Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.
стр. 11551
العزيز بصدقة، يبقى فخرها فى الأعقاب. ولا ينسخ حكمها مرّ السّنين والأحقاب. والله تعالى يسبغ ظلّ الديوان العزيز على كافّة أوليائه. ويمتّعهم بدوام اقتدار سلطانه وطول بقائه. ويوزعهم «١» شكر مولانا سلطان الوزراء وجزيل آلائه. ويتولّى حسن مجازاته عنهم، فإنهم عاجزون. والحمد لله رب العالمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.
قد سيّر عبد الديوان العزيز: يوسف، إلى الخزائن المقدسة، والمواطن التى هى على التقوى مؤسّسة- خدمة على يد أقلّ مماليك الديوان وعبيده من طارف إنعام الديوان العميم وتليده، وسالف الإحسان القديم وجديده. وهو يضرع إلى العواطف الرحيمة، ويسأل من الصّدقات العميمة، أن ينعم عليه بقبولها، والتّقدّم بحملها إلى الخزائن الشريفة ووصولها، وأن يكسى بذلك فخرا لا يبلى جدّته مرّ الليالى والأيام. ولا يذهب نضرته كرّ السّنين والأعوام. والسلام.
فعند ذلك، أذن الوزير مؤيّد الدّين بن العلقمى فى إحضار الهدايا والمدّ، المقدّم ذكره، فأدخل شيئا فشيئا- والرسول قائم- إلى أن أحضر جميعه، وعرف قبوله. ثم انكفأ إلى منزله، واستحسن إيراده، واستجيد إنشاده وزيد فى احترامه، وبولغ فى إكرامه
стр. 11552
[الحرب بين الملك الناصر والملك المعز]
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة- أيضا- كانت الحرب بين الملك الناصر، والملك المعز صاحب الديار المصرية.
وذلك أنه لما استقر له ملك دمشق، وأضافها إلى ما بيده، حسّن له أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- والأمراء القيمريّة، أن يقصد الديار المصرية، وينتزعها من الملك المعزّ: عزّ الدين أيبك التّركمانى. وكان شمس الدين لؤلؤ- المذكور- يستقلّ عساكر الديار المصرية، ويقول: أنا آخذ الديار المصرية بمائتى قناع «١» !.
فسار بجيوشه إليها، فخرج إليها الملك المعزّ بالعساكر المصرية. والتقوا واقتتلوا بمنزلة الكراع «٢» ، بالقرب من الخشبى «٣» . فكان الظفر له أوّلا، وبلغت الهزيمة بالعسكر المصرى إلى القاهرة. ومنهم من فرّ إلى جهة الصّعيد وذلك فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة. واتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة الجبل، فخطب للملك الناصر بها- فى يوم الجمعة الحادى عشر من الشهر.
стр. 11553
ولما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصرى، ثبت الملك المعز فى نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه. وحمل بهم على الصّناجق الناصرية، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها، فيظفر به. وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة، وتحيّز إلى فئة. فرجع إلى الشام- وصحبه نوفل الزّبيدى، وعلى السّعدى. وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه، وقتل أتابكه، ما نذكره فى أخبار الملك المعز- جريا على القاعدة.
وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر، فأراد الملك المعز إبقاءه، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبى على، وقال: لا تقتله، فإنك تأخذ به الشام. فقال الأمير فارس الدين أقطاى: هذا الذى يقول: إنه يأخذ مصر بمائتى قناع! فضربوا عنقه!. وكان- رحمه الله تعالى- أرمنىّ الجنس، صالحا عابدا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقتل وقد ناف على ستين سنة.
ولما حصلت هذه الوقعة، تأكّدت أسباب الوحشة بين الملكين:
الناصر والمعزّ، وثارت الفتن بينهما. وتجرّدت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فأصلح بين الملكين. ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزّة، وجميع البلاد الساحلية، فتسلّم ذلك. وحلف كلّ من الملكين للآخر. ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعزّ، لمّا التحق بها لأمراء البحريّة عند هربهم من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى- على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.
стр. 11554
ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ
وفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وصلت الخاتون الكبرى، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السّلجقى «١» - صاحب الروم «٢» ، وأمّها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صحبة الشريف عز الدين المرتضى- وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك، فزفّت إليه الآن. «٣» ووصلت إلى دمشق، واحتفل لها إحتفالا عظيما، وتلقاها القضاة والأكابر، وقدّموا لها التّقادم «٤» الكثيرة، وتجمّل الملك الناصر لقدومها تجمّلا، «٥» لم ير الناس مثله.
وفى هذه السنة، توفى الملك القاهر: نصرة الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وهو عمّ والد الملك الناصر. وكانت وفاته بحلب- رحمه الله تعالى.
стр. 11555
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة:
فتحت المدرسة الناصرية، التى عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس «١» بدمشق، وذكر بها الدرس بحضرة السلطان.
وفيها شرع الملك الناصر فى عمارة تربته ورباطه، غربىّ قاسيون.
وفيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائى «٢» رسولا من جهة الخليفة، إلى دمشق. فرتّب له فى كل يوم مائة دينار، والإقامات الوافرة. وبنيت له المدرسة البادرائيّة بدمشق- وكانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامه.
وفيها- أيضا- كانت وفاة الملك المعزّ مجير الدين يعقوب، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. ودفن بتربة والده بالمدرسة العادلية بدمشق، وحضر السلطان جنازته وغلق البلد. وخلّف ولدين وهما: شهاب الدين غازى المعروف بالأسود، وسيف الدين أبو بكر، وابنة- ﵀.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، العالم الواعظ، شمس الدين أبى المظفّر يوسف بن قزغلى: سبط الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى.
كان والده قزغلى تركيّا من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة «٣» ، زوجه أبو الفرج بن الجوزى ابنته، فولدت شمس الدين هذا، فنسب إلى جدّه، لا إلى أبيه.
стр. 11556
وكانت وفاته بدمشق فى ليلة الثلاثاء، حادى عشر ذى الحجة، بمنزله بقاسيون، ودفن هناك. ومولده فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد.
وشهد السلطان جنازته. وكان كريما على الملوك الأيوبية، تقدّم من أخباره ما يدلّ على ذلك. وله مصنّفات منها: «مرآة الزّمان» - رحمه الله تعالى.
وفى سنة ست وخمسين وستمائة:
كانت وفاة الأمير سيف الدين: على بن عمر بن قزل التّركمانى، الياروقى، المصرى المولد والمنشأ، الدّمشقى الوفاة، المعروف بالمشدّ «١» .
ودفن بقاسيون. ومولده فى شوال سنة اثنتين وستمائة. وكان فاضلا أديبا. وله ديوان شعر مشهور- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الشيخ محيى الدين: محمد بن على بن محمد بن أحمد، الطائى الحاتمى، المعروف بابن العربى، بدمشق- فى ثانى جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومولده فى سابع عشر رمضان، سنة ثمان عشرة وستمائة.
ذكر سياقة أخبار الملك الناصر ومراسلته هولاكو، وغير ذلك من أحواله- إلى أن قتل- ﵀
قالوا: ولما اتّصل بالملك الناصر صلاح الدين ما ذكرناه، من أخبار هولاكو «٢» ، واستيلائه على الممالك، وتقدّم جيوشه، ارتاع لذلك وسقط
стр. 11557
فى يده. وكان قبل ذلك قد تغافل عن مراسلة هولاكو منذ وصل إلى العراق، فاستدرك الفارط، وجهّز ولده الملك العزيز إلى خدمته، وبعث معه كتابا إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والتمس منه أن يحسن السّفارة بينه وبين هولاكو، ويعتذر عنه. وكتب علاء الدين بن يعيش- كاتب الملك الناصر- كتابا إلى صاحب الموصل، يذكر أنه سيّر ولده إلى خدمة هولاكو، واستشهد فيه بقول الشاعر:
والجود بالنفس أقصى غاية الجود..
فقال الملك الناصر: لو استشهدت ببيتى أبى فراس كان أنسب.
فقال: وما هما؟ قال: قوله:
فدى نفسه بابن عليه كنفسه ... وفى الشّدّة الصّمّاء تفنى الذّخائر
وقد يقطع العضو النّفيس لغيره ... ويدفع بالأمر الكبير الكبائر
فأصلح الكاتب الكتاب.
وتوجه الملك العزيز بالهدايا النفيسة والتّحف، و؟؟؟ الملك الناصر زين الدين الحافظى والأمير سيف الدين الجاكى، وجماعة من الحجّاب- وذلك فى سنة خمس وخمسين وستمائة.
فلما وصلوا إلى هولاكو وقدّموا التقادم، سأل عن سبب تأخر الملك الناصر عن خدمته. فاعتذروا أن الفرنج بجوار بلاده، وأنه خشى إن فارقها أن يستولى عدوّه عليها، وأنه سيّر ولده ينوب عنه. فأظهر هولاكو قبول العذر- وباطنه بخلاف ذلك- وأعادهم. وكان وصولهم إلى الملك الناصر فى سنة سبع وخمسين وستمائة.
стр. 11558
فعرّف الزين الحافظى الملك الناصر أن هولاكو أقبل عليهم، وأحسن إليهم. فقال بعض الأمراء، الذين كانوا فى صحبة الملك العزيز: ليس الأمر كذلك، وإنما الزّين الحافظىّ كان يتردد إلى هولاكو ويجتمع به سرا، وأطمعه فى البلاد. وكان الأمر كذلك.
وفى خلال ذلك، وصل الأمراء الشّهرزوريّة «١» إلى الشام، عند انهزامهم من هولاكو- وكانوا نحو ثلاثة آلاف فارس. فأشار الأمراء القيمرية باستخدامهم، ليكثر بهم جمعه ويستظهر بهم على أعدائه. فاستخدمهم، وأنعم عليهم وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال، وهم لا يزدادون إلا طلبا.
ثم بلغه عنهم أنهم مالوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، فزاد فى الإحسان إليهم، فلم يفد ذلك فيهم. ثم فارقوه، وقصدوا الملك المغيث واتصلوا به. فاجتمع عنده البحريّة والشّهرزوريّة، فقويت نفسه وطمع فى أخذ دمشق، وكاتب جماعة من الأمراء الناصرية وكاتبوه.
فاتصل ذلك بالملك الناصر، فأنعم على أمرائه وطيّب خواطرهم، وجدّد عليهم الأيمان. فامتنع جماعة من الأمراء العزيزية- مماليك والده- من الحلف، فزادهم وبالغ فى الإحسان إليهم، ولم يكلّفهم اليمين.
стр. 11559
ثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد دمشق. فخرج بعساكره فى أوائل سنة سبع وخمسين، ونزل ببركة زيزا «١» ، وخيّم بها نحوا من ستة أشهر. ثم وقع الصلح بين الملكين. وحصل الاتفاق على أن يسلم الملك المغيث إليه البحريّة، فسلّم إليه من نذكره منهم.
وعاد إلى دمشق. فلما استقر بها، بلغه أن هولاكو وصل إلى حرّان، ونازلها بعساكره. فاستشار الأمراء فيما يفعله. فأشاروا عليه أن يخرج بالعسكر الشامى إلى ظاهر دمشق، وصمموا على قتال هولاكو. فخرج بعسكره وخيموا بظاهر برزة «٢» . فصار نجم الدين الحاجب والزّين الحافظى- وجماعة معهما- يذكرون شدة عزم هولاكو، ويعظّمون أمره، ويقولون: من الذى يلتقى مائتى ألف فارس؟! فضعفت نفسه عن ملاقاته.
ثم بلغه أن هولاكو ملك قلعة حرّان، وأنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام، ومنازلة حلب. فازداد ضعفا إلى ضعفه. فاجتمعت آراء الأمراء والعساكر أن يسيّروا نساءهم وأولادهم إلى الديار المصرية، ويقيمون ثم فى خدمة الملك الناصر جرائد، ففعلوا ذلك. وبعث الملك الناصر زوجته: ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السّلجقى صاحب الروم- وكان قد تزوج بها فى سنة تسع وأربعين وستمائة- إلى الديار المصرية، وبعث معها ولده وأمواله وذخائره. وكذلك فعل جميع أمرائه وأجناده،
стр. 11560
وصار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم يوصلونهم ويرجعون، فمنهم من يعود، ومنهم من لا يعود. فتفلّلت العساكر وتفرقت الجنود، وضعفت النفوس. ولم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من أمرائه جرائد «١» .
ونازل هولاكو مدينة حلب فى المحرم، سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وفتحها عنوة. وسفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله، ببلاد العجم! وأسر التتار من النساء والصبيان ما يزيد على مائة ألف.
ثم فتح قلعة حلب، فى حادى عشر ربيع الأول من السنة، وأخذ جميع ما فيها. وأسر أولاد الملك الناصر وأمهاتهم. وخرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وكان شيخا كبيرا- فلم يتعرض هولاكو إليه، وأمّنه على نفسه. ومات الملك المعظم بعد أيام يسيرة. واستمرّ هولاكو بالوزير «٢» المؤيد بن القفطى، على حاله.
فورد الخبر على الملك الناصر بأخذ حلب، وهو نازل على برزة.
فاستشار الأمراء، فأشاروا عليه أن يتأخر إلى غزّة، وأن يكاتب الملك المظفر قطز ويستدعيه بعساكر الديار المصرية، ليجتمع الكل على لقاء هولاكو، ودفعه عن البلاد.
стр. 11561
فعمل برأيهم. ورحلوا يوم الجمعة بعد الصلاة، منتصف صفر، سنة ثمان وخمسين وستمائة. فانقضت مملكة الملك الناصر فى ذلك اليوم.
وكانت مدة ملكه بحلب ثلاثا وعشرين سنة، وسبعة أشهر، ومدة ملكه منها بدمشق عشر سنين، إلا خمسين يوما. ونزل الملك الناصر بمن معه على غزة، وأقام بها.
ولما توجه الملك الناصر، دخل الزّين الحافظى «١» إلى دمشق وجمع أكابرها، واتفقوا على تسليم دمشق لنوّاب هولاكو، وأن يحقنوا دماء أهلها.
فتسلمها فخر الدين المردغاوى وابن صاحب أرزن والشريف على- وكان هؤلاء رسل هولاكو إلى الملك الناصر- وكانوا عنده بظاهر دمشق: فلما دخلوا إليها وتسلموا قلعتها، كتبوا بذلك إلى هولاكو. فسير إليها المان التترى وعلاء الدين الكازى العجمى، نوّابا، وأمرهما هولاكو أن لا يخرجا عن إشارة الزّين الحافظى. وأوصاهما بالإحسان إلى أهل دمشق.
ثم بلغ هولاكو وفاة أخيه منكوقان «٢» ، فعاد من حلب- كما قدمناه فى أخباره.
стр. 11562
وبعث كتبغانوين «١» فى جيش كثيف إلى الشام فوصل كتبغا إلى دمشق، وأقام بها أياما، ورحل عنها إلى مرج برغوث «٢» . ثم وصل الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو- وكان قد توجه إلى خدمته وهو بحلب- فعاد، وبيده مرسومة، أن يكون نائب المملكة بدمشق وحلب، وجميع البلاد الشامية.
فاجتمع بكتبغا فى مرج برغوث. فبعث إلى الزّين الحافظى ونواب دمشق بالاتفاق مع الملك الأشرف، على مصالح البلاد. ثم عصى بعد ذلك محمد بن قرمجاه، وجمال الدين بن الصّيرفى- نقيب قلعة دمشق- وأغلقوا أبواب القلعة. فحصرها كتبغا ومن معه وقاتل قتالا شديدا، ثم تسلمها بالأمان. فكتب الزين الحافظى بذلك إلى هولاكو، فعاد جوابه بقتل محمد ابن قرمجاه وجمال الدين بن الصّيرفى. فقال كتبغا للزين الحافظى: أنت كتبت إلى هولاكو بسببهم، فاقتلهم أنت. فقتلهما الزين الحافظى صبرا، بيده وسيفه، بمرج برغوث.
وبعث كتبغا نوين جيشا إلى نابلس، وقدم عليهم كشلوخان، فمضى إليها، وبها فخر الدين إبراهيم بن أبى ذكرى، نائب السلطنة بها. فركب
стр. 11563
ومعه الأمير على بن الشجاع الأكتع، وفخر الدين درباس المصرى وجماعة، فصادفهم كشلوخان فى زيتون نابلس، فقتلهم بأجمعهم.
قال: ولما اتصل بالملك الناصر ومن معه من الأمراء وصول كشلوخان إلى نابلس وما فعله، حملهم الخوف على دخول الرّمل «١» فبلغ الملك المظفّر دخولهم، فتوهم أن ذلك مكيدة لتملك الديار المصرية. فكتب إلى الأمراء الناصرية والشّهرزوريّة، يعدهم بالإكرام والإحسان إن وصلوا إليه. ففارقوا الملك الناصر ومضوا إلى المظفر، أوّلا فأوّلا. ولم يبق مع الملك الناصر إلا الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن صاحب حمص، والأمير ناصر الدين القيمرى، وأخوه شهاب الدين، وابن عمه شهاب الدين يوسف بن حسام الدين. فوصلوا إلى قطيا «٢» .
ثم خشى عاقبة دخوله إلى الديار المصرية، فعطف من قطيا، وسلك البرّيّة إلى الشّوبك بهم. فوصلوا إليها، ولم يبق لكل واحد منهم الا الفرس الذى تحته، وكل منهم فى نفرين أو ثلاثة، وقد نهبت خزائنهم وأموالهم وذخائرهم وبيوتات الملك الناصر.
ثم توجه الملك الناصر بمن معه إلى الكرك. وأرسل إليه الملك المغيث ما يحتاج إليه من الخيل والأقمشة والبيوتات وغير ذلك، وعرض عليه المقام عنده، والانفراد بالشّوبك. وقصد مكافاته عن سالف إحسانه، فإنه كان
стр. 11564
قد أحسن إلى ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، لما توجه إليه إلى دمشق- على ما نذكره. فلم يجب الملك الناصر إلى ذلك، ومضى إلى البلقاء وأقام بأطراف البلاد.
وسير حسين الكردى الطّبردار إلى كتبغا نوين، يلتمس أمانه. وقيل:
بل حسين الكردى، لما شعر بالملك الناصر، توجه إلى كتبغا وأعلمه بمكانه.
فركب كتبغا بنفسه فى جيش كثيف إلى الملك الناصر وقبض عليه، وعلى من معه. فاعتقل الأمراء القيمرية بدمشق. وكان الملك الظاهر- أخو الناصر- نازلا على قلعة صرخد بحربها، بأمر هولاكو. فأمر كتبغا بطلبه، وقبض عليه. وجاء إلى قلعة عجلون وحاصرها- والملك الناصر معه- وقدّمه إلى القلعة، فأمر من بها أن يسلّموها، فسلموها بعد امتناع.
ثم جهز الملك الناصر وأخاه الملك الظاهر، والملك الصالح بن الملك الأشرف، صاحب حمص، إلى هولاكو- وصحبتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث صاحب الكرك. فأخبرنى المولى الملك العزيز المشار إليه- مدّ الله فى عمره- أنهم توجهوا جميعا إلى هولاكو، واجتمعوا به بتوريز «١» . فأما الملك العزيز فأعاده بعد يومين أو ثلاثة، فوصل إلى دمشق- على ما نذكره. وأما الملك الناصر وابنه الملك العزيز، والملك الظاهر، وابن صاحب حمص- فإن هولاكو أخّرهم عنده.
стр. 11565
قال: وبلغنى أنه سأله عن أحوال الديار المصرية وعساكرها، فهوّن أمرها عنده، والتزم له بفتحها، وحمل أموالها وأموال الشام إليه. ولم يزل يتلطف إلى أن أمر بعوده.
فلما رجع من عنده، لقيه من سلم من الجيش الذين كانوا مع كتبغا نوين، لمّا كسرهم الملك المظفر قطز. فقبضوا عليه وأعادوه معهم إلى هولاكو. وقالوا له: ما كان على عسكرك أضرّ من مماليك هذا، ومماليك أبيه. وهم الذين قاتلونا وقتلوا كتبغا نوين، وهزموا عساكرك. فأمر بضرب عنقه، وعنق ولده الملك العزيز، وأخيه الملك الظاهر، وابن صاحب حمص- وذلك فى سنة ثمان وخمسين وستمائة.
واجتمع الناس لعزائه بجامع دمشق فى سابع جمادى الأولى، سنة تسع وخمسين وستمائة. ومولده بقلعة حلب فى يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وستمائة.
وكان- رحمه الله تعالى- ملكا حليما كريما، لم يكن لأحد من الملوك قبله- فيما سمعنا- ما كان له من التّجمّل. فإنه كان يذبح فى مطبخه فى كل يوم، أربعمائة رأس من الغنم الكبار- خارجا عن الخراف الرّضّع والأجدية والدّجاج والحمام. وكان الغلمان يبيعون فضلات الطعام بظاهر قلعة دمشق، بأبخس الأثمان، حتى استغنى أهل دمشق فى أيامه عن الطبخ فى بيوتهم.
حتى حكى عن علاء الدين على بن نصر الله، قال: جاء السلطان إلى دارى بغتة، ومعه جماعة من أصحابه. فمددت له فى الوقت سماطا، فيه من
стр. 11566
الأطعمة الفاخرة والدجاج المحشو بالسكر والحلويات شيئا كثيرا. فعجب من ذلك، وقال: فى أى وقت تهيّا لك هذا كلّه؟ فقلت: والله هذا كله من نعمتك وسماطك، ما صنعت منه شيئا، وإنما اشتريته من عند باب القلعة.
وحكى مباشرو البيوت بدمشق أن نفقة مطابخه كانت فى كل يوم تزيد على عشرين ألف درهم. وكان إذا مات أحد من أرباب الوظائف فى دولته، وله ولد فيه أهليّة، فوّض ما كان بيده من المناصب لولده. فإن كان صغيرا استناب عنه إلى أن يصلح. ومن مات من أرباب الرواتب والصدقات، أقرّ ما كان باسمه باسم أولاده- رحمه الله تعالى.
وكان له شعر رقيق جيد. فمن شعره قوله، يتشوق إلى حلب:
سقى حلب الشهباء فى كل لزبة «١» ... سحابة غيث نوءها ليس يقلع
فتلك ربوعى، لا العقييق ولا الغضا ... وتلك ديارى، لا زرود ولعلع «٢»
إلا أنه كان ضعيف الرأى، شغلته الملاذّ والشّعر والغزل وتلحين الأقوال عن النظر فى أمر دولته. فآل أمره إلى ما ذكرناه.
هذا ما كان من أمر الملك الناصر- على سبيل الاختصار.
وبقى بعد مقتله عند التتار صغار أولاده، الذين أسروا من حلب، زمنا طويلا بعد أن هلك هولاكو. ومات بعضهم هناك. وبقى منهم ولده الصغير
стр. 11567
نجم الدين أيوب، فحضر إلى الشام، ثم إلى الديار المصرية، ورتّب له راتب من جهة الملوك- أسوة أولاد الملوك الأيوبية. وهو باق إلى وقتنا هذا، مقيم بالقاهرة المعزّيّة- حماها الله تعالى.
وأما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السلطان الملك العادل، بن السلطان الملك الكامل، بن السلطان الملك العادل بن أيوب- صاحب الكرك والشّوبك
فإنه لما قبض الأمراء على والده- كما قدّمنا ذكر ذلك- وملك عمّه الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، مشى فى خدمته مدة. ثم رأى منه نجابة ونبلا وشهامة، فأمر باعتقاله فى الدار القطبيّة «١» عند عمّة السلطان وعمة والد الملك المغيث- وهى ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل- رحمهم الله تعالى. فلم يزل عندها، إلى أن مات الملك الصالح وملك ولده الملك المعظم تورانشاه. فأمر بإرساله إلى قلعة الشّوبك، واعتقاله بها. وندب لذلك الأمير عز الدين الحلّى، والأمير سيف الدين بلبان النّجاحى، فتوجها به إلى الشّوبك، واعتقلاه بها، وعادا إلى الديار المصرية.
стр. 11568
فما كان بأسرع من أن قتل الملك المعظم تورانشاه- كما ذكرنا- فلما اتصل خير مقتله بابن رسول، وشهاب الدين عمر بن صعلوك- وكانا متولّيى «١» أمر الشّوبك- نهضا وأخرجا الملك المغيث من الاعتقال، وملّكاه وحلفا له، وحلّفا من عندهما- وكانوا نحو عشرة- وحلّفاه بالوفاء لهم.
فأرسل إليهما بدر الدين بدر الصّوابى الخادم- النائب بقلعة الكرك- وأنكر عليهما إقدامهما على هذا الأمر بغير إذنه. فأرسلا إليه يقولان: بك فعلنا ذلك. فأعاد عليهما الجواب: إذا كان كذلك، فانقلاه إلى عندى فحلف للملك المغيث وحلف الملك المغيث له، وتوثّق كلّ منهما من صاحبه بأكيد الأيمان. فانتقل الملك المغيث من الشّوبك إلى الكرك- فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وتسلّم ما بها من الخزائن، التى بقيت مما نقل إليها الملك الصالح نجم الدين أيوب- بعد ما أخذه الملك المعظّم منها فوجد بها تسعمائة ألف وتسعين ألف دينار عينا. واستمرّ بالكرك والشّوبك، ورزق بها أولاده.
وراسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف- صاحب دمشق وحلب- وأرسل إليه والده الملك العزيز: فخر الدين أبا المظفر عثمان، برسالة.
فأكرمه الملك الناصر وأبرّه وقرّبه، وأجلسه فى مجلسه بالقرب منه ورتّب له فى كل يوم ألف درهم، وأربعمائة جراية وأربعمائة عليقة، وغير ذلك، ونقّله فى مستنزهات دمشق، وأقام عنده نحو ثلاثة شهور. ثم ركّبه الملك الناصر بشعار السّلطنة، وأعاده إلى أبيه. وقد عامله بنهاية البر وغاية الإكرام.
стр. 11569
وكان للملك المغيث أخبار، يأتى ذكرها فى أثناء دولة الترك.
وبعث الملك المغيث ولده العزيز الى هولاكو، يلتمس له أمانا. وجهز معه شهاب الدين بن صعلوك والنجيب خزاعة- وهما أعيان أصحابه.
فأخبرنى الملك العزيز أنه اجتمع بهولاكو بتوريز، فأمره بالجلوس، مع صغر سنه فى ذلك الوقت. فنظرت اليه الخاتون- زوجة هولاكو- وسألته بترجمان عن أمّه، وهل هى باقية أم لا؟ فقال: هى باقية عند أبى. فقالت للترجمان: قال له: تحبّ أن أردّك الى أبيك وأمك، أو تقيم عندى؟
قال: فأعدت عليها: أنه لا أمر لى فى هذا، وإنما أبى أرسلنى إلى القان»
يسأله الأمان لنفسه ولمن عنده، وأنا تحت أوامره. فنهضت قائمة وكلّمت هولاكو، وشفعت. فأشار إليها، فقالت: قد أعطاك القان أمانا لأبيك، ودستورا «٢» بالعود!.
قال: فضربت له جوكا، ورجعت من عنده. وأرسل معى من التتار من يوصلنى إلى الكرك، ويكون بها شحنه «٣» . قال: فلما وصلت إلى دمشق نزلت بدار العقيقى، ونزل التتار بمدرسة العادلية. وكان كتبغا نوين قد توجه للقاء العساكر المصرية. فكانت الكسرة على التتار- على ما نذكره.
قال: فاتصل الخبر بنا، فتحصّنا بدار العقيقى «٤» . فلما كان فى نصف الليل رجع التتار هاربين. فقصدوا أخذى معهم، فمانع عنى من
стр. 11570
معى، وأعجلهم الهرب عن حصار الدار، فتركونى. قال: ولما جاء الأمير جمال الدين المحمّدى إلى دمشق- قبل وصول الملك المظفر قطز إليها- خرجت إليه وتلقيته، وسلمت عليه. فسأل عنى، فأخبر أننى ابن الملك المغيث، فعوّقنى إلى أن قدم السلطان الملك المظفر قطز. فأمر بإرسالى إلى قلعة الجبل.
فنقل إليها. فكان بها معوّقا فى برج، عند الأمير سيف الدين بلبان النّجاحى. إلى أن أعاده الملك الظاهر بيبرس إلى أبيه الملك المغيث- على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى أخباره.
ولم يزل الملك المغيث بالكرك والشّوبك، إلى أن استولى الملك الظاهر على الشّوبك، لأربع بقين من ذى الحجة، سنة تسع وخمسين، عند ما جرّد إليها الأمير بدر الدين الأيدمرى. وبقى بيد الملك المغيث الكرك وأعمالها.
ثم حصل الاتفاق بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس والملك المغيث، وحلف السلطان الملك الظاهر له يمينا مستوفاة، وأشهد عليه بما تضمنه مكتوب الحلف.
وقد شاهدت المكتوب. وهو بخط القاضى فخر الدين: إبراهيم بن لقمان- صاحب ديوان الإنشاء. وما فيه من اسم السلطان بخطّ السلطان، ومثاله: «بيبرس» .
ونسخة هذه اليمين- على ما شاهدته ونقلت منه:
стр. 11571
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
أقول وأنا بيبرس. والله والله والله، وتا لله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله، العظيم الرحمن الرحيم، الطالب الغالب الضار النافع، عالم الغيب والشهادة والسّر والعلانية، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازى لها بما احتسبت. وجلال الله وعظمة الله وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا- إننى من وقتى هذا وساعتى هذه، وما مدّ الله فى عمرى، قد أخلصت نيّتى وأصفيت سريرتى، وأجملت طويّتى، فى موافقة المولى: الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الشهيد الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن محمد، بن أبى بكر بن أيوب، ومصافاته ومودّته.
لا أضمر له سوءا ولا غدرا، ولا خديعة ولا مكرا لا فى نفسه ولا فى ماله، ولا فى أولاده، ولا فى مملكته ولا فى قلعته، ولا فى بلاده، ولا فى أمرائه، ولا فى أجناده، ولا فى غلمانه، ولا فى مماليكه، ولا فى ألزامه ولا فى عربانه، ولا فى رعيّته، ولا فيما يتعلّق به وينسب إليه، من قليل وكثير.
стр. 11572
وإننى والله لا أعارضه ولا أشاققه، ولا آمر من يعارضه فى بلاده الجارية فى مملكته، وهى: قلعة الكرك المحروسة، وربضها وسائر عملها، والغور المعروف بغور زغر «١» - بكماله، وحدّ ذلك من القبلة الحسا، ومن الشمال حد الموجب نصف القنطرة والمسيل، ومن الشرق الثنيتين، ومن الغرب السبخة المعروفة بأبى ضابط، ومنتهى حد الغور المذكور من القبلة الكثيب الرمل المعروف بالدبة، ومن الشمال الماء النازل من الموجب إلى البحيرة.
وإننى والله لا آمر ولا أشير، ولا أكتب، ولا آذن بصريح ولا بكناية، ولا بقول لأحد، فى التعرض لبلاده المذكورة، ولا السعى فيها بفساد. وإننى والله متى حضر المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور إلى خدمتى، عند حلولى بالشام المحروس، لمنازلة عدوّ يطرق بلادى، أو لعدو يطرق بلاده، لا أتعرض إليه بأذيّة، ولا أقصده بسوء فى نفسه ولا فى ماله ولا فى بلاده، ولا فى أمرائه ولا فى أجناده، ولا فى عربانه ولا فى مماليكه، ولا فى رعيته، ولا فيمن يصل صحبته من أصحابه.
стр. 11573
وإننى والله لا أطالبه، ولا أطالب أحدا من أمرائه وأجناده، وأصحابه ومماليكه ولا من غلمانه، ولا من رعيته ولا من عربانه، ولا أحدا من سائر أصحابه، بسبب متقدّم إلى تاريخ هذه اليمين المباركة. ولا أمكّن أحدا من أمراء دولتى، ولا من جندها، ولا من سائر مماليكى، وأصحابى من الجماعة البحريّة وغيرهم، من مطالبته ولا مطالبة أحد من أمرائه وأجناده ومماليكه ورعيته، وسائر أصحابه، أهل الكرك وغيرهم، بسبب متقدّم عن تاريخ هذه اليمين المباركة- صامت كان أو غير صامت- من قماش وأثاث، وغير ذلك.
وإننى والله، لا أستخدم أحدا من أمراء المولى الملك المغيث: فتح الدين عمر المذكور، ولا من أجناده ولا من أجناد أمرائه، ولا من مماليكه ولا من مماليك أمرائه، ولا من عربانه ولا من غلمانه، الا من انفصل عنه بدستور. ومتى تسحّب أحد من أمرائه أو أجناده، أو أجناد أمرائه أو مماليكه، أو مماليك أمرائه أو غلمانه أو عربه، أو غير ذلك من أصحابه وفلاحى بلاده، وحضر إلى بلادى أو الى مملكة من ممالكى، والتمس عوده اليه- تقدّمت باعادته اليه، بجهدى وطاقتى.
وإننى والله متى قصد بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور عدوّ- مسلما كان أو كافرا- أعنته على دفعه وزجره وردعه، جهدى وطاقتى. وإننى والله، متى تعرض أحد من عرب بلادى الى بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور، أو الى جهة من جهات مملكته، أو الى أحد من رعيته أو أحد من سائر أصحابه، أو سعى بفساد فيما يتعلق بمملكته، واطّلعت عليه- تقدّمت بزجره وردعه عن ذلك. وفعلت فى أمره ما تقتضيه السّياسة.
стр. 11574
وإننى والله- أفى للمولى الملك المغيث: فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل محمد، بن أبى بكر بن أيوب- بهذه اليمين من أولها إلى آخرها، ما دام وافيا لى باليمين التى يحلّفه بها نائبى، لا أنقضها ولا شيئا منها، ولا أستثنى فيها ولا فى شىء منها، ولا أستفتى فيها ولا فى شىء منها، طلبا لنقضها أو نقض شىء منها.
ومتى نقضتها أو نقضتها فيها أو فى شىء منها، طلبا لنقضها أو نقض شىء منها، فكلّ ما أملكه من صامت وناطق- صدقة على الفقراء والمساكين من المسلمين. وكلّ مملوك أو أمة فى ملكى، أو أتملكهما فيما بقى من عمرى، حرّ من أحرار المسلمين. وعلىّ أن أفكّ عشرة آلاف رقبة مؤمنة من أيدى الكفار، إن خالفت هذه اليمين أو شيئا منها.
وهذه اليمين يمينى، وأنا بيبرس. والنّيّة فيها بأسرها نيّة المولى الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن أبى بكر، بن أيوب، ونيّة مستحلفى له بها- أشهد الله علىّ بذلك، وكفى به شهيدا. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.
وشهد على السلطان الملك الظاهر، بهذه اليمين، من نذكرهم وهم:
الأتابك فارس الدين أقطاى، وأقوش النّجيبى، وقلاوون الألفى، وعز الدين أزدمر «١» ، وأيدمر الحلّى، وبيسوى الشّمسى، وبيليك
стр. 11575
الطرندار، وأيبك الأفرم، وكاتب اليمين إبراهيم بن لقمان بن أحمد. وهى مؤرّخة فى الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة. وشهد على السلطان اثنان ممن حضر من الكرك، وهما: أمجد الكركى- وهو كاتب الملك المغيث- وكان قد أمّره، وآخر لم أحقّق اسمه عند قراءته.
وبآخر رسم خط الشهود خط المستحلف. وصورته:
أحلفت مولانا السلطان الكبير، العالم المجاهد، المرابط المؤيّد المنصور، الملك الظاهر أبا الفتح بيبرس بن عبد الله، الصالحى، أعزّ الله سلطانه- بهذه اليمين المباركة من أولها إلى آخرها، على الوجه المشروح فيها، تاريخ الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة- أحسن الله تقضّيها. وكتبه خزاعة بن عبد الرّزّاق بن على- حامدا لله تعالى ومصلّيا.
وجهز السلطان الملك الظاهر للملك المغيث ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان- وكان معتقلا بالقلعة من الأيام المظفّريّة، كما قدمنا- فأطلقه السلطان الآن، وأقطعه ذبيان «١» بمنشور، ثم سيّر إليه السلطان بعد ذلك صنجقا وشعار السلطنة. فقبّل الملك المغيث عقب الصّنجق، وركب بشعار السلطنة.
وظن الملك المغيث أن الصلح قد انتظم بمقتضى هذه اليمين، فركن إلى ذلك. ثم جهّز والدته فى سنة إحدى وستين وستمائة إلى الملك الظاهر.
فوجدها السلطان بغزّة، فأنعم عليها إنعاما كبيرا، وعلى من معها. وأجرى معها الحديث فى وصول الملك المغيث إليه، لينتظم الصلح شفاها، وتتأكد
стр. 11576
أسبابه. وأعاد عليها العطاء ثانيا، وجهّزها إلى الكرك. وجهز فى خدمتها الأمير شرف الدين الجاكى المهمندار «١» ، لتجهيز الإقامات للملك المغيث.
فاغترّ الملك المغيث بذلك. واستخلف ابنه الملك العزيز فخر الدين بالكرك، واستحلف له من تركه بقلعة الكرك، وترك عنده بقية أولاده- إخوة الملك العزيز- وكان له سبعة أولاد ذكور، أسنّهم الملك العزيز فخر الدين عثمان. وولد له بعد قبضه ابنان. وكان الملك العزيز، يوم ذاك، صغير السن، فإن مولده- كما أخبرنى به- فى الأول من يوم الإثنين ثالث شوال، سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وفارق الملك المغيث الكرك، وتوجه إلى السلطان الملك الظاهر، وهو بمنزلة الطّور. فلما بلغ السلطان وصول الملك المغيث إلى بيسان، ركب إليه وتلقاه، وساقا جميعا إلى منزلة السلطان. فلما وصل الملك المغيث إلى باب الدّهليز، ترجّل ودخل إلى الخيمة. فأدخل على خركاه «٢» ، وقبض عليه وعلى من معه- وذلك فى يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة إحدى وستين وستمائة. وأظهر السلطان لقبضه سببا، نذكره فى أخبار السلطان الملك الظاهر- إن شاء الله تعالى- تقف عليه بعد هذا.
стр. 11577
ولمّا قبض عليه، جهّزه فى تلك الليلة إلى قلعة الجبل- صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى. ولما وصل إلى قلعة الجبل، أدخل البرج الذى كان به ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، فقال للأمير سيف الدين بلبان النّجاحى- متولّى قلعة الجبل-: فى هذا البرج كان ولدى عثمان؟
قال: نعم.
ولم يستقّر بذلك البرج، بل نقل منه فى يومه، وأدخل إلى قاعة من قاعات الدور السلطانية، فقتل من يومه. وكان آخر العهد به.
وتولى ذلك الأمير عز الدين أيدمر الحلّى- نائب السلطنة- بالغيبة.
واستدلّ على قتله أن بعض الخدام حكى، فقال: لما أدخل الملك المغيث إلى القاعة، طلب له طعام من الآدر «١» السلطانية- قال الخادم: فتوجهت لإحضار الطعام، فأتيت به على رأس خادم آخر، فوجدت الأمير عز الدين قد خرج من القاعة، وأغلق الباب! فقلت: قد حضر الطعام. فقال: بعد أن أغلقنا الباب لا نفتحه فى هذه الليلة. فرجعت بالطعام. ولم يفتح ذلك الباب، إلى ثلاثة أشهر أو نحوها.
وكان مولد الملك المغيث- رحمه الله تعالى- بمنزلة العبّاسة «٢» فى شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وستمائة.
стр. 11578
ولما قبض عليهم، جهز الملك الظاهر، إلى الكرك، الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير أيدمر الظاهرى، وكتب إلى من بها يعدهم الإحسان. ثم توجه بنفسه إليها، وتسلّمها على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى أخباره.
وأنعم على ولده: الملك العزيز فخر الدين عثمان بإمرة مائة فارس. ورتّب لإخوته وأهله الرواتب. ثم قبض عليه، بعد ذلك، واعتقله- على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وأما الملك الموحّد تقىّ الدين عبد الله ابن الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- صاحب حصن كيفا ونصيبين وأعمالها
فإن والده الملك المعظم كان قد تركه بحصن كيفا، عند قدومه إلى الديار المصرية، وهو دون البلوغ. فاستمر بالحصن بعد مقتل والده، ودبّر.
أمر دولته خادما أبيه: افتخار الدين ياقوت، وجمال الدين طقز. فلم تزل هذه المملكة بيده، إلى أن استولى هولاكو على البلاد.
стр. 11579
فلما قارب بلاد الملك الموحد خرج إليه بأمان وتلقاه، وقدم له أشياء مما كان عنده من التّحف ونفائس الذخائر، فأقرّه على عمله. ولم يتعرض لحصن كيفا، ولا هراق به دما. وقرر عليه قطيعة فى كل سنة أحد عشر ألف دينار ثمنها «١» ستة وستين ألف درهم. ثم خرجت نصيبين عنه. وذلك أن صاحب ماردين: الملك المظفر، بن الملك السعيد بن أرتق- ضمنهما من التتار، وأضافها إلى مملكته.
ثم نقل أبغا بن هولاكو- فى أول دولته- الملك الموحّد إلى الأردوا «٢» ، أخلى قلعة حصن كيفا، وخرّبها.
وسبب ذلك أن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، لما ملك الديار المصرية وما معها، خشى عاقبة الملك الموحد، وأنه من البيت الأيوبى، وملك الديار المصرية لأبيه وجده، وجدّ أبيه وجد جده. فأمر بمكاتبته ومكاتبة خادميه- عن جماعة من الأمراء الصالحية- يستدعون الملك الموحّد إليهم، ليملّكوه ملك آبائه. ووصلت الكتب بذلك إليهم، فمالت نفوس الخدّام إلى ذلك ورغبوا فيه، ولم يخشوا عاقبة المكايد.
стр. 11580
فحملهم حبّ ذلك على أن أجابوا الأمراء عن كتبهم: أنهم يصلون إليهم بالملك الموحد. وأخذ القصّاد «١» الكتب ورجعوا، فظفر بهم مقدّم التتار. فأرسل الكتب إلى أبغا، فأحضره، وأحضر الخادمين، وقتلهما.
وأقره بالأردوا مدة سبع سنين- هذا، ونائبه مقيم بحصن كيفا. ثم أطلقه وأعاده إلى الحصن. فكان به إلى أن توفى. وكانت وفاته- ﵀ ضحى يوم الأحد، النصف من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة.
وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة عشر، وهم: الأمير سيف الدين أبو بكر شادى الكبير، وعلاء الدين على الكبير، ومغلطاى- وإنما سمّى بذلك، لأنه ولد بالأردوا «٢» ، فأمرت قولى «٣» خاتون، زوجة هولاكو، أن يسمّى بذلك. وأرسلان، ويوسف، وزكرى، وعثمان، وخليل، وعلى الأصغر، وإبراهيم شقيقه، وأبو بكر الأصغر- وهو ابن أخت ناصر الدين يحيى، بن جلال الدين الحيتى، أحد مقدّمى التتار. ونجم الدين أيوب، وحسن. ومات من أولاده- قبل وفاته- الملك المعظم محمد- مات قبل والده بسبعة أيام. واللّمسن- وهو شقيق أرسلان.
ولما مات الملك الموحّد، ملك حصن كيفا بعده ولده: الملك الكامل سيف الدين أبو بكر شادى- بتقرير التتار. فاستمر إلى شهر رجب، سنة تسع وتسعين وستمائة. ثم قتله قازان، ملك التتار. وسبب ذلك أن بعض إخوته شكوه له، وذكروا أنه قتل بعضهم.
стр. 11581
وملك بعده الملك العادل سيف الدين أبو بكر الأصغر، ملّكه قازان.
رعاية لحق أخواله. فملك أربعة أشهر، وقتل بمنزلة الميدان- بقرب إربل- قتله الأكراد، هو وأخوه أرسلان- وكانا نازلين بتلك المنزلة مع جماعة من التتار، كبسهم الأكراد الشّهريّة «١» بها.
وملك بعده أخوه الملك المعظم، حسام الدين خليل- أربعة أشهر- فعسف وظلم فنازعه فى المملكة ابن أخيه الملك الصالح صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الموحّد، وشكاه إلى التتار، فسلّم إليه عمّه الملك المعظم، فخنقه.
واستقر الملك الصالح هذا فى المملكة بحصن كيفا، خمس سنين. ثم نازعه (عمّه) «٢» حسن، وتوجه إلى التتار فملّكوه الحصن. ولقّب الملك الظاهر بدر الدين حسن، وأرسلوا معه عسكرا، فهرب ابن أخيه أمامه.
وأقام بالحصن سنة.
ولحق الملك الصالح بالشيخ الشرف، بن الشيخ عدىّ الهكّارى، بجبل هكّار «٣» ، وأقام سنة. ثم جمع جمعا كثيرا من الأكراد، وعاد إلى الحصن، عند خلو البلاد من التتار، وحاصر عمّه الملك الظاهر حسن، مدة أربعة أشهر. فوافقه أهل القلعة وسلموه إليه، فقتله، وعاد إلى مملكته.
وأرسل إلى التتار وأرضاهم، فأقروه. فهو إلى وقتنا هذا.
стр. 11582
أخبرنى بذلك المولى الأمير علاء الدين على، بن الملك الموحّد- وهو على الأصغر، المقدّم الذكر- وهو يوم ذاك بالقاهرة المعزّيّة.
وكان قد فارق الحصن، لمّا حصل من ابن أخيه هذا: من قتل إخوته أولاد الملك الموحّد. ووصل إلى الديار المصرية، فى أوائل سنة ثلاث وسبعمائة، واستقر بها. وأقطعه السلطان الملك الناصر إقطاعا متميزا، بحلقتها. وأخبرنى أنه لم يبق من أولاد الملك الموحّد- لصلبه- سواه. وأن بقية من ذكرناهم أفناهم الموت والقتل.
وذلك فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وأما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر بن أيوب صاحب ميّافارقين
فإنه لم يزل بها، إلى أن ملك التتار البلاد. فندب هولاكو صرطق نوين، وقطغان نوين «١» لمحاصرته بميّافارقين، بطائفة كثيرة من التتار.
فحاصروه مدة سنتين، حتى قلّت الأقوات عندهم، وأكلوا الكلاب والسّنانير والميتة. ففتحها التتار بعد أن فنى من عنده من الجند من القتال- وذلك فى سنة ثمان وخمسين وستمائة. وأسر الملك الكامل، وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدى هولاكو، فقتلوا، إلا مملوكا واحدا- كما تقدم فى أخبار هولاكو
стр. 11583
وكان الملك الكامل هذا- رحمه الله تعالى- ملكا حازما كريما، كثير الزّهد والوّرع. ولما قتل- ﵀ حمل التتار رأسه على رمح، وطيف به البلاد. ومرّوا به على حلب وحماه وأتوا به إلى دمشق- فى سابع عشر جمادى الأولى من السنة- وطافوا به دمشق، وأمام الرأس المغانى والطّبول! وعلّق رأسه بباب الفراديس، إلى أن دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق- بعد هزيمة التتار- فأنزل الرأس، ودفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس فقال الشيخ شهاب الدين أبو شامه «١» فى ذلك، من أبيات:
ابن غازى غزا وجاهد قوما ... أثخنوا «٢» فى العراق والمشرقين
طاهرا عاليا، ومات شهيدا ... بعد صبر عليهم عامين
لم يشنه إذ طيف بالرأس منه ... وله أسوة برأس الحسين
ثم واروا بمشهد الرأس ذاك الرأ ... س، فاستعجبوا من الحالتين
стр. 11584
وأما الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور أبى عبد الله محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعيد عمر، بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه
فإنه كان قد ملك حماه بعد وفاة والده- فى ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. فاستمر فى ملك حماه، وطالت مدته. وكان يتردد إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية والمنصورية، وهم يعظّمونه. وهداياه وتقادمه تصل إلى الملوك. وهو يشهد معهم الحروب والوقائع، بعسكر حماه.
وما زال كذلك، إلى أن توفى فى شوال، سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ومولده فى الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
ولما توفى، رتّب السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى ملك حماه ولده: الملك المظفر تقىّ الدين محمود بن محمد. وكوتب من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب به والده. وحملت إليه وإلى أهله وإلى أهل بيته الخلع والتشاريف السلطانية واستقر فى ملك حماه إلى أن توفى فى يوم الخميس، الحادى والعشرين من ذى القعدة، سنة ثمان وتسعين وستمائة،
стр. 11585
ودفن ليلة الجمعة. وكان مولده فى الساعة العاشرة من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة.
واستقرت المملكة الحمويّة بعد وفاته فى يد نوّاب ملوك مصر. وكان أول من وليها من النواب: الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى، نقل من الصّبيبة إليها. ثم نقل منها إلى نيابة حلب، فى سنة تسع وتسعين وستمائة، بعد وقعة قازان «١» . وفوّضت نيابة السلطنة بحماه إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى- وكان قبل ذلك بصرخد- فلم يزل بها إلى أن مات، فى سنة اثنتين وسبعمائة. فوليها الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، فكان بها إلى أول الدولة الناصرية الثانية. ونقل منها، فى سنة تسع وسبعمائة، إلى نيابة المملكة الحلبية. وفوّضت نيابة السّلطنة بحماه للأمير سيف الدين أسندمر كرجى «٢» فكان بها، إلى أن فوّض السلطان- الملك الناصر- نيابة المملكة الحمويّة إلى الأمير عماد الدين إسماعيل، بن الملك الأفضل نور الدين على، ابن الملك المظفر محمود، بن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين عمر، بن شاهانشاه بن أيوب، فى سنة عشر وسبعمائة
стр. 11586
فاستمر فى نيابة السلطنة مدة ثم كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالى الملكى العمادى ولم يزل كذلك، إلى أن فوّض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه، ولقبه بالملك المؤيّد. وركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم، سنة عشرين وسبعمائة- على ما نذكره ذلك، إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية. وهو باق إلى وقتنا هذا. ويصل فى كل سنة إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم والتّحف، ويحصل له الإنعام السلطانى، والتشاريف، وغير ذلك.
وملوك حماه- وإن لقّبوا بألقاب الملوك، وخوطبوا وكوتبوا بما يخاطب ويكاتب به الملوك- فلا تعدّ أيامهم من جملة الدولة الأيوبية، لأنهم فى الخدمة السلطانية على رسم النّواّب. وإنما أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم، لتعلم.
стр. 11587
وأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادى.. صاحب تلّ باشر والرّحبة
فقد ذكرنا أنه كان بيده حمص وتدمر والرّحبة «١» ، إلى أن استولى الملك الناصر- صاحب حلب- على حمص، فى سنة ست وأربعين وستمائة، وعوّضه عنها تلّ باشر «٢» . فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب- كما ذكرنا فى سنة ثمان وخمسين وستمائة- فحضر إليه، فأكرمه هولاكو، وأعاد عليه حمص، وفوّض إليه نيابة السلطنة بالشام والسواحل.
فلما هزم الملك المظفر سيف الدين قطز التتار على عين جالوت، ووصل إلى دمشق- أقرّه على حمص والرحبة وتدمر. وأقر الملك الظاهر- بعده- ذلك بيده، إلى أن توفى فى حادى عشر صفر، سنة اثنتين وستين وستمائة.
ولم يكن له عقب، فاستقرّ ما كان بيده فى يد نوّاب السلطنة، إلى وقتنا هذا. ولبعض من ذكرنا أخبارهم فى هذا الوضع، أخبار ووقائع مع الملوك، يأتى ذكرها فى أخبار ملوك الديار المصرية- على ما تقف على ذلك، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه. وإنما ذكرناهم فى هذا الموضع، لتكون أخبارهم مجتمعة، على سبيل الاختصار.
стр. 11588
[إنتهاء الدولة الأيوبية] «١»
وكانت هذه الدولة الأيوبية بالديار المصرية- منذ ولى الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة العاضد لدين الله العبيدى، ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش، فى سابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمسمائة، إلى أن ملك السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانى الصالحى، فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة- أربعا وثمانين سنة، وأربعة أشهر، واثنى عشر يوما- وإلى أن استولى هولاكو على الشام، وهرب الملك الناصر، صاحب الشام وحلب، فى النصف من صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثلاثا وتسعين سنة، وعشرة أشهر، تقريبا.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة الأيوبية، على سبيل الاختصار. فلنذكر أخبار دولة التّرك، وهى فرع الدولة الأيوبية.
стр. 11589
ذكر أخبار دولة التّرك «١» وابتداء أمر ملوكها، وما ملكوه من الممالك والحصون والأقاليم والثغور والأعمال، وما افتتحوه، وغير ذلك من أخبارهم
كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية. ثم انتشرت بالبلاد الشامية، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية والفراتية. ثم استولت على الثّغور والقلاع والحصون الساحلية. واستنقذت حصون الدّعوة من أيدى الإسماعيلية «٢» .
وبلغت المملكة الرومية. ودانت لها الأقطار اليمانية والحجازية.
وانتمت إليها الطوائف القرمانية «٣» . ورغب فى مسالمتها الملوك.
الجنكزخانيّة. ونفذت أوامرها واتّصلت أحكامها ببلاد إفريقية وما يليها، والتّكرور «٤» وما يدانيها. ودخل فى طاعتها وعقد ذمّتها من بإقليم النّوبة، من بلاد الدّوّ «٥» ، المجاور لثغر أسوان، إلى بلاد الكرسى والعريان «٦» ، وهو آخر العمل بالقرب من مجرى نهر النيل. على ما نورد ذلك، إن شاء الله تعالى، ونوضّحه ونبيّنه ونشرحه.
стр. 11590
ولنبدأ بذكر أخبارهم، وسبب الاستيلاء عليهم.
ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم، واتصالهم بملوك الإسلام. ومن استكثر منهم، وتغالى فى اتباعهم وقدّمهم على العساكر
قد ذكرنا فى أخبار الدولة العبّاسيّة من اتصل منهم بالخلفاء، وتقدم على العساكر، وعلا قدره وطار اسمه. وذكرنا أيضا فى أخبار الدولة العبيديّة- فى أيام المستنصر بالله- ما كان من أمرهم، وقيامهم، ومحاربتهم ناصر الدولة بن حمدان- تارة، ومعه أخرى.
ثم ذكرنا أن الملك الناصر- صلاح الدين يوسف بن أيوب- كان ممن اهتمّ بتحصيلهم، وأخوه الملك العادل، ثم ابنه الملك الكامل. وكانوا إذ ذاك لا يجلبهم التّجّار إلا خفية، ولا يقدرون على تحصيلهم إلا سرقة، لأن حماهم كان مصونا من التّجاهر ببيعهم، أو التطرق إليهم.
وأما السبب الموجب للاستيلاء عليهم، وبيعهم فى الأمصار- فهو أنه لما ظهر جنكزخان التمرجى، ملك التتار، واستولى على البلاد الشرقية
следующие страницы →