← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة]ـ المؤلف: عبد المتعال الصعيدي الناشر: مكتبة الآداب الطبعة: السابعة عشر: ١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

المجلد الأول باب المقدمات تقديم: للشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم للشارح المغفور له الشيخ عبد المتعال الصعيدي: "١٣١٣هـ-١٣٨٣هـ = ١٨٩٤م-١٩٦٦م": أردت -قبل الشروع في شرح كتاب "الإيضاح لتلخيص المفتاح" لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بالخطيب القزويني "المتوفى ٧٣٩هـ"، بكتابي "بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح"- أن أضع هذا التقديم؛ لأبين فيه منزلة كتاب الإيضاح بين كتب البلاغة، ولماذا آثرته من بينها بشرحي له؟ والكلام في هذا يرجع بي إلى المدرسة التي ينتمي إليها كتاب الإيضاح من بين مدارس علوم البلاغة، وهي مدرسة الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني "المتوفى ٤٧١هـ" الذي ذهب بالشهرة في هذه العلوم، حتى عدّوه بحق شيخ البلاغة؛ لأنه هو الذي وضع أساسها الصحيح بكتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، وكان يسمي مسائل البلاغة علم البيان، وقد ذكر أن هذا العلم لقي من الضيم ما لقي, ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل، فأراد أن يوفيه حقه ويقرر قواعده تقريرا يليق به، فوضع فيه هذين الكتابين. وهو يسميه علم البيان بالمعنى الذي يشمل علوم البلاغة الثلاثة الآتية: المعاني، والبيان، والبديع؛ لأن البيان هو المنطق الفصيح المُعْرِب عما في الضمير، والعلوم الثلاثة لها تعلّق بالكلام الفصيح تصحيحا وتحسينا، على ما سيأتي من الفرق بينهما في ذلك، وإذا كان عبد القاهر لم يفصح عن هذا الفرق بين مباحثها، فقد أشار إليها بتخصيص كتابه "دلائل الإعجاز" لمباحث نظم الكلام؛ من ذكر وحذف وتقديم وتأخير ونحوها؛ فإنه لا يتعرض لغيرها فيه إلا نادرا، وهذه المباحث هي مباحث

стр. 3

علم المعاني، وبتخصيص كتابه "أسرار البلاغة" لمباحث الدلالة من الحقيقة والمجاز والتشبيه والاستعارة ونحوها، وهذه المباحث هي مباحث علم البيان بمعناه الذي صار إليه أخيرا، ثم ذكر المحسِّنات التي اختص بها أخيرا علم البديع، وأشار إلى منزلتها من البلاغة من رجوعها إلى التحسين لا غير، فلا تُطلَب فيها على سبيل الوجوب كما يُطلَب ما يتعلق منها بالنظم والدلالة, وقد ذهب إلى أن الحسن لا يمكن أن يكون للّفظ في ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى ما يُتوهم في بدء الفكرة أن الحسن فيه لا يتعدى اللفظ والجرس كالتجنيس؛ لأنك لا تستحسن تجانس اللفظين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا؛ ولهذا استُقبح قول أبي تمام "من الكامل": ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمَذْهب أم مُذْهَب! لأنه لم يزد على أن أسمعك حروفا مكررة؛ تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة. وكان أسلوب عبد القاهر في كتابيه أسلوبا بليغا ممتازا، يساعد على تربية مَلَكة البلاغة ولا يفسدها، ولا عيب فيه إلا أن يسرف في العبارات المترادفة؛ حتى تطغى على تقرير القواعد وعلى ما عُني به من استخلاص أسرارها من الشواهد النثرية والشعرية، وهو فيما عُني به من الأمرين الناقد الأديب، والبليغ الممتاز، وقد طفر بهذا في علم البلاغة طفرة لم يُسبَق إليها، ولم يأت بعده مَنْ سار على هديها حتى لا تقف عند هذا الحد؛ لأن شمس العلم في عصره كانت آخذة في الأفول، كما يقول في ذلك "مخلع البسيط": كبر على العلم يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم وإذا كان هذا حال عصره, فإن حال ما بعده من العصور كان أسوأ؛ فتقهقر علم البلاغة بعده ولم يتقدم. ثم جاء أبو يعقوب السكاكي "ت ٦٢٦هـ" بعد عبد القاهر، فلمح ما أشار

стр. 4

إليه الجرجاني فيما سبق من الفروق الثلاثة بين مباحث علم البلاغة؛ فميز بعضها عن بعض تمييزا تاما، وجعل لكل مبحث منها علما خاصا؛ فكان من هذه علوم البلاغة الثلاثة السابقة، ثم جاراه في تقرير قواعدها، وزاد عليه زيادات كثيرة في تقريرها، وهذا في قسم البيان من كتابه "مفتاح العلوم"، وقد جرى على ترتيبه لهذه المباحث من أتى بعده من المتأخرين، فكان عمدتهم في هذا الترتيب، ولم يستفيدوا إلا قليلا ممن كتب قبله أو بعده في علم البلاغة، ممن لم يَجْر فيها على منواله، ولم يَنْحُ فيها نحوه. ولا شك أن السكاكي بهذا يعد إلى حد ما من تلاميذ مدرسة عبد القاهر، ولكنه كان ناقدا ولم يكن أديبا؛ لأن أسلوبه في كتابه لم يكن أسلوب البليغ الممتاز مثل عبد القاهر؛ لأن العجمة كانت غالبة على أسلوبه، وكان الأسلوب التقريري الذي لا يُعنَى إلا بتقرير القواعد غالبا عليه، فكان في أسلوبه كثير من الغموض والتعقيد وضعف التأليف، ومثل هذا قد يفيد الناظر فيه علما، ولا يفيده أسلوبا بليغا، بل يفسد فيه مَلَكة البلاغة، وبهذا يكون ضرره أكبر من نفعه. وقد جاء بعد السكاكي عالمان كبيران أرادا أن يحذُوَا في علم البلاغة حذوه؛ أولهما ابن الناظم: بدر الدين بن مالك "المتوفى ٦٨٦هـ" ابن النحوي المشهور، في كتابه "المصباح لتلخيص المفتاح" وثانيهما: الخطيب القزويني "المتوفى ٧٣٩هـ" في كتابيه "تلخيص المفتاح" و"الإيضاح لتلخيص المفتاح"؛ وثانيهما كالشرح للأول. فأما مصباح ابن الناظم فإنه لم يهذِّب كثيرا من مفتاح السكاكي في علم البلاغة؛ لأن ملكة النحو كانت غالبة عليه، وكان هذا سببا في إعراض المتأخرين عن كتابه. وأما تلخيص الخطيب القزويني فإنه هذب كثيرا من مفتاح السكاكي؛ فقدم في مباحثه وأخر، وزاد عليه ما تجب زيادته من كتب البلاغة، وكان أسلوبه فيه أوضح من أسلوب السكاكي، ولكنه جعله أسلوبا تقريريا لا يُعْنَى إلا بجمع القواعد في أوجز لفظ؛ حتى أسرف في الإيجاز إسراف عبد القاهر في الإطناب، وجعل من تلخيصه متنا يحتاج إلى شروح وحواشٍ وتقارير، ولكن عيبه هذا كان موضع تقدير

стр. 5

المتأخرين وإعجابهم. فلما فرغ من تلخيصه شعر هو أيضا بحاجته إلى شرح، فوضع كتابه "الإيضاح" كشرح له، يجري على ترتيبه في إطناب يختصره أحيانا من كتابَيْ عبد القاهر، وأحيانا من كتاب السكاكي مع شيء من التهذيب فيه، ومع كثير من النقد الذي يفصِّله أحيانا، ويرمز إليه أحيانا بقوله: "وفيه نظر". وبهذا جاء "الإيضاح" وسطا بين إيجاز التلخيص، وإسهاب عبد القاهر. وكان بهذا هو الكتاب الممتاز على غيره من كتب البلاغة القديمة. ولكنه على هذا لم يُرزَق من الحظوة عند المتأخرين ما رُزِق التلخيص؛ لأنهم شُغِفوا بالمتون حفظا وشرحا. وقد نظروا إلى التلخيص على أنه متن من المتون، فشغفوا بحفظه وشرحه. وكان من السابقين إلى شرحه سعد الدين التفتازاني "ت ٧٩٢هـ"، من علماء العَجَم؛ فوضع له شرحا مطوّلا سماه "المطول"، وشرحا مختصرا سماه "المختصر". وكان سعد الدين من علماء العجم الذين تأثروا بالسكاكي في طريقته التقريرية، وفي ضعف أسلوبه؛ لضعف سليقته العربية، بل كان هو وأمثاله ممن أتى بعد السكاكي من علماء العجم أضعف منه ذوقا أدبيا، وسليقة عربية؛ فمضوا في الطريقة التقريرية إلى أن وصلوا إلى نهايتها في البعد عن الذوق الأدبي، ثم أخذوا ينشرونها هنا وهناك إلى أن غزت علماء العرب، وغزت جميع العلوم من عربية, إلى دينية، إلى غيرها من العلوم. وصارت عنايتها بتقرير عبارات المتون أكثر من عنايتها بتقرير مسائل العلوم. ثم تَهَافتَ المتأخرون من علماء البلاغة على شرحَيْ سعد الدين علي التلخيص، يضعون عليهما الحاشية بعد الحاشية، ويضعون على الحاشية التقرير بعد التقرير، وشُغف المدرسون بتلك الكتب في الجامع الأزهر وغيره من الجامعات الإسلامية في الأقطار المختلفة، يتعمقون في درسها إلى أقصى حدود التعمق، وينتقلون في درسها من المتن إلى الحاشية إلى التقرير، في استقصاء غريب، وتفنُّن في الفهم والبحث. ولو أن كل هذا في صميم مسائل البلاغة لهان الخَطْب، ولكن أكثره

стр. 6

في بحوث خارجة عن المسائل، وفي أسلوب ركيك يُفْسِد ملكة البلاغة؛ فإذا كانت فيه فائدة قليلة؛ فإنها تضيع في هذا الخِضَمّ الذي لا فائدة فيه. وقد تأبَّى كتاب "الإيضاح" وطريقته السابقة على المتأخرين من علماء البلاغة؛ فلم يضعوا عليه من الشروح والحواشي والتقارير مثل ما وضعوا على كتاب التلخيص اللهم إلا شرحا ضعيفا للأقسرائي لا يزال مخطوطا بدار الكتب المصرية، ومن الخير أن يبقى مخطوطا فيها؛ لأنه يذهب مذهب غيره في الطريقة التقريرية، وينأى عن طريقة كتاب الإيضاح السابقة؛ فيكون ضرره فيها أكثر من نفعه. ولما كان كتاب "التلخيص" كالأصل لكتاب "الإيضاح"؛ كان هذا مما يدعو قارئه إلى أن يرجع في كثير من مسائله إلى ما وُضع على كتاب التلخيص من شروح وحواشٍ وتقارير؛ فإذا رجع إليها غرق في ذلك الخضم من البحوث التي لا طائل تحتها، وضاع به ما يكتسبه من كتاب الإيضاح من ذوق أدبي؛ لأن تلك الشروح والحواشي والتقارير تغطي عليه. فرأيت أن أنأى بقارئ كتاب الإيضاح عن تلك الشروح والحواشي والتقارير؛ بوضع تعليقات عليه تشتمل على ما يأتي: ١- اختيار ما تلزم إضافته إليه مما هو من صميم مسائل البلاغة من تلك الشروح والحواشي والتقارير. واختيار هذا من ذلك الخضم من المماحكات اللفظية ليس بالأمر السهل؛ لأنه يحتاج إلى فهم صحيح لها، وإلى ذوق أدبي يميز الصالح للاختيار من غيره. ٢- شرح الشواهد النظمية شرحا موجزا ينسبها إلى قائليها، ويفسر غريبها, ويبين ما فيها من فوائد بلاغية، وموضع الشاهد فيها. ويعلم الله كم تعبت في ذلك كله، ولا سيما في نسبتها إلى قائليها. ٣- وضع عناوين في كل باب من أبوابه لموضوعاته المختلفة؛ ليسهل الرجوع

стр. 7

إليها، ووضع تمرينات آخر كل موضوع منها للاختبار فيها، ولفت طالب علوم البلاغة إلى أهم ناحية فيها. ٤- نقد ما يجب نقده من مسائله, ولا سيما المسائل التي ينقلها الخطيب عن السكاكي. وفيها من التكلفات والتعقيدات ما ينأى عن ذوق الأدب والبلاغة. ٥- صياغة التعليقات في أسلوب لا يكون فيه تعقيد ولا تطويل ممل، ولا إيجاز مخل؛ حتى تكون ملائمة لذوق موضوعها من علوم البلاغة. وقد سميت ما وضعته من هذه التعليقات: "بُغْيَة الإيضاح لتلخيص المفتاح". والله أسأل النفع بها، وأن تكون خطوة في هذه العلوم لما بعدها. عبد المتعال الصعيدي

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة: الجزء الأول: من أول الإيضاح حتى القصر في علم المعاني خطبة الإيضاح "مقدمة الخطيب القزويني ": قال الشيخ الإمام العالم العلامة, خطيب الخطباء مفتي المسلمين, جلال الدين أبو عبد الله محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني، الشافعي، متّع الله المسلمين بمُحَيَّاه، وأحسن عُقْبَاه: الحمد لله رب العالمين, وصلاته على محمد وعلى آل محمد أجمعين. أما بعد: فهذا كتاب في علم البلاغة وتوابعها، ترجمته بـ "الإيضاح"، وجعلته على ترتيب مختصري الذي سميته "تلخيص المفتاح"، وبسطت فيه القول ليكون كالشرح له، فأوضحت مواضعه المشكلة، وفصلت معانيه المجملة، وعمدت إلى ما خلا عنه المختصر مما تضمنه "مفتاح العلوم"، وإلى ما خلا عنه "المفتاح" من كلام الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ﵀ في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما؛ فاستخرجت زبدة ذلك كله، وهذبتها ورتبتها، حتى استقر كل شيء منها في محله، وأضفت إلى ذلك ما أدى إليه فكري، ولم أجده لغيري؛ فجاء بحمد الله جامعا لأشتات هذا العلم، وإليه أرغب في أن يجعله نافعا لمن نظر فيه من أولي الفهم, وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 9

مقدمة: في الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة، وانحصار علم البلاغة في علمي المعاني والبيان ١ الخلاف في تفسير الفصاحة والبلاغة: للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة٢، لم أجد -فيما بلغني منها-

стр. 10

ما يصلح لتعريفهما به١، ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلِّم؛ فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين؛ فنقول: كل واحدة منهما تقع صفة لمعنيين: أحدهما: الكلام، كما في قولك: "قصيدة فصيحة أو بليغة، ورسالة فصيحة أو بليغة"، والثاني: المتكلم٢كما في قولك: "شاعر بليغ أو فصيح، وكاتب فصيح أو بليغ". والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد؛ فيقال: "كلمة فصيحة"، ولا يقال: "كلمة بليغة". فصاحة المفرد: أما فصاحة المفرد: فهي خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس اللغوي.

стр. 11

فالتنافر منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقَل على اللسان وعسر النطق بها١؛ كما روي أن أعرابيا سئل عن ناقته فقال: "تركتها ترعى الهُعْخُع"٢، ومنه ما هو دون ذلك؛ كلفظ "مستشزر" في قول امرئ القيس: غدائره مُسْتَشْزِراتٌ إلى العلا٣

стр. 12

والغرابة: أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها١؛ فيُحتاج في معرفته إلى أن يُنَقَّب عنها في كتب اللغة المبسوطة؛ كما روي عن عيسى بن عمر النحوي أنه سقط عن حمار، فاجتمع عليه الناس، فقال: "ما لكم تكأكَأْتُم علي تَكَأْكُؤكم على ذي جنة؟! افْرَنْقِعوا عني" أي: اجتمعتم، تنحوا. أو يُخَرَّج لها وجه بعيد٢ كما في قول العجاج:

стр. 13

وفاحما ومَرْسِنا مُسَرَّجا١ فإنه لم يعرف ما أراد بقوله: "مسرجا"؛ حتى اختُلف في تخريجه٢؛ فقيل: هو من قولهم للسيوف سُرَيجية: منسوبة إلى قَيْن يقال له: سريج, يريد أنه في الاستواء والدقة كالسيف السريجي. وقيل: من السراج، يريد أنه في البريق كالسراج. وهذا يقرب٣

стр. 14

من قولهم: "سَرِج وجهه" بكسر الراء, أي: حَسُنَ، وسَرَّج الله وجهه, أي: بهّجه وحسّنه. ومخالفة القياس١ كما في قول الشاعر "من الرجز": الحمد لله العلي الأجْلَلِ٢ فإن القياس: "الأجَلّ" بالإدغام. وقيل: هي خلوصه مما ذُكر، ومن الكراهة في السمع: بأن تُمَجّ الكلمة ويُتبرأ من

стр. 15

سماعها كما يُتبرأ من سماع الأصوات المنكرة؛ فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذّ النفس سماعه، ومنها ما تكره سماعه. كلفظ "الجِرِشَّى" في قول أبي الطيب "المتقارب": كريم الجرشى شريف النسب١ ... أي: كريم النفس, وفيه نظر٢. ثم علامة كون الكلمة فصيحة أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا٣، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها٤. فصاحة الكلام: وأما فصاحة الكلام: فهي خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحتها٥.

стр. 16

فالضعف١: كما في قولنا: "ضرب غلامُه زيدًا"؛ فإن رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظا ممتنع عند الجمهور؛ لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظا ورتبة، وقيل: يجوز٢؛ كقول الشاعر "من الطويل": جزى ربُّهُ عني عديَّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل٣ وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر "جزى" أي: رب الجزاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٤ [المائدة: ٨] أي: العدل. والتنافر: منه ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على اللسان، وعسر النطق بها متتابعة؛ كما في البيت الذي أنشده الجاحظ "من الرجز":

стр. 17

وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر١ ومنه ما دون ذلك، كما في قول أبي تمام "من الطويل": كريم، متى أمدحْه أمدحْه والوَرَى ... معي وإذا ما لُمته لُمته وحدي٢ فإن في قوله: "أمدحه" ثقلا ما؛ لما بين الحاء والهاء من التنافر٣. والتعقيد: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به٤, وله سببان: أحدهما ما يرجع إلى اللفظ؛ وهو أن يختلّ نظم الكلام٥، ولا يدري السامع

стр. 18

كيف يتوصل منه إلى معناه؛ كقول الفرزدق "من الطويل": وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه١ كان حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه؛ فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: "وما مثله" يعني: إبراهيم الممدوح، "في الناس حي يقاربه"٢ أي: أحد يشبهه في الفضائل، إلا "مملكا" يعني هشاما، "أبو أمه" أي: أبو أم هشام، "أبوه" أي: أبو الممدوح، فالضمير في "أمه" للمملك، وفي "أبوه" للممدوح؛ ففصل بين "أبو أمه" وهو مبتدأ و"أبوه" وهو خبره بـ "حي" وهو أجنبي، وكذا فصل بين "حي" و"يقاربه" وهو نعت "حي" بـ "أبوه" وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه، فهو كما تراه في غاية التعقيد٣.

стр. 19

فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي: ما سلم نظمه من الخلل؛ فلم يكن فيه ما يخالف الأصل -من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك- إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة -لفظية أو معنوية- كما سيأتي تفصيل ذلك كله, وأمثلته اللائقة به. والثاني ما يرجع إلى المعنى, وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهرا١؛ كقول العباس بن الأحنف "من الطويل": سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عينايَ الدموع لتجمدا٢ كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن٣، وأصاب؛ لأن من شأن البكاء أن يكون كناية عنه؛ كقولهم: "أبكاني وأضحكني" أي: ساءني وسرني، وكما قال الحماسي "من السريع": أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي٤ ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود؛ لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ٥؛ لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها؛ فلا يكون

стр. 20

كناية عن المسرة؛ وإنما يكون كناية عن البخل، كما قال الشاعر "من الطويل": ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود١ ولو كان الجمود يصلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل؛ فيقال: "لا زالت عينك جامدة"، كما يقال: "لا أبكى الله عينك" وذلك مما لا يُشك في بطلانه. ومن ذلك قول أهل اللغة: "سنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد لا لبن لها"؛ فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جَمُودا إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأنها قد ضنّت. فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي: ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني -الذي هو المراد به- ظاهرا، حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه من حاقّ

стр. 21

اللفظ١ كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية. "تعريف آخر للفصاحة": وقيل: فصاحة الكلام هي خلوصه مما ذُكِر، ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات؛ كما في قول أبي الطيب: سَبُوح لها منها عليها شواهد٢ وفي قول ابن بابَكَ: حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي٣ وفيه نظر؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل على اللسان، فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم٤, وإلا فلا تخل٥ بالفصاحة، وقد قال النبي ﷺ : $"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"٦.

стр. 22

قال الشيخ عبد القاهر١: "قال الصاحب٢: إياك والإضافات المتداخلة؛ فإنها لا تحسن". وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل "من الخفيف": يا علي بن حمزة بن عمارهْ ... أنت -والله- ثلجة في خياره٣ ثم قال الشيخ: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه ملُح ولطُف. ومما حسُن فيه قول ابن المعتز أيضا٤ "من الطويل": وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح٥ ومما جاء فيه حسنا جميلا, قول الخالدي يصف غلاما له "من المنسرح": ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد وصيرفي القريض وزّان ديـ ... ـنار المعاني الدقاق منتقد٦ فصاحة المتكلم: وأما فصاحة المتكلم فهي ملكة يُقتَدَر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح؛

стр. 23

فالملكة قسم من مقولة الكيف التي هي هيئة قارّة لا تقتضي قسمة ولا نسبة١، وهو مختص بذوات الأنفس، راسخ في موضوعه. وقيل: "ملكة" ولم يُقَل: "صفة"؛ ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة؛ حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحا إلا إذا كانت الصفة التي اقتُدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه، وقيل: "يقتدر بها" ولم يقل: يعبر بها؛ ليشمل حالتي النطق وعدمه، وقيل: "بلفظ فصيح" ليعم المفرد والمركب. بلاغة الكلام: وأما بلاغة الكلام فهي: مطابقته لمقتضى الحال٢ مع فصاحته٣. ومقتضى الحال مختلف؛ فإن مقامات٤ الكلام متفاوتة؛ فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير،

стр. 24

ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام١، إلى غير ذلك، كما سيأتي تفصيل الجميع. وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول٢: بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاطه: بعدم مطابقته له، فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب٣. وهذا -أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال- هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم٤؛ حيث يقول: "النظم تأخِّي٥ معاني النحو٦ فيما بين الكَلِم على

стр. 25

بحسب الأغراض التي يُصاغ لها الكلام". فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى عند التركيب١، وكثيرا ما يسمى ذلك٢ فصاحة أيضا، وهو مراد الشيخ عبد القاهر٣ بما يكرره في "دلائل الإعجاز" من أن "الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ" كقوله في أثناء فصل منه: "علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها"٤. وإنما قلنا مراده ذلك؛ لأنه صرح في مواضع من "دلائل الإعجاز" بأن فضيلة الكلام للفظ لا لمعناه، منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك٥, فقال: "فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أُودع حكمة أو أدبا، أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر"٦ ثم قال:

стр. 26

"والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصلون؛ لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة مبرزا في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي". ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلاما منه قوله: "والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك". ثم قال١: "ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أنه محال -إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته- أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل؛ كذلك محال -إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام- أن تنظر في مجرد معناه، وكما "أننا" لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود، أو فصه أنفس؛ لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه ألا يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام". هذا لفظه، وهو صريح في أن الكلام -من حيث هو كلام- لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة٢ من صفاته الفاضلة؛ فلا تكون راجعة إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ، فالجمع بينهما بما قدمناه بحمل كلامه؛ حيث نفى أنها من صفات اللفظ، على نفي أنها من صفات المفردات من غير اعتبار التركيب٣، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب٤.

стр. 27

وللبلاغة طرفان: أعلى، إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه١. وأسفل، منه تبتدئ٢، وهو ما إذا غُيِّر الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات؛ وإن كان صحيح الإعراب. وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة. "المحسنات البديعية": وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومراتبها؛ فاعلم أنه يتبعها وجوه كثيرة٣ غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى الفصاحة، تورث الكلام حسنا وقبولا٤. بلاغة المتكلم: وأما بلاغة المتكلم فهي ملكة يُقتدر بها على تأليف كلام بليغ. حصر علوم البلاغة: وقد عُلم بما ذكرنا أمران: أحدهما: أن كل بليغ -كلاما كان أو متكلما- فصيح، وليس كل فصيح

стр. 28

بليغا١. الثاني: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد٢، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره٣. والثاني -أعني التمييز- منه ما يُتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو، أو يدرك بالحسن، وهو ما عدا التعقيد المعنوي٤. وما يحترز به عن الأول -أعني الخطأ في تأدية المعنى المراد- هو علم المعاني. وما يحترز به عن الثاني -أعني التعقيد المعنوي- هو علم البيان. وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو علم البديع٥.

стр. 29

وكثير من الناس يسمي الجميع علم البيان١، وبعضهم يسمي الأول علم المعاني, والثاني والثالث علم البيان، وبعضهم يسمي الثلاثة علم البديع٢.

стр. 30

تمرينات على الفصاحة والبلاغة: تمرين١: ١- وازن بين هذين البيتين من جهة الفصاحة: لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم ٢- بين ما في هذا البيت مما يخل بالفصاحة: وشوه ترقيش المرقش رقشه ... فأشياعه يشكونه ومعاشره تمري ٢: ١- قال بعض الشعراء: خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا وقال آخر: فكلكم أتى مأتى أبيه ... فكل فعال كلكم عجاب فبين ما فيهما مما يخل بالفصاحة. ٢- لماذا كان عود الضمير على متأخر لفظا غير مخل بالفصاحة في قول الشاعر: جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى رَبَّه موسى على قدر وكان مخلا بها في قول الآخر: ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما؟ تمرين٣: قال الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان: وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عاري الخوان ولا جدب

стр. 31

فأُخذ هذا عليه، فبَيِّن ما ترجع إليه هذه المؤاخذة من البلاغة أو الفصاحة. تمرين٤: ١- من أي التعقيدين قول الشاعر: أنى يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد؟! ٢- قال قاضٍ لرجل خاصمته امرأة: "أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك, أخذتَ تُطلها وتضهلها" فبين ما فيه مما يخل بالفصاحة والبلاغة. تمرين ٥: ١- لماذا لم تعد علوم اللغة والتصريف والنحو من علوم البلاغة, مع توقف الفصاحة عليها؟ ٢- ما الفرق بين القياس اللغوي والصرفي؟ وأيهما تخل مخالفته بالفصاحة؟ ٣- ما الذي يرجع إلى اللفظ من الفصاحة؟ وما الذي يرجع منها إلى المعنى؟ تمرين٦: ١- وازن بين لفظ "شيء" من جهة البلاغة, في هذه الأبيات: ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران ٢- أي الأمرين أنفع: جمع علوم البلاغة تحت اسم واحد، أم توزيع مسائلها على علومها الثلاثة؟

стр. 32

الفن الأول: علم المعاني تعريف علم المعاني: هو علم يُعرَف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال١. وقيل: "يعرف" دون "يعلم" رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم بالكليات، والمعرفة بالجزئيات، كما قال صاحب "القانون"٢ في تعريف الطب:

стр. 33

"الطب: علم يعرف به أحوال بدن الإنسان". وكما قال الشيخ أبو عمرو١ ﵀: "التصريف: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم". وقال السكاكي٢: "علم المعاني هو تتبع خواص٣ تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره٤؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضي الحال ذكره". وفيه نظر؛ إذ التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه؛ فلا يصح تعريف شيء من العلوم به. ثم قال: "وأعني بالتراكيب تراكيب البلغاء". ولا شك أن معرفة البليغ من حيث هو بليغ متوقفة على معرفة البلاغة، وقد عرفها في كتابه٥ بقوله: "البلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها٦ وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها"٧. فإن أراد بالتراكيب في حد البلاغة تراكيب البلغاء -وهو الظاهر- فقد جاء الدور٨، وإن أراد غيرها فلم يبينه, على أن قوله: "وغيره" مبهم لم يبين مراده به٩.

стр. 34

أبواب علم المعاني: ثم المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب: أولها: أحوال الإسناد الخبري. وثانيها: أحوال المسند إليه. وثالثها: أحوال المسند. ورابعها: أحوال متعلقات الفعل. وخامسها: القصر. وسادسها: الإنشاء. وسابعها: الفصل والوصل. وثامنها: الإيجاز والإطناب والمساواة. ووجه الحصر أن الكلام إما خبر أو إنشاء؛ لأنه إما أن يكون لنسبته خارج١تطابقه أو لا تطابقه، أو لا يكون لها خارج؛ الأول: الخبر، والثاني: الإنشاء، ثم الخبر لا بد له من إسناد ومسند إليه ومسند، وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى. ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا، أو متصلا به، أو في معناه٢ كاسم الفاعل ونحوه، وهذا هو الباب الرابع. ثم الإسناد والتعلق، كل واحد منهما يكون إما بقصر أو بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس. والإنشاء هو الباب السادس. ثم الجملة إذا قرنت بأخرى؛ فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع.

стр. 35

ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة، أو غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن. تنبيه: انحصار الخبر في الصادق والكاذب: اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب١؛ فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما، ثم اختلفوا؛ فقال الأكثر منهم: صدقه مطابقة حكمه للواقع، وكذبه عدم مطابقة حكمه له، هذا هو المشهور، وعليه التعويل. وقال بعض الناس٢: صدقه: مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر, صوابا كان أو خطأ، وكذبه: عدم مطابقة حكمه له٣، واحتج بوجهين: أحدهما: أن من اعتقد أمرا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال: "ما كذب، ولكنه أخطأ"، كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت فيمن شأنه كذلك: "ما كذب، ولكنه وهم". ورُدَّ بأن المنفي تعمد الكذب، لا الكذب؛ بدليل تكذيب الكافر؛ كاليهودي إذا قال: "الإسلام باطل"، وتصديقه إذا قال: "الإسلام حق"؛ فقولها: "ما كذب" متأول بـ "ما كذب عمدا". الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] . كذّبهم في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وإن كان مطابقا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه.

стр. 36

وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أن المعنى١: نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يترجم عنه: إن واللام وكون الجملة اسمية٢ في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ؛ فالتكذيب في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾ وادعائهم فيه المواطأة، لا في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ . ولدفع هذا التوهم وسط بينهما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ . وثانيها: أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة. وثالثها: أن المعنى: لكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ عند أنفسهم؛ لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه٣. وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه٤، وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه٥. فالأول أي: المطابق مع الاعتقاد٦ هو الصادق. والثالث أي: غير المطابق مع الاعتقاد٧ هو الكاذب، والثاني والرابع -أي: المطابق مع عدم الاعتقاد٨، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد٩-

стр. 37

كل منهما ليس بصادق ولا كاذب١. فالصدق عنده: مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده، والكذب: عدم مطابقته مع اعتقاده، وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده، واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] فإنهم حصروا دعوى النبي -صلى الله علية وسلم- الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو٢، وليس إخباره حال الجنون كذبا؛ لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه؛ فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب. وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد؛ فهو نوع من الكذب؛ فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا؛ لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب؛ وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب، لا للخبر مطلقا، والمعنى: أفترى أم لم يفتر؟ وعبر عن الثاني بقوله: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ؛ لأن المجنون لا افتراء له٣. تنبيه آخر: وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم؛ قال السكاكي٤: "ليس من الواجب في صناعة -وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل- أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت

стр. 38

الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد١ صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق". وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إلى هذا؛ كما ذكر في موضع٢ ما تلخيصه هذا: "اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وممن تحدثه نفسه بأن لما تومئ إليه من الحسن أصلا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وإذا عجبته تعجب، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه. فأما من كان الحالان٣ عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر, ويميز به مزاحفه من سالمه، في أنك لا تتصدى لتعريفه؛ لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف"٤. واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب, فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء ما لم تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس، وحظا من القبول٥، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول٦. واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله شاهدا في غيره، أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتعودها الكسل والهوينى. قال الجاحظ: "وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: "لم يدع الأول للآخر شيئا". فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلا".

стр. 39

الباب الأول: القول في أحوال الإسناد الخبري أغراض الخبر: من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم؛ كقولك: "زيد قائم" لمن لا يعلم أنه قائم، ويسمى هذا١ فائدة الخبر، وإما كون المخبر عالما بالحكم؛ كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: "زيد عندك"، ويسمى هذا٢ لازم فائدة الخبر.

стр. 40

قال السكاكي١: "والأولى٢ بدون هذه٣ تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حكم اللازم المجهول المساواة"٤ أي: يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه؛ لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول، مع أن سماع الخبر من المخبر كافٍ في حصول الثاني منه٥. ولا يمتنع أن لا يحصل الأول من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه؛ لجواز حصول الأول قبل حصول الثاني٦ وامتناع حصول الحاصل. وقد ينزل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم؛ فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما٧.
следующие страницы →