← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

بالرحبة، وشكى قتلمش بن عم السلطان ما لقى من أهل سنجار في العام الماضى، عند انهزامه من البساسيرى، وأنهم قتلوا رجاله، فسيّر العساكر إليهما، فصعد أهل سنجار على السّور، وسبّوا السلطان، وأخرجوا جماجم القتلى وقلانسهم، وجعلوها على القصب، ففتحها السلطان عنوة، وقتل أميرها علىّ بن «١» مرحا، وخلقا كثيرا من رجالها، وسبى نساءهم، وسأل إبراهيم ينال في الباقين، فتركهم السلطان، وسلّمها هى والموصل إلى أخيه إبراهيم ينال. والله أعلم بالصواب. ذكر عودة السلطان الى بغداد قال: وكان عود السلطان إلى بغداد، فى سنة تسع وأربعين، فخرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، وأبلغه سلام الخليفة، واستيحاشه، فقبّل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء جاما من ذهب فيه جواهر، وألبسه فرجية جاءت معه من عند الخليفة، فلبسها، ووضع العمامة على مخدّته، فقبل السلطان الأرض، ولم يمكن أصحابه من النزول فى دور الناس، وطلب الاجتماع مع الخليفة فأذن له في ذلك، وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة من السنة جلوسا عاما، وحضر وجوه عسكر السلطان، وأعيان بغداد، وحضر السلطان والخليفة جالس على سرير عال من الأرض، نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبى ﷺ ، وبيده القضيب الخيزران، فقبل

стр. 10152

السلطان الأرض ويد الخليفة، وأجلس على كرسى، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك، حامد لفعلك، مستأنس بقربك، وقد ولّاك جميع ما ولّاه الله من بلاده، ورد إليك مراعاة عباده، فاتّق الله فيما ولّاك، واعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في نشر العدل، وكف الظلم، وإصلاح الرعية، فقبّل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه، وعاد فقبل يد الخليفة، ووضعها على عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب، وأعطى العهد، وخرج، فأرسل إلى الخليفة هدية كبيرة، منها خمسون ألف دينار، وخمسون مملوكا أتراكا، من أجود ما يكون بخيولهم وسلاحهم، وغير ذلك من الثياب، وغيرها. ذكر مفارقة ابراهيم ينال الموصل وما كان من أمره الى أن قتل وفي سنة خمسين وأربعمائة فارق إبراهيم ينال الموصل، وتوجه نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان رحيله إلى [العصيان] «١» وأرسل إليه يستدعيه، وبعث الفرجية التى خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة أيضا إليه كتابا، فرجع إبراهيم إلى السلطان، وهو ببغداد، فخرج الوزير الكندرى «٢» لاستقباله، وأرسل الخليفة إليه الخلع، ولما فارق إبراهيم الموصل استولى عليها البساسيرى، كما قدمناه،

стр. 10153

فسير السلطان إليها جريدة في ألفى فارس، وكان قد فرق عساكره بسبب النوروز، ففارقها البساسيرى ومن معه، فسار السلطان إلى نصيبين، ليتبع آثارهم، ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال، وسار نحو همذان، فوصل إليها، لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، وقد قيل: إن المستنضر كاتبه، وكاتب البساسيرى، وأطمعه في السلطنة والبلاد، ففعل ذلك، وسار السلطان في أثره، وهو في قلّة من العسكر، وكان إبراهيم قد اجتمع له كثير من الأتراك، وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلّفهم المسير إلى العراق، فلم يقو السلطان «١» له، وأتى إلى إبراهيم محمد، وأحمد ابنا أخيه [أرتاش] «٢» في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفا، فانزاح بين يديه إلى الرى، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتى [وقاورد] «٣» بك أولاد أخيه، وكان داود قد مات على ما نذكره، وملك بعده ابنه أرسلان خراسان، واستدعاهم، فقدموا إلى عمّهم طغرلبك بالعساكر الكثيرة، فلقى إبراهيم بالقرب من الرى، فانهزم إبراهيم، ومن معه، وأخذ أسيرا هو، ومحمد، وأحمد ابنا أخيه، فأمر السلطان به، فخنق بوترقوسه في تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين، وقتل ولدى أخيه، وفي أثناء هذه السنة عند اشتغال السلطان طغرلبك بحرب أخيه إبراهيم، استولى

стр. 10154

البساسيرى على بغداد، وأخرج الخليفة منها، وكان ما قدمناه في أخبار القائم بالله، وكان إبراهيم ينال قد خرج على أخيه مرارا، وهو يقدر عليه، ويعفو عنه، وإنما قتله في هذه الواقعة لأنه علم أن الذى جرى على الخليفة كان بسببه، ولما فرغ طغرلبك من أمر أخيه، عاد إلى العراق، وأعاد الخليفة إلى بغداد، وكان ما قدمناه من مقتل البساسيرى. ذكر وفاة جغرى «١» بك داود صاحب خراسان، وملك ابنه ألب أرسلان كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل في صفر سنة اثنين وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو سبعين سنة، كان له خراسان، وكان حسن السيرة معترفا بنعمة الله عليه، شاكرا عليها؛ فمن ذلك أنه أرسل إلى طغرلبك مع عبد الصمد قاضى سرخس، يقول: قد بلغنى إخرابك للبلاد التى فتحتها وملكتها، وجلاء أهلها عنها، وهذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى، فى بلاده وعباده، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة، وإيحاش الرعية، وقد علمت أننا لقينا أعداءنا، ونحن في «٢» ثلاثين رجلا، وهم في ثلاثمائة، فغلبناهم، ثم كنا في ثلاثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، ثم كنا في ثلاثة آلاف، وهم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، وقاتلنا بالأمس شاه ملك،

стр. 10155

وهو في أعداد كثيرة فقهرناه، وأخذنا مملكتة بخوارزم، وهرب بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به، وأسرناه، وقتلناه، واستولينا على ممالك خراسان، وسجستان، وصرنا ملوكا متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضى نعم الله علينا أن نقابلها بهذه المقابلة، فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يأخى أنت ملكت خراسان، وهى بلاد عامرة، فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلادا أخربها من تقدمنى، واجتاحها من كان قبلى، فما أتمكن من عمارتها، والأعداء محيطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، فلا يمكن دفع مضرتهم عنها. ولداود مناقب كثيرة، وكان له من الأولاد: ألب أرسلان، وياقوتى، وسليمان، وقاورد بك. ولما مات ملك بعده ابنه ألب أرسلان، وتزوج طغرلبك بزوجة أخيه داود، وهى والدة سليمان، ووصّى له بالملك بعده، وفي سنة اثنين وخمسين توفيت زوجة السلطان طغرلبك، فوجد عليها وجدا شديدا، ونقل تابوتها إلى الرى. ذكر زواج السلطان طغرلبك بابنة الخليفة وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، وكانت الخطبة تقدّمت في سنة ثلاث وخمسين، مع أبى سعيد «١» قاضى الرى، فانزعج الخليفة من ذلك،

стр. 10156

[وأرسل] «١» فى الجواب أبا محمد التميمى، وأمره أن يستعفى، فإن أعفى والآكمّ الأمر، على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار، ويسلم «واسط» وأعمالها، فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الكندرى الوزير ما ورد فيه من الاستعفاء، فقال: لا يحسن أن يردّ السلطان، وقد سأل وتضرّع، ولا يجوز أيضا مقابلته بطلب الأموال والبلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه، فقال له: التميمى: الأمر لك، ومهما فعلته فهو الصواب. فبنى الأمر على الإجابة، وطالع به السلطان، [فسرّ به] «٢» وجمع الناس، وعرفهم أن همّته قد سمت إلى الإتصال بهذه الجهة النبوية، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك، وتقدّم إلى الوزير عميد الملك أن يسير، ومعه أرسلان خاتون ابنة أخيه داود، وهى زوجة الخليفة القائم بأمر الله، وأن يصحبها مائة ألف دينار برسم «٣» الجمل، وما شاكلها من الجواهر، وغيرها، ووجه معه فرامرز «٤» بن كاكويه، وغيره من وجوه الأمراء، وأعيان الرى، فلما وصلوا امتنع الخليفة من الإجابة، وقال: إن أعفينا، وإلا خرجنا من بغداد، فقال عميد الملك: «كان الواجب الامتناع من غير اقتراح وعد «٥» الإجابة إلى ما طلب، فالامتناع سعى على دمى» ، وأخرج خيامه إلى النهروان فاستوقفه قاضى القضاة، والشيخ أبو منصور بن يوسف فانهيا إلى

стр. 10157

الخليفة عاقبة انصرافه، فكتب الخليفة إلى عميد الملك يقول: نحن نرد الأمر إلى رأيك، ونعوّل على أمانتك ودينك، فحضر يوما عند الخليفة، ومعه جماعة من الأمراء، والحجّاب، والقضاة والشهود، فتكلم، وقال للخليفة: أسأل مولانا أمير المؤمنين، التطوّل بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيما رغب ليعرفه الجماعة، فغالطه، وقال: قد سطر في المعنى ما فيه كفاية، فانصرف عميد الملك، ورحل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وأخذ المال معه إلى همذان، فكتب السلطان إلى قاضى القضاة، وإلى الشيخ أبى منصور بن يوسف يعتب، ويقول: هذا جزائى من الخليفة الذى قتلت أخى في خدمته، وأنفقت مالى فى نصرته، وأهلكت خواصّى في محبته، وأطال العتاب، فعاد الجواب بالاعتذار، وطلب السلطان طغرلبك ابنة أخيه زوجة الخليفة؛ لتعاد إليه، وجرى ما كاد يقضى إلى الفساد الكلى، فلما رأى الخليفة شدّة الأمر أذن في ذلك، وكتب الوكالة باسم عميد الملك الوزير، وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين بظاهر تبريز، وهذا ما لم يجر مثله، فإن بنى بويه مع تحكّمهم على الخلفاء ما طمعوا بمثل هذا، وحمل السلطان أموالا كثيرة، وجواهر نفيسة للخليفة، ولولى العهد، وللجهة المطلوبة، ولوالدتها، وغيرهم.

стр. 10158

ذكر وصول السلطان الى بغداد ودخوله بابنة الخليفة وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة في المحرم توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداد، وأراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفى من ذلك، ووصل عميد الملك إلى الخدمة، وطالب بالجهة، فقيل له: خطك موجود بالشرط، وأن المقصود بهذه الوصلة التشريف لا الإجتماع «١» ، وإنه إن كانت مشاهدة، فتكون في دار الخلافة، فقال للخليفة: السلطان يفعل هذا، ولكن يفرد له من الدور والمسكن ما يكفيه، ومن خواصّه، وحجابه، ومماليكه، فإنه لا يمكنه مفارقتهم، فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر، وجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان إليها، وقبل الأرض، وخدمها، ولم يكشف الخمار عن وجهها، ولا قامت هى له، وحمل لها أشياء كثيرة من الجواهر، وغيرها، وبقى يحضر فى كل يوم، ويخدم، وينصرف، وعمل السّماط عدّة أيام، وخلع على عميد الملك، وجميع الأمراء. ذكر وفاة السلطان طغرلبك وشىء من سيرته كانت وفاته بالرىّ في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان سنه خمس وخمسين وأربعمائة، وكان قد سار من بغداد في شهر ربيع الأول إلى بلد الجبل، ومعه أرسلان خاتون ابنة أخيه داود،

стр. 10159

وهى زوجة الخليفة لأنها شكت إليه اطّراح الخليفة لها «١» ، واتفق مرضه، فمات، ونقل إلى مرو، ودفن عند قبر أخيه داود، وكان عمره سبعين سنة تقريبا، ومدة ملكه منذ خطب له بنيسابور في شعبان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وإلى أن توفى سبعة وعشرين سنة، وأياما، ومنذ ملك بغداد سبع سنين، وأحد عشر شهرا، واثنا عشر يوما، وكان عاقلا حليما من أشد الناس احتمالا، وأكثرهم كتمانا لسره، وكان يحافظ على الصلوات، ويصوم الإثنين، والخميس، وكان ملبسه البياض إلا أنه كان فيه ظلم وقساوة، وكان أصحابه يغصبون الناس أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك، فلا يمنعهم، وكان عقيما لم يولد له، وزراؤه: أول من وزر له أبو القاسم على بن عبد الله الجوينى في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ثم وزر بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين بن على بن ميكائيل، ثم وزر له بعده نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك أبو نصر الكندرى، وهو أشهر وزرائه، وإنما اشتهر دون غيره من وزرائه؛ لأن السلطان طغرلبك عظمت دولته فى وزارته، وملك العراق «٢» ، وخطب له بالسلطنة. وقد تقدم من أخبار هذا الوزير ما يدل على تمكنه، والله أعلم.

стр. 10160

ذكر أخبار السلطان عضد الدولة هو ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جغرى بك داود بن ميكائيل ابن سلجق، وهو الثانى من ملوك الدولة السلجقية، ومعنى اسمه رجل أسد، واللام والباء في ألب مفخمتان. ملك خراسان بعد وفاة أبيه دواد في شهر رجب سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وقيل فى صفر سنة اثنتين وخمسين، وملك العراق وغيره بعد وفاة عمه السلطان طغرلبك في سنة خمس وخمسين، وكان طغرلبك قد نصّ على توليه سليمان ابن أخيه داود أخى ألب أرسلان لأن أمه كانت عنده، فتبع هواها فيه، فلما مات السلطان طغرلبك نفذ الوزير عميد الملك وصيته فيه، وأجلس سليمان في السلطنة، فاختلف الأمراء عليه، ومضى بعضهم إلى قزوين، وخطب لعضد الدولة، فلما رأى عميد الملك فساد الحال، وميل الناس إلى عضد الدّولة، أمر بالخطبة له بالرىّ، ثم من بعده لسليمان، وما اتصل بألب أرسلان الخبر بوفاة عمه جمع العساكر، وسار نحو الرى، فلما قرب منها خرج إليه الوزير عميد الملك، وأظهر طاعته، واستقرت السلطنة له بمفرده.

стр. 10161

ذكر القبض على عميد الملك الوزير وقتله قال: ولما استقر ملك عضد الدولة، قبض على الوزير عميد الملك الكندرى، وسبب ذلك أنه لما رأى ميل الناس إليه، وانقيادهم لأمره خافه، فأمر بالقبض عليه، وأنفذه إلى مرو الروذ، واعتقله بها سنة، ثم أمر بقتله، وكان هذا الوزير كثير البغض للشافعى وأصحابه، وكان خصيّا «١» خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب له امرأة، فتزوّجها، وعصى عليه، فلما ظفر به خصاه، وأقره على خدمته، وقيل: بل أعداؤه أشاعوا عنه أنه تزوّجها، فخصى نفسه ليبرأ مما قيل فيه. قال المؤرخ: ومن العجب أن ذكره دفن بخوارزم لما خصى، ودمه مسفوح بمرو، وجسده مدفون بكندر «٢» ، ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان، ولما عرض على القتل، قال لقاتله: قل لنظام الملك بئسما عودت الأتراك قتا الوزراء، وأصحاب الديوان، قال: ولما قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أمر بعودة ابنة الخليفة إلى بغداد، وأعلمها أنه ما قبض عليه إلا لكونه «٣» نقلها من بغداد إلى الرى بغير رضا الخليفة، وأمر الأمير أيتكين السليمانى بالمسير في خدمتها [والمقام] «٤» شحنة ببغداد، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة «٥»

стр. 10162

المعروف بابن الموفق، وأمره بالسير في الصحبة، ومخاطبة الخليفة فى الخطبة له، فمات بالجدرى قبل وصوله، فأرسل العميد أبا الفتح بن المظفر بن الحسين، فمات أيضا في الطريق، فأرسل رئيس العراقيين «١» ، فوصل إلى بغداد في نصف شهر ربيع الآخر، واقترح السلطان أن يخاطب: بالولد المؤيد، فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء الدين عضد الدولة، وجلس الخليفة جلوسا عاما في سابع جمادى الأولى، وشافه الرسل بسلطنة ألب أرسلان، وسلمت الخلع، عليهم، وأرسل من الديوان لأخذ البيعة النقيب طرادا الزينبى؛ فوصلوا إليه، وهو بنقجوان «٢» من أذربيجان، فلبس الخلع، وبايع الخليفة. ذكر ملك عضد الدولة ختلان، وهراه، وصغانيان كان أمير ختلان بعد وفاة السلطان طغرلبك عصى بالقلعة، ومنع الخراج، فقصده السلطان، فوجد الحصن منيعا، فحاصره، ثم قتل صاحب الحصن بسهم جاءه، وهو على شرفة من شرفات السور، فهلك، وملك ألب أرسلان الحصن، وكان فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضا عليه، وطمع في الملك لنفسه، فسار إليه، وحصره، وضيق عليه، وأدام القتال ليلا ونهارا، فسلم

стр. 10163

المدينة، وخرج إلى ابن أخيه، فأكرمه، وسار إلى صغانيان «١» ، وأميرها موسى، وكان قد عصى عليه، فلما وصل لم ينتصف النهار حتى ملك القلعة قهرا، وأمر بقتل موسى، فبذل في نفسه أموالا كثيرة، ثم عاد السلطان إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور. ذكر الحرب بين السلطان وبين شهاب الدولة قتلمش وموته كان شهاب الدولة قتلمش بن سلجق قد عصى على طغرلبك، فلما مات جمع عساكره، وقصد الرى، واستولى عليها، فسار السلطان من نيسابور في أول المحرم سنّة ست وخمسين، فوصل إلى دامغان، وأرسل قتلمش يتنكر عليه، وينهاه، فأجاب بجواب غير مرض، ونهب قرى الرىّ، وأجرى الماء على وادى الملح، وهى سبخة، فتعذر على السلطان سلوكها، فجاء، وخاض في الماء بعسكره، ولقيه، واقتتلوا، فلم تثبت عسكر قتلمش، ومضى هو إلى قلعة كردكوه، وكانت من حصونه، واستولى القتل والأسر على عسكره، ثم عفا السلطان عنهم بشفاعة نظام الملك، فلما سكن الغبار، ونزل العسكر، وجد قلتمش ميتا لم يدر كيف كان موته، فقيل إنه مات من الخوف، فبكى السلطان لموته، وجلس لعزائه، وعظم عليه فقده، وقتلمش هذا هو جد الملوك السلجقية ملوك الروم، وكان قتلمش يعلم علم النجوم، يعلمه أولاده من بعده، فزادوا فيه، فنالهم به غضاضة في دينهم.

стр. 10164

ذكر فتح مدينة آنى، وغيرها من بلاد النصرانية قال: وسار ألب أرسلان من الرى إلى أذربيجان في أول شهر ربيع الأول، وقد عزم على جهاد الروم، وغزوهم، فأتاه أمير من الروم كان يكثر غزوهم اسمه طغركين «١» ، ومعه من عشيرته خلق كثير قد ألفوا الجهاد، وخبروا تلك البلاد، وحثه على قصد بلاد الروم، وضمن له سلوك الطريق المستقيم، فسار معه فوصل إلى نفجوان، وأمر بعمل السّفن لعبور النهر، وجمع العساكر، وسار إلى بلاد الكرج، وجعل مكانه في عسكره ولده ملكشاه، والوزير نظام الملك، فساروا إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم، فحاصروها، فملكها المسلمون، وقتل أميرها، وساروا منها إلى قلعة سمارس «٢» . وهى قلعة فيها الأنهار الجارية، والبساتين، فملكوها، وفتحوا قلعة أخرى بالقرب منها، وشحنوها بالرجال والذخائر والأموال، والسلاح وسلم هذه القلاع إلى أمير نقجوان، ثم سار إلى مدينة مريم ونسين، وفيها كثير من الرهبان والقسوس، وملوك النصارى، وعامتهم يتقربون لأهل هذه البلد، وهى مدينة حصينة، وسورها من الحجر المبنى بالرصاص والحديد، وعندها نهر كبير؛ فأعدّ نظام الملك السفن لقتال من بها، وداوم القتال ليلا ونهارا إلى أن يسّر الله فتحها، وأحرقوا البيع، وقتلوا كثيرا من أهلها، وأسلم كثير، فنجوا

стр. 10165

من القتل، ثم استدعى السلطان ابنه، والوزير، فسارا إليه، ففرح بما يسّره الله من الفتح على يد ملكشاه ابنه، وفتح عدة من الحصون فى طريقه، وأسر من النصارى ما لا يحصى كثرة، وساروا إلى سيبد سهر، فجرى بين أهلها، وبين المسلمين حروب شديدة، ثم يسّر الله فتحها، وملكها السلطان، وسار منها إلى مدينة أعال لال، وهى حصينة عالية الأسوار شاهقة، وهى من جانبيها الشرقى والغربى على جبل عال، وعليه عدّة من الحصون، ومن الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، وكان ملكها من الكرج، فجرى عليها حروب عظيمة، ويسّر الله فتحها، واعتصم جماعة من أهلها في برج من أبراج المدينة، فأحرقه السلطان بالنار، وغنم المسلمون من المدينة ما لا يحصى، وخرجوا إلى خيامهم، فلما جن الليل عصفت الريح، فاحترقت المدينة من نار البرج، وذلك في شهر رجب سنة ست وخمسين وأربعمائة، وملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب المدينة، وأخذ ما فيها، وسار منها إلى ناحية قرش «١» ، ومدينة آنى وبالقرب منها بسل وورده. وجوده، فخرج أهلها مذعنين معلنين بالإسلام، وخربوا البيع، وبنوا المساجد، وسار منها إلى مدينة آنى، فرآها حصينة لا ترام. ثلاثة أرباعها على نهر أرس «٢» ، والربع الآخر على نهر عميق شديد الجرية لو طرحت الحجارة فيه لحملها، والطريق إليها على خندق عليه سور من الحجارة الصمّ، وهى مدينة

стр. 10166

عامرة آهلة، فحصرها، وضيّق على من بها إلا أن المسلمين أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها، فأتى من لطف الله تعالى ما لم يكن في حساب، وانهدم من السّور قطعة كبيرة لم يعلم سبب هدمها، فدخل المسلمون في المدينة، وقتلوا من أهلها ما لا يحصى كثرة، وأسروا نحوا مما قتلوا، وسارت البشائر بهذا الفتح في البلاد، وقرئ كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان، والدعاء له، فرتّب السلطان بالمدينة أميرا في عسكر جرار، وعاد عنها، وقد راسله ملك الكرج في الهدنة، وصالحه على أداء الجزية في كل سنة، وعاد السلطان إلى أصفهان، وكرمان، ثم إلى مرو، وزوج ابنة ملكشاه بابنة خاقان ملك ما وراء النهر، وزفت إليه في هذه السنة، وزوّج ابنه أرسلان شاه بابنة صاحب غزنه، فاتحد البيت السلجقى والمحمودى، واتفقت الكلمة. وفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد، وكملت عمارتها في سنة تسع وخمسين، وتقرر التدريس بها للشيخ أبى اسحاق الشيرازى، فلما اجتمع الناس لحضور الدروس طلب، فلم يوجد، وكان سبب تأخره أنه لقيه صبّى، فقال: «كيف تدرس في مكان مغصوب؟» ، فلم يحضر، فلما أيس الناس من حضوره درس بها أبو نصر الصبّاغ صاحب كتاب الشامل، ثم تلطف نظام الملك بالشيخ أبى إسحاق، حتى درّس بها بعد عشرين يوما.

стр. 10167

ذكر تقرير ملكشاه في ولاية العهد بالسلطنة من بعد أبيه وتقرير البلاد باسم أولاد السلطان وأخوته وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة سار السلطان ألب أرسلان من مرو إلى [أرزكان] «١» ، ونزل بظاهرها، ومعه جماعة من أمراء دولته، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاه بأنه السلطان من بعده، وركبه، ومشى بين يديه يحمل الغاشية «٢» ، وخلع السلطان على جميع الأمراء، وأمر بالخطبة له في جميع بلاده، وأقطع البلاد: ومازندران للأمير أينانج بيغو، وبلخ لأخيه سليمان بن داود جفرى بك، وخوارزم لأخيه أرسلان [أرغو] «٣» ومرو لابنه أرسلان شاه، وصغانيان وطخارسان لأخيه إلياس، وولاية بغشور «٤» ، ونواحيها لمسعود بن أرتاش، وهو من أقارب السلطان.

стр. 10168

ذكر عصيان ملك كرمان، وعوده الى الطاعة، وطاعة حصون فارس وفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة. عصى قرار أرسلان ملك كرمان على السلطان، ونزع الطاعة، وسبب ذلك أن وزيره حسّن له هذا الفعل، فظن أنه يقدر على الاستبداد بالأمر، فسار السلطان ألب أرسلان إليه، والتقت مقدمته بمقدمته، فانهزم أصحاب قرا أرسلان بعد قتال، وسار لا يلوى على شىء، فوصل إلى قلعة، وامتنع بها، وراسل السلطان في طلب الأمان، وبذل الطاعة، فأمّنه، وحضر إليه، فأكرمه، وأعاده إلى مملكته، فقال قرا أرسلان للسلطان: إن لى بنات، وقد جعلت أمرهنّ إليك، وتجهيزهن، فأعطى السلطان إلى كل واحدة منهن مائة ألف دينار سوى الثياب، ثم سار السلطان منها إلى فارس، فوصل «اصطخر» ، وفتح قلعتها، واستنزل واليها، فحمل إليه الوالى هدايا عظيمة جليلة المقدار من جملتها قدح فيروزج مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، وأطاعه جميع حصون فارس، وبقيت قلعة هناك يقال لها: بهبزاذ «١» ، فسار نظام الملك إليها، وحصرها، ففتحها في اليوم السادس «٢» عشر من منازلتها «٣» ، ووصل السلطان إليها بعد الفتح، فعظم محل نظام الملك عنده، وعلت منزلته، وزاد في تحكمه، والله أعلم بالصواب.

стр. 10169

ذكر اقامة الخطبة بحلب وفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة خطب تاج الملوك محمود بن نصر بن «١» مرداس بحلب للخليفة القائم بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان، وسبب ذلك أنه لما رأى انتشار الدولة السلجقية، وقوتها، وإقبالها، جمع أهل حلب، وقال: هذه دولة جديدة، ومملكة شديدة، ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذهبكم، والرأى أن نقيم الخطبة قبل أن يأتى وقت لا ينفعنا فيه ذلك، فأجاب مشايخ البلد، ولبس المؤذنون السواد، وخطب لهما، فأخذت العامة حصر الجامع، وقالوا: هذه حصر على بن أبى طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلى عليها بالناس، وأرسل الخليفة: إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبى، والله أعلم. ذكر استيلاء السلطان على حلب وفي سنة ثلاث وستين أيضا سار السلطان إلى حلب، وجعل طريقه على ديار بكر، فخرج إليه صاحبها نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار، وحمل إليه إقامة بلغ السلطان أنه بسطها على البلاد فأمر بردّها، ووصل إلى آمد، فرآها ثغرا منيعا، فتبرك به، وجعل يمر بيده على السور، ويمسح بها صدره، وصار إلى الرّها، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، فسار إلى حلب، فسأل صاحبها محمود نقيب

стр. 10170

النقباء رسول الخليفة أن يخرج إليه، ويعلمه أنه لبس بخلع الخليفة واستعفاه من الحضور، فقال: لا بد من حضوره، وأن يبطل الأذان بحى على خير العمل، فامتنع محمود، واشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وزحف السلطان يوما، فوقع حجر منجنيق [على] «١» فرسه، فلما عظم الأمر على محمود صاحب حلب خرج ليلا هو وأمه، ودخلا على السلطان، وقالت له: هذا ولدى تفعل به ما تحب، فتلقاهما بالجميل، رأحسن إلى محمود، وخلع عليه، وأعاده. ذكر خروج ملك الروم الى خلاط وأسره ولما عاد السلطان من حلب وصل إلى مدينة «خوىّ» من أذربيجان، فبلغه خروج أرمانوس ملك الروم في مئتين ألوف من الروم، والفرنج والعرب المتغره «٢» ، والكرج، والروس، وغيرهم من طوائف تلك البلاد، وأنه وصل إلى بلاد «خلاط» ، فلم يتمكن السلطان من جمع العساكر لبعدها، وقرب العدو، فسيّر أثقاله مع نظام الملك إلى همذان، وسار هو، فيمن معه من العسكر، وهم خمسة عشر ألف فارس «٣» ، وجد في السير، وجعل له مقدمة، فالتقت بمقدمة العدو، وهم عشرة آلاف فارس من الروس، فقاتلوهم، فانهزم الروس، وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان، فجدع أنفه، وأرسل إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فأجاب: لا هدنة إلا «بالرى» ،

стр. 10171

فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ركب السلطان، وقال لأصحابه: من أراد الانصراف، فالينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وبكى، وأبكى، ورمى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت، فهذا كفنى، وذلك لخمس بقين من ذى القعدة سنة ثلاث وستين، وزحف إلى الروم، وزحفوا له، فلما قاربهم ترجّل، وعقر وجهه في التراب، وبكى، وأكثر من الدعاء، ثم ركب وحمل، فأعطى الله النصر للمسلمين، فقتلوا من العدو ما لا يحصى كثرة، وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهراتين، ولم يعرفه، وأراد قتله، فقال له خدم معه: هذا الملك لا تقتله، وكان هذا الغلام قد عرض على عضد الدولة، فلم يجز عرضه استحقارا له، فشكره كوهراتين، فقال نظام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيرا، فكان كذلك، فلما أسره الغلام أحضره إلى مولاه كوهراتين، فأحضره إلى السلطان، فضربه السلطان ثلاث ضربات بالمقرعة، وقال: ألم أرسل إليك في الهدنة، فأبيت، فقال: دعنى من التوبيخ، وافعل ما تريد، فقال السلطان: ما عزمت أن نغفل بى إن أسرتنى؟ فقال: كنت أفعل كل قبيح، قال: فما تظن أنى أفعل معك؟ فقال: إما أن تقتلنى، وإما أن تشهرنى في البلاد، والأخرى بعيدة، وهى العفو، وقبول الأموال، واصطناعى باتباعك، وقال: ما عزمت على غير هذا، ففدى نفسه بألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وقطيعة في كل سنة ثلاثمائة ألف وستين ألف

стр. 10172

دينار، وإطلاق كل أسير في بلاد الروم من «١» المسلمين، وأن ينفذ إليه عساكر الروم متى طلبها، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله السلطان في خيمة، وأطلق له جماعة من أسر من البطارقة، وخلع عليه من الغد، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، وقام ملك الروم إلى جهة الخليفة، وكشف رأسه، وأومأ إلى الأرض بالخدمة، ثم جهز السلطان معه عسكرا يوصله إلى مأمنه، وشيّعه فرسخا، وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة، وملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوفنه «٢» ، بلغه الخبر، فلبس الصوف، وأظهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر بينه وبين السلطان، فأجاب ميخائيل بإيثار ما استقر، وجمع أرمانوس ما عنده من المال، فكان مائة ألف دينار «٣» ، وطبق عليه جواهر بتسعين ألف دينار، فحمل ذلك إلى السلطان، وحلف أنه لا يقدر على غيره، ومضى أرمانوس بمن معه إلى بلاد الأرمن، فملكها، وقتل ملكها، وأرسل رأسه إلى بغداد، ودعا للسلطان بها.

стр. 10173

ذكر ملك أتسز بيت المقدس «١» والرملة ودمشق وفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة قصد [أتسز بن أوق] «٢» الخوارزمى، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، فجمع الأتراك، وسار إلى فلسطين، ففتح الرملة، وسار منها إلى بيت المقدس «٣» ، وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما «٤» من البلاد ما عدا عسقلان، وقصد دمشق، فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خرّبها، وقطع الميرة عنها، ولم يقدر عليها، ثم فتحها في سنة ثمان وستين وأربعمائة في سلطنة ملكشاه في خلافة المقتدى، وذلك أنه جعل يغير عليها في كل سنة، ويقصد أعمالها عند إدراك المغل «٥» ، فيقوى هو وعسكره، ويضعف أهل دمشق وجندها، ثم حصر دمشق في شهر رمضان سنة سبع وستين، وأميرها يوم ذاك المعلّى بن حيدره من قبل المستنصر صاحب مصر، فعجز عن فتحها، فانصرف عنها في شوال، واتفق أن أميرها المعلى أساء المسيرة مع الجند والرعية، فثار به العسكر، فهرب إلى «بانياس» ، ثم منها إلى «صور» ، ثم سار إلى مصر، فحبس بها حتى مات، ولما هرب من دمشق اجتمعت

стр. 10174

المصامدة، وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودى المعروف: بزوين «١» الدولة، واتفق وقوع غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضا، ووقع الخلف بين المصامدة، وبين أحداث البلد، فعاد أتز «٢» إلى دمشق، ونازلها في شعبان سنة ثمان وستين، وحصرها حتى عدمت الأقوات، فتسلمها عند ذلك بالأمان، ودخلها بعسكره في ذى القعدة، وخطب بها للمقتدى لخمس بقين من الشهر، وعوض عنها انتصار بقلعة بانياس، ومديتة «يافا» من الساحل. ذكر تزويج ولى العهد بابنة السلطان وفي سنة أربع وستين وأربع مائة، أرسل الخليفة القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير إلى السلطان بالخلع له، ولولده ملكشاه، وأمره أن يخطب سفرى خاتون ابنة السلطان لولى العهد المقتدى بأمر الله، ففعل ذلك، فأجيب إليه، وعقد النكاح بظاهر نيسابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح، ونظام الملك الوكيل من قبل السلطان وكان النثار من الجوهر. ذكر ملك السلطان قلعة فضلون وفي هذه الستة سير السلطان الوزير نظام الملك في عسكر إلى بلاد فارس، وكان بها حصن من أمتع حصونها، وفيه صاحبه فضلون، وهو لا يعطى الطاعة، فنازله، وحاصره، فامتنع، وقاتل، فلم تطل

стр. 10175

المدة حتى نادى أهل الحصن بطلب الأمان بغير سبب ظاهر ولا قتال، وظهر أن «١» سبب ذلك أن جميع آبار الحصن غارت مياهها في ليلة واحدة، فأمنهم نظام الملك، وتسلّم الحصن، وهرب فضلون إلى القلعة، ثم قبض عليه «٢» وجيء به إلى السلطان، فأحسن إليه، وأمته، وأطلقه. ذكر مقتل السلطان عضد الدولة ألب أرسلان، وشىء من سيرته وفي سنة خمس وستين وأربعمائة قصد السلطان ما وراء النهر، فعقد جسرا على جيحون، وعبر عليه في نيف وعشرين يوما، وكان عسكره يزيد على مائتى ألف فارس، وكان ببعض القلاع رجل خوارزمى اسمه يوسف قد عصى، وتحصّن بالقلعة، فبعث إليه السلطان جماعة، فحاصروه، وأخذوه، وأتوا به إلى السلطان، فأمر أن تضرب له أربعة أوتاد، وتشدّ أطرافه إليها، فقال يوسف: يا مخنّث، مثلى يقتل هذه القتلة؟ فغضب لذلك، وأخذ القوس والنشاب، ورماه ثلاث مرّات، وهو يخطىء، وكان لا يخطىء في رميه، فوثب يوسف، وضربه بسكين في خاصرته، وأدركه الجند، فقتلوه، وسدّ جرح السلطان، وعاد إلى جيحون وقال: ما من وجه قصدته، وعدوّ أردته إلا استعنت «٣» بالله عليه، فلما كان بالأمس صعدت

стр. 10176

على تل؛ فارتجت الأرض تحتى من عظم الجيش، فقلت في نفسى: أنا ملك الدنيا، وما يقدر أحد على، فعجزّنى الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله، وأستقيله من هذا الخطأ، وأحضر الوزير نظام الملك، والجند، وأوصاهم بولده ملكشاه، واستحلفهم له. وتوفى في عاشر شهر ربيع الأول، وحمل إلى «مرو» ، فدفن بها عند أبيه، وكان مولده في سنة أربع وعشرين، فكان عمره أربعين سنة وشهورا، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة تسع سنين، وستة أشهر، وأياما. وكان كريما عادلا عاقلا لا يسمع السعايات، وكان رحيم القلب، رفيقا بالفقراء، كثير الصدقة، تصدّق في شهر رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه أسماء خلق من الفقراء في جميع مملكته عليهم الإدرارات، والصلات، ولم يسمع عنه بمصادرة بل قنع بالخراج والغنائم، قيل: إن بعض السعاة كتب إليه سعاية في نظام الملك الوزير، وذكر ما له من الرسوم والأموال، وترك الرقعة على مصلاه، فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك، وقال له: إن كانوا صدقوا في الذى ذكروا، فحسن أخلاقك، وإن كانوا كذبوا فاغفر لهم زلتهم، وأشغلهم بمهمّ يشتغلون به عن السعاية بالناس، وناهيك بهذه مكرمة. «١» وكان له من الأولاد: ملكشاه، وتكش، وإيار، وتتش،

стр. 10177

وأرسلان «١» أرغو، وتوزى «٢» برش، وساده، وعائشه، وبنت أخرى. وزيره: نظام الملك. ولما وصل الخبر إلى بغداد بموته حبس الوزير فخر الدولة بن [جهير] «٣» للعزاء في صحن دار السلام، وملك بعده ابنه. ذكر أخبار السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن جغرى بك داود بن ميكائيل بن سلجق وهو الثالث من ملوك الدولة السلجقية. ملك بعد وفاة أبيه في عاشر ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة، وكان والده قد حلّف له العساكر كما قدمناه، وكان ملكشاه قد صحب والده في هذه السّفرة، ولم يصحبه في سفرة غيرها، فأوصاه والده أن يعطى عمه قاورد «٤» بك بن داود أعمال فارس، وكرمان، وشيثا عيّنه من المال، وأن يزوج زوجته، وكان قاورد بك بكرمان، وأوصى بأن يعطى ابنه إياز ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف دينار، وقال: من لم يرض بما أوصيت له

стр. 10178

به، فقاتلوه، واستعينوا على حربه بما جعلت له، وعاد ملكشاه من بلاد ما وراء النهر، وقد تولّى تدبير دولته الوزير نظام الملك وزير أبيه، فعبر النهر في ثلاثة أيام، وزاد الأجناد سبعمائة ألف دينار، وعاد إلى خراسان، وقصد نيسابور، ومنها إلى الرى، وكتب إلى ملوك الأطراف بإقامة الخطبة له، فخطب له. والله أعلم. ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وبين عمه قاورد بك قال: ولما بلغ قاورد بك وفاة أخيه، وكان بكرمان قصد الرى ليستولى على المملكة، فسبقه إليها ملكشاه ونظام الملك، وسارا منها، فالتقوا بالقرب من همذان في رابع شعبان، واقتتلوا، فانهزم قاورد بك وعسكره، ثم أسر، وجيىء به إلى السلطان، فأمر بخنقه، وأقرّ كرمان بيد أولاده، وسيّر لهم الخلع، فملك سلطان شاه بن قاورد بك كرمان «١» ، وفوض السلطان جميع أمور دولته إلى نظام الملك الوزير، ولقبه ألقابا من جملتها: أتابك، ومعناه: الأمير الوالد، وأقطعه إقطاعا وافرا زيادة على ما كان له، من جملته طوس، وأحسن السيرة، وظهر من عدله ما لا مزيد عليه، وفي سنة ست وستين وأربعمائة. فى ثالث صفر. ورد كوهراتين «٢» إلى بغداد من قبل السلطان ملكشاه، فجلس الخليفة القائم بأمر الله له مجلسا عاما، وسلم إليه عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة واللواء، وعقده الخليفة بيده، وفيها

стр. 10179

استعاد السلطان ترمذ من خاقان تكين «١» وكان قد غلب عليها لما مات ألب أرسلان، فلما استقامت الأمور لملكشاه حصرها، واستعادها، وأخذ منها «٢» أخ الخاقان، فأكرمه، وأطلقه، وقصد سمرقند، ففارقها صاحبها، فأرسل يطلب المصالحة، واعتذر من تعرضه إلى ترمذ، فوقع الصلح بينهما، وعاد السلطان، وأقطعه بلخ، وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكش. ذكر استيلاء تكش على بعض خراسان وفي شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة سار ملكشاه إلى الرى، وعرض العسكر، وأسقط منهم سبعة آلاف رجل، فقال له الوزير نظام الملك: هؤلاء الجند لم يكن منهم كاتب، ولا تاجر، ولا خياط وليس لهم صنعة غير الجندية، ولا نأمن أن يقدموا منهم رجلا، ويقولوا هذا السلطان، فيكون لنا منهم شغل، ويخرج عن أيدينا أضعاف ما لهم من الجارى إلى أن تظفر بهم، فلم يقبل السلطان نصحه، وقطعهم، فمضوا إلى أخيه تكش، فقوى بهم، وأظهر العصيان على أخيه، واستولى على مرو الروذ، ومرو الشاهجان، وترمذ، وغيرها، وسار إلى نيسابور طمعا في ملك خراسان، فسبقه السلطان إليها، فعاد تكش، وتحصن بترمذ، وأسر جماعة من أصحاب السلطان، فقصده السلطان، فأطلقهم، واستقر الصلح بينهما، ونزل تكش

стр. 10180

عن ترمذ، ثم عاد إلى العصيان في سنة سبع وسبعين، وأخذه السلطان وسمله. وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة مات للسلطان ملكشاه ولد اسمه داود، فجزع عليه جزعا شديدا، ومنع من دفنه حتى تغيرت رائحته، وأراد أن يقتل نفسه، فمنعه خواصه. ذكر قتل أبى المحاسن بن أبى الرضا «١» وفي سنة ست وسبعين «٢» وأربعمائة في شوال قتل سيد الرؤساء أبو المحاسن بن كمال الملك أبى الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قربا عظيما، وكان أبوه يكتب الطغراء، فقال أبو المحاسن للسلطان: سلم إلىّ نظام الملك وأصحابه، وأنا أحمل إليك منهم ألف ألف دينار، فإنهم يأكلون الأموال، ويقتطعونها «٣» ، وعظم عنده ذخائرهم، وأموالهم «٤» ، فبلغ ذلك نظام الملك، فعمل سماطا عظيما. وأقام عليه مماليكه، وهم ألوف من الأتراك، وأقام خيلهم، وجعل سلاحهم على جمالهم، فلما حضر السلطان، قال له: إنى قد خدمتك، وخدمت أباك وجدك، ولى حق خدمة، وقد بلغك أخذى لعشر أموالك، وقد صدق الناقل، هذا أنا آخذه وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، وإلى الصدقات، والصلات، والوقوف التى عظم ذكرها،

стр. 10181

وشكرها، وأجرها لك، وأموالى وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية، فأمر السلطان بالقبض على أبى المحاسن، وأن تسمل عيناه، وأنفذه إلى قلعة نساوة، «١» وسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بدار نظام الملك، فسلم، وبذل مائتى ألف دينار، وعزل عن الطغراء، ورتب مكانه مؤيد [الملك «٢» ] بن نظام الملك المقدم ذكره «٣» . ذكر ملك السلطان حلب وغيرها كان سبب ذلك أن سليمان بن قتلمش السلجقى صاحب الروم فتح أنطاكية، وكان بينه وبين شرف «٤» الدولة مسلم صاحب حلب وقعة قتل فيها شرف الدولة، ثم قتل سليمان، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك الروم السلجقية، فلما وقع ذلك كتب ابن الحبيبى «٥» مقدم حلب إلى السلطان ملكشاه يعلمه ذلك، ويستدعيه ليتسلمها خوفا من تتش صاحب دمشق، فسار من أصفهان في جمادى الآخرة سنة ست «٦» وسبعين وأربعمائة، وجعل طريقه على الموصل،

стр. 10182

فوصل إليها في شهر رجب، وسار منها إلى حرّان «١» ، فسلمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها السلطان محمد بن شرف الدولة، وسار إلى الرّها، وهى بيد الروم، فحصرها، وملكها وسار إلى قلعة جعبر، فحاصرها يوما وليلة، وملكها، وأخذ صاحبها جعبر، وهو شيخ أعمى، وولديه، وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطريق، ويلجئون إليها، ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب، فملك في طريقه مدينة منبج، فلما قارب حلب رحل عنها أخوه تتش، وكان قد ملك المدينة، وسلك البرية، ومعه الأمير أرتق، فأشار عليه بكبس عسكر السلطان، فامتنع، وقال لا أكسر جاه أخى الذى أنا مستظل بظله، فإنه يعود بالوهن علىّ، وسار إلى دمشق، ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة والقلعة بعد أن امتنع مالك «٢» بن سالم بها، ثم سلمها «٣» على أن يعوضه غيرها، فعوضه قلعة جعبر، فبقيت في يده، ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكى على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وأرسل الأمير نصر بن على بن منقذ «٤» الكنانى صاحب شيزر إلى السلطان، وبذل الطاعة، وسلم إليه اللاذقية، وكفر طاب، وأقاميه، فأجابه السلطان إلى المسالمة، وترك قصده، وأقر عليه شيزر، ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آق سنقر، وهو جد نور الدين الشهيد، وقبل تسلمها في سنة ثمانين.

стр. 10183

ذكر دخول ملكشاه بغداد كان دخوله إلى بغداد في ذى الحجه سنة سبع «١» وسبعين وأربعمائة بعد رجوعه من حلب، وهو أوّل دخوله إليها، ونزل بدار المملكة، وركب من الغد إلى الخليفة، ولعب بالأكرة، ومضى إلى الصيد هو ونظام الملك في البّرية، فاصطاد شيئا كثيرا من الوحوش والغزلان، وغير ذلك، وأمر ببناء منارة بقرون الغزلان، وحوافر الحمر الوحشية التى صادها. قال ابن خلكان في وفيات الأعيان «٢» : «والمنارة باقية إلى الآن، وتعرف بمنارة القرون» ، وعاد إلى بغداد، ودخل الخليفة المقتدى، فخلع عليه الخلع السلطانية، وفوض إليه أمر «٣» البلاد، والعباد، وأمره بالعدل، وطلب السلطان بأن يقبّل يد الخليفة، فلم يجبه، فسأل أن يقبل خاتمه، فأعطاه، فقبله، ووضعه على عينيه، وأمره الخليفة بالعود، فعاد، ولما خرج من عنده لم يزل الوزير نظام الملك قائما يقدم أميرا أميرا إلى الخليفة. وكلما قدم أمير يقول: هذا العبد فلان، وإقطاعه كذا وكذا، وعدة عسكره كذا، إلى أن أتى على آخر الأمراء، فخلع الخليفة على نظام الملك، ودخل نظام الملك إلى المدرسة النظامية، وسمع الناس عليه الحديث بالمدرسة، وأقام ببغداد إلى صفر سنة ثمانين وسار إلى أصفهان.

стр. 10184

وفي «١» سنة ثمانين وأربعمائة جعل السلطان ولى عهده ولده أبا شجاع، ولقبه ملك الملوك عضد الدولة تاج «٢» الملة عدة أمير المؤمنين، وأرسل إلى الخليفة أن يخطب له ببغداد، ويلقبه بهذه الألقاب، فخطب له في شعبان، ونثر الذهب على الخطباء. ذكر ملك ملكشاه ما وراء النهر وفي سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر، وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد بن خضرخان أخو شمس الملك الذى كان قبله، وهو ابن أخى تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه، وكان ظالما قبيح الصورة كثير المصادرات للرعية، فنفروا منه، واستغاثوا بالسلطان، فسار من أصفهان، وكان قد حضر إليه رسول صاحب الروم بالجزية المقرّرة عليه، فأخذه نظام الملك معه إلى ما وراء النهر، وحضر فتح البلاد، وإنما فعل ذلك ليؤرخ عنهم أن ملك الروم حمل الجزية من بلاده إلى كاشغر، وليرى عظم ملك السلطان، وكثرة جيوشه، وسعة ممالكه، فسار السلطان من أصفهان إلى خراسان، وجمع من العساكر ما لا يحصرها ديوان، وقطع النهر، ووصل بخارى، وملكها، وملك ما على طريقه إليها، وما جاورها، وقصد سمرقند، ونازلها، وحصرها، وملكها، واختفى أحمدخان صاحبها في بيت بعض العوامّ، فأخذ، وحمل إلى السلطان، وفي عنقه حبل، فأكرمه السلطان، وبعثه إلى أصفهان، ورتب

стр. 10185

بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم، وسار السلطان، وقصد كاشغر، فبلغ [بيوزكند] «١» وأرسل رسلا إلى ملك كاشغر، فأمره بأقامة الخطبة له، وضرب السكّة باسمه، وتوعّده إن خالف، فأجاب إلى ذلك، وفعله، وحضر إلى السلطان، فأكرمه، وتابع الإنعام عليه، وأعاده إلى بلده، وعاد السلطان إلى خراسان. ذكر عصيان سمرقند وفتحها قال: ولما أبعد السلطان عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها المعروفون بالجكلية مع العميد أبى طاهر نائب السلطان عندهم، فاحتال حتى خرج من عندهم، ومضى إلى خوارزم، وكاتب مقدم الجكلية، واسمه عز «٢» الدولة يعقوب تكين، وهو أخو ملك كاشغر يستدعيه، فحضر عنده بسمرقند، واتفقا، ثم إن يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه، فوضع عليه من الرعيّة من ادّعى عليه بدماء قوم كان قتلهم، فقتله يعقوب، واتصلت الأخبار بالسلطان، فعاد إلى سمرقند، فلما وصل إلى بخارى هرب يعقوب المستولى على سمرقند ومضى إلى قرغانة، ولحق بولايته، فملك السلطان سمرقند «٣» ورتب بها الأمير أتسز «٤» ، وسار في أثر يعقوب حتى نزل بيوزكند

стр. 10186

وأرسل العساكر إلى ملك كاشغر يطلبه منه، وأنه إذا لم يرسله قصد بلاده، واتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه، ونهبوا خزائنه، فاضطر إلى أن هرب إلى أخيه بكاشغر، واستجار به، وكان بينهما عداوة مستحكمة، فكاتبه السلطان في إرساله، وإنه إن لم يفعل كان هو العدو، فقبض عليه، وسيّره مع ولده، وجماعة من أصحابه، وأمرهم أنهم إذا صاروا بالقرب من السلطان سملوه، فإن رضى السلطان بذلك، وإلا سلّموه إليه، فلما قصدوا سمله وأحموا الميل، جاءهم الخبر أن طغرل بن ينال كبس ملك كاشغر وأسره، فأخروا يعقوب، وأطلقوه، ثم انفق هو والسلطان، وجعله السلطان يقابل طغرل، وعاد السلطان إلى خراسان. ذكر وصول السلطان الى بغداد وفي شهر رمضان سنة أربع وثمانين وأربعمائة وصل السلطان إلى بغداد، وهى المرة الثانية، ونزل بدار المملكة، ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وقسيم الدولة «آق سنقر» صاحب حلب وغيرهما من عمال الأطراف، وأمر السلطان بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان، وابتدىء بعمارته في المحرم سنة خمس وثمانين.

стр. 10187

ذكر ملك السلطان اليمن قال: ولما وصل السلطان إلى بغداد كان ممن حضر معه «١» جبق أمير التركمان، وكان صاحب قرميسين، وغيرها، فأمره السلطان أن يسير بجماعة من أمراء التركمان إلى الحجاز، واليمن، ويكون أمرهم «٢» إلى سعد الدولة كوهراتين ليفتحوا البلاد، فاستعمل سعد الدولة أميرا اسمه ترشك، فساروا واستولوا على اليمن، وملكوا عدن، وأساءوا السيرة في أهلها، فظهر على ترشك الجدرى، فتوفى فى سابع يوم وصوله إليها، فعاد أصحابه إلى بغداد. ذكر مقتل الوزير نظام الملك وفي ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الوزير خواجا بزرك قوام الدين نظام الملك أبو على الحسن بن على بن إسحاق بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان ملكشاه قد عادا من أصفهان إلى بغداد، فلما كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره، وقام من خيمته إلى خيمة حرمه، أتاه صبى ديلمى من الباطنية في صورة مستميح، أو مستغيث، فوثب عليه، وضربه بسكين، فمات، وهرب الصبى، فعثر في أطناب الخيمة، فأدركوه وقتلوه، ولما قتل ركب السلطان إلى خيمته، وسكن عسكره وأصحابه،

стр. 10188

وقيل في سبب موته «١» أنه كان «٢» قد ولى عثمان بن ابنه «٣» جمال الملك رئاسة مرو، فأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه، وأعظم أمرائه يقال له: قودن، فجرى بينه، وبين عثمان منازعة، فحملت عثمان حدة الشبيبة على قبضه، والإخراق به، ثم أطلقه، فجاء إلى السلطان مستغيثا، وأخبره بما صنع به عثمان، فغضب السلطان، وأرسل إلى جده الوزير نظام الملك يقول: «إن كنت شريكى في الملك، ويدك مع يدى في السلطنة فلذلك حكم، وإن كنت نائبى، فيجب أن نلتزم حد البيعة، «٤» والنيابة. هؤلاء أولادك قد استولى كل منهم على كورة عظيمة، وولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة إلى أن فعلوا كيت وكيت ... » ، وأطال القول، وأرسل إليه بهذه الرسالة تاج الملك، ومجد الملك الباسلانى وغيرهما، من أرباب دولته، وأرسل معهم الأمير «باليرد «٥» » ، وكان من ثقاته، وقال له: تعرفنى ما يقول، فربما كتم هؤلاء شيئا، فحضروا عند الوزير، وأدوا الرسالة، فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما عمت أنى شريكك في الملك فاعلم، فإنك «٦» ما نلت هذا الأمر إلا بيدى، ورأيى، أما يذكر حين قتل أبوه، فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه

стр. 10189

من أهله وغيرهم، وهو في ذلك الوقت يتمسك بى ويلازمنى، ولا يخالفنى، فلما رددت الأمور إليه، وجمعت الكلمة عليه، وجمعت له الأمصار القريبة والبعيدة سمع فيّ السعايات. قولوا له: «إن ثبات هذه القلنسوة [معذوق «١» ] بهذه الدواة، وأن انفاقهما رباط كل رعية، وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك» . فى كلام كثير قاله، فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان، ومضى كل منهم إلى خيمته وجاء باليرد «٢» إلى السلطان، فأخبره بما قاله الوزير على غرة، وجاء الجماعة بكرة النهار إلى السلطان، فأخبروه عنه بالعبودية، فقال لهم: إنه قال: كيت وكيت، فأشاروا عند ذلك بكتمانه رعاية لحق نظام الملك، ولعظم شأنه، فإن مماليكه كانوا قد أنافوا على عشرين ألفا غير الجند والأتباع، فوقع التدبير عليه حتى قتل، وظن السلطان أن الدنيا قد صغت له بعد ذلك، فما عاش بعده إلا خمسة وثلاثين يوما. ذكر ابتداء حال نظام الملك وشىء من سيرته وأخباره كان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس، فزال ما كان لأبيه من مال وملك، وتوفّيت والدة نظام الملك، وهو يرضع، فكان أبوه يطوف به على المراضع يرضعنه حسبة حتى شبّ، وقرأ، وتعلم العربية، وتفقه، وصار من الفضلاء، وسمع الحديث الكثير، وكان يطوق

стр. 10190

بلاد خراسان، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصوفين، ثم لزم أبا على بن شادان متولّى الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان، فحسنت حاله معه، وظهرت كفايته، وأمانته، وصار معروفا عندهم بذلك، فلما حضرت أبا على الوفاة أوصى ألب أرسلان به، فولاه شغله، ثم صار وزيرا له إلى أن ولى السلطنة، وتنقّل في الوزارة، فكانت وزارته ثلاثين سنة. هذا أحد ما قيل في ابتداء أمره. وأما سيرته: فإنه كان عالما أديبا جوادا كثير الحلم والصفح عن المذنبين، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء، والفقراء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح. أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأسقط. المكوس والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من على المنابر، فإن الوزير عميد الملك الكندرى كان قد حسّن للسلطان لعن الرافضة، وأضاف إليهم الأشعرية، وكان نظام الملك رحمه الله تعالى إذا سمع المؤذن أمسك عما هو فيه، ويجيبه، فإذا فرغ من الأذان لا يبدأ بشىء قبل الصلاة، وله من حسن الآثار ما هو موجود باق إلى وقتتا هذا رحمه الله تعالى. ذكر وفاة السلطان ملكشاه وشىء من سيرته كانت وفاته ببغداد في يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وذلك أنه لما قتل الوزير نظام الملك كما قدمناه، سار السلطان إلى بغداد، فدخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة، وخرج في أوائل شوال إلى ناحية دجيل للصيد، فاصطاد
следующие страницы →