Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التى تهدى اليه. حكى عنه أن أعرابيّا أكل عنده فرفع اللّقمة الى فيه، فقال له هشام: فى لقمتك شعرة يا أعرابىّ، فقال:
وإنك تلاحظنى ملاحظة من يرى الشّعرة، والله لا أكلت عندك أبدا، ثم قام وانصرف.
ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقّب بأبى الدوانيق، لقّب بذلك لأنه لما بنى مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصّناع، فيقول لهذا: أنت نمت القائلة، ولهذا: لم تبكّر، ولهذا: انصرفت قبل أن تكمّل اليوم، فيسقط لهذا دانقا، ولهذا دانقين، فلا يكاد يعطى لأحد أجرة كاملة، وكان يقول: يزعمون أنّى بخيل، وما أنا ببخيل، ولكن رأيت الناس عبيد المال، فمنعتهم عنه، ليكونوا عبيدا لى. ويحكى عنه أنه قال لطباخه: لكم ثلاثة وعليكم اثنتان، لكم الرءوس والأكارع والجلود، وعليكم الحبوب والتوابل. ومن حكاياته الدالة على بخله: أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك وهم كثير، وقد طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم، فقال: اخرج إليهم وسلم عليهم، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا الحيّة، فإنما هى دويبة منتنة تأكل التراب، ولا الجبل فإنه حجر أصمّ، ولا البحر، فإنه عطن بضّ لجب، فمن ليس في شعره شىء من هذا فليدخل، ومن كان في شعره شىء منه فلينصرف، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال: أنا له يا ربيع فأدخلنى عليه: فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال له: يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التى منها
له لحظات في حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذى أمّنت آمنة الردى ... وأمّ الذى خوّفت بالثّكل ثاكل
стр. 1122
فرفع له السّتر وأقبل عليه وأصغى إليه، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلآف درهم وقال له: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منّا، فما كلّ وقت تصل إلينا، فقال إبراهيم: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ «١» .
ودخل المؤمّل بن أميل على المهدىّ وكان بالرّىّ، وهو إذ ذاك ولىّ عهد أبيه المنصور، فامتدحه بأبيات يقول فيها
هو المهدىّ إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدل ... وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسّرير
وبعض الشهر يخفى ذا، وهذا ... منير عند نقصان الشهور
وجاء منها
فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
فأعطاه عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو ببغداد، فكتب الى المهدىّ يلومه ويقول له: إنما كان ينبغى أن تعطى الشاعر إذا أقام ببابك سنة، أربعة آلاف درهم، وأمره أن يوجهه إليه، فطلب فلم يوجد، وتوجه إلى بغداد، فكتب الى المنصور بذلك، فأمر بإرصاده فمسك، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته، قال المؤمل: فكاد قلبى ينخلع خوفا وفرقا، ثم أخذ بيدى وانطلق بى إلى الربيع، فأدخلنى على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين، هذا المؤمّل
стр. 1123
ابن أميل قد ظفر به، فسلمت عليه، فرد علىّ السلام، فسكن جأشى واطمأن قلبى وزال روعى، ثم قال لى: أتيت غلاما غرّا فخدعته فانخدع، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أتيت ملكا جوادا كريما، فمدحته فحملته أريحيّته على أن وصلنى وبرّنى، فأعجبه ذلك، ثم قال: أنشدنى ما قلت فيه، فأنشدته، فقال: والله لقد أحسنت، لكن ما يساوى عشرين ألفا، يا ربيع، خذ المال منه، وأعطه منه أربعة آلاف درهم، فلما ولى المهدى الخلافة، قدم عليه المؤمّل، فأخبره بما كان بينه وبين أبيه، فضحك وردّ عليه ما أخذ منه.
وحكى ابن حمدون في كتابه المترجم بالتذكرة: أن المنصور حجّ في بعض السنين فحدا به سالم الحادى يوما بقول الشاعر
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
يزينه حياؤه وخيره ... ومسكه يشوبه كافوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سالم: لا غير، يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لى بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت، يا ربيع! وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنة، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ولعشر، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء.
ومن طريق ما حكى عنه: أن عبيد الله بن زياد الحارثىّ، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها، فوقّع عليها: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطره، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.
стр. 1124
وقد ذمّ الشعراء البخل وهجوا من اتصف به، فمن ذلك، وهو أبلغ ما قاله محدث، قول ابن الرومى
الحابس الروث في أعفاج بغلته ... خوفا على الحبّ من لقط العصافير
وقال العسكرىّ: أبلغ ما قيل في البخل، قول ابن الرومىّ
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
رضيت لتشتيت أمواله ... يدى وارث ليس بالحامد
وقال أبو تمام
صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرّغيف فذاك البرّ من قسمه
وإن هممت به فافتك بخبزته ... فإن موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبنى لو كان غيرته ... على جرادقه كانت على حرمه
وقال دعبل
استبق ودّ أبى المقا ... تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
وتراه من خوف النزيل ... به يروّع في منامه
وقال أبو هلال العسكرىّ
خبز الأمير عشيقه ... يغدو عليه يلاعبه
وإذا بدا لجليسه ... أفضى إليه يعاتبه
وتحوطه حرّاسه ... وتذبّ عنه كتائبه
فالزّور يصفع عنده ... والضيف ينتف شاربه
стр. 1125
وقال آخر
فتى لرغيفه قرط وشنف ... وإكليلان من درّ وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر
وقال آخر
إن هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لآكل من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطا ... ئف في سلّتين من زنبيل
ختمت كلّ سلّة برصاص ... وسيور قددن من جلد فيل
فى جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل
وقال العسكرىّ
قلّ خير ابن قاسم ... فغناه كعدمه
كادمن خشية القرى ... يختبى في حر امه
جاز في اللؤم حدّه ... كأبيه وعمه
كاد يعديك لؤمه ... لو تسمّيت باسمه
وقال ايضا
لك برمة نزّهتها ... من أن تدنّس بالدّسم
بيضاء يشرق نورها ... كالبدر في غسق الظّلم
لو كان عرضك مثلها ... كنت الممدّح في الأمم
أو كان فعلمك مثل قو ... لك كنت تاريخ الكرم
стр. 1126
وقال أيضا
ضفت عمرا فجاءنى برغيف ... زادنى أكله على الجوع جوعا
ثم ولىّ يقول وهو كئيب: ... لهف نفسى على رغيف أضيعا
كان خدّاعة الضيوف ولكن ... ربما أصبح الخدوع خديعا
كنت أنزلته محلّا رفيعا ... فغدا ذلك الرفيع وضيعا
عجبا منه إذ أبيح حماه ... كيف لم يمتنع وكان منيعا
وقال آخر
أرى ضيفك في الدر ... وكرب الموت يغشاه
على خبزك مكتوب: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»
وقال بشّار
وضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع
وقال آخر
نوالك دونه خرط القتاد ... وخبزك كالثّريا في البعاد
ولو أبصرت ضيفا في منام ... لحرّمت المنام الى التّنادى
أرى عمر الرغيف يطول جدّا ... لديك كأنّه من قوم عاد
وما أهجوك أنك كفء شعرى ... ولكنّى هجوتك للكساد
وقال العسكرىّ
قد كان للمال ربّا ... فصار بالبخل عبده وصحّف الصّيف ضيفا
فراح يلطم خدّه
стр. 1127
وقال أبو نواس في إسماعيل بن نوبخت. بعد أن نصب إسماعيل في صحن داره طارمة، واصطبح فيها أربعين يوما ومعه جماعة، منهم أبو نواس، فبلغت نفقته اربعين ألف درهم، ثم قال بعد ذلك
خبز إسماعيل كالوشى ... إذا ما شقّ يرفا
عجبا من أثر الصنعة ... فيه كيف تخفى؟
إنّ رفّاءك هذا ... ألطف الأمة كفّا
فإذا ألصق بالنصف ... من الجردق نصفا
الطف الصنعة حتّى ... ما ترى مطعن إشفى «١»
مثل ما جاء من التّنّور ... ما غادر حرفا
وله في الماء أيضا ... عمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء البئر ... كى يزداد ضعفا
فهو لا يسقيك منه ... مثل ما يشرب صرفا
وقال فيه
على خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... يصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدّث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمرّ ولا تحلى
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في الحزون وفي السّهل
وما خبزه إلا كليب بن وائل ... ليالى «٢» يحمى عزّه منبت البقل
стр. 1128
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذى ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذلّ
ولكن قضاء ليس يسطاع ردّه ... بحيلة ذى مكر ولا دهي ذى عقل
وقال ابن الرومىّ
بخيل يصوّم أضيافه ... ويبخل عنهم بأجر الصيام
بدسّ الغلام فيوليهم ... هوانا فيشتم مولى الغلام
فهم مفطرون وهم صائمون ... وما يطعمون وهم في أثام
فيحتال بخلا لأن يفطرون ... على رفث القول دون الطّعام
وقال أحمد بن كشاجم
صديق لنا من أبرع الناس في البخل ... وأفضلهم فيه وليس بذى فضل
دعانى كما يدعو الصديق صديقه ... فجئت كما يأتى إلى مثله مثلى
فلما جلسنا للطعام رأيته ... يرى أنه من بعض أعضائه أكلى
ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده ... وأعلم أن الغيظ والشتم من أجلى
فأقبلت أستلّ الغداء مخافة ... وألحاظ عينيه رقيب على فعلى
أمدّ يدى سرا لأسرق لقمة ... فيلحظنى شزرا فأعبث بالبقل
إلى أن جنت كفّى لحتفى جناية ... وذلك أن الجوع أعدمنى عقلى
فجرّت يدى للحين رجل دجاجة ... فجرّت كما جرّت يدى رجلها رجلى
وقدّم من بعد الطعام حلاوة ... فلم أستطع فيها أمرّ ولا أحلى
وقمت لو انّى كنت بيّت نيّة ... ربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل
стр. 1129
وقال آخر
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
احتجاج البخلاء وتحسينهم للبخل على قبحه
قالت الحكماء: لتكن عنايتك بحفظ ما اكتسبته، كعنايتك باكتسابه.
وقال أبو الأسود الدؤلىّ لبنيه: لا تجاودوا الله، فإنه أكرم وأجود، ولو شاء أن يغنى الناس كلّهم لفعل، ولكنه علم أن قوما لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الفقر، وقوما لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الغنى.
وقال رجل من تغلب: أتيت رجلا من كندة أسأله، فقال: يا أخا بنى تغلب، إنّى لن أصلك حتّى أحرم من هو أقرب إلى منك، وإنه لم يبق من مالى وعرضى واهلى إلا ما منعته من الناس.
وقيل: إن لقمان الحكيم، قال لابنه: يا بنىّ، أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.
وقال أبو الأسود: إمساكك ما تبذل، خير من طلبك ما يبذل غيرك، وأنشد
يلوموننى في البخل جهلا وضلّة ... وللبخل خير من سؤال بخيل
ونظيره قول المتلمّس
وحبس المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
стр. 1130
وقال الجاحظ: قلت للحزامىّ: يا بخيل! قال: لا أعدمنى الله هذا الاسم، لأنه لا يقال لى: بخيل إلا وأنا ذو مال فسلّم لى المال، وسمّنى بأىّ اسم شئت، قلت:
ولا يقال لك: سخىّ، إلا وأنت ذو مال، فقد جمع الله لهذا الاسم المال والحمد، وجمع لذاك المال والذّمّ، فقال: بينهما فرق عجيب، وبون بعيد، إن في قولهم:
بخيل، سببا لمكث المال في ملكى، وفي قولهم: سخىّ، سببا لخروجه عن ملكى، واسم البخل فيه حزم وذمّ واسم السخاء فيه تضييع وحمد، وما أقلّ غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعرى ظهره وضاع عياله وشمت به عدوّه.
وقال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك، أن لا يقيم عليك، ومن احتاج إليك أن لا يزول من عندك، ومن حبّك لصديقك وضنّك بمودّته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف له فيما يحوجه إليك.
وقد قيل في مثل هذا: «أجع كلبك يتبعك، وسمّنه يأكلك» ، فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقطع أسباب الشكر، والمعين على الغدر شريك للغادر، كما أن المزيّن للفجور شريك للفاجر.
وقال أبو حنيفة: لا خير فيمن لا يصون ماله ليصون به عرضه، ويصل به رحمه ويستغنى به عن لئام الناس. قال عبد الله بن المعتز
أعاذل ليس البخل منّى سجيّة ... ولكن وجدت الفقر شرّ سبيل
لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير من سؤال بخيل
وكان داود بن علىّ يقول: لأن يترك الرجل ماله لأعدائه، خير من الحاجة في حياته لأوليائه؛ قال الشاعر
стр. 1131
مال يخلّفه الفتى ... للشامتين من العدا
خير له من قصده ... إخوانه مسيرفدا
وقال سفيان الثّورىّ: لأن أخلّف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها، أحب إلىّ من أن أحتاج إلى الناس؛ وقال: كان المال فيما مضى يكره، وأما اليوم فهو يزين المؤمن؛ وجاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله، تمسك هذه الدنانير! فقال:
اسكت، فلولاها لتمندلتنا هؤلاء الملوك، ولكن من كان في يده منها شىء فليصلحه، فإنه زمان من احتاج فيه كان أوّل ما يبذل دينه.
وقال المنصور لمحمد بن مروان التميمىّ: إنك لسيد لولا جمود فيك، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنى لأجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل.
وكان محمد بن الجهم يقول: من وهب من عمله، فهو أحمق، ومن وهب بعد العزل، فهو مجنون، ومن وهب من جوائز ملوكه أو ميراثه، فهو مخذول، ومن وهب من كسبه وما استفاده بحيلة، فهو المطبوع على قلبه، المأخوذ ببصره وسمعه.
وسأل رجل زياد بن أبيه، فأعطاه درهما، فقال: صاحب العراقين أسأله فيعطينى درهما؟ فقال له زياد: من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخصّ عباده عنده وأكرمهم لديه التمرة واللقمة، وما يكبر عندى أن أصل رجلا بمائة ألف درهم، ولا يصغر أن أعطى سائلا رغيفا، إن كان ربّ العالمين فعل ذلك.
قال الشاعر
يا ربّ جود جرّ فقر امرىء ... فقام للناس مقام الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل
стр. 1132
وقال الشريف بن الهبّاريّة
لأصوننّ درهمى ... فهو لا شكّ صائنى
لم يعنّى ابن والدى ... وصحيحى أعاننى
وقال أيضا
لله درّ دراهمى ... فهى التى أعلت مكانى
لولا الغنى عن صاحبى ... لأحلّنى دار الهوان
وقال آخر
كن بما أوتيته مغتبطا ... تستدم عيش القنوع المكتفى
إن في نيل المنى وشك الرّدى ... واجتناب القصد عين السّرف
كسراج دهنه قوت له ... فإذا غرّقته فيه طفى
ومن ذلك رسالة كتبها سهل بن هارون، وقد عيب عليه أمور من البخل، فاعتذر عنها واحتجّ فقال: أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من أهله، قال الأحنف بن قيس: يا بنى تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلّهم حياء من الفرار، وكانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمّة، فتأمّل عيّابا فإنه يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب، ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهى مرشدا أو تغرى مشفقا، وما أريد بما قلت إلا هدايتكم وتقويمكم وصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم، ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: (وَما أُرِيدُ
стр. 1133
أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)
فما كان أحقّكم في كريم حرمتنا بكم أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم، على ما رعيناه من واجب حقّكم، فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب برّا وفخرا، لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا، عبتمونى بقولى لخادمى: أجيدى العجين فيكون أطيب لطعمه، وأزيد في ريعه، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين، وعبتمونى حين ختمت على سلّ عظيم، وفيه شىء ثمين من فاكهة نفيسة، ومن رطبة غريبة، على عبدنهم، وصبىّ جشع، وأمة لكعاء، وزوجة مضيعة، وليس بين أهل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوى- فى نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب- التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوى مواضعهم في المجالس، ومواقع أسمائهم فى العنوانات، ومن شاء أطعم كلبه الدّجاجة السمينة، وعلف حماره السّمسم المقشّر، وعبتمونى بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مدّ سويق، وختم على كيس فارغ، وقال طينة خير من ظنّة، فأمسكتم عمن ختم على لا شىء، وعبتم على من ختم على شىء، وعبتمونى أيضا، أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق، فزد في الإنضاج، ليجتمع مع التأدّم باللحم طيب المرق، وقال النبىّ ﷺ : «إذا طبخ أحدكم لحما، فليزد من الماء، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا،» وعبتمونى بخصف النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، والتفريق من التضييع، والاجتماع مع الحفظ،
стр. 1134
وقد كان النبىّ ﷺ يخصف نعله، ويرقّع ثوبه، ويلطع أصابعه، ويقول: «لو أهدى إلىّ كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت» وقال ﷺ «من لم يستحى من الخلال، خفت مؤنته، وقلّ كبره» . وقالت الحكماء:
لا جديد لمن لم يلبس الخلق، وبعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا، فقال له: أكنت به ذا معرفة؟ قال: لا، ولكنّى رأيته في يوم قائظ، يلبس خلقا، ويلبس الناس جديدا، فتفرّست فيه العقل والأدب، وقد علمت أن الخلق في موضعه، مثل الجديد في موضعه، وقد جعل الله لكل شىء قدرا، وسمى له موضعا، كما جعل لكل زمان حالا، ولكل مقام مقالا، وقد أحيا الله بالسّم، وأمات بالغذاء، وأغصّ بالماء، وقتل بالدواء، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين، كما زعموا أن قلّة العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز وأمر مالك بن أنس بفرك البعر، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية، وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدى لك دجاجة، قال: إن كان لا بدّ، فاجعلها بيوضا، وعبتمونى حين قلت: من لم يعرف مواضع السّرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالى، وقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية، وأشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الاقتصاد في أوائله لخرج أوّله على كفاية آخره، ولكان نصيب الأوّل كنصيب الآخر، فعبتمونى بذلك وشنعتموه علىّ، وقد قال الحسن وذكر السرف: أما إنه ليكون في الماء والكلا، فلم يرض
стр. 1135
بذكر الماء حتى أردفه بالكلا، وعبتمونى انى قلت: لا يغترّن أحد بطول عمره، وتقويس ظهره، ورقة عظمه، ووهن قوّته، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك الى إخراج ماله من يده، وتحويله إلى ملك غيره، أو تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمّرا وهو لا يدرى وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعلّه أن يرزق الولد على اليأس، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله، ولا يدركه عقله، فيستردّه ممن لا يردّه، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب، وأقبح ما كان له أن يطلب، فعبتمونى بذلك، وقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا، وعبتمونى بأن قلت: إن التلف والتبذير إلى مال المواريث، وأموال الملوك، وإن الحفظ الى المال المكتسب، والغنى المجتلب، والى ما يعرض فيه بذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب أسرع، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذلّ، وعبتمونى بأن زعمت أن كسب الحلال، مضمّن بالإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وأن الطيّب يدعو إلى الطيّب، وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى، فعبتم علىّ هذا القول، وقد قال معاوية بن أبى سفيان: لم أر تبذيرا قطّ، إلا وإلى جنبه حقّ مضيّع، وقال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا في أىّ شىء ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف، وقلت لكم بالشفقة عليكم، وحسن النظر منّى إليكم، أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات، فإن أحاطت بمال
стр. 1136
أحدكم آفة، لم يرجع إلى ثقة، فاحذروا النّقم، باختلاف الأمكنة، فإن البلية لا تجرى فى الجميع، وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في العبد، والأمة، والشاة، والبعير: فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين، وقال ابن سيرين [لبعض البحريين «١» ] :
كيف تصنعون في أموالكم؟ قالوا: نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض، سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر، ما حملنا أموالنا في البحر، فقال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهى صناع، وعبتمونى بأن قلت لكم عند إشفاقى عليكم: إن للغنى سكرا، والمال نزوة، فمن لم يحفظ الغنى من سكره، فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله، فعبتمونى بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا، من غنىّ أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد
وهو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
وعبتمونى حين زعمتم، أنّى أقدّم المال على العلم، لأن المال به يفاد العلم، وبه تقوم النفس، قبل أن يعرف فضل العلم؛ فهو أصل، والأصل أحقّ بالتفضيل من الفرع، فقلتم، كيف هذا؟ وقد قيل لبعض الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟
فقال: العلماء، قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بحقّ المال، وجهل الأغنياء بحقّ العلم، فقلت: حالهما هى القاضية بينهما، وكيف يستوى شىء حاجة العلماء إليه، وشىء يغنى فيه بعضهم عن بعض، وكان النبىّ ﷺ يأمر الأغنياء باتّخاذ الغنم، والفقراء باتّخاذ الدّجاج، وقال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه: إنى
стр. 1137
لأبغض أهل البيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد، وكان أبو الأسود الدّؤلىّ يقول لولده: إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض، وعبتمونى حين قلت: إن فضل الغنى عن القوت، إنّما هو كفضل الآلة تكون في البيت، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة، وقد قال الحصين بن المنذر:
وددت أن لى مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشىء، قيل له: فما كنت تصنع به؟
قال: لكثرة من كان يخدمنى عليه، لأن المال مخدوم، وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وذلّ في قلب عدوّك، لكان الحظّ فيه جسيما، والنفع عظيما، ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتأدّب الخلفاء، وتعليم الحكماء، لأصحاب الهوى، فلستم علىّ تردّون، ولا رأيى تفنّدون، فقدّموا النظر قبل العزم، وأدركوا ما عليكم من قبل أن تدركوا مالكم، والسلام.
ومن نوادر البخلاء، قال رجل لبعض البخلاء: لم لا تدعونى إلى طعامك؟
قال: لأنك جيّد المضغ سريع البلع، إذا أكلت لقمة هيّأت أخرى، قال: يا أخى أتريد إذا أكلت عندك أن أصلّى ركعتين بين كلّ لقمتين؟.
وقال آخر لبخيل: لم لا تدعونى إلى طعامك؟ قال: لأنك تعلّق، وتشدّق، وتحدق، أى تحمل واحدة في يدك، وأخرى في شدقك، وتنظر إلى الأخرى بعينك.
وقال بعض البخلاء: أنا لا آكل إلا نصف الليل، قيل له: ولم؟ قال يبرد الماء، وينقمع الذّباب، وآمن فجأة الداخل، وصرخة السائل.
стр. 1138
وطبخ بعض البخلاء قدرا، وجلس يأكل مع زوجته فقال: ما أطيب هذا الطعام! لولا كثرة الزّحام، فقالت: وأىّ زحام وما ثمّ إلا أنا وأنت؟ قال: كنت أحبّ أن أكون أنا والقدر.
وقال بعض البخلاء لغلامه: هات الطعام، وأغلق الباب، فقال: يا مولاى، ليس هذا بحزم، وإنّما أغلق الباب، وأقدّم الطعام، فقال له: أنت حرّ لوجه الله.
وعزم بعض إخوان أشعب عليه ليأكل عنده، فقال: إنّى أخاف من ثقيل يأكل معنا فينغّص لذّتنا، فقال: ليس عندى إلا ما تحبّ فمضى معه فبينما هما يأكلان، إذا بالباب قد طرق، فقال أشعب: ما أرانا إلا صرنا لما نكره، فقال صاحب المنزل: إنه صديق لى، وفيه عشر خصال، إن كرهت منها واحدة لم آذن له، فقال اشعب: هات، قال: أوّلها، أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك ودعه يدخل، فقد أمنّا منه ما نخافه.
ذكر ما قيل في التطفيل ويتصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة
والتطفيل من اللؤم، وهو التعرّض إلى الطعام، من غير أن يدعى إليه، وسنذكر تلو هذا الفصل آداب الأكل، والمؤاكلة، والاقتصاد في المطاعم، والعفّة عنها، وما يجرى هذا المجرى، وإن كان خارجا عنه، وإنما الشىء يذكر بالشىء، والعرب تقول للطفيلىّ: الوارش، والراشن، قيل: هو مشتق من الطّفل، وهو الظلمة لأن الفقير من العرب كان يحضر الطعام الذى لم يدع إليه مستترا بالظلمة، لئلا يعرف.
وقيل: سمّى بذلك، لإظلام أمره على الناس، لا يدرى من دعاه. وقيل: بل
стр. 1139
من الطّفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار، فيكون من الظلمة، ولذلك قيل: «أطفل من ليل على نهار» ، وأوّل من سمى بهذا الاسم: طفيل العرائس، وإليه ينسب الطّفيليّون، وكان يقول لأصحابه: إذا دخل أحدكم عرسا، فلا يلتفت تلفّت المريب، ويتخيّر المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام، فليمض ولا ينظر في عيون الناس، ليظنّ أهل المرأة أنه من أهل الرجل، ويظنّ أهل الرجل أنه من أهل المرأة، وإن كان البوّاب غليظا فاحشا، فليبدأ به، ويأمره وينهاه من غير أن يعنّف عليه، ولكن بين النصيحة والإدلال.
وأشهر من نسب إليه هذا الاسم، وكثرت عنه الحكايات، بنان الطّفيلىّ، وهو عبد الله بن عثمان، ويكنى أبا الحسن، ولقبه بنان، وأصله مروزىّ وأقام ببغداد، وكان نقش خاتمه، «مالكم لا تأكلون» . حكى أن رجلا سأله أن يدعو له، فقال:
اللهم ارزقه صحة الجسم وكثرة الأكل، ودوام الشهوة، ونقاء المعدة، وأمتعه بضرس طحون، ومعدة هضوم، مع السعة والدّعة، والأمن والعافية؛ وقال يوصى بعض أصحابه: إذا قعدت على مائدة وكان موضعك ضيّقا فقل للذى يليك: لعلى ضيقت عليك فإنه يتأخر إلى خلف، ويقول: موضعى واسع، فيتسع عليك موضع رجل؛ وقال له طفيلىّ: أوصنى، فقال: لا تصادفنّ من الطعام شيئا، فترفع يدك عنه وتقول:
لعلّى أصادف ما هو أطيب منه، فإن هذا عجز ووهن، قال: زدنى، قال: إذا وجدت خبزا فيه قلّة، فكل الحروف، فإن كان كثيرا فكل الأوساط، قال: زدنى، قال:
لا تكثر شرب الماء وأنت تأكل، فإنه يصدّك عن الأكل، ويمنعك من أن تستوفى، قال: زدنى، قال: إذا وجدت الطعام، فكل منه أكل من لم يره قط، وتزوّد منه زاد من لا يراه أبدا، قال: زدنى، قال: إذا وجدت الطعام، فاجعله زادك إلى الله تعالى،
стр. 1140
وقال: إذا دعاك صديق لك، فاقعد يمنة البيت فإنّك ترى ما تحبّ، وتسودهم في كلّ شىء، وتسبقهم إلى كلّ خير، وأنت أوّل من يغسل يده والمنديل جافّ، والماء واسع، والخوان بين يديك يوضع، والنبيذ أوّل القنيّنة ورأسها تشربه، والنقل منتخب، يوضع بين يديك، وتكون أوّل من يتبخّر، فإذا أردت أن تقوم لحاجة لم تحتج أن تتخطّاهم، وأنت في كل سرور الى أن تنصرف. قال البديع الهمذانىّ في طفيليّين يشبههم ببنان
خلفتم بنانا فكم من أديب ... من الغيظ عضّ عليكم بنانا
إذا ما النهار بدا ضوءه ... غدوتم خماصا ورحتم بطانا
ومنهم: عثمان بن درّاج، قيل له: كيف تصنع إذا لم يدخلك أهل العرس؟ قال:
أنوح على الباب، فيتطيّرون فيدخلوننى. وحكى أبو الفرج الأصفهانى: أن عثمان هذا، كان يلزم سعيد بن عبد الكريم الخطابىّ أحد ولد زيد بن الخطاب، فقال له:
ويحك! إنى أبخل بأدبك وعلمك، وأضنّ بك عما أنت فيه من التطفيل ولى وظيفة راتبة في كلّ يوم، فالزمنى وكن مدعوّا، أصلح لك مما تفعل، فقال: يرحمك الله فأين لذّة الجديد، وطيب التنقل كل يوم إلى مكان؟ وأين هو يناك ووظيفتك من احتفال العرس؟ وأين ألوانك من ألوان الوليمة؟ قال: فأما إذا ثبت ذاك: فإذا ضاقت عليك المذاهب فأتنى قال: أمّا هذا فنعم؛ قال: وقال له رجل: ما هذه الصّفرة التى في لونك؟ قال: من الفترة التى بين القصعتين، ومن خوفى في كل يوم من نفاد الطعام قبل أن أشبع؛ وقيل له مرة: هل تعرف بستان فلان؟ فقال: إى والله، وإنه للجنة الحاضرة في الدنيا، قيل له: فلم لا تدخل اليه فتأكل من ثماره، وتقيل
стр. 1141
تحت أشجاره، وتسبح في أنهاره؟ قال: لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال، وعثمان هذا الذى يقول
لذّة التطفيل دومى ... وأقيمى لا تريمى
أنت تشفين غليلى ... وتسلّين همومى
ولهم أخبار وحكايات، منها: ما نقل عن نصر بن علىّ الجهضمىّ أنه قال:
كان لى جار طفيلىّ، إذا دعيت إلى مدعاة ركب معى وجلس حيث أجلس، فيأكل وينصرف، وكان نظيفا عطرا، حسن اللباس والمركب، وكنت لا أعرف من أمره إلا الظاهر، فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمىّ حقّ دعا له أشراف البصرة ووجوهها، وهو يومئذ أمير البصرة، فقلت في نفسى: إن تبعنى هذا الرجل إلى دار الأمير لأخزيته، فلما كان يوم الحضور، جاءنى الرسول، فركبت، وإذا به قد تبعنى حتى دخل بدخولى، وارتفع حيث أجلست، فلما حضرنا الطعام، قلت: حدّثنا درست ابن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من دخل إلى دار قوم بغير إذنهم، دخل سارقا، وخرج مغيرا، ومن دعى ولم يجب فقد عصى الله ورسوله» ، فظننت أنى قد أشرفت على الرجل وقصّرت من لسانه، فأقبل علىّ وقال: أعيذك بالله من هذا الكلام في دار الأمير، فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللؤم، وقد حظر الدين التعريض، وعزّر عليه عمر رضى الله عنه، ووليمة الأمير دعاء لأهل مصره فإنه سليل أهل السقاية، والرفادة، والمطعمين الأفضلين الذين هشموا الثّريد، وأبرزوا الجفان لمن غدا إليها، ثم لا توزع وأنت فى بيت من العلم معروف من أن تحدّث عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان ابن طارق وهو متروك الحديث بحكم رفعه الله إلى النبىّ ﷺ ، والمسلمون
стр. 1142
على خلافه، لأن حكم السارق القطع، والمغير يعزّر على ما يراه الإمام، وهذان حكمان لا ينفذان على داخل دارا في مجمع فيتناول لقما من فضل الله الذى آتى أهلها ثم لا يحدث حدثا حتى يخرج عنها، وقد قال النبىّ ﷺ : «طعام الواحد يكفى الاثنين، وطعام الاثنين يكفى الأربعة» . حدّثنا بذلك أبو عاصم النبيل عن ابن جريح عن أبى الزبير عن جابر عن النبىّ ﷺ ، فأين أنت عن هذا الحديث الصحيح الإسناد والمتن؟ قال نصر: فأصابتنى خجلة شديدة، فلما نظر الرجل إلى ما بى أكل ونهض قلبى، فلما خرجت وجدته واقفا على دابته بالباب، فلما رآنى تبعنى، ولم يكلّمنى ولم أكلّمه، إلا أننى سمعته يتمثل
ومن ظنّ ممّن يلاقى الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
وقيل: مرّ طفيلىّ بسكة النّخع بالبصرة على قوم، وعندهم وليمة، فاقتحم عليهم، وأخذ مجلسه مع من دعى، فأنكره صاحب المنزل، فقال له: لو تأنّيت أو وقفت حتّى يؤذن لك، أو يبعث إليك، فقال: إنما اتّخذت البيوت ليدخل إليها، ووضعت الموائد ليؤكل ما عليها، وما وجّهت بهديّة فأتوقع الدعوة، والحشمة قطيعة، واطّراحها صلة، وقد جاء في الأثر: «صل من قطعك، وأعط من حرمك» ، ثم أنشد
كلّ يوم أدور في عرصة الدّا ... ر أشمّ القتار «١» شمّ الذّباب
فاذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرّج دون التقحّم لا أر ... هب شتما ولكرة البوّاب
مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هيّاب
فترانى ألفّ بالرغم منه ... كلّ ما قدّموه لفّ العقاب
стр. 1143
ووصف طفيلىّ نفسه فقال
نحن قوم إذا دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل
قولنا: علّنا دعينا فغبنا ... أو أتانا فلم يجدنا الرسول
وقال آخر
نحن قوم نحبّ هدى رسول الله ... هديا به الصواب أصبنا
فادعنا كلّما بسطت فإنّا ... لو دعينا إلى كراع أجبنا
وقال آخر
نحن قوم إن جفا النّا ... س وصلنا من جفانا
لا نبالى صاحب الدّا ... ر نسينا أم دعانا
وقال آخر وقد أقبل إلى طعام، من غير أن يدعى إليه فقال له صاحب الصنيع:
من دعاك؟ فأنشد
دعوت نفسى حين لم تدعنى ... فالحمد لى لا لك في الدّعوة
وكان ذا أحسن من موعد ... إخلافه يدعو إلى جفوة
وقد مدح أبو روح ظفر بن عبد الله الهروىّ طفيليّا ولم يسبق إليه، فقال
إنّ الطفيلىّ له حرمة ... زادت على حرمة ندمانى
لأنه جاء ولم أدعه ... مبتدئا منه بإحسان
ودخل طفيلىّ إلى قوم فقالوا له: ما دعوناك! فما الذى جاء بك؟ فقال:
إذا لم تدعونى ولم آت، وقعت وحشة، فضحكوا منه وقرّبوه.
стр. 1144
وقيل: مرّ طفيلىّ على قوم يتغدّون، فقال: سلام عليكم معشر اللئام، فقالوا:
لا والله! بل كرام، فثنى ركبته ونزل، وقال: اللهمّ اجعلهم من الصادقين، واجعلنى من الكاذبين.
قال هشام أخوذى الرمّة لرجل أراد سفرا: إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد، فإن استطعت أن لا تكون كلب الرّفاق فافعل.
ونظر طفيلىّ إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل، فظنهم يدعون الى صنيع، فتلطف حتّى دخل في لفيفهم وصار كواحد منهم، فلما بلغوا صاحب الشّرطة، أمر بضرب أعناقهم، فقدّموا واحدا بعد واحد حتّى انتهوا إلى الطفيلىّ فلما قدّم للقتل التفت إلى صاحب الشّرطة، فقال له: إنّى والله ما أنا منهم، ولا أعلم بما يدينون، وإنما أنا طفيلىّ ظننتهم يذهب بهم إلى صنيع، فتلطّفت حتّى دخلت في جملتهم، فقال ليس هذا مما ينجيك، اضربوا عنقه، فقال: أصلحك الله، إن كنت عزمت على قتلى، فأمر السياف أن يضرب بطنى بالسيف، فإنه هو الذى أوقعنى في هذه الورطة، فضحك، وكشف عنه، فأخبر أنه طفيلىّ معروف، فخلّى سبيله.
وحكى أن المأمون أمر أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سمّوا له من أهل البصرة، فجمعوا، فأبصرهم طفيلىّ، فقال: ما اجتمعوا إلا لصنيع، فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكّلون، حتّى انتهوا إلى زورق قد أعدّلهم، قال الطفيلىّ: هى نزهة، فدخل معهم الزّورق، فلم يكن بأسرع من أن قيّدوا، وقيّد معهم الطفيلىّ، ثم سير بهم إلى بغداد، فأدخلوا على المأمون، فجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا، ويأمر بضرب أعناقهم، حتّى وصل إلى الطفيلىّ، وقد استوفى العدّة، فقال للموكلين: ما هذا؟
قالوا: والله ما ندرى، غير أنّا وجدناه مع القوم، فجئنا به، فقال له المأمون:
стр. 1145
ما قصّتك؟ ويلك! فقال يا أمير المؤمنين: امرأتى طالق إن كنت أعرف من أقاويلهم شيئا ولا مما يدينون به وإنما أنا رجل طفيلىّ، رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعا يدعون إليه، فضحك المأمون وقال: يؤدّب، وكان إبراهيم بن المهدىّ قائما على رأس المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، هب لى أدبه، وأحدثك بحديث عجيب عن نفسى، قال: قل يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين، خرجت من عندك يوما، فطفت في سكك بغداد متطرّفا، حتّى انتهيت إلى موضع كذا، فشممت من قتار أبازير قدور قد فاح، فتاقبت نفسى إليها، وإلى طيب ريحها، فوقفت إلى خياط، فقلت له: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التّجار، قلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرميت بطرفى إلى الدار، فإذا شبّاك فيها مطلّ، وإذا كفّ قد خرج من الشّبّاك ومعصم، فشغلنى حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور، فبهتّ ساعة، ثم أدركنى ذهنى، فقلت للخياط: أهو ممّن يشرب النبيذ؟
قال: نعم، وأحسب أن عنده اليوم دعوة، وهو لا ينادم إلا تجّارا مثله مستورين، فإنى لكذلك، إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدّرب، فقال لى الخياط:
هؤلاء منادماه، فقلت: ما اسماهما وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان، فحرّكت دابتى وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، قد استبطأكما أبو فلان، وسايرتهما حتّى بلغنا الباب فأجلّانى وقدّمانى، فدخلت ودخلا، فلما رآنى صاحب المنزل معهما، لم يشكّ أنى منهما، فرحّب بى وأجلسنى في أفضل المواضع، فجىء يا أمير المؤمنين بمائدة عليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسى: هذه الألوان قد أكلتها، بقيت الكفّ، كيف إلى صاحبتها؟
ثم رفع الطعام، وجىء بالوضوء، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة، فإذا أشكل منزل، وجعل
стр. 1146
صاحب المنزل يلطف بى، ويميل علىّ بالحديث، حتّى إذا شربنا أقداحا، خرجت علينا جارية، كأنها بدر، تتثنى يا أمير المؤمنين كالخيزران، فأقبلت، وسلّمت غير خجلة وثنيت لها وسادة، فجلست عليها، وأتى بالعود فوضع في حجرها، فجسته فاستبينت حذقها في جسّها، ثم اندفعت تغنّى
توهّمها طرفى فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظرى أثر
تصافحها كفّى فتؤلم كفّها ... فمن مسّ كفّى في أناملها عقر
فهيّجت يا أمير المؤمنين بلابلى، وطربت لحسن شعرها، ثم اندفعت تغنّى
أشرت إليها هل عرفت مودّتى؟ ... فردّت بطرف العين إنى على العهد
فحدت عن الإظهار عمدا لسرها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت يا أمير المؤمنين، وجاءنى من الطرب ما لم أملك نفسى معه، ثم اندفعت فغنّت الصوت الثالث
أليس عجيبا أن بيتا يضمّنى ... وإياك لا نخلو ولا نتكلّم!
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أكباد على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكفّ تسلّم
فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حدقها ومعرفتها بالغناء، وإصابتها لمعنى الشعر، فقلت: بقى عليك يا جارية، فضربت بالعود على الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان منّى، ورأيت القوم قد تغيّروانى، فقلت:
أما عندكم عود غير هذا؟ قالوا: بلى، فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه ثم غنيّت
стр. 1147
ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم قدم البلى فبلينا؟
راحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن متن متنا أو حيين حيينا
فما استتممته يا أمير المؤمنين، حتّى قامت الجارية، فأكبّت على رجلىّ تقبّلهما، وقالت: معذرة يا سيدى، فو الله ما سمعت أحدا يغنّى هذا الصوت غناءك، وقام مولاها وأهل المجلس، ففعلوا كفعلها، وطرب القوم واستحثّوا الشرب فشربوا، ثم اندفعت أغنّى
أفى الحقّ أن تمشى ولا تذكرنّنى ... وقد همعت عيناى من ذكرها الدّما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتى ... لها عسل منى وتبذل علقما
فردّى مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
فطرب القوم حتّى خرجوا من عقولهم، فأمسكت عنهم ساعة حتّى تراجعوا، ثم غنّيت الثالث
هذا محبّك مطويّا على كمده ... عبرى مدامعه تجرى على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به ويد أخرى على كبده
فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدى، لا ما كنّا فيه منذ اليوم، وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن الشرب، صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم، وخلوت معه، فلما شربنا أقداحا، قال: يا سيدى، ذهب ما مضى من أيامى ضياعا، إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت؟ ولم يزل يلحّ علىّ، حتّى أخبرته الخبر، فقام وقبّل رأسى، وقال: وأنا أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لملك! وإنى لجالس مع الخلافة ولا أشعر، ثمّ سألنى عن قصتى، فأخبرته حتّى بلغت إلى صاحبة الكف والمعصم، فقال للجارية: قومى فقولى لفلانة تنزل، فلم تزل تنزل
стр. 1148
جواريه واحدة واحدة، فأنظر إلى كفّها ومعصمها، وأقول: ليس هى هذه! حتّى قال: والله ما بقى غير أختى وأمّى، والله لأنزلهما إليك، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك، ابدأ بالأخت قبل الأمّ فعسى أن تكون هى، فبرزت، فلما رأيت كفّها ومعصمها، قلت: هى هذه فأمر! غلمانه، فساروا إلى عشرة مشايخ من جلّة جيرانه، فأقبلوا بهم، وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، ثمّ قال للمشايخ: هذه أختى فلانة، أشهدكم أنى قد زوّجتها من سيدى إبراهيم بن المهدىّ، وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم، فرضيت وقبلت النكاح، فدفع إليها بدرة، وفرّق الأخرى على المشايخ وصرفهم، ثم قال: يا سيدى، أمهّد بعض البيوت فتنام فيه مع أهلك، فأحشمنى ما رأيت من كرمه، فقلت: أحضر عماريّة «١» وأحملها إلى منزلى، ففعل، فو الله يا أمير المؤمنين، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا، فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين، يشير إلى ولده، فعجب المأمون من كرم الرجل وألحقه في خاصة أهله، وأطلق الطفيلىّ وأجازه.
ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانىّ وهو الذى حاز قصبات السبق في فن الأدب على أترابه، وفاز من البلاغة بقدحها المعلّى في عنفوان شبابه، رسالة وضعها في هذا الفنّ، وصار له بها على أهله غاية المنّ، مع نزاهة نفسه الأبيّة، وارتفاعه عن المطاعم الدنية، وإنما وضعها تجربة لخاطره، وضمها إلى فوائد دفاتره، وهى:
هذا عهد عهده زارد بن لاقم، لبالع بن هاجم، استفتحه بأن قال: الحمد لله مسهل أوقات اللذّات وميسّرها، وناظم أسباب الخيرات ومكثّرها، وجاعل أسواق الأفراح قائمة على ساق، جابرة لمن ورد إليها بأنواع الإرفاد وأجناس الإرفاق، أحمده
стр. 1149
على أن أحلّنا في منازل السادات، أرفع الدرجات، وأحلّ لنا من الأطعمة الفائقة الطيّبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهدينا إلى المقام الرفيع، وتخصنا بالمحل الجسيم المنيع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رب المكارم الجسام، ومعدن الجسارة والإقدام، الجامع بين فضيلتى الطعان والطعام، صلى الله عليه وعلى آله أهل السماحة والكرم والإكرام، صلاة تحلّ قائلها في غرفات الجنان في دار السلام، وبعد، فإن صناعة التطفيل صناعة مهوبة، وحرفة هى عند الظرفاء محبوبة، لا يلبس شعارها إلا كلّ مقدام، ولا يرفع خافق علمها إلا من عدّ في حرفته من الأعلام، ولا يتلو أساطير شهامتها إلا من ارتضع أفاويق الصّفاقة، ولا يهتدى لمنار علائها إلا من نزع عن منكبيه رداء الرّقاعة والحماقة، وكنت والفود غدافىّ الإهاب، والغصن ريّان من ماء الشباب، والقدّ يميس في حلّة النشاط، والقدم تذرع الأرض ذرع الاختباط، لا يقام سوق وليمة إلا وأنا الساعى إليها، ولا ترفع أعلام نار مأدبة إلا وكنت الواقف لديها، أتخذ الدروب شباكا للاصطياد، وحبائل أبلغ بها لذيذ الازدراد، قد جعلت المعطس حليف الهواء، والقلب نزيل الأهواء، فحيث عبقت روائح الأبازير من أعالى تلك القصور، وتمندلت تلك الشوارع بزعفران البرم والقدور، ألقيت عصا المسير على الباب، وخلبت بحسن أدبى قلب البواب، وأوسعت في وصولى ألف حيله، وجعلتها على ما عندى من حسن فنونها مخيله، فلا دعوة، إلا وكنت عليهم دعوة، ولا وليمة ختان، إلا وقد طلعت على أرجائها مثل الجان، ولا سماط تأنيب، إلا وكنت إليه الساعى المنيب، ولا مجمع ضيافة، إلا وكنت عليه أشد آفة، ولا ملاك عرس مشهود، إلا وانتظمت في سلك الشهود، يحسن فيّ قول القائل
стр. 1150
لو طبخت قدر بمطمورة ... موقدها الشام وأعلى الثغور
وأنت في الصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في القدور
واليوم قد مال القويم إلى الاعوجاج، وعزّ بازى الشيب غراب الشّعر الدّاج، وقيّد الزمن أقداما، ومنعت الشيخوخة إقداما، وصرت لحما على وضم، بعد أن كنت نارا على علم، وقد أفادتنى التّجربة من هذه الصناعة فنونا، وتلت علىّ من محاسنها متونا، وقد أبقيت لكل مجمع بابا، وفذلكت لكل مشهد حسابا، وقد اقتضى حسن الرأى أن أفوّض إليك أمرها، وأودع تأمور قلبك وحسّك سرّها، علمى بأنك الكيّس الفطن، بل الألمعىّ الذّرب المرن، لو عقدت أكلة الولائم بغاب ولجه، وأحسن بتأنّيه الجميل مدخله ومخرجه، وقد شاهدت من أعمالك الصالحة، ما يقال عند ذهابى:
ما أشبه الليلة بالبارحة، وقد عهدت إليك، واستخرت الله في التعويل عليك، فمثلك من يخطب للمناصب، ويتسنّم ذروة المراتب، ودونك ما أنطق به من الوصايا، واحفظ ما يسرده لسان القلم من جميل المزايا، إياك وموائد اللئام، وانزل بساحات الكرام، واتخذ الشروع في الشوارع حرفة، وأظهر على مشيك صلافة وعفّة، وميّز بعينك حسن المساطب ونقش الستور، وجمال الخدء وقعود الصدور، واقصد الأبواب العالية، والأكلة المنقوشة الجالية، فإن دللت على مأدبة نصبها بعض الأعيان، وجمع إليها أصحابه الإخوان، فالبس من ثيابك الجميلة قشيبها، وضوّع بالمندل الرطب طيبها، وأتقن خبر صاحب الدار وأخباره، وقف في صدر الشارع من الحاره، فإذا رأيت الجمع وقد تهادوا بالهوادى والأقدام، وتهادوا فيما بينهم لذيذ الكلام، تقدّم إليهم بقلب قلب الأمور، وعلم بحسن تطلّعه وتضلّعه داء الجمهور، وقل لهم: رب الدار قد استبطأكم، فما الذى أبطأكم؟ حتّى إذا قاربوا صعود العتبة،
стр. 1151
ولم تبق هنا لك معتبة، تقدّم رافعا لهم الستور، ومعرّفا بمقدار أولئك الصدور، فالأضياف، يعتقدون أنك غلام المضياف، وربّ الحلّة، يعتقد أنك رفيق السادة الجلّة، وإن ولجت مجتمع ختان، وقد نصبت فيه موائد الألوان، وذرفنت الأبواب، واكفهرّت وجوه الحجّاب، فاجعل تحت ضبنك المجمع، واخدع قلوبهم فمثلك من يخدع، وقل: رفيق الأستاذ ومعينه، ورجله التى يسعى بها بل يمينه، فحينئذ ترفع الستور، وتقدّم لك أطايب القدور، وإن رماك القدر على باب غفل عنه صاحبه، وسها في غلقه حاجبه، وقد مدّوا في أوانيه سماطا، وجعلوا لأوائل من يقدمه فراطا، وقد تقاربت الزبادى، وامتدت الأيادى، ورأيت السّماط روضة تخالفت ألوانها، وامتدّت أفنانها، والموائد فيما بينها أفلاك تدور بصحونها، بل بروج ثابتة تشعر بسكونها، فلج على غفلة من الرقيب، وابسط بنان الأكل وكفّ لسان المجيب، فإن قيل لك: أما غلق دونك باب؟ فقل: ما على الكرماء من حجاب، وإيّاك والإطالة على الموائد، فإنها مصايد الشوارد، وإياك والقذارة عليها، فإنها إمارة الحرمان لديها، وإن وقعت على وليمة كثيرة الطعام، قليلة الازدحام، كبّر اللقمة ولا تطل علكها، ومر الفكّ في سرعة أن يفكّها، فإنك ما تدرى ما تحدث الليالى والأيام، خيفة أن يعثر عليك بعض الأقوام، فتكتسى حلّة الخجل، وتظهر على وجهك صفرة الوجل، واجعل من آدابك، تطلعك الى أثوابك، ولا ترفع لمستجلّ وجها وجيها، وقل لمن يحادثك: إليه ولا تقل: إيها، وجاوب بنعم، فإنها معينة على اللّقم، واجعل لكل مقام ما يناسبه من الحيلة، ومل على أهل الولائم والمآدب ميلة وأىّ ميلة، واسأل عمن ورث من آبائه مالا، وقد جمعه بوعثاء السفر وعنائه حراما وحلالا، أهل يعقد مقاما؟ أم يبلغ من دنياه بالقصف مراما؟ فإن قيل: فلان الفلانىّ ربّ
стр. 1152
هذه المثابة، وصاحب الدعوة المجابة، فكن ثالثة الأثافى لبابه، وانتظم في سلك عشرائه وأترابه، وتفقّد الأسواق خصوصا اللّحامين، ومواطن الطبخ ومساطب المطربين، ومجمع القراء ومعاهد محالّ الوعّاظ، وكلّ بقعة هى مظنّة فرح يعود عليك نفعه وكن أوّل داخل وآخر خارج، ومل إلى الزوايا، فهى أجمل ما لهذه الحرفة من المزايا، ونقّل ركابك في كلّ يوم، فتارة في سوق اللحم وتارة في سوق الثّوم؛ وغيّر الحلية، وقصّر اللحية، وابرز كلّ يوم في لباس، فهو أكثر للالتباس، وجدّد البهت حتى تتخذه عصاك، وتجعله ذريعة لمن عصاك، وأتقن الفنون المحتاج اليها من غنى ونجامة، وطب وشهامة، وتاريخ وأدب، وكرم أصل وحسب، وحالتى التوقيت والتنزيل، فاجعلهما دأبك، فإذا عرفوك، وحضر الجمع وكشفوك، فطرّز كلّ محفل بمحاسنن أقوالك، وكلّل جيد كلّ مأدبة بجواهر أفعالك، واعلم أنها صنعة دثرت معالمها، وقلّ عالمها، ولو لم أر على وجهك مخائل بشرها، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها، لما ألقيت إليك كتاب عهدها، ولا حملت لبابك راية مجدها، فتلقّ راية هذا العهد بساعد مساعد، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد، فوّضت اليك أمر من تحلّى بجواهرها المنظومة، ولبس حللها القشيبة المرقومة، وبسطت لسان قلمك في رقم عهودها، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها، وإياك أن تعهد إلا لمن ملك خصالها، وجاس خلالها، واستجلى هلالها، وأتقن أحوالها، ولاية عامّة، وكلمة مبرمة تامّة، حرس الله بك معقل الأدب واللطافة، ومحابك معالم الثقالة والكثافة.
стр. 1153
ذكر آداب الأكل والمؤاكلة
قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
وروى أنّ داود ﵇ أمر مناديه فنادى: أيها الناس، اجتمعوا لأعلّمكم التقوى، فاجتمعوا فقام في محرابه، فبكى ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأيها الناس، لا تدخلوا هاهنا إلا طيّبا، ولا تخرجوا منه إلا طيّبا، وأشار إلى فيه. قيل: أوّل آداب الأكل، معرفة الحلال من الحرام، والخبيث من الطيّب.
وأما الآداب في هيئة المؤاكلة وأفعالها، فقد روى أنّ رسول الله ﷺ ماعاب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وروى أنّ النبىّ ﷺ قال: «لا تشمّوا الطعام كما تشمّه البهائم، من اشتهى شيئا فليأكل، ومن كره فليدع» . وقال أنس: قدم النبىّ ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر، ودخل دارنا، فحلبنا له شاة، فشرب، وأبو بكر عن يساره، وأعرابىّ عن يمينه، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أعط أبا بكر، فقال ﷺ : «الأيمن فالأيمن» وفي هذا المعنى يقول الشاعر
صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وروى عن أنس: أنه رأى النبىّ ﷺ شرب جرعة، ثم قطع، ثمّ سمّى، ثم شرب جرعة، ثم قطع، ثم سمّى، ثم قطع الثالثة، ثمّ جرع مصّا، حتّى فرغ ثمّ حمد الله، وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنه ينفى الفقر، وينقّى اللّمم؛ ومن السّنة: البداءة باسم الله، وحمده عند الانتهاء.
стр. 1154
روى عن عمر بن أبى سلمة أنه قال: مررت بالنبىّ ﷺ وهو يأكل، فقال «اجلس يا بنىّ وسمّ الله، وكل بيمينك مما يليك» .
وقال بعض السلف: إذا جمع الطعام أربعا، فقد كمل كلّ شىء، إذا كان حلالا، وذكر اسم الله عليه، وكثرت عليه الأيدى، وحمد الله حين يفرغ منه.
وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء ربّ الأرض والسماء لم يضره ما أكل وما شرب» وفي حديث عائشة رضى الله عنها، عنه ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسى في أوّله، فليقل بسم الله في أوّله وآخره» . وقال ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإنّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» .
وروى: أنّ المسيح ﵇ كان إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثمّ قال: هكذا فاصنعوا بالفقراء.
ووصف شاعر قوما فقال
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألمّ بهم وقوف
قال سهل بن حصين: شهدت الحسن في وليمة، فطعم ثم قام، فقال: مدّ الله لكم في العافية، وأوسع عليكم في الرزق، واستعملكم بالشكر.
وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «تخللّوا فإنه نظافة والنظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنّة» .
وفي حديث عمر رضى الله عنه: عليكم بالخشبتين: يعنى السّواك والحلال.
стр. 1155
وكان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه في الطعام: يا بنىّ، عوّد نفسك الأثرة، ومجاهدة الشهوة، ولا تنهس نهس السّباع، ولا تخضم خضم البراذين، فإن الله جعلك إنسانا، فلا تجعل نفسك بهيمة.
وحكى عن بعض الكتاب قال: تغديت مع المأمون فالتفت إلىّ وقال: خلال قبيحة عند الجلوس على الطعام: كثرة مسح اليد، والانكباب على الطعام، وكثرة أكل البقل، ومعنى ذمّه هذه الخلال الثلاث: أنه إذا أكثر مسح اليد فإنما ذلك من غمسها فى الطعام، والانكباب يدلّ على شدّة الحرص وزيادة الشره والنّهم. قال الشاعر
لقد سترت منك الخوان عمامة ... دجوجيّة ظلماؤها ليس تقلع
وأما البقل، فإن الحاجة إلى البلغة منه، وفي الإكثار منه تشبّه بالبهائم، لأنه مرعاها.
وقيل: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب.
وقيل لبعض الحكماء: أىّ الأوقات أحمد للأكل؟ فقال: أما من قدر فإذا اشتهى، وأما من لم يقدر فإذا وجد.
ذكر الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها
قال الله عزوجل: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
وفي الحديث أن النبىّ ﷺ قال:
«من زاره أخوه المسلم فقرّب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه البركة، ومن قرّب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من الله حتّى يخرج» . وقالت عائشة رضى الله عنها: أولم النبىّ ﷺ على بعض نسائه مدّين من شعير.
стр. 1156
وقيل: كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول: اعملوا ولا تغملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضولها رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح، ليس معها من أرزاقها شىء، لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها، فإن قلتم: بطوننا أعظم من بطونها، فهذه الوحش تغدو وتروح، وليس معها من أرزاقها شىء والله يرزقها.
وروى أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث، فقيل له، فقال: إنما هى أيّام قلائل يأتى أمر الله وأنا خميص، فقتل من ليلته.
وفي الحديث عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من قلّ طعمه صحّ بدنه وضفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه» . وعنه ﷺ قال: «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه» . قال حاتم
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذّم أن أتضلعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا
وقال بعضهم: رأيت مجنونا ببغداد، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون، وكنت ممن دعى، فقلت: ألا تدخل فتأكل؟ فإن الطعام كثير، قال:
وإن كثر فإنى ممنوع منه، فقلت: كيف والباب مفتوح، ولا مانع من الدخول؟
فقال: أآكل طعاما لم أدع إليه؟ لقد اضطرّنى إلى ذلك غير الجوع، فقلت:
ما هو؟ قال: دناءة النفس وسوء الغريزة، قال الشاعر
وإنّى لعفّ عن مطاعم جمّة ... إذا زيّن الفحشاء للنفس جوعها
стр. 1157
وقال آخر
وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي البطن انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... وفي الدنيا إذا ذهب الحياء!
قال الجنيد: مرّ بى الحارث بن أسد المحاسبىّ، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت:
يا عمّ، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ قال: نعم، فدخل، وقدّمت إليه طعاما حمل إلىّ من عرس، فأخذ لقمة فلاكها ونهض فألقاها في الدّهليز ومضى، فالتقيت به بعد أيام، فقلت له في ذلك، فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلى، ولكن بينى وبين الله تعالى علامة، أن لا يسوّغنى طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم، فقدّمت إليه كسرا كانت لنا فأكل وقال: إذا قدّمت لفقير شيئا، فقدّم مثل هذا.
روى أن عمرو بن العاص قال لأصحابه يوم الحكمين: أكثروا لهم الطعام، فو الله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا؛ فلما وجد معاوية ما قال صحيحا، قال: البطنة تذهب الفطنة.
وروى أن رسول الله ﷺ قال: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشرب، فإن القلوب تموت كالزّرع إذا كثر عليه الماء» .
ودخل عمر رضى الله عنه على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا اليه، قال: ويحك! قرمت إلى شىء فأكلته، كفى بالمرء شرها أن يأكل كلّ ما يشتهى.
قال ابن دريد: العرب تعيّر بكثرة الأكل، وأنشد
لست بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوّام كنوم الفهد
стр. 1158
وقال عمر رضى الله عنه: ما اجتمع عند النبىّ ﷺ إدامان إلا أكل أحدهما وتصدّق بالآخر.
وقال أبو سليمان الدارانىّ: خير ما أكون إذا لصق بطنى بظهرى، أجوع الجوعة فأخرج تزحمنى المرأة فما ألتفت إليها، وأشبع الشّبعة فأخرج فأرى عينىّ تطمحان.
ذكر أخبار الأكلة
قد نسب ذلك إلى جماعة من الأكابر وذوى الهمم، فمن ذلك ما حكاه الحمدونىّ فى تذكرته: أن معاوية بن أبى سفيان أتى بعجل مشوىّ، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فرانىّ «١» ، وجديا حارا، وجديا باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلّاء الرطب، فأتى عليه، وقيل: إنه كان يأكل كل يوم أربع أكلات آخرهنّ أشدّهنّ، ثم يقول: يا غلام، أرفع، فو الله ما شبعت، ولكنى مللت.
ومنهم عبيد الله بن زياد، كان يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جنبة بغل، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق «٢» أو جدى فيأتى عليه وحده.
ومنهم الحجّاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنوّر، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتّى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.
ومنهم سليمان بن عبد الملك، روى أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمدّيده إلى كلّ واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدّم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا.
стр. 1159
وقال الشّمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز، فجاء حتى ألقى صدره إلى غصن، ثم قال: يا شمردل، ما عندك شىء تطعمنى؟ قلت عندى جذع تغدو عليه حافل وتروح أخرى، قال:
عجّل به، فأتيته به كأنه عكّة سمن، فجعل يأكل، وهو لا يدعو عمر، حتى بقى منه فخذ، قال: يا أبا حفص، هلمّ، قال: إنى صائم، فأتى عليه، ثم قال: يا شمردل ويلك! ما عندك شىء؟ قلت: دجاجات ست، كأنهنّ رئلان النعام، فأتيته بهنّ فأتى عليهن، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندك؟ قلت: سويق كأنه قراضة الذهب، فأتيته بعسّ «١» يغيب فيه الرأس، فشربه، فلما فرغ تجشأ كأنه صارخ في جبّ، ثم قال:
يا غلام! أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: نيّف وثمانون قدرا، قال: فأت بقدر قدر، وبقناع عليه رقاق، فأكل من كل قدر ثلاث لقم، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، فوضع الخوان، وقعد يأكل مع الناس.
ومن المشهورين بالأكل، هلال بن الأسعر المازنىّ، قال المعتمر بن سليمان:
سألته عن أكله فقال: جعت مرة ومعى بعير لى فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهرى، فلما كان الليل راودت أمة لى فلم أصل إليها، فقالت كيف تصل إلىّ وبينى وبينك جمل؟ فقلت له: كم بلّغتك هذه الأكلة؟ فقال: أربعة أيام.
وحكى أبو سعيد منصور بن الحسن الأبىّ في كتابه المترجم بنثر الدّر: أن هلالا هذا أكل بعيرا، وأكلت امرأته فصيلا وجامعها، فلم يتمكن منها، فقالت له: كيف تصل إلى وبينى وبينك بعيران؟ وله حكايات ذكرها الحمدونىّ في التذكرة، والأبىّ فى نثر الدر تركناها اختصارا.
стр. 1160
ومنهم محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس، ذكر الجاحظ: أنه أكل يوما جنبى بكر شواء بعد طعام كثير.
ومن المشهورين بالنهم، أحمد بن أبى خالد الأحول وزير المأمون، وكان المأمون إذا وجهه في حاجة، أمره أن يتغدى ويمضى فرفع إلى المأمون في المظالم:
إن رأى أمير المؤمنين أن يجرى على ابن أبى خالد نزلا، فإنّ فيه كلبية، إلا أن الكلب يحرس المنزل بكسرة، وابن أبى خالد يقتل المظلوم، ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه المأمون في كلّ يوم ألف درهم لمائدته، وكان مع ذلك يشره الى طعام الناس. ولما انصرف دينار بن عبد الله من الجبل، قال المأمون لاحمد بن أبى خالد:
امض إلى هذا الرجل وحاسبه وتقدّم إليه يحمل ما يحصل لنا عليه وأنفذ معه خادما ينهى إليه ما يكون منه، وقال: إن أكل أحمد عند دينار عاد إلينا بما نكره، ولما اتصل خبر أحمد بدينار، قال للطباخ: إن أحمد أشره من نفخ فيه الروح، فإذا رأيته فقل له: ما الذى تأمر أن يتخذ لك؟ ففعل الطباخ، فقال أحمد: فراريح كسكرية بماء الرمان تقدّم مع خبز الماء بالسميد، ثم هات بعدها ما شئت، فابتدأ الطباخ بما أمر، وأخذ أحمد يكلّم دينارا، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: إن لنا قبلك ما لا قد حبسته علينا، فقال: الذى لكم ثمانية آلاف ألف، قال فاحملها، قال: نعم، وجاء الطباخ فاستأذن في نصب المائدة، فقال أحمد: عجّل بها فإنى أجوع من كلب، فقدّمت وعليها ما اقترح، وقدّم الدجاج وعشرين فروجا كسكرية فأكل أكل جائع نهم، ما ترك شيئا مما قدّم، فلما فرغ وقدّر الطباخ أنه قد شبع، لوّح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط كأنها سبائك الفضة، فأنكر أحمد عليه إلا قدمها؟ وقال: هاتها، وأعاد أحمد الخطاب، فقال دينار: أليس قد عرفتك
следующие страницы →