← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التذييل: وإما بالتذييل؛ وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها١ للتوكيد٢؛ وهو ضربان: ضرب لا يُخرَج مُخْرَج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد وتوقفه على ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء٣؟ وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، ويستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بمعنى عاقبناهم بكفرهم قيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بمعنى: وهل نعاقب٤؟ فعلى هذا يكون من الضرب الثاني٥. وقول الحماسي "من الكامل": فدعوا: نَزَالِ، فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟! ٦ وقول أبي الطيب "من الطويل":

стр. 352

وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه١ وقوله أيضا "من البسيط": تمسي الأمانِيّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء: ليت ذلك لي٢ وقول ابن نباتة السعدي "من البسيط": لم يُبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل٣ قيل: نظر فيه إلى قول أبي الطيب، وقد أربى عليه في المدح والأدب مع الممدوح؛ حيث لم يجعله في حيز من تمنى شيئا٤. وضرب يخرج مخرج المثل؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . وقول الذبياني "من الطويل": ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شَعَث، أي الرجال المهذب؟! ٥

стр. 353

وقول الحطيئة "من الطويل": تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يُحمَد١ وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥] , فإن قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ من الأول، وما بعده٢ من الثاني، وكل منهما تذييل على ما قبله. وهو أيضا إما لتأكيد منطوق كلام٣؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨١] . وإما لتأكيد مفهومه٤؛ كبيت النابغة٥؛ فإن صدره دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، فحقق ذلك وقرره بعجُزِه.

стр. 354

التكميل: وإما بالتكميل، ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه، وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام؛ كقول طرفة "من الكامل": فسقى دياركِ -غير مفسدها ... صوب الربيع ودِيمة تَهْمِي١ وقول الآخر "من الكامل": لو أن عزة خاصمت شمس الضحا ... في الحسن عند موفق لقضى لها٢ إذ التقدير: "عند حاكم موفق"؛ فقوله: "موفق" تكميل٣. وقول ابن المعتز "من الطويل": صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل٤ وضرب يقع في آخر الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ

стр. 355

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين لتُوُهم أن ذلتهم لضعفهم، فلما قيل: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ علم أنها منهم تواضع لهم؛ ولذا عدي "الذل" بـ "على"١ لتضمينه معنى العطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، ويجوز أن تكون التعدية بـ "على"؛ لأن المعنى أنهم -مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين- خافضون لهم أجنحتهم٢. ومنه قول ابن الرومي فيما كتب به إلى صديق له: "إني وليك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته عن غير طمع ولا جزع، وإن كنتَ لذي الرغبة مطلبا، ولذي الرهبة مهربا". وكذا قول الحماسي "من الطويل": رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد٣ وكذا قول كعب بن سعد الغنوي "من الطويل": حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مَهيب٤

стр. 356

فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم، لأوهم أن حلمه عن عجز؛ فلم يكن صفة مدح، فقال: "إذا ما الحلم زين أهله" فأزال هذا الوهم، وأما بقية البيت فتأكيد للازم ما يُفهَم من قوله: "إذا ما الحلم زين أهله" من كونه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله؛ فإن من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله يكون مهيبا في عين العدو لا محالة، فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا كما زعم بعض الناس١. ومنه قول الحماسي "من الطويل": وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طُلّ منا حيث كان قتيل٢ فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم؛ لأوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بوصفهم بالانتصار من قاتلهم. وكذا قول أبي الطيب "من الوافر": أشد من الرياح الهُوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا٣ فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش، لأوهم ذلك أنه عنف كله، ولا لطف

стр. 357

عنده، فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة، ولم يتجاوز في ذلك كله صفة الريح التي شبّهه بها، وقوله: "إنه أسرع في الندى منها هبوبا"؛ كأنه من قول ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ كان كالريح المرسَلَة"١. التتميم: وإما بالتتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة تفيد نكتة٢؛ كالمبالغة في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] أي: مع حبه، والضمير للطعام أي: مع اشتهائه والحاجة إليه، ونحوه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، وكذا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، وعن فضيل بن عياض: "على حب الله"٣؛ فلا يكون مما نحن فيه٤. وفي قول الشاعر "من المنسرح": إني على ما تريْنَ من كبري ... أعرف من أين تؤكل الكتف٥ وفي قول زهير "من البسيط":

стр. 358

من يَلْقَ يوما -على عِلَّاته- هَرِما ... يلق السماحة منه والندى خُلُقا١ الاعتراض: وإما بالاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى٢ بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى ما ذُكر في تعريف التكميل٣, كالتنزيه والتعظيم٤ في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٥ [النحل: ٥٧] . والدعاء في قول أبي الطيب "من الطويل": وتحتقر الدنيا احتقار مُجرِّب ... يرى كل ما فيها -وحاشاك- فانيا٦

стр. 359

فإن قوله: "وحاشاك" دعاء حسن في موضعه. ونحوه قول عوف بن محلم الشيباني "من السريع": إن الثمانين -وبُلِّغتَها- ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان١ والتنبيه في قول الشاعر "من الكامل": واعلم -فعلم المرء ينفعه- ... أَنْ سوف يأتي كل ما قُدِرا٢ وتخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر عُلِّق بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ٣ [لقمان: ١٤] . والمطابقة مع الاستعطاف في قول أبي الطيب "من الكامل": وخفوق قلب لو رأيتِ لهيبَه ... "يا جنتي" لرأيتِ فيه جهنما٤ والتنبيه على سبب أمر فيه غرابة؛ كما في قول الآخر "من الطويل":

стр. 360

فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه١ فإن قوله: "فلا هجره يبدو" يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه، وغريب أن يكون هجر الحبيب مطلوبا للمحب، فقال: "وفي اليأس راحة" لينبه على سببه. وقوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٧] اعتراض في اعتراض؛ لأنه اعتُرض به بين الموصوف والصفة٢، واعترض بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ بين القسم والمقسَم عليه٣. ومما جاء بين كلامين متصلين معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٢، ٢٢٣] ، فإن قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بيان لقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني أن المأتى الذي أمركم به هو مكان الحرث؛ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من حيث يتأتى فيه هذا الغرض، وهو مما جاء في أكثر من جملة أيضا٤، ونحوه في كونه أكثر من جملة قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] , فإن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ليس

стр. 361

من قول أم مريم١، وكذا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا، مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٤-٤٦] إن جُعل "من الذين" بيانا لـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ لأنهم يهود ونصارى، أو لأعدائكم؛ فإنه على الأول يكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ اعتراضا، وعلى الثاني يكون ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ اعتراضا، ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ صلة لـ "نصيرا"٢ أي: ينصركم من الذين هادوا؛ كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ٣، وأن يكون كلاما مبتدأ على أن ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: "من الذين هادوا قوم يحرفون"؛ كقوله: وما الدهر إلا تارتان؛ فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح٤ وقد علم مما ذكرنا أن الاعتراض كما يأتي بغير واو ولا فاء, قد يأتي بأحدهما٥.

стр. 362

ووجه حسن الاعتراض على الإطلاق: حسن الإفادة، مع أن مجيئه مجيء ما لا معوَّل عليه في الإفادة, فيكون مَثَله مَثَل الحسنة تأتيك من حيث لا ترتقبها١. ومن الناس من لا يقيد فائدة الاعتراض بما ذكرناه، بل يجوز أن تكون دفع توهم ما يخالف المقصود، وهؤلاء فرقتان: فرقة لا تشترط فيه أن يكون واقعا في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنًى؛ بل يجوز أن يقع في آخر كلام لا يليه كلام، أو يليه كلام غير متصل به معنًى، وبهذا يشعر كلام الزمخشري في مواضع مع الكشاف: "فالاعتراض عند هؤلاء يشمل التذييل"٢، ومن التكميل ما لا محل له من الإعراب؛ جملة كان أو أكثر من جملة٣. وفرقة تشترط فيه ذلك، لكن لا تشترط أن يكون جملة أو أكثر من جملة، فالاعتراض عند هؤلاء يشمل من التتميم ما كان واقعا في أحد الموقعين٤، ومن التكميل ما كان واقعا في أحدهما ولا محل له من الإعراب٥؛ جملة كان أو أقل من

стр. 363

جملة أو أكثر. الإطناب بغير هذه الأنواع: وإما بغير ذلك١ كقولهم: "رأيته بعيني"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢ [النور: ١٥] ، أي: هذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم في القلب، كما هو شأن المعلوم إذا ترجم عنه اللسان، وكذا قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لإزالة توهم الإباحة٣، كما في نحو قولنا: "جالس الحسن وابن سيرين" وليُعلَم العدد جملة كما عُلِم تفصيلا؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب: "علمان خير من علم". وكذا قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ تأكيد آخر، وقيل: أي: كاملة في وقوعها بدلا من الهدي، وقيل: أريد به تأكيد الكيفية لا الكمية، حتى لو وقع صوم العشرة على غير الوجه المذكور٤ لم تكن كاملة٥. وكذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] فإنه لو لم يقصد الإطناب لم يذكر ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ لأن إيمانهم٦ ليس مما ينكره أحد من مثبِتيهم، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه٧، وكذا قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ

стр. 364

إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فإنه لو اختُصر١ لتُرك قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ؛ لأن مساق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة كما مر٢، وحسنه دفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر٣، ونحوه قول البلغاء: "لا وأصلحك الله"٤، وكذا قوله تعالى إخبارا عن موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] ، وحسنه أنه ﵇ فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله تعالى في العصا؛ فينبغي أن يتنبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين٥، وكذا قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] وحسّنه إظهار الابتهاج بعبادتها والافتخار بمواظبتها؛ ليزداد غيظ السائل٦. الإيجاز والإطناب النسبيان: واعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب٧

стр. 365

باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساوٍ له في أصل المعنى١؛ كالشطر الأول من قول أبي تمام "من الطويل": يصد عن الدنيا إذا عَنَّ سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد٢ وقول الآخر "من الطويل": ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر٣ ومنه قول الشماخ "من الوافر": إذا ما راية رُفعت لمجد ... تَلقّاها عرابة باليمين٤ وقول بشر بن أبي خازم "من الوافر":

стр. 366

إذا ما المَكْرُمات رُفعن يوما ... وقصّر مبتغوها عن مداها وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها١ ويقرب من هذا الباب٢ قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . وقول الحماسي "من الطويل": وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول٣ وكذا ما ورد في الحديث: "الحزم سوء الظن". وقول العرب: "الثقة بكل أحد عجز"٤.

стр. 367

تمرينات على الإيجاز والإطناب والمساواة: تمرين١: ١- بين موضع الإطناب، والداعي إليه في قول الشاعر: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحا تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني ٢- من أي أنواع الإيجاز قول بعض الأعراب: "إن شككت في فاسأل قلبك عن قلبي"؟ تمرين٢: ١- بين نوع الإيجاز، والداعي إليه في قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٣، ٥] . ٢- لماذا كان من المساواة قول بعض البلغاء: "علمتني نبوتك سلوتك، أسلمني يأسي منك إلى الصبر عنك"؟ تمرين٣: ١- يعدون من المساواة قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] , فهل ترى أنها منها، أو من إيجاز القصر؟ ٢- هل من المساواة أو الإيجاز أو الإطناب قول الشاعر: يقول أناس: لا يُضيرك فقدها ... بلى كل ما شف النفوس يضير؟ تمرين٤: ١- من أي أنواع الإيجاز قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ؟ ٢- من أي أنواع الإطناب قول الشاعر: المشرقان عليك ينتحبان ... قاصيهما في مأتم والداني؟

стр. 368

تمرين ٥: ١- بين موضع الإطناب ونوعه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] . ٢- كيف يكون من الإيجاز قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] مع أنها جملة مستوفية كل أجزائها؟ تمرين٦: ١- لماذا عد من الإخلال قول بعضهم: "فإن المعروف إذا زجا، كان أفضل منه إذا توفر وأبطأ" "زجا" بمعنى تيسر، وفي رواية: "وحى" بمعنى أسرع. ٢- من أي أنواع الإطناب قول الشاعر: لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا؟ تمرين٧: ١- أيهما أعلى مقاما في البلاغة: الإيجاز أو الإطناب؟ وهل هناك فرق بين الإيجاز في غير موضعه والإخلال؟ وبين الإطناب في غير موضعه والتطويل؟ ٢- بين خلافهم في منزلة المساواة من البلاغة، واذكر رأيك فيه.

стр. 369

باب الفهارس مباحث الجزأين الأول والثاني: الصفحة الموضوع ٣ تقديم للشارح ٩ خطبة الإيضاح ١٠ المقدمة في تفسير الفصاحة والبلاغة ١٠ الخلاف في تفسير الفصاحة والبلاغة ١١ فصاحة المفرد ١٦ فصاحة الكلام ٢٣ فصاحة المتكلم ٢٤ بلاغة الكلام ٢٨ بلاغة المتكلم ٢٨ حصر علوم البلاغة ٣١ تمرينات على الفصاحة والبلاغة "٣٣-٣٧٦" الفن الأول: علم المعاني ٣٣ تعريف علم المعاني ٣٥ أبواب علم المعاني ٣٦ تنبيه: انحصار الخبر في الصادق والكاذب ٣٨ تنبيه آخر "٤١-٦٨" الباب الأول: القول في أحوال الإسناد الخبري ٤١ أغراض الخبر ٤٣ أضرب الخبر ٤٥ تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ٥٠ تمرينات على أغراض الخبر وأضربه

стр. 370

٥١ فصل: الحقيقة والمجاز العقليان ٥٩ تنبيه ٥٩ أقسام المجاز العقلي ٦١ وقوع المجاز العقلي في القرآن ٦٢ تقسيم قرينة المجاز ٦٣ دقة مسلكه ٦٣ الخلاف في استلزامه الحقيقة ٦٥ إنكار السكاكي له ٦٧ تنبيه: في بيان سبب عدم إيراده الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان ٦٨ تمرينات على الحقيقة والمجاز العقليين "٦٩-١٥٤" الباب الثاني: القول في أحوال المسند إليه ٦٩ أغراض الحذف ٧٢ أغراض الذكر ٧٥ تمرينات على الذكر والحذف ٧٦ أغراض التعريف، وأغراض التعريف بالإضمار ٧٨ أغراض التعريف بالعلمية ٧٩ أغراض التعريف بالموصولية ٨٢ أغراض التعريف بالإشارة ٨٦ أغراض التعريف باللام ٩١ أغراض التعريف بالإضافة ٩٣ أغراض التنكير ٩٧ تمرينات على التعريف والتنكير ٩٩ أغراض الوصف ١٠٣ أغراض التوكيد ١٠٤ أغراض عطف البيان ١٠٥ أغراض الإبدال، أغراض عطف النسق

стр. 371

١٠٧ أغراض ضمير الفصل ١٠٨ تمرينات على التوابع ١٠٩ أغراض التقديم ١٣٢ أغراض التأخير ١٣٣ تمرينات على التقديم والتأخير ١٣٤ تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر ١٣٤ وضع المضمر موضع المظهر ١٣٥ وضع المظهر موضع المضمر ١٣٧ الالتفات ١٤٥ الأسلوب الحكيم ١٤٧ التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي ١٤٨ القلب ١٥٣ تمرينات على تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر "١٥٥-١٩٥" الباب الثالث: القول في أحوال المسند ١٥٥ أغراض الحذف ١٦٢ أغراض الذكر ١٦٤ تمرينات على الذكر والحذف ١٦٥ أغراض الإفراد ١٦٦ أغراض كون المسند فعلا أو اسما ١٦٧ أغراض تقييد الفعل بمفعول ونحوه وترك تقييده ١٦٨ أغراض تقييد الفعل بالشرط: إن وإذا ولو ١٧٣ استطراد إلى التغليب ١٨٢ تمرينات على إفراد المسند واسميته وفعليته وتقييده وترك تقييده ١٨٣ أغراض التنكير ١٨٣ أغراض التخصيص بالإضافة أو الوصف وتركه ١٨٤ تعريف المسند

стр. 372

١٨٤ غرض التعريف ١٨٧ أغراض كون المسند جملة ١٩٠ تمرينات على تعريف المسند وتنكيره وكونه جملة ١٩٢ أغراض تأخيره ١٩٤ تنبيه: في بيان عدم اختصاص كثير مما ذكر في هذا الباب, والذي قبله بالمسند إليه والمسند ١٩٥ تمرينات على التقديم والتأخير وغيرهما ١٩٦ الباب الرابع: القول في أحوال متعلقات الفعل ١٩٦ حال الفعل مع المفعول والفاعل ١٩٦ أغراض حذف المفعول به ٢٠٧ تمرينات على الذكر والحذف ٢٠٨ أغراض تقديم المتعلقات على الفعل ٢١١ أغراض تقديم بعض المعمولات على بعض ٢١٨ تمرينات على التقديم والتأخير "٢٢١-٢٤٨" الباب الخامس: القول في القصر ٢٢١ القصر ٢٢١ أقسام القصر ٢٢٧ تمرينات على أقسام القصر ٢٢٨ طرق القصر: ١- العطف ٢٢٩ ٢- النفي والاستثناء ٢٣٠ ٣- إنما ٢٣٣ ٤- التقديم ٢٣٣ فروق طرق القصر ٢٤٧ تمرينات على طرق القصر

стр. 373

"٢٤٩-٢٧٧" الباب السادس: ٢٥١ الإنشاء: أنواع الطلب: التمني ٢٥١ الاستفهام ٢٦٨ تمرينات على التمني والاستفهام ٢٦٩ الأمر ٢٧٢ النهي ٢٧٤ النداء ٢٧٦ تنبيه ٢٧٧ تمرينات على الأمر والنهي والنداء "٢٧٨-٣٢٣" الباب السابع: القول في الوصل والفصل ٢٧٨ تعريف الوصل والفصل ٢٧٩ أحوال الوصل والفصل: ٢٧٩ الوصل للاشتراك في الحكم ٢٨١ الفصل لعدم الاشتراك في الحكم ٢٨٢ الوصل بغير الواو من حروف العطف ٢٨٢ الفصل لعدم الاشتراك في القيد ٢٨٤ أحوال أخرى للفصل ٢٨٦ الأول: كمال الانقطاع ٢٩٠ الثاني: كمال الاتصال ٢٩٢ الثالث: شبه كمال الانقطاع ٢٩٣ الرابع: شبه كمال الاتصال ٢٩٩ الوصل لدفع الإيهام ٢٩٩ الوصل للتوسط بين الكمالين ٣٠٢ الجامع بين الجملتين وأقسامه

стр. 374

٣٠٧ محسنات الوصل ٣٠٨ فروق الجملة الحالية ٣٢٢ تمرينات على الوصل والفصل "٣٢٤-٣٦٨" الباب الثامن: القول في الإيجاز والإطناب والمساواة ٣٢٤ تعريف السكاكي للإيجاز والإطناب والمساواة ٣٢٥ تعريف الخطيب ٣٢٦ الإخلال، التطويل، الحشو ٣٣١ القسم الأول: المساواة ٣٣٢ القسم الثاني: الإيجاز، إيجاز القصر ٣٣٥ إيجاز الحذف ٣٤٦ القسم الثالث: الإطناب ٣٤٦ أقسام الإطناب: الإيضاح بعد الإبهام وفروعه ٣٤٨ ذكر الخاص بعد العام ٣٤٨ التكرير ٣٥٠ الإيغال ٣٥٢ التذييل ٣٥٥ التكميل ٣٥٨ التتميم ٣٥٩ الاعتراض ٣٦٤ الإطناب بغير هذه الأنواع ٣٦٥ الإيجاز والإطناب النسبيان ٣٦٨ تمرينات على الإيجاز والإطناب والمساواة "٣٧١-٣٧٧" الفهرس

стр. 375

المجلد الثالث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفن الثاني: علم البيان مدخل تعريف علم البيان: وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد١ بطرق مختلفة في وضوح الدلالة

стр. 376

عليه١. أقسام الدلالة: ودلالة اللفظ: إما على ما وُضع له، أو على غيره. والثاني إما داخل في الأول دخول السقف في مفهوم البيت، أو الحيوان في مفهوم الإنسان، أو خارج عنه خروج الحائط عن مفهوم السقف، أو الضاحك عن مفهوم الإنسان. وتسمى الأولى دلالة وضعية، وكل واحدة من الأخيرتين دلالة عقلية. وتختص الأولى بدلالة المطابَقَة، والثانية بالتضمن، والثالثة بدلالة الالتزام، وشرط الثالثة: اللزوم الذهني؛ أي: أن يكون حصول ما وضع اللفظ له في الذهن ملزوما

стр. 377

لحصول الخارج فيه١؛ لئلا يلزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر؛ لكون نسبة الخارج إليه حينئذ كنسبة سائر المعاني الخارجية. ولا يُشترط في هذا اللزوم أن يكون مما يُثبته العقل٢؛ بل يكفي أن يكون مما يثبته اعتقاد المخاطب؛ إما لعرف عام، أو لغيره٣؛ لإمكان الانتقال حينئذ من المفهوم الأصلي إلى الخارجي. وقد وقع في كلام بعض العلماء٤ ما يشعر بالخلاف في اشتراط اللزوم الذهني في دلالة الالتزام، وهو بعيد جدا، وإن صح فلعل السبب فيه توهم أن المراد باللزومِ الذهني اللزومُ العقلي٥؛ لإمكان الفهم بدون اللزوم الذهني بهذا المعنى حينئذ كما سبق. ثم إيراد المعنى الواحد على الوجه المذكور لا يتأتى بالدلالة الوضعية٦؛ لأن

стр. 378

السامع إن كان عالما بوضع الألفاظ، لم يكن بعضها أوضح دلالة من بعض، وإلا لم يكن كل واحد منها دالا، وإنما يتأتى بالدلالات العقلية؛ لجواز أن يكون للشيء لوازم بعضها أوضح لزوما من بعض١. أبواب علم البيان: ثم اللفظ المراد به لازم ما وُضع له: إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو مجاز، وإلا فهو كناية. ثم المجاز منه الاستعارة، وهي ما تَبتني على التشبيه، فيتعين التعرض له٢. فانحصر المقصود في: التشبيه، والمجاز، والكناية. وقدم التشبيه على المجاز؛ لما ذكرنا من ابتناء الاستعارة -التي هي مجاز-

стр. 379

على التشبيه، وقُدِّم المجاز على الكناية؛ لنزول معناه من معناها منزلة الجزء من الكل١.

стр. 380

الباب الأول: القول في التشبيه: تعريف التشبيه: التشبيه: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنًى١. والمراد بالتشبيه ههنا٢ ما لم يكن على وجه الاستعارة التحقيقية، ولا الاستعارة بالكناية، ولا التجريد٣؛ فدخل فيه ما يسمى تشبيها بلا خلاف؛ وهو ما ذُكرت فيه أداة التشبيه؛ كقولنا: "زيد كالأسد"، أو "كالأسد" بحذف "زيد" لقيام قرينة، وما يسمى تشبيها -على المختار- كما سيأتي٤ وهو ما حذفت فيه أداة التشبيه وكان اسم المشبه به خبرا للمشبه، أو في حكم الخبر٥ كقولنا: "زيد أسد"، وكقوله تعالى:

стр. 381

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ١ أي: هم. ونحوه قول من يخاطب الحجَّاج: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فَتْخَاء تنفر من صفير الصافر٢ وكقولنا: "رأيت زيدا بحرا". تأثير التشبيه: وإذ قد عرفتَ معنى التشبيه في الاصطلاح؛ فاعلم أنه مما اتفق العقلاء على شرف قدره وفخامة أمره في فن البلاغة٣، وأن تعقيب المعاني به -لا سيما قسم التمثيل منه- يضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها، مدحا كانت أو ذما أو افتخارا أو غير ذلك، وإن أردت تحقيق هذا، فانظر إلى قول البحتري: دانٍ على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضَرِيب٤ كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب٥ أو قول ابن لَنْكَك: إذا أخو الحسن أضحى فعله سَمِجا ... رأيت صورته من أقبح الصور٦

стр. 382

وهبه كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر١ أو قول ابن الرومي: بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء فغدا كالخلاف يُورِق للعَيْـ ... ـن ويأبى الإثمار كل الإباء٢ أو قول أبي تمام: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود٣ لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرَف طيب عَرْف العود٤ وقوله أيضا: وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب يتجدد٥ فإني رأيت الشمس زِيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسَرْمَد٦ وقس حالك -وأنت في البيت الأول ولم تنتهِ إلى الثاني- على حالك وأنت قد انتهيتَ إليه ووقفتَ عليه، تعلم بُعد ما بين حالتيك في تمكن المعنى لديك، وكذا تَعَهَّدِ الفرق بين أن تقول: "الدنيا لا تدون" وتسكت وأنت تذكر عقيبه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤداة" , أو تنشد قول لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع٧ وبين أن تقول: "أرى قوما لهم منظر، وليس لهم مخبر" وتقطع الكلام، وأن تُتبعه نحو قول ابن لنكك: في شجر السَّرْو منهم مَثَل ... له رُواء وما له ثمر٨ وانظر في جميع ذلك إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يتزايد شرفه عليه في الحالة الأولى.

стр. 383

أسباب تأثير التشبيه: ولذلك أسباب؛ منها: ما يحصل للنفس من الأُنس بإخراجها من خفي إلى جلي؛ كالانتقال مما يحصل لها بالفكرة إلى ما يُعلم بالفطرة، أو بإخراجها مما لم تألفه إلى ما ألفته. كما قيل: ما الحُبّ إلا للحبيب الأول٣ أو مما تعلمه إلى ما هي به أعلم؛ كالانتقال من المعقول إلى المحسوس؛ فإنك قد

стр. 384

تعبر عن المعنى بعبارة تؤديه وتبالغ، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالقِصَر: "يوم كأقصر ما يُتصور"، فلا يجد السامع له من الأنس ما يجده لنحو قولهم: "أيام كأباهيم القَطَا"١، وقول الشاعر: ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب٢ وكذا تقول: "فلان إذا همّ بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره، وقصر خواطره على إمضاء عزمه فيه، ولم يشغله عنه شيء" فلا يصادف السامع له أريحية، حتى إذا قلت: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه٣ امتلأت نفسه سرورا، وأدركته هزة لا يمكن دفعها عنه. ومن الدليل على أن للإحساس من التحريك للنفس وتمكين المعنى ما ليس لغيره, أنك إذا كنت أنت

стр. 385

وصاحب لك يسعى في أمر على طرف نهر، وأنت تريد أن تقرر له أنه لا يحصل من سعيه على طائل، فأدخلت يدك في الماء ثم قلت له: "انظر: هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك" كان لذلك ضرب من التأثير في النفس وتمكين المعنى في القلب زائد على القول المجرد. ومنها: الاستطراف كما سيأتي١. ومن فضائل التشبيه أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشياء عدة٢: نحو أن يعطيك من الزند بإيرائه٣: شبه الجواد والذكي والنجح في الأمور، وبإصلاده٤: شبه البخيل والبليد والخيبة في السعي، ومن القمر: الكمال عن النقصان، كما قال أبو تمام: لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أُمهلت حتى تصير شمائلا٥ لغدا سكوتهما حجا وصباهما ... حلما وتلك الأريحية نائلا٦ ولأعقب النجم المُرِذّ بديمة ... ولعاد ذاك الطل جَوْدا وابلا٧

стр. 386

إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا١ والنقصان عن الكمال؛ كقول أبي العلاء المعري: وإن كنتَ تبغي العيش فابغِ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول٢ تُوَقَّ البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل٣ وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة؛ كقول ابن بابك في الأستاذ أبي علي, وقد استوزره وأبا العباس الضبي فخر الدولة بعد وفاة ابن عبّاد: وأُعرتَ شطر المُلْك شطر كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل٤ وقول أبي بكر الخوارزمي: أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لِماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغَبَّ وإن زاد الضياء أقاما٥

стр. 387

المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب؛ لأن الإغباب أن يتخلل بين وقتي الحضور وقت يخلو منه، فإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره لم يوالِ الطلوع في كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي دون البعض، وليس الأمر كذلك؛ لأنه -على نقصانه- يطلع كل ليلة حتى تكون السِّرار. وكذا يُنظر إلى بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من بيتي البحتري١ وإلى ظهوره في كل مكان، كما في قول أبي الطيب: كالبدر من حيث التفتَّ وجدتَهُ ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا٢ إلى غير ذلك٣. أركان التشبيه: ثم النظر في أركان التشبيه, وهي أربعة: "طرفاه، ووجهه، وأداته"، وفي الغرض منه، وفي تقسيمه بهذه الاعتبارات.

стр. 388

طرفا التشبيه: أما طرفاه فهما إما حسيان، كما في تشبيه الخد بالورد، والقَدّ بالرمح، والفيل بالجبل في المبصرات، والصوت الضعيف بالهمس في المسموعات، والنكهة بالعنبر في المشمومات، والريق بالخمر في المذوقات، والجلد الناعم بالحرير في الملموسات١. وإما عقليان؛ كما في تشبيه العلم بالحياة٢. وإما مختلفان؛ والمعقول هو المشبه؛ كما في تشبيه المنية بالسبع٣، أو العكس؛ كما في تشبيه العطر بخُلُق كريم٤.

стр. 389

والمراد بالحسي المدرَك -هو أو مادته- بإحدى الحواس الخمس الظاهرة؛ فدخل فيه الخيالي١ كما في قوله: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوّب أو تصعّد أعلام ياقوت نُشر ... ن على رماح من زبرجد٢ وقوله: كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندي كدبابيس عسجد ... قُضْبها من زبرجد٣ والمراد بـ "العقلي" ما عدا ذلك، فدخل فيه الوهمي؛ وهو ما ليس مدركا بشيء من الحواس الخمس الظاهرة، مع أنه لو أُدرك لم يدرك إلا بها٤؛ كما في قول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال٥ وعليه قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٦، وكذا ما يُدرَك بالوجدان٧؛ كاللذة، والألم، والشبع، والجوع.

стр. 390

وجه الشبه: وأما وجهه: فهو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان تحقيقا أو تخييلا، والمراد بالتخييل ألا يُمكن وجوده في المشبه به إلا على تأويل١؛ كما في قول القاضي التنوخي: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع٢ فإن وجه الشبه فيه الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بِيض في جوانب شيء مظلم أسود؛ فهي غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة والضلالة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة، فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيء من غيره؛ فلا يأمَن أن يتردّى في مَهْوَاة؛ أو يعثر على عدو قاتل، أو آفة مهلكة، شبهت بالظلمة، ولزم -على عكس ذلك- أن تشبه السنة والهدى وكل ما هو علم بالنور، وعليهما قوله تعالى:
следующие страницы →