وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أن المعنى١: نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يترجم عنه: إن واللام وكون الجملة اسمية٢ في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ؛ فالتكذيب في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾ وادعائهم فيه المواطأة، لا في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ . ولدفع هذا التوهم وسط بينهما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ . وثانيها: أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة. وثالثها: أن المعنى: لكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ عند أنفسهم؛ لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه٣.
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه٤، وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه٥. فالأول أي: المطابق مع الاعتقاد٦ هو الصادق. والثالث أي: غير المطابق مع الاعتقاد٧ هو الكاذب، والثاني والرابع -أي: المطابق مع عدم الاعتقاد٨، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد٩-
стр. 37
كل منهما ليس بصادق ولا كاذب١. فالصدق عنده: مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده، والكذب: عدم مطابقته مع اعتقاده، وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده، واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] فإنهم حصروا دعوى النبي -صلى الله علية وسلم- الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو٢، وليس إخباره حال الجنون كذبا؛ لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه؛ فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب.
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد؛ فهو نوع من الكذب؛ فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا؛ لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب؛ وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب، لا للخبر مطلقا، والمعنى: أفترى أم لم يفتر؟ وعبر عن الثاني بقوله: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ؛ لأن المجنون لا افتراء له٣.
تنبيه آخر:
وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم؛ قال السكاكي٤: "ليس من الواجب في صناعة -وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل- أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت
стр. 38
الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد١ صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق".
وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إلى هذا؛ كما ذكر في موضع٢ ما تلخيصه هذا: "اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وممن تحدثه نفسه بأن لما تومئ إليه من الحسن أصلا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وإذا عجبته تعجب، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه. فأما من كان الحالان٣ عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر, ويميز به مزاحفه من سالمه، في أنك لا تتصدى لتعريفه؛ لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف"٤. واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب, فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء ما لم تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس، وحظا من القبول٥، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول٦.
واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله شاهدا في غيره، أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتعودها الكسل والهوينى.
قال الجاحظ: "وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: "لم يدع الأول للآخر شيئا". فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلا".
стр. 39
الباب الأول: القول في أحوال الإسناد الخبري
أغراض الخبر: من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم؛ كقولك: "زيد قائم" لمن لا يعلم أنه قائم، ويسمى هذا١ فائدة الخبر، وإما كون المخبر عالما بالحكم؛ كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: "زيد عندك"، ويسمى هذا٢ لازم فائدة الخبر.
стр. 40
قال السكاكي١: "والأولى٢ بدون هذه٣ تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حكم اللازم المجهول المساواة"٤ أي: يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه؛ لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول، مع أن سماع الخبر من المخبر كافٍ في حصول الثاني منه٥. ولا يمتنع أن لا يحصل الأول من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه؛ لجواز حصول الأول قبل حصول الثاني٦ وامتناع حصول الحاصل.
وقد ينزل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم؛ فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما٧.
стр. 41
قال السكاكي١: "وإن شئت فعليك بكلام رب العزة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] . كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي، وآخره ينفيه عنهم؛ حيث لم يعملوا بعلمهم. ونظيره في النفي والإثبات: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] .
هذا لفظه، وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هي من أمثلة تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به؛ لعدم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ظاهر٢.
أضرب الخبر: وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين, فينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة.
أ- فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه، استُغني٣ عن مؤكدات الحكم؛ كقولك: "جاء زيد, وعمرو ذاهب" فيتمكن في ذهنه؛ لمصادفته إياه خاليا.
ب- وإن كان متصورا لطرفيه، مترددا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبا له،
стр. 42
حسن تقويته بمؤكد١؛ كقولك: "لزيد عارف"، أو "إن زيدا عارف".
ج- وإن كان حاكما بخلافه, وجب توكيده بحسب الإنكار٢؛ فتقول: "إني صادق" لمن ينكر صدقك ولا يبالغ في إنكاره، و: "إني لصادق" لمن يبالغ في إنكاره، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣-١٦] . حيث قال٣ في المرة الأولى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ، وفي الثانية:
стр. 43
﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ .
ويؤيد ما ذكرناه جواب أبي العباس للكندي١ عن قوله: "إني أجد في كلام العرب حشوا؛ يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم, والمعنى واحد! " بأن قال: "بل المعاني مختلفة؛ فعبد الله قائم إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر".
ويسمى النوع الأول من الخبر: ابتدائيا, والثاني: طلبيا، والثالث: إنكاريا، وإخراج الكلام على هذه الوجوه٢: إخراجا على مقتضى الظاهر ٣:
خريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: وكثيرا ما يخرج على خلافه٤، فينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر, فيستشرف له استشراف المتردد الطالب٥؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ ٦.
стр. 44
وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ١، وقول بعض العرب "الرجز":
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء٢
وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض؛ روي عن الأصمعي أنه قال: كان أبو عمرو بن العلاء٣ وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعيْنِ له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. فأتياه يوما، فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما, قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب!! قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب؛ فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف, قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدهما "الخفيف":
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير٤
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح":
стр. 45
"بكرا فالنجاح" كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية١ فقلت: "إن ذاك النجاح" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: "بكرا فالنجاح" كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام٢، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبّله بين عينيه. فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء -وهم من فحولة هذا الفن- إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟
وكذلك ينزل غير المنكر منزلة المنكر٣ إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار؛ كقوله:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح٤
فإن مجيئه هكذا مدلا بشجاعته، قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد منه، واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد، كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
وكذلك ينزل المنكر منزلة غير المنكر٥ إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن
стр. 46
الإنكار؛ كما يقال لمنكر الإسلام: "الإسلام حق"١. وعليه قوله تعالى في حق القرآن: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢.
ومما يتفرع على هذين الاعتبارين٣ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] أكد إثبات الموت بتأكيدين وإن كان مما لا ينكر؛ لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت؛ لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ دون "تموتون" كما سيأتي الفرق بينهما٤، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فنزل
стр. 47
المخاطبون منزلة المترددين فيه؛ تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء ﴿تُبْعَثُونَ﴾ على الأصل١.
هذا كله اعتبارات الإثبات، وقس عليه اعتبارات النفي؛ كقولك: "ليس زيد"، أو: "ما زيد منطلقا" أو "بمنطلق"، "ووالله ليس زيدا"، أو: "ما زيد منطلقا" أو بمنطلق، و"ما ينطلق؛ أو ما إن ينطلق زيد"، و"ما كان زيد ينطلق، وما كان زيد لينطلق"، و"لا ينطلق زيد", و"لن ينطلق زيد"، "ووالله ما ينطلق, أو ما إن ينطلق زيد"٢.
стр. 48
تمرينات على أغراض الخبر وأضربه:
تمرين١:
بين الغرض من الخبر فيما يأتي:
١-
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
٢-
محا البين ما أبقت عيون المها مني ... فشبت ولم أقض اللبانة من سني
٣- قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: الآية ١] .
تمرين٢:
من أي أضرب الخبر ما يأتي:
١-
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس
٢-
لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير
٣-
ما إن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام كثيرا
تمرين٣:
بين ما جرى من أضرب الخبر على مقتضى الظاهر, أو خلافه فيما يأتي:
١-
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليَبَس
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] .
٣- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] .
تمرين٤:
بين الغرض من التأكيد فيما يأتي:
١-
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلا
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .
٣- إن البغاث بأرضنا يستنسر.
٤-
ألا إن أخلاق الفتى كزمانه ... فمنهن بيض في العيون وسود
стр. 49
فصل: الحقيقة والمجاز العقليان
الإسناد منه حقيقة عقلية، ومنه مجاز عقلي١.
أما الحقيقة فهي إسناد الفعل٢ -أو معناه- إلى ما هو له٣ عند المتكلم في الظاهر٤.
والمراد بمعنى الفعل نحو المصدر واسم الفاعل٥.
стр. 50
وقولنا: "في الظاهر" ليشمل ما لا يطابق اعتقاده مما يطابق الواقع، وما لا يطابقه؛ فهي أربعة أضرب:
أحدها: ما يطابق الواقع واعتقاده؛ كقول المؤمن: "أنبت الله البقل، وشفى الله المريض".
والثاني: ما يطابق الواقع دون اعتقاده؛ كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله وهو يُخفيها منه١: "خالق الأفعال كلها هو الله تعالى".
والثالث: ما يطابق اعتقاده دون الواقع؛ كقول الجاهل: "شفى الطبيب المريض" معتقدا شفاء المريض من الطبيب، ومنه قوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] ، ولا يجوز أن يكون مجازا، والإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ؛ لما فيه من إيهام الخطأ٢، بدليل٣ قوله تعالى عقيبه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] . والمتجوز المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، وإنما الظان من يعتقد أن الأمر على ما قاله.
والرابع: ما لا يطابق شيئا منهما؛ كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالما بحالها دون المخاطب٤.
стр. 51
تعريف المجاز العقلي: وأما المجاز فهو إسناد الفعل١، أو معناه، إلى ملابس له٢، غير ما هو له بتأول٣.
وللفعل٤ ملابسات شتى: يلابس الفاعل، والمفعول به، والمصدر، والزمان، والمكان، والسبب٥.
فإسناده إلى الفاعل: إذا كان مبنيا له حقيقة كما مر، وكذا إلى المفعول: إذا كان مبنيا له٦. وقولنا: "ما هو له" يشملهما.
وإسناده إلى غيرهما٧ -لمضاهاته٨ ما هو له في ملابسة الفعل- مجاز؛ كقولهم في المفعول به٩:
стр. 52
عيشة راضية، وماء دافق١، وفي عكسه: سيل مفعم٢، وفي المصدر: شعر شاعر٣، وفي الزمان: نهاره صائم، وليله قائم٤، وفي المكان: طريق سائر، ونهر جارٍ٥، وفي السبب: "بنى الأمير المدينة". وقال:
إذا رد عافي القِدْر من يستعيرها٦
وقولنا: "بتأول" يخرج نحو قول الجاهل: "شفى الطبيب المريض"؛ فإن إسناده
стр. 53
الشفاء إلى الطبيب ليس بتأول. ولهذا لم يحمل نحو قول الشاعر الحماسي "المتقارب":
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ ... ـر كر الغداة ومر العشي١
على المجاز، ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يُرِدْ ظاهره٢، كما استُدل على أن إسناد "ميز" إلى "جذب الليالي" في قول أبي النجم "من الرجز":
قد أصبحت أم الخيار تدعي
علي ذنبا كله لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع
ميز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي أبطئي أو أسرعي٣
مجاز؛ بقوله عقيبه:
أفناه قيل الله للشمس: اطلعي ... حتى إذا واراكِ أفق فارجعي٤
وسمي الإسناد في هذين القسمين من الكلام عقليا؛ لاستناده إلى العقل دون الوضع؛ لأن إسناد الكلمة إلى الكلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة،
стр. 54
فلا يصير "ضَرَبَ" خبرا عن "زيد" بواضع اللغة؛ بل بمن قُصد إثبات الضرب فعلا له، وإنما الذي يعود إلى واضع اللغة أن "ضرب" لإثبات الضرب، لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماضٍ، وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما تعيين من ثبت له، فإنما يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين. ولو كان لغويا لكان حكمنا بأنه مجاز في مثل قولنا: "خط أحسن مما وشّى الربيع"؛ من جهة أن الفعل لا يصح إلا من الحي القادر١, حكما بأن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون الجماد، وذلك مما لا يشك في بطلانه٢.
وقال السكاكي٣: "الحقيقة العقلية هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه, قال: وإنما قلت: "ما عند المتكلم" دون أن أقول: "ما عند العقل"٤؛ ليتناول كلام الجاهل إذا قال: "شفى الطبيب المريض" رائيا شفاء المريض من الطبيب، حيث عُد منه حقيقة، مع أنه غير مفيد لما في العقل من الحكم فيه"٥.
وفيه نظر؛ لأنه غير مطرد؛ لصدقه على ما لم يكن المسند فيه فعلا ولا متصلا به٦, كقولنا: "الإنسان حيوان" مع أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازا٧، ولا منعكس؛
стр. 55
لخروج ما يطابق الواقع دون اعتقاد المتكلم، وما لا يطابق شيئا منهما منه مع كونهما حقيقتين عقليتين كما سبق١.
وقال٢: "المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه؛ لضرب من التأول، إفادة للخلاف، لا بواسطة وضع"؛ كقولك: "أنبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة". قال: وإنما قلت: "خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه" دون أن أقول: "خلاف ما عند العقل"؛ لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري٣ عن اعتقاد جهل، أو قال جاهل غيره: "أنبت الربيع البقل" رائيا إنباته من الربيع؛ فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، واحتج ببيت الحماسة٤ وقول أبي النجم على ما تقدم.
ثم قال: "ولئلا يمتنع عكسه "كسا الخليفة الكعبة، وهزم الأمير الجند" فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة، ولا أن يهزم الأمير وحده الجند،
стр. 56
ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي، وإنما قلت: "لضرب من التأول"؛ ليُحْتَرَز به عن الكذب؛ فإنه لا يسمى مجازا مع كونه كلاما مفيدا خلاف ما عند المتكلم، وإنما قلت: "إفادة للخلاف لا بواسطة وضع"؛ ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة، وهي إذا ادُّعي أن "أنبت" موضوع لاستعماله في القادر المختار، أو وُضع لذلك"١.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم بطلان طرده بما ذُكر؛ لخروجه بقوله: "لضرب من التأول" ولا بطلان عكسه بما ذكر؛ إذ المراد بخلاف ما عند العقل خلاف ما في نفس الأمر٢. وفي كلام الشيخ عبد القاهر٣ إشارة إلى ذلك؛ حيث عرّف الحقيقة العقلية بقوله: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل واقع موقعه"؛ فإن قوله: "واقع موقعه" معناه في نفس الأمر، وهو بيان لما قبله٤.
وكذا في كلام الزمخشري، حيث عرف المجاز العقلي بقوله: "وأن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له"، فإن قوله: "في الحقيقة" معناه في نفس الأمر، ونحو: "كسا الخليفة الكعبة" إذا كان الإسناد فيه مجازا كذلك.
ثم القول بأن الفعل موضوع لاستعماله في القادر، ضعيف؛ وهو معترف بضعفه، وقد رده في كتابه بوجوه: منها أن وضع الفعل لاستعماله في القادر قيد لم ينقل عن واحد من رواة اللغة، وترك القيد دليل في العرف على الإطلاق؛ فقوله:
стр. 57
"إفادة للخلاف لا بواسطة وضع" لا حاجة إليه، وإن ذُكر فينبغي أن لا يذكر إلا بعد ذكر الحد على المذهب المختار، على أن تمثيله بقول الجاهل: "أنبت الربيع البقل" ينافي هذا الاحتراز١.
تنبيه:
قد تبين مما ذكرنا أن المسمى بالحقيقة العقلية والمجاز العقلي -على ما ذكره السكاكي- هو الكلام، لا الإسناد٢. وهذا يوافق ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر في مواضع من "دلائل الإعجاز"٣, وأنه -على ما ذكرناه- هو الإسناد لا الكلام، وهذا ظاهر ما نقله الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ﵀ عن الشيخ عبد القاهر، وهو قول الزمخشري في "الكشاف"، وقول غيره، وإنما اخترناه؛ لأن نسبة المسمى حقيقة أو مجازا إلى العقل على هذا لنفسه بلا وساطة شيء, وعلى الأول لاشتماله على ما ينتسب إلى العقل, أعني: الإسناد.
أقسام المجاز العقلي:
ثم المجاز العقلي باعتبار طرفيه -أعني: المسند والمسند إليه- أربعة أقسام لا غير؛ لأنهما إما حقيقتان٤؛ كقولنا: "أنبت الربيع البقل"، وعليه قوله "الرجز":
стр. 58
فنام ليلي وتجلى همي١
وقوله:
وشيّب أيام الفراق مفارقي٢
وقوله:
ونمتِ ما ليل المطي بنائم٣
وإما مجازان٤ كقولنا: "أحيا الأرضَ شبابُ الزمان"٥.
وإما مختلقان: كقولنا: "أنبت البقلَ شبابُ الزمان"، وكقولنا: "أحيا الأرض الربيع" وعليه قول الرجل لصاحبه: "أحيتني رؤيتك" أي: آنستني وسرتني, فقد جعل الحاصل بالرؤية من الأنس والمسرة حياة، ثم جعل الرؤية فاعلة له.
ومثله قول أبي الطيب "من الطويل":
стр. 59
وتُحيي له المالَ الصوارمُ والقنا ... ويقتل ما تُحيي التبسم والجدا١
جعل الزيادة والوفور حياة للمال، وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم، والقتل فعلا للتبسم، مع أن الفعل لا يصح منهما. ونحوه قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم" جعلت الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك فعلا للدينار والدرهم.
وقوع المجاز العقلي في القرآن:
وهو في القرآن كثير٢؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] . نُسبت الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا فيها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] ، ومن هذا الضرب قوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] فإن الفاعل غيره، ونسب الفعل إليه؛ لكونه الآمر به، وكقوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] نُسب النزع الذي هو فعل الله تعالى إلى إبليس؛ لأن سببه أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لهما لمن الناصحين، وكذا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ، نسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم، وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر، وكقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، كقولهم: "نهاره صائم"، وكقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ٣.
стр. 60
المجاز في الإنشاء: وهو غير مختصّ بالخبر١؛ بل يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ٢ وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٣ وقوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ٤.
تقسيم قرينة المجاز:
ولا بد له من قرينة: إما لفظية؛ كما سبق في قول أبي النجم، أو غير لفظية؛ كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور٥, أو قيامه به٦ عقلا؛ كقولك: "محبتك جاءت بي إليك"٧, أو عادة، كقولك: "هزم الأمير الجند، وكسا الخليفة الكعبة، وبنى الوزير القصر"، وكصدور٨ الكلام من المُوَحِّد٩ في مثل قوله:
стр. 61
"أشاب الصغير ... "١ البيت.
دقة مسلكه: واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه له بشيء تتوخاه في النظم؛ كقول من يصف جملا "من الطويل":
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر٢
يريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد الذي لا يجد السائر شيئا يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا، فلولا أنه قال: "تجوب له" فعلق "له" بـ "تجوب" لما تبين جهة التجوز في جعل الجَوْب فعلا للعين كما ينبغي؛ لأنه لم يكن حينئذ في الكلام دليل على أن اهتداء صاحبها في الظلمة ومضيه فيها بنورها، وكذلك لو قال: "تجوب له الظلماء عينه" لم يكن له هذا الموقع، ولا نقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به٣.
الخلاف في استلزامه الحقيقة:
واعلم أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة؛ لما يُشعر
стр. 62
بذلك تعريفه بما سبق١.
وذلك قد يكون ظاهرا؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة:١٦] أي: فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفيا لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل؛ كما في قولك: "سرتني رؤيتك" أي: سرني الله وقت رؤيتك، كما تقول: أصل الحكم في "أنبت الربيع البقل": أنبت الله البقل وقت الربيع، وفي "شفى الطبيب المريض": شفى الله المريض عند علاج الطبيب، وكما في قوله: "أقدَمَني بلدك حق لي على فلان" أي: أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان، أي: قدمتُ لذلك، ونظيره: "محبتك جاءت بي إليك" أي: جاءت بي نفسي إليك لمحبتك، أي: جئتك لمحبتك، وإنما قلنا: إن الحكم فيهما مجاز؛ لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي٢، والداعي لا يكون فاعلا. وكما في قول الشاعر "مجزوء الوافر":
وصيرني هواك وبي ... لِحَيْني يُضرَب المثل٣
أي: وصيرني الله لهواكِ وحالي هذه، أي: أهلكني الله ابتلاء بسبب هواك.
وكما في قول الآخر, وهو أبو نُواس "مجزوء الوافر":
стр. 63
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا١
أي: يزيدك الله حسنا في وجهه، لما أُودعه من دقائق الجمال متى تأملتَ.
إنكار السكاكي له: وأنكر السكاكي٢ وجود المجاز العقلي في الكلام٣، وقال: "الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي٤ بواسطة المبالغة في التشبيه، على ما عليه مبنى الاستعارة، كما سيأتي, وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة، وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة
стр. 64
للاستعارة".
وفيما ذهب إليه نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] صاحب العيشة لا العيشة١، وبـ "ماء" في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] فاعل الدفق لا المَنِيّ٢؛ لما سيأتي في تفسيره للاستعارة بالكناية٣، وأن لا تصح الإضافة في نحو قولهم: "فلان نهاره صائم, وليله قائم"؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه، وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح. وأن لا يكون الأمر بالإيقاد على الطين في إحدى الآيتين٤ -وبالبناء فيهما- لهامان٥ مع أن النداء له٦, وأن يتوقف جواز التركيب في نحو قولهم: "أنبت الربيع البقل، وسرتني رؤيتك" على الإذن الشرعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل ذلك منتفٍ ظاهر الانتفاء.
ثم ذكره منقوص بنحو قولهم: "فلان نهاره صائم"؛ فإن الإسناد فيه مجاز، ولا يجوز أن يكون النهار استعارة بالكناية عن فلان؛ لأن ذكر طرفي التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة، ويوجب حمله على التشبيه، ولهذا عُد نحو قولهم: "رأيت بفلان أسدا، ولقيني منه أسد" تشبيها لا استعارة، كما صرح السكاكي أيضا
стр. 65
بذلك في كتابه١.
تنبيه: سبب عدم إيراد الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان
إنما لم نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان -كما فعل السكاكي ومن تبعه- لدخوله في تعريف علم المعاني, دون تعريف علم البيان٢.
стр. 66
تمرينات على الحقيقة والمجاز العقليين:
تمرين١:
بَيِّن الحقيقة والمجاز العقليين, والأحوال الداعية إليهما فيما يأتي:
١- فدعها وسل الهم عنها بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
٢- إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قِيلُ الكماة ألا أين المحامونا
٣- إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى.
٤- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥] .
تمرين٢:
بَيِّن نوع الملابسة فيما يأتي, من المجاز العقلي:
١- هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
٢- وكل امرئ يُولي الجميل ... وكل مكان يُنبت العز طيب
٣- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] .
تمرين٣:
١- ما وجه من جعل الحقيقة والمجاز العقليين من علم المعاني؟ وما وجه من جعلهما من علم البيان؟ وهل لهذا الخلاف ثمرة في البلاغة؟
٢- بين الخلاف في كون الحقيقة والمجاز العقليين وصفين للكلام أو للإسناد؟ وما هي ثمرة هذا الخلاف في المقصود من علوم البلاغة؟
стр. 67
الباب الثاني: القول في أحوال المسند إليه
أغراض حذف المسند إليه:
أما حذفه: فإما لمجرد الاختصار١ والاحتراز عن العبث بناء٢ على الظاهر.
وإما لذلك مع ضيق المقام٣.
وإما لتخييل٤ أن في تركه تعويلا على شهادة العقل، وفي ذكره تعويلا على شهادة اللفظ من حيث الظاهر, وكم بين الشهادتين!
وإما لاختبار تنبه السامع له عند القرينة٥، أو مقدار تنبهه٦.
стр. 68
وإما لإيهام أن في تركه تطهيرا له عن لسانك، أو تطهيرا للسانك عنه١.
وإما ليكون لك سبيل إلى الإنكار إن مست إليه حاجة٢.
وإما لأن الخبر لا يصلح إلا له، حقيقة أو ادعاء٣.
وإما لاعتبار آخر مناسب لا يهتدي إلى مثله إلا العقل السليم والطبع المستقيم٤, كقول الشاعر "من الخفيف":
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل٥
стр. 69
وقوله "من الطويل":
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تُمْنَن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت١
وقوله "من الطويل":
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه٢
وقول بعض العرب في ابن عم له موسر، سأله، فمنعه، وقال: كم أعطيك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطينّك. فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول "من الطويل":
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
стр. 70
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع١
وعليه قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠، ١١] ، وقيام القرينة شرط في الجميع٢.
أغراض ذكر المسند إليه:
وأما ذكره؛ فإما لأنه الأصل، ولا مقتضي للحذف٣.
стр. 71
وإما للاحتياط لضعف التعويل على القرينة١. وإما للتنبيه على غباوة السامع٢. وإما لزيادة الإيضاح والتقرير٣. وإما لإظهار تعظيمه أو إهانته كما في بعض الأسامي المحمودة أو المذمومة٤. وإما للتبرك بذكره٥. وإما لاستلذاذه٦. وإما لبسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] ؛ ولهذا زاد على الجواب٧. وإما لنحو ذلك٨.
стр. 72
قال السكاكي١: "وإما لكون الخبر عام النسبة إلى كل مسند إليه، والمراد تخصيصه بمعين٢؛ كقولك: "زيد جاء، وعمرو ذهب، وخالد في الدار" وقوله "من الكامل":
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل٣
وقوله "من الكامل":
النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تُرد إلى قليل تقنع"٤
وفيه نظر؛ لأنه إن قامت قرينة تدل عليه إن حُذف، فعموم الخبر وإرادة تخصيصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره، وإلا فيكون ذكره واجبا٥.
стр. 73
تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين١:
لماذا حُذف المسند إليه في الأمثلة الآتية:
١-
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
٢-
سألوني في سقامي: ... كيف حالي؟ قلت: نِضْو
٣-
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل
تمرين٢:
لماذا ذُكر المسند إليه في الأمثلة الآتية:
١-
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لترّاك لما لم أُعَوَّد
٢- قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] .
٣- قوله ﷺ : "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
تمرين٣:
بين حال المسند إليه في الذكر والحذف، والداعي إليهما فيما يأتي:
١-
قوّال محكمة نقّاض مبرمة ... فتّاح مبهمة حبّاس أوراد
٢- قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] .
٣-
إن تُبتَدَر غاية يوما لمكرمة ... تلقَ السوابق منا والمصلينا
٤- قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
стр. 74
أغراض تعريف المسند إليه:
أغراض التعريف: وأما تعريفه فلتكون الفائدة أتم١؛ لأن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة في الإعلام به أقوى، ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعده بحسب تخصيص٢ المسند إليه، والمسند كلما ازداد تخصيصا ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولنا: "شيء ما موجود"، وفي قولنا: "فلان بن فلان يحفظ الكتاب"، والتخصيص: كماله بالتعريف.
أغراض التعريف بالإضمار: ثم التعريف مختلف؛ فإن كان بالإضمار: فإما لأن المقام مقام التكلم٣؛ كقول بشار "من البسيط":
أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذَرَّتْ بي الشمس للقاصي وللداني٤
وإما لأن المقام مقام الخطاب؛ كقول الحماسية "من الطويل":
стр. 75
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتّ بي من كان فيك يلوم١
وإما لأن المقام مقام الغيبة؛ لكون المسند إليه مذكورا أو في حكم المذكور لقرينة٢؛ كقوله "من الوافر":
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا٣
وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل، وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أي: ولأبوي الميت٤.
وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يُترك إلى غير معين٥؛ كما تقول: "فلان لئيم، إذا أكرمتَه أهانك، وإن أحسنتَ إليه أساء إليكَ" فلا تريد مخاطبا بعينه، بل تريد إن أُكرم أو أُحسن إليه، فتُخرجه في صورة الخطاب؛ ليفيد العموم؛ أي: سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد. وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أُخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد إلى تفظيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها؛ فلا تختص بها رؤية راءٍ مختص به، بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب٦.