← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقيل: كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول: اعملوا ولا تغملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضولها رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح، ليس معها من أرزاقها شىء، لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها، فإن قلتم: بطوننا أعظم من بطونها، فهذه الوحش تغدو وتروح، وليس معها من أرزاقها شىء والله يرزقها. وروى أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث، فقيل له، فقال: إنما هى أيّام قلائل يأتى أمر الله وأنا خميص، فقتل من ليلته. وفي الحديث عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من قلّ طعمه صحّ بدنه وضفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه» . وعنه ﷺ قال: «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه» . قال حاتم أبيت خميص البطن مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذّم أن أتضلعا فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا وقال بعضهم: رأيت مجنونا ببغداد، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون، وكنت ممن دعى، فقلت: ألا تدخل فتأكل؟ فإن الطعام كثير، قال: وإن كثر فإنى ممنوع منه، فقلت: كيف والباب مفتوح، ولا مانع من الدخول؟ فقال: أآكل طعاما لم أدع إليه؟ لقد اضطرّنى إلى ذلك غير الجوع، فقلت: ما هو؟ قال: دناءة النفس وسوء الغريزة، قال الشاعر وإنّى لعفّ عن مطاعم جمّة ... إذا زيّن الفحشاء للنفس جوعها

стр. 1157

وقال آخر وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي البطن انطواء فلا وأبيك ما في العيش خير ... وفي الدنيا إذا ذهب الحياء! قال الجنيد: مرّ بى الحارث بن أسد المحاسبىّ، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عمّ، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ قال: نعم، فدخل، وقدّمت إليه طعاما حمل إلىّ من عرس، فأخذ لقمة فلاكها ونهض فألقاها في الدّهليز ومضى، فالتقيت به بعد أيام، فقلت له في ذلك، فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلى، ولكن بينى وبين الله تعالى علامة، أن لا يسوّغنى طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم، فقدّمت إليه كسرا كانت لنا فأكل وقال: إذا قدّمت لفقير شيئا، فقدّم مثل هذا. روى أن عمرو بن العاص قال لأصحابه يوم الحكمين: أكثروا لهم الطعام، فو الله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا؛ فلما وجد معاوية ما قال صحيحا، قال: البطنة تذهب الفطنة. وروى أن رسول الله ﷺ قال: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشرب، فإن القلوب تموت كالزّرع إذا كثر عليه الماء» . ودخل عمر رضى الله عنه على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا اليه، قال: ويحك! قرمت إلى شىء فأكلته، كفى بالمرء شرها أن يأكل كلّ ما يشتهى. قال ابن دريد: العرب تعيّر بكثرة الأكل، وأنشد لست بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوّام كنوم الفهد

стр. 1158

وقال عمر رضى الله عنه: ما اجتمع عند النبىّ ﷺ إدامان إلا أكل أحدهما وتصدّق بالآخر. وقال أبو سليمان الدارانىّ: خير ما أكون إذا لصق بطنى بظهرى، أجوع الجوعة فأخرج تزحمنى المرأة فما ألتفت إليها، وأشبع الشّبعة فأخرج فأرى عينىّ تطمحان. ذكر أخبار الأكلة قد نسب ذلك إلى جماعة من الأكابر وذوى الهمم، فمن ذلك ما حكاه الحمدونىّ فى تذكرته: أن معاوية بن أبى سفيان أتى بعجل مشوىّ، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فرانىّ «١» ، وجديا حارا، وجديا باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلّاء الرطب، فأتى عليه، وقيل: إنه كان يأكل كل يوم أربع أكلات آخرهنّ أشدّهنّ، ثم يقول: يا غلام، أرفع، فو الله ما شبعت، ولكنى مللت. ومنهم عبيد الله بن زياد، كان يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جنبة بغل، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق «٢» أو جدى فيأتى عليه وحده. ومنهم الحجّاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنوّر، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتّى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء. ومنهم سليمان بن عبد الملك، روى أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمدّيده إلى كلّ واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدّم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا.

стр. 1159

وقال الشّمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز، فجاء حتى ألقى صدره إلى غصن، ثم قال: يا شمردل، ما عندك شىء تطعمنى؟ قلت عندى جذع تغدو عليه حافل وتروح أخرى، قال: عجّل به، فأتيته به كأنه عكّة سمن، فجعل يأكل، وهو لا يدعو عمر، حتى بقى منه فخذ، قال: يا أبا حفص، هلمّ، قال: إنى صائم، فأتى عليه، ثم قال: يا شمردل ويلك! ما عندك شىء؟ قلت: دجاجات ست، كأنهنّ رئلان النعام، فأتيته بهنّ فأتى عليهن، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندك؟ قلت: سويق كأنه قراضة الذهب، فأتيته بعسّ «١» يغيب فيه الرأس، فشربه، فلما فرغ تجشأ كأنه صارخ في جبّ، ثم قال: يا غلام! أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: نيّف وثمانون قدرا، قال: فأت بقدر قدر، وبقناع عليه رقاق، فأكل من كل قدر ثلاث لقم، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، فوضع الخوان، وقعد يأكل مع الناس. ومن المشهورين بالأكل، هلال بن الأسعر المازنىّ، قال المعتمر بن سليمان: سألته عن أكله فقال: جعت مرة ومعى بعير لى فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهرى، فلما كان الليل راودت أمة لى فلم أصل إليها، فقالت كيف تصل إلىّ وبينى وبينك جمل؟ فقلت له: كم بلّغتك هذه الأكلة؟ فقال: أربعة أيام. وحكى أبو سعيد منصور بن الحسن الأبىّ في كتابه المترجم بنثر الدّر: أن هلالا هذا أكل بعيرا، وأكلت امرأته فصيلا وجامعها، فلم يتمكن منها، فقالت له: كيف تصل إلى وبينى وبينك بعيران؟ وله حكايات ذكرها الحمدونىّ في التذكرة، والأبىّ فى نثر الدر تركناها اختصارا.

стр. 1160

ومنهم محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس، ذكر الجاحظ: أنه أكل يوما جنبى بكر شواء بعد طعام كثير. ومن المشهورين بالنهم، أحمد بن أبى خالد الأحول وزير المأمون، وكان المأمون إذا وجهه في حاجة، أمره أن يتغدى ويمضى فرفع إلى المأمون في المظالم: إن رأى أمير المؤمنين أن يجرى على ابن أبى خالد نزلا، فإنّ فيه كلبية، إلا أن الكلب يحرس المنزل بكسرة، وابن أبى خالد يقتل المظلوم، ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه المأمون في كلّ يوم ألف درهم لمائدته، وكان مع ذلك يشره الى طعام الناس. ولما انصرف دينار بن عبد الله من الجبل، قال المأمون لاحمد بن أبى خالد: امض إلى هذا الرجل وحاسبه وتقدّم إليه يحمل ما يحصل لنا عليه وأنفذ معه خادما ينهى إليه ما يكون منه، وقال: إن أكل أحمد عند دينار عاد إلينا بما نكره، ولما اتصل خبر أحمد بدينار، قال للطباخ: إن أحمد أشره من نفخ فيه الروح، فإذا رأيته فقل له: ما الذى تأمر أن يتخذ لك؟ ففعل الطباخ، فقال أحمد: فراريح كسكرية بماء الرمان تقدّم مع خبز الماء بالسميد، ثم هات بعدها ما شئت، فابتدأ الطباخ بما أمر، وأخذ أحمد يكلّم دينارا، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: إن لنا قبلك ما لا قد حبسته علينا، فقال: الذى لكم ثمانية آلاف ألف، قال فاحملها، قال: نعم، وجاء الطباخ فاستأذن في نصب المائدة، فقال أحمد: عجّل بها فإنى أجوع من كلب، فقدّمت وعليها ما اقترح، وقدّم الدجاج وعشرين فروجا كسكرية فأكل أكل جائع نهم، ما ترك شيئا مما قدّم، فلما فرغ وقدّر الطباخ أنه قد شبع، لوّح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط كأنها سبائك الفضة، فأنكر أحمد عليه إلا قدمها؟ وقال: هاتها، وأعاد أحمد الخطاب، فقال دينار: أليس قد عرفتك

стр. 1161

أن الباقى لكم عندى سبعة آلاف ألف؟ قال أحسبك اعترفت بأكثر منها، فقال: ما اعترفت إلا بها، فقال: هات خطك بما اعترفت به، فكتب بستة آلاف ألف فقال أحمد: سبحان الله! أليس قد اعترفت بأكثر من هذا؟ قال: ما لكم قبلى إلا هذا المقدار، فأخذ خطه بها وتقدّم الخادم، فأخبر المأمون بما جرى، فلما ورد أحمد ناوله الخط، فقال: قد عرفنا ما كان من الألف ألف بتناول الغداء؛ فما بال الألف ألف الأخرى، فكان المأمون بعد ذلك يقول: ما أعلم غداء قام على أحد بألفى ألف إلا غداء دينار، واقتصر على الخط ولم يتعقبه كرما ونبلا. ومنهم أبو العالية، حكى أن امرأة حملت فحلفت إن ولدت غلاما لأشبعنّ أبا العالية خبيصا، فولدت غلاما، فأطعمته، فأكل سبع جفان، فقيل له: إنها حلفت أن تشبعك خبيصا، فقال: والله لو علمت لما شبعت إلى الليل. ومنهم أبو الحسن بن أبى بكر العلّاف الشاعر دخل يوما على الوزير المهلّبى ببغداد، فأنفذ الوزير من أخذ حماره الذى كان يركبه من غلامه، وأدخل المطبخ وذبح وطبخ لحمه بماء وملح، وقدّم بين يديه، فأكله كلّه وهو يظن أنه لحم بقر، فلما خرج طلب الحمار، قيل له: قد أكلته، وعوّضه الوزير عنه ووصله، فهذا كاف في أخبار الأكلة. ذكر ما قيل في الجبن والفرار ومن أقبح ما هجى به الرجل أن يكون جبانا فرّارا، وقد نهانا الله عزّوجل عن الفرار، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ

стр. 1162

وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) . وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) . وقالت عائشة رضى الله عنها: إن لله خلقا، قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأفّ للجبناء، أفّ للجبناء. وقال خالد بن الوليد عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدى موضع إلا فيه طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشى حتف أنفى، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء. وقيل كتب زياد إلى ابن عباس: أن صف لى الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألنى عن ضائع ركّبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، ولجبان يفرّ عن عرسه، وأن الجواد يعطى من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه؛ وقال شاعر يفرّ جبان القوم عن عرس نفسه ... ويحمى شجاع القوم من لا يناسبه وقالوا: الجبن غريزة كالشجاعة بضعها الله فيمن شاء من خلقه. قال المتنبى يرى الجبناء آن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم وقالوا: حدّ الجبن الضنّ بالحياة، والحرص على النجاة. وقالت الحكماء في الفراسة: من كانت فزعته في رأسه، فذاك الذى يفرّ من أمّه وأبيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التى تؤويه. ويقال: أسرع الناس إلى الفتنة أقلّهم حياء من الفرار. وقال هانىء الشيبانىّ لقومه يوم ذى قار يحرّضهم على القتال: يا بنى بكر! هالك معذور، خير من ناج

стр. 1163

فرور، المنيّة، ولا الدّنيّة، استقبال الموت خير من استدباره، الثغر في ثغور النحور، خير منه في الأعجاز والظهور، يا بنى بكر! قاتلوا، فما من المنايا بدّ، الجبان مبغّض حتّى لأمّه، والشجاع محبّب حتّى لعدوّه. ويقال: الجبن خير أخلاق النساء، وشرّ أخلاق الرجال. وقال يعلى بن منبّه لقومه حين فروا من علىّ يوم صفّين: إلى أين؟ قالوا: ذهب الناس، قال: أفّ لكم! فرارا واعتذارا! قال: ولما قوتل أبو الطيّب المتنبى ورأى الغلبة عليه فرّ، فقال له غلامه: أترضى أن يحدّث بهذا الفرار عنك؟ وأنت القائل الخيل والليل والبيداء تعرفنى ... والطّعن والضّرب والقرطاس والقلم فكّر راجعا، وقاتل حتى قتل، واستقبح أن يعيّر بالفرار. وقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به: أخبرنى عن أصحابى، أيهم كان أشدّ إقداما في المبارزة، قال: لا أعرف وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين، فقل لهم: يدبروا لأعرفك أيّهم كان أشدّ فرارا. وقال ابن الرّومىّ في سليمان بن عبد الله بن طاهر قرن سليمان قد أضرّ به ... شوق إلى وجهه سيدنفه لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه وقال حسّان بن ثابت يعيّر الحارث ابن هشام بفراره يوم بدر إن كنت كاذبة الذى حدثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ذاك لأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام ملأت به الفرجين فارمدّت به ... وثوى أحبّته بشرّ مقام

стр. 1164

وقال أبو الفرج الأصفهانىّ: وكان أبو حيّة النميرىّ وهو الهيثم بن الربيع ابن زرارة جبانا بخيلا كذّابا، قال ابن قتيبة: وكان له سيف يسمّيه: لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة فرق، قال: وكان أجبن الناس؛ قال: فحدثنى جار له، قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصّا، فأشرفت عليه، وقد انتضى سيفه، وهو واقف في وسط الدار يقول: أيها المغترّبنا، المجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل، وسيف صقيل، لعاب المنية الذى سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إنى والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها، وما قيس؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله! ما أكثرها وأطيبها! فبينا هو كذلك، إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذى مسخك كلبا، وكفانا حربا. ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم، قول الشاعر ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأرنما «١» ومثله قول عروة بن الورد وأشجع قد أدركتهم فوجدتهم ... يخافون خطف الطير من كلّ جانب وقال آخر ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا وقول أبى تمام موكّل بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفّة الطّرب

стр. 1165

وقال ابن الرومىّ وفارس أجبن من صفرد «١» ... يحول أو يغور من صفره لو صاح في الليل به صائح ... لكانت الأرض له طفره يرحمه الرحمن من جبنه ... فيرزق الجند به النصره ومن أخبار الفرّارين الذين حسّنوا الفرار على قبحه قال صاحب كلبلة ودمنة: إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه، لأن النفقة فيه من النفس، والنفقة في غيره من المال. وقالوا: من توقّى سلّم، ومن تهوّر ندم. وقال عبد الله بن المقفّع: الشجاعة متلفة، وذلك أن المقتول مقبلا أكثر من المقتول مدبرا، فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة. وليم بعض الجبناء على جبنه، فقال: أوّل الحرب شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى. وقال آخر: الحرب مقتلة للعباد، مذهبة للطارف والتّلاد. وقيل لجبان: لم لا تقاتل؟ فقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجمّ «٢» . وقالوا: الحياة أفضل من الموت، والفرار في وقته ظفر. وقالوا: الشجاع ملقّى، والجبان موقّى. قال البديع الهمذانىّ ما ذاق همّا كالشجاع ولا خلا ... بمسرّة كالعاجز المتوانى وقالوا: الفرار في وقته، خير من الثبات في غير وقته.

стр. 1166

وقالوا: السّلم أزكى للمال، وأبقى لأنفس الرّجال. وقالوا: الحمام في الإقدام، والسلامة في الإحجام. وقال المتوكّل لأبى العيناء: إنى لأفرق من لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، الكريم ذو فرق وإحجام، واللئيم ذو وقاحة وإقدام. وقيل لأعرابىّ: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إنى لأبغض الموت على فراشى في عافية، فكيف أمضى إليه ركضا؛ قال شاعر تمشى المنايا الى قوم فأبغضها ... فكيف أعدو إليها عارى الكفن؟ وقيل ليزيد: إن النبىّ ﷺ قال: «إذا رأيت شخصا بالليل، فكن للإقدام عليه أولى منه عليك» فقال: أخاف أن يكون قد سمع الحديث قبلى، فأقع معه فيما أكره، وإنما الهرب خير. وسمع سليمان بن عبد الملك قارئا يقرأ (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتّعون إلّا قليلا) فقال: ذلك القليل نريد. ولما فرّ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسد يوم مرداء هجر بالبحرين من أبى فديك الخارجىّ إلى البصرة، ودخل عليه أهلها، فلم يدروا كيف يكلّمونه ولا ما يلقونه به من القول، أيهنئونه بالسّلامة أم يعزّونه بالفرار، حتى دخل عبد الله ابن الأهتم، فاستشرف الناس له، ثم قالوا: ما عسى أن يقول لمنهزم؟ فسلّم ثم قال: مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذى نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك، فقال أميّة: ما وجدت أحدا أخبرنى عن نفسى غيرك. وقال الحارث بن هشام وأحسن في اعتذاره عن الفرار

стр. 1167

الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا مهرى بأشقر مزبد وعلمت أنّى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّى مشهدى فصدفت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم سرمد وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن رفيقيه أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامى وحسن بلائيا؟ فلم تر منّى زلّة قبل هذه ... فرارى وتركى صاحبىّ ورائيا وهى أبيات نذكرها إن شاء الله في التاريخ، ونظير ذلك قول عمرو بن معد يكرب من أبيات يخاطب بها أخته ريحانة، وقد فرّ من بنى عبس أجاعلة أمّ النّوير خزاية ... علىّ فرارى إذا لقيت بنى عبس وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت منه الحماية بالأمس وعكس هذا البيت عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوىّ، وكان قد فرّ يوم الحرّة من جيش مسلم بن عقبة، فلما حاصر الحجاج عبد الله بن الزبير بمكة جعل يقاتل أهل الشّام ويرتجز أنا الذى فررت يوم الحرّة ... والشيخ لا يفرّ إلا مرّة فاليوم أجزى كرّة بفرّه ... لا بأس بالكرّة بعد الفرّه ولم يزل يقاتل حتى قتل؛ قال الفرّار السّلمىّ. وفوارس لبّستها بفوارس ... حتى إذا التبست أملت بها يدى وتركتهم نقض الرّماح ظهورهم ... من بين مقتول وآخر مسند هل ينفعنّى أن تقول نساؤهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد؟

стр. 1168

وقال آخر قامت تشجّعنى هند فقلت لها: ... إن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذى منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهى الموت عندى من له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعبتهم إلى نيرانها وثبوا وقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدّم، فقال وقالوا: تقدّم قلت: لست بفاعل ... أخاف على فخّارتى أن تحطّما فلو كان لى رأسان أتلفت واحدا ... ولكنه رأس إذا زال أعقما وأونتم أولادا وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدّما؟ ذكر ما قيل في الحمق والجهل قالوا: الحمق قلّة الإصابة، ووضع الكلام في غير موضعه، وقيل: هو فقدان ما يحمد من العاقل؛ وقيل لعمر بن هبيرة: ما حدّ الحمق؟ قال: لا حدّ له كالعقل. وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «الأحمق أبغض الخلق إلى الله، لأنّه حرمه أعزّ الأشياء عليه وهو العقل» . وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى، أتدرى لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا ربّ، قال: ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاجتهاد. وقال الشعبىّ: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة، كان أوّل ما يعدمه عقله. وقالوا: الحمق داء دواؤه الموت. وقد بيّن الله تعالى لحبيبه من لم يعقل بقوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا) قيل: عاقلا، وبقوله (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) .

стр. 1169

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أثنى قوم على رجل عند النبىّ ﷺ حتى بالغوا، فقال رسول الله ﷺ : «كيف عقل الرجل؟» فقالوا: نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله! فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وترتفع العباد غدا في الدرجات على قدر عقولهم» . ومن كلام لقمان لابنه: أن تكون أخرس عاقلا خير من أن تكون نطوقا جاهلا، ولكل شىء دليل، ودليل العقل النقل، ودليل النقل الصمت، وكفى بك جهلا أن تنهى الناس عن شىء وتركبه. وقال عيسى ﵇: عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وعالحت الأحمق فأعيانى؛ قال شاعر لكل داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها وقال آخر وعلاج الأبدان أيسر خطب ... حين تعتلّ من علاج العقول وقال آخر الحمق داء ما له حيلة ... ترجى كبعد النجم من مسّه وقيل: إذا قيل لك إن فقيرا استغنى، وغنيّا افتقر، وحيّا مات، أو ميتا عاش، فصدّق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلا فلا تصدّق. وقالوا: الأحمق لتمنى أمّه أنّها به مشكلة، ولتمنى زوجه أنّها منه أرملة، ويتمنى جاره منه العزلة، ورفيقه منه الوحشة، وأخوه منه الفرقة.

стр. 1170

وقال سهل بن هارون: وجدت مودّة الجاهل، وعداوة العاقل، أسوة في الخطر، ووجدت الأنس بالجاهل، والوحشة من العاقل، سيّين في العيب، ووجدت غشّ العاقل أقلّ ضررا من نصيحة الجاهل، ووجدت ظنّ العاقل أوقع بالصواب من يقين الجاهل، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل لما استكتم. وقال لقمان لابنه: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال، وانظر إلى السيف ما أحسن منظره وأقبح أثره! وقال علىّ رضى الله عنه: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل؛ وقال: صديق الجاهل في تعب. وقال آخر: لأنا للعاقل المدبر، أرجى شىء من الأحمق المقبل، وقال شاعر عدوّك ذو العقل خير من الصّديق ... لك الوامق الأحمق والبيت المشهور السائر ولأن يعادى عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق وقيل: الحمق يسلب السلامة، ويورث الندامة؛ وقد ذمّوا من له أدب بلا عقل. ووصف أعرابىّ رجلا فقال: هو ذو أدب وافر، وعقل نافر؛ قال شاعر فهبك أخا الآداب، أىّ فضيلة ... تكون لذى علم وليس له عقل؟ ومن صفات الأحمق وعلاماته، قيل: ما أعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات وسرعة الجواب، ومن علاماته الثقة بكلّ أحد.

стр. 1171

ويقال: إنّ الجاهل مولع بحلاوة العاجل، غير مبال بالعواقب، ولا معتبر بالمواعظ، ليس يعجبه إلا ما ضرّه، إن أصاب فعلى غير قصد، وإن أخطأ فهو الذى لا يحسن به غيره، لا يستوحش من الإساءة، ولا يفرح بالإحسان. وقالوا: ستّ خصال تعرف في الجاهل، الغضب من غير شىء، والكلام في غير نفع، والفطنة في غير موضع، ولا يعرف صديقه من عدوّه، وإفشاء السرّ، والثّقة بكلّ أحد. وقالوا: غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله، والعاقل إذا تكلّم بكلمة أتبعها مثلا، والأحمق إذا تكلم بكلمة أتبعها خلفا، الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلم عجل، وإذا حمل على القبيح فعل. وقال أبو يوسف: إثبات الحجة على الجاهل سهل، ولكن إقراره بها صعب. وقال وهب بن منبّه: كان يقال للأحمق إذا تكلّم: فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيّه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يعينه، ولا علم غيره ينفعه، تودّ أمّه أنها ثكلته، وتتمنى امرأته أنها عدمته، ويتمنى جاره منه الوحدة، وتأخذ جليسه منه الوحشة. ويستدلّ على الأحمق بأشياء، قالوا: من طالت قامته، وصغرت هامته، وانسدلت لحيته، كان حقيقا على من يراه أن يقرئه عن عقله السلام. ويقال في التوراة: اللحية مخرجها من الدّماغ، فمن أفرط عليه طولها قلّ دماغه، ومن قلّ دماغه قلّ عقله، ومن قلّ عقله فهو أحمق. وقالت أعرابيّة لقاض قضى عليها: صغر رأسك، فبعد فهمك، وانسدلت لحيتك، فتكوسج عقلك، وما رأيت ميتا يقضى بين حيين غيرك.

стр. 1172

وقال مسلمة بن عبد الملك لجلسائه: يعرف حمق الرجل في أربع، طول لحيته، وبشاعة كنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه، فدخل عليه رجل طويل اللحية، فقال: أمّا هذا فقد أتاكم بواحدة، فانظروا أين هو من الثّلاث؟ فقيل له: ما كنيتك؟ فقال: أبو الياقوت، فقيل له: ما نقش خاتمك؟ فقال: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) قيل: فأىّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: الجلنجبين «١» ، فقال مسلمة: فيه ما بعد كنيته، مع طول لحيته، مع نقش خاتمه، شك لمعتبر. قال الشّعبىّ: خطب الحجاج يوم جمعة فأطال، فقام إليه أعرابىّ، فقال له: إن الوقت لا ينتظرك وإنّ الربّ لا يعذرك، فأمر به فحبس، فأتاه أهله يشفعون فيه وقالوا: إنه مجنون، فقال الحجاج: إن أقرّ بالجنون خليت سبيله، فأتوه وسألوه ذلك، فقال: لا والله، لا أقول إن الله ابتلانى وقد عافانى، فبلغ كلامه الحجاج، فعظم في نفسه وأطلقه. وقال الأصمعىّ: قلت لغلام من أبناء العرب: أيسرّك أن يكون لك مائة ألف وأنت أحمق؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجنى علىّ حمقى جناية، فتذهب منّى، ويبقى حمقى. والعرب تضرب المثل في الحمق بعجل بن لجيم، ويزعمون أنّه قيل له: إنّ لكل فرس جواد اسما، وإنّ فرسك هذا سابق فسمّه، ففقأ عينه وقال: سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر

стр. 1173

رمتنى بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل؟ أليس أبوهم عار «١» عين جواده؟ ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل! ويضربون المثل في الحمق بهبنّقة القيسىّ، وهو يزيد بن ثروان، ويكنى أبا نافع، حكى أنه شرد له بعير، فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان. وقد رضى قوم بالجهل فقالوا: ضعف العقل أمان من الغمّ؛ وقالوا: ما سرّ عاقل قطّ؛ قال أبو الطيّب المتنبى ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم وقال حكيم: ثمرة الدنيا السرور، ولا سرور للعقلاء؛ وقال المغيرة بن شعبة: ما العيش إلّا في إلقاء الحشمة. وقال بكر بن المعتمر: إذا كان العقل سبعة أجزاء احتاج الى جزء من جهل ليقدم على الأمور، فإنّ العاقل أبدا متوان مترقبّ متوقّف متخوّف؛ قال النابغة الجعدىّ ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا وقال آخر من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج أخذه آخر فقال من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذّة الجسور وقالوا: الجاهل ينال أغراضه، ويظفر بأرائه، ويطيع قلبه، ويجرى في عنان هواه، وهو برىء من اللوم، سليم من العيب، مغفور الزّلّات.

стр. 1174

وقالوا: الجاهل رخىّ الذرع، خالى البال، عازب الهمّ، حسن الظن، لا يخطر خوف الموت بفكره، ولا يجرى ألم الإشفاق على ذكره. وقالوا: الجهل مطيّة المراح والمسرة، ومسرح المزاح والفكاهة، وحليف الهوى والتصابى، وصاحبه في ذمام من عهدة اللوم والعتب، وأمان من قوارص الذمّ والسبّ؛ قال بعض الشعراء ورأيت الهموم في صحّة العقل ... فداويتها بإمراض عقلى وقالوا: لو لم يكن من فضيلة الجهل، غير الإقدام، وورود الحمام، إذ هما من الشجاعة والبسالة، وسبب تحصيل المهابة والجلالة، لكفاه؛ قال أبو هلال العسكرىّ: سألنى بعض الأدباء أىّ الشعراء أشدّ حمقا، قلت الذى يقول أتيه على إنس البلاد وجنّها ... ولو لم أجد خلقا لتهت على نفسى أتيه فلا أدرى من التّيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسى فإن صدقوا أنى من الإنس مثلهم ... فما فيّ عيب غير أنّى من الإنس ذكر ما قيل في الكذب قال الله عزّوجلّ: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) . وقال: (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) وقال في الكاذبين: (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) . وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والكذب فإنّ الكذب يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النّار» . وقال ﷺ : «الكذب مجانب

стр. 1175

الإيمان» . وقال ﷺ : «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» . وقال ﷺ : «لا يجوز الكذب في جدّ ولا هزل» وقال: «لا يكون المؤمن كذّابا» . وقالت الحكماء: ليس لكاذب مروءة. وقالوا: من عرف بالكذب لم يحسن صدقه. وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: خلف الوعد ثلث النفاق. وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته. قال عمرو بن العلاء القارىء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثا، وساد أبو سفيان وكان بخّالا، وساد عامر بن الطّفيل وكان عاهرا، وساد كليب بن وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمّقا، ولم يسد قطّ كذاب، فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأن الكذب يعمّ الأخلاق كلّها بالفساد. وقال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمر نزع، ولصّا أقلع، وصاحب فواحش رجع، ولم أر كذابا رجع. ويقال: الكذب مفتاح كلّ كبيرة، والخمر جماع كل شرّ. وقيل: لا تأمننّ من يكذب لك أن يكذب عليك. وقيل: الكذب والنفاق والحسد أثافىّ الذّلّ.

стр. 1176

وقال ابن عباس: حقيق على الله أن لا يرفع للكاذب درجة، ولا يثبّت له حجة. وقال سليمان بن سعد: لو صحبنى رجل وقال: لا تشترط على إلا شرطا واحدا لقلت: لا تكذبنى. وقال أبو حيان التّوحيدىّ: الكذب شعار خلق، ومورد رنق، وأدب سيّىء، وعادة فاحشة، وقلّ من استرسل فيه إلا ألفه، وقلّ من ألفه إلا أتلفه. وقال غيره: الكذب أوضع الرذائل خطة، وأجمعها للمذمّة والمحطّة، وأكبرها ذلّا فى الدنيا، وأكثرها خزيا في الآخرة، وهو من أعظم علامات النفاق، وأقوى الدلائل على دناءة الأخلاق والأعراق، لا يؤتمن حامله على حال، ولا يصدّق إذا قال. وقيل: لكل شىء آفة، والكذب آفة النطق. وقال بعض الكرماء: لو لم أدع الكذب تأثّما، لتركته تكرّما. وقال أرسطا طاليس: فضّل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، فإذا كان الناطق كاذبا، فالأخرس خير منه. وقال بعض الحكماء لولده: يا بنىّ إياك والكذب، فأنه يزرى بقائله، وإن كان شريفا في أصله، ويذلّه وإن كان عزيزا في أهله. وقال الأحنف بن قيس: اثنان لا يجتمعان: الكذب والمروءة. وقال بزرجمهر: الكاذب والميت سواء، لأن فضيلة النطق الصدق، فإذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته. وقال معاوية يوما للأحنف: أتكذب؟ فقال: والله ما كذبت مذ علمت أن الكذب شين.

стр. 1177

وقيل: لا يجوز للرجل أن يكذب لصلاح نفسه، فما عجز الصدق عن إصلاحه كان الكذب أولى بفساده. قال بعض الشعراء ما أحسن الصدق والمغبوط قائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس وقالوا: احذر مصاحبة الكذّاب، فان اضطررت إليها فلا تصدّقه ولا تعلمه أنك كذبته، فينتقل عن مودّته، ولا ينتقل عن كذبه. وقال هرمس: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإنك لست منه على شىء يتحصّل، وإنما أنت معه على مثل السّراب يلمع ولا ينفع. وقيل: الكذّاب شرّ من النّمّام، فإن الكذّاب يختلق عليك، والنّمام ينقل عنك. قال شاعر إن النّموم أغطّى دونه خبرى ... وليس لى حيلة في مفترى الكذب وقال آخر لى حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذّاب حيلة من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتى فيه قليله ووصف أعرابىّ كذابا فقال: كذبه مثل عطاسه، لا يمكنه ردّه. وقال بعض الأعراب: عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه، وإنما هو يدلّ الناس على عيبه، ويتعرّض للعقاب من ربّه، فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادّة، إن قال حقا لم يصدّق، وإن أراد خيرا لم يوفّق، فهو الجانى على نفسه بفعاله، والدّالّ على فضيحتها بمقالة، فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه.

стр. 1178

ويقال: الكذب جماع النفاق، وعماد مساوىء الاخلاق، عار لازم، وذلّ دائم، يخيف صاحبه نفسه وهو آمن، ويكشف ستر الحسب عن لؤمه الكامن، وقال بعض الشعراء لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلّة الورع وقال الأصمعىّ: قيل لرجل معروف بالكذب. هل صدقت؟ قال: أخاف أن أقول: «لا» فأصدق. وآفة الكذب النسيان. قال شاعر ومن آفة الكذّاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا دهى إذا كان كاذبا وقال علىّ بن اللّحام شاعر اليتيمة تكذب الكذبة يوما ... ثم تنساها قريبا كن ذكورا يا أبا يحيى ... إذا كنت كذوبا وقال أبو تمّام يا أكثر الناس وعدا حشوه خلف ... وأكثر الناس قولا حشوه كذب وقال أحمد بن محمّد بن عبد ربّه صحيفة أفنيت «ليت» بها و «عسى» ... عنوانها راحة الراجى إذا يئسا وعد له هاجس في القلب قد برمت ... أحشاء صدرى به من طول ما هجسا يراعة غرّنى منها وميض سنا ... حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا وقال آخر وتقول لى قولا أظنّك صادقا ... فأحىء من طمع اليك وأذهب فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب

стр. 1179

ذكر ما قيل في الغدر والخيانة قال الله عزّوجلّ: (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) . وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أمّن رجلا ثم قتله وجبت له النار وإن كان المقتول كافرا» وعنه ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين رفع لكل غادر لواء وقيل: هذه غدرة فلان» . وقالوا: من نقض عهده، ومنع رفده، فلا خير عنده. وقالوا: الغالب بالغدر مغلول، والناكث للعهد ممقوت مخذول. وقالوا: من علامات النفاق، نقض العهد والميثاق. وقالوا: لا عذر في الغدر. والعذر يصلح في كل المواطن، ولا عذر لغادر ولا خائن. وفي بعض الكتب المنزّلة: إن مما تعجّل عقوبته من الذنوب ولا يؤخر: الإحسان يكفر، والذّمة تحفر. قال شاعر أخلق بمن رضى الخيانة شيمة ... أن لا يرى إلا صريع حوادث ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها ... أبدا بغادر ذمّة أو ناكث وقالوا: الغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النّصرة. ويقال: من تعدّى على جاره، دلّ على لؤم نجاره.

стр. 1180

وذكر أن عيسى صلوات الله عليه مرّ برجل وهو يطارد حيّة وهى تقول له: والله لئن لم تذهب عنّى، لأنفخنّ عليك نفخة أقطّعك بها قطعا، فمضى عيسى ﵇ في شأنه، ثم عاد فرأى الحية في جونة الرجل محبوسة، فقال لها: ويحك! أين ما كنت تقولين؟ قالت: يا روح الله، إنه خلف لى وغدر، وإنّ سمّ غدره أقتل له من سمّى. ذكر أخبار أهل الغدر وغدراتهم المشهورة أعرف الناس في الغدر آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب، وقد عدّت لهم غدرات، فمنها: غدر قيس بن معد يكرب بمراد، وكان بينهم عهد أن لا يغزوهم إلى انقضاء شهر رجب، فوافاهم قبل الأمد بكندة، وجعل يحمل عليهم ويقول أقسمت لا أنزل حتّى يهزموا ... أنا ابن معد يكرب فاستسلموا فارس هيجا ورئيس مصدم فقتل قيس بن معد يكرب وارتد الأشعث عن الإسلام. وغدر الأشعث ببنى الحارث بن كعب، وكان قد غزاهم فأسروه، ففدى نفسه بمائتى بعير، فأعطاهم مائة وبقى عليه مائة، فلم يؤدّها، وجاء الإسلام فهدم ما كان في الجاهليّة. وغدر محمد بن الأشعث بن قيس بمسلم بن عقيل بن أبى طالب، وغدر أيضا بأهل طبرستان وكان عبيد الله بن زياد ولّاه إياها، فصالح أهلها على أن لا يدخلها ورحل عنهم، ثم عاد إليهم غادرا، فأخذوا عليه الشّعاب، وقتلوا ابنه أبا بكر. وغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالحجّاج لما ولّاه خراسان، وخرج عليه وادعى الخلافة، وكان بينهم من الوقائع ما نذكره في التاريخ في أخبار الحجاج

стр. 1181

إن شاء الله تعالى، وكانت الدائرة على عبد الرحمن، وكلّهم ورثوا الغدر عن معديكرب، فإنه غدر مهرة، وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل، فغزاهم ناقضا لعهدهم، فقتلوه وبقروا بطنه وملأوه بالحصا. وغدرت ابنة الضّيزن بن معاوية بأبيها صاحب الحصن ودلّت سابور على طريق فتحه، ففتحه وقتل أباها وتزوّجها، ثم قتلها. وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأوّل من هذا الكتاب في المبانى. ومن ذلك ما فعله النعمان بسنمّار، وقد ذكرناه أيضا فى خبر بناء الخورنق. وممن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز: غدر بالزّبير بن العوّام، وقتله بوادى السباع، ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى في حرب الجمل. ومن الغدر الشنيع ما فعله عضل والقارة، روى أنه قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهوننا في الدّين، ويقرئوننا القرءان، ويعلّموننا شرائع الإسلام، فبعث معهم رسول الله ﷺ سبعة نفر من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوىّ، وخالد بن البكير حليف بنى عدىّ ابن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أخو بنى عمرو بن عوف، وخبيب بن عدىّ أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدّثنة أخو بنى بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق، ومعتّب بن عبيد أخو عبد الله لأمّه، وأمّر عليهم مرثد ابن أبى مرثد، وقيل أمّر عليهم عاصما، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع: - ماء لهذيل- غدروا بهم واستصرخوا عليهم هديلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلّا

стр. 1182

الرجال في أيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، فأما مرثد وخالد وعاصم ومعتّب فقالوا: والله ما نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا، فقاتلوا حتى قتلوا، وأما زيد وخبيب وعبد الله فلانوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بمرّ الظّهران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقدموا بخبيب وزيد الى مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجر بن أبى إهاب التميمىّ حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بالحارث، وأما زيد بن الدّثنة فابتاعه صفوان بن أميّة ليقتله بأمية بن خلف، وروى أن خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهن موسى يستحدّ بها فما راع المرأة إلا صبىّ لها يدرج، وخبيب قد أجلس الصبىّ على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أنى أقتله؟ إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت بعد أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكّة من ثمرة، وان في يده قطفا من عنب يأكله، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ولما خرج بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ذرونى أصلّى ركعتين، ثم قال: لولا أن يقال: جزع لزدت، وما أبالى على أى شقّى كان مصرعى، وهذه القصّة نذكرها إن شاء الله تعالى بما هو أبسط من هذا فى السّيرة النبويّة في سيرة مرثد إلى الرجيع. قيل: أغار خيثمة بن مالك الجعفىّ على حىّ من بنى القين فاستاق منهم إبلا فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان فى يده، وولّى منصرفا، فنادوه وقالوا: إن المفازة أمامك، ولا ماء معك، وقد فعلت

стр. 1183

جميلا، فانزل ولك الذّمام والحباء فنزل فلما اطمأنّ وسكن، واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، ففى ذلك تقول عمرة ابنته غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم ... بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب أذادكم عنه بضرب كأنّه ... سهام المنايا كلّهن صوائب وتلاحى بنو مقرون بن عمرو بن محارب، وبنو جهم بن مرّة بن محارب، على ماء لهم فغلبتهم بنو مقرون فظهرت عليهم، وكان في بنى جهم شيخ له تجربة وسنّ، فلما رأى ظهورهم، قال: يا بنى مقرون، نحن بنو أب واحد، فلم نتفانى؟ هلمّوا إلى الصلح، ولكم عهد الله تعالى وميثاقه وذمّة آبائنا، أن لا نهيجكم أبدا ولا نزاحمكم فى هذا الماء، فأجابتهم بنو مقرون إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، ففى ذلك يقول أبو ظفر الحارثىّ هلّا غدرتم بمقرون وأسرته ... والبيض مصلته والحرب تستعر لما اطمأنوا وشاموا في سيوقهم ... ثرتم إليهم وعرّ الغدر مشتهر غدرتموهم بأيمان مؤكدة ... والورد من بعده للغادر الصّدر هذا ما قيل في الغدر. وأما الخيانة، فقد نهى الله تعالى عنها فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) . وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» . وقيل: من ضيّع الأمانة، ورضى بالخيانة، فقد برىء من الدّيانة.

стр. 1184

وقال حكيم: لو علم مضيّع الأمانه، ما في النّكث والخيانه، لقصّر عنهما عنانه. وقالوا: من خان مان، ومن مان هان، وتبرّأ من الإحسان. قيل دخل شهر بن حوشب وهو من جلّة القرّاء وأصحاب الحديث على معاوية، وبين يديه خرائط فيها مال، قد جمعت لتوضع في بيت المال، فقعد على خريطة منها، وأخذها، ومعاوية ينظر إليه، فلما رفعت الخرائط، فقد من عددها خريطة، فأعلم الخازن بذلك معاوية، فقال: هى محسوبة لك فلا تسأل عن آخذها، ففيه يقول بعض الشعراء لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر؟ وقال المنصور لعامل بلغه عنه خيانته: يا عدوّ الله، وعدوّ أمير المؤمنين، وعدوّ المسلمين، أكلت مال الله، وخنت خليفة الله، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمن أين نأكل إذا، فضحك وأطلقه، وأمر أن لا يولّى عملا بعدها. وسرق رجل في مجلس أنو شروان جاما من ذهب وهو يراه، فتفقّده الشرابىّ، فقال: والله لا يخرج أحد حتى يفتّش، فقال له أنو شروان: لا تتعرّض لأحد، فقد أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ عليه. وحكى أنّ بعض التّجار أودع عند قاض بمعرّة النعمان وديعة، وغاب مدّة، فلما رجع، طالب بها، فأنكرها القاضى، فتشفع إليه برؤساء بلده في ردّها، فما زالوا به حتى أقرّبها، وادّعى أنها سرقت من حرزه، فاستحلفه المودع فحلف، فقال ابن الدّويدة في ذلك لا يصدق القاضى الخئون إذا ادّعى ... عدم الوديعة من حصين المودع

стр. 1185

إن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعنى لو تعى! أو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع وقال ابن الحجاج وأدعوهم إلى القاضى عساهم ... إذا وقع اليمين يحلّقونى وأضيع ما يكون الحقّ عندى ... إذا عزم الغريم على اليمين ذكر ما قيل في الكبر والعجب قال الله عزّوجلّ: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) . وقال تعالى: (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) . وقال: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) . وقال: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) . وقال: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) . وناهيك بهذا زجرا. وقال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة، من في قلبه حبّة من خردل من كبر» . وقال ﷺ : «من تعظّم في نفسه، واختال في مشيته لقى الله عزّوجلّ وهو عليه غضبان» . وقال ﷺ : «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» . وروى: أن عبد الله بن سلّام، مرّ بالسوق يحمل حزمة حطب، فقيل له: أليس قد أغناك الله عن هذا؟ قال: بلى! ولكنى أردت أن أقمع به الكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من كبر» .

стр. 1186

وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه. وقالوا: من قل لبّه، كثر عجبه. وقالوا: عجب المرء بنفسه، أحد حسّاد عقله. وقال أزدشير بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يضعه فصرفه إلى الكبر. ومن كلام لابن المعتزّ: لما عرف أهل التقصير حالهم، عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس بفاعل. وقال أكثم بن صيفىّ: من أصاب حظا من دنياه، فأصاره ذلك الى كبر وترفّع، فقد علم أنه نال فوق ما يستحقّ، ومن أقام على حاله فقد علم أنه نال ما يستحقّ، ومن تواضع وغادر الكبر، فقد علم أنه نال دون ما يستحقّ. وقال على رضى الله عنه: عجبت للمتكبر الذى كان بالأمس نطفة، وهو غدا جيفة. وقيل: مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار وهو يخطر، فقال له: يا بنىّ، لو خفّضت بعض هذه الخيلاء! ألم يكن أحسن بك من هذه الشّهرة التى قد شهرت بها نفسك؟ فقال له الفتى: أو ما تعرف من أنا؟ قال: بلى! والله أعرفك معرفة جيّدة، أوّلك نطفة مذره، وآخرك جيفة قذره، وأنت بين ذلك حامل عذره، فأرخى الفتى ردينه وكفّ مما كان يفعله، وطأطأ رأسه، ومضى مسترسلا. وقال الواقدىّ: دخل الفضل بن يحيى ذات يوم على أبيه وهو يتبختر في مشيته، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إن البخل والجهل مع التواضع، أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم؛ فيالها من حسنة غطّت على عيبين عظيمين، ويا لها

стр. 1187

من سيّئة غطّت على حسنتين كبيرتين، ثم أومأ اليه بالجلوس وقال: احفظه يا عبد الله، فإنه أدب كبير أخذناه عن العلماء. ومن الكبر المستهجن ما روى: أن وائل بن حجر أتى النبى ﷺ ، فأقطعه أرضا، وقال لمعاوية: اعرض هذه الأرض عليه واكتبها له، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى خلف ناقته، وقال له: أردفنى على عجز راحلتك، فقال: لست من أرداف الملوك، قال: فأعطنى نعليك، فقال: ما بخل يمنعنى يابن أبى سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلى، ولكن امش فى ظل ناقتى، فحسبك بها شرفا. وقيل: إن وائلا أدرك زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على السرير وحدّثه. والعرب تجعل جذيمة الأبرش الغاية في الكبر، وروى: أنه كان لا ينادم أحدا ترفّعا وكبرا، ويقول: إنما ينادمنى الفرقدان. ومنه قول متمّم: وكنا كندمانى جذيمة حقبة قيل: إنما أراد الفرقدين، لا كما ذكره الرواة أنهما مالك وعقيل. وقيل: كان أبو ثوابة أقبح الناس كبرا، روى: أنّه قال لغلامه اسقنى ماء، فقال: نعم، قال: إنما يقول: «نعم» من يقدر على أن يقول: «لا» وأمر بضربه، ودعا أكّارا فكلمه، فلما فرغ دعا بماء، وتمضمض استقذارا لمخاطبته. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلّما ... فما حشى الأقوام شرّا من الكبر

стр. 1188

قال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش، بنو مخزوم، وبنو أميّة، ومن العرب، بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدّون الناس إلا عبيدا، وأنفسهم إلا أربابا؛ والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن القلّة والذّلة مانعتان من ظهور كبرهم، ومن قدر من الوضعاء أدبى قدرة، ظهر من كبره ما لا خفاء به، ولم أر ذا كبر قطّ علا من دونه، إلا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه. قال: أما بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، واختصاصهم بالتّيه، فإنهم أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم فضل عن قوى دواعى الحميّة فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم وإنصافهم من دونهم. وقال أبو الوليد الأعرابىّ. ولست بتيّاه إذا كنت مثريا ... ولكنه خلقى إذا كنت معدما وأن الذى يعطى من المال ثروة ... إذا كان نذل الوالدين تعظّما ومن المتكبرين، عمارة بن حمزة، حكى عنه: أنه دخل على المهدىّ، فلما استقر به الجلوس، قام رجل كان المهدىّ قد أعدّه له ليتهكّم به، فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة غصبنى ضيعتى، وذكر ضيعة من أحسن ضياع عمارة وأكثرها خراجا، فقال المهدىّ لعمارة: قم فاجلس مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هو لى بخصم، إن كانت الضّيعة له، فلست أنازعه فيها، وإن كانت لى فقد وهبتها له، ولا أقوم من مجلس شرّفنى به أمير المؤمنين، فلما انصرف المجلس، سأل عمارة عن صفة الرجل، وما كان لباسه، وأين كان موضع

стр. 1189

جلوسه، وكان من تيهه أنه إذا أخطأ يمرّ على خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة، الخطأ أهون منه. ومنهم من أهلكه الكبر وأذلّه. كان خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسرىّ أميرا على العراق، وبلغ من هشام بن عبد الملك محلا رفيعا، فأفسد أمره العجب والكبر، وأدناه إلى الهلكة، وعذّب حتّى مات، وذلك أنه كان إذا ذكر هشام عنده، قال: ابن الحمقاء! فسمعها رجل من أهل الشام، فقال لهشام: إنّ هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة ابيك وإخوتك، يذكرك بأسوأ الذّكر، قال: لعله يقول: الأحول، قال: لا، ولكنّه يقول: ما لا تلتقى به الشّفتان، قال: لعله يقول: ابن الحمقاء، فأمسك الشامىّ، فقال هشام قد بلغنى كلّ ذلك عنه؛ وكان خالد يقول: والله ما إمارة العراق مما تشرّفنى، فبلغ ذلك هشاما، فكتب إليه: بلغنى أنك يابن النصرانية تقول: إن إمارة العراق لا تشرّفك وأنت دعىّ بجيلة القليلة الذليلة، والله إنى لأظن أن أول من يأتيك صيفىّ بن قيس فيشدّ يدك إلى عنقك، قال خالد بن صفوان بن الأهتم: لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذّبه، وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّه به الصّبيان يجرّونه، فدخلت إلى هشام يوما، فحدّثته فأطلت، فتنفّس، وقال: يا خالد! كان أحبّ إلىّ قربا وألذّ عندى حديثا منك، يعنى خالد القسرى، قال: فانتهزتها ورجوت أن أشفع فتكون لى عند خالد يدا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يمنعك من استئناف الصّنيعة، فقد أدّبته بما فرط منه، فقال: هيهات! إن خالدا أوجف فأعجف، وأدلّ فأملّ، وأفرط فى الإساءة، فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السّيل الزّبى، والحزام الطّبيين، ولم يبق فيه مستصلح، ولا للصّنيعة عنده موضع، عد إلى حديثك.

стр. 1190

ومنهم: من أفرط به الكبر إلى الكفر، حكى: أن سعيد بن زرارة مرّت به امرأة فقالت له: يا عبد الله، كيف الطريق إلى مكان كذا؟ فقال لها: أمثلى يكون من عبيد الله. ومنهم: عبيد الله بن زياد بن ظبيان، قال له رجل من قومه وقد رأى منه ما أعجبه: كثّر الله فينا مثلك، فقال: لقد كلّفتم الله شططا. ومن أشعار المتكبّرين التيّاهين قول بعضهم أتيه على جنّ البلاد وإنسها الأبيات، وقد تقدّمت في الحمقى. وقال آخر ألقنى في لظى فإن أحرقتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت صنع النسج كلّ من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت قال ابن حبارة الحرّانىّ المنجنيقىّ يردّ عليه أيّها المدّعى الفخار دع الفخر ... لذى الكبرياء والجبروت نسج داود لم يفد ليلة الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السّمند «١» فى لهب النا ... ر مزيل فضيلة الياقوت وكذاك النّعام يلتقم الجمر ... وما الجمر للنّعام بقوت! ومما هجى به أهل التكبّر ، قول جعيفران يهجو سعيد بن مسلم بن قتيبة أمّ سعيد لم ولدتيه ... ملوّثا بالكبر والتّيه؟ ليتك إذ جئت به هكذا ... حين خريتيه أكلتيه

стр. 1191

ذكر ما قيل في الحرص والطمع قال الله عزّوجل لنهيّه ﷺ : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) . وقال رسول الله ﷺ : «أربع من الشقاء الخ ... عدّ منها الحرص والأمل» وقال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشدّ من حرص المرء على المال «١» » . وقال: «يشيب ابن آدم وتشبّ منه اثنتان: «الحرص على المال، والحرص على العمر» وقال: «إيّاكم والطمع فإنه الفقر الحاضر» . ومن كلام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: «الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفىّ، وكلما عظم قدر الشىء المتنافس فيه، عظمت الرّزية لفقده، والأمانىّ تعمى البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع، واستولت عليه الأمانىّ. وقال بعضهم: الحرص ينقص من قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه. وقال قتيبة: إن الحريص استعجل الذّلة، قبل إدراك البغية. وقيل: لا راحة لحريص، ولا غنى لذى طمع. وقيل: إن كعبا لقى عبد الله بن سلام، فقال: يابن سلام، من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع، وشره النفس، وطلب الحوائج الى الناس. قال الأصمعىّ: سمعت أعرابيّا يقول: عجبت للحريص المستكبر، المستقلّ لكثير ما في يده، المستكثر

стр. 1192

لقليل ما في يد غيره، حتّى طلب الفضل، بذهاب الأصل، فركب مفاوز البرارى، ولجج البحار، معرّضا نفسه للمات، وماله للآفات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم. قال يزيد بن الحكم الثّقفىّ. رأيت السّخىّ النفس، يأتيه رزقه ... هنيئا، ولا يعطى على الحرص جامع وكلّ حريص لن يجاوز رزقه ... وكم من موفّى رزقه وهو وادع وقالوا: مصارع الألباب تحت ظلال الطمع. ويقال الحرّ عبد ما طمع ... والعبد حرّ ما قنع وقالوا: أخرج الطمع من قلبك، تحلّ القيد من رجلك. وقال عمرو بن مالك الحارثىّ الحرص للنفس فقر والقنوع غنى ... والقوت إن قنعت بالقوت يجزيها والنفس لو أن ما في الأرض حيز لها ... ما كان إن هى لم تقنع بكافيها وقال ابن هرمة وفي اليأس عن بعض المطامع راحة ... ويا ربّ خسر أدركته المطامع وقال هرمة بن خشرم وبعض رجاء المرء ما ليس نائلا ... عناء وبعض اليأس أعفى وأروح وقال مكنف بن معاوية التيمىّ ترى المرء يأمل ما لا يرى ... ومن دون ذلك ريب الأجل وكم آيس قد أتاه الرّجاء ... وذى طمع قد لواه الأمل وقال آخر طمعت فيما وعدتك المنى ... وليس فيما وعدت مطمع

стр. 1193

وثقت بالباطل من قولها ... وليس حقّا كلّ ما تسمع وإنما موعدها بارق ... فى كل حين خلّب يلمع ويضرب المثل في الطمع «بأشعب» . قيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال للقائل له: لم تقل هذا إلا وفي نفسك خير تصنعه بى؛ وقيل: إنه لم يمت شريف قطّ من أهل المدينة إلا استعدى أشعب على وصيّه أو وارثه وقال له: احلف أنه لم يوص لى بشىء قبل موته؛ ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران، فقال له: وسّعه قليلا، قال الخيزرانىّ: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن ربما يشتريه بعض الأشراف فيهدى إلىّ فيه شيئا؛ وسأله سالم بن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن طمعه، قال: قلت لصبيان مرة: اذهبوا، هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا، فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت لهم، فعدوت فى إثرهم؛ وقيل له: ماذا بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جارى فأثرد «١» عليه؛ وقيل له أيضا: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزفّ إلا كنست بيتى ورششته طمعا أن تزفّ إلىّ؛ وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلب أمّ حومل، تبعنى فرسخين، وأنا أمضغ كندرا «٢» ، ولقد حسدته على ذلك. ذكر ما قيل في الوعد والمطل روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العدة دين» . وقال بعض القرشيّين: من خاف الكذب، أقلّ من المواعيد. وقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدّة الاعتذار.

стр. 1194

وقالوا: خلف الوعد، خلق الوغد. وقال المهلّب لبنيه: يا بنىّ، إذا غدا عليكم الرجل أو راح مسلّما، فكفى بذلك تقاضيا. قال الشاعر اروح لتسليم عليك وأغتدى ... فحسبك بالتسليم منى تقاضيا كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناء وباليأس المصرّح ناهيا وقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحقّقه، كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف، لزمه ذمّ اللؤم «١» ، وذمّ الخلف، وذمّ العجز. قال بعض الشعراء وعدت فأكذبت المواعيد جاهدا ... وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل وأجررت لى حبلا طويلا تبعته ... ولم أدر أن اليأس في طرف الحبل وقال أبو تمّام وما نفع من قد مات بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها وما العرف بالتّسويف الا كخلّة ... تسلّيت عنها حين شطّ مزارها والعرب تضرب المثل بمواعيد عرقوب، وكان رجلا من العماليق وله في ذلك حكايات، فمنها: أنه أتاه أخ له، يسأله شيئا، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت، أتاه الرجل للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، أتاه، فقال: دعها حتى تصير زهوا، فلما أزهت، قال: دعها حتى

стр. 1195

تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أتمرت، عمد إليها عرقوب، فجذّها ولم يعط أخاه منها شيئا. وفيه يقول الأشجعىّ وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب «١» وقال كعب بن زهير بن أبى سلمى كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل وقال السّكّيت للمهدىّ: يا أمير المؤمنين، لو كان الوعد يستنزل بالإهمال والسكون، لشكرتك القلوب بالضمير، ولنظرت إلى فضلك العيون بالأوهام، فقال المهدىّ: هذا جزاء التفريط فيما يكسب الأجر، ويدخر الشكر، وأمر بقضاء حاجته. وقال أعرابىّ: العذر الجميل، أحسن من المطل الطويل، فإن أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذّرت الحاجة فأفصح. وقال بعض كرماء العرب: لأن أموت عطشا، أحبّ إلىّ من أن أخلف موعدا. وقالوا: من وعد فأخلف، لزمته ثلاث مذمّات: ذمّ اللّؤم، وذمّ الخلف، وذمّ الكذب؛ وقال بعض الشعراء ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل قال بعض الأعراب: فلان له مواعيد عواقبها المطل، وثمارها الخلف، ومحصولها اليأس.
следующие страницы →