Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.
стр. 11516
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
الولد تورانشاه- أصلحه الله ووفّقه يا ولدى، أنت تعلم ما سبب تأخير طلبك إلا ما أعلمه منك، من الصّبيانية والجرأة وقلة الثبات. والملك ما يحتمل هذا. والوالد ما يشتهى لولده إلا الخير. والخصائل التى أعرفها منك اتركها، يدوم لك الملك. وإن أنت خالفت أمرى وبقيت على ما أعلمه منك، يروح منك الملك. واثبت فى جميع أمورك. وسنّ سيرتى فى العسكر. واترك الأشياء على ما هى عليه: كل أحد متولّى الشغل الذى هو فيه، ولا تحدث حادث.
والوصية بجميع الأمراء، وأكرمهم واحترمهم، وأرفع منزلتهم. فهم جناحك الذى تطيربه، وظهرك الذى تركن إليه. وطيّب قلوبهم، وزيد فى إقطاعهم. وزيد كلّ أمير على [ما] معه من العدّة عشرين فارس. وأنفق الأموال. وطيّب قلوب الرجال، يحبوك وتنال غرضك فى دفع هذا العدو.
ولا تؤاخذ بما جرى فى دمياط، فهذا أمر سماوىّ، ما لأحد فى هذا حيلة.
والأخ فخر الدين بن الشيخ ما عندى من أقدّم سواه، فأكرمه، واحترمه كما تحترمنى. واجعله عندك كالوالد. واسمع قوله ورأيه ولا تخالفه.
واجعل له من العدة مائتى فارس.
يا ولدى: الوصية بأم خليل، فلها علىّ من الحقوق والخدمة ما لا أقدر أصفه، ارعى جانبها وأكرمها واحترمها، وارفع منزلتها، فهى عندى بمنزلة عظيمة. وكنت طيّب القلب بصحبتها، آمنا على نفسى من جهتها، فاجعلها لك مثل الوالدة. واجتهد فى اتصال الراحة إليها، وطيّب
стр. 11517
قلبها، واجعلها حاكمة على جميع أمورك وأموالك. ولا يبدو منك كلمة تضيّق صدرها، ولا توجع لها قلبا أبدا، ولا من يتعلق بسببها، ولا من يضيق صدرها بسببه.
ولا تخرج عن رأيها وتدبيرها. وهذه وصيتى فلا تخالف أمرى.
واخدمها كما تخدمنى، واحترمها كما تحترمنى. ولا تجعل على يدها يد.
والوصية بجميع العيال، أحسن إليهم فلهم علىّ خدمة. ولا تقصّر فى حق الصغير منهم والكبير. واحفظ وصيتى، فمتى خالفتنى يروح منك الملك، وتكون عاقّا لى. وكتبت هذه الوصية ولم يطلع عليها أحد، لئلا تضيق صدورهم. وكتبتها فى مدة طويلة.
واعلم يا ولدى أن الملك فى ابتداء ملكه كمثل الشّجرة فى ابتداء طلوعها، فيأتى ريح يهب عليها يحرّكها، وربما يقلعها من أصلها. فإذا مضت عليها الأيام والسنين قوى أصلها، واشتد ساقها، فلا تحركها الرياح العواصف. فاعلم يا ولدى إشارتى، وتنبّه لغرضى. وإن ضاق صدرك من شخص فاحتمله، وأحسن إليه تحسن سيرتك، ويحبّك عدوّك. ولا تعجل بالعقوبة. واعلم أن الناس أعداء لبعضهم البعض، فلا تسمع كلام أحد دون أن تقابل بينه وبين خصمه، ولو أتاك مقطوع اليد. فربما خصمه أسوأ حالا منه. فإذا عرف هذا منك، تقلّ الشّكاوى والرّفاعات «١» ، ويستريخ خاطرك.
стр. 11518
والذى أعرّفك به يا ولدى: لمّا نزل العدوّ على زمن الشّهيد «١» ﵀ على دمياط، ما كان فيها سوى الوالى والكنانيّة، وأهلها حفظوها إلى أن وصل الشّهيد من القاهرة، وعسكر مصر من الشام. وما قدر العدو ينزل برّ دمياط، وما كان فيها ذخيرة شهر واحد.
فلما اختلف العسكر على الشّهيد- ﵀ وتحزّبوا- مثل ابن المشطوب «٢» والأكراد- مع الملك الفائز، غضب الشّهيد، وساق إلى أشموم. وتبعه العساكر، وتركوا جميع الخيم والقماش. وخرج من دمياط من خرج، والوالى.
وما بقى فيها إلا أهلها. وغلّقوها وقعدوا فيها وحفظوها، إلى أن مات أكثر من فيها والباقى تكشّحوا، وخلت الأصوار من المقاتلين. فصعدت الفرنج وأخذتها، بعد أن تعبوا من النّقوب من تحت الأرض، وشربوا بالبتاتى، والزحف عليها من جميع الجهات، وما قدروا يأخذوها.
وأنا قويّت دمياط، وملأتها ذخائر من كل شىء، يكفيها عشرين سنة، مع ما كان عند أهلها من الذخائر. واكشف من الديوان يعرّفوك ما كان فيها من الخيرات. وقويّتها بجميع عسكر الديار المصرية، من فارس وراجل، ونقدى، وما خليت لها عذر، حتى بقيت وحدى فى أشموم بسبب المرض.
стр. 11519
فلما أن أقبل العدو وشاهدوه وطلبوا البرّ بالحراريق، انهزموا وسلّموا لهم البرّ، واشتغلوا بالنساء ونقلهم من دمياط، وهربت العوامّ وتبعهم الأجناد.
وكان المقدّم عليهم الأخ فخر الدين ساق خلفهم وردّهم، وجعل على أبواب دمياط كل باب أمير. فلما أصبح، ما وجد فى المدينة أحد. هربوا الكنانية فى الليل، وكسروا الخوخ «١» ونزلوا من السّور، وتركوا أموالهم وذخائرهم نهبوها المسلمين بعضهم بعض. وأخلوا دمياط، حتى أخذتها الفرنج ثانى يوم. وهذا كله بقضاء الله وقدره.. واصبر تنال ما تريد.
وهذا العدو المخذول، إن عجزت عنه، وخرجوا من دمياط وقصدوك، ولم يكن لك بهم طاقة وتأخّرت عنك النّجدة، وطلبوا منك الساحل وبيت المقدس وغزّة وغيرها من الساحل- أعطيهم ولا تتوقّف، على أن لا يكون لهم فى الديار المصرية قعر قصبة.
وإن نزلوا منزلة من تقدّمهم من العدوّ قبالة المنصورة، فرتب العسكر يكونوا ثابتين خلف السّتاير مع البحر، ليل ونهار. فهم ما لهم زحف إلا بالشّوانى «٢» ، فقوّوا الشّوانى، كيفما قدرتم. واجهدوا أن يكون بعض الحراريق «٣» على بحر المحلّة من خلف مراكبهم، تقطع عنهم الميرة. وهو يكون- إن شاء الله- سبب هلاكهم. فتلك المرّة ما انتصر الشهيد- ﵀ عليهم إلا من بحر المحلّة.
стр. 11520
وتكون العرب مع الخوارزمية مع ألفين فارس بينهم وبين دمياط.
واستخدم، الفارس والراجل. وأنفق الأموال ولا تتوقف. وإن كان الشّرق لا ينجدوك لأجل الناصر وإسماعيل، واشترطوا أن تردّ عليهم بلادهم، ورأيت الغلوبيّة، ولا بدّ من ذلك وإلا ذهب الملك- فالضرورات لها أحكام.
إعلم- يا ولدى- أن الديار المصرية هى كرسىّ المملكة، وبها تستطيل على جميع الملوك. فإذا كانت بيدك، كان بيدك جميع الشّرق. ويضربوا لك السّكّة والخطبة.
فاتّفق أنت والأخ فخر الدين، وأرضى الناصر «١» بما يطيب به قلبه.
فالناصر ما أخرجه من يدى إلا تغيّرى عليه، بسبب أوراق كانت تصل إلىّ عنه أنه فعل وصنع. وكشفت عن ذلك، ما رأيت لها صحّة. فلما انقطع رجاه منىّ لتغيّرى، استند إلى إسماعيل وابن ممدود، وجرى منهم ما جرى.
كل ذلك من إسماعيل وابن ممدود، وهو يشاركهم فى جميع ما يفعلوه.
وأما الذى فعله معى على نابلس فما كان إلا مصلحة عظيمة، أنا أشكره عليها. طلع بى الكرك إلى أن ذهبت أيام القطوع. لولا ذلك أخذنى إسماعيل «٢» ، لأنه ضيّق علىّ أرض الشام بالعسكر فى طلبى، فما فعل فى حقى إلا خير. فهو كان السبب فى خروجى، فى الوقت الذى كان قدّر الله بتوجهى فيه إلى الديار المصرية بالملك. فلا يضيع له هذا القدر.
стр. 11521
وكنت نويت له كلّ خير. فإن حصل بينكما اتّفاق، وصفت نيّته فى محبتك، ووفى لك باليمين، فخاطرك به مستريح فى أمر الساحل. فما ذنوبه عندى ذنوب إسماعيل، الذى بارزنى، وأخذ منّى دمشق، واعتقل ولدى، وفعل فى حقّى ما فعل، وأعطى الساحل والحصون التى فيه لعدوّ الدّين، واستعان بالكفر «١» علىّ، وعلى أخذ بلادى. فارضيه بشىء يستعين به: بصرى مع السّواد، ولا تعطى له قلعة بعلبك. وتحسن إلى أولاده وأهله، وينفذوا إليه. فالله يقابل المسىء، ويجازى المحسن وأطلق المحتبسين كلهم، إلا من كان له تعلّق فى قبض عمك، أو مفسد فى الدولة.
فإن قدّر الله لك بالنصر على هذا العدوّ المخذول «٢» ، وأخذت دمياط- إن شاء الله تعالى- ابنى باشورة «٣» تكون طول قامة، وبسطة بشراريف، ومرامى من فوق وأسفل، وتكون الباشورة عرّض يتمكّن القتال عليها، إما بالحجر أو بالطوب الأحمر، ويكون لها سلالم، بين كل سلّم وسلّم ثلاثين خطوة. تعمل هذه الباشورة من قبالة برج السّلسلة، قريب من الماء البحر إلى البرزخ، إلى المكان الذى نزلوا فيه الفرنج، وفوق منه بثلاث رميات نشّاب. ومن آخر هذه الباشورة تحفر خندق، من البحر المالح إلى البحر الحلو، مثل ما حفره الشّهيد «٤» تلك المرّة، بحيث إذا جاء العدو
стр. 11522
لا يقدر على الماء الحلو، ولا يبقى له منزلة ينزل فيها. وبين كل سلمين لعبتين يرموا بالحجارة، والعسكر تقاتل من على الباشورة والمنجنيق والرّماة ترمى من خلف الباشورة من المرامى، ما يقدر أحد يقرب البر. وعجبت كيف غفل عن هذا الشهيد- ﵀ وعمل قلعة.
فهذه الباشورة فيها ألف مصلحة قسّطها على الأمراء وعلى بيت المال والأسرى الفرنج تعمل فيها. واجتهد فى عملها تأمن على دمياط وتستريح وإن لم يخرج العدوّ من دمياط وتطاول الأمر ينتظروا نجدة تصل إليهم، ازحف عليهم من برّ دمياط ومن برّ البرزخ، بالفارس والراجل وبالشّوانى من البحر، لعل أن تملكوا برّ البرزخ. فإذا ملكتوه ملكتم فم البحر، ومنعتوا أن يدخل إليه مركب، أو يخرج.
ويا ولدى: قلّدت إليك أمور المسلمين، فافعل فيهم ما أمرك الله به ورسوله. يا ولدى إياك والشّرب، فإن جميع الآفات ما تأتى على الملوك إلا من الشّرب. ولا تخالفنى تندم، وتدخل عليك العارض «١» . فما يسقيك إلا من تأمن إليه، ولا يدخل عليك العارض إلا من القريب. يا ولدى:
وامنع المسلمين والنصارى أن يعصروا الخمر. وطهّر العساكر من القحاب، والمدن. ولا تجلس مع من يشرب، فيزين لك الشيطان فتشرب، فتكون قد خالفتنى، وتدخل عليك العارض. وأنا قد جرّبت الأشياء ووقعت فيها، وتحقّقت الخطأ من الصواب، وندمت وقت لا ينفع الندم. فاجتنب يا ولدى ما حذّرتك منه. فقد أخبرك مجرّب صادق، مشفق عليك
стр. 11523
وانظر يا ولدى فى ديوان الجيش. فهم الذين أفسدوا البلاد وأخربوها- وهم النّصارى- أضعفوا العساكر، وكأن البلاد ملكهم يبيعوها بيع. إذا كتب منشور لأمير يأخذوا منه المائتين وأكثر، ومن الجندى من المائة ونازل. ويكون الجندى خبزه «١» ألف دينار يفرقوا خبزه فى خمس ست مواضع: فى قوص وفى الشرقية وفى الغربية، فيريد الجندى أربع وكلاء، يروح الخبز للوكلا. ومتى يحصل للجندى من خبزه شىء، إذا كان مثلا فى بيكار «٢» ويقاسى العليقة بثلاثة نقرة «٣» ، كيف يكون حاله؟ يخرب بيته ويهلك! فهذا سبب هلاك الجندى. والنصارى يقصدوا هذا، لخراب البلاد وضعف الأجناد، حتى تروح منا البلاد. وجندى يحصل له وجندى ما يحصل له شىء أصلا.
تردّ عبرة البلاد «٤» إلى ما كانت عليه فى زمن صلاح الدين- ﵀. والجندى لا يكون خبزه مفرّق، بل فى موضع أو موضعين قريبين.
فتعمر البلاد ويقوى الجندى ويقوى الفلاح. فإذا كانوا جماعة فى بلد، وكل أحد يخرب من ناحية ويجور المقطعين على الفلّاحين، تخرب البلاد. وهذا كله فعل النصارى.
стр. 11524
وبلغنى أنهم بعثوا إلى ملوك الفرنج فى الساحل فى الجزائر، وقالوا لهم.
أنتم ما تجاهدوا المسلمين، بل نحن نجاهدهم الليل والنهار، بأخذ أموالهم ونستحلّ نساهم، ونخرّب بلادهم ونضعف أجنادهم. تعالوا خذوا البلاد، ما تركنا لكم عاقة. فالعدوّ معك فى دولتك- وهم النصارى. ولا تركن لمن أسلم منهم ولا تعتقد عليه، فما يسلم أحد منهم إلا لعلّة، ودينه فى قلبه باطن كالنار فى الحطب! يا ولدى، أكثر الأجناد اليوم عامّة، وباعة وقزّازين: كل من لبس قباء «١» وركب فرس، وجاء إلى أمير من هؤلاء الترك، وقدم له فرس، ويبرطل نقيبه وأستاذ داره «٢» على خبز جندى، من جندى معروف بالشجاعة والحرب- طرده أميره، وأعطى خبزه لذاك العامى الذى لا ينفع وأكثرهم على هذه الحالة. فإذا عاينوا العدو وقت الحاجة هربوا، وينكسروا العسكر. لأنهم ما يعرفوا قتال، ولا هو شغلهم. فينبغى أن لا يستخدم [إلا] من يعرف يلعب بالرمح على الفرس، ويرمى بالنّشّاب والأكرة، وتظهر فروسيته- حينئذ يستخدم.
واحفظ يا ولدى ما أقوله لك، فهذا جميعه ما عرّفنى به إلا الأخ فخر الدين، وأخبرنى أنه وقف على كتاب بخط صلاح الدين، أن الفيّوم وسمنّود والسواحل والخراج للأسطول. فالأسطول أحد جناحى الإسلام.
فينبغى أن يكونوا شباعا. ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين
стр. 11525
درهم مستمرة راتبه، جاءوا من كل فجّ عميق، ورجال معروفين بالقذف والقتال. وإنما تجو «١» وقت الحاجة تقبضوا ناس مستورين لهم أطفال وبنات، وهو الذى يطعمهم ويسقيهم، تأخذوه فى الأسطول ولا ينفع، تموت أطفاله بالجوع، ويدعو علينا! كيف تنتصر على العدو؟! وتأخذوا إلى البحر عند قبض الأسطول كل يوم ألف دينار، لأنه يقبض من الصبح إلى المغرب، مساتير وبياعين وأرباب معايش، يجو أهاليهم إلى بيت الوالى، كل أحد يزن الذهب ويخلّص نفسه «٢» . والفقير الذى ماله قدرة تحدّروه فى المراكب. فقد نبّهت الولد على هذه الأشياء. والأخ فخر الدين عرفنى بهذه الأحوال جميعها. فاسمع ما بقوله لك.
الولد يتوصّى بالخدام: محسن ورشيد والخدام المقدّمين، لا تغيرهم. فما قدّمت أحد من الخدام ولا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه وشفقته. وأستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم. وكذلك الحسام لا تغيرهم. فإنى أعتمد عليهم فى جميع أمورى.
القيمريّة «٣» ، الولد لا يسمع كلام بعضهم فى بعض. وناصر الدين عند كذب وخبث. وما باطنه جيّد. وقد عرّفت الأخ فخر الدين الرّسل الذى مسكوا من دمشق إلى حلب من عنده. والحسام يكون بمفرده لا حلّ ولا ربط. وضيا الدين القيمرى، إن احتاجوا إلى أن يخرج عسكر إلى جهة من الجهات، يكون مقدّم. وناصر الدين أرجل لا يخرج مع عسكر.
стр. 11526
وسيف الدين القيمرى تعمل معه ما يقرّر مع الأخ فخر الدين، يكون مقدّم العسكر فى دمشق. وابن يغمور مشدّ «١» ، وناصر الدين على المظالم. فابن يغمور يصلح يكون مشدّ ووالى وجابى الأموال، ولا يصلح يكون مقدّم على عسكر، ولا يصلح لجنديه. ولا تؤمن إليه كل الأمن. بل تمشّى به الحال فى مكان مدة، ثم ينقل إلى غيره. وهو بالكتّاب أليق.
وكذلك قرائب فخر الدين عثمان كلهم لا يصلحوا لجندية. ابن العزيز الرأى عندى أن تؤخذ جماعته، ويبقى هو ومماليكه بمفردهم، ويقطع له ولمماليكه، وحاشيته ودوره، ما يقوم بهم من خاصة. فالأخ فخر الدين يعرف ما جرى منه، فهو نحس مفسد مخسخس. وقد عرف الأخ فخر الدين حاله وما جرى منه فى دمياط وغير دمياط، فما يصلح لصالحة.
متولّى ديوان الأحباس «٢» اصرفه. وولىّ ابن النّحوى، فقد سألنى المتصدرين ذلك. وطرائق بن الجباب غير صالحة. والوكيل اصرفه. وولىّ ابن الفقيه نصر، فهو رجل جيّد فقيه عنده خوف من الله.
وقد عيّنت فى ورقة عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدّمهم، تعطى لكل واحد كوس «٣» وعلم، وتحسن إليهم.
وتتوصّى بالمماليك غاية الوصية. فهم الذى كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم. وهم ظهرى وساعدى. تتلطّف بهم، وتطيّب قلوبهم، وتوعدهم بكل خير. ولا تخالف وصيتى. ولولا المماليك ما كنت قدرت أركب فرس، ولا أروح إلى دمشق، ولا إلى غيرها. فتكرمهم وتحفظ جانبهم.
стр. 11527
فهذه وصيتى إليك، فاعمل بما فيها ولا تخالف وصيتى. وكل يوم طالعها، واقف عليها. ولا تعمل شىء دون أن تشاور الأخ فخر الدين. والله يقدر بما فيه الخير- إن شاء الله تعالى.
يا ولدى، إن ألزموك- الحلبيين- أن تدفع الكرك «١» إلى الناصر، فأعطه الشّوبك. وإن لم يرض زده من الساحل، حتى يرضى. ولا تخرج الكرك من يدك. الله الله احفظ وصيتى. فلا تعلم ما يكون من هذا العدو والمخذول، لعله- والعياذ بالله- أن يتقدم إلى مصر يكون ظهرك الكرك، تحفظ فيه رأسك وحريمك، فمصر ما لها حصن. ويجتمع عندك العسكر وتتقدم إليهم، تردهم عن مصر. وإن لم يكون لك ظهر مثل الكرك، تفرقت عنك العساكر. وقد عزمت أن أنقل إليها المال والذخائر والحرم، وكل شىء أخاف عليه، واجعلها ظهرى. والله ما قوى قلبى واشتد ظهرى، الا لما حصلت فى يدى.
الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه- وآله وصحبه- وسلامه هذا آخر ما تضمنه كتاب الوصية. وقد نقلته بنصّه وهيئته- على ما فيه من لحن فى بعض ألفاظه، ونقص ألفات فى بعضه.
ولم يعتمد الملك المعظم ما أوصاه به، ولا رجع إليه ولا عرّج عليه، بل خالفه فى جميع ما تضمنته وصيته. وكان من أمره، وزوال ملكه، ما نذكره.
стр. 11528
ولنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعظم:
قال: ولما وصل إليه الأمير فارس الدين، وهو بحصن كيفا، رحل وسلك البرّيّة «١» . وأخفى أمره عن الملوك المجاورين له. خشية من غائلتهم.
وترك بالحصن ولده الملك الموحد، وسار حتى انتهى إلى دمشق.
فكان وصوله إليها فى يوم السبت، سلخ شهر رمضان، سنة سبع وأربعين وستمائة. وعيّد بها عيد الفطر. وخلع وأنعم على الأمراء، وأقرّ الأمير جمال الدين موسى بن يغمور على النّيابة بدمشق. وأفرج عن كل من كان فى حبس والده. قال أبو المظفر: وبلغنى أنه كان بدمشق ثلاثمائة ألف دينار، فأخذها صحبته، وتجهز إلى الديار المصرية وكان رحيله من دمشق فى الخامس والعشرين من شوال، منها. وكان سبب تأخره بدمشق، هذه المدة، أن الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ كان قد سيّر إليه جماعة من المماليك الصالحية. يستحثه على سرعة الحضور فأوهمه بعضهم أن فخر الدين حلّف العساكر لنفسه. وأنه متى حضر قتله، واستقلّ بالأمر. فأنفق الملك المعظم الأموال بدمشق. واستحلف العساكر.
وحلّف المماليك الذين حضروا من جهة الأمير فخر الدين، على قتل فخر الدين. فحلفوا له. فاتفق قتل فخر الدين قبل وصول الملك المعظم، كما تقدم.
وجهز الملك المعظم كاتبه- معين الدين، هبة الله بن أبى الزّهر حشيش- إلى قلعة الكرك، فى مستهل ذى القعدة فحقّق ما بها من الأموال
стр. 11529
والذخائر، وحمل إليه من حاصلها مائتى ألف دينار، عينا، مما كان الملك الصالح قد نقله إليها. ولحق معين الدين السلطان إلى الرّمل «١» . وكان نصرانيا فوعده بالوزارة، فأسلم. ووصل السلطان إلى العساكر الديار المصرية، بمنزلة المنصورة- فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى القعدة، من السنة.
ولما وصل، وضع يده على ما سلم من تركة الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ، وأخذ مماليكه الصغار، وبعض قماشه- وثمّن ذلك بخمسة عشر ألف دينار- وهى دون نصف القيمة، فيما قيل. ولم يعوّض الورثة عن ذلك شيئا، فإنه قتل قبل ذلك.
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم
فى هذه السنة تأمّر بمكة- شرّفها الله تعالى- أبو سعد على بن قتادة، وذلك فى العشرين من ذى القعدة.
وفيها قتل الأمير شيحه، صاحب المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وولى بعده ولده عيسى بن شيحه.
وفيها فى خامس عشر شعبان، توفى الطّواشى مسرور بالقاهرة، ودفن بتربته بالقرافة.
стр. 11530
وفيها توفى الشيخ صالح أبو الحسن على، بن أبى القاسم بن عربى بن عبد الله، الدّمياطى، المعروف بابن قفل- فى يوم الأحد الرابع والعشرين من ذى الحجة، برباطه بالقرافة، وبه دفن.
وفيها توفى شهاب الدين ابن قاضى دارا «١» . وكان من النّظّار فى الدولة الكاملية، وبعدها. ولى نظر الأعمال القوصيّة. «٢» وكان السلطان الملك الكامل يكتب إليه بخطّه، ويأمره وينهاه. ويقال إنه كان من ظلمة النّظّار، يضرب بظلمه المثل. سامحه الله- وإيانا بكرمه.
واستهلّت سنة ثمان وأربعين وستمائة:
ذكر هزيمة الفرنج وأسر ملكهم ريدا فرنس
قال المؤرّخ: لما وصل السلطان الملك المعظم إلى المنصورة، كان ملك الفرنج ريدا فرنس «٣» - بعساكره وجموعه- بالجزيرة التى قبالة المنصورة، وهى الدّقهلية. فرحل بمن معه طالبا دمياط. وذلك فى ليلة الأربعاء، مستهل المحرم، من السنة.
стр. 11531
فتبعته عساكر المسلمين إلى فارس كور «١» ، وقاتلوه قتالا شديدا وأخذوه أسيرا- هو وأخوه- واستولوا على عساكر الفرنج، وقتلوا منهم زيادة عن عشرة آلاف فارس. وأسر من الخيّالة والرّجّالة ما يناهز مائة ألف.
وجىء بريدا فرنس وأخيه إلى المنصورة، فاعتقلا فى دار فخر الدين بن لقمان «٢» بها. ورتّب السلطان الأمير فخر الدين الطّورى «٣» لقتل أسرى الفرنج فكان يقتل منهم فى كل ليلة ثلاثمائة نفر، ويرميهم فى البحر.
وكتب السلطان الملك المعظم- كتابا بخطّه إلى الأمير جمال الدين موسى ابن يغمور النائب بدمشق، مضمونه بعد البسملة:
«ولده تورانشاه. الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن. وما النصر إلا من عند الله. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وأما بنعمة ربك فحدّث. وان تعدّوا نعمة الله لا تحصوها. يبشّر المجلس السامى الجمالى- بل يبشّر الإسلام كافّة- بما منّ الله به على المسلمين، من الظفر بعدوّ الدين. فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شرّه، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد. فنودوا: لا تيأسوا من روح الله.
стр. 11532
ولما كان فى يوم الأربعاء- مستهلّ السنة المباركة- تمّم الله على الإسلام بركاتها- فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرّقنا السّلاح، وجمعنا العربان والمطّوّعة «١» ، واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاءوا من كل فجّ عميق، ومن كل مكان بعيد سحيق. ولما رأى العدوّ ذلك أرسل يطلب الصلح، على ما وقع الاتفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأبينا. ولما كان الليل، تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين، ونحن فى آثارهم طالبين. وما زال السيف يعمل فى أدبارهم، عامّة الليل.
وحلّ بهم الحرب والويل.
فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه فى الّلجج. وأما الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج. والتجأ الإفرنسيس إلى المنية «٢» ، وطلب الأمان فأمّنّاه، وأخذناه وأكرمناه. وتسلّمنا دمياط بعون الله تعالى، وقوته وجلاله وعظمته. وذكر كلاما طويلا.
стр. 11533
وبعث مع الكتاب غفارة «١» ريدا فرنس إلى الأمير جمال الدين، فلبسها. وهى اسقلاط «٢» أحمر، تحته سنجاب «٣» ، وفيها شكل يكلة «٤» ذهب. فنظم الشيخ نجم الدين محمد، بن الخضر بن إسرائيل، مقطّعات ثلاثا، ارتجالا، وهى:
إن غفارة الفرنسيس التى جا ... ءت حباء لسيّد الأمراء
كبياض القرطاس لونا، ولكن ... صبغتها سيوفنا بالدّماء
وقال- يخاطب الأمير جمال الدين:
يا واحد العصر الذى لم يزل ... يجوز فى نيل المعالى المدا
لا زلت فى عزّ وفى رفعة ... تلبس أسلاب ملوك العدا
стр. 11534
وكتب عن الأمير جمال الدين مقدّمة كتاب، للسلطان:
أسيّد أملاك الزمان بأسرهم ... تنجّزت من نصر الإله وعوده
فلا زال مولانا يبيح حمى العدا ... ويلبس أسلاب الملوك عبيده
ولما وصل هذا الكتاب بهذه البشرى، اجتمع عوامّ دمشق فى العشرين من المحرم ودخلوا كنيسة مريم بالمغانى والبشائر، وهمّوا بهدمها.
وأما النصارى ببعلبك فيقال إنهم سوّدوا وجوه الصّور، التى فى كنائسهم، حزنا على هذه الحادثة. فعلم بهم متولّى البلد، فجنّاهم جناية شديدة «١» ، وأمر اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم.
وفيها نفى السلطان الملك المعظم الملك السعيد مجير الدين حسن، بن الملك العزيز عثمان، بن الملك العادل- وهو ابن عم أبيه- من الديار المصرية إلى الشام. ووصل إلى دمشق، واعتقل بعزّتا «٢» ثم أفرج عنه، على ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
ذكر مقتل السلطان الملك المعظم
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من المحرّم، سنة ثمان وأربعين وستمائة.
стр. 11535
وسبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده وغلمانه وترابيه، ويقرّب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق وجعل خادمه الطواشى مسرور أستاد داره «١» ، والطّواشى صبيح أمير جاندار «٢» - وكان عبدا حبشيا فحلا- وأمر أن يصاغ عصاة من ذهب، وأنعم عليه بالأموال والإقطاعات.
وتوعد جماعة من مماليك والده، وأهانهم. وكان يسميهم بأسمائهم، من غير أن ينعت أحدا منهم.
وكان قد وعد فارس الدين أقطاى بالإمرة، فلم يف له. فاستوحش منه. وكانت والدة خليل- سرّيّة أبيه- قد توجهت إلى القلعة لمّا وصل إلى الشام، فأرسل إليها يتهدّدها، ويطلب منها الأموال والجواهر. فيقال إنها خافته، وكتبت إلى المماليك الصالحية بسببه.
فاجتمع منهم جماعة، واتفقوا على قتله. فلما كان يوم الإثنين- سادس أو سابع عشرين المحرم، جلس السلطان على السّماط، واجتمع الأمراء على العادة. فلما تفرقوا، تقدم أحد مماليك والده، وضربه بالسيف. فالتقى الضربة بيده، فانهزم الضارب فقام السلطان، ودخل إلى برج خشب كان فى خيمته، وقال: من ضربنى؟ قالوا: الحشيشيّة «٣» . فقال: لا والله،
стр. 11536
إلّا البحريّة «١» ! والله لا أبقيت منهم بقيّة! وقد عرفت الضارب واستدعى الجرائحىّ «٢» ليخيط يده فاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله، وهجموا عليه، وبأيديهم السيوف مجذوبة. فهرب إلى أعلى البرج، وأغلق بابه. فحرقوه بالنار، فنزل من البرج، وهرب إلى البحر. فأدركوه، وضربوه بالسيوف! فرمى نفسه فى البحر، وهو يستغيث بهم. وتعلق بذيل أقطاى، واستجار به، فما أجاره. وهو يقول: دعونى أعود إلى الحصن، فو الله ما أريد الملك.
وهم لا يلتفتون إلى قوله. وقتلوه فى الماء، فمات قتيلا حريقا غريقا! وكانت مدة سلطنته واحدا وسبعين «٣» يوما. وانهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشّرق، واختفوا.
وكان الذين باشروا قتل الملك المعظم، من مماليك أبيه، أربعة حكى عن سعد الدين مسعود، بن تاج الدين شيخ الشيوخ، أنه قال:
أخبرنى صادق أن السلطان الملك الصالح، لما أمر الطّواشى محسن الخادم بقتل أخيه الملك العادل- أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم. إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم أجابوه وتوجهوا معه، وخنقوا الملك العادل. فسلّطهم الله تعالى على ولده الملك المعظم؟؟؟، فقتلوه
стр. 11537
قال أبو المظفّر يوسف سبط ابن الجوزى: وحكى لى العماد بن درباس، قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين فى المنام، وهو يقول:
قتلوه شرّ قتله ... صار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلّا «١» ... لا، ولا من كان قبله
ستراهم عن قليل ... لأقلّ الناس أكله
والملك المعظم هذا هو آخر ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية، المستقلين بالملك. وملكت بعده شجر الدّر.
ذكر ملك شجر الدر: والدة خليل سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب
قال: ولما قتل الملك المعظم، اتفق الأمراء الصالحية والبحرية على إقامة شجر «٢» الدّرّ- سرّيّة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب- وحلفوا لها، واستحلفوا جميع العساكر الشامية والمصرية.
стр. 11538
وكانت المناشير والتّواقيع تخرج باسمها. ويكتب عليها ما صورته:
والدة خليل. ويكتب الموقّع: خرج الأمر العالى المولوى السّلطانى الخاتونى الصالحى، الجلالى العصمى الرّحيمى- زاده الله شرفا ونفاذا.
وقد شاهدت منشورا منها، هذه ترجمته. وتواقيعها موجودة بأيدى الناس، إلى وقتنا هذا. وخطب باسمها على المنابر. واستقّر الأمير عز الدين أيبك- التّركمانى الصالحى- أتابك العساكر.
ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس
قال: ثم حصل الاتفاق بين الأمراء وريدا فرنس- ملك الفرنج- على أن يسلّم ثغر دمياط، ويحمل إليهم وظيفة «١» تقرّرت بينهم، ويطلقوه. فسلّم إليهم الثّغر فى يوم الجمعة، ثالث صفر، سنة ثمان وأربعين وستمائة. وتوجه هو- وأخوه وزوجته، ومن بقى من الفرنج- إلى بلادهم.
فكانت مدة استيلائهم على الثّغر أحد عشر شهرا، وتسعة أيام.
ذكر خلع شجر الدّرّ نفسها من الملك وانقراض الدولة الأيوبية من الديار المصرية
كان سبب ذلك أن الأمراء اتفقوا على أن يتزوج الأمير عز الدين أيبك التّركمانى شجر الدر، فتزوجها، وخلعت نفسها من الملك، وسلّمت
стр. 11539
السّلطنة إليه- فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت مدة ملكها ثلاثة أشهر وقد قيل إن زواجه بها كان فى سنة تسع وأربعين وستمائة.
وانتصب الأمير عزّ الدين فى السلطنة، وتلقّب بالملك المعزّ. وأقام معه الملك الأشرف: مظفّر الدين موسى، بن صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلح الدين أقسيس ملك اليمن، بن الملك الكامل- وكان عمره ست سنين. فأقام على ذلك زمنا، ثم حجبه الملك المعزّ، واستقلّ بالملك.
وانقرضت الدولة الأيوبية من الديار المصرية.
[الأيوبيون فى غير الديار المصرية «١» ]
وبقى من ملوكها من نذكرهم: بالشام، وحصن كيفا، ونصيبين، وميّافارقين. وهم:
الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق وحلب وحمص، وما مع ذلك
стр. 11540
وليس من الذّرّيّة الصّلاحيّة من يخطب له بمملكة، سواه.
ومن الذّرّيّة العادلية من نذكرهم، وهم:
الملك المغيث فتح الدين عمر، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب- صاحب الكرك والشّوبك.
والملك الموحّد: تقىّ الدين عبد الله، بن الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب- صاحب حصن كيفا ونصيبين، وأعمال ذلك.
والملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك المظفّر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صاحب ميّافارقين.
ومن الذّرّيّة الأيوبية:
الملك المنصور ناصر الدين محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين محمود ابن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعد عمر، بن شاهنشاه، بن أيوب- صاحب جاه.
هؤلاء بنو أيوب ومن الذرية الأسدية: شيركوه بن شادى الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك
стр. 11541
المنصور أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى- صاحب تل باشر والرّحبة.
وسنورد فى هذا الموضع نبذا من أخبارهم، تدل على ملخّص أحوالهم، إلى حين وفاة كل منهم، ومن قام بعده من أولاده، إن كان- على سبيل الاختصار.
أما السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، بن الملك الظاهر، ابن الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- فإنه كان بيده ملك حلب وأعمالها
ملك ذلك بعد وفاة والده الملك العزيز- كما تقدم- فى سنة أربع وثلاثين وستمائة. ثم استولى على حمص، فى سنة ست وأربعين وستمائة:
انتزعها من الملك الأشرف موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن شيركوه، وعوّضه عنها تلّ باشر- وقد تقدم أيضا. ثم استولى على دمشق.
ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة- بعد مقتل الملك المعظم تورانشاه- تجهز الملك الناصر من حلب بعساكره، فوصل إلى قارا «١» فى مستهل شهر ربيع الآخر.
стр. 11542
وسبب ذلك أن الأمراء القيمرية، «١» الذين بدمشق، كاتبوه وباطنوه على أخذها فإن الأمير جمال الدين موسى بن يغمور- نائب السلطنة بها- اتفق هو والأمراء الصالحية النّجميّة، الذين كانوا بدمشق، وتظافروا، واجتمعت كلمتهم فتغيرت بواطن الأمراء القيمريّة، فكاتبوه، فسار إلى دمشق. ولما اتصل خبر مقدمه بالأمير جمال الدين بن يغمور، أحضر الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، من قلعة عزّتا «٢» إلى دمشق- وكان قد اعتقله بها- كما تقدم، وأنزله فى دار فرّخشاه.
وتقدم الملك الناصر بعساكره، ونزل القصر. ثم انتقلوا إلى داريّا «٣» ، فى يوم السبت سابع الشهر. وزحفوا على المدينة يوم الأحد ثامنه، وجاءوا إلى باب الصغير- وكان مسلّما إلى الأمير صارم الدين القيمرى، وإلى باب الجابية وكان مسلّما إلى الأمير ناصر الدين القيمرى. فلما انتهى العسكر الناصرى إلى البابين، كسرت أقفالها من داخل المدينة، وفتح البابان، ودخل العسكر الناصرى منهما.
ونهبت دار الأمير جمال الدين، بن يغمور، وسيف الدين المشدّ ونهب عسكر دمشق، وأخدب خيولهم من إسطبلاتهم. ودخل الأمير جمال الدين بن يغمور القلعة، وبها الملك المجاهد إبراهيم، ثم نودى بالأمان
стр. 11543
ونزل الملك الناصر فى دهليز «١» ضرب له بالميدان الأخضر. ونزل الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فى الجوسق «٢» العادلى. ثم انتقل الملك الناصر بعد ذلك إلى القلعة، واستولى على ما بها من الخزائن والذخائر.
واعتقل الأمير جمال الدين بن يغمور، ثم أفرج عنه وأحسن إليه. واعتقل الأمراء الصالحية، وأرسلهم إلى الحصون، وأقطع أصحابه أخبازهم «٣» وكان الملك الناصر داود- بن الملك المعظم- قد نزل بالعقيبة «٤» ، فجاءه الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، فبات عنده ليلة. ثم هرب إلى قلعة الصبيبة «٥» - وكان بها أحد خدامه، وقد كاتبه- فوصل إليها وفتح له الباب، فدخلها واستقرّ بها.
وتسلّم الملك الناصر داود بعلبك من الحميدى، وتسلم بصرى وصرخد. ثم قبض عليه الملك الناصر يوسف بعد ذلك- فى ثانى شعبان من السنة. وذلك أن السلطان كان قد مرض ونزل بالمزّة «٦» ، ونزل الناصر داود بالقصر بالقابون «٧» ، فأرسل إليه الأمير ناصر الدين القيمرى ونظام الدين بن المولى، فأحضراه إلى المزّه، وضربت له خيمة واعتقل بها.
стр. 11544
واختلف فى سبب القبض عليه: فنقل أنه كان قد طلب من السلطان دستورا إلى بغداد، فأذن له وأعطاه أربعين ألف درهم، فانفقها فى الجند وعزم على قصد الديار المصرية. وقيل: إن الملك الصالح إسماعيل جاءه كتاب من الديار المصرية، فأوقف الأتابك شمس الدين لؤلؤ عليه. وأخبر القاصد أنه أحضر إلى الناصر داود كتابا، فسئل عن ذلك، فأنكره. فنقم عليه السلطان بسبب ذلك. وقيل: بل أشار عليهم الملك الصالح إسماعيل بالقبض عليه، وقال أنتم ما تعرفونه، نحن نعرفه. وأنتم على قصد الديار المصرية، والمصلحة أن لا نتركه خلفنا، ولا نستصحبه.
فقبض عليه، واعتقل بالمزّة أياما. ثم نقل فى قلعة حمص، واعتقل بها. وأسكن أهله ووالدته وأولاده فى خانقاه الصوفية، التى بناها شبل الدولة كافور الحسامى. ثم نقل إلى البويضا- وهى قرية قبلىّ دمشق، كانت تكون لعمّه الملك المعزّ مجير الدين يعقوب بن العادل. وتوفى بها، كما تقدم.
стр. 11545
ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد، وما جهزه صحبته من الهدايا والتقادم، وما أورده الرسول فى الديوان العزيز من كلامه
ولما استولى الملك الناصر على دمشق، جهز الصاحب كمال الدين أنا حفص عمر بن أبى جراده- المعروف بابن العديم «١» إلى الديوان العزيز «٢» .
قال تاج الدين على بن أنجب- المعروف بابن السّاعى- فى تاريخه:
كان وصول كمال الدين بن أبى جراده إلى بغداد، فى شعبان، سنة ثمان وأربعين فأكرم، وخرج إلى لقائه موكب الديوان العزيزى، مصدّرا بعارض الجيش، مجنّحا بخادمين من خدم الدار العزيزة. فالتقاه ظاهر البلد، ودخل معه. وقبّل صخرة باب النّوبى على العادة، وانكفا إلى حيث أنزل
стр. 11546
وحضر- فى اليوم الثالث من قدومه- دار الوزير، وأدى رسالته.
وعرض ما صحبه من تحف وهدايا. ومن جملة ذلك: دار خشب بديعة الصنعة، وخمسة وعشرون «١» جملا، وعشرة أرؤس من الدواب: منها أربع بغلات، وبقيتها من جياد الخيل، مجلّلة بالأطلس [وزرديات «٢» وخوذ- عمل الفرنج- ومائة وخمسين طقشا «٣» ، وثلاثمائة ترس لليد، وعشرين ثوبا سقلاط «٤» . ومن الثياب: الأطلس] والرّوسى والخطائى «٥» والمموّج، ومقاصير ونقايير وخياشى مذهبة، وحريرى ألف وخمسمائة قطعة، وصناديق بها أوانى ذهب وفضة مجوهرة، وثلاثمائة مجلّد بخطوط منسوبة، وأصول صحيحة الضّبط، ومصحف كريم بخط ابن الخازن، وكتب عليه من نظمه قوله:
«وعليكم نزل الكتاب وفيكم ... وإلى ربوعكم نحنّ ونرجع»
стр. 11547
قال: وكان قد جلس له الوزير فى الشّبّاك العالى، وجلس بين يديه على الصّفّة الطويلة، ظاهر الشباك، حاجبا باب النّوبى- وذكر جماعة.
قال: ثم أذن للرسول فى الدخول، وجلس إلى جانب حاجب باب النّوبى. وقرأ القرّاء، ثم نهض الرسول، وخطب خطبة بليغة من إنشائه قال ابن أنجب: وكنت حاضرا ومن خطّه الرائق نقلتها، وهذه نسختها:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
الحمد لله الذى أسبغ علينا جزيل النّعمة. ودفع عنا وبيل النّقمة.
ومنّ علينا بالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين وجعلنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بأنوارهم خير أمّة.
أحمده على هباته السنيّة، وصلاته الهنيّة، ومننه التى لا تحصى بحدّ ونعمه التى لا تستقصى بعدّ- حمد من لزمه الحمد ووجب. وتمسك من الطريقة المثلى بأقوى سبب. وأحلّنا الله دار المقامة من فضله، لا يمسّنا فيها نصب.
وأشهد أن لا إله الله وحده، شهادة من أزال عنه الشكّ ونفى، وخلص منه الإيمان وصفا. وتبوّأ من منازل الفوز غرفا، واكتسب بطاعة إمامه فخرا وشرفا. وأشهد أن محمدا عبده المصطفى المجتبى، ورسوله
стр. 11548
الذى اقتعد ذروة الشّرف واحتبى. وتبّوأ على المقامات رتبا، وفضل العالمين أصلا ونسبا- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما هبّت شمال وصبا.
والصلاة والسلام على قسيم النّبىّ فى النّسب، وشريكه فى مدارج الفخار والرّتب. واحدىّ ماله من المناقب والحسب: خليفة الله فى أرضه.
القائم بسننه وفرضه. المستخرج من عنصر النبوة، المخصوص بفضيلتى.
العلم والأبوة:
إمام الزمان، المتهجّد بتلاوة القرآن. الذى هجر فى حفظ دين الله وسنه «١» . ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. ذى الفضل المبين، والحقّ اليقين. الإمام الأوّاه: المستعصم بالله، أمير المؤمنين «٢» لا زالت جباه الملوك العظماء بثرى عتباته الشريفة موسومة. وأرزاق العباد بما جرى من أوامره اللطيفة مقسومة. والأقضية والأقدار جارية بما يوافق حكمه ومرسومة. والأقذية والأقذار بطول بقائه منفيّة محسومة:
ماذا يقول الذى يتلو مدائحه ... وقد أتتنا بها الآيات والسّور
إن قال، فالقول يفنى دون غايتها ... وإن أطال، ففى تطويله قصر
خليفة الله، لا تحصى مناقبكم ... إنّ البليغ بها فى حصرها حصر «٣»
стр. 11549
أما الشفاعة عنكم فى المعاد لنا ... لذى الكبائر والزّلّات تدّخر
أما النّدى من نداكم جاد صيّبه «١» ... من بعد ما ضنّ، فاستسقى به عمر «٢»
فالغيث فى هذه الدنيا لنا بكم ... والغوث نرجوه فى الأخرى وننتظر
وبعد: فإن الله- وله الحمد- جعل لنا أئمّة خيرة، راشدين بررة.
يهتدى بهداهم، ويجتدى «٣» نداهم. دفع عنّا الشّبه والياس، ورفع بهم النّقمة والالتباس. وآخر نسل عمّ نبيّه العبّاس. من تمسك بهداهم اهتدى.
ومن حاد عن طريقهم حادّ «٤» الله واعتدى. بحبّهم يدرك الأمل والسّول.
وطاعتهم مقرونة بطاعة الله والرسول. تعظيمهم واجب مفترض وبموالاتهم يدرك الفوز والغرض. أقرب الناس إلى الله من هو فى ولايتهم عريق، وأولاهم بالنجاة من هو فى بحر محبّتهم غريق.
ولما كان عبد الديوان العزيز: يوسف بن محمد بن غازى- المستعصمى «٥» - ممّن تقمّص بلباس هذه الأوصاف، وتخصص باقتباس هذه الشّيم الشّراف. وتردّى بالتمسك فى هذه الحلّة الجميلة، وتبدّى بالتّنسّك بهذه الخلّة الجليلة. واغتدى متقلّبا فى صدقات الدّيوان. واغتذى
стр. 11550
من نعمه بلبان الإحسان، وورث ولاء هذا البيت النبوى الفاخر، كابرا عن كابر، وأصبح أوّلا فى العبوديّة، وإن أمسى زمنه الآخر. وكان أحقّ العبيد بأن يقبل- لسلفه سوالف الخدم. وأولاهم بأن يسبل عليه معاطف أذيال الجود والكرم- أحبّ أن تظهر عليه آثار هذه النّعمة، وأن يدرك بها الفضل فى الدنيا، كما يرجو فى الآخرة الرّحمة.
فارتاد من رعيّته من يقوم مقامه فى تقبيل الأرض، ويقف عنه هذا الموقف الجميل لأداء الفرض. ووجد هذا العبد المملوك- الماثل بين يدى مولانا: سلطان الوزراء وسيد الملوك- أقدمهم فى ولايات هذه الدولة النّبويّة المعظّمة أصلا، وأبلغهم فى موالاة المواقف المقدسة المكرمة نسلا، وأصلبهم، عند العجم «١» فى دعوى الرّقّ والولاء عودا. وأثبتهم فى التّعلّق بدولة الحقّ والانتماء عمودا. فندبه إلى المسير إلى دار السلام.
والنيابة عنه فى هذا المقام. والطّواف حول كعبة الرجاء والاستلام. وإنهاء ما تجدّد من الأحوال بمصر والشّام. وأن يضرع إلى عواطف الإفضال، ومشارع النّوال. ويخضع لمواقف الآمال، وشوارع الإقبال فى أن يحفظ له حقّ الآباء والجدود.
وقد وقف العبد المملوك عنه فى هذا الموقف الجليل، وحجّ عن فرضه إلى كعبة الجود والتّأميل. وحظى باستلم حجر ركنها وفاز بالتّقبيل. ويودّ مرسله لو فاز به أو استطاع إليه سبيل. فإنه قد حصل للعبد من القبول والثواب. ما أفاء على الأمل وزاد على الحساب. وتصدّق عليه من الديوان
стр. 11551
العزيز بصدقة، يبقى فخرها فى الأعقاب. ولا ينسخ حكمها مرّ السّنين والأحقاب. والله تعالى يسبغ ظلّ الديوان العزيز على كافّة أوليائه. ويمتّعهم بدوام اقتدار سلطانه وطول بقائه. ويوزعهم «١» شكر مولانا سلطان الوزراء وجزيل آلائه. ويتولّى حسن مجازاته عنهم، فإنهم عاجزون. والحمد لله رب العالمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.
قد سيّر عبد الديوان العزيز: يوسف، إلى الخزائن المقدسة، والمواطن التى هى على التقوى مؤسّسة- خدمة على يد أقلّ مماليك الديوان وعبيده من طارف إنعام الديوان العميم وتليده، وسالف الإحسان القديم وجديده. وهو يضرع إلى العواطف الرحيمة، ويسأل من الصّدقات العميمة، أن ينعم عليه بقبولها، والتّقدّم بحملها إلى الخزائن الشريفة ووصولها، وأن يكسى بذلك فخرا لا يبلى جدّته مرّ الليالى والأيام. ولا يذهب نضرته كرّ السّنين والأعوام. والسلام.
فعند ذلك، أذن الوزير مؤيّد الدّين بن العلقمى فى إحضار الهدايا والمدّ، المقدّم ذكره، فأدخل شيئا فشيئا- والرسول قائم- إلى أن أحضر جميعه، وعرف قبوله. ثم انكفأ إلى منزله، واستحسن إيراده، واستجيد إنشاده وزيد فى احترامه، وبولغ فى إكرامه
стр. 11552
[الحرب بين الملك الناصر والملك المعز]
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة- أيضا- كانت الحرب بين الملك الناصر، والملك المعز صاحب الديار المصرية.
وذلك أنه لما استقر له ملك دمشق، وأضافها إلى ما بيده، حسّن له أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- والأمراء القيمريّة، أن يقصد الديار المصرية، وينتزعها من الملك المعزّ: عزّ الدين أيبك التّركمانى. وكان شمس الدين لؤلؤ- المذكور- يستقلّ عساكر الديار المصرية، ويقول: أنا آخذ الديار المصرية بمائتى قناع «١» !.
فسار بجيوشه إليها، فخرج إليها الملك المعزّ بالعساكر المصرية. والتقوا واقتتلوا بمنزلة الكراع «٢» ، بالقرب من الخشبى «٣» . فكان الظفر له أوّلا، وبلغت الهزيمة بالعسكر المصرى إلى القاهرة. ومنهم من فرّ إلى جهة الصّعيد وذلك فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة. واتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة الجبل، فخطب للملك الناصر بها- فى يوم الجمعة الحادى عشر من الشهر.
стр. 11553
ولما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصرى، ثبت الملك المعز فى نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه. وحمل بهم على الصّناجق الناصرية، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها، فيظفر به. وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة، وتحيّز إلى فئة. فرجع إلى الشام- وصحبه نوفل الزّبيدى، وعلى السّعدى. وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه، وقتل أتابكه، ما نذكره فى أخبار الملك المعز- جريا على القاعدة.
وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر، فأراد الملك المعز إبقاءه، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبى على، وقال: لا تقتله، فإنك تأخذ به الشام. فقال الأمير فارس الدين أقطاى: هذا الذى يقول: إنه يأخذ مصر بمائتى قناع! فضربوا عنقه!. وكان- رحمه الله تعالى- أرمنىّ الجنس، صالحا عابدا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقتل وقد ناف على ستين سنة.
ولما حصلت هذه الوقعة، تأكّدت أسباب الوحشة بين الملكين:
الناصر والمعزّ، وثارت الفتن بينهما. وتجرّدت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فأصلح بين الملكين. ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزّة، وجميع البلاد الساحلية، فتسلّم ذلك. وحلف كلّ من الملكين للآخر. ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعزّ، لمّا التحق بها لأمراء البحريّة عند هربهم من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى- على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.
стр. 11554
ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ
وفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وصلت الخاتون الكبرى، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السّلجقى «١» - صاحب الروم «٢» ، وأمّها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صحبة الشريف عز الدين المرتضى- وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك، فزفّت إليه الآن. «٣» ووصلت إلى دمشق، واحتفل لها إحتفالا عظيما، وتلقاها القضاة والأكابر، وقدّموا لها التّقادم «٤» الكثيرة، وتجمّل الملك الناصر لقدومها تجمّلا، «٥» لم ير الناس مثله.
وفى هذه السنة، توفى الملك القاهر: نصرة الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وهو عمّ والد الملك الناصر. وكانت وفاته بحلب- رحمه الله تعالى.
стр. 11555
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة:
فتحت المدرسة الناصرية، التى عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس «١» بدمشق، وذكر بها الدرس بحضرة السلطان.
وفيها شرع الملك الناصر فى عمارة تربته ورباطه، غربىّ قاسيون.
وفيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائى «٢» رسولا من جهة الخليفة، إلى دمشق. فرتّب له فى كل يوم مائة دينار، والإقامات الوافرة. وبنيت له المدرسة البادرائيّة بدمشق- وكانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامه.
وفيها- أيضا- كانت وفاة الملك المعزّ مجير الدين يعقوب، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. ودفن بتربة والده بالمدرسة العادلية بدمشق، وحضر السلطان جنازته وغلق البلد. وخلّف ولدين وهما: شهاب الدين غازى المعروف بالأسود، وسيف الدين أبو بكر، وابنة- ﵀.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، العالم الواعظ، شمس الدين أبى المظفّر يوسف بن قزغلى: سبط الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى.
كان والده قزغلى تركيّا من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة «٣» ، زوجه أبو الفرج بن الجوزى ابنته، فولدت شمس الدين هذا، فنسب إلى جدّه، لا إلى أبيه.
следующие страницы →