Полный текст (710 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
كان يحصل بدون هذا الضمير؛ بأن يقال: "جاءني زيد يسرع أو مسرعا"؛ فالإتيان به يشعر بقصد الاستئناف المنافي للاتصال؛ فلا يصلح لأن يستقل بإفادة الربط؛ فتجب الواو". وقال أيضا: إن جعل نحو: "على كتفه سيف"١ "بتقديم الظرف" حالا عن شيء، كما في قولنا: "جاء زيد على كتفه سيف"؛ كثر فيها أن تجيء بغير واو؛ كقول بشار "من الطويل":
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي عليّ سواد٢
يعني: علي بقية من الليل.
وقول أبي الصلت عبد الله الثقفي يمدح ابن ذي يزن "من البسيط":
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا٣
وقول الآخر "من الطويل":
لقد صيرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب٤
ثم قال٥: والوجه أن يقدر الاسم في الأمثلة مرتفعا بالظرف؛ فإنه جائز باتفاق
стр. 317
من صاحب الكتاب وأبي الحسن١ لاعتماده على ما قبله٢، ثم اختار أن يكون الظرف ههنا خاصة في تقدير اسم فاعل، وجوّز أيضا أن يكون في تقدير فعل ماضٍ مع "قد"، ومنع أن يكون في تقدير فعل مضارع، ولعله إنما اختار تقديره باسم فاعل لرجوع الحال حينئذ إلى أصلها في الإفراد؛ ولهذا كثر مجيئها بلا واو، وإنما جُوز التقدير بفعل ماضٍ أيضا لمجيئها بالواو قليلا، وإنما منع التقدير بفعل مضارع؛ لأنه لو جاز التقدير به لامتنع مجيئها بالواو٣.
ثم قال٤: وربما يحسن مجيء الاسمية بلا واو؛ لدخول حرف على المبتدأ؛ كما في قوله "من الطويل":
فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بَنِيّ حوالي الأسود الحوارد٥
فإنه لولا دخول "كأن" عليه لم يحسن الكلام إلا بالواو؛ كقولك: عسى أن تبصريني وبني حوالي الأسود.
ثم قال٦: وشبيه بهذا أن تقع حالا بعقب المفرد فيلطف مكانها٧، بخلاف ما لو أفردت٨؛ كقول ابن الرومي "من الطويل":
стр. 318
والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم١
فإنه لو قال: "والله يُبقيك لنا برداك تبجيل"؛ لم يحسن.
هذا كله إذا لم يكن صاحبها نكرة مقدمة عليها، فإن كان كذلك نحو: "جاء رجل وعلى كتفه سيف" وجب الواو؛ لئلا تشتبه بالنعت.
وأما نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فقال السكاكي٢: "الوجه فيه عندي هو أن ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ حال لقرية؛ لكونها في حكم الموصوف نازلة منزلة "وما أهلكنا قرية من القرى" لا وصف، وحمله على الوصف سهو لا خطأ، ولا عيب في السهو للإنسان ولا ذام، والسهو ما يتنبه له صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا يتنبه له صاحبه أو يتنبه ولكن بعد تعب". وكأنه عرض الزمخشري حيث قال في تفسيره: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ جملة واقعة صفة "لقرية"، والقياس ألا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا
стр. 319
مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال: "جاءني زيد عليه ثوب"، و"جاءني زيد وعليه ثوب".
ثم قال السكاكي١:
"من عرف السبب في تقديم الحال إذا أريد إيقاعها عن النكرة؛ تنبَّه لجواز إيقاعها عن النكرة مع الواو في مثل: "جاءني رجل وعلى كتفه سيف"، ولمزيد جوازه في قوله عز اسمه: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] على ما قدمت".
واعلم أن السكاكي بنى كلامه في الجملة الواقعة حالا على أصول مضطربة لا يخفى حالها على الفَطِن، لا سيما إذا أحاط علما بما ذكرناه وأتقنه، فآثرنا الإعراض عن نقل كلامه والتعرض لما فيه من الخلل؛ لئلا يطول الكتاب من غير طائل.
стр. 320
تمرينات على الوصل والفصل:
تمرين ١:
١- لماذا فصل الشاعر بين الجملتين في قوله:
جزى الله الشدائد كل خير ... عرفت بها عدوي من صديقي؟
٢- لماذا وصل الشاعر بين الجملتين في قوله:
سافر تجد عوضا عمن تفارقه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النَّصَب؟
تمرين ٢:
١- بين موضع الوصل والفصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢] .
٢- بين الفصل لكمال الانقطاع, ولشبه كمال الاتصال في قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
تمرين ٣:
١- بين سبب الفصل في موضعيه من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] .
٢- لأي جامع وُصِلَ في قول الشاعر:
ولست بهيّاب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا؟
تمرين ٤:
١- لماذا فصل الشاعر بين الجملتين مع كونهما خبريتين في قوله:
الفقر فيما جاوز الكفافا ... من اتقى الله رجا وخافا؟
٢- مر أبو بكر ﵁ برجل في يده ثوب، فقال له: أتبيع هذا؟ فقال: لا يرحمك الله، فقال له: لا تقل هكذا، وقل: ويرحمك الله، فأمره بزيادة "واو" بين "لا" وقوله: "يرحمك الله"؛ ليكون وصلا لا فصلا؛ فما هو السبب في أمر
стр. 321
أبي بكر له بالوصل بين الجملتين؟ وهل الوصل يجب في ذلك بلاغة أو نحوا؟ وهل الجملة الثانية خبر أو إنشاء؟
تمرين ٥:
١- لماذا فصل بين الجملتين في قول الشاعر:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا؟
٢- بين سبب الوصل والفصل في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا، وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا، إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا، وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٠-١٣] .
تمرين ٦:
١- بين موضع الوصل للتناسب في الاسمية والفعلية، ولِمَ وصل من عدمه في قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢] ؟ وبين لِمَ فُصل فيه الحال أيضا؟
٢- لماذا أتت الجملة الحالية من غير واو في قول الشاعر:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بمكة حولي إذخر وجليل؟
٣- لماذا عطف "يُذبحون" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] , ولم يعطف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] ؟
стр. 322
الباب الثامن: القول في الإيجاز والإطناب والمساواة
تعريف السكاكي للإيجاز والإطناب والمساواة:
قال السكاكي١: "أما الإيجاز والإطناب؛ فلكونهما نسبيين٢، لا يتيسر الكلام فيهما إلا بترك التحقيق٣، والبناء على شيء عرفي٤ مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارَفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم -ولا بد من الاعتراف بذلك٥- مقيسا عليه٦ ولنسمِّه "متعارف الأوساط"، وأنه في باب البلاغة لا يُحمد منهم ولا يُذم.
فالإيجاز٧: هو أداة المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط،
стр. 323
والإطناب: هو أداؤه بأكثر من عباراته؛ سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل"١ ثم قال٢: "الاختصار لكونه من الأمور النسبية يُرجَع في بيان دعواه٣ إلى ما سبق تارة، وإلى كون المَقام خليقا بأبسط مما ذُكر أخرى"٤. وفيه نظر؛ لأن كون الشيء نسبيا لا يقتضي ألا يتيسر الكلام فيه إلا بترك التحقيق والبناء على شيء عرفي٥، ثم البناء على متعارف الأوساط والبسط الذي يكون المقصود جديرا به رد إلى جهالة٦، فكيف يصلح للتعريف؟!
стр. 324
تعريف الخطيب:
والأقرب أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية الأصل المراد١ بلفظ مساوٍ له٢، أو ناقص عنه وافٍ، أو زائد عليه لفائدة. والمراد بالمساواة أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد؛ لا ناقصا عنه بحذف أو غيره كما سيأتي، ولا زائدا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض، كما سيأتي.
стр. 325
التطويل والحشو والإخلال:
الإخلال: وقولنا: "وافٍ" احتراز عن الإخلال، وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن أداء المعنى؛ كقول عروة بن الورد "من الطويل":
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا١
فإنه أراد "إذ يقتلون نفوسهم في السلم"، وقول الحارث بن حلزة "من الرجز":
والعيش خير في ظلا ... ل النَّوْك ممن عاش كَدَّا٢
فإنه أراد "العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل"؛ فأخل كما ترى.
التطويل والحشو:
وقولنا: "لفائدة" احتراز من شيئين: أحدهما: التطويل، وهو ألا يتعين الزائد في
стр. 326
الكلام؛ كقوله "من الوافر":
وألفَى قولها كذبا ومَيْنا١
فإن الكذب والمَيْن واحد.
وثانيهما: ما يشتمل على الحشو؛ والحشو ما يتعين أنه الزائد؛ وهو ضربان: أحدهما: ما يفسد المعنى؛ كقول أبي الطيب "من الطويل":
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب٢
فإن لفظ: "الندى" فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحيح في الشجاعة٣ دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أنه يخلد في الدنيا لم يخش الهلاك في الإقدام؛ فلم يكن لشجاعته فضل، بخلاف الباذل ماله، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله؛ ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنّى أثق بالتمتع بهذا المال؟! وعليه قول طرفة "من البسيط":
стр. 327
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي١
وقول مهيار "من البسيط":
فكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل٢
فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل، فالشجاعة لولا الموت لم تحمد، والندى بالضد. وأجيب عنه بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال؛ كما قال مسلم بن الوليد "من البسيط":
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ورُد بأن لفظ "الندى" لا يكاد يستعمل في بذل النفس، وإن استعمل فعلى وجه الإضافة, فأما مطلقا فلا يفيد إلا بذل المال.
والثاني: ما لا يفسد المعنى؛ كقوله "من الوافر":
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوَصَب٣
فإن لفظ "الرأس" فيه حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس، وليس بمفسد للمعنى. وقول زهير "من الطويل":
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عَمِي
فإن قوله: "قبله" مستغنى عنه، غير مفسد، وقول أبي عدي "من الطويل":
стр. 328
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سَمَت ... في المجد للأقوام كالأذناب١
فإن قوله: "للأقوام" حشو لا فائدة فيه، مع أنه غير مفسد٢.
واعلم أنه قد تشتبه الحال على الناظر؛ لعدم تحصيل معنى الكلام وحقيقته، فيعد من الزائد على أصل المراد ما ليس منه، كما مثّله بعض الناس٣ بقول القائل "من الطويل":
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشُدّت على دُهْم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح٤
يبيّن أنه ليس منه ما ذكره الشيخ عبد القاهر في شرحه٥ قال: أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: "ولما قضينا من منى كل حاجة" فعبر عن قضاء جميع
стр. 329
المناسك؛ فرائضها وسننها بطريق العموم الذي هو أحد طرق الاختصار، ثم نبه بقوله: "ومسح بالأركان من هو ماسح" على طواف الوداع الذي هو آخِر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر، ثم قال: "وشُدَّت ... " البيت، فوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من ذم الركاب وركوب الركبان، ثم دل بلفظ "الأطراف" على الصفة التي تختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء١، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب، وأنسة الأحباب، ويليق بحال من وُفق لقضاء العبادة الشريفة ورَجَا حسن الإياب، وتنسُّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة حيث قال: "وسالت بأعناق المطي الأباطح" فنبّه بذلك على سرعة السير ووطأة الظهر، وفي ذلك ما يؤكد ما قبله؛ لأن الظهور إذا كانت وطيئة، وكان سيرها سهلا سريعا, زاد ذلك في نشاط الركبان، فيزداد الحديث طِيبا، ثم قال: "بأعناق المطي" ولم يقل: بالمطي؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها، ويتبين أمرهما من هَواديها٢ وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة، وتَتبعها في الثقل والخفة٣.
стр. 330
القسم الأول: المساواة
كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ١، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] , وقول النابغة الذبياني "من الطويل":
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع٢
стр. 331
القسم الثاني: الإيجاز
وهو ضربان:
إيجاز القصر:
أحدهما إيجاز القصر١ وهو ما ليس بحذف، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، فإنه لا حذف فيه٢ مع أن معناه كثير يزيد على لفظه؛ لأن المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتل كان ذلك داعيا له قويا إلى ألا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل -الذي هو القصاص- كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وفضله على ما كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى، وهو قولهم: "القتل أنفى للقتل"، من وجوه:
أحدها: أن عدة حروف ما يناظره منه وهو "في القصاص حياة" عشرة في التلفظ٣، وعدة حروفه أربعة عشر.
وثانيها: ما فيه من التصريح بالمطلوب -الذي هو الحياة- بالنص عليها؛ فيكون أزجر عن القتل بغير حق؛ لكونه أدعى إلى الاقتصاص.
وثالثها: ما يفيده تنكير "حياة" من التعظيم أو النوعية كما سبق٤.
ورابعها: اطراده، بخلاف قولهم؛ فإن القتل الذي ينفي القتل هو ما كان على
стр. 332
وجه القصاص لا غيره.
وخامسها: سلامته من التكرار الذي هو من عيوب الكلام، بخلاف قولهم.
وسادسها: استغناؤه عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن تقديره: "القتل أنفى للقتل من تركه"١.
وسابعها: أن القصاص ضد الحياة؛ فالجمع بينهما طباق كما سيأتي٢.
وثامنها: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال "في" عليه على ما تقدم. ومنه قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: هدى للضالين الصائرين إلى الهدى بعد الضلال٣. وحسّنه التوصل إلى تسمية الشيء باسم ما يئول إليه٤ وإلى تصدير السورة بذكر أولياء الله تعالى، وقوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] أي: بما لا ثبوت له ولا علم لله متعلق بثبوته؛ نفيا للملزوم بنفي اللازم٥. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] أي: لا شفاعة ولا طاعة، على أسلوب قوله "من البسيط":
على لاحِب لا يُهتدى بمناره٦
стр. 333
أي: لا منار، ولا اهتداء، وقوله "من السريع":
ولا ترى الضب بها ينجَحِر١ ... أي: لا ضب، ولا انجحار.
ومن أمثلة الإيجاز أيضا قوله تعالى فيما يخاطب به النبي ﵊: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، فإنه جمع فيه مكارم الأخلاق؛ لأن قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمر بإصلاح قوة الشهوة٢؛ فإن العفو ضد الجهل. قال الشاعر "من الطويل":
خذي العفو مني تستديمي مودتي٣
أي: خذي ما تيسر أخذه وتَسَهَّل.
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أمر بإصلاح قوة الغضب٤، أي: أعرِض عن السفهاء، واحلُم عنهم، ولا تكافئهم على أفعالهم. هذا ما يرجع إليه منها، وأما ما يرجع إلى أمته, فدل عليه قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالمعروف والجميل من الأفعال؛ ولهذا قال جعفر الصادق ﵁ فيما روي عنه: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لها من هذه الآية.
ومنها قول الشريف الرضي "من الكامل":
مالوا إلى شُعَب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تَخْفِق٥
فإنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، عبّر عن ذلك بقوله: "أيدي الطعان".
ومنها ما كتب عمرو بن مسعدة عن المأمون، لرجل يُعنَى به، إلى بعض العمال؛ حيث أمره أن يختصر كتابه ما أمكن: "كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنيّ بمن كُتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله".
стр. 334
إيجاز الحذف:
والضرب الثاني إيجاز الحذف، وهو ما يكون بحذف، والمحذوف إما جزء جملة، أو أكثر من جملة.
والأول: إما مضاف؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها, وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: تناولها؛ لأن الحكم الشرعي إنما يتعلق بالأفعال دون الأجرام، وقوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] أي: تناوُل طيبات أُحل لهم تناولها، وتقدير التناول أولى من تقدير الأكل؛ ليدخل فيه شرب ألبان الإبل؛ فإنها من جملة ما حرمت عليهم، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨] ؛ أي: منافع ظهورها، وتقدير المنافع أولى من تقدير الركوب؛ لأنهم حرَّموا ركوبها وتحميلها، كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
стр. 335
اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أي: رحمة الله، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: ٥٠] أي: عذاب ربهم، وقد ظهر هذان المضافان في قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
وإما موصوف؛ كقوله "من الوافر":
أنا ابن جَلَا وطَلاع الثنايا١ ... أي: أنا ابن رجل جلا٢.
وإما صفة؛ نحو: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أي: كل سفينة صحيحة أو صالحة أو نحو ذلك؛ بدليل ما قبله٣، وقد جاء ذلك مذكورا في بعض القراءات؛ قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس ﵁ يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا".
وإما شرط كما سبق٤.
وإما جواب شرط، وهو ضربان:
стр. 336
أحدهما: أن يحذف لمجرد الاختصار١ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] أي: أعرضوا، بدليل٢ قوله بعده: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦] ، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] أي: لكان هذا القرآن، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] أي: ألستم ظالمين؟ بدليل قوله بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [الأحقاف: ١٠] .
والثاني: أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف٣، أو لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب ممكن٤؛ فلا يتصور مطلوبا أو مكروها إلا ويجوّز أن يكون الأمر أعظم منه، ولو عُين شيء اقتصر عليه، وربما خف أمره عنده٥؛ كقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ
стр. 337
لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ١، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] , ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] , ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ٢.
قال السكاكي رحمه الله٣: "ولهذا المعنى حُذفت الصلة من قولهم: "جاء بعد اللُّتيَّا والتي"٤ أي: المشار إليه بهما، وهي المحنة والشدائد قد بلغت شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهَت الواصف معه حتى لا يُحير ببنت شفة.
وإما غير ذلك٥؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ، أي: ومن أنفق من بعده وقاتل٦، بدليل ما بعده٧.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ؛ لأن أصله: "يا رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس مني شيبا".
وعده السكاكي من القسم الثاني من الإيجاز على ما فسره٨؛ ذاهبا إلى أنه -وإن اشتمل على بسط- فإن انقراض الشباب وإلمام المشيب جديران بأبسط منه،
стр. 338
ثم ذكر أن فيه لطائف يتوقف بيانها على النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى، ثم أفاد أن مرتبته الأولى "يا ربي، قد شختُ" فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم تُركت هذه المرتبة لتوخي مزيد التقرير إلى تفصيلها في "ضعف بدني وشاب رأسي" ثم ترك التصريح "بضعف بدني" إلى الكناية بـ "وهنت عظام بدني" لما سيأتي أن الكناية أبلغ من التصريح، ثم لقصد مرتبة رابعة أبلغ في التقرير بُنيت الكناية على المبتدأ١ فحصل "أنا وهنت عظام بدني"، ثم لقصد مرتبة خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ، فحصل "إني وهنت عظام بدني"، ثم لطلب تقرير أن الواهن عظام بدنه قصد مرتبة سادسة؛ وهي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، فحصل "إني وهنت العظام من بدني"، ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصدت مرتبة سابعة؛ وهي ترك توسيط البدن، فحصل "إني وهنت العظام مني"، ثم لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا قُصدت مرتبة ثامنة، وهي ترك الجمع إلى الإفراد؛ لصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد فرد٢، فحصل ما ترى٣.
وهكذا تُركت الحقيقة في "شاب رأسي" إلى الاستعارة في "اشتعل شيب رأسي" لما سيأتي أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة، ثم تركت هذه المرتبة إلى تحويل الإسناد إلى الراس وتفسيره بـ "شيبا"؛ لأنها أبلغ من جهات:
إحداها: إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الشيب الرأس؛ إذ وزان "اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا" وزان "اشتعل النار في بيتي، واشتعل بيتي نارا" والفرق بيّن نيّر.
وثانيتها: الإجمال والتفصيل في طريقي التمييز.
стр. 339
وثالثتها: تنكير "شيبا" لإفادة المبالغة، ثم ترك "اشتعل رأسي شيبا" لتوخي مزيد التقدير إلى "اشتعل الرأس مني شيبا" على نحو: "وهن العظم مني" ثم ترك لفظ "مني" لقرينة عطف "اشتعل الرأس" على "وهن العظم مني" لمزيد التقرير، وهو إيهام حَوَالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ".
ثم قال عقيب هذا الكلام:
"واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير القبول في القلوب هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي "رب" اختُصرت ذلك الاختصار، بأن حذفت كلمة النداء وهي "يا"، وحذفت كلمة المضاف إليه وهي ياء المتكلم، واقتُصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب وهي المنادى، والمقدمة للكلام كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة نازلة منزلة الأساس للبناء، فكما أن البنّاء الحاذق لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه، كذلك البليغ يصنع بمبدأ كلامه؛ فمتى رأيته قد اختصر المبدأ فقد آذنك باختصار ما يورد". انتهى كلامه.
وعليك أن تتنبه لشيء، وهو أن ما جعله سببا للعدول عن لفظ "العظام" إلى لفظ "العظم" فيه نظر؛ لأننا لا نسلم بصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد١؛ فالوجه في ذكر "العظم" دون سائر ما تركّب منه البدن، وتوحيده؛ ما ذكره الزمخشري؛ قال: "إنما ذكر العظم؛ لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، وإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية٢، وقصده إلى أن هذا الجنس -الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد- قد أصابه
стр. 340
الوهن، ولو جُمع لكان قصدا إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن بعض عظامه ولكن كلها، واعلم أن المراد بشمول الشيب الرأس أن يعم جملته؛ حتى لا يبقى من السواد شيء أو لا يبقى منه إلا ما لا يعتد به.
والثاني: أعني ما يكون جملة، إما مسبّب ذُكر سببه، كقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أي: فعل ما فعل١، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] أي: اخترناك، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ٢٥] أي: كان الكف ومنع التعذيب. ومنه قول أبي الطيب "من البسيط":
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم٢
أي: فساءنا.
أو بالعكس٣ كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أي: فامتثلتم فتاب عليكم، وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضربه بها فانفجرت، ويجوز أن يقدر: "فإن ضربتَ بها فقد انفجرت"٤.
стр. 341
أو غير ذلك١ كقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] على ما مرّ٢.
والثالث٣ كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] أي: فضربوه ببعضها، فحَيِيَ، فقلنا: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ . وقوله: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] أي: فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه وقال له: يا يوسف. وقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦] أي: فأتياهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما، فدمرناهم. وقوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٦-١٨] أي: فأتياه فأبلغاه ذلك، فلما سمعه قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ . ويجوز أن يكون التقدير: فأتياه فأبلغاه ذلك, ثم يقدر: فماذا قال؟ فيقع قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ استئنافا، ونحوه قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: ٢٨, ٢٩] أي: ففعل ذلك، فأخذتْ الكتاب فقرأته، ثم كأن سائلا سأل فقال: فماذا قالت؟ فقيل: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ . وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] فقال الزمخشري في تفسيره: هذا موضع الفاء، كما يقال: "أعطيته فشكر ومنعته فصبر"، وعطفَه بالواو إشعارا بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما العلم، كأنه قال: فعملا به، وعلما وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا:
стр. 342
الحمد لله. وقال السكاكي١: يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عما صنع بهما وعما قالا؛ كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد، من غير بيان ترتّبه عليه؛ اعتمادا على فهم السامع٢ كقولك: "قم يدعوك" بدل: قم, فإنه يدعوك.
واعلم أن الحذف على وجهين:
أحدهما: ألا يقام شيء مقام المحذوف كما سبق٣.
والثاني: أن يقام مقامه ما يدل عليه؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧] ليس الإبلاغ هو الجواب؛ لتقدمه على توليهم، والتقدير: "فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم"، أو: فلا عذر لكم عند ربكم لأني قد أبلغتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أي: فلا تحزن واصبر؛ فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] أي: فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين٤.
وأدلة الحذف٥ كثيرة: منها أن يدل العقل على الحذف، والمقصود الأظهر٦ على تعيين المحذوف؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... ﴾ الآية [المائدة: ٣] , وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ٢٣] ؛ فإن العقل يدل على الحذف لما مر٧، والمقصود الأظهر يرشدك إلى أن التقدير: حرم
стр. 343
عليكم تناول الميتة وحُرِّم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها، ومن النساء نكاحهن.
ومنها أن يدل العقل على الحذف والتعيين؛ كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أي: أمر ربك أو عذابه أو بأسه، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] أي: عذاب الله أو أمره.
ومنها أن يدل العقل على الحذف، والعادة على التعيين١؛ كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] دل العقل على الحذف فيه؛ لأن الإنسان إنما يُلام على كسبه، فيُحتمل أن يكون التقدير: في حبه؛ لقولهن: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠ وما بعدها] ، وأن يكون في مراودته، لقولهن: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ، وأن يكون في شأنه وأمره؛ فيشملهما، والعادة دلت على تعيين المراودة؛ لأن الحب المفرط لا يلام الإنسان عليه في العادة؛ لقهره صاحبه وغلبته إياه، وإنما يلام على المراودة الداخلة تحت كسبه التي يقدر أن يدفعها عن نفسه.
ومنها أن تدل العادة على الحذف والتعيين؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] مع أنهم كانوا أخبر الناس بالحرب، فكيف يقولون: إنهم لا يعرفونها؟! فلا بد من حذف؛ قدره مجاهد ﵀ مكان قتال، أي: إنكم تقاتلون في موضع لا يصلح للقتال، ويُخشى عليكم منه، ويدل عليه أنهم أشاروا٢ على رسول الله ﷺ ألا يخرج من المدينة وأن الحزم البقاء فيها.
ومنها الشروع في الفعل؛ كقول المؤمن: "بسم الله الرحمن الرحيم" كما إذا قلت
стр. 344
عند الشروع في القراءة: "باسم الله", فإنه يفيد أن المراد: "باسم الله أقرأ"، وكذا عند الشروع في القيام أو القعود أو أي فعل كان؛ فإن المحذوف يقدر على حسب ما جُعلت التسمية مبدأ له١.
ومنها اقتران الكلام بالفعل٢؛ فإنه يفيد تقريره؛ كقولك لمن أعرس: "بالرَّفاء والبنين"؛ فإنه يفيد: بالرفاء والبنين أعرستَ.
стр. 345
القسم الثالث: الإطناب
أقسام الإطناب:
الإيضاح بعد الإبهام وفروعه: وهو إما بالإيضاح بعد الإبهام؛ ليُرى المعنى في صورتين مختلفتين، أو ليتمكن في النفس فضل تمكن؛ فإن المعنى إذا أُلقي على سبيل الإجمال والإبهام، تشوقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح، فتتوجه إلى ما يَرِد بعد ذلك، فإذا ألقي كذلك تمكن فيها فضل تمكن، وكان شعورها به أتم، أو لتكمل اللذة بالعلم به؛ فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه تشوفت النفس إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم، ثم إذا حصل لها العلم به حصلت لها لذة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم، أو لتفخيم الأمر وتعظيمه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥، ٢٦] فإن قوله: "اشرح لي" يفيد طلب شرح لشيء ما له١، وقوله: "صدري" يفيد تفسيره وبيانه٢، وكذلك قوله: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ، والمقام مقتضٍ للتأكيد؛ للإرسال٣ المؤذِن بتلقي المكاره والشدائد، وكقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] ؛ ففي إبهامه٤ وتفسيره تفخيم الأمر وتعظيم له.
стр. 346
ومن الإيضاح بعد الإبهام باب: "نعم وبئس" على أحد القولين١؛ إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل: "نعم زيد وبئس عمرو"٢، ووجه حسنه -سوى الإيضاح بعد الإبهام- أمران آخران:
أحدهما: إبراز الكلام في معرض الاعتدال؛ نظرا إلى إطنابه من وجه، وإلى اختصاره من آخر، وهو حذف المبتدأ في الجواب٣.
والثاني: إيهام الجمع بين المتنافيين٤.
ومنه التوشيع، وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسَّر باسمين؛ أحدهما معطوف على الآخر٥، كما جاء في الخبر: "يشيب ابن آدم ويشيب فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل".
وقول الشاعر "من الطويل":
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فما زالت في ليلين: شعر وظلمة
وشمسين: من خمر ووجه حبيب٦
وقول البحتري "من الكامل":
لما مشيْنَ بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقُدود
في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربا ووشي برود
وسفرْنَ فامتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى وورد خدود٧
стр. 347
ذكر الخاص بعد العام:
وإما بذكر الخاص بعد العام١؛ للتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنسه؛ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
التكرير: وإما بالتكرير، لنكتة؛ كتأكيد الإنذار في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ
стр. 348
تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] وفي "ثم" دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ وأشد١. وكزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة؛ ليكمل تلقي الكلام بالقبول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩] . وقد يكرر اللفظ لطول في الكلام؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] ، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] . وقد يكرر لتعدد المتعلَّق؛ كما كرره الله تعالى من٢ قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ؛ لأنه تعالى ذكر نعمة بعد نعمة وعقب كل نعمة بهذا القول٣، ومعلوم أن الغرض من ذكره عقيب نعمة غير الغرض من ذكره عقيب نعمة أخرى. فإن قيل: قد عقّب بهذا القول ما ليس بنعمة، كما في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] , وقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤] ؟! قلنا: العذاب وجهنم وإن لم يكونا من آلاء الله تعالى، فإن ذكرهما ووصفهما -على طريق الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات- من
стр. 349
آلائه تعالى١. ونحوه قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ؛ لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة، وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة: ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة.
والإيغال: وإما بالإيغال، واختلف في معناه، فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها؛ كزيادة المبالغة في قول الخنساء "من البسيط":
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه عَلَم في رأسه نار٢
لم ترض أن تشبهه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا٣، وقول ذي الرمة "من الطويل":
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل٤
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل٥
стр. 350
وكتحقيق التشبيه١ في قول امرئ القيس "من الطويل":
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجَزْع الذي لم يثقب٢
فإنه لما أتى على التشبيه قبل ذكر القافية، واحتاج إليها، جاء بزيادة حسنة في قوله: "لم يثقب"؛ لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. ومثله قول زهير "من الطويل":
كأن فُتَات العِهْن في كل منزل ... نزلت به حَبّ الفَنا لم يحطم٣
فإن حب الفنا أحمر الظاهر أبيض الباطن، فهو لا يشبه الصوف الأحمر إلا ما لم يحطم. وكذا قول امرئ القيس "من الطويل":
حملت رُدَينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان٤
كما سيأتي٥.
وقيل: لا يختص بالنظم، ومثل له بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٦ [يس: ٢١] .
стр. 351
التذييل: وإما بالتذييل؛ وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها١ للتوكيد٢؛ وهو ضربان:
ضرب لا يُخرَج مُخْرَج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد وتوقفه على ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء٣؟ وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، ويستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بمعنى عاقبناهم بكفرهم قيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بمعنى: وهل نعاقب٤؟ فعلى هذا يكون من الضرب الثاني٥.
وقول الحماسي "من الكامل":
فدعوا: نَزَالِ، فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟! ٦
وقول أبي الطيب "من الطويل":
стр. 352
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه١
وقوله أيضا "من البسيط":
تمسي الأمانِيّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء: ليت ذلك لي٢
وقول ابن نباتة السعدي "من البسيط":
لم يُبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل٣
قيل: نظر فيه إلى قول أبي الطيب، وقد أربى عليه في المدح والأدب مع الممدوح؛ حيث لم يجعله في حيز من تمنى شيئا٤.
وضرب يخرج مخرج المثل؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . وقول الذبياني "من الطويل":
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شَعَث، أي الرجال المهذب؟! ٥
стр. 353
وقول الحطيئة "من الطويل":
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يُحمَد١
وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥] , فإن قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ من الأول، وما بعده٢ من الثاني، وكل منهما تذييل على ما قبله.
وهو أيضا إما لتأكيد منطوق كلام٣؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨١] .
وإما لتأكيد مفهومه٤؛ كبيت النابغة٥؛ فإن صدره دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، فحقق ذلك وقرره بعجُزِه.
стр. 354
التكميل: وإما بالتكميل، ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه، وهو ضربان:
ضرب يتوسط الكلام؛ كقول طرفة "من الكامل":
فسقى دياركِ -غير مفسدها ... صوب الربيع ودِيمة تَهْمِي١
وقول الآخر "من الكامل":
لو أن عزة خاصمت شمس الضحا ... في الحسن عند موفق لقضى لها٢
إذ التقدير: "عند حاكم موفق"؛ فقوله: "موفق" تكميل٣.
وقول ابن المعتز "من الطويل":
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل٤
وضرب يقع في آخر الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
стр. 355
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين لتُوُهم أن ذلتهم لضعفهم، فلما قيل: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ علم أنها منهم تواضع لهم؛ ولذا عدي "الذل" بـ "على"١ لتضمينه معنى العطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، ويجوز أن تكون التعدية بـ "على"؛ لأن المعنى أنهم -مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين- خافضون لهم أجنحتهم٢.
ومنه قول ابن الرومي فيما كتب به إلى صديق له: "إني وليك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته عن غير طمع ولا جزع، وإن كنتَ لذي الرغبة مطلبا، ولذي الرهبة مهربا".
وكذا قول الحماسي "من الطويل":
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد٣
وكذا قول كعب بن سعد الغنوي "من الطويل":
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مَهيب٤
следующие страницы →