يقع بين المبتدأ والخبر كما ذكرنا٣- يقع بين الفعل والفاعل
стр. 240
وغيرهما١؛ ففي طريق النفي والاستثناء يؤخّر المقصور عليه مع حرف الاستثناء, كقولك في قصر الفاعل على المفعول -إفرادا أو قلبا- بحسب المقام: "ما ضرب زيدٌ إلا عمرًا"٢ وعلى الثاني لا الأول قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ؛ لأنه ليس المعنى: "إني لم أزد على ما أمرتني به شيئا"؛ إذ ليس الكلام في أنه زاد شيئا على ذلك أو نقص منه، ولكن المعنى: "إني لم أترك ما أمرتني به أن أقوله لهم إلى خلافه"٣؛ لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى: "إنك يا عيسى تركتَ ما أمرتُك أن تقوله إلى ما لم آمرك أن تقوله؛ فإني أمرتك أن تدعو الناس إلى أن يعبدوني، ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا غيري"، بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وفي قصر المفعول على الفاعل: "ما ضرب عمرًا إلا زيد".
وفي قصر المفعول الأول على الثاني في نحو٤: "كسوتُ وظننتُ"، "ما كسوتُ زيدا إلا جبة"، و"ما ظننت زيدا إلا منطلقا".
وفي قصر الثاني على الأول: "ما كسوت جبة إلا زيدا"، و"ما ظننت منطلقا إلا زيدا". وفي قصر ذي الحال على الحال٥: "ما جاء زيد إلا راكبا".
стр. 241
وفي قصر الحال على ذي الحال: "ما جاء راكبا إلا زيد".
والوجه في جميع ذلك١ أن النفي في الكلام الناقص -أعني الاستثناء المفرغ- يتوجه إلى مقدر هو مستثنى منه عامّ٢ مناسب للمستثنى في جنسه وصفته، أما توجهه إلى مقدر هو مستثنى منه فلكون "إلا" للإخراج واستدعاء الإخراج مُخرَجا منه، وأما عمومه فليتحقق الإخراج منه؛ ولذلك قيل: تأنيث المضمر في "كانت" على قراءة أبي جعفر المدني: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس: ٢٩] بالرفع، وفي "تُرى" مبنيا للمفعول في قراءة الحسن: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] برفع ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ ، وفي "بقيتْ" في بيت ذي الرمة:
فما بقيت إلا الضلوع الجراشع٣
للنظر إلى ظاهر اللفظ، والأصل التذكير؛ لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء. وأما مناسبته في جنسه وصفته فظاهرة؛ لأن المراد بجنسه أن يكون في نحو: "ما ضرب زيد إلا عمرا": أحدا٤، وفي نحو قولنا: "وما كسوت زيدا إلا جبة" لباسا، وفي نحو: "ما جاء زيد إلا راكبا" كائنا على حال من الأحوال، وفي نحو: "ما اخترت رفيقا
стр. 242
إلا منكم" من جماعة من الجماعات, ومنه قول السيد الحميري "من السريع":
لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا١
لما سيأتي إن شاء الله تعالى أن أصله: ما اختار فارسا إلا منكم.
والمراد بصفته كونه فاعلا أو مفعولا أو ذا حال أو حالا، وعلى هذا القياس إذا كان النفي متوجها إلى ما وصفناه، فإذا أُوجب منه شيء جاء القصر٢.
ويجوز تقديم المقصور عليه مع حرف الاستثناء بحالهما على المقصور، كقولك: "ما ضرب إلا عمرا زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمرا، وما كسوت إلا جبة زيدا، وما ظننت إلا زيدا منطلقا، وما جاء إلا راكبا زيد، وما جاء إلا زيد راكبا". وقولنا: "بحالهما" احتراز عن إزالة حرف الاستثناء عن مكانه بتأخيره عن المقصور عليه؛ كقولك في الأول: "ما ضرب عمرا إلا زيدٌ" فإنه يختل المعنى٣؛ فالضابط أن الاختصاص إنما يقع في الذي يلي "إلا"٤.
ولكن استعمال هذا النوع -أعني تقديمها- قليل؛ لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها٥؛ كالضرب الصادر من زيد في: "ما ضرب زيد إلا عمرا" والضرب الواقع
стр. 243
على عمرو في: "ما ضرب عمرا إلا زيد" وقيل١: إذا أُخِّر المقصور عليه والمقصور عن "إلا" وقدم المرفوع كقولنا: "ما ضرب إلا عمرو زيدا" فهو على كلامين، و"زيدا" منصوب بفعل مضمر؛ فكأنه قيل: "ما ضرب إلا عمرو" أي: ما وقع ضرب إلا منه. ثم قيل: من ضرب؟ فقيل: "زيدا" أي: ضرب زيدا، وفيه نظر؛ لاقتضائه الحصر في الفاعل والمفعول جميعا٢.
وأما في "إنما" فيؤخر المقصور عليه٣، تقول: "إنما زيد قائم، وإنما ضرب زيد، وإنما ضرب زيد عمرا، وإنما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة، وإنما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة في السوق" أي: "ما زيد إلا قائم، وما ضرب إلا زيد، وما ضرب زيد إلا عمرا، وما ضرب زيد عمرا إلا يوم الجمعة، وما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة إلا في السوق"؛ فالواقع أخيرا هو المقصور عليه أبدا٤؛ ولذلك يقول: "إنما هذا
стр. 244
لك، وإنما لك هذا"، أي: ما هذا إلا لك، وما لك إلا هذا، حتى إذا أردت الجمع بين "إنما" والعطف فقل: "إنما هذا لك لا لغيرك، وإنما لك هذا لا ذاك، وإنما أخذ زيد لا عمرو، وإنما زيد يأخذ لا يعطي"١. ومن هذا تعثر على الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ [فاطر: ٢٨] وقولنا: "إنما يخشى
стр. 245
العلماءُ من عباد الله اللهَ" فإن الأول يقتضي قصر خشية الله على العلماء, والثاني يقتضي قصر خشية العلماء على الله١.
واعلم أن حكم "غير"٢ حكم "إلا" في إفادة القصرين؛ أي: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، وفي امتناع مجامعة "لا" العاطفة؛ تقول في قصر الموصوف إفرادا: "ما زيد غير شاعر"، وقلبا: "ما زيد غير قائم"، وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام: "لا شاعر غير زيد"، ولا تقول: "ما زيد غير شاعر ولا كاتب، ولا شاعر غير زيد ولا عمرو".
стр. 246
تمرينات على طرق القصر:
تمرين١:
١- بين لماذا أُوثر القصر بالعطف على غيره في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ؟ وبين ما فيه من مزايا القصر.
٢- بين طريق القصر، والمقصور، والمقصور عليه في قول الشاعر:
بك اجتمع الملك المبدد شمله ... وضمت قواصٍ منه بعد قواص
تمرين٢:
١- لماذا أوثر القصر بـ "إنما" في قول الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا؟
٢- من أي طرق القصر قول الشاعر:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو أم مخزوم ووالدك العبد؟
وما هو المقصور فيه؟ وما هو المقصور عليه؟
تمرين٣:
١- لماذا لم يُفِد تعريف المسند بـ "ال" القصر في قول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... وجدتُ بكاءك الحسن الجميلا؟
٢- لماذا أوثر القصر بالنفي والاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] وبـ "إنما" في قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] ؟
تمرين٤:
١- ما هو طريق القصر؟ وما هو المقصور عليه في قول الشاعر:
стр. 247
ما افترينا في وصفه بل وصفنا ... بعض أخلاقه وذلك يكفي؟
٢- بين كيف اختصت المزايا البلاغية بالقصر بطرقه من العطف وغيره؟
تمرين٥:
١- لماذا قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥] ولم يفد الاختصاص بطريق من طرقه المعروفة؟
٢- يأتي التوكيد لدفع التردد في نحو: "إن زيدا شاعر"، ويأتي قصر التعيين لدفع التردد في نحو: "إنما زيد شاعر"، فما هو الفرق بين دفع التردد فيهما؟
تمرين٦:
١- لماذا قدم المقصور عليه في قول الشاعر:
وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب؟
٢- بين موقع المقصور عليه في جملتيه في قول الشاعر:
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدا بيد
تمرين٧:
١- هل من قصر الفعل على الفاعل, أو من قصر المفعول عليه قول الشاعر:
في ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكي علينا إلا كواكبها؟
٢- بين الذي أفاد القصر -من التقديم أو العطف- في قول الشاعر:
للفتى من ماله ما قدمت ... يداه قبل موته لا ما اقتنى
٣- هل من القصر قول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان؟
٤- اختلف في إفادة الاستثناء من الإثبات بالقصر، فبين ما تختاره في ذلك.
стр. 248
الباب السادس: القول في الإنشاء
أقسام الإنشاء: الإنشاء ضربان: طلب، وغير طلب.
الطلب يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب؛ لامتناع تحصيل الحاصل١، وهو المقصود بالنظر ههنا٢، وأنواعه كثيرة.
أنواع الطلب:
التمني: منها التمني٣، واللفظ الموضوع له "ليت"، ولا يشترط في التمني
стр. 249
الإمكان، تقول: "ليت زيدا يجيء، وليت الشباب يعود". قال الشاعر "من الرجز":
يا ليت أيام الصِّبَا رواجعا١
وقد يُتمنى بـ "هل"٢؛ كقول القائل: "هل لي من شفيع" في مكان يعلم أنه لا شفيع له فيه٣ لإبراز المتمنى -لكمال العناية به- في صورة الممكن٤, وعليه قوله تعالى, حكاية عن الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣] . وقد يتمنى بـ "لو"٥ كقولك: "لو تأتيني فتحدثَني" بالنصب٦.
قال السكاكي٧: وكأن حروف التنديم والتحضيض: هَلَّا، وألّا بقلب الهاء همزة، و"لولا، ولوما" مأخوذة منهما٨ مركبتين مع "لا" و"ما" المزيدتين؛ لتضمينهما معنى التمني٩؛ ليتولد منه في الماضي التنديم، نحو: "هلا أكرمت زيدا"
стр. 250
وفي المضارع التحضيض، نحو: "هلا تقوم".
وقد يتمنى بـ "لعل" فتعطَى حكم ليت١، نحو: "لعلي أحج فأزورك" بالنصب؛ لبعد المرجو عن الحصول٢، وعليه قراءة عاصم في رواية حفص: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] .
ومنها الاستفهام٣.
والألفاظ الموضوعة له: "الهمزة"، و"هل"، و"ما"، و"من"، و"أي"، و"كم"، و"كيف"، و"أين"، و"أنى"، و"متى"، و"أيّان".
فالهمزة لطلب التصديق٤، كقولك: "أقام زيد؟ وأزيد قائم؟ " أو التصور٥: كقولك: "أدِبْس في الإناء أم عَسَل؟ " أو: "أفي الخابية دبسك أم في الزق؟ " ولهذا لم