Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم -
فى هذه السنة، فى ليلة الإثنين سادس جمادى الآخرة، أمر السلطان الملك الكامل أن لا يصلّى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام واحد: وهو خطيب الجامع الشافعى. وأبطل من عداه من الأئمة المالكية والحنفية والحنابلة، فى صلاة المغرب خاصة، لانحصارها فى وقت واحد، واشتباه الحال على المأمومين وفيها قصد الملك المنصور: عمر بن على بن رسول- متملك اليمن- مكة. فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر، خرج من مكة بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية، فى سابع شهر رجب، ووصلوا إلى القاهرة متفرقين، فى العشر الأوسط من شعبان. ودخل صاحب اليمن مكة فى تاسع شهر رجب.
وفيها ولى الشريف: شمس الدين الأرموى «١» الشافعى- قاضى العسكر- نقابة الأشراف بالديار المصرية- وذلك فى يوم الأربعاء سلخ ذى القعدة. وقرىء تقليده بجامع مصر، وحضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور، وفلك الدين المسيرى، وابن النجيلى.
стр. 11412
وفيها فى شعبان، ولى الشيخ كمال الدين: عمر بن أحمد بن عبد الله ابن طلحة النّصيبى «١» - الخطابة، بعد وفاة عمه الدّولعى «٢» - وكانت وفاته فى رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بالمدرسة التى أنشأها بجيرون «٣» .
وكان له أخ جاهل فولى الخطابة، ثم عزل. فوليها الشيخ كمال الدين.
وفيها كانت وفاة قاضى القضاة: شمس الدين أبو البركات- يحيى بن هبة الله- بن الحسن، المعروف بابن سنىّ الدولة، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة، ودفن بقاسيون. وكان فقيها إماما فاضلا عفيفا- رحمه الله تعالى.
وولى القضاء بعده قاضى القضاه: شمس الدين أحمد بن الخليل الخويّى فى ذى القعدة، استقلالا وعدّل جماعة كبيرة من أهل دمشق وهو أول قاض رتّب مراكز الشهود بدمشق وكان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب، ويتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهّدونهم.
وفيها توفى الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى، فى يوم الاثنين ثالث شعبان، ودفن بتربته التى أنشأها بقاسيون. وكان ديّنا صالحا عاقلا. أقام فى الثّغور مدة سنين، يجاهد العدوّ. وكان كثير الصدقة دائم المعروف، طاهر اللسان، رحمه الله تعالى.
стр. 11413
واستهلّت سنة ست وثلاثين وستمائة:
ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله
فى هذه السنة- فى أولها- قبض الملك الجواد على الصاحب صفى الدين بن مرزوق، وصادره، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار.
وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين الملك المجاهد- أسد الدين صاحب حمص- عداوة مستحكمة، لما استوزره الملك الأشرف. وكان الملك الجواد لا يخرج عن رأى الملك المجاهد، فحسّن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه. وكان ابن مرزوق قد استشعر ذلك، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر ولآلىء، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت وهى عزيزة عنده. وأنه يريد دفنها فى داره المجاورة للمدرسة النّوريّة، بالقرب من الخوّاصين- وهى التى تعرف الآن بالنّجيبيّة الشافعية- وعمل فى القبّة أزجا، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه وخدامه إلى الجامع، وحضر الناس للصلاة على الميّتة، بزعمهم، وعمل العزاء وتردّد القرّاء إلى التربة أياما.
ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل، وأخذ جميع موجوده، وحبس بقلعة دمشق. فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادما صغيرا، فجاء الخادم، وسأل الاجتماع بالملك الجواد. واجتمع به وأخبره بالواقعة. فأرسل القاضى والشهود وأمير جاندار وأستاذ الدار، فتوجهوا وفتحوا التربة، وأحضروا التابوت بحاله. وكشف بين يدى الجواد وصاحب حمص، فوجد فيه من
стр. 11414
الجواهر ما قوّم بمائتى ألف دينار وستين ألف دينار «١» . وكانوا- قبل ذلك بأيام- قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئا. فلما وجد هذا التابوت، سلّمه الجواد للملك المجاهد. فاعتقله بقلعة حمص. فأقام سنين لا يرى الضّوء. وقيل أنه حبس اثنتى عشرة سنة.
وأظهر أسد الدين موته، وكتب بينه وبينه مبارأة «٢» .
ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب
كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل- لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية- أنكر عليه، ولامه وتهدده (لكونه) «٣» سلم دمشق للملك الجواد. فقال: أنا أتوجه إلى دمشق وأنزل بالقلعة، وأبعث الملك الجواد إلى السلطان. وان امتنع، أقمت نائبا عن السلطان عوضه.
وتوجه من القاهرة فى شهر ربيع الأول، وقرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية. ولما عزم على المسير، أشار عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه إلى دمشق، وقال أخاف عليك من ابن ممدود- يعنى الجواد.
стр. 11415
فقال أنا ملّكته دمشق، ولا يخالفنى فقال: أنت فارقته وهو أمير، وتعود إليه وقد صار سلطانا، فتطلب منه تسليم دمشق، وتعوضه الإسكندرية، ويقيم عندكم، فكيف يطيب له هذا؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه، فانزل على طبريّة وكاتبه. فإن أجاب، وإلا تقيم مكانك وتكتب إلى الملك العادل.
فلم يرجع إلى رأيه، وتوجه إلى دمشق. وخرج الجواد إليه، وتلقاه بالمصلّى، وأنزله بالقلعة فى قاعة المسرّة. وأرسل إليه الملك الجواد الخلع والأموال والأقمشة والخيل، ففرق عماد الدين الخلع على أصحاب. وجاء الملك المجاهد أسد الدين- صاحب حمص- إلى دمشق.
قال: ولما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار المصرية، ويأخذ ثغر الإسكندرية- غضب، ورسم عليه فى الدار «١» ، ومنعه من الركوب.
ثم جاء إليه وقال: إذا أخذتم دمشق منى، وأعطيتمونى الإسكندرية، لا بد لك من نائب بدمشق، فاجعلونى ذلك النائب. ومتى لم تفعلوا هذا، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسلّم إليه دمشق، وأتعوض عنها سنجار. فقال له ابن الشيخ: إذا فعلت هذا، اصطلح السلطان الملك العادل والملك الصالح، ولا تحصل أنت على شىء ألبتّة
стр. 11416
ففارقه الجود وخرج مغضبا، وحكى ما جرى بينه وبين ابن الشيخ للملك المجاهد. فقال: والله إن اتّفق الصالح والعادل لا تركا بيد أحد منا شيئا، وسلبانا ملكنا وما بأيدينا، حتى نحتاج إلى الكدية «١» فى المخالى. ثم جاء صاحب حمص إلى ابن الشيخ، وقال له: المصلحة أن تكتب إلى الملك العادل، وتشير عليه بالرجوع عن هذا الرأى: يعنى إخراج الملك بالرجوع عن هذا الرأى. يعنى إخراج الملك الجواد من دمشق. فقال: حتى أتوجه إلى برزه «٢» ، وأصلّى صلاة الاستخارة. فقال له أسد الدين: كأنك تريد أن تتوجه إلى برزة، وتهرب منها إلى بعلبك. فغضب عماد الدين وانفصلا على هذه الحال واتفق الجواد وصاحب حمص على قتل عماد الدين وتوجه أسد الدين إلى حمص. وكان عماد الدين قد مرض، وأبل «٣» .
فلما كان فى يوم الثلاثاء، السادس والعشرين من جمادى الأولى، بعث الجواد إلى الأمير عماد الدين يقول له: إن شئت أن تركب وتتنزه فاركب إلى ظاهر البلد. فظن أن ذلك بوادر الرضا. ولبس فرجيّة كان الجواد قد بعث بها إليه، وقدموا له حصانا كان سيّره إليه أيضا، فلما خرج من باب الدار إذا
стр. 11417
هو بنصرانى من نصارى قارا «١» قد وقف وبيده قصبة وهو يستغيث، فأراد الحاجب أن يأخذ القصبة منه، فقال: لى مع الصاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه.
فتقدم إليه، وناوله القصبة. فلما تناولها، ضربه النصرانى بسكّين فى خاصرته! وجاء آخر وضربه بسكين على ظهره، فمات وأعيد إلى الدار ميّتا واحتاط الجواد على جميع موجوده، وكتب محضرا أنه ما مالأ على قتله.
وقصد استخدام مماليكه، فامتنعوا وقالوا له: أنت تدّعى أنك ما قتلته، وهذا له إخوة وورثة، فبأى طريق تأخذ ماله؟ فاعتقلهم. وجهّز عماد الدين، ودفن بقاسيون فى زاوية الشيخ سعد الدين. وكان مولده فى يوم الاثنين سادس عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
ولما قتل عماد الدين، علم الجواد أنه إن دخل الديار المصرية وسلم من القتل، صار ضميمة «٢» . واتفق وصول رسول الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الملك الجواد، وهو يبذل له أن يكون له سنجار والخابور ونصيبين والرّقّة، ويسلّم دمشق للملك الصالح. فأذعن إلى ذلك، لعلمه أن دمشق لا تبقى له. وقيل إن الملك الجواد هو الذى كتب إلى الملك الصالح، والتمس منه ذلك، فأجاب الملك الصالح إليه.
стр. 11418
ورتّب ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه فى بلاد الشرق، وجعل مقامه بحصن كيفا. ورتب النّواب بآمد، وأقطع الخوارزميّة حرّان والرّها والرّقّة وبلاد الجزيرة وسار إلى دمشق، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين وستمائة.
وحمل الجواد الغاشية «١» بين يديه من تحت القلعة، وحملها الملك المظفر صاحب حماه- من باب الحديد. وتسلم الملك الصالح القلعة، وخرج الجواد منها فى تاسع الشهر، وترك دار فرّوخشاه. واستوزر الملك الصالح جمال الدين بن جرير. ثم توجه الملك الصالح فى شهر رمضان إلى نابلس، وكان ما نذكره.
ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق
قال المؤرّخ: لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق، رتّب له الملك الجواد الضّيافات كل يوم، فى قاعة من قاعات دمشق، ورتّب فى كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش والآلات وأوانى الفضة، وغير ذلك. وكان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيها، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى، وكان آخر الضيافة فى قاعة المسرّة. ثم خرج الملك الجواد، وركب والعسكر فى خدمته، فقال لهم: سلطانكم الملك الصالح. فحلّف الصالح العساكر فى تلك الساعة، إلا الأمير سيف الدين على ابن قليج، فإن الصالح قبض عليه.
стр. 11419
فعظم ذلك على النّوّاب، ولامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح. فأراد نقض ما أبرمه، والقبض على الملك الصالح. فاستدعى المقدّمين والجند واستحلفهم، وجمع الصالح أصحابه عنده فى القلعة، وأراد أن يحرق دار فرّخشاه. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما، وأصلح الأمر.
وخرج الجواد إلى النّيرب «١» ، واجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه ويسبّونه فى وجهه- وكان قد أساء السّيرة فيهم، وسلط عليهم خادما لبنت كرجى يقال له الناصح، فأخذ أموالهم وصادرهم، وعلقهم وضربهم، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم. وأرسل الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم، فلم يصغ إلى قوله، ولا أجابه عن ذلك بجواب. وتوجه إلى بلاد الشرق.
فلما وصل إلى ضمير «٢» رأى بدويّا فاستراب منه، فقبض عليه، فوجد معه كتبا من الملك الصالح إلى الخوارزميّة- وكانوا على حمص- يحسّن لهم القبض على الملك الجواد، وأخذ ما معه، وأن يسيّروه إليه. فعند
стр. 11420
ذلك أخذ على طريق السّماوة «١» وعرج عن حمص، وسار إلى عانة، «٢» فدخلها وأقام بها.
فبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار- وبها أيدمر مملوك الجواد- فسار إليه فى مائتى فارس. ولما قرب منها رسم أن يضرب فى كل ناحية طبل باز وفرّق من معه فرقا، وجعل كل فرقة طبلخاناه «٣» ومشاعل، وأمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملة واحدة وسار إلى سنجار ليلا على هذه الصّفة، فظن صاحب الموصل أن معه عسكرا، فارتحل عن سنجار فى ليلته، ودخلها الملك الجواد بكرة النهار، وأقام بها سنة.
وحاصره الخوارزميّة، وعادوا عنه وترددت الرسائل بينه وبين صاحب الموصل فى المصاهرة بينهما. وقصد الجواد أن يتصل بابنة صاحب الموصل، ليكون عضدا له. فعقد عقد النكاح بالموصل، وكان وكيل الجواد زريق مملوكة.
стр. 11421
ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع، وسير ولده رهينة. فوافق الجواد على ذلك وتوجه إلى عانة. هذا، وصاحب الموصل قد أفسد أهل سنجار.
ولما سار الجواد من سنجار، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ممانع- وذلك فى سنة سبع وثلاثين وستمائة.
فسار الجواد إلى بغداد، واستنصر بالخليفة. وأقام ببغداد ستة أشهر.
فوصله الخليفة بأربعة آلاف دينار، وأمره بالخروج عن بغداد. فسار إلى عانه وأقام ها، ثم اشتراها الخليفة منه بمائة وعشرين ألف درهم. فقبض الجواد المال وسلّمها- وهى جزيرة فى وسط الفرات. وسار الجواد بعد تسليمها إلى حرّان، وهى بيد الخوارزمية، فأقام عندهم سنة. وسار إلى حلب معهم وقاتل أهلها، ثم عاد معهم الى حرّان.
فاستدعاه الملك الصالح نجم الدين- بعد أن ملك الديار المصرية- فسار ومر على قرقيسيا «١» ، واجتاز بالرّحبة بالبريّة، وأقام عند ابن صدقه «٢» أياما. وسار فى البرّيّة إلى الشّوبك، وسير مملوكه زريق إلى الصالح فى البرية.
فعظم ذلك على الصالح، وأنكر كونه حضر من البرية. ووصل الجواد إلى العبّاسة «٣» ، فأرسل إليه الملك الصالح الطّواشى دينارا وأمره برده. وأن يعود إلى الشّوبك «٤» ، ولا يدخل مصر. فسار على طريق الرّمل يريد الساحل، ووصل إلى رفح.
стр. 11422
فندب الملك الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه. فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر داود- وكان إذ ذاك بالقدس- وتحالفا على قتال الصالح، وذلك فى سنة تسع وثلاثين وستمائة. فاستبشر الناصر بقدومه، وجرّد العساكر معه. وجاء كمال الدين بن الشيخ، والتقوا على مكان يقال له بيت قوريك- وهى قرية من قرى نابلس- بالقرب منها، فيما بينها وبين الغور من جهة أريحا، فكسره الجواد وأسره. وأحضره إلى عند الملك الناصر داود، فوبخ الناصر كمال الدين.
وأقام الجواد عند الناصر فتخيّل منه وقبض عليه بعد أيام، وأراد قتله، لما كان بينهما من الذّحول «١» القديمة. ثم سيّره إلى بغداد فى البرّية تحت الاحتياط، فنزل قريبا من الأزرق، فعرفه جماعة من العرب فأطلقوه.
فتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- فلم يمكّنه من الدخول إليها، وبعث إليه بالنفقات. وجرّد معه خمسمائة فارس، وكتب إليه بالمسير إلى الساحل والاجتماع بملوك الفرنج ومقدّم الدّيويّة «٢» .
فتوجه إليهم واجتمع بهم بقيساريّة «٣» - وكانت أمه فرنجية- فمالوا إليه.
فبلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة، وطلب منه أن يستميل الفرنج إلى طاعته، ويعدهم عنه بجميع ما يختارونه. ففعل الجواد ذلك، واستمالهم، وكتب إليه أن يسير رسوله إليهم.
стр. 11423
ففعل الملك الصالح ذلك، وأرسل رسوله إلى الفرنج، واستحلف الملك الجواد ومقدّم الدّيويّة وأكابر الفرنج. فلما وثق الصالح بذلك، سير الأمير ركن الدين الهيجاوى. إلى غزّة بعسكر، وكتب إلى الجواد أن يرحل وينزل عند الهيجاوى، ويتفق معه على الصلح. ففعل الجواد ذلك.
ثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوى يأمره بالقبض على الملك الجواد، وإرساله إليه. فأخبره الهيجاوى بذلك. فاتفقا على مفارقة الملك الصالح أيوب. فتوجه الجواد إلى عكّا، والتجأ إلى الفرنج. وتوجه الركن الهيجاوى إلى دمشق، والتحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل وأقام عنده. ولم يخدمه، بل كان يتردد إليه فيكرمه ويستشيره فى أموره.
ثم كتب الملك الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنّفه. على لحاقه بالفرنج وطلبه إليه ثم أرسل إلى الفرنج وطلب منهم المعاضدة على صاحب مصر. ووعدهم أنه إذا ملك مصر أعطاهم البلاد الساحلية. وجميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فاستشاروا الجواد فى ذلك، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل، وينهاهم عن موافقته. فوقع بخطه للملك الصالح إسماعيل، فقبض عليه بمنزلة العوجاء «١» ، وسيّره إلى دمشق، واعتقله بعربا. فمات فى شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة. وطلبه الفرنج وشددوا فى طلبه، فأظهر أنه مات. وأهله يقولون إنه خنقه. والله أعلم. ولما مات دفن بقاسيون فى تربة الملك المعظم- رحمهما الله تعالى.
هذا ما كان من أمر الملك الجواد. فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر.
стр. 11424
ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق
وفى سنة ست وثلاثين وستمائة، ندب السلطان الملك العادل العساكر إلى الساحل، وقدّم عليهم الأمير ركن الدين الهيجاوى، وأنفق فيه الأموال- وذلك فى جمادى الآخرة. فأقاموا ببلبيس إلى العشرين من شهر رمضان.
وأظهر جماعة من الأتراك والمضافين إليهم الخروج عن طاعة الملك العادل، وشيّعوا أنه يقصد القبض عليهم، وعزموا على قصد الملك الصالح أيوب. فأرسل الملك العادل إليهم الأمير فخر الدين بن الشيخ، وبهاء الدين ابن ملكشو، وطيّب قلوبهم واستمالهم، فلم يجيبوا ولما كان فى الحادى والعشرين من شهر رمضان، خرج جماعة من الحلقة «١» من القاهرة، من باب النصر وغيره، تقدير ألف فارس من الأتراك- وأظهروا أن السلطان عزم على القبض عليهم، وقصدوا اللحاق بمن كان على بلبيس من الأمراء فبطق «٢» الملك العادل إلى الأمراء الأكراد
стр. 11425
ببلبيس، بمناجزة الأتراك وقتالهم، فقاتلهم الأكراد قبل وصول الحلقة إليهم. فانهزم الأتراك إلى جهة الشام وانضم أكثرهم إلى الأكراد. ولما انهزموا تبعهم الأكراد، ثم رجعوا خوفا على أثقالهم من الحلقة فوجدوا الحلقة قد وصلوا إلى بلبيس، فلم تتعرض إحدى الطائفتين إلى الأخرى بقتال، لدخول الليل. وتوجه الأتراك للّحاق بأصحابهم الذين انهزموا، وساروا إلى دمشق واتصلوا بخدمة الملك الصالح أيوب.
ذكر وصول الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان الملك العادل
وفى خامس شوال، سنة ست وثلاثين وستمائة، وصل نجّاب «١» من الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان، يخبره بوصوله. فخرج السلطان للقائه فى سابع الشهر، وزيّنت القاهرة ومصر زينة لم يشاهد مثلها، وعاد السلطان والملك الناصر معه فى ثامن الشهر، واستبشر بقدومه وحلف كلّ منهما لصاحبه.
وفى العشرين من شوال، وردت الأخبار بوصول عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب- صحبة ولده الملك المغيث جلال الدين عمر- إلى جينين فجمع الملك العادل والناصر الأمراء، وتحالفوا على قتاله. وخرج الملك الناصر داود فى يوم الأحد تاسع ذى القعدة، لقصد الشام. وندب الملك العادل جماعة من الأمراء فى خدمته، لقتال الملك الصالح نجم الدين أيوب. وجهّز صحبته خزانة مال وسلاح خاناه، وخرج لوداعه إلى بركة
стр. 11426
الجبّ، وعاد إلى القلعة. ثم خرج الملك العادل فى يوم الثلاثاء- سلخ ذى الحجة- لقصد الشام، لقتال أخيه الملك الصالح، فنزل على بلبيس وفى هذه السنة، فى يوم الأحد ثامن صفر، كانت وفاة الشيخ الإمام جمال الدين أبى المحامد، محمود بن أحمد الحصيرى الحنفى، بدمشق.
وأصله من بخارى، من قرية يقال لها حصيره. تفقه فى بلده، وسمع الحديث الكثير. وقدم الشام، ودرّس بالنّوريّة. وانتهت إليه رياسة أصحاب أبى حنيفة. وقرأ عليه الملك المعظم الجامع الكبير، وغيره. وصنّف الكتب الحسان، وشرح الجامع الكبير. وكان كثير الصدقة غزير الدّمعة نزها عفيفا.
وكان إذا أتى قلعة دمشق لا ينزل عن حماره إلا على الإيوان السلطانى، والملوك تعظّمه وتجلّه. ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع «١» ، على الجادّة رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الوزير جمال الدين بن جرير، وزير الملك الأشرف. ثم وزر للملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق دون الشهر، ومات. وأصله من الرّقّة. وكانت وفاته فى يوم الجمعة- السابع والعشرين من جمادى الآخرة- بعلة الخوانيق. ودفن بمقابر الصّوفية عند المنيبع- رحمه الله تعالى.
وفيها فى شعبان، توفى الأمير علاء الدين أبو الحسن على، بن الأمير شجاع الدين أبو المنصور جلدك، بن عبد الله المظفّرى التّقوى، بثغر دمياط- وكان واليا به- رحمه الله تعالى.
стр. 11427
ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل
قد ذكرنا أن السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل فى سلخ ذى الحجة سنة ست وثلاثين، لقصد الشام. ونزل على بلبيس وأقام بها، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة، ثم رجع.
وكان سبب رجوعه أن الأمراء قصدوا القبض عليه، وتحيّلوا على ذلك، فسألوه أن يعمل كلّ منهم دعوة ويحضّرها للسلطان، ففسح لهم فى ذلك. وحضر عند بعضهم فأكل، ثم قدّم الشراب فشرب، ورأى ما أنكره فقام، ودخل إلى خربشت «١» لقضاء الحاجة، فخرج من ظهر خربشت، وركب فرسا وساق إلى القلعة. فلما طال على الأمراء انتظاره، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا، وعلموا أنه شعر بما أرادوه من اغتياله.
فسيّروا إليه يطلبونه، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة إلا ليخلّق «٢» المقياس ويكسر الخليج «٣» ، ويعود إليهم. ثم ألجأته الضرورة إلى الخروج،
стр. 11428
فخرج إلى العبّاسة فى يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر، وقبض على الأمير فخر الدين بن الشيخ، وزين الدين غازى، وفتح الدين بن الرّكن، ووصل بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع والعشرين من الشهر. وفى خامس عشرين صفر، توجه الملك الناصر داود من العبّاسة إلى الكرك، وصحبته ابن قليج وجماعة من أمراء مصر.
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، عملت والدة الملك العادل وليمة عظيمة فى الميدان تحت قلعة الجبل، لجميع الناس: الخواصّ والعوامّ، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم، وجملة من الخيل والبقر والجاموس والإبل، وحلت ما يزيد على مائة قنطار من السّكّر، فى ثلاث فساقى كانت على جانب الميدان مما يلى القلعة، وتفرق الناس ذلك بالأوانى. وكان ذلك فرحا باعتقال الملك الصالح أيوب، فإنه كان قد اعتقل بالكرك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ذكر قتال الفرنج وفتح القدس
وفى يوم الخميس- ثامن عشر شهر ربيع الأول، من السنة- وردت الأخبار، إلى السلطان الملك العادل، أن الفرنج قصدوا الأمير ركن الدين الهيجاوى ومن معه من العسكر، والتقوا واقتتلوا، فى يوم الأحد رابع عشر الشهر، عند سطر الجمّيز بالقرب من غزّة.
وكانت الهزيمة على الفرنج. وأسر ملكهم، وثلاثة من ينودهم، وما يزيد على ثمانين فارسا، ومائتين وخمسين راجلا. وقتل منهم ألف وثمانمائة إنسان. ولم يقتل من المسلمين فى هذه الوقعة إلا دون العشرة،
стр. 11429
منهم: الأمير سيف الدين محمد بن الأمير أبى عمر، وعثمان بن الأمير علكان ابن أبى على الكردى الهيجاوى- وكان شابا صالحا- وعمره ثلاثون سنة- رحمه الله تعالى. فخذلت هذه الكسرة الفرنج.
ثم فتح الملك الناصر داود صاحب الكرك- ومن معه من العسكر المصرى- البيت المقدّس، فى يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى. فقال جمال الدين بن مطروح:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت، فصارت مثلا سائرا
إذا غدا للشّرك مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصر «١» طهّره أوّلا ... وناصر «٢» طهّره آخرا
قال: ولما فتح البيت المقدّس، تحصن جماعة من الخيّالة والرّجّالة، ببرج داود والأبراج والبدنات، فنصب عليها المجانيق وهدمها. فسألوا الأمان على أنفسهم خاصة، فأمّنهم.
ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص
وفى ثامن عشر شهر رجب، من السنة- وقيل فى يوم الثلاثاء العشرين منه- توفى الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، بن شادى- صاحب حمص- بها، ودفن بها.
стр. 11430
وكانت حمص بيده، منذ أعطاها إياه السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- عم أبيه- بعد وفاة والده، فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. فكانت مدة ملكه بحمص سبعا وخمسين سنة، تقريبا.
وكان شجاعا شهما، مقداما، يباشر الحروب بنفسه. وحفظ بلاده من الفرنج والعرب. وبنى الأبراج على مخائض العاصى «١» ورتّب فيها الرجال والطيور. وكان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرجال الطيور، فيركب بنفسه وعساكره، فيسبق الفرنج ويردّهم. وكذلك كان يقصد العرب من جهة البرّيّة. وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص، مدة ولايته.
وكان إذا اعتقل إنسانا أطال حبسه. وملك بعده حمص ولده الملك المنصور إبراهيم.
ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتّشاريف
وفى ثامن عشر شهر رمضان- سنة سبع وثلاثين وستمائة- وصل الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- وفلك الدين المسيرى، بخلع الخليفة إلى السلطان الملك العادل، ولولده. ولقّب ولده- الملك المغيث- من الدّيوان العزيز بألقاب الملك الكامل جدّه، وسمّى باسمه، ثم انتفض ذلك، وأعيد إلى ألقابه الأول، وهى الملك المغيث فتح الدين عمر.
стр. 11431
ووصلت الخلع أيضا لجماعة من الأمراء، وخلعة للوزير- ولم يكن للسلطان الملك العادل وزير- فرسم بنقل خلعة الوزير إلى الخزانة العادلية.
وكانت جملة الخلع ثمانى عشرة خلعة. وسيّر للسلطان مع خلعته فرس له سرج مشغول بالذهب، وعلمان، وسيفان، تقلد بهما عن اليمين والشمال.
فلبس السلطان الخلعة بظاهر القاهرة، وشقّ البلد.
ثم اتصل بالملك العادل أن الملك الصالح قد أطلق من حبسه بالكرك، وأنه قصد نابلس، وخطب له بها. فخرج من القاهرة فى يوم السبت الخامس من شوال، ونزل على بلبيس، فأقام بها، إلى أن قبض الأمراء عليه.
ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه
وفى يوم الجمعة، لثمان مضين من ذى القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة- وقيل لسبع بقين من شوال، منها- قبض الأمراء على السلطان الملك العادل، وخلعوه.
وذلك أن الأمير عز الدين أيبك الأسمر- مقدّم الأشرفيّة- ومقدّمى «١» الحلقة، وهم: الطّواشى مسرور الكاملى، وكافور الفائزى، وجوهر النّوبى، وجماعة من الحلقة- اتفقوا على خلعه، والقبض عليه، واستدعاء أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب. فخلعوه وقبضوا عليه. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثلاثة أشهر، وثمانية عشر يوما.
стр. 11432
ولما قبض على الملك العادل، ركب جماعة من الأتراك وقصدوا أمراء الأكراد، لما كان بينهم من الذّحول «١» التى أثرتها وقعة بلبيس. وكان الأكراد على غير أهبة، فنهبهم الأتراك. ووافقهم ممالك الأكراد على أستاذيهم «٢» ، ومالوا للأتراك للجنسيّة، فاستولى الأتراك على خيامهم وأثقالهم وخيولهم. وانهزم الأكراد، كلّ منهم على فرس، ودخلوا القاهرة.
وقبض الأمراء على خواصّ الملك العادل وحرفائه.
وكان الملك العادل قد اشتغل باللهو والهزل واللعب. وكان لا يؤثر قيام ناموس المملكة. ووثق بكرمه وبذله الأموال، وظن أن ذلك يغنيه عن التحفظ. وكان من أكرم الناس وأكثرهم عطاء، ودليل ذلك أنه فرّق فى مدة سلطنته ما يزيد على ستة آلاف (ألف) «٣» دينار، وعشرين ألف ألف درهم، من الأموال التى خلّفها والده: السلطان الملك الكامل.
ذكر أخبار السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل- وما كان من أمره بعد وفاة أبيه إلى أن ملك الديار المصرية
كان السلطان الملك الصالح، لما توفّى والده السلطان الملك الكامل، مقيما بسنجار «٤» - وله آمد وحرّان والرّها، ونصيبين والخابور، ورأس عين
стр. 11433
والرّقّة «١» - من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وتوفى السلطان الملك الكامل والده، والأمر على ذلك.
ثم كان من أخباره مع الخوارزميّة، ومفارقتهم له، ومحاصرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ له بسنجار، واستنصاره بالخوارزمية وعودهم إلى خدمته، وهرب بدر الدين لؤلؤ- ما قدّمناه.
وملك بعد ذلك دمشق من الملك الجواد- كما تقدم. ولما ملك دمشق، راسل عمّه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- صاحب بعلبك- والتمس منه مساعدته على قصد الديار المصرية، وانتزاعها من أخيه الملك العادل. وشرط له أنه إذا فتح الديار المصرية تكون له، وتكون دمشق للصالح إسماعيل. فأجابه إلى ذلك، وشرع فى الاستعداد والاستخدام والاحتشاد.
فاتصل ذلك بالملك العادل ووالدته، فكتبا إلى الملك الصالح إسماعيل، وكتب إليه بعض الأمراء المصريين، وهم يصرفون رأيه عن مساعدة الملك الصالح أيوب، وحسّنوا له أخذ دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل، وصاحب حمص على مخالفة الملك الصالح نجم الدين.
وخرج الملك الصالح أيوب من دمشق فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين وستمائة، وقصد نابلس- وهى فى جملة مملكة الملك الناصر داود، صاحب الكرك- فاستولى عليها وعلى بلادها- وذلك فى شوال من السنة.
وتوجه الملك الناصر داود إلى الديار المصرية- كما تقدم.
стр. 11434
وأقام الملك الصالح نجم الدين بنابلس، ينتظر وصول عمه الملك الصالح إليه بعسكره، ليتوجها إلى الديار المصرية. وكان بقلعة دمشق الأمير ناصر الدين القيمرى، ينوب عن الملك الصالح، فاتصل به خبر الملك الصالح إسماعيل وما عزم عليه. فكتب إلى الملك الصالح أيوب، يعلمه أن عمه الصالح إسماعيل قد عزم على مخالفته، واستخدم الرجال لذلك، وحذّره منه مرّة بعد أخرى. ووالى كتبه إليه، وهو لا يكترث بقوله. فلما كرر كتبه بذلك، أجابه: إن مقرعتى إذا وقعت فى فلاة لا يقدر أحد أن يمسّها بيده، ولا يتجاسر عليها! فلما وقف على جوابه كفّ عنه.
وكان الملك المسعود بن الملك الصالح إسماعيل فى خدمة الملك الصالح أيوب- هو والأمير ناصر الدين بن يغمور- فتواترت كتب الملك الصالح إلى عمه الصالح يستحثه على اللحاق به. وهو يتقاعد عنه، ويجيبه إننى لا يمكننى إخلاء قلعة بعلبك بغير حافظ، والقصد إرسال ولدى إلىّ لأجعله بها، وأحضر إليك. فعند ذلك جهّز الملك الصالح نجم الدين أيوب الحكيم سعد الدين بن صدقة المعرّى، إلى عمه الملك الصالح، برسالة، ظاهرها استحثاثه على سرعة الوصول إليه، وأمره أن يطالعه بما يظهر له من أحوال عمه، وهل هو على الطاعة أو العصيان.
فلما وصل الحكيم إلى بعلبك، اطلع على ما اتفق عليه الصالح إسماعيل وصاحب حمص: من قصد دمشق، وانحرافهما عن الملك الصالح. فكان يكتب إليه بذلك، ويدفع البطايق إلى البرّاج ليرسلها على الحمام، فيرصده الصالح إسماعيل ويأخذها منه، ويغيّرها بخط أمين الدولة السامرى،
стр. 11435
بما معناه أن الملك الصالح إسماعيل محبّ فى السلطان، وقد استخدم واحتفل، وهو على عزم القدوم إلى السلطان. فتصل هذه البطايق المزوّرة إلى الملك الصالح أيوب، فلا يشك أنها صحيحة. فعند ذلك أرسل الملك المسعود الى أبيه ببعلبك، وقد طابت نفسه ووثق [أن عمه] معه.
فلما حصل ولده عنده، سار من بعلبك، وسار صاحب حمص من حمص، وتوافوا بجبل قاسيون. وكان جملة من استخدم الملك الصالح إسماعيل ألف فارس وأحد عشر ألف راجل. واستخدم صاحب حمص أربعة آلاف راجل. وتقرر بينهما أن يكون ثلثا دمشق وأعمالها للملك الصالح إسماعيل، والثلث لصاحب حمص. وكان الصالح إسماعيل قد أفسد بعض أمراء الصالح أيوب. كل ذلك والأمير ناصر الدين القيمرى يطّلع عليه، ويطالع به الملك الصالح أيوب، وهو لا يلتفت إليه، ولا يرجع إلى نصحه.
ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- على دمشق
قال: ولما تكامل للملك الصالح ما أراد من الاستخدام والاحتشاد، ووافقه صاحب حمص- الملك المجاهد أسد الدين شيركوه- راسل الأمير ناصر الدين القيمرى النائب بقلعة دمشق، وبذل له عشرة آلاف دينار على تسليم القلعة. فوافقه على ذلك، ووقع منه بموقع، لأنه كان قد كرّر نصائحه لمخدومه الملك الصالح- نجم الدين أيوب- وحذّره، فما رجع إليه، وأجا؟؟؟
بما تقدم ذكره. فحمله ذلك على موافقة الملك الصالح عماد الدين، وتفرر
стр. 11436
بينهما أن الصالح يحاصر قلعة دمشق ثلاثة أيام، ويسلّمها إليه، ففعل ذلك.
ودخل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء، سادس أو سابع عشرين صفر، سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وكان دخوله من باب الفراديس، من غير ممانعة، فإنه لم يكن عليه من يدفع عنه، ولا عن البلد. ونزل الصالح بداره بدرب الشّعّارين. ونزل صاحب حمص فى داره. وزحفوا فى يوم الأربعاء ثامن عشرين الشهر على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج، وقاتل عليها ثلاثة أيام، وتسلّمها من القيمرى- كما تقرر بينهما وكان بها الملك المغيث: جلال الدين عمر بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاعتقله الملك الصالح إسماعيل عم أبيه فى برج بالقلعة.
واتصل الخبر بالملك الصالح أيوب، وهو بمخيّمه بظاهر نابلس، وقيل له: إن القلعة ما أخذت فاستحلف عسكره، وخلع على عمّيه: مجير الدين وتقىّ الدين، والرّكن والنّميس وغيرهم، وأعطاهم الأموال واستشارهم. فقالوا: نتوجه إلى دمشق قبل أخذ القلعة. فركب بهم من نابلس، فلما انتهوا إلى القصير «١» المعينى بالغور «٢» أنفق فى عسكره، وجدّد
стр. 11437
عليهم الأيمان وقت صلاة المغرب. وبلغهم أن قلعة دمشق قد استولى عليها الصالح إسماعيل.
فلما كان فى نصف الليل، رحلوا عنه بأجمعهم، وتركوه وليس معه إلا دون المائة من مماليكه. وتفرق عنه بقية مماليكه وخواصّه. فرجع يقصد نابلس، ومعه جاريته أمّ ولده خليل: المدعوة شجر الدّر. وطمع فيه حتى الغوارنة «١» والعشران «٢» وكان مقدّمهم رجل شيخ جاهل، يقال له تبل «٣» من أهل بيسان، قد سفك الدماء وركبت الجيوش بسبه مرارا، فتبعه بمن معه. وقد توجه الملك الصالح على طريق جينين يريد نابلس، والغوارنة والعشران يتبعونه، وهو يرجع إليهم ويحمل عليهم بمماليكه فيفرّق جماعتهم.
وأخذ بعض خيولهم، واستولوا هم أيضا على بعض ثقله.
ووصل إلى سبسطية «٤» . وكان الوزيرىّ- نائب الملك الناصر داود- عاد إلى نابلس، بعد خروج الملك الصالح منها. فأرسل إليه الملك الصالح أيوب يقول: إنه قد مضى ما مضى، وما زال الملوك على هذه الحال. وقد جئت الآن مستجيرا بابن عمى الملك الناصر. ونزل فى الدار بنابلس. وكان الملك الناصر داود قد عاد من الديار المصرية على غير رضا. ووصل إلى الكرك. فكتب إليه الوزيرىّ يخبره بخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب.
стр. 11438
ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك
قال: ولما وصل كتاب الوزيرىّ إلى الملك الناصر بالكرك، ندب الأمير عماد الدين بن موسك، والظّهير بن سقر الحلبى، فى ثلاثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح أيوب وتلقاهم، فخدموه وقالا له: طيّب قلبك. إنما جئت إلى بيتك. فقال: لا ينظر ابن عمى إلى ما فعلت، فما زال الملوك على هذا. وقد جئت إليه، أستجير به، فقالا له: قد أجارك، ولا بأس عليك. وأقاموا أياما حول الدار.
فلما كان فى بعض الليالى، ضرب بوق النّفير، وقيل جاء الفرنج إلى الظّهر. فركب الناس وركب مماليك الملك الصالح ووصلوا إلى سبسطية.
فجاء عماد الدين والظّهير والعسكر إلى الدار التى بها الملك الصالح. ودخل الظّهير عليه، وقال له: تتوجه إلى الكرك، فإن ابن عمك له بك اجتماع.
وأخذ سيفه. وكانت جاريته حاملا، فأسقطت. وأخذوه، وأركبوه بغلة، بغير مهماز فى رجله، ولا مقرعة فى يده- وذلك فى ليلة السبت، لثمان بقين من شهر ربيع الأول- وتوجهوا به حتى وصلوا إلى الرّيّة «١» .
قال أبو المظفر: إن الملك الصالح أخبره، قال: إلى الرّيّة فى ثلاثة أيام، والله ما كلّمت أحدا منهم كلمة، ولا أكلت لهم طعاما، حتى جاء خطيب الرّيّة ومعه بردة وعليها دجاجة، فأكلت منها- قال: وأقاموا بالرّيّة
стр. 11439
يومين، وما علمت المقصود بى ما هو؟ وإذا هم يريدون أن يأخذوا طالعا نحسا، يقتضى أن لا أخرج من الكرك. ثم أدخلونى الكرك ليلا، على الطالع الذى كان سبب سعادتى. ووكّل بى الناصر مملوكا له فظّا غليظا، يقال له زريق وكان أضرّ علىّ من كلّ ما جرى.
قال: فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر- يعنى من سنة سبع وثلاثين. وحكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة والشّدة والإهانة شيئا كثيرا.
ولما توجهوا به إلى الكرك، جهز الوزيرىّ خزانته ونساءه، وخيله وأسبابه، إلى الصّلت «١» . وعاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه، فتفرقوا وأما عسكره الذى فارقه من منزلة القصير «٢» - فانهم توجهوا إلى دمشق.
فمنعهم الصالح من الدخول إليها، وقال: هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه. ثم استخدم بعد ذلك جماعة منهم، وطرد طائفة واعتقل طائفة.
وزيّنت مصر والقاهرة للقبض على الملك الصالح شهرا. وعملت والدة الملك العادل الوليمة التى ذكرناها. وأرسلت القاضى الشريف شرف الدين موسى، والعلاء بن النابلسى، إلى الملك الناصر، بقفص حديد، ليجعل فيه الملك الصالح، ويرسله معهما إلى الديار المصرية! وبذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار. وكاتبه الصالح إسماعيل وصاحب حمص، فى
стр. 11440
إرساله إلى دمشق. وبذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ربع دمشق. فما أجاب الناصر إلى ذلك وقيل: كان السبب فى امتناع الملك الناصر من تسليمه، لمن بذل فيه ما بذل، أن الصالح أيوب كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح- الكاتب- إلى الخوارزميّة فى الحضور إليه، لمحاصرة دمشق. فتوجه لذلك.
فلما قبض على الصالح، أرسل ابن مطروح رسولا على النّجب إلى الملك الناصر، يقول له: إن فرط فى الملك الصالح أمر، فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك فى البلاد قعر قصبة، فقد حلفوا على ذلك.
وقيل إن والدة الملك الناصر اهتمّت بأمر الملك الصالح، وخدمته أتم خدمة، وتولت ذلك بنفسها، وكانت تطبخ له بيدها. وحلفت على ولدها أنه إن فعل به ما يكره، لا أقامت عنده. وقالت له: ما ملّكنا البلاد، وجعلنا فى هذا الحصن إلا والده- تعنى: الملك الكامل. فتوقف عن إرساله. والله أعلم.
ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية
قال: ولما كان فى أواخر شهر رمضان، استشار الملك الناصر داود الأمير عماد الدين بن موسك، وابن قليج، والظّهير، فى أمر الملك الصالح.
فوقع الاتفاق على تحليفه وإخراجه. فاجتمع الناصر والصالح وتحالفا، وأفرج عنه وذلك فى أواخر شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ولما أخرجه الناصر من اعتقاله، ركّبه بالكرك بشعار السّلطنة، وحمل الغاشية بين يديه، وأظهر الناصر الخلاف على الملك العادل.
стр. 11441
وحكى عماد الدين بن شدّاد- فى سبب خلاص الملك الصالح- أن الملك العادل كان قد حلّف الناصر، وحلف له على الاتفاق واجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح، وأن تكون دمشق إذا فتحت للملك الناصر.
فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق، وأخذها، أرسل إليه الملك العادل يصوّب رأيه، ويشكر فعله. فعظم ذلك على الملك الناصر، وكان سبب خلاص الملك الصالح.
وحكى أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزى، فى كتابه: «مرآة الزمان» أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره- بعد أن ملك الديار المصرية- قال: حلّفنى الناصر على أشياء، ما يقدر عليها ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق، وحمص، وحماه وحلب، والجزيرة والموصل وديار بكر، وغيرها، وأن يكون له نصف الديار المصرية، ونصف ما فى الخزائن: من الأموال والجواهر والخيول والثياب وغيرها. فحلفت من تحت القهر والسيف.
وقد شاهدت أنا بعض نسخة اليمين عند المولى الملك العزيز: فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث فتح الدين عمر- صاحب الكرك- كان بالقاهرة- وفيها أشياء كثيرة من هذا النّوع، وإلزامات، يعلم المستحلف العاقل أن الحالف لا يفى بها، لكثرتها وخروجها عن حد القدرة البشرية، وأن النفوس لا تسمح بها لوالد مشفق، ولا ولد بارّ، فكيف لابن عمّ عدوّ.
стр. 11442
قال المؤرّخ: ولما أطلقه الملك الناصر، ركب الملك الصالح من يومه، وسار إلى نابلس. فوصل إليها فى يوم السبت، تاسع عشرين الشهر، وخطب له بها يوم عيد. ونثر ابن موسك على الخطيب والناس الذهب.
وخرج الرّكن الهيجاوى إلى الديار المصرية، فأرسل إليه الملك العادل يأمره بالإقامة على بلبيس، إلى أن تصل إليه العساكر. ثم خرج الملك العادل بعساكره- فى خامس شوال- لقتال أخيه الصالح، فقبض الأمراء عليه- كما قدّمنا.
ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية
قال المؤرّخ: لما قبض الأمراء الذين قدمنا ذكرهم على الملك العادل، كتبوا إلى الملك الصالح يستدعونه، فسار لوقته.
وكان وصوله- والملك الناصر داود- إلى بركة الجبّ «١» ، فى يوم الخميس الحادى والعشرين من ذى القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة.
فنزل فى خيمة الملك العادل- والملك العادل معتقل فى خركاه «٢»
стр. 11443
واستدعى الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ، واستوزره، ورد إليه النظر فى الدواوين. وأقام ببركة الجبّ إلى يوم الأحد، لستّ بقين من الشهر. فركب وصعد إلى القلعة فى الثالثة من النهار- وذلك باتفاق المنجّمين.
واعتقل أخاه الملك العادل فى بعض آدر القلعة. وبقى ابنه الملك المغيث- فتح الدين عمر- فى خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة، ثم رأى منه نجابة فحجبه فى الدار القطبيّة، عند عمته ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل. فلم يزل الملك المغيث بها، إلى أن مات عمه الملك الصالح وملك ابنه الملك المعظم، فنقله إلى الشّوبك واعتقله بها.
وكان من أمره ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
وفى الثامن والعشرين من ذى القعدة، من السنة- تقدم أمر السلطان بتجريد جماعة من الأمراء والعساكر إلى الأعمال القوصيّة، لإصلاح العربان بالوجه القبلى. وجعل المقدّم عليهم الأمير زين الدين بن أبى زكرى.
ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك
كان عوده إلى الكرك فى ذى الحجة، من السنة.
وسبب ذلك أنه اجتمع هو والسلطان الملك الصالح، بقلعة الجبل على شراب، فلما جنّهم الليل وأخذ منهم الشراب، قال الملك الناصر للسلطان:
أفرج عن أخيك الملك العادل فى هذه الساعة. فلاطفه الملك الصالح، وهو يكرر عليه القول! وكان آخر كلام الملك الناصر أن قال للسلطان: لو غسلت رجلىّ وشربت ماءهما، ما أدّيت حقّى! فأمر السلطان مماليكه بإخراجه.
стр. 11444
فأخرجوه وركّبوه إلى الوزارة. فلما أصبح، سأل عما كان منه، فأخبر به. فقال: ما بقى لنا مقام فى هذه الديار. وأحضر النّجب، وعمل عليها الأخراج- وفيها ما كان معه من الأموال- وهمّ أن يركبها. فبينما هو يتهيأ للركوب، إذ حضر إليه الأمير: عز الدين أيدمر الجمدار «١» الصالحى، ومعه عشرة آلاف دينار، وعشرة أفراس وخلع، وقال له: يقول لك السلطان: هذه ضيافة، خذها وامض إلى بلادك. فأخذها، وركب من وقته، وسلك طريق البرّيّة. ثم ندم السلطان على إطلاقه، وكونه ما قبض عليه ليأمن شره.
وقيل: إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج، فى قصد بلاد الناصر. فتوجهوا إلى نابلس، فقاتلهم أهلها وهزموهم، فرجعوا إلى بلادهم. فعاد بسبب ذلك. هذا ما حكاه ابن جلب راغب، فى تاريخه، فى سبب عود الملك الناصر.
وحكى أبو المظفر يوسف، فى «مرآة الزمان» ، عما أخبره به الملك الصالح نجم الدين- من لفظه- عندما حضر إليه فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، عن وقائع اتفقت له، بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك ورجع الناصر.
стр. 11445
منها أنه قال: والله لم أحضر الملك الناصر معى إلى الديار المصرية، إلا خشية أن يكون قد عمل علىّ. ومنذ فارقنا غزّة، تغيّر علىّ ولا شك أن بعض أعدائى أطمعه فى الملك. فذكر لى جماعة من مماليكى أنه تحدث معهم فى قتلى. قال: ومنها أنه لما أخرجنى ندم، وعزم على حبسى، فرميت روحى على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولا، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.
ومنها أنه لما وصلنا إلى بلبيس، شرب وشطح إلى العادل، فخرج العادل من الخركاه «١» وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت به عليك، ولم تقبل منّى؟! فقال: يا خوند «٢» ، التّوبة. فقال طيّب قلبك، الساعة أطلقك. قال الصالح: وجاء فدخل علينا الخيمة، ووقف. فقلت له: باسم الله اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل.
فقلت: اجلس- وهو يكرر هذا القول. ثم سكت. ولو أطلقته ضربت رقابنا كلّها ثم نام وما صدّقت بنومه. وقمت فى بقية الليل، وأخذت العادل فى محفّة، ودخلت به إلى القاهرة. قال: ولما دخلنا القاهرة، بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت لى مع مماليكى. ومنها أنه قال فى بعض الأوقات: قبّل قدمىّ ورجلىّ- إلى غير ذلك، مما لا تصبر عليه النّفوس.
стр. 11446
ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع وثلاثين وستمائة- خلاف ما قدّمناه
فى هذه السنة- فى شهر ربيع الأول- أخرج الملك الكامل من مدفنه بقلعة دمشق، إلى تربته شمالىّ حائط الجامع الأموى، وفتح فى الحائط ثلاث شبابيك الى الجامع: أحدها باب يتوصّل منه إلى الجامع.
وفيها فوّض السلطان الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- الخطابة بالجامع الأموى لشيخ الإسلام: عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام- وذلك فى شهر ربيع الآخر.
وفيها أمر الملك الصالح- المذكور- الخطباء بدمشق والشام، بالخطبة لصاحب الروم.
وفيها فوّض الصالح- أيضا- قضاء الشام للقاضى: رفيع الدين أبى حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد، بن إسماعيل بن عبد الهادى بن عبد الله الجيلى «١» الشافعى- وكان قبل ذلك قاضى بعلبك. وظهر منه من سوء السّيرة والعسف والظلم، ومصادرات أرباب الأموال، ما لا يصدر مثله من ظلمة الولاة. وكانت عاقبة ذلك ما نذكره- إن شاء الله تعالى- من قتله.
وفيها، فى ليلة الثلاثاء خامس عشر ذى القعدة، سقط كوكب عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديرا على هيئة ومقدار، فأضاءت منه
стр. 11447
الدنيا، وصارت الأرض أشدّ نورا من ليلة التّمام. وشاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان بظاهر القاهرة، عابرا من جهة باب النّصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورة قدر رمحين. واعتقبه رعد شديد، وتقطّع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النّظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الانسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة- هكذا قدّره من شاهده- على ما نقل إلينا.
وفيها فى شعبان- كانت وفاة قاضى القضاء، شمس الدين أحمد، ابن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الخويّى «١» الشافعى، بالمدرسة العادلية، بدمشق، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان- رحمه الله تعالى- حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف، عالما فاضلا فى علوم متعددة، عفيفا متواضعا- رحمه الله تعالى.
وكان وروده إلى دمشق، فى أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وحكى أنه لما ورد إلى دمشق، كان مع فضيلته وعلومه يلعب بالقانون، ويغنّى عليه، وقد أتقن صناعته. فأنهى إلى الملك المعظم أمره، فاستحضره إلى مجلس أنسه، ولعب بين يديه بالقانون، وغنّى عليه، ونادمه فأعجبه. وأمره بملازمته فى أوقات خلواته ومجالس شرابه. هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم.
стр. 11448
وأما سبب ولايته القضاء بدمشق، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضى جمال الدين المصرى- قاضى قضاة دمشق- أنه يتعاطى الشراب.
فأراد تحقيق ذلك عيانا، فاستدعاه، وهو فى مجلس الشراب، فحضر إليه.
فلما رآه قام إليه، وناوله هنّابا «١» مملوءا خمرا. فولى القاضى جمال الدين المصرى ورجع، فغاب هنيهة، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء: الطّرحة «٢» والبقيار «٣» والفوقانيّة «٤» ، ولبس قباء «٥» ، وتعمّم بتخفيفه وحمل منديلا.
ودخل على الملك المعظم فى زى النّدماء. وقبّل الأرض، وتناول الهنّاب من يده وشرب ما فيه. ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه. واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطى ذلك، وهو فى زىّ القضاة. فاغتبط الملك المعظم به.
стр. 11449
ولما انقضى مجلس الشراب، ورجع المعظم إلى حسّه، علم أنه لا يجوز له أن يقرّه على ولاية القضاء- وقد شاهد من أمره ما شاهد. ففوّض القضاء للقاضى شمس الدين الخويّى، وخلع عليه. وجلس للحكم بين الناس، وأحسن السّيرة. وانقطع عن مجلس الملك المعظم وحضوره، إلا فى أوقات المواكب، على عادة القضاة.
واستمر على ذلك مدة. ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته، وسماع قانونه. فاستدعاه وتحدث معه، واستوحش منه. ثم كلمه فى الحضور إلى مجلس الأنس معه، فى بعض الأوقات، وأنه لا يخليه منه جملة، وتلطف به فى ذلك. فأجابه عن ذلك، بأن قال: إذا أمر السلطان- أعزّه الله بهذا- امتثلت أمره، وفعلت. ولكن يكون هذا بعد عزلى عن منصب القضاء والحكم بين الناس، وتولية قاض غيرى. فإننى لا أجمع بين منصب القضاء وما يضادّه أبدا، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين، ويتعلق ذلك بذمة السلطان. فإن أحبّ السلطان ذلك، فليولّ قاض غيرى.
فأعجب الملك المعظم ذلك منه، وسرّبه، وقال: بل نرجّح مصلحة المسلمين على غرضنا. واستقر على القضاء. وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه فى دينه ولا يغضّ من منصبه- رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة ثمان وثلاثين وستمائة:
فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر، رتّب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار العدل. وجعل افتخار الدين ياقوت الجمالى نائبا عنه بها. ونصب معه شاهدان من العدول، وجماعة من الفقهاء، منهم:
стр. 11450
الشريف شمس الدين الأرموى «١» نقيب الأشراف، والقاضى فخر الدين بن السّكّرى، والفقيه عز الدين. فصار الناس يأتون إليها، ويتظلمون وتكشف ظلاماتهم. وإنما فعل السلطان ذلك، لأنه كان غليظ الحجاب، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس.
وفيها، فى رابع المحرم، حصل الشروع فى بناء القنطرة على الخليج الحاكمى- وهى المعروفة فى وقتنا هذا بقنطرة السّدّ.
وفيها فى تاسع شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتجهيز زرد خاناه «٢» وشوانى «٣» وحراريق «٤» إلى القلزم «٥» لقصد اليمن. وجرّد جماعة من الأمراء والجند بسبب ذلك، فى سادس عشر الشهر.
ثم عاد العسكر فى خامس شهر رمضان، بسبب حادثة الأشرفية التى نذكرها. لأنهم بلغهم أن الأشرفية ومن شايعهم عزموا على نهب العسكر المذكور- وكان ببركة الجبّ. وبطل التّجريد «٦» إلى اليمن.
следующие страницы →