← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع وثلاثين وستمائة- خلاف ما قدّمناه فى هذه السنة- فى شهر ربيع الأول- أخرج الملك الكامل من مدفنه بقلعة دمشق، إلى تربته شمالىّ حائط الجامع الأموى، وفتح فى الحائط ثلاث شبابيك الى الجامع: أحدها باب يتوصّل منه إلى الجامع. وفيها فوّض السلطان الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- الخطابة بالجامع الأموى لشيخ الإسلام: عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام- وذلك فى شهر ربيع الآخر. وفيها أمر الملك الصالح- المذكور- الخطباء بدمشق والشام، بالخطبة لصاحب الروم. وفيها فوّض الصالح- أيضا- قضاء الشام للقاضى: رفيع الدين أبى حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد، بن إسماعيل بن عبد الهادى بن عبد الله الجيلى «١» الشافعى- وكان قبل ذلك قاضى بعلبك. وظهر منه من سوء السّيرة والعسف والظلم، ومصادرات أرباب الأموال، ما لا يصدر مثله من ظلمة الولاة. وكانت عاقبة ذلك ما نذكره- إن شاء الله تعالى- من قتله. وفيها، فى ليلة الثلاثاء خامس عشر ذى القعدة، سقط كوكب عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديرا على هيئة ومقدار، فأضاءت منه

стр. 11447

الدنيا، وصارت الأرض أشدّ نورا من ليلة التّمام. وشاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان بظاهر القاهرة، عابرا من جهة باب النّصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورة قدر رمحين. واعتقبه رعد شديد، وتقطّع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النّظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الانسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة- هكذا قدّره من شاهده- على ما نقل إلينا. وفيها فى شعبان- كانت وفاة قاضى القضاء، شمس الدين أحمد، ابن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الخويّى «١» الشافعى، بالمدرسة العادلية، بدمشق، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان- رحمه الله تعالى- حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف، عالما فاضلا فى علوم متعددة، عفيفا متواضعا- رحمه الله تعالى. وكان وروده إلى دمشق، فى أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وحكى أنه لما ورد إلى دمشق، كان مع فضيلته وعلومه يلعب بالقانون، ويغنّى عليه، وقد أتقن صناعته. فأنهى إلى الملك المعظم أمره، فاستحضره إلى مجلس أنسه، ولعب بين يديه بالقانون، وغنّى عليه، ونادمه فأعجبه. وأمره بملازمته فى أوقات خلواته ومجالس شرابه. هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم.

стр. 11448

وأما سبب ولايته القضاء بدمشق، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضى جمال الدين المصرى- قاضى قضاة دمشق- أنه يتعاطى الشراب. فأراد تحقيق ذلك عيانا، فاستدعاه، وهو فى مجلس الشراب، فحضر إليه. فلما رآه قام إليه، وناوله هنّابا «١» مملوءا خمرا. فولى القاضى جمال الدين المصرى ورجع، فغاب هنيهة، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء: الطّرحة «٢» والبقيار «٣» والفوقانيّة «٤» ، ولبس قباء «٥» ، وتعمّم بتخفيفه وحمل منديلا. ودخل على الملك المعظم فى زى النّدماء. وقبّل الأرض، وتناول الهنّاب من يده وشرب ما فيه. ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه. واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطى ذلك، وهو فى زىّ القضاة. فاغتبط الملك المعظم به.

стр. 11449

ولما انقضى مجلس الشراب، ورجع المعظم إلى حسّه، علم أنه لا يجوز له أن يقرّه على ولاية القضاء- وقد شاهد من أمره ما شاهد. ففوّض القضاء للقاضى شمس الدين الخويّى، وخلع عليه. وجلس للحكم بين الناس، وأحسن السّيرة. وانقطع عن مجلس الملك المعظم وحضوره، إلا فى أوقات المواكب، على عادة القضاة. واستمر على ذلك مدة. ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته، وسماع قانونه. فاستدعاه وتحدث معه، واستوحش منه. ثم كلمه فى الحضور إلى مجلس الأنس معه، فى بعض الأوقات، وأنه لا يخليه منه جملة، وتلطف به فى ذلك. فأجابه عن ذلك، بأن قال: إذا أمر السلطان- أعزّه الله بهذا- امتثلت أمره، وفعلت. ولكن يكون هذا بعد عزلى عن منصب القضاء والحكم بين الناس، وتولية قاض غيرى. فإننى لا أجمع بين منصب القضاء وما يضادّه أبدا، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين، ويتعلق ذلك بذمة السلطان. فإن أحبّ السلطان ذلك، فليولّ قاض غيرى. فأعجب الملك المعظم ذلك منه، وسرّبه، وقال: بل نرجّح مصلحة المسلمين على غرضنا. واستقر على القضاء. وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه فى دينه ولا يغضّ من منصبه- رحمه الله تعالى. واستهلّت سنة ثمان وثلاثين وستمائة: فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر، رتّب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار العدل. وجعل افتخار الدين ياقوت الجمالى نائبا عنه بها. ونصب معه شاهدان من العدول، وجماعة من الفقهاء، منهم:

стр. 11450

الشريف شمس الدين الأرموى «١» نقيب الأشراف، والقاضى فخر الدين بن السّكّرى، والفقيه عز الدين. فصار الناس يأتون إليها، ويتظلمون وتكشف ظلاماتهم. وإنما فعل السلطان ذلك، لأنه كان غليظ الحجاب، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس. وفيها، فى رابع المحرم، حصل الشروع فى بناء القنطرة على الخليج الحاكمى- وهى المعروفة فى وقتنا هذا بقنطرة السّدّ. وفيها فى تاسع شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتجهيز زرد خاناه «٢» وشوانى «٣» وحراريق «٤» إلى القلزم «٥» لقصد اليمن. وجرّد جماعة من الأمراء والجند بسبب ذلك، فى سادس عشر الشهر. ثم عاد العسكر فى خامس شهر رمضان، بسبب حادثة الأشرفية التى نذكرها. لأنهم بلغهم أن الأشرفية ومن شايعهم عزموا على نهب العسكر المذكور- وكان ببركة الجبّ. وبطل التّجريد «٦» إلى اليمن.

стр. 11451

ثم توجه من جملة العسكر ثلاثمائة إلى مكة، فى أواخر شهر رمضان. فدخلوا مكة سلما «١» ، فى ذى القعدة، وهرب من كان بها من العسكر اليمنى. وفى شهر ربيع الأول من السنة، قبض السلطان على الأمير عز الدين أيبك الأسمر، والخدام الذين وافقوه على القبض على أخيه الملك العادل، وهم: جوهر النّوبى، وشمس الخواص سرور، وكافور الفايزى، وعلى جماعة من الأتراك والحلقة «٢» ، ونفى جماعة من الأتراك، وسيّرهم مخشّبين فى المراكب نحو الصعيد وبلاد المغرب، وأخذ أموالهم وقتل بعضهم. وانهزم بعض الأشرفية، واختفى بعضهم. وأمّر السلطان مماليكه، وأعطاهم الإقطاعات. وفيها فى يوم السبت- تاسع شهر ربيع الآخر- وقيل فى خامس عشرة- ولد للسلطان الملك الصالح ولد ذكر، من سرّيّته: شجر الدّرّ، وسمّاه خليلا. ثم مات بعد مدة يسيرة. وفيها، فى تاسع شهر ربيع الأول، صرف الأمير سيف الدين بن عدلان، عن ولاية الصناعة بمصر. ووليها أسد الدين، بن الأمير شجاع الدين جلدك.

стр. 11452

وفيها، فى سابع عشرين شهر ربيع الآخر، نقل الأمير بدر الدين باخل من ولاية مصر إلى ولاية ثغر الإسكندرية. وفيها، فى سابع شهر ربيع الآخر، صرف عن شدّ «١» الدواوين علم الدين كرجى، وولّى الأمير حسام الدين لؤلؤ. وفى يوم الاثنين خامس شعبان، أمر السلطان بالشروع فى عمارة قلعة البحر، التى بالروضة. فابتدىء فى حفر أساسها فى هذا اليوم، وبنى فيها فى آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة، سادس عشر الشهر. وهدمت الدّور التى كانت بالجزيرة وتحوّل الناس إلى مصر. ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، منها لقصد الديار المصرية، وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك، وعوده إلى دمشق قال المؤرخ: لما اتصل بالملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- ما وقع بمصر من الفتن، والقبض على الأمراء الأشرفية والخدّام وغيرهم، عزم على قصد الديار المصرية، وأطمعته آماله فى الإستيلاء عليها. فتجهز بعساكره، ومعه الملك المنصور صاحب حمص، ونجدة من حلب، وقصد الديار المصرية.

стр. 11453

فبلغه أن الملك الناصر صاحب الكرك على حسبان «١» من بلد البلقاء، فقصده بمن معه. والتقوا واقتتلوا، فانكسر صاحب الكرك. واستولى الصالح إسماعيل على أثقاله، وأسر جماعة من أصحابه. ثم رحل ونزل على نهر العوجا «٢» ، وطلب الملك الجواد- وكان عند الفرنج- فحضر إليه. واستنصر بالفرنج، فكتب الجواد إليهم يحذرهم منه. فوقع كتابه للصالح، فقبض عليه واعتقله- كما ذكرنا- وعاد إلى دمشق، وتفرقت العساكر التى كان قد جمعها. ذكر تسليم صفد وغيرها للفرنج وما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام- بسبب ذلك- وما اتفق له مع الملك الصالح وفى هذه السنة، خاف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على نفسه من الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكاتب الفرنج واستنصر بهم، واتفق معهم على معاضدته. وأعطاهم قلعة صفد وبلادها، وقلعة الشّقيف «٣» وبلادها، ومناصفة صيدا، وطبوية وأعمالها، وجبل عامله، وجميع بلاد الساحل. ومكّنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح.

стр. 11454

فشقّ ذلك على المسلمين. واستفتى المتديّنون، ممن يبيع السلاح، الشّيخ عزّ الدين: عبد العزيز بن عبد السلام، فى مبايعة الفرنج السلاح. فأفتاهم أنه يحرم عليهم بيعه للفرنج. وتوقّف عن الدعاء للملك الصالح إسماعيل على منبر الجامع بدمشق، وجدّد دعاء يدعو به على المنبر، بعد الخطبة الثانية قبل نزوله، وهو: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا، يعزّ فيه وليّك ويذلّ فيه عدوّك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك» . والناس يصيحون بالتّامين، والدعاء للمسلمين. فكوتب الصالح إسماعيل بذلك، فورد كتابه بعزله واعتقاله. واعتقل الشيخ أبو عمرو بن الحاجب أيضا، لموافقته الشيخ على الإنكار. ثم وصل الصالح بعد ذلك إلى دمشق، فأفرج عنهما، واشترط على الشيخ عز الدين أنه لا يفتى، ويلزم بيته، ولا يجتمع بأحد. فسأله الشيخ أن يفسح له فى صلاة الجمعة، والاجتماع بطبيب أو مزيّن، إن دعت حاجته إليهما، وفى دخول الحمّام، فأذن له فى ذلك. ثم انتزح الشيخان: عز الدين وأبو عمرو، عن دمشق إلى الديار المصرية- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وفيها كانت الوقعة بين عسكر حلب والخوارزميّة «١» . وكان الملك الجواد والملك المنصور- صاحب حمص- مع الخوارزميّة. فقصدوا حلبا، ونزلوا على باب بزاعة «٢» فى خمسة آلاف فارس. وخرج إليهم عسكر حلب

стр. 11455

فى ألف وخمسمائة، فكسروهم، وأسروا من أمرائهم ونهبوا من أثقالهم. فتوجه الخوارزمية حيلان «١» وقطعوا الماء عن حلب، وضايقوهم. ثم عادوا إلى منبج «٢» ، فنهبوها، وقتلوا أهلها وفضحوا النساء، ثم عادوا الى حرّان «٣» . وكان الملك المنصور إبراهيم- صاحب حمص- قد نزل على شيزر «٤» ، فاستدعاه الحلبيون، فجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها- ومعه عسكر حمص. وفيها سلّم الملك الحافظ قلعة جعبر «٥» إلى صاحب حلب، وعوضه عنها أعزاز. وكان سبب ذلك أنه حصل له فالج، فتوجه ولده إلى الخوارزميّة يستنجدهم على أبيه، وطلب منهم عسكرا لمحاصرته، فخشى من ذلك، فسلّمها لصاحب حلب. وفيها تسلم عسكر صاحب الروم آمد، بعد حصار شديد. ويقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار.

стр. 11456

وفيها، فى ليلة الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، توفى الشيخ محيى الدين: أبو عبد الله محمد بن على بن محمد، المغربى الحاتمى الطائى، المعروف بابن العربى، وهو من أهل الأندلس. ومولده فى ليلة الاثنين، سابع عشر شهر رمضان، سنة ستين وخمسمائة، بمرسية من بلاد الأندلس. ونشأبها، وانتقل إلى إشبيليّة «١» ، فى سنة ثمان وتسعين. ثم رحل إلى بلاد الشرق، ودخل بلاد الروم. وطاف البلاد وحج. وصحب الصوفية. وصنف كتبا كثيرة فى علوم القوم. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون. واستهلّت سنة تسع وثلاثين وستمائة: وفى هذه السنة، حصل الشروع فى عمارة المدرستين الصّالحيّتين، بالقاهرة المعزّيّة، بين القصرين- والمكان التى عمرتا فيه من جملة القصر. وكان الشروع فى الهدم والإنشاء فى ذى الحجة. ولما كملتا، أوقفهما على طوائف الفقهاء: الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، وأوقف عليهم الأوقاف. ويقال انه لما فرغ من عمارتها ندم، لكونه لم يبن مكانهما جامعا، ويرتّب فيه الدروس التى رتبها فيهما.

стр. 11457

ذكر صرف قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وتفويض ذلك لقاضى القضاة بدر الدين السّنجارى وفى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر، من هذه السنة، كتب السلطان الملك الصالح إلى قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة كتابا، من جملته: أن القاهرة المحروسة لما كانت دار المملكة، وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بها، وحاكمها مختص بحضور دار العدل- تقدّمنا أن يتوفّر القاضى على القاهرة وعملها، لا غير. وفوّض السلطان قضاء القضاة، بمصر والوجه القبلى، للقاضى بدر الدين أبى المحاسن: يوسف السّنجارى قاضى سنجار. ثم مرض القاضى شرف الدين المذكور، إثر ذلك، ومات فى هذه السنة. ذكر وفاة قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، وشىء من أخباره وفى ليلة الخميس، التاسع عشر من ذى القعدة، سنة تسع وثلاثين وستمائة- كانت وفاة قاضى القضاة شرف الدين أبو المكارم: محمد بن عبد الله ابن الحسن بن على، بن عين الدولة: أبى القاسم صدقة بن حفص الصّفراوى الإسكندرانى. وكان قد ولى القضاء فى أيام السلطان الملك العادل: سيف الدين- جدّ السلطان- كما تقدّم، واستمّر بعده.

стр. 11458

ولما مات- ﵀ صلّى عليه بمصلّى بنى أميّة، وشهد جنازته خلق كثير، ودفن بعد صلاة الظهر بالقرافة، وأمّ الناس عليه ولده محيى الدين: أبو الصلاح عبد الله. ومولده- رحمه الله تعالى- بثغر الإسكندرية فى يوم السبت، مستهلّ جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وكانت مدة عمره ثمانيا وثمانين سنة، وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما. ومدة ولاية القضاء- استقلالا- ستا وعشرين سنة، وتسعة أشهر، وسبعة عشر يوما. وناب عن القضاء قبل ذلك ثمانيا وعشرين سنة. وشهرين وأياما. وكان رحمه الله تعالى- ذا رياسة قديمة، ووالده وجده من كبراء أهل الثّغر. وجدّ أبيه- القاضى الجليل- من رؤسائه. وبلغ من محلّه فى الدولة العبيديّة «١» أن لقّب بعين الدولة، ولقّب ولده بثقة الدولة، وولد ولده بعين الدولة. فسأل تخصيصا مانعا، لاشتباه الولد بالجدّ، فميّز الولد «٢» بعين الدولة ومكينها، ووالده بثقة الدولة وأمينها- بتقليد من الخلفاء العبيديّين. وعمّر القاضى الجليل مائة سنة وأربع سنين. ومات عن عدة أولاد ذكور، ما منهم إلا من عدّل «٣» بالديار المصرية، وتولى الأحكام الشرعية. وكان القاضى شرف الدين- رحمه الله تعالى- مالكىّ المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعى

стр. 11459

وسبب ذلك أنه قدم من ثغر الإسكندرية إلى مصر وسكن بها، فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. واتصل بالقاضى المرتضى ابن القسطلانى، ثم اتصل بقاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى ابن درباس الهذبانى «١» ، فعدّله واستكتبه، فى ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فلما عزل ابن الجاموس «٢» من خطابة الجامع بالقاهرة، أمره القاضى صدر الدين أن يخطب، فخطب وأجاد وأبلغ فى الموعظة، ونزل فصلّى وجهر بالبسملة. فلما فرغ من الصلاة، وجلس بين يدى القاضى صدر الدين، شكره وأثنى عليه- والمجلس غاصّ بالفقهاء والصّدور وأرباب المناصب- فقال بعض الأكابر: يا شرف الدين جهرت بالبسملة، وخالفت مذهبك. فأنشد قول المتنبّى فى كافور: فراق، ومن فارقت غير مذمّم ... وأمّ، ومن يممّت خير ميمّم

стр. 11460

فاستحسن ذلك القاضى والجماعة. وصار شافعيّا من ذلك اليوم. واشتغل بمذهب الشافعى على القاضى: ضياء الدين أبى عمرو عثمان بن درباس «١» ، مصنّف الاستقصاء، وعلى الفقيه: أبى إسحاق إبراهيم بن منصور العراقى «٢» واستنابه القاضى صدر الدين عنه فى الحكم بمصر، فى يوم الاثنين والخميس، فى العشر الأوسط من ذى القعدة، سنة أربع وثمانين وخمسمائة. فحضر إليه يستعفى من ذلك. وكان جمال الدولة: أبو طالب شراتكين- سلف القاضى صدر الدين- حاضرا، هو من الأجناد- فأسرّ إليه، وقال له: لا تستعفى، فأنت، والله، بعد اثنتين وثلاثين سنة، قاضى القضاة. فأرّخها فلم تزد ولم تنقص. ووقّع للقاضى زين الدين على بن يوسف الدّمشقى «٣» ، أيام ولايته. ثم عاد القاضى صدر الدين إلى الحكم، فعاد إليه. وولّى القاضى محيى الدين: أبو حامد محمد بن القاضى شرف الدين بن أبى عصرون، فوقّع له.

стр. 11461

ثم عاد صدر الدين، فعاد إليه، ولم يزل كاتبه إلى أن توفى. وكان كثير الرّكون إليه، والاعتماد عليه. حتى إن شرف الدين مرض، فسأل عنه القاضى صدر الدين، فأخبر بشدة مرضه، فقال: والله لئن قضى عليه بمحتوم، لأعزلنّ نفسى، لأننى لا أجد من أثق به سواه. ولما ولّى القاضى عماد الدين: عبد الرحمن بن عبد العلىّ السّكّرى القضاء، كتب له، إلى أن عزل القاضى عماد الدين فى شهر المحرم، سنة ثلاث عشرة وستمائة، فقسّم السلطان الملك العادل القضاء شطرين: فولّى القاضى شرف الدين هذا القاهرة والوجه البحرى، فى الشهر المذكور- وقيل فى يوم السبت ثانى صفر- وولّى القاضى تاج الدين بن الخرّاط مصر والوجه القبلى، كما تقدم. ثم أضاف السلطان الملك الكامل إليه قضاء مصر والوجه القبلى، فى العشر الآخر من شعبان- أو فى شهر رمضان- سنة سبع عشرة وستمائة، كما تقدم ذكر ذلك وكان السلطان الملك الكامل كثير التّنويه بذكره، والافتخار بولايته، والابتهاج بما يراه من أحكامه، وما يبلغه من سيرته، وما يتحققه من حسن طويّته، وجميل سريرته. وكان إذا نظر إليه يقول: والله لنتعبنّ بعد هذا، إذا فقدناه، ولا نجد بعده من يقوم مقامه

стр. 11462

وكان إذا كتب إلى السلطان، يستأذنه فى عزل نائب من نوابه بالأعمال، أو فى أمر يقصد فعله، يجيبه عن كتابه بخطّه على ظهر كتابه، أو بين سطوره. وكان يقترح ذلك على السلطان، فى بعض الأحيان. وكان الرّسم فى المكاتبات والأجوبة جاريا «١» على غير ما هو عليه، فى عصرنا هذا. وقد رأينا أن نثبت من مكاتبات قاضى القضاة إلى السلطان، وأجوبته له، فى هذا الموضع، ما يعلم منه كيف كان الرّسم جاريا «٢» . فمن ذلك ما كتب به إلى السلطان الملك الكامل: «اللهم إنى أسألك حسن الفاتحة، والخاتمة فى عافية. المملوك يخدم المقام المولوىّ السّلطانى المالكىّ، الكاملى- بلّغه الله تعالى كلّ مراد وأمل، ووفّقه لطاعة ربه فى كل قول وعمل- وينهى: أن النائب فى الحكم بإطفيح «٣» قد كثر من القول فيه ما تقتضى المصلحة الاستبدال به وهو ابن أخت الأجلّ مجد الدين، أخى الفقيه الأجل عيسى «٤» - وقد كان المتظلمون، من مدة، حضروا شاكين لأمره، وطالع المملوك مولانا بحاله، وكان مولانا فى بعض متوجّهاته الميمونة. فورد الجواب، بأن مولانا ينظر فى ذلك. وقد كثر القول. والمملوك يستأذن على ما يفعله فى أمره، من صرف أو إبقاء.

стр. 11463

المملوك يخدم، وينهى أن النائب فى الحكم بالمحلّة قد ظهر من أحواله، وتحايفه على من يحقد عليه، ويقصد مضادّته لما فى نفسه- ما يقتضى كفّ يده وهو يستند إلى متولّى الحرب بالمحلة، ويعوّل على ثنائه عليه وميله إليه- على ما ذكر للمملوك. وهو يستأذن على أمره. المملوك يسأل الإجراء- على عادة الفضل والكرم- فى أنه، إن حسن التشريف عن هذين الفضلين بالجواب، أن يكون تشريف الخطّ الكريم- لا زال عاليا- ليكون سببا لستر القضية، إلى أن يعتمد فيها ما يرسم من توقّف أو إمضاء والله تعالى يمنّ على المملوك بدوام جميل آراء مولانا وعضده له، وتقوية يده فى نيابته عن مولانا فيما فوّضه إليه. المملوك ينهى أن من اعتمد فى أمره من الشهود والنوّاب- الأمر الذى أرشد مولانا المملوك فيه إلى الصواب- لكلّ منهم جهة «١» ربما شقّ عليها ما جرى، وحصل منها فى حقّ المملوك ما يقضى بتغيير خاطر وتقسيم فكر. والله ما يبالى المملوك- بعد رضى الله تعالى-[إلا] برضى مولانا بمن أحب أو أبغض، أو أعان أو تعصب. ولو كان كلّ الناس عنى بجانب ... لما ضرّنى، إذ كنت منك بجانب المملوك ينهى أن مولانا، لما شرّف المملوك فى الخدمة، كان فى التقليد أنه لا يستنيب إلا من كان على مذهب الإمام الشافعى- قدّس الله روحه. ولما كان بعد ذلك، ورد مكتوب من مولانا فى زمن إقامة ركابه بالمنصورة،

стр. 11464

يتضمن أن أمر الإستنابة إلى المملوك. وفى النواب اليوم شخصان على مذهب مالك- رحمه الله تعالى. فيحيط العلوم أنه ما خالف إلا بعد ما ورد ما ذكره. وكان ممنّ تقدّم المملوك فى الحكم من استناب الشافعية والحنفية والمالكية بمصر نفسها، وبالأعمال. أنهى ذلك، والرأى أعلى فى التشريف بالجواب- إن شاء الله ربّ العالمين. فأجابه على ظهر كتابه- بخطّه- ما مثاله: «اخترتك دون غيرك، لبراءة ذمّتنا وذمّتك. افعل ما يخلّصك عند الله، من خير معنا تفعله، ومع نفسك- إن شاء الله تعالى» وختمه. وكتب على الختم القاضى شرف الدين قاضى القضاة. وأضاف السلطان إليه الحكم فى الينبع، فى بعض شهور سنة ست وعشرين وستمائة، فاستناب فيه. ثم أضاف إليه الحكم بغزّة والخليل والأردنّ وطبريّة وبانياس، فى سنة إحدى وثلاثين، فاستناب عنه فيها نوابّا. ثم تقدم إليه أن يستنيب عنه خطيبا وحاكما بثغر دمياط، فى شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة، فاستناب فى ذلك. وكتب إلى السلطان- قبل أن يستنيب- يستأذنه فى النيابة، ويستوضح عن أمر البلاد الشامية، فأجابه: «ورد كتاب الحضرة- أعاد الله علينا من بركاتها، ونفعنا بمتقبّل دعواتها، وأسعد آراءها، ووفّق قصودها وأنحاءها، ولا زالت تصرفاتها فى الشريعة أبدا ميمونة، وأحكامها بإصابة الحق مقرونة- وفضضنا ختمها ووقفنا عليها، وأحاط علمنا بما اشتملت عليه، وما أومأت الحضرة إليه

стр. 11465

وشكرنا اجتهادها المفوّف البرود، وتحرّزها فى الأمور الشرعية الجليلة العقود. وأتينا على ديانتها التى رقّتها عندنا إلى المقام المحمود. فأما إشارتها إلى أنها تستنيب فى غزّة وما معها، عنا أو عن نفسها، فنحن أضفنا ذلك إليها، وهى تستنيب عن نفسها من يكون أهلا لذلك. وأما استفهامها أن المواضع المذكورة: هل لها جامكيّات «١» مقرّرة أم لا؟ نعم لها جامكيّات مقررة، والديوان شاهد بها. وأما استيضاحها: هل لهذه المواضع أصل، حتى يقال: الموضع الفلانى وعمله، فيولّى فيه شخصا واحدا، أو كلّ موضع، وإن قلّ، مفتقر إلى نائب مفرد- فلتعلم الحضرة أن مرادنا أن نستنيب شخصين: أحدهما لغزّة وطبريّة والأردن وجبل الخليل، والآخر لبانياس وعملها. ثم ذكر غير ذلك فى جوابه، وقال: وكتب لسبع خلون من شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بمنزلة تقابل البيرة بشاطىء الفرات، من برّ الشام المحروس- شفاها. وكتب إلى السلطان أيضا يستأذنه فى صرف بعض النوّاب، فأجابه: «وردت مكاتبة الحضرة- أيّدها الله بتوفيقه فى جميع حالاتها، ولا أخلى من صالح دعواتها فى شريف أوقاتها، وأجراها من السّداد والتّحرّز على مختار عاداتها- ووقفنا عليها جميعا، وأحاطت علومنا بما أشارت إليه، وما نبّهت فيها عليه.

стр. 11466

فأما إشاراتها إلى صرف قاضى الفيّوم والاستبدال به بخطيب البلد وصرف قاضى قوص، وتعريضها بأنها لا يجوز لها إعادته. وعزمها على صرف قاضى إخميم، وما عرّضت به من انتمائه إلى كريم الدين الخلاطى. وإصرارها على صرف قاضى منية زفتى، وتصريحها بأنه ذاكر أنّا نعرفه. وقد خلعنا عليه- فجوابنا عن جميع ذلك: أنا قلّدناها هذا الأمر العظيم. وذمّمناها هذا الخطب الجسيم، ونهجنا بها السّلوك فى طريقه المستقيم، وفوّضنا ذلك إليها، وجعلنا أزمّة نقضه وإبرامه بيديها، وصيّرنا ركائب آمال طالبى التّولية مناخة لديها- نرجو بذلك براءة الذّمّة عند الله تعالى، وأن لا تقوم الحجّة علينا ولا عليها. فمن استصلحته ورضيته من النّواب، فلتقرّه على حاله. ومن ظهر لها اعوجاجه وسخطته، فلتصرفه، ولا تعرّج على أساطير أقواله. فالإرهابات والتّمويهات لا مدخل لها فى أمور الدين، والشّرع الشريف منزّه عن شفاعة الشافعين. فلتعلم الحضرة ذلك، ولتواصل بالمتجدّدات «١» ، موفّقة فى ذلك- إن شاء الله تعالى. سطّرت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بظاهر السّويدا- مشافهة. هذا كان الرّسم فى المكاتبات والأجوبة. وفيه دليل على أن قاضى القضاة بالديار المصرية، فى ذلك الوقت، كان لا يستقلّ بعزل نائب من نوّابه بالأعمال- وإن صغرت جهة ولايته- إلا بعد مراجعة السلطان،

стр. 11467

واستئذانه. وما زال الأمر جاريا على ذلك، إلى أن ملك السلطان الملك الصالح نجم الدين، فغلظ حجابه، وتعذّر خطابه وجوابه، وتعاظم أن يشاور فى الجزئيات، وأن يشافه إلا فى الأمور المعضلات. فاستقلّ حينئذ القضاة وغيرهم، واستبدّوا بالولايات والعزل. ولنرجع إلى أحوال قاضى القضاة: شرف الدين، وسيرته. وكان- رحمه الله تعالى- جوادا كريما، زاهدا لا يدّخر شيئا: ولا يملك إلا سجّادة خضراء من الصوف، وسجّادة من أدم ومشطا وسبحه، ومقراضا، وعودا من أراك «١» . وليس له إلا بدلة واحدة، فإذا تغيّرت، غسلت له ليلا. وبغلة واحدة. فإذا كان زمن الربيع، استأجر بغلة فى كل يوم بثلاثة دراهم، ويقوم بعلفها من عنده، ما ملك عقارا، ولا وجبت عليه زكاة فى عمره. وكان مضبوط المجلس، لا يسارّ أحدا فى مجلسه ولا يضحك فيه. وكان كثير العبادة، يسرد الصّوم، ولا يفطر إلا الأيام التى لا يجوز صومها، كثير التلاوة للقرآن، والذّكر والأدعية. وكان. لا يكلّف أحدا قضاء حاجة، إلا ويعطيه فوق أجرته. حتى كان يدفع ملء إبريق ماء حارا فى الشتاء من الحمّام، عند كل صلاة، نصف درهم للحمّامى، وربع درهم لحامل ذلك إليه. وكان يدفع لبارى أقلامه أجرة، من درهمين إلى ثلاثة.

стр. 11468

وكان له شعر حسن، قد وقفت منه على قصائد، يمدح بها السلطان الملك الكامل- تركنا إيرادها إختصارا. فمن شعره، بديهة: وليت القضاء، وليت القضا ... ء لم يك شيئا تولّيته وقد قادنى للقضاء القضا ... وما كنت قدما تمنّيته وكان حسن النّثر. وكانت علامته: الحمد لله متولّى السرائر. ويكتب تحت خط الشهود: أقام شهادته عندى بذلك، وشخص المذكور. والله على كل شىء شهيد. وأخباره- رحمه الله تعالى- وأوصافه الحسنة كثيرة، وقد أتينا منها بما فيه الكفاية. ولما مات قاضى القضاة شرف الدين فى التاريخ المذكور، خرج الأمر السلطانى بالإذن للعقّاد والنواب عنه بالقاهرة- فى يوم الأحد الثانى والعشرين من ذى القعدة من السنة- بالإستمرار، إلى أن يقع الإختيار على قاض، ولم يؤذن لنائبه: القاضى محيى الدين عثمان بن يوسف القليوبى- بشىء- وهو الذى كان خليفة القاضى شرف الدين بن عين الدولة فى الحكم- إلى أن مات. واستمر ذلك إلى يوم الأربعاء، الخامس والعشرين من الشهر. ففوّض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى لقاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى- وصرف عن الحكم بمصر والوجه القبلى. وكان قد

стр. 11469

استناب بمصر ابن عمه: القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلّكان «١» ، وفوّض إليه عقود الأنكحة وقضاء الجيزة، واستناب شمس الدين عنه فى قضاء الجيزة أخاه: بهاء الدين محمد بن محمد. فلما ولى القاضى بدر الدين القاهرة، استناب القاضى شمس الدين- المذكور- بها فجلس فى يوم الخميس- السادس والعشرين من ذى القعدة- بجامع الأزهر، وأمر الشهود بالانتقال إلى حرم الجامع. ثم شرك بينه وبين القاضى محيى الدين، فى النيابة بالقاهرة. وولّى قضاء مصر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام. ذكر وصول شيخ الإسلام «٢» عبد العزيز بن عبد السلام- إلى الديار المصرية، وما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها- وغير ذلك- إليه، وما فعله وعزله نفسه كان وصوله إلى الديار المصرية فى سنة تسع وثلاثين وستمائة وذلك أنه لما وقع له مع الملك الصالح إسماعيل بدمشق ما وقع، وعزله وألزمه داره- كما تقدم- فارق دمشق، وقصد البيت المقدس.

стр. 11470

فوافاه الملك الناصر داود صاحب الكرك بالغور «١» ، فأكرمه ونقله إلى الكرك. وقال له: تقيم عندى بهذا الحصن وأنا لا أخرج عن أمرك. فأقام عنده مدة يسيرة. ثم استأذنه فى الخروج، فسأله عن موجب خروجه وكراهة مقامه. فقيل إنه قال له: هذا بلد صغير، وأنا أحبّ الانتقال إلى بلد أنشر به ما عندى من العلم. فأذن له، وتوجه الشيخ إلى القدس، وأقام به. فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس- وصحبته الفرنج- فأرسل إلى الشيخ بعض خواصّه بمنديله، وقال له: ادفع إليه منديلى وتلطّف به واستنزله، وعده بعوده إلى مناصبه. فإن أجاب، فائتنى به. وإن خاشنك فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمتى. فأتاه الرسول ولاطفه، ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك، وتعود إلى ما كنت عليه وزيادة، أن تقبّل يد السلطان. فقال له: «والله ما أرضاه أن يقبّل يدى، فضلا أن أقبّل يده» !! فقال: إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق. فقال افعلوا ما بدالكم! فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمة السلطان. وكان يقرأ القرآن والسلطان يسمعه. فقال يوما لملوك الفرنج: تسمعون هذا الذى يقرأ؟ قالوا نعم: قال هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره علىّ تسليمى لكم حصون المسلمين، وعزلته من الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس. وقد جددت اعتقاله

стр. 11471

لأجلكم. فقالوا له: لو كان هذا قسّيسنا، لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها!. ثم فارق الصالح القدس. وقدم الشيخ إلى الديار المصرية. فأقبل عليه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأكرمه، وفوّض إليه الخطابة والإمامة بجامع عمرو بن العاص بمصر، فى يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثلاثين وستمائة، عوضا عن أبى المجد الإخميمى- وكان أبو المجد قد ولى الخطابة بعد وفاة أبى طاهر المحلّى، وكان ينوب عنه فى حال حياته. وخطب الشيخ عز الدين فى هذا اليوم. وأذّن الأذان الثانى على الدّكّة يومئذ، مؤذّن واحد- خلاف العادة. ثم فوضّ إليه القضاء بمصر والوجه القبلى- فى يوم الثلاثاء التاسع من ذى الحجة، من السنة- بعد انتقال قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى منها إلى القاهرة والوجه البحرى. وشغرت «١» مصر عن حاكم، فيما بين نقل القاضى بدر الدين وتولية الشيخ، أربعة عشر يوما ووليها الشيخ مضافة إلى الخطابة. وجلس فى هذا اليوم، وحكم بين الناس. واستناب الشيخ عنه، فى الحكم، القاضى صدر الدين موهوب: قاضى جزيرة ابن عمر. وفى يوم جلوس الشيخ للحكم، أسقط عدلين من العدول المتقدّمة.

стр. 11472

وسبب ذلك أنه وجد مسطورا «١» ، فيه شهادتهما، وهو غير مؤرّخ، وفى خطّ كلّ منهما: كتبه فلان فى تاريخه. وسأل أحدهما عن فرائض الصلاة، فلم يجبه جوابا مرضيا. ثم أسقط، بعد ذلك بأيام، القاضى فخر الدين بن قاضى القضاة عماد الدين بن السّكّرى- مدرّس منازل العزّ- لأنه وجد شرط الواقف بالمدرسة أن يكون المدرّس بها عارفا بالأصولين «٢» ، وهو عار عن معرفتهما. فأسقطه لذلك. وأسقط أيضا جماعة من عدول «٣» القاضى شرف الدين بن عين الدولة. ثم أسقط ولده محيى الدين أبا الصلاح. وطلبه فخرج مستخفيا إلى ثغر الإسكندرية. واستند فى إسقاط كلّ منهم إلى موجب ظاهر. ثم عزل نفسه. فتلطف السلطان فى إعادته، فعاد. ثم أسقط الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ: وزير السلطان الملك الصالح ونائبه، ومقدّم جيوشه. وعزل نفسه عن القضاء ثانيا. وسبب ذلك: أن الصاحب معين الدين كان قد بنى فراشخاناه «٤» على ظهر مسجد، بجوار داره. وكان السلطان قد فوّض إلى الشيخ أيضا

стр. 11473

النظر فى عمارة المساجد، بمصر والقاهرة. فأرسل إليه يأمره بهدم ما استجدّه على ظهر المسجد وإزالته، وإعادة المسجد الى ما كان عليه. فلم يجب إلى ذلك. ثم عاوده فلم يفعل. فلما طال ذلك على الشيخ، أمر الفقهاء طلبته أن يأتوه فى غد- ومع كل واحد منهم معول- ففعلوا ذلك. فلما رآهم العوامّ اجتمع منهم خلق كثير بالمساحى. وركب الشيخ إلى دار الصاحب معين الدين، وهو فى خدمة السلطان، وأمر بإخراج ما فى ذلك المكان، فأخرج، ثم أمر بهدمه فهدم. فتألم الصاحب معين الدين لذلك، ولم يمكنه أن يحدث فيه شيئا. فلما كان بعد مدة يسيرة، جلس الشيخ بجامع مصر لتعديل من شهد بعدالته، منهم: فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد. واجتمع لذلك جمع كثير من العلماء والفقهاء والأكابر والقرّاء- وكانت العادة كذلك فى إنشاء العدالة. فاتصل الخبر بالصاحب معين الدين، فأمر والى مصر أن يدخل إلى المجلس، ويفرّق ذلك الجمع، ويقول للشيخ عز الدين: يقول لك الصاحب: بلد السلطان لا يجتمع فيه الجموع. ففعل الوالى ذلك. فصرخ الشيخ فى المجلس بإسقاط عدالة الصاحب معين الدين! ثم عزل نفسه عقيب ذلك. وكثر اللّغط، وارتفعت الأصوات. ولما اتصل خبر هذا الإسقاط بالسلطان، منع الصاحب معين الدين من الدخول إليه ثلاثة أيام، حتى لفّق صيغة شهدت أن الشيخ إنما أسقطه بعد أن عزل نفسه، وأن إسقاطه لم يصادف محلّا، وأنه باق على عدالته.

стр. 11474

وأثّر هذا الإسقاط فى الصاحب معين الدين أثرا مؤلما. وهو أنه حكى أن السلطان أرسل رسولا إلى الدّيوان العزيز «١» ببغداد، وكان المشافه للرسول عن السلطان الصاحب معين الدين. فلما أبلغ الرسالة قال له الوزير: أيوب شافهك بهذه الرسالة؟ قال: لا، إنما شافهنى بها عنه الصاحب معين الدين. فقال له الوزير: معين الدين أسقط الشيخ عزّ الدين عدالته، فلا يرجع إلى مشافهته. ولما عزل الشيخ نفسه، أراده السلطان على العود إلى القضاء، فامتنع من ذلك. ففوّض السلطان الملك الصالح القضاء بعده، بمصر والوجه القبلى، إلى نائبه: القاضى صدر الدين أبى منصور موهوب، بن عمر بن موهوب، بن إبراهيم، الجزرى «٢» الشافعى- وذلك فى سنة أربعين وستمائة. فأعاد بعض من أسقطهم الشيخ عز الدين إلى العدالة. ولم تطل ولايته، فإنه استمر فى القضاء نحو سنة. وعزل، ولم يل القضاء بعدها. وفى سنة تسع وثلاثين وستمائة- أيضا- توجه السلطان الملك المنصور- صاحب حمص- وعسكر حلب، إلى حرّان، والتقوا مع الخوارزميّة، ومزّقوهم كلّ ممزّق، فكسروا الخوارزمية.

стр. 11475

واستهلّت سنة أربعين وستمائة: فى هذه السنة، عزم السلطان الملك الصالح نجم الدين على التوجه إلى الشام، فبلغه أن العساكر مختلفة، والبلاد مختلّة، فأقام. وفيها كانت وقعة عظيمة بين عسكر حلب والخوارزمية. وكان الملك المظفّر شهاب الدين غازى- صاحب ميّافارقين «١» - مع الخوارزميّة، وكانوا قد حلفوا له وحلف لهم. وأخربوا بلاد الموصل وماردين، فاضطر صاحب ماردين إلى موافقتهم. وجمع غازى الخانات الخوارزمية، وأشار عليهم بقصد بلاد الموصل فقالوا: لا بد من لقاء العسكر الحلبى، فألجأته الضرورة إلى موافقتهم. وركبوا فى ثامن عشرين المحرم، من جبل ماردين إلى الخابور «٢» ، وساقوا إلى المجدل «٣» . ووقف الخانات ميمنة وميسرة، ووقف الملك المظفر غازى فى القلب، والتقوا. فصدمهم العسكر الحلبى صدمة رجل واحد. فانهزموا لا يلوون على شىء، ومعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون. وأخذوا أثقال غازى وأغنام التركمان، وخيلهم ونساءهم، وكانوا خلقا

стр. 11476

كثيرا. فبيع الفرس بخمسة دراهم، ورأس الغنم بدرهم. ونهبت نصيبين، وسبى نساؤها- وكانت قد نهبت مرارا فى سنة تسع وثلاثين- يقال نهبت سبع عشرة مرة، من المواصلة والخوارزمية وعسكر ميّافارقين وماردين- وعاد الملك المظفر غازى إلى ميّافارقين. وتفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نصيبين. ثم رحلوا فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها، ونهبوا الأموال وسبوا النساء. وفعلوا بالخابور كذلك، ونهبوا أغنام التّركمان. وفيها وصل إلى الملك المظفّر- شهاب الدين غازى- منشور بخلاط وأعمالها، مع شمس الدين النائب بالروم، فتسلّمها وما فيها. وفيها توفيت ضيفة خاتون، ابنة الملك العادل: سيف الدين أبى بكر ابن أيوب. وهى والدة الملك العزيز: بن الملك الظاهر صاحب حلب- والد الملك الناصر. وكانت هى التى دبّرت الدولة، وحفظ الملك بسببها على ابنها وابنه، بعد وفاة الملك الظاهر، ولما توفيت، قام بتدبير الدولة الحلبية الأمير الأتابك: شمس الدين لؤلؤ، أتابك الملك الناصر صاحب حلب.

стр. 11477

ذكر الإتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق فى هذه السنة ترددت الرّسل بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية، وعمّه عماد الدين إسماعيل صاحب الشام، وتوجه شرف الدين بن التّينى والأصيل الإسعردى «١» الخطيب، إلى دمشق. فأطلق الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث جلال الدين- ولد السلطان الملك الصالح نجم الدين- من الاعتقال. وركب وخطب لابن أخيه الملك الصالح أيوب بدمشق. ورضى الملك الصالح أيوب بإقرار دمشق بيد عمّه الصالح إسماعيل، بعد أن يسلّم إليه ولده. وحصل الاتفاق على ذلك، ولم يبق إلا أن يتوجه الملك المغيث إلى أبيه. فصرف أمين الدولة السّامرى- وزير الملك الصالح إسماعيل- رأيه عن ذلك وقال: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك يعدم الملك. فتوقّف، ولم ينتظم الحال. وقطع خطبة ابن أخيه، وأعاد الملك المغيث إلى الاعتقال بالبرج، واستمر به إلى أن مات. وكانت وفاته يوم الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. وحمل إلى تربة جده الملك الكامل فدفن بها. وكان عاقلا، ما حفظت عنه كلمة فحش- رحمه الله تعالى.

стр. 11478

ولما رجع الصالح إسماعيل عن الصلح، كتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزمية فى الحضور إلى الشام. فعبروا إلى الفرات وانقسموا قسمين: قسم جاءوا على البقاع البعلبكّى، وقسم على غوطة دمشق. ونهبوا وسبوا وقتلوا. وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق. وتوجه الخوارزمية إلى غزّة. وكان من خبرهم ما نذكره- إن شاء الله تعالى. وفيها عزل قاضى القضاة: صدر الدين موهوب الجزرى عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وفوّض السلطان الملك الصالح ذلك إلى القاضى: أفضل الدين أبى عبد الله، محمد بن نامادر، بن عبد الملك، بن زنجلين، الخونجى «١» ، وكانت ولايته فى يوم عيد النّحر من هذه السنة. واستمر فى القضاء إلى أن مات. وفيها فى يوم الجمعة بعد الصلاة، ثانى العيد الأضحى، أمر الملك الصالح إسماعيل بالقبض على أعوان القاضى رفيع الدين الجيلى- وكانوا ظلمة آذوا الناس. وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبّار- المعروف بابن الواسطى. ثم قبض على القاضى الرفيع بعد أيام. وأمر بمصادرتهم فصودروا، وعوقبوا وعذبوا بأنواع العذاب- وكانوا لذلك أهلا. ثم قتل الرفيع فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ببعلبك: جهّزه أمين الدولة السّامرى إليها، فقتل هناك.

стр. 11479

وكان القاضى الرفيع هذا قد صادر أهل دمشق، وفعل ما لا يفعله ظلمة الولاة. وكتب إلى السلطان يقول: إننى قد حملت إلى خزانتك ألف ألف دينار، من أموال الناس. فقال السامرى: ولا ألف ألف درهم. وكان السامرىّ قد تمكن من الملك الصالح تمكّنا عظيما، لا يخالفه فى شىء ألبتّه. فقال الملك الصالح: أنا أحاققه، فإنه قد أكل الأموال، وأقام علينا الشّناعة، والمصلحة تقتضى عزله ومؤاخذته، ليعلم الناس أنك لم تأمره بأذاهم. فعزله عن القضاء. ثم تسبب فى قتله. ولما عزل، فوّض القضاء بعده لقاضى القضاة محيى الدين يحيى، بن قاضى القضاة محيى الدين محمد، بن على بن محمد بن يحيى، القرشى. وقرىء تقليده بالجامع بدمشق، فى خامس عشرين ذى الحجة. وحكم بإسقاط عدالة أصحاب الرّفيع، وهم: المعزّ بن القطّان، والزّين الحموى، والجمال بن سيده، والموفّق الواسطى، وسالم المقدسى، وابنه محمد- لما فعلوه بالمسلمين من أنواع الأذى، وقطع المصانعات.

стр. 11480

واستهلّت سنة اثنتين وأربعين وستمائة: ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر- ومن معه من الخوارزمية- وبين عسكر الشام- ومن شايعهم من الفرنج، وانهزام الفرنج وعسكر الشام، على غزّه قد ذكرنا وصول الخوارزمية إلى الشام، ونزولهم على غزّه. ولما استقروا بها، أرسل إليهم السلطان الملك الصالح النفقات والخلع والكساوى، وطائفة من العسكر المصرى. فاتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق، والملك المنصور صاحب حمص، والملك الناصر داود صاحب الكرك، وراسلوا الفرنج. وكان الصالح إسماعيل قد سلّم إليهم من الحصون ما تقدم ذكره. ووعدهم الآن أنه متى ملك الديار المصرية، أعطاهم الأعمال الساحليّة بأسرها. واستقر ذلك بينهم وبين الملوك الثلاثة المذكورين. وخرج الملك المنصور- صاحب حمص- بعسكره وعساكر دمشق. وأقام الصالح بدمشق. وجهّز الملك الناصر داود عسكره من نابلس- صحبة الظهير سنقر الحلبى والوزيرىّ، وأقام هو بالكرك. واجتمعت هذه العساكر، وعساكر الفرنج: الدّيويّة والإسبتار والكنود «١» ، على يافا. والعسكر المصرى والخوارزمية على غزّه.

стр. 11481

قال أبو المظفّر: وساق صاحب حمص وعسكر دمشق، تحت أغلام الفرنج- وعلى رءوسهم الصّلبان، والأقساء «١» فى الأطلاب «٢» يصلّبون «٣» على المسلمين ويقسّسّون عليهم، وبأيديهم كئوس الخمر والهنّابات «٤» يسقونهم. وساق العسكر المصرى والخوارزمية. والتقوا بمكان يقال له أربيا «٥» - بين غزّة وعسقلان. وكان الفرنج فى الميمنة، وعسكر الناصر داود فى الميسرة، وصاحب حمص فى القلب. وكان يوما عظيما، لم يجر فى الإسلام بالشام مثله، واقتتلوا. فانكسرت الميسرة، وهرب الوزيرى، وأسر الظّهير سنقر الحلبى وجرح فى عينه. ثم انهزم صاحب حمص. وكان العسكر المصرى قد انهزم، ووصل إلى قرب العريش. وثبت الخوارزمية والفرنج، واقتتلوا، فمالت الخوارزمية عليهم بالسيوف، يقتّلونهم كيف شاءوا. قال أبو المظفّر: وكنت يوم ذاك بالقدس، فتوجهت فى اليوم الثانى من الكسرة إلى غزة، فوجدت الناس يعدّون القتلى بالقصب، فقالوا: إنهم يزيدون على ثلاثين ألفا.

стр. 11482

وبعث الخوارزمية بالأسارى والرءوس إلى الديار المصرية. وفى جملة الأسرى الظّهير سنقر وجماعة من المسلمين. وكان يوم وصولهم إلى القاهرة يوما مشهودا. وعلّقت رءوس القتلى على الأسوار، وامتلأت الحبوس بالأسرى. ووصل صاحب حمص إلى دمشق فى نفر يسير، ونهبت خزانته وخيله وسلاحه، وقتل أكثر أصحابه. فكان يقول: والله لقد علمت، حيث سقنا تحت أعلام الفرنج- أننا لا نفلح! وفى هذه السنة، توفى شيخ الشيوخ: تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن على بن محمد بن حمّويه، بن محمد بن محمد بن أبى نصر بن أحمد، بن حمّويه بن على. وكانت وفاته بدمشق، فى سادس صفر. وصلّى عليه بجامعها، ودفن بمقابر الصّوفية. ومولده يوم الأحد، رابع عشر شوال، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وهو عمّ الأمراء: فخر الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين: أولاد صدر الدين شيخ الشيوخ. وكان شيخا حسنا متواضعا، عالما فاضلا، نزها عفيفا أديبا، صحيح الاعتقاد، شريف النفس عالى الهمة، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد من أبناء الدنيا، لا إلى أهله ولا إلى غيرهم، بسبب دنياهم. وصنف التاريخ وغيره- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الأمير عمر: بن الملك المظفر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وكان يلقّب: بالملك السعيد. وكان شابا حسن الأخلاق، جميل الصورة، جوادا شجاعا.

стр. 11483

وكان التّتار قد استولوا على ديار بكر، وأخذوا خلاط. فخرج الملك المظفر غازى من ميّافارقين، ليستنجد عليهم الخليفة والملوك. وخرج معه ولده عمر هذا، وأمير حسن بن تاج الملوك أخى غازى. فوصلوا إلى الهرماس «١» ، لوداع الملك المظفر: فقال المظفر لولده عمر: المصلحة تقتضى أن ترجع إلى ميّافارقين، وتحفظ المسلمين من التتار، وأنا أتوجه إلى بغداد وإلى مصر أستنجد الملوك. فقال: والله لا أفارقك. وجاء حسن بن تاج الملوك وجلس إلى جنبه، وأخرج سكّينا وضرب عمر فى خاصرته. وهرب ليرمى نفسه فى ماء العين فيغرق. فصاح الملك المظفر: امسكوه، فقد قتل عمر ولدى! وقام غازى ليقتله، فقصد حسن الملك المظفر ليقتله. فرمى عمر نفسه على أبيه، وقال لحسن: يا عدّو الله، قتلتنى وتقتل والدى! فضربه حسن بالسيف، فقطع خاصرته فسقط إلى الأرض. وأمر غازى بحسن فقطّع قطعا، وحمل عمر إلى الحصن فدفن به- ﵀. ذكر وفاة الملك المظفر تقىّ الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور وفى هذه السنة، فى يوم السبت ثامن جمادى الأولى، توفى الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد، بن

стр. 11484

الملك المظفر تقى الدين عمر، بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن أيوب- صاحب حماه. ومولده فى يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وملك حماه فى سنة ست وعشرين وستمائة، كما تقدم. ولما مات ملك بعده ولده الملك المنصور: ناصر الدين محمد. وفيها كانت وفاة السلطان نور الدين أرسلان شاه، بن عماد الدين زنكى، بن نور الدين أرسلان شاه، بن عز الدين مسعود، بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى «١» ، بن قسيم الدّولة: آقسنقر «٢» . كان والده- رحمه الله تعالى- لما ملك شهرزور، وحضرته الوفاة- أخذ العهود على الأمراء والأجناد والأعيان، فاستقرّ بها. وقاتل التتار مرارا عديدة. ثم مات- رحمه الله تعالى. وكانت وفاته فى يوم الأحد، رابع عشر شعبان. وفيها فى يوم الأربعاء، العشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبو طالب: محمد بن أبى الحسن بن على، بن على بن الفضل ابن التامغاز، المعروف بابن الخيمى. كان إماما فى اللغة، راوية للشعر والأدب. وكان مولده فى الثامن والعشرين من شوال، سنة تسع وأربعين وخمسمائة، بالحلّة المزيديّة «٣» . وله نظم حسن: رحمه الله تعالى.

стр. 11485

واستهلّت سنة ثلاث وأربعين وستمائة: ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل. وعود الصالح إسماعيل إلى بعلبك وما معها لما اتّفقت الوقعة- التى ذكرناها- بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين ومن انضم إليها من الخوارزمية، وبين عسكر الملك الصالح إسماعيل والفرنج وحصلت المكاشفة- جهّز الملك الصالح نجم الدين جيشا كثيفا إلى دمشق، فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وقدّم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ. وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يجلس فى رأس السّماط على عادة الملوك، ويقف الطواشى شهاب الدين رشيد- أستاد الدار- فى خدمته، وأمير جاندار، والحجّاب. فسار إلى دمشق، ومعه الخوارزمية، فحاصروها أشد حصار. فلما كان فى يوم الإثنين ثامن المحرم- سنة ثلاث وأربعين، بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب- معين الدين بن الشيخ- سجّادة وإبريقا وعكّازا، وقال: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك! فبعث إليه الصاحب معين الدين جنكا «١» وزمرا، وغلالة حرير أصفر وأحمر، وقال: أما ما أرسلت به إلىّ فهو يصلح لى، وقد أرسلت بما يصلح لك!
следующие страницы →