Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.
стр. 10186
وأرسل العساكر إلى ملك كاشغر يطلبه منه، وأنه إذا لم يرسله قصد بلاده، واتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه، ونهبوا خزائنه، فاضطر إلى أن هرب إلى أخيه بكاشغر، واستجار به، وكان بينهما عداوة مستحكمة، فكاتبه السلطان في إرساله، وإنه إن لم يفعل كان هو العدو، فقبض عليه، وسيّره مع ولده، وجماعة من أصحابه، وأمرهم أنهم إذا صاروا بالقرب من السلطان سملوه، فإن رضى السلطان بذلك، وإلا سلّموه إليه، فلما قصدوا سمله وأحموا الميل، جاءهم الخبر أن طغرل بن ينال كبس ملك كاشغر وأسره، فأخروا يعقوب، وأطلقوه، ثم انفق هو والسلطان، وجعله السلطان يقابل طغرل، وعاد السلطان إلى خراسان.
ذكر وصول السلطان الى بغداد
وفي شهر رمضان سنة أربع وثمانين وأربعمائة وصل السلطان إلى بغداد، وهى المرة الثانية، ونزل بدار المملكة، ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وقسيم الدولة «آق سنقر» صاحب حلب وغيرهما من عمال الأطراف، وأمر السلطان بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان، وابتدىء بعمارته في المحرم سنة خمس وثمانين.
стр. 10187
ذكر ملك السلطان اليمن
قال: ولما وصل السلطان إلى بغداد كان ممن حضر معه «١» جبق أمير التركمان، وكان صاحب قرميسين، وغيرها، فأمره السلطان أن يسير بجماعة من أمراء التركمان إلى الحجاز، واليمن، ويكون أمرهم «٢» إلى سعد الدولة كوهراتين ليفتحوا البلاد، فاستعمل سعد الدولة أميرا اسمه ترشك، فساروا واستولوا على اليمن، وملكوا عدن، وأساءوا السيرة في أهلها، فظهر على ترشك الجدرى، فتوفى فى سابع يوم وصوله إليها، فعاد أصحابه إلى بغداد.
ذكر مقتل الوزير نظام الملك
وفي ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الوزير خواجا بزرك قوام الدين نظام الملك أبو على الحسن بن على بن إسحاق بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان ملكشاه قد عادا من أصفهان إلى بغداد، فلما كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره، وقام من خيمته إلى خيمة حرمه، أتاه صبى ديلمى من الباطنية في صورة مستميح، أو مستغيث، فوثب عليه، وضربه بسكين، فمات، وهرب الصبى، فعثر في أطناب الخيمة، فأدركوه وقتلوه، ولما قتل ركب السلطان إلى خيمته، وسكن عسكره وأصحابه،
стр. 10188
وقيل في سبب موته «١» أنه كان «٢» قد ولى عثمان بن ابنه «٣» جمال الملك رئاسة مرو، فأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه، وأعظم أمرائه يقال له:
قودن، فجرى بينه، وبين عثمان منازعة، فحملت عثمان حدة الشبيبة على قبضه، والإخراق به، ثم أطلقه، فجاء إلى السلطان مستغيثا، وأخبره بما صنع به عثمان، فغضب السلطان، وأرسل إلى جده الوزير نظام الملك يقول: «إن كنت شريكى في الملك، ويدك مع يدى في السلطنة فلذلك حكم، وإن كنت نائبى، فيجب أن نلتزم حد البيعة، «٤» والنيابة. هؤلاء أولادك قد استولى كل منهم على كورة عظيمة، وولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة إلى أن فعلوا كيت وكيت ... » ، وأطال القول، وأرسل إليه بهذه الرسالة تاج الملك، ومجد الملك الباسلانى وغيرهما، من أرباب دولته، وأرسل معهم الأمير «باليرد «٥» » ، وكان من ثقاته، وقال له: تعرفنى ما يقول، فربما كتم هؤلاء شيئا، فحضروا عند الوزير، وأدوا الرسالة، فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما عمت أنى شريكك في الملك فاعلم، فإنك «٦» ما نلت هذا الأمر إلا بيدى، ورأيى، أما يذكر حين قتل أبوه، فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه
стр. 10189
من أهله وغيرهم، وهو في ذلك الوقت يتمسك بى ويلازمنى، ولا يخالفنى، فلما رددت الأمور إليه، وجمعت الكلمة عليه، وجمعت له الأمصار القريبة والبعيدة سمع فيّ السعايات. قولوا له: «إن ثبات هذه القلنسوة [معذوق «١» ] بهذه الدواة، وأن انفاقهما رباط كل رعية، وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك» . فى كلام كثير قاله، فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان، ومضى كل منهم إلى خيمته وجاء باليرد «٢» إلى السلطان، فأخبره بما قاله الوزير على غرة، وجاء الجماعة بكرة النهار إلى السلطان، فأخبروه عنه بالعبودية، فقال لهم: إنه قال: كيت وكيت، فأشاروا عند ذلك بكتمانه رعاية لحق نظام الملك، ولعظم شأنه، فإن مماليكه كانوا قد أنافوا على عشرين ألفا غير الجند والأتباع، فوقع التدبير عليه حتى قتل، وظن السلطان أن الدنيا قد صغت له بعد ذلك، فما عاش بعده إلا خمسة وثلاثين يوما.
ذكر ابتداء حال نظام الملك وشىء من سيرته وأخباره
كان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس، فزال ما كان لأبيه من مال وملك، وتوفّيت والدة نظام الملك، وهو يرضع، فكان أبوه يطوف به على المراضع يرضعنه حسبة حتى شبّ، وقرأ، وتعلم العربية، وتفقه، وصار من الفضلاء، وسمع الحديث الكثير، وكان يطوق
стр. 10190
بلاد خراسان، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصوفين، ثم لزم أبا على بن شادان متولّى الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان، فحسنت حاله معه، وظهرت كفايته، وأمانته، وصار معروفا عندهم بذلك، فلما حضرت أبا على الوفاة أوصى ألب أرسلان به، فولاه شغله، ثم صار وزيرا له إلى أن ولى السلطنة، وتنقّل في الوزارة، فكانت وزارته ثلاثين سنة. هذا أحد ما قيل في ابتداء أمره.
وأما سيرته: فإنه كان عالما أديبا جوادا كثير الحلم والصفح عن المذنبين، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء، والفقراء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح. أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأسقط. المكوس والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من على المنابر، فإن الوزير عميد الملك الكندرى كان قد حسّن للسلطان لعن الرافضة، وأضاف إليهم الأشعرية، وكان نظام الملك رحمه الله تعالى إذا سمع المؤذن أمسك عما هو فيه، ويجيبه، فإذا فرغ من الأذان لا يبدأ بشىء قبل الصلاة، وله من حسن الآثار ما هو موجود باق إلى وقتتا هذا رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة السلطان ملكشاه وشىء من سيرته
كانت وفاته ببغداد في يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وذلك أنه لما قتل الوزير نظام الملك كما قدمناه، سار السلطان إلى بغداد، فدخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة، وخرج في أوائل شوال إلى ناحية دجيل للصيد، فاصطاد
стр. 10191
وحشا «١» وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، فعاد إلى بغداد، فتوفى ولم تشهد جنازته، ولا صلى عليه في الصورة الظاهرة، ولا هلب عليه ذنب فرس كعادة أمثاله من الملوك، ولا لطم عليه وجه، وحمل إلى أصفهان، ودفن بها في مدرسة له موقوفة على طائفة الشافعية، والحنفية.
قال: وكان مغرما بالعمارة، فحفر الكثير من الأنهار. وعمر الأسوار على كثير من البلاد، وصنع في طريق مكة مصانع، وكان كثير الصيد، وكانت السبل في أيامه آمنة ساكنة تسير القوافل مما وراء النهر إلى أقصى الشام، وليس معهما خفير، وحكى محمد ابن عبد الملك الهمذانى: أن السلطان «٢» لما توجه لحرب أخيه تكش اجتاز بمشمد على بن موسى الرضا بطوس، فدخل ومعه نظام الملك الوزير فصليا، وأطال الدعاء، ثم قال لنظام الملك: بأى شىء دعوت قال: أن ينصرك الله، ويظفرك بأخيك، فقال: أما أنا ولم أدع بهذا، وإنما قلت اللهم انصر نفعنا للمسلمين والرعية، وحكى عنه حكايات تدل على محاسنه، وجودته، وخيره.
وكان قد قرر ملك البلاد لمماليكه، فجعل غلامه برسق يحارب الروم، فضايقهم حتى قرر عليهم ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار جالية، ثم توجه إلى القسطنطينية وحاصرها، وقرر عليهم ألف ألف دينار،
стр. 10192
وبنى قونية «١» ، وقصرا، وسير أخاه تاج الدولة تتش إلى دمشق، وقسيم الدولة آق سنقر بحلب، وغيرهم في كل جهة.
وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وسبعة أشهر، وستة أيام، وكان له من الأولاد أبو المظفر بركياروق، ومحمد طبر، وأبو الحارث سنجرشاه، ومحمود، وهو أصغرهم.
وزيره: نظام الملك، وقد تقدم ذكره.
ذكر أخبار السلطان بركياروق
هو أبو «٢» المظفر بركياروق بن السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغرى بك بن ميكائيل بن سلجق، وهو الرابع من ملوك الدولة السلجقية.
وبركياروق بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء والكاف، وفتح الباء المثناة من تحت، وبعد الألف راء مضمومة، وبعد الواو الساكنة قاف.
قال المؤرخ: لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، وأرسلت إلى الأمراء، وفرقت الأموال، واستخلفت لولدها محمود، وعمره أربع سنين وشهورا، وأرسلت إلى الخليفة
стр. 10193
المقتدى بأمر الله في الخطبة له، فأجابها إلى ذلك على أن يكون الأمير أتسز مدبر الجيش، وتاج الملك يتولى تدبير الأموال والدواوين، وخطب له، ولقب ناصر الدنيا والدين، وكانت الخطبة له في يوم الجمعة الثانى والعشرين من شوال، وكان بركياروق إذ ذاك بأصفهان، فكتبت تركان خاتون بالقبض عليه، فقبض عليه، فلما ظهر موت السلطان ملكشاه، ثارت المماليك النظامية، وأخرجوه من الحبس وملكوه، فسارت تركان خاتون من بغداد إلى أصفهان، فلما قاربتها تحول بركياروق إلى الرى، ولقيهم أرعش «١» النظامى في عساكره، وإنما حمل النظامية على نصرة بركياروق كراهتهم لتاج الملك، فإنه الذى دبر في قتل مولاهم. قال: وأرسلت تركان خاتون العساكر لقتال بركياروق، فلما التقى العسكران انحاز جماعة من الأمراء الذين في عسكرها إلى خدمة بركياروق منهم: الأمير باليرد، «٢» وكمشتكين الجاندار «٣» ، وغيرهما، فقوى بهم، وكانت الحرب بينهم في آخر ذى الحجة من السنة، فانهزم عسكر تركان خاتون، وعاد إلى أصفهان، وسار بركياروق في أثرهم، وحصرهم بها.
стр. 10194
ذكر قتل تاج الملك
كان تاج الملك في عسكر تركان خاتون، فانهزم إلى نواحى بروجرد فأخذ، وجىء به إلى عسكر بركياروق، وهو يحاصر أصفهان، وكان يعرف كفايته، فأراد أن يستوزره، فشرع في إصلاح أكابر المماليك النظامية، وفرق فيهم مائتى ألف، فزال ما في نفوسهم منه، فوثب عثمان الذى كان نائب نظام الملك، ووضع الغلمان الأصاغر النظامية، واستغاثوا ألا تقنعوا إلا بقتل قاتل مولاهم، ففعلوا ذلك، «١» وهجموا عليه، وقطعوه عضوا عضوا، وذلك في المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة، فاستوزر بركياروق عز الملك بن نظام الملك، واستولى بركياروق على الرى. وهمذان، وما بينهما، وقدم بغداد فى أواخر سنة ست وثمانين، وخطب له بها في يوم الجمعة رابع المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وحملت إليه الخلع، فلبسها، وعلم الخليفة على عهده، ومات «٢» فجأة، وتولى ابنه المستظهر بالله الخلافة، فأرسل الخلع والعهد إلى السلطان بركياروق، فأقام ببغداد إلى شهر ربيع الأول من السنة، وسار إلى الموصل، ثم إلى نصيبين، وكان بينه، وبين عمه تتش من الحرب ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 10195
ذكر انهزام بركياروق من عمه تتش ودخوله الى أصفهان ووفاة أخيه محمود
قال: ولما اتصل بتتش وفاة أخيه ملكشاه سار من الشام، وملك حلب، وحران، والرها، والجزيرة جميعها، وديار بكر، وخلاط، وآذربيجان، وهمذان على ما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى، فلما قارب البلاد سار السلطان بركياروق لدفعه عنها، ووصل إلى أربل، وقرب من جيش عمه، ولم يكن معه غير ألف فارس، وكان عمه في خمسين ألفا، فجهز عمه من أمرائه من كبس عسكره، فهرب بركياروق، ونهب سواد عسكره، ولم يبق معه إلا برسق، وكمشتكين الجاندار، وبركياروق، وهم من الأمراء الأكابر، وخطب لعمه عند هذه الحادثة ببغداد على ما نذكره، وسار هو إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون والدة أخيه محمود قد ماتت، فخرج إليه أخوه الملك محمود، وتلقاه، وأدخله البلد. وكان ذلك خديعة ليقبض عليه، فلما دخل بركياروق قبض عليه محمود، وقصد سمله، فاتفق أن محمودا حم وجدر، فقال لهم أمين الدولة بن التلميذ «١» الطبيب: «إن الملك قد جدر، وما أراه يسلم، والمصلحة إبقاء بركياروق، فإن مات صاحبكم ملكوه، ولا تعاجلوه بالإتلاف» ، فتركوه، فمات محمود في سلخ شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة «٢» فكان هذا من الفرج بعد الشدة كما قيل:
стр. 10196
«مصائب قوم عند قوم فوائد» قال: ولما مات محمود حبس بركياروق للعزاء به، واستوزر مؤيد الملك بن نظام الملك في ذى الحجة، فكاتب الوزير الأمراء العراقيين، والخراسانيين، واستمالهم، فعادوا كلهم إلى بركياروق، فعظم شأنه، وكثرت عساكره، والتقى هو وعمه تتش في سنة ثمان وثمانين، واقتتلوا بالقرب من الرىّ، فانهزم عسكر «تتش» ، وقتل على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره، واستقامت السلطنة لبركياروق، وفي سنة ثمان وثمانين، عزل بركياروق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك، واستوزر أخاه فخر الملك.
ذكر مقتل أرسلان أرغو
وفي المحرم سنة تسعين وأربعمائة قتل أرسلان أرغو «١» بن ألب أرسلان أخو ملكشاه بمرو، وكان ملك خراسان، وسبب قتله أنه كان شديدا على غلمانه كثير الإهانة لهم والعقوبة، فطلب غلاما منهم، فدخل عليه، وليس عنده أحد، فانكر عليه تأخّره عن الخدمة، فاعتذر، فلم يقبل عذره، وضربه، فأخرج الغلام سكينا، فقتله بها، وأخذ الغلام، فقيل له: لم فعلت هذا، فقال لأريح الناس منه. والله أعلم.
стр. 10197
ذكر ملك بركياروق خراسان، وتسليمها لأخيه سنجر
قال: كان السلطان بركياروق قد جهز العساكر مع أخيه الملك سنجر إلى خراسان لقتال عمه أرسلان أرغو، وجعل الأمير قماج أتابكا لسنجر، ورتب في وزارته أبا الفتح علىّ بن الحسين الطوسى فلما وصلوا إلى الدامغان، بلغهم خبر قتله، فأقاموا هناك حتى لحقهم السلطان، وساروا إلى نيسابور، فوصلوها في خامس جمادى الأولى من السنة، وملكها السلطان وسائر البلاد الخراسانية بغير قتال، وسار إلى بلخ، وكان عسكر أرسلان أرغو قد ملكوا ابنا صغيرا عمره سبع سنين، فلما بلغهم قدوم السلطان أبعدوا إلى جبال [طخارستان،] «١» وطلبوا الأمان، فأمنهم السلطان، وحضروا إليه في خمسة عشر ألف فارس، فأخذ ابن عمه، وأحسن إليه، وتسلمته والدة بركياروق تربية، وتفرّق جيشه في خدمة الأمراء، وسار السلطان إلى ترمذ، «٢» فسلمت إليه، وأقام ببلخ سبعة أشهر، وأرسل إلى ما وراء النهر، فأقيمت له الخطبة بسمرقند، ودانت له البلاد.
ذكر خروج أمير أميران
وفي سنة تسعين وأربعمائة خالف أمير اسمه محمد بن سليمان، ويعرف بأمير أميران، وهو ابن عم ملكشاه، على السلطان بخراسان،
стр. 10198
وتوجه إلى بلخ، واستمد صاحب غزنة، فأمده بجيش كثير، وشرط عليه أن يخطب له في جميع ما يفتحه من البلاد الخراسانية، فقويت شوكته، فسار إليه الملك سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان أخو السلطان جريدة، وكبسه، وأسره، وكحله.
ذكر ظهور السلطان محمد طبر بن ملكشاه والملك سنجر وخروجهما على أخيهما السلطان بركياروق والخطبة لمحمد
وإنما ذكرنا أخبار السلطان محمد، وأخيه سنجر في دولة السلطان بركياروق لأنه في هذا التاريخ [كان «١» ] هو الملك المشار إليه، وهما كالخوارج عليه، وإن كان محمد في هذه المدة ملك البلاد، وخطب له ببغداد، وغيرها، إلا أنه لم يستقل بغير منازع؛ فلهذا أوردناه الآن فى دولة بركياروق، وسنذكر سلطنته بعد وفاة السلطان بركياروق، ثم نذكر بعده سلطنة السلطان سنجر إن شاء الله تعالى. كان السلطان محمد طبر، وسنجر أخوين لأب وأم، وأمهما أم ولد، ولما مات والدهما السلطان ملكشاه كان محمد معه ببغداد، فسار مع أخيه محمود، ووالدته تركان خاتون إلى أصفهان، فلما حصر بركياروق أصفهان خرج إليه محمد، وسار معه إلى بغداد سنة ست وثمانين، وأقطعه بركياروق كنجه «٢» ، وأعمالها، وجعل معه الأمير، فيلغ
стр. 10199
تكين «١» أتابكا له، فلما قوى محمد قتله، واستولى على جميع أعمال «أرّان» إلى «كنجه» من جملتها، وظهرت شهامته، واتفق أن السلطان عزل مؤيد الملك بن نظام الملك من وزارته، فسار إلى الأمير أتسز «٢» ، وحسن له العصيان على السلطان، فلما قتل أتسز سار مؤيد الملك إلى السلطان محمد، فأشار عليه بمخالفة أخيه، والسعى في طلب السلطنة، ففعل ذلك، وقطع خطبة السلطان بركياروق من بلاده، وخطب لنفسه بالسلطنة، واستوزر مؤيد الملك، وذلك في سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، واتفق أن السلطان قتل وزيره «مجد الملك الباسلانى «٣» » فى هذه السنة، وكان قد تمكن منه، فنفرت خواطر الأمراء من السلطان، ففارقه مع جماعة منهم، والتحقوا بمحمد، فقوى بهم، وسار نحو الرى، فسبقه إليها السلطان بركياروق، وجمع العساكر، وسار إلى أصفهان فأغلق أهلها الأبواب دونه، فسار إلى خوزستان، وورد السلطان محمد إلى الرى، واستولى عليها في ثانى ذى القعدة من السنة.
ووجد بها زبيدة خاتون، والدة أخيه بركياروق، فسجنها مؤيد الملك بالقلعة ثم خنقها.
стр. 10200
ذكر اقامة الخطبة لمحمد ببغداد
قال: ولما قوى أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة كوهراتين «١» من بغداد، وكان قد استوحش من السلطان بركياروق، فاجتمع هو وكريوقا صاحب الموصل، وجكرمش صاحب الجزيرة، وسرجاب «٢» ابن بدر صاحب كنكور، وغيرها، وساروا إلى السلطان محمد ولقوه «بقم» ، فخلع عليه سعد الدولة، ورده إلى بغداد، وسار بقيتهم في خدمته إلى أصفهان، فلما وصل سعد الدولة إلى بغداد خاطب الخليفة في الخطبة إلى محمد، فأجاب إلى ذلك، وخطب له فى يوم الجمعة سابع عشر في ذى الحجة سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، ولقب غياث الدنيا والدين.
ذكر اعادة الخطبة ببغداد للسلطان بركياروق
قال: لما سار بركياروق إلى خوزستان عند ما منع من دخول أصفهان كما ذكرناه جمع العساكر، وكان أمير جيشه حينئذ ينال ابن أنوشتكين الحسامى، فتجهز، وسار إلى واسط، ثم منها إلى بغداد، فدخلها في سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وخطب له بها في يوم الجمعة نصف صفر قبل وصوله إليها بيومين، وكان سعد الدولة كوهرائين «بالشفيعى» ، ومعه إيلغازى بن
стр. 10201
أرتق، وغيره من الأمراء، فأرسل إلى مؤيد الملك «١» ، وإلى السلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه، فأرسلا [كريوقا] «٢» صاحب الموصل، وجكرمش، فأما جكرمش «٣» ، فاستأذن سعد الدولة في العود إلى بلده، فأذن له، فعاد إلى جزيرة ابن عمر، وبقى سعد الدولة في جماعة من الأمراء، فكتب أعيانهم إلى السلطان بركياروق أن يخرج إليهم، وأنهم لا يقاتلونه، فخرج إليهم، فلما عاينوه ترجلوا، وقبلوا الأرض بين يديه، وعادوا في خدمته إلى بغداد، واستوزر السلطان الأعز أبا المحاسن بن عبد الجليل بن على الدهشانى، «٤» وقبض على عميد الدولة «٥» بن جهير وزير الخليفة، وطالبه بالأموال، فاستقر الأمر بينهما على مائة ألف وستين ألف دينار يحملها، وخلع الخليفة على بركياروق، والله أعلم بالصواب.
ذكر الحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد والخطبة لمحمد ببغداد
وفي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة سار السلطان بركياروق من بغداد، وجعل طريقه على شهرزور، وأقام بها ثلاثة أيام، والتحق به عالم
стр. 10202
كثير من التركمان «١» ، وغيرهم، وسار نحو أخيه محمد، فوقعت الحرب بينهم في رابع شهر رجب [بإسبيدروز] ، «٢» ومعناه: النهر الأبيض، وهو على عدة فراسخ من همذان، وكان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل، فحمل كوهراتين من ميمنة بركياروق على ميسرة محمد، وبها مؤيد الملك والنظامية، فانهزموا، ودخل عسكر بركياروق في خيامهم، ونهبوا ما فيها، وعاد سعد الدولة، فكبابه فرسه، فقتله خراسانى، وأخذ رأسه، وكان سعد الدولة خادما من خدام الملك أبى كاليجار بن سلطان الدولة من بويه، ثم انتقل بعده إلى السلطان طغرلبك، وتنقل في خدمة الملوك السلجقية، فلما قتل تفرقت عساكر بركياروق، وبقى في خمسين فارسا، وأسر وزيره الأعز، فأكرمه مؤيد الملك، وأحسن إليه، وأعاده إلى بغداد، وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد، ففعل، وأجيب إلى ذلك، وخطب له في يوم الجمعة رابع عشر رجب من السنة.
ذكر حال السلطان بعد الهزيمة وانهزامه أيضا من أخيه سنجر
قال: وانهزم السلطان بركياروق في خمسين فارسا، فقصد الرى، فاجتمع معه جمع صالح، فسار إلى «أسفرايين «٣» » ، ثم
стр. 10203
إلى نيسابور، واستدعى الأمير ذاد حبشى بن التوتيان «١» ، وكان بيده حينئذ أكثر خراسان، وطبرستان، وجرجان، فاعتذر أن الملك سنجر قصد بلاده في هذا الوقت بعساكر بلخ، وسأل السلطان أن يحضر إليه ليعينه على حرب الملك سنجر، فسار إليه في ألفى فارس، فعلم بقدومه الأمراء والأكابر من أصحاب سنجر دون الأصاغر، وكان مع الأمير ذاد عشرون ألف مقاتل منهم رجالة «٢» الباطنية خمسة آلاف ووقع المصاف بين بركياروق، وسنجر خارج البوسنجان، فانهزم أصحاب سنجر أولا، واشتغل أصحاب بركياروق بالنهب، وكانت الدائرة عليهم، فانهزموا، وأسر أكثر أعيان بركياروق وقتل أمير ذاد «٣» ، وسار بركياروق إلى جرجان «٤» ، ثم إلى دامغان، وسار في البرية، فرأى في بعض المواضع، ومعه سبعة عشر فارسا، وجمّازة واحدة، ثم كثر جمعه، فصار في ثلاثين ألف فارس، وسار إلى أصفهان، فسبقه السلطان محمد إليها.
стр. 10204
ذكر الحرب بين السلطانين بروكياروق ومحمد ثانيا، وقتل مؤيد الملك «١»
وفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة في ثالث جمادى الآخرة كان المصاف الثانى بينهما، وكان مع كل واحد منهما خمسة عشر ألف فارس، فاستأمن كثير من أصحاب محمد إلى بركياروق، ودام القتال بين الفريقين إلى آخر النهار، فانهزم السلطان محمد، ومن معه، وأسر وزيره مؤيد الملك، فأمر السلطان بقتله، وأخذ ما كان له من الأموال والجواهر لبغداد، والله أعلم بالصواب.
ذكر حال محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه سنجر
ولما انهزم السلطان محمد سار طالبا خراسان إلى أخيه سنجر، فأقام بجرجان، وأرسل إلى أخيه يطلب منه مالا وكسوة وغير ذلك، فسير إليه ما طلب، وترددت الرسائل بينهما، وتحالفا، واتفقا، ولم يكن قد بقى مع السلطان محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس، فلما استقرت بينهما القواعد سار سنجر في عساكره إلى أخيه، فاجتمعا بجرجان، وسارا منها إلى دامغان، وسارا إلى الرى، وانضم إليهما النظامية، فكثر جمعهم، وعظمت شوكتهم، والله أعلم.
стр. 10205
ذكر ما فعله بركياروق، ودخوله الى بغداد
قال: ولما انهزم السلطان محمد أقام بركياروق بالرى، واجتمعت عليه العساكر، فسار معه نحو من مائة ألف فارس، فضاقت عليهم الميرة، فتفرقت العساكر عنه، فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه، وتوجه الأمير إياز إلى همذان، وتفرقت العساكر إلى أن بقى في قلّة من العسكر، فبلغه اجتماع أخويه، وأنهما حشدا، وكثرت جموعهما، فتوجه إلى بغداد، وضاقت عليه النفقات، فراسل الخليفة عدة مراسلات، فتقرر أن يحمل إليه خمسين ألف دينار، فحملهما الخليفة إليه، فلم تغن شيئا، فأفضى الحال إلى أن مديده إلى أموال الناس، وانتهبها، فركب من ذلك خطة شنيعة، وخالفه الأمير صدقة بن منصور بن دبيس صاحب الحلة، وقطع خطبته من بلاده، وخطب للسلطان محمد، وسبب ذلك أن الوزير أبا المحاسن وزير بركياروق سير يطالبه بألف ألف دينار وكسور، وقال: إنها قد تخيرت عليك، فاما أن ترسلها وأما أن تتجهز الجيوش إليك، فقطع الخطبة، وعصى عليه، والله أعلم بالصواب.
ذكر وصول السلطان محمد، وسنجر الى بغداد، ورحيل بركياروق عنها
وفي السابع والعشرين من ذى الحجة سنة أربع وتسعين وأربعمائة وصل السلطان محمد وسنجر الملك إلى بغداد، ولما وصلا حلوان سار إيلغازى بن أرنق في عسكره إلى السلطان محمد، وخدمه، وكان
стр. 10206
عسكر السلطان محمد يزيد على عشرة آلاف فارس سوى الأتباع، فلما وصلت الأخبار بذلك كان السلطان بركياروق على شدة من المرض، فخاف أصحابه، واضطربوا، وعبروا به في محفة إلى الجانب، وتيقن أصحابه موته، ثم تراجعت إليه روحه، ووصل السلطان محمد، والملك سنجر إلى بغداد، فخرج توقيع الخليفة المستظهر بأمر الله يتضمن سوء سيرة بركياروق، والأستبشار بقدومهما، وخطب للسلطان محمد بالديوان العزيز، ونزل الملك سنجر دار كوهراتين، ثم كانت الحرب بين السلطانين في صفر سنة خمس وتسعين، وهو المصاف الثالث، ووقع بينهما الصلح على أن يكون بركياروق السلطان، ومحمد الملك، وتضرب له ثلاث نوب، ويكون له من البلاد [جنزة] «١» وأعمالها، وأذربيجان، وديار بكر، والجزيرة، والموصل، وأن يمده السلطان بالعساكر يفتح بها ما تمنع عليه، وحلف كل واحد منهما للآخر، وانصرف الفريقان من المصاف في رابع شهر ربيع الأول، وتفرقت العساكر ثم انتقض ذلك، والتقوا في جمادى الأولى من السنة، وكانت بينهما واقعة، وهو المصاف الرابع انهزم فيه السلطان محمد، وأصحابه بعد قتال، ولم يقتل في هذا المصاف غير رجل واحد قتل صبرا، وسار محمد في نفر يسير إلى أصفهان، وحمل عليه بيده ليتبعه أصحابه، وأخذ السلطان بركياروق خزانته، ووصل محمد إلى أصفهان، فأصلح سورها، وحفر خندقها، واعتد للحصار، وجاء
стр. 10207
بركياروق، وحاصره بها حصارا شديدا حتى ضاقت الميرة، واستمر الحصار إلى عاشر ذى الحجة، واقترض محمد أموال الأعيان، ثم فارق البلد في مائة وخمسين فارسا، ومعه الأمير ينال، فاستخلف على البلد جماعة من الأمراء الأكابر، وبعث السلطان في طلبه، فلم يدرك، وسار محمد، ووصل إلى «ساوة» ، واجتمع عليه عسكره الذى كان بكنجه، وأعمالها، ورحل إلى همذان، وبلغ جمعه ستة آلاف فارس، وأقاموا إلى آخر المحرم سنة ست وتسعين وأربعمائة، وأتاهم الخبر بقصد بركياروق لهم، فاجتمع على محمد جماعة أخرى، والتقوا على باب «خوى» ، وهو المصاف الخامس، وكان الظفر فيه لمحمد، وانهزم بركياروق وأصحابه، وسار محمد إلى «خلاط» ، ثم إلى تبريز، وأذربيجان.
ذكر الصلح بين السلطان بركياروق وأخيه محمد
وفي سنة سبع وتسعين وأربع مائة تم الصلح بين السلطان بركياروق، وبين أخيه محمد، وحلف كل منهما لصاحبه، واستقرت القواعد، ووضعت الحرب أوزارها، وتقرر بينهما أن السلطان بركياروق لا يعترض على أخيه محمد، ولا يذكر معه على منبر من مثابر البلاد التى استقرت له، ولا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزير، «١» ولا يعارض أحد منهما العسكر في قصد أيهما شاء، وأن يكون للسلطان محمد من النهر المعروف بأسبيدروز، وباب
стр. 10208
الأبواب، وديار بكر، والجزيرة «١» ، والموصل، والشام، وبلاد سيف الدولة صدقة، وانتظم الأمر على ذلك، ولما انتظم أمر بركياروق عاجلته المنية فلم تطل مدته بغير منازع، وشغله حرب عمه وإخوته عن حروب أعدائه، ولم يفعل شيئا غير قتله للباطنية على ما نذكره في هذا الموضع، وإنما أخرناه عن موضعه حتى لا ينقطع خبره مع أخيه محمد.
ذكر أخبار الباطنية وابتداء أمرهم وما استولوا عليه من القلاع وسبب قتلهم
والباطنية هم الإسماعيلية، وهم طائفة من القرامطة الذين قدمنا ذكرهم.
قال ابن الأثير الجزرى في تاريخه الكامل: أول ما عرف من أحوال هؤلاء في هذه الدعوة الأخيرة التى اشتهرت بالباطنية والإسماعيلية أنه اجتمع منهم في أيام السلطان ملكشاه ثمانية عشر رجلا، وصلوا صلاة العيد في ساوة، فظفر بهم «الشحنة» ، فسجنهم، ثم سئل فيهم، فأطلقهم، فهذا أول اجتماعهم، ثم دعوا مؤذنا من أهل «ساوة» كان مقيما بأصفهان، فلم يجب دعوتهم، فخافوه أن ينمّ عليهم، فقتلوه، وهو أول قتيل لهم، وأول دم أراقوه، فاتصل خبر مقتله بالوزير نظام الملك، فأمر من يتّهم بقتله، فوقعت التهمة على نجار اسمه طاهر، فقتل، ومثّل به، وجرّوا برجله في الأسواق، وهو أول قتيل منهم، ثم إن الباطنية قتلوا الوزير نظام الملك، وهى أول «٢» قتلة مشهورة كانت
стр. 10209
لهم، وناهيك بها قتلة، وقالوا: قتل منا نجارا، فقلتلناه به، وأول موضع غلبوا عليه وتحصنوا به بلد عند «قاين» «١» كان قائده على مذهبهم، فاجتمعوا عنده، وقووا به، فاجتازت لهم قافلة عظيمة من كرمان بقصد «قاين» ، فخرجوا عليها هم، وقائد البلد وأصحابه، فقتل أهل القفل «٢» عن آخرهم لم ينج منهم غير رجل تركمانى، فوصل إلى قاين، وأخبره بالقصّة «٣» ، فسار أهلها مع القاضى الكرمانى إلى جهادهم، فلم يقدروا عليهم، ثم مات السلطان ملكشاه، فعظم أمرهم، واشتدت شوكتهم، واشتغل السلطان بركياروق بحرب إخوته وأهله، فاجتمعوا، وصاروا يسرقون من قدروا عليه من مخالفيهم، ويقتلونه، ففعلوا ذلك بخلق كثير، وزاد الأمر حتى إن الإنسان كان إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد تيقنوا قتله، وقعدوا للعزاء به، فحذر الناس، وصار لا ينفرد أحد، وأخذوا في بعض الأيام مؤذنا أخذه جار له باطنى، فقام أهله للنياحة، فأصعده الباطنية إلى سطح داره، وأروه أهله كيف يلطمون عليه، ويبكون، وهو لا يقدر يتكلم خوفا منهم، وذلك بأصفهان.
ذكر ما استولوا عليه من القلاع ببلاد العجم
قال: واستولوا على عدّة حصون منها قلعة أصفهان، وهى التى بناها السلطان ملكشاه، وسبب بنائها أنه ركب للصيد، ومعه
стр. 10210
مقدّم من مقدمى الروم كان قد لجأ إليه، وأسلم، وصار معه، فهرب من ملكشاه كلب من كلاب الصيد، فأتبعه، فوجده في موضع القلعة، فقال الرومى: لو أن عندنا مثل هذا الجبل لجعلنا عليه حصنا يشفع به، فأمر ملكشاه ببنائه، فلما انقضت أيام ملكشاه، وصارت أصفهان بيد تركان خاتون والدة السلطان محمود استولى الباطنية عليه، فكانوا يقولون: إن قلعة يدل عليها كلب، ويشير بها كافر لا تكون خاتمتها إلا بهذا الشر. ومنها «ألموت» وهى من نواحى قزوين. قيل:
إن ملكا من ملوك الديلم كان كثير الصيد، فأرسل عقابا، وتبعه، فرآه قد سقط على موضع القلعة، فوجده حصينا، فأمر ببنائه، وسماها «١» قلعة الألموت، ومعناها بالديلم: تعليم العقاب، ويقال لهذا الوضع وما جاوره: طالقان وفيها قلاع حصينة أشهرها: الألموت «٢» . ومنها قلعة [طبس] «٣» ، وقهستان، ومن جملتها جور «٤» ، وجوسف «٥» ، وزوزن، وقاين، وتون «٦» وتلك الأطراف المجاورة لها، ومنها قلعة وسنملوه «٧» وهى بقرب أبهر. ملكوها في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وقتل من كان بها عن آخرهم، ومنها قلعة خالنجان «٨» وهى على خمسة
стр. 10211
فراسخ من أصفهان، ومنها كردكوه «١» ، وهى مشهورة، ومنها قلعة الباطن بخوزستان، وقلعة الطنبور، وبينها وبين أرجان فرسخان، وقلعة لأوجان «٢» ، وهى بين فارس وخوزستان، فهذا ما ملكوه من القلاع في هذه المدة القريبة.
ذكر قتل الباطنية وسببه
كان قتلهم في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وسبب ذلك أنه لما اشتد أمرهم، وقويت شوكتهم، وكثر عددهم شرعوا في قتل الأمراء، والفتك بهم، وكان أكثر من قتلوا من هو في طاعة السلطان محمد مخالف للسلطان مثل شحنة أصفهان وغيره، فلما ظفر السلطان بركياروق بأخيه محمد انبسط جماعة منهم في العسكر، واستغووا جماعة منهم، وأدخلوهم في مذهبهم، وزاد أمرهم حتى كادوا يظهرون بالكثرة والقوة، فصاروا يتهددون من لم يوافقهم بالفتك، وانتهى الحال إلى أن الأمراء ما بقى منهم من يجسر أن يمشى حاسرا.
إلا بدرع تحت ثيابه، حتى الوزير الأعز كان يلبس ذردية تحت ثيابه، فأشير على السلطان بالفتك بهم قبل أن يعجز عنهم، وأعلموه ميل الناس إلى مذهبهم، ودخولهم فيه حتى إن عسكر السلطان محمد كانوا يشنّعون ذلك عليه، ويكبرون في المصاف على أصحابه، ويقولون لهم: يا باطنية، فاجتمعت هذه البواعث كلها، فأذن السلطان في قتلهم، وركب هو والعسكر، وطلبوهم، وأخذوا جماعة
стр. 10212
ممن كان وافقهم، فلم يفلت منهم إلا من لم يعرف، ومن جملة من اتهم: مقدّمهم الأمير محمد بن علاء الدولة صاحب مدينة يزد، فهرب، وسار يومه وليلته، فلما كان في اليوم الثانى وجد في العسكر، وقد ضل عن الطريق، فقتل، ونهب خيامه، وممن قتل ولد كيقباد مستحفظ، تكريت، وقتل منهم جاولى سقاوه «١» فى هذه ثلاثمائة رجل.
ذكر وفاة السلطان بركياروق ووصيته لولده ملكشاه بالملك
كانت وفاته في ثانى عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بأصفهان بمرض السل، والبواسير، وسار منها في محفّة يطلب بغداد، فلما وصل إلى [بروجرد «٢» ] ضعف عن الحركة، فأقام بها أربعين يوما، فاشتد مرضه، فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه، وعمره أربع سنين وثمانية أشهر، وجعل الأمير إياز أتابكة، وخلع على الأمراء، واستحلفهم له، وأمرهم بالطاعة لهما، فحلفوا على الوفاء، وأمرهم بالسير إلى بغداد، فساروا، فلما كانوا على اثنى عشر فرسخا من بروجرد. وصل إليهم خبر وفاته. وحمل إلى أصفهان ودفن بها، وكان له من العمر خمسة وعشرون سنة، ومدّة ملكه اثنتا عشرة سنة، وأربعة أشهر. وقاسى من الحرب والاختلاف ما قدمناه.
وكان حليما كريما صبورا عاقلا كثير المداراة حسن العفو لا يبالغ في العقوبة، عفوه أكثر من عقوبته.
стр. 10213
ذكر الخطبة لملكشاه بن السلطان بركياروق ببغداد
قد ذكرنا وصيّة والده له بالملك، واستخلافه الأمراء، وتقرير قواعده، وإنفاذه إلى بغداد. قال: ولما جاءه الخبر بوفاة أبيه، سار به أتابكه الأمير إياز، وإيلغازى شحنة بغداد، ودخلا به إلى بغداد، وخطب له [بجوامعها] «١» فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولقب بألقاب جدّه جلال الدولة، ونشرت الدنانير على الخطباء، ثم قدم عمه السلطان محمد على ما نذكره.
ذكر أخبار السلطان محمد
هو غياث الدين أبو شجاع محمد طبر يمين أمير المؤمنين ابن السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغرى بك بن ميكائيل بن سلجق، وهو الخامس من ملوك الدولة السلجقية.
قد قدمنا من أخبار هذا السلطان، ووقائعه مع أخيه السلطان بركياروق وحروبه، والخطبة له ببغداد مرة بعد أخرى ما يستغنى عن إعادته، ونحن الآن نذكر أخباره في سلطنته بعد وفاة أخيه. قال:
لما مات السلطان بركياروق، وخطب لولده ملكشاه ببغداد كما ذكرناه، كان السلطان محمد إذ ذاك يحاصر جكرمش، وسكمان القطبى «٢» ،
стр. 10214
وغيرهما من الأمراء وكان سيف الدولة صدقة صاحب الحلة قد جمع خلقا كثيرا من العساكر بلغت عدتهم خمسة عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وأرسل ولديه بدران، ودبيس إلى السلطان محمد يستحثه على الحضور إلى بغداد، فاستصحبهما معه، فلما سمع الأمير إياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذى معه من الدور، ونصبوا الخيام بالزهراء «١» خارج بغداد، وجمع الأمراء، واستشارهم فيما يفعله، فبذلوا الطاعة واليمين على قتال السلطان، ودفعه عن السلطنة، والاتفاق على طاعة ملكشاه بن بركياروق، وكان أشدهم «ينال، وصبارو «٢» ، فلما تفرفوا، قال له وزيره الصفىّ أبو المحاسن:
«اعلم أن حياتى مقرونة بثبات نعمتك ودولتك، وأنا أكثر التزاما بك من هؤلاء، وليس الرأى ما أشاروا به، فإن كل واحد منهم يقصد أن يسلك طريقا، ويقيم سوقا لنفسه، وأكثرهم يناوئك فى المنزلة، وإنما يقعد بهم عن منازعتك قلة العدد والمال، والصواب مصالحة السلطان محمد، والدخول في طاعته، وهو يقرك على ما بيدك من الإقطاع، ويزيدك عليه ما أردت» ، فتردّد رأى الأمير إياز في الصلح إلا أنه يظهر المباينة، وجمع السفن التى ببغداد، وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره، أو إلى البلد، ووصل السلطان محمد إلى بغداد في يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ونزل بالجامع الغربى، وخطب له بالجامع، وأما جامع المنصور، فإن الخطيب قال: «اللهم أصلح سلطان العالم» . لم يزد على
стр. 10215
ذلك، وركب إياز في عسكره، وهم عازمون على الحرب، وسار حتى أشرف على عسكر السلطان محمد، وعاد إلى مخيّمه، فدعا الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على المخالصة لملكشاه، فأجاب بعضهم، وتوقف البعض، وقالوا: قد حلفنا مرة، ولا فائدة في إعادة اليمين لأنا إن وفينا بالأولى، وفينا بالثانية، فأمر إياز حينئذ وزيره الصفى أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد، والمشى في الصلح، وتسليم السلطنة إليه، فعبر يوم السبت لسبع بقين من الشهر إلى عسكر محمد، واجتمع بوزيره سعد الملك أبى المحاسن سعد بن محمد، وعرّفه ما جاء فيه، فأحضره إلى السلطان، فأدى الرسالة، واعتذر عن صاحبه، فأجابه السلطان جوابا لطيفا، وطيب نفسه، وأجاب إلى اليمين، فلما كان الغد حضر قاضى القضاة، والنقيبان، والصفى وزير إياز عند السلطان، فقال له وزيره سعد الملك: إن إياز يخاف لما تقدم منه، وهو يطلب العهد لنفسه، وللأمراء الذين معه.
فقال السلطان: أما ملكشاه فلا فرق بينه وبين أخى، وأما إياز والأمراء الذين معه، فأحلف لهم إلا ينال الحسامى وصبارو، وحلف لهم، فلما كان الغد حضر الأمير إياز إلى السلطان، فلقيه الوزير، وكافة الناس، ووصل سيف الدولة صدقه في ذلك الوقت، ودخلا جميعا إلى السلطان، فأكرمهما، وأحسن إليهما، وقيل: بل ركب السلطان، ولقيهما، وأقام السلطان ببغداد إلى شعبان، وسار إلى أصفهان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 10216
ذكر قتل الأمير أياز
كان سبب ذلك أنه لما سلّم السلطنة لمحمد، وصار في جملة أصحابه، عمل وليمة عظيمة في ثامن جماد الآخرة في داره، ودعا لسلطان إليها، فجاء وقدم له إياز شيئا كثيرا، من جملته حمل بلخش «١» ، كان إياز قد أخذه من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك، وحضر الوليمة سيف الدولة صدقة بن مزيد، فاتفق أن إياز تقدم إلى غلمانه بلبس السلاح، ليعرضهم على السلطان، فدخل إليهم رجل من أبهر كانوا يضحكون منه، فألبسوه ذرعا تحت قميصه، وتناولوه بأيديهم، وهو يسألهم أن يكفوا عنه، فلم يفعلوا، فلشدّة ما ناله هرب منهم، ودخل بين خواص السلطان، فرآه السلطان مذعورا، فاستراب منه، وقال لغلام له أن يمسكه من غير أن يعلم به أحد ففعل، فرأى الدرع تحت ثيابه، فأعلم السلطان بذلك، فاستشعر السوء وقال: إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا الدروع، فما ظنك بغيرهم من الجتد، ونهض وعاد إلى داره، فلما كان في ثالث عشر.
استدعى الأمير صدقة وإياز، وجكرمش، وغيرهم من الأمراء، فلما حضروا أرسل إليهم: أنا بلغنا أن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، قصد ديار بكر ليملكها، ويسير منها إلى الجزيرة، وينبغى أن تجتمع أراؤكم على من يسير إليه ليمنعه، ويقاتله، فقال الجماعة:
ليس هذا الأمير إلا للأمير إياز. فقال إياز: ينبغى أن أجتمع أنا وسيف
стр. 10217
الدولة صدقة على هذا الأمر، فقبل ذلك السلطان، فاستدعى إياز وصدقة والوزير سعد الملك، فقاموا ليدخلوا عليه، وكان قد أعدّ جماعة من خواصّه لقتل إياز إذا دخل عليه، فلما دخل ضرب أحدهم رأسه فأبانه، فغطى صدقة وجهه بكمّه، وأما الوزير فغشى عليه، وتفرق أصحاب إياز، وكان زوال نعمته العظيمة ودولته في مزحة مزحها غلمانه، ولما كان الغد كفّنه قوم من المتطوعة ودفنوه.
وكان من جملة مماليك السلطان ملكشاه، وكان غزير المروءة، شجاعا حسن الرأي في الحرب. ولما قتل اختفى وزيره الصفى، ثم أخذ وحمل إلى الوزير سعد الملك، ثم قتل في شهر رمضان، وسار السلطان إلى أصفهان، فوصل إليها في شهر رمضان وأمن أهلها.
ذكر خروج منكبرس «١» على السلطان محمد والقبض عليه
وفي المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة أظهر منكبرس ابن الملك بوزى برس «٢» بن ألب أرسلان، وهو ابن عم السلطان محمد العصيان، والخلاف على السلطان، وسبب ذلك أنّه كان بأصبهان، فلحقته ضائقة شديدة، وانقطعت عنه الموادّ، فسار إلى نهاوند، واجتمع عليه بها جماعة من العسكر، وظاهره على أمره جماعة من الأمراء، فتغلب على نهاوند، وخطب لنفسه بها، وكاتب الأمراء بنى برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته، وكان السلطان محمد قد قبض على أخيهم زنكن بن برسق، فكاتب زنكى إخوته، وحذرهم
стр. 10218
من طاعته، وأمرهم بالتدبير في القبض عليه، فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى منكبرس يبذلون له الطاعة والموافقة، فسار إليهم وساروا إليه، واجتمعوا به، وقبضوا عليه بالقرب من أعمالهم، وهى بلد «خوزستان» ، وتفرق أصحابه وأتوا به إلى أصفهان، فاعتقله السلطان مع بنى «١» عمه تكش، وأخرج زنكى بن برسق، وأعاده إلى مرتبته، واستنزله وإخوته عن أقطاعهم وهى الأسر «٢» ، ونيسابور، وغيرهما ما بين الأهواز وهمذان، وأقطعهم عوض ذلك الدور وغيرها وفيها «٣» ظهر بنهاوند أيضا رجل من أهل السواد، ادعى النبوة، فأطاعه خلق كثير، واتبعوه، وباعوا أملاكهم، ودفعوا أثمانها إليه، وهو يخرج جميع ذلك، وسمى أربعة من أصحابه أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، ثم قتل بنهاوند، فكان أهلها يقولون:
ظهر عندنا في مدة شهرين اثنان: أحدهما يدعى النبوة، والآخر المملكة، فلم يتم لأحد منهما أمر، والله أعلم.
ذكر ملك السلطان محمد قلعة [شاه دز] «٤» من الباطنية وقتل ابن عطاش «٥»
وفي سنة خمسمائة ملك السلطان القلعة التى كانت الباطنية ملكوها بالقرب من أصفهان، واسمها «شاه دز» ، وقتل صاحبها أحمد
стр. 10219
ابن عبد الملك بن عطاش وولده. وكانت هذه القلعة قد بناها السلطان لملكشاه، واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك، وكان قد اتصل بدز «١» دار القلعة، فلما مات استولى عليها، وكان الباطنية بأصفهان فد ألبسوه تاجا، وجمعوا له أموالا عظيمة، فاشتد بأسه، وكثر جمعه، واستفحل «٢» أمره بالقلعة، فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق، وأخذ الأموال، وقتل من قدروا عليه، فقتلوا خلقا كثيرا، وجعلوا لهم على القرى السلطانية، وأموال «٣» الناس، ضرائب يأخذونها؛ ليكفوا عنها الأذى، فتعذر انتفاع السلطان بقراه، والناس بأملاكهم، ومشى لهم الأمر بما كان بين السلطان وأخيه من الاختلاف، فلما صفت السلطنة لمحمد، ولم يبق له «٤» منازع، لم يكن عنده أمر أهمّ من الباطنية، فخرج بنفسه، وحاصرهم، فى سادس شعبان، وأحاط بجبل القلعة، فلما اشتد الحصار عليهم طلبوا أن ينزل بعضهم من القلعة، ويرسل السلطان معهم من يحميهم، إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان «٥» ، وكانت لهم، وينزل بعضهم، ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس، وأن يقيم البقية منهم في ضرس «٦» من القلعة، إلى
стр. 10220
أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، وينزلون حينئذ، ويرسل السلطان معهم من يوصلهم، إلى ابن الصباح بقلعة ألموت، فأجيبوا إلى ذلك، وتوجه معهم من أوصلهم إلى قلعتى الناظر، وطبس، وعاد منهم من أخبر ابن غطاس بوصولهم، فلم يسّلم السن الذى بيده، ورأى السلطان منه العذر، فجدد الحصار، فجاء إلى السلطان من دله على عورة ذلك السن، فملكه، وقتل من فيه من الباطنية، واختلط بعضهم بمن دخل، فسلموا، وأسر ابن عطاش، فتركه السلطان أسبوعا، ثم أمر به، فشهر في جميع البلاد، وسلخ جلده، فمات، وحشى تبنا، وقتل ولده، وحملت رأساهما إلى بغداد، وألقت زوجته نفسها من القلعة، فهلكت. كانت مدة البلوى بابن عطاش ثنتا عشرة سنة.
ذكر القبض على الوزير وقتله، ووزارة أحمد بن نظام الملك
وفي سنة خمسمائة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبى المحاسن، وأخذ ماله، وصلبه على باب أصفهان، وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه، فأما الوزير، فنسب إلى خيانة السلطان، وأما الأربعة، فنسبوا إلى اعتقاد مذهب الباطنية، ثم استشار السلطان فيمن يجعله وزيرا، فذكر له جماعة، فقال: أن آبائى «١» رأوا على نظام الملك البركة، وله عليهم الحق الكبير، وأولاده أعذياء بنعمتنا،
стр. 10221
ولا معدل عنهم، فاستوزر أبا نصر أحمد، ولقب ألقاب أبيه قوام الدين نظام الملك صدر الإسلام، وحكّمه، ومكّنه، وقوى أمره.
ذكر قتل الأمير صدقة بن مزيد «١»
كان مقتله في سنة إحدى وخمسمائة، وكان سب ذلك أنه قد عظم أمره، واشتهر ذكره، واستجار به الأكابر من الخلفاء، فمن دونهم، وأجار على الخلفاء والملوك، وكان ممن أكد أسباب «٢» دولة السلطان محمد، وأقام في حقه، وعضده، وجاهر السلطان بركياروق بسببه «٣» ، فلما استوثق الأمر للسلطان محمد، زاده على ما بيده من الإقطاع زيادة عظيمة، منها مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة، ثم أفسد ما بينهما العميد أبو «٤» جعفر محمد بن الحسن البلخى، وقال للسلطان: إن صدقة عظم أمره، وكثر إدلاله، وهو يحمى كلّ من يفر من السلطان، والتحق به، ونسبه إلى مذهب الباطنية، ولم يكن كذلك، وإنما تشيع، واتفق أن السلطان محمد سخط على أبى دلف سرخاب «٥» بن كيخسرو صاحب ساوه، فهرب منه، وقصد صدقة، واستجار به فأجاره، فأرسل السلطان
стр. 10222
يطلبه من صدقة، وأمره بتسليمه إلى نوابه، فلم يفعل، وأجاب:
إننى لأمكن منه بل أحامى عنه، أقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا النبى ﷺ :
ونسلمه حتى نصرّع حوله* ونذهل عن أبنائنا والحلائل وظهر منه أمور أنكرها السلطان، فتوجه السلطان إلى العراق، ليتلافى هذا الأمر، فلما سمع صدقة به، استشار أصحابه فيما يفعله، فأشار عليه ابنه دبيس أن ينفذه إلى السلطان، ومعه الأموال والخيل والتحف ليستعطفه، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بحربه، وجمع الجند، وتفريق المال فيهم، واستطال في القول، فمال صدقة إلى قوله ووافقه «١» ، وجمع العساكر، فاجتمع له عشرون ألف فارس، وثلاثون ألف راجل، وأرسل الخليفة المستظهر بالله إلى الأمير صدقة، يحذره عاقبة أمره، وينهاه عن الخروج عن طاعة السلطان، فأجاب: إننى على الطاعة، لكن لا آمن على نفسى فى الاجتماع به، ثم أرسل السلطان إلى صدقة يطيب قلبه، ويبسط ويزيل خوفه، ويأمره بالانبساط على عادته، فأجاب: إن أصحاب السلطان قد أفسدوا قلبه علىّ، وغيرّوا حالى عنده، وزال ما كان عليه في حقى من الإنعام، وذكر سالف خدمته ومناصحته، وقال سعيد بن حميد صاحب جيشه: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع، وليرين خيولنا ببغداد «٢» ، وامتنع صدقة من الاجتماع
стр. 10223
بالسلطان، وكان السلطان وصل إلى بغداد جريدة في خيل، لا تبلغ ألفى فارس، فأرسل إلى جيوشه، فأتته من كل جهة، وتكررت الرسائل من الخليفة إلى صدقة، وهو يجيب: إننى ما خالفت الطاعة، ولا قطعت الخطبة، وجهز ابنه دبيسا، ليسير إلى السلطان، فبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان، قد وقعت الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة، وأن عسكر السلطان انهزم، وأسر جماعة من أعيانهم، فأخر صدقة ابنه، ثم ترددت الرسائل من الخليفة إلى صدقة، يقول: إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى، ورد جميع ما أخذ من العسكر المنهزم، فأجاب أولا بالخضوع والطاعة، ثم قال: لو قدرت على الرحيل من بين يدى السلطان لفعلت، ولكن ورائى من يثقل ظهرى: ثلاثمائة امرأة لا يحملهن مكان، ولو علمت أننى إذا جئت للسلطان مستسلما قبلنى، واستخدمنى، لفعلت، ولكننى أخاف ألا يقبل عذرى، ولا يعفو، وأما ما نهب فإن الخلق كثير، وعندى من لا أعرفه، وقد نهبوا ودخلوا البر، ولا طاقة لى بهم، لكن إن كان السلطان لا يعارضنى فيما في يدى، ولا فيمن أجرته ويقر سرخاب «١» على إقطاعه بساوة، ويتقدم بإعادة ما نهب من بلدى. ويحلفه «٢» وزير الخليفة بما أثق به من الأيمان، على المحافظة فيما بينى وبينه، فحينئذ أخدم بالمال، وأدوس «٣» بساطه بعد ذلك، فعادت الرسائل بذلك «٤» مع أبى منصور بن
стр. 10224
معروف، وأصر صدقة على قوله، فعند ذلك سار السلطان في ثامن شهر رجب إلى الزعفرانية، وسار صدقة في عسكره إلى قرية مطر، وأمر جنده بلبس السلاح، واستأمن نائبه «١» سلطان بن دبيس وهو ابن»
عم صدقة إلى السلطان، فأكرمه، وعبر السلطان «٣» إلى دجلة، ولم يعبر هو، فصاروا هم وصدقة في أرض واحدة، بينهما نهر، والتقوا في تاسع عشر شهر رجب، وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان، فلما التقوا صارت في وجوه أصحاب صدقة، ورمى الأتراك بالنشاب، فكان يخرج في كل رشقة سبعة عشر ألف فردة، لا تقع إلا في فارس أو فرس، فكان أصحاب صدقة إذا حملوا منعهم النهر، والنشاب يصل إليهم، وحمل صدقة على الأتراك، وجعل يقول: أنا صدقة، أنا ملك العرب «٤» فأصابه سهم في ظهره، وأدركه غلام اسمه برغش، فتعلق في صدقة وهو لا يعرفه، فسقطا جميعا إلى الأرض، فعرفه صدقة، وقال: يا برغش أرفق، فضربه بالسيف، فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقى «٥» ، فحمله إلى السلطان، فلما رآه عانقه، وأمر لبرغش بصلة، وبقى صدقة طريحا، إلى أن سار السلطان، فدفنه إنسان من المدائن، وكان عمر صدقة تسعا وخمسين سنة، وكانت إمرته إحدى وعشرين سنة،
стр. 10225
وحمل رأسه إلى بغداد، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، وأسر ابنه دبيس، وسرخاب بن كيخسرو الديلمى، فأحضر بين يدى السلطان، فطلب الأمان، فقال السلطان: أنا عاهدت الله أنى لا أقتل أسيرا، فإن ثبت عليك أنك باطنى قتلتك. قال: ونهب من أموال صدقة ما لا يحد ولا يوصف.
وكان له من الكتب المنسوبة الخطوط ألوف مجلدات، وكان يقرأ ولا يكتب، وكان جوادا حليما، صدوقا، كثير البشر والخير والإحسان، يلقى لمن يقصده بالبشاشه والفضل، ويبسط آمال قاصديه، ويزورهم، وكان عاقلا، عفيفا، دينا، حاز الأوصاف الجميلة، رحمه الله تعالى.
قال: ولما قتل صدقة عاد السلطان إلى بغداد، ولم يصل الحلة، وأرسل أمانا لزوجة صدقة، فأصعدت إلى بغداد، فأطلق السلطان ابنها دبيسا، وأنفذ معه جماعة من الأمراء لتلقيها، فلما جاءت اعتذر السلطان إليها من قتل صدقة، وقال: وددت أنه حمل إلى حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس منه، لكن الأقدار غلبتنى عليه، واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد.
وفي سنة إحدى وخمسمائة في شعبان أطلق السلطان الضرائب والمكوس، ودار البيع، [والإجتيازات] «١» ، وغير ذلك، مما يناسبه بالعراق، وفيها خرج السلطان إلى أصفهان، وكان مقامه ببغداد، فى هذه الدفعة خمسة أشهر وسبعة عشر يوما.
следующие страницы →