← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

إلى الأمراء الذين بغزة، [من جهة الملك المنصور «١» ] ، يعدهم ويستميلهم، وعين لكل منهم قلعة. وعسكر بظاهر دمشق. فجرّد السلطان، الأمير علم الدين سنجر الحلبى، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، بالعساكر ومن معهما من مضافيهما. فاجتمعا بالأميرين عز الدين الأفرم، وبدر الدين الايدمرى ومن معهما. وساروا، والمقدم عليهم الأمير علم الدين سنجر الحلبى. وكان سنقر الأشقر، قد برز من قلعة دمشق، بعساكر الشام فى ثانى عشر صفر، سنة تسع وسبعين وستمائة، ونزل بالجسورة. ووصل العسكر المصرى إلى الكسوة. وترتبت الأطلاب وتقدمت. والتقى العسكران بالجسورة، فى خامس عشر الشهر. وعند اللقاء انهزم عسكر حماه والعسكر الحلبى. وانحاز جماعة من الشاميين إلى العسكر المصرى. وحمل [سنجر «٢» ] الحلبى على سنقر الأشقر، فانهزم لوقته. وصحبه من الأمراء الأخصاء به، الأمير عز الدين ازدمر الحاج، والأمير علاء الدين الكبكى، والأمير شمس الدين قرا سنقر المعزى، والأمير سيف الدين بلبان الحبيشى «٣» . وكان [سنقر الأشقر» ] ، من عشية يوم الجمعة، ثالث عشر صفر، قد جهز أولاده وحريمه وحواصله إلى صهيون. فلما انهزم توجه به العرب إلى الرحبة «٥» ، وكان من خبره ما نذكره.

стр. 12077

قال: ولما انهزم سنقر الأشقر غلقت أبواب المدينة «١» ، مخافة أن ينهبها العسكر المصرى. وامتنعت القلعة أيضا. ونزل الأمير علم الدين الحلبى بالقصر الأبلق، بالميدان الأخضر، وبات العسكر حوله إلى اليوم الثانى. فجاء الأمير سيف الدين الجو كندار «٢» ، وهو نائب القلعة، من جهة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، إلى الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، والأمير حسام الدين لاجين المنصورى، والصاحب تقى الدين توبة، وهم فى الاعتقال بالقلعة، وحلّفهم أنهم لا يؤذونه إذا أخرجهم، ولا يؤذون أحدا من مستخدمى «٣» القلعة، وأمنوا الناس. وكان الأمير علم الدين [الحلبى «٤» ] قد نادى ظاهر دمشق بالأمان، ثم فتح الأمير حسام الدين لاجين [المنصورى «٥» ] باب الفرج، ووقف عليه، ومنع العسكر المصرى من الدخول إلى المدينة خوفا أن يشعثوا «٦» . ثم نودى بإطابة قلوب الناس، وأمر بالزينة ودق البشائر. وكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبى، إلى السلطان بالنصر. وسير الأمراء الذين قبض عليهم، فأحسن إليهم، ولم يؤاخذهم. وتوجه بالبشائر إلى السلطان

стр. 12078

الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، فأنعم السلطان عليه. وأمرّه بعشرة طواشية «١» . ثم كان من أمر دمشق وأخبار أهلها، وما استقر من أمر النيابة بها، ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى حوادث السنين. ذكر توجه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون وتحصنه بقلعتها قال: لما انهزم الأمير شمس الدين المشار إليه، من دمشق، كما تقدم توجه إلى الرحبة، ففارقه أكثر من كان معه، وامتنع الأمير موفق الدين خضر الرحبى، النائب بقلعة الرحبة، من تسليمها إليه. فعند ذلك كاتب أبغا بن هولاكو «٢» ، ملك التتار، يعرفه بما وقع بين العساكر الإسلامية من الاختلاف، وحثه على قصد البلاد بجيوشه، ووعده الانحياز «٣» إليه، والإعانة والمساعدة على ذلك وكتب إليه «٤» ، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، بمثل ذلك وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: وكان سنقر الأشقر، لما تغلب على الشام، كاتب نواب القلاع.

стр. 12079

فمنهم من أطاعه، ومنهم من امتنع عليه. وكان ممن أطاعه، نائب صهيون وبرزية «١» وبلاطلس والشغر «٢» وبكأس، وشيزر وعكار «٣» وحمص. فلما انهزم [سنقر الأشقر «٤» ] ، جرّد السلطان خلفه جيشا صحبة الأمير حسام الدين [ايتمش «٥» ] بن أطلس خان. فبادر هو، وعيسى بن مهنا، بالهرب إلى صهيون، وذلك فى جمادى الأولى «٦» من السنة المذكورة. وعاد ابن أطلس خان ومن معه، واستمر سنقر الأشقر بصهيون. ذكر انتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور، وبين سنقر الاشقر، وما استقر بينهما، وانتقاض ذلك، وأخذ صهيون منه وفى سنة ثمانين وستمائة، انتظم الصلح بين السلطان الملك المنصور، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر. وذلك أن السلطان جرّد الأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدى «٧» الشمسى إلى شيزر، فترددت الرسائل بين السلطان وبين سنقر الأشقر، وطلب منه تسليم شيزر، فطلب منه الشغر وبكأس،

стр. 12080

وكانتا قد أخذنا منه، وطلب معهما [فامية «١» ] ؛ وكفر طاب [وأنطاكية «٢» ] وبلادها، فأجيب إلى ذلك. وتقرر أن يقيم [شمس الدين سنقر الأشقر «٣» ] ، على هذه البلاد، [وعلى ما بيده قبل ذلك من البلاد، وهى صهيون وبلاطلس واللاذقية «٤» ] بستمائة «٥» فارس، لنصرة الإسلام، وإن الأمراء الذين معه، إن أقاموا عنده، يكونون من أمرائه، وإن حضروا إلى السلطان يكونون آمنين، ولا يؤاخذون. وحضر عنده الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، بنسخة اليمين على ما تقرر، فحلف السلطان على ذلك. وكتب له تقليدا بالبلاد، وسأل [سنقر الأشقر «٦» ] ، أن ينعت بلفظ الملك، فما أجاب السلطان إلى ذلك، ونعت بالإمرة. وسير السلطان، الأمير فخر الدين [أباز «٧» ] المقرى [الحاجب «٨» ] فحلّفه، وسير إليه السلطان من الأقمشة والأوانى والأنعام شيئا كثيرا. وانتظم الصلح والاتفاق.

стр. 12081

وحضر مع السلطان فى مصاف «١» حمص، وعاد إلى صهيون على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ واستمر ذلك إلى سنة أربع وثمانين وستمائة. فلما حضر السلطان لحصار المرقب، وهى بالقرب من صهيون، لم يحضر الأمير شمس الدين إلى خدمة السلطان. فتنكر السلطان لذلك، وحنق [عليه «٢» ] بسببه. وأرسل سنقر الأشقر ولده ناصر الدين صمغار إلى خدمة السلطان يتلافى ذلك، فمنعه السلطان من العود إلى والده. واستمر إلى سنة ست وثمانين وستمائة. فجرد السلطان نائبه [بالديار المصرية «٣» ] ، الأمير حسام الدين طرنطاى، إلى صهيون، فى جماعة كثيرة من العساكر، فنازلها، وراسله فى تسليمها، وذكر له مواعيد السلطان له. فامتنع من ذلك، فضايقه، ونصب المجانيق حتى أشرف على أخذ حصن صهيون عنوة. فلما رأى [الأمير شمس الدين سنقر الأشقر «٤» ] ذلك، أرسل فى طلب الأمان والأيمان. فحلف له الأمير حسام الدين طرنطاى، إن السلطان لا يضمر له سوءا. فنزل إلى الأمير حسام، وسلّم إليه الحصن. فأخبرنى «٥» من ذكر أنه شهد كيف كان نزوله إليه، وما عامل كل منهما الآخر به،

стр. 12082

فقال: بينما الأمير حسام الدين جالس فى خيمته، إذ قيل له، هذا الأمير شمس الدين قد جاء. فوئب وأسرع المشى، وخرج إليه وتلقاه، فترجل الأمير شمس الدين. وخلع الأمير حسام الدين قباء كان عليه، وبسطه على الأرض، ليمشى الأمير شمس الدين عليه. فرفعه الأمير شمس الدين عن الأرض، وقبّله ولبسه. فأعظم الأمير حسام الدين طرنطاى ذلك، وعامل الأمير شمس الدين بأتّم الخدمة وغاية الأدب. ورتّب فى الحصن تائبا وواليا ورجّاله. وسار هو والأمير شمس الدين إلى الديار المصرية. فلما قرب من قلعة الجبل، ركب السلطان وولداه الملك الصالح علاء الدين على، والملك الأشرف صلاح الدين خليل، وأولاد الملك الظاهر، والعساكر. وتلقاه الأمير شمس الدين وتعانقا، وطلعا إلى القلعة، وحمل السلطان إليه الخلع والأقمشة والحوائص الذهب والتحف، وساق إليه الخيول، وأمّره بمائة فارس، وقدّمه على ألف. واستمر فى الخدمة السلطانية، من أكابر أمراء الدولة. فهذا ما اتفق له، فى خروجه وعوده على سبيل الاختصار. ثم كان من أخباره بعد ذلك، ما نذكره إن شاء الله تعالى فى مواضعه. فلنذكر حال الملك السعيد وأخيه المسعود. ذكر خبر الملك السعيد وما كان من أمره بالكرك واستيلائه على الشوبك واستعادتها منه . قال المؤرخ «١» : لما توجه الملك السعيد إلى الكرك، كان السلطان الملك

стр. 12083

المنصور، قد شرط عليه، أنه لا يكاتب الأمراء، ولا يفسد العساكر، ولا يتطرق إلى غير الكرك. فلما استقر بها حركه مماليكه، وحسنوا له التطرق إلى الحصون وأخذها، أولا فأولا، فوافقهم على ذلك. وكاتب النواب وسير الأمير حسام الدين لاجين، رأس نوبة الجمدارية، إلى الشوبك، فتغلب عليها، وأقام بها. فكاتبه السلطان الملك المنصور، ونهاه فلم ينته، فجرد الأمير بدر الدين بيليك الايدمرى إلى الشوبك، فنزل عليها، وضايق أهلها، وتسلمها فى العاشر من ذى القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، ورتب بها نائبا وعاد عنها. ذكر وفاة الملك السعيد، وقيام أخيه الملك المسعود خضر مقامه بالكرك . قال «١» : وفى سنة ثمان وسبعين وستمائة، ركب الملك السعيد، إلى الميدان بالكرك، ولعب بالكرة، فتقنطر عن فرسه، فصدع وحمّ [أياما قلائل «٢» ] ، فمات. وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، فى ثالث عشر ذى القعدة، من السنة. وعمل السلطان الملك المنصور له عزاء، بقلعة الجبل، فى الثانى والعشرين من الشهر. وحضره وعليه ثياب البياض، وحضر الأمراء والقضاة والعلماء، والوعاظ. ولما توفى صبّر، ووضع فى تابوت مدة، ثم حمل إلى التربة الظاهرية بدمشق، وذلك فى سنة ثمانين وستمائة، ووصلت والدته إليها فى ثامن

стр. 12084

عشرين شهر ربيع الآخر، والسلطان الملك المنصور يوم ذاك بالشام. فادخل التربة الظاهرية ليلا فى تابوت، ولم يدخلوا به من باب المدينة، وإنما رفعوا تابوته من أعلا السور، ودلّوه من الجانب الآخر، ووضع فى قبره، وألحده القاضى عز الدين بن الصائغ، كما ألحد والده. وحضر السلطان الملك المنصور فى بكرة دفنه إلى التربة الظاهرية، ومعه القضاة والعلماء والقراء والوعاظ، وأظهر الحزن عليه، وذلك فى سلخ شهر ربيع الآخر «١» . ومولده بمنزلة العش «٢» ، من ضواحى القاهرة، فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة. قال «٣» : وكان الملك السعيد، لما استقر بالكرك، رتب فى النيابة بها الأمير علاء الدين ايدغدى الحرانى الظاهرى، لما فارقه الأمير علاء الدين الفخرى النائب بها إلى الديار المصرية. فلما مات اتفق [نائبه الأمير علاء الدين ايدغدى] الحرانى «٤» ومن معه، وأقاموا أخاه خضرا مقامه، ولقب بالملك المسعود. فشرع المماليك، الذين حول الملك المسعود نجم الدين خضر، فى سوء التدبير، ففرقوا أموال الذخائر «٥» ، وأرادوا أن يستجلبوا بها الناس، وانضم إليه كل من قطع رزقه. وتوجه منهم جماعة إلى الصلت فاستولوا عليها،

стр. 12085

وأرسلوا إلى صرخد، وقصدوا الاستيلاء عليها، فعجزوا عن ذلك. وشرعوا فى استفساد الناس، وتسامع بهم العربان والطماعة، أنهم يبذلون الأموال، فقصدوهم من كل الجهات، وهم يبذلون الأموال لمن يقصدهم ويصل إليهم. فكان جماعة من العربان وغيرهم يقصدونهم من أطراف البلاد، ويجتمعون ويحضرون إلى الملك المسعود، ويبذلون له الطاعة، ويتقربون إليه بالنصيحة. فإذا وثق بهم، وأنفق فيهم الأموال، وحصلوا عليها، وبلغوا الغرض مما راموه تسللوا وفارقوه، وعادوا من حيث جاءوا وتفرقت جماعاتهم. وهو ومن عنده لا يرجعون عن بذل المال لمن يصل إليهم، إلى أن فنيت أكثر تلك الذخائر، التى كانت بالكرك، التى حصنها السلطان الملك الظاهر، وجعلها بهذا الحصن ذخيرة لأوقات الشدائد، فنفقوها فيما لا أجدى نفعا، بل جلب ضررا، وغلّت الخواطر. ثم كانبوا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر [نائب السلطنة بدمشق «١» ] فى الموافقة [معهم «٢» ] . واتصل ذلك بالسلطان، فجرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى الكرك على سبيل الإرهاب. وكان بينه وبين الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ما قدمناه «٣» ذكر الصلح بين السلطان والملك المسعود وانتقاض ذلك وإخراجه من الكرك . وفى سنة ثمانين وستمائة، وردت رسل الملك المسعود إلى السلطان فى طلب الصلح، والزيادة على الكرك، وأن يكون له ما كان للناصر داود، فلم يجبه

стр. 12086

السلطان إلى ذلك، ولا إلى إقامته بالكرك بالأصالة. وترددت رسائله إلى السلطان، وسأل أن يقر بيده الكرك وأعمالها من حد الموجب «١» إلى الحسا «٢» . فأجابهم السلطان، وحلف لهم، والتمسوا شروطا: منها تجهيز الإخوة الذكور والإناث، أولاد الملك الظاهر إلى الكرك، وردّ الأملاك الظاهرية عليهم، وتمّ الصلح وحلف السلطان عليه. وتوجه الأمير بدر الدين بيليك المحسنى السلاح دار، والقاضى تاج الدين ابن الأثير، إلى الكرك، وحلفا الملك المسعود. وكوتب من ديوان الإنشاء، كما يكانب صاحب حماه، واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين وثمانين [وستمائة «٣» ] ، فبلغ السلطان أنهم نقضوا ما كان قد تقرر. وحضر الأمير علاء الدين ايدغدى الحرانى، نائب الملك المسعود بالكرك، وأنهى إلى السلطان ما اعتمدوه، مما يغلّت الخواطر. فكتب السلطان إلى الملك المسعود ومن معه ينهاهم عن ذلك، فلم ينتهوا. فجرد إلى الكرك فى هذه السنة «٤» الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، وأمره بمراسلتهم، فراسلهم، فلم يرجعوا عن اعتمادهم، فضايق الكرك، ورعت خيول العسكر تلك الزراعات كلها، ثم عاد عن الكرك. وتراخى الأمر، واستمر الملك المسعود بالكرك إلى سنة خمس وثمانين وستمائة. فجرد السلطان الملك المنصور، الأمير حسام الدين طرنطاى، نائب السلطنة،

стр. 12087

بجيش كثيف، وأمره بمنازلة الكرك ومحاصرتها «١» فتوجه إليها، وأحضر آلات الحصار، من الحصون الإسلامية، وضايقها وقطع الميرة عنها. واستدعى بعض الرّجالة «٢» ، وأحسن إليهم، فوافقوه «٣» على الملك المسعود. فلما رأى الملك مسعود نجم الدين خضر، وأخوه بدر الدين سلامش الحال على ذلك، أرسل الملك المسعود إلى الأمير حسام الدين طرنطاى، فى طلب الأمان، فأمنّه عن السلطان. فقال لا بد من أمان السلطان وخاتمه. وفطالع الأمير حسام الدين السلطان بذلك، فأرسل السلطان بأمانه الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصورى، فاجتمع بهما، وأبلغهما أمان السلطان، فنزلا من قلعة الكرك، إلى الأمير حسام الدين طرنطاى، وذلك فى صفر سنة خمس وثمانين [وستمائة «٤» ] . فرتب الأمير حسام الدين، عز الدين أيبك الموصلى المنصورى، فى نيابة السلطنة بالشوبك منذ استعيدت من الملك السعيد. ورحل الأمير حسام الدين طرنطاى، وولدا الملك الظاهر صحبته، فلما وصلوا إلى الديار المصرية، وقربوا من قلعة الجبل، ركب السلطان، وتلقاهما وأقبل عليهما، وطلعا إلى القلعة، وذلك فى يوم الثلاثاء ثانى عشر ربيع الأول. وأمّر كلا منهما [إمرة «٥» ] مائة فارس. واستمرا يركبان معه فى الموكب والميدان، ونزّلهما «٦» منزلة أولاده. ثم بلغه عنهما ما تنكر له، فقبض عليهما واعتقلهما، وبقيا فى الاعتقال فى أيام السلطان الملك الأشرف، فسيرهما إلى القسطنطينية.

стр. 12088

هذا ما كان من أخبار هؤلاء المناوئين فى الملك، فلنذكر الفتوحات والغزوات، ونوردها فى الترتيب، على حكم السنين، إن شاء الله تعالى. ذكر الفتوحات والغزوات التى شهدها السلطان بنفسه، والتى ندب إليها عساكره المؤيدة ذكر «١» عبور التتار إلى الشام، والمصاف الذى وقع بينهم وبين العساكر المنصورة، بحمص وانهزام التتار. قال المؤرخ «٢» : وفى سنة ثمانين وستمائة، وردت الأخبار بدخول منكوتمر «٣» ، إلى بلاد الروم، بعساكر المغل، وأنه نزل بين قيسارية وابلستين، فتوجه كشافة من عين تاب، فوقعوا بفرقة من التتار بالقرب من صحراء هوتى «٤» ، الذى كسر الملك الظاهر التتار عليها. فظفروا منهم بإنسان يسمى حلتار بهادر «٥» [أمير «٦» ] آخور أبغا ابن هولاكو، كان قد توجه لكشف المروج، فأمسكوه وأحضروه إلى السلطان

стр. 12089

إلى دمشق. فوانسه السلطان، وسأله عن الأخبار، فذكر أنهم فى عدد كثير يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل، وعزمهم أنهم يقصدون البلاد، قولا جزما، ويركبون من منزلتهم أول شهر رجب. ثم ورد الخبر فى جمادى الآخرة، أنهم ركبوا من منزلتهم، وأنهم يسيرون برفق، وأن فرقة منهم توجهت صحبة أبغا إلى الرحبة، ومعه صاحب ماردين، فسير السلطان كشافة إلى الرحبة، صحبة بجكا «١» العلائى. وركب السلطان من دمشق، ووصل العدو المخذول إلى صوب حارم. وراسل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر عدة مراسلات، إلى أن تقرر أنه ينزل من صهيون بمن معه للغزاة، بشرط أن يعود إليها، إذا انقضى المصاف. فنزل ووافى السلطان على حمص، هو ومن كان عنده من الأمراء، وهم ايتمش السعدى، وازدمر الحاج، وسنجر الداوادارى، وبجق البغدادى، وكراى، وشمس الدين الطنطاش وابنه، ومن معهم من الظاهرية. ففرح المسلمون بحضورهم، وكان ذلك قبل المصاف بيومين. ثم ورد الخبر أن منكوتمر على حماه بعساكر التتار، فى ثمانين ألف، منهم خمسون ألف من المغل، وبقيتهم مرتدة «٢» وكرج وروم وأرمن «٣» وفرنج، وأنه نفر

стр. 12090

إليهم مملوك من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الصالحى الجالق، ودلّهم على عورات المسلمين وأخبرهم بعددهم. ورحلوا ليلة الحميس عن حماه، ورتبوا جيشهم. فكان طرف ميمنتهم حماه، وطرف ميسرتهم [ «١» ] ، وساقوا طالبين اللقاء، والمقدم عليهم من قبل أبغا، منكوتمر [بن «٢» ] هولاكو، أخو أبغا. ورتب السلطان الملك المنصور عساكره، وبات المسلمون على ظهور خيولهم. واتفق أن شخصا من عسكر التتار، دخل حماه، وقال للنائب بها: «اكتب الساعة إلى السلطان، على جناح طائر، وعرفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل فى القلب، منهم أربعة وأربعون ألف من المغل وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جدا، فتقوى ميسرة المسلمين، وتحترز على الصناجق» . فكتب النائب بذلك إلى السلطان. فلما قرأ الكتاب ركب عند إسفار الصباح، فى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، سنة ثمانين وستمائة، وهو يوم اللقاء. ورتب العساكر المنصورة الإسلامية، على ما نذكره، بمقتضى ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصورى فى تاريخه «٣» وهو:

стр. 12091

الميمنة المنصورة «١» ، فيها الملك المنصور صاحب حماه، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى والأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدى «٢» الشمسى ومضافوهم «٣» ، والأمير حسام الدين لاجين نائب الشام والعسكر الشامى. وفى رأس الميمنة الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا وآل فضل وآل مرى، وعربان الشام، ومن انضم إليهم. الميسرة المباركة، فيها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمرى، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الحلبى، والأمير بجكا العلائى، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والأمير سيف الدين خبرك «٤» التترى، ومن معهم من المضافين. وفى رأس الميسرة التركمان بجموعهم وعسكر حصن الأكراد. ذكر الجاليش وهو مقدمة القلب «٥» ، فيه الأمير حسام الدين طرنطاى، نائب السلطنة، ومن معه من مضافيه، والأمير ركن الدين اياجى «٦» الحاجب، والأمير

стр. 12092

بدر الدين بكتاش بن كرمون، ومن معهم من المماليك السلطانية. ووقف السلطان تحت الصناجق، وحوله مماليكه وألزامه وأرباب الوظائف. وأشرفت كراديس النتار. وكان الملتقى بوطأة حمص، بالقرب من مشهد خالد بن الوليد. فالتقى الجمعان، فى الساعة الرابعة، من نهار الخميس، وجاءت ميسرة العدو، تجاه الميمنة الإسلامية، وصدموا «١» الصدمة الأولى، فثبت المسلمون، وانكسرت ميسرة التتار كسرة تامة، وانتهت إلى القلب الذى للتتار، وبه منكوتمر. وأما الميسرة الإسلامية، فصدمتها ميمنة التتار، فلم تثبت لترادف كراديسهم. وساق التتار وراء المسلمين، حتى انتهوا إلى تحت حمص. ووقعوا فى السوقة والعوام، فقتلوا منهم خلقا كثيرا. ولم تعلم المسلمون ما تهيأ للميمنة من النصر، ولا علم التتار ما أصاب ميسرتهم. فاستقل بعض من انهزم إلى دمشق، وبعضهم إلى قرب صفد. ومنهم من وصل غزة. ولما رأى التتار، أنهم قد استظهروا، نزلوا «٢» عن خيولهم فى المرج الذى عند حمص، وأكلوا الطعام، ونهبوا الأثقال «٣» والوطاقات «٤» ، والخزانة. وانتظروا

стр. 12093

قدوم بقيتهم، فلما ابطأوا عنهم، أرسلوا من يكشف خبرهم، فعاد الكشافة وأخبروهم [أن «١» ] منكوتمر هرب، فركبوا خيولهم، وكروا راجعين. هذا والسلطان ثابت فى موقفه، فى نفر يسير من المماليك، والعساكر قد تفرقت، منهم من تبع التتار الذين انهزموا، ومنهم من استمر به الهرب. فلما رجعت ميمنة التتار، أمر السلطان أن تلف الصناجق، وتبطل الكوسات «٢» ، فمروا ولم يقدموا عليه. وأخذوا على طريق الرستن، ليلحقوا بأصحابهم. [وعند ما تقدموه قليلا، ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شىء. وكان ذلك تمام النصر، وهو عند غروب الشمس من يوم الخميس. ومرّ هؤلاء المنهزمون من التتار نحو الجبل، يريدون منكوتمر. وكان ذلك من تمام نعمة الله على المسلمين وإلا لو قدر الله أنهم رجعوا على المسلمين، لما وجدوا فيهم قوة. ولكن الله نصر دينه، وهزم عدوه مع قوتهم وكثرتهم. وانجلت هذه الواقعة عن قتلى كثيرة من التتر لا يحصى عددهم] «٣» . وكتبت البطائق بالنصر. وعاد السلطان من يومه إلى المنزلة، [بعد انفصال الحرب «٤» ] . وكان قد فرق ما بالخزانة من الذهب، فى أوساط مماليكه، فسلم بجملته. وباب السلطان بالمنزلة ليلة الجمعة. فلما كان عند السحر، ثار صياح بالوطاقات، فظن الناس عود العدو، فركب السلطان ومعه من وكان بالوطاقات، فانكشف الخبر بعد

стр. 12094

ساعة، أن جماعة من العسكر، الذين تبعوا التتار عند الهزيمة رجعوا. وقتل من التتار فى الهزيمة، أكثر من الذين قتلوا فى المصاف، واختفت منهم طائفة بجانب «١» الفرات. فأمر السلطان أن تضرم النيران بالأزوار «٢» التى على الفرات، فأحرق أكثر من اختفى فيها. وهلكت فرقة منهم، كانوا سلكوادرب سلمية. ولما وصلت البطائق إلى الرحبة، بخبر النصر وهزيمة التتار، كان أبغا ملك التتار يحاصرها، فدقت البشائر، وأعلن الناس بالنصر، ففارقها أبغا وتوجه إلى بغداد. وعاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون. ورجع إلى الخدمة السلطانية ممن كان معه، ايتمش السعدى، وسنجر الداوادارى وكراى التتارى وولده، وتماجى «٣» ، وجماعة من الأمراء الذين كانوا عنده. وعاد السلطان إلى دمشق، فكان وصوله إليها، فى يوم الجمعة ثانى عشر شهر رجب الفرد. وامتدحه الشعراء، وأكثروا المدائح والهناء بهذا النصر. وخرج السلطان من دمشق، عائدا إلى الديار المصرية، فى يوم الأحد ثانى شعبان. وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر، فزينت له المدينة. ودخل، وبين يديه الأسرى، وبعضهم يحمل صناجقهم المكسورة وطبولهم. وخلع السلطان على الأمراء والأكابر.

стр. 12095

واستشهد فى هذه الواقعة من الأمراء من نذكر: منهم الأمير عز الدين ازدمر الحاج. وهو الذى جرح منكوتمر، وكان من أعيان الأمراء، وكانت نفسه تحدثه أنه يملك. والأمير بدر الدين بكتوت [الخازندار، والأمير سيف الدين بلبان الرومى الداوادار الظاهرى، والأمير شهاب الدين توتل «١» ] الشهرزورى، رحمهم الله تعالى. هذا ما كان من خبر هذه الواقعة. ذكر فتوح قلعة قطيبا «٢» وهذه القلعة كانت فى الزمن الأول محسوبة فى جملة قلعة آمد، ثم صارت فى يد ملك الروم، وصارت فى يد العدو المخذول [من «٣» ] التتار، وفيها نوابهم. وكانت مضرّة بقلعة كركر والثغور المجاورة لها، وما كان يمكن أخذها بحصار، فتلطف النواب، واستمالوا من كان بها. فلما كان فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة. خلت هذه القلعة من الغلال. فجرد السلطان إليها رجالة كركر، فضايقوها. فسأل «٤» أهلها مراحم «٥» السلطان فأجيبوا إلى ملتمسهم. وتسلمها نواب السلطان، وأحضروا إليها جماعة من الرجالة من

стр. 12096

قلعة البيرة وعين تاب والروندان. وجعل فيها ما يحتاج إليه من الغلال والسلاح والعدد. وصارت من حصون الإسلام المنيعة. ذكر فتوح ثعز الكختا وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضا، فتحت قلعة الكختا. وهى من أمنع الحصون وأعلاها وأتقنها بنية «١» . فاجتهد السلطان فى تحصيلها وإضافتها إلى الحصون الإسلامية. ووعد من بها المواعيد الجميلة. فأجابوا بالسمع والطاعة. وقتلوا النائب بها، وهو الشجاع موسى. وراسلوا نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية، وبذلوا تسليم القلعة. فجهز إليهم الأمير جمال الدين الصرصرى «٢» ، والأمير ركن الدين بيبرس السلاح دار، والأمير شمس الدين أقش الشمسى العينتابى، ومن معهم. فتسلموا الحصن، وحلفّوا من به للسلطان ولولده الملك الصالح، والبسوهم التشاريف، ثم جهزوا من كان بها، طائفة بعد أخرى إلى الأبواب الشريفة السلطانية. فأحسن السلطان إليهم، وأقطع منهم من يستحق الإقطاع، وجهزت إليها الزردخانات، وآلات الحصار، واستقرت فى جملة الحصون الإسلامية. وصارت هذه القلعة شجىّ فى حلق الأرمن، وحصل الاستظهار بها على الغارات. وذكر الإغارة على بلاد سيس وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضا، كتب السلطان إلى نائب السلطنة

стр. 12097

بالمملكة الحلبية، أن يوجه من يغير «١» على بلاد سيس، بسبب ما كان الأرمن اعتمدوه، من إحراق جامع حلب، لما جاءوا صحبة التتار. وجرد السلطان عسكرا من الديار المصربة، ومن عسكر الشام لذلك. فتوجهوا وأغاروا، ووصلوا إلى مدينة أياس، فقتلوا من أهلها جماعة، ونهبوا وخربوا. فلما عادوا ووصلوا إلى باب اسكندرونه، أتاهم عسكر الأرمن فاقتتلوا. فانهزم الأرمن، وتبعهم العسكر إلى تل حمدون، واقتلعوا جماعة من خيالتهم، وعاد العسكر الإسلامى بالظفر والغنيمة. ذكر فتوح حصن المرقب وفى سنة أربع وثمانين وستمائة، توجه السلطان الملك المنصور إلى المرقب، ونازله فى أوائل شهر ربيع الأول. وذلك أن أهله فعلوا ما يوجب نقض الهدنة، التى كانت حصلت بينهم وبين السلطان، على ما نذكرها فى حوادث السنين، ولم يتفقوا عند شروطها. فحاصر السلطان الحصن، وعملت النقوب، وأشرفت الفرنج على أنه يفتح عنوة. فطلبوا الأمان، وسلموا الحصن. فتسلمه السلطان، وذلك فى الساعة الثامنة من نهار الجمعة سابع «٢» عشر شهر ربيع الأول. وكان هذا الحصن لبيت الاسبتار، وجهز أهله إلى طرابلس. ذكر غزوتى النوبة الأولى والثانية كانت الغزوة الأولى فى سنة ست وثمانين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك المنصور، جهز الأمير علم الدين سنجر المسرورى، المعروف بالخياط، متولى

стр. 12098

القاهرة والأمير عز الدين الكورانى، وجماعة من أجناد الولايات، بالوجه القبلى والقراغلامية «١» . وجرد الأمير عز الدين أيدمر السيفى، السلاح دار، متولى الأعمال القوصية، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية، المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليلم وهم: أولاد أبى بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنز، وجماعة من العربان الريسية «٢» وبنى هلال. فتوجه الأمير علم الدين الخياط بنصف الجيش من البر الغربى. وتوجه الأمير عز الدين ايدمر بالنصف الثانى من البر الشرقى، وهو الجانب الذى فيه مدينة دنقلة. وكان متملك النوبة فى ذلك الوقت اسمه سمامون «٣» ، وكان ذادهاء ومكر وبأس، بالنسبة إلى أمثاله. فلما وصل الجيش إلى أطراف البلاد، أخلا سمامون البلاد، وأرسل إلى نائبه بجزائر ميكائيل وعمل «٤» الدّر، وهو جريس «٥» - ويسمى من يتولى هذه الولاية، عند النوبة، صاحب الجبل «٦» - فأمره بإخلاء البلاد التى تحت يده أمام الجيش. فكانوا يرحلون أمام الجيش منزلة بمنزلة، إلى أن انتهوا إلى متملك النوبة بدنقلة.

стр. 12099

فأقام بها إلى حيث وصل الأمير عز الدين ومن معه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سمامون، وقتل من أصحابه خلق كثير. واستشهد من المسلمين أناس قلائل. ولما انهزم [سمامون «١» ] ، تبعه الجيش إلى مسيرة «٢» خمسة عشر يوما من دنقلة، فادركوا جريس، فأخذوه، وأخذوا ابن خاله متملك النوبة، وهو من أعيان أصحابه، وممن «٣» يرجع إليه الملك. فرتب الأمير عز الدين، ابن أخت الملك ملكا، ورتب جريس فى النياية عنه، وجرد معهما جماعة من العسكر، وقدر «٤» عليهما قطيعة، يحملونها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة. وعاد الجيش [بعد أن «٥» ] غنموا غنائم كثيرة من الرقيق، والخيل، والجمال، والأبقار، والأكسية. ولما فارق الجيش النوبة وعاد، وتحقق سمامون عودهم، رجع إلى دنقلة، وقاتل من بها، وهزمهم واستعاد البلاد. فحضر الملك المستجد وجريس، ومن كان معهما من العسكر المجرد، إلى الأبواب السلطانية، وأنهوا ما اتفق من سمامون. فغضب السلطان لذلك، وجرد جيشا كثيفا. ذكر تجريد الجيش فى المرة الثانية إلى النوبة قال «٦» : وجرد السلطان الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار إلى

стр. 12100

النوبة، وصحبته من الأمراء، الأمير سيف الدين قبجق المنصورى، والأمير سيف الدين بكتمر الجو كندار، والأمير عز الدين أيدمر، متولى الأعمال القوصية. وجرد أيضا من أطلاب «١» الأمراء، من نذكر: طلب الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، وطلب الأمير بدر الدين بيدرا، وطلب الأمير سيف الدين بهادر، رأس نوبة الجمدارية، وطلب الأمير علاء الدين الطيبرس، وطلب الأمير شمس الدين سنقر الطويل. وسار أجناد المراكز بالوجه القبلى، ونواب الولاة من العربان بالديار المصرية، من الوجهين القبلى والبحرى، وعدتهم أربعون ألف راجل. وجهز معهم متملك النوبة، ونائبه جريس. وكان توجه الجيش من الأبواب السلطانية، فى يوم الثلاثاء، [ثا «٢» ] من شوال، سنة ثمان وثمانين. وصحب هذا الجيش من الحراريق والمراكب الكبار والصغار، لحمل الأذواد، والزردخاناة والأثقال، ما يزيد على خمسمائة مركب. ولما وصل العسكر إلى ثغر أسوان، مات متملك النوبة، فدفن بأسوان. وطالع الأمير عز الدين الأفرم [السلطان «٣» ] بذلك. فأرسل إليه، من أولاد أخت الملك داود رجلا، كان بالأبواب السلطانية. ورسم له أن يملّكه

стр. 12101

بالنوبة، فأدركهم على خيل البريد، قبل رحيل العسكر من أسوان. ولما وصل إليهم أنفسهم العسكر نصفين على العادة. فكان الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق «١» ، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الغربى، والأمير عز الدين أيدمر، متولى الأعمال القوصية، والأمير سيف الدين بكتمر الجو كندار، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الشرقى. وتوجهوا ورسموا الجريس نائب النوبة أن يتقدمهم، منزلة بمنزلة، ومعه أولاد الكنز، أمراء أسوان، ليطمئنوا أهل البلاد ويؤمنوهم «٢» ، ويجهزوا الإقامات للعسكر. فكان الجيش إذا وافى بلدا، خرج من بها من المشايخ وأعيانها، وقبلوا الأرض بين يدى الأمراء، وأخذوا أمانا واستقروا ببلدهم، وذلك من الدّو إلى جزائر ميكائيل، وهى البلاد التى كانت تحت يد جريس، صاحب الجبل «٣» . وأما ما عدا ذلك من البلاد، التى لم يكن لجريس عليها ولاية، فإنها أخليت «٤» ، طاعة لمتملك النوبة. فكان العسكر ينهب ما يجده بها، ويقتل من تخلف من أهلها بها، ويرعون «٥» زروعهم، ويحرقون «٦» سواقيهم ومساكنهم، إلى أن انتهوا إلى مدينة دنقلة. فوجدوا الملك قد أخلاها، وأجلى أهلها، ولم يجد الأمراء بها إلا شيخا كبيرا وعجوزا. فسألوهما عن أخبار الملك، فذكرا أنه توجه إلى جزيرة وسطى، فى بحر النيل، مسافتها من دنقلة خمسة عشر يوما. واتساع هذه الجزيرة

стр. 12102

مسافة ثلاثة أيام طولا. فتبعهم الأمير عز الدين ومن معه إلى الجزيرة المذكورة ولم يصحبهم حراق ولا مركب، لتوعر البحر بالأحجار. فلما انتهوا إلى قبالة الجزيرة، شاهدوا بها عدة من مراكب النوبة، وجمعا كثيرا. فسألوهم عن الملك، فأخبروهم أنه بالجزيرة المذكورة، فعرضوا عليه الدخول فى الطاعة والحضور، وبذلوا له الأمان، فأبى ذلك. فأقام العسكر ثلاثة أيام، وأو هموه «١» أنهم أرسلوا يطلبون المراكب والحراريق، ويعدون إليه ويقاتلونه. فانهزم من الجزيرة إلى جهة الأبواب، وهى مسافة ثلاثة أيام من الجزيرة، وليست داخلة فى مملكته. ففارقه من كان معه من السواكرة «٢» ، وهم الأمراء، وفارقه أيضا الأسقف والقسوس، ومعه الصليب الفضة، الذى يحمل على رأس الملك، وتاج المملكة، وطلبوا الأمان، ودخلوا تحت الطاعة. فأمنهم عز الدين المتولى، وخلع على أكابرهم، ورجعوا معه إلى دنقلة، وهم فى جمع كثير. ولما وصلوا إليها، عدّى الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق، إلى البر الشرقى، دون من معهما من العساكر. واجتمع الأمراء بدنقلة، ولبست العساكر آلة الحرب، وطلّبوا من الجانبين وزينت الحراريق فى البحر. ولعب الزارقون بالنفط، ومدّ [الأمراء «٣» ] الأخوان [السماط «٤» ] فى كنيسة أسوس «٥» ، وهى أكبر كنيسة بدنقلة. فلما أكلوا الطعام، ملّكوا الملك الواصل من الأبواب السلطانية. والبسوه التاج،

стр. 12103

وحّلفوه للسلطان. وحّلفوا له أهل البلاد. وتقرر عليه البقط «١» المستقر أولا، والبقط هو المقرر. وجرّد عنده طائفة من العسكر «٢» . وقدّم عليهم ركن الدين بيبرس العزى، أحد مماليك الأمير عز الدين متولى قوص. وعاد العسكر، وكان وصوله إلى القاهرة فى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، وكانت مدة غيبته منذ خرج من ثغر أسوان، إلى أن عاد إليه ستة أشهر، وعنموا غنائم كثيرة. فلما عاد العسكر عن دنقلة، حضر سمامون إليها ليلا، وصار يقف على باب كل سوكرى «٣» بنفسه ويستدعيه. فإذا خرج ورآه، قبّل الأرض بين يديه وحلف له. فما طلع الفجر حتى ركب معه جميع العسكر النوبى. فزحف بهم على دار الملك، وقبض على الملك. وأرسل إلى ركن الدين بيبرس [العزى «٤» ] . أن يتوجه إلى مخدومه، بحيث لا يلتقيان. «٥» فتوجه ركن الدين، ومن معه إلى قوص. [واستقر «٦» الملك] سمامون بد نقلة. وأخذ الملك

стр. 12104

الذى ملكّه العسكر، فعراه من ثيابه، وذبح ثورا، وقدّ جلده [سيورا «١» ] ، ولفّها عليه طريّة، وأقامه مع خشبة. فيبست عليه تلك السبور فمات. وقتل جريس أيضا. وكتب سمامون إلى السلطان الملك المنصور يستعطفه ويسأله الصفح عنه. والتزم «٢» أن يقوم بالبقط «٣» المقرر فى كل سنة، وزيادة عليه. وأرسل من الرقيق والتقادم عدة كثيرة، فوصل ذلك فى أواخر الدولة المنصورية. وحصل اشتغال السلطان بما هو أهم من النوبة. فاستقر سمامون بالنوبة إلى أيام العادلية الزيتية كتبغا، وكان من أمره، ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر فتوح طرابلس الشام كان فتح طرابلس، فى الساعة السابعة، فى يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين وستمائة، عنوة. وذلك أن السلطان الملك المنصور توجه إلى الشام، فى شهر المحرم من هذه السنة، وعزم على غزو طرابلس. لأن أهلها كانوا قد نقضوا قواعد الصلح، ونكثوا أسباب «٤» الهدنة. فكتب

стр. 12105

السلطان إلى النواب بالممالك الشامية، والحصون الإسلامية، بتجهيز الجيوش إليها، وإنفاذ المجانيق وآلات الحصار. ووصل السلطان إلى دمشق، بعساكر الديار المصرية، فى يوم الاثنين ثالث عشر صفر من هذه السنة. وتوجه منها فى العشرين من الشهر، ونازل طرابلس بالجيوش وحاصرها. ووالى الزحف والحصار والرمى بالمجانيق. وعملت النقوب، فنقبت «١» الأسوار، وافتتحت عنوة فى التاريخ المذكور. وكانت مدة المقام عليها، أربعة وثلاثين يوما. وكانت عدة المجانيق التى نصبت عليها، تسعة عشر منجنيقا، وهى فرنجية ستة، [و «٢» ] قرابغا ثلاثة عشر. وعدة الحجارين والزراقين ألف وخمسمائة نفر. ولما فتحت المدينة، فرت طائفة من الفرنج إلى جزيرة تعرف بجزيرة «٣» النخلة، حيال طرابلس فى البحر، لا يتوصل إليها إلا فى المراكب. فكان «٤» من

стр. 12106

السعادة الأزلية للمسلمين، أن البحر زجر وانطرد عن طرابلس فظهرت للناس المخائض. فعبر الفارس والراجل إلى هذه الجزيرة، وأسروا وقتلوا من فيها، وغنموا ما كان معهم. وكان جماعة من الفرنج قد ركبوا فى مركب وتوجهوا، فألقتهم الريح إلى الساحل، فأخذهم الغلمان والأوشاقية. وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وكان السلطان أمر بإبقاء المدينة، وإنزال الجيش بها. فأشير عليه أن هدمها أولى من بقائها، فأمر بهدمها فهدمت. وكان عرض سورها بمقدار ما يسوق عليه ثلاثة فرسان بالخيل. ووصل إلى الزرد خاناة السلطانية من الأسرى، ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من المسلمين ممن يعرف، الأمير عز الدين معن «١» ، والأمير ركن الدين منكورس الفارقانى، ومن الحلقة. خمسة وخمسون نفرا، رحمهم الله تعالى. وحكى «٢» الشيخ قطب الدين اليونينى فى تاريخه قال: ولما فتح السلطان طرابلس، تسلم أنفة «٣» ، وأمر بإخراب حصنها، وكان حصنا منيعا. وأبقى على أخت البرنس صاحب طرابلس قريتين من قراها.

стр. 12107

قال، وحضر إلى السلطان، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركى صاحب جبيل «١» ، وكان صاحب طرابلس قتل أباه فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. فخلع السلطان عليه، وأقر جبيل عليه، على سبيل الإقطاع، وأخذ منه معظم أموالها. وتسلم السلطان البترون «٢» ، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل. ثم عاد السلطان بعد النصر إلى دمشق، وكان من خبره ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين. ذكر أخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون فى خلاقة عثمان إلى وقتنا هذا وإنما ذكرناه فى هذا الموضع ملخصا مختصرا، لتكون أخبارها مجتمعة «٣» ، فنقول وبالله التوفيق: كان ابتداء فتح طرابلس، أنه لما استخلف عثمان بن عفان

стр. 12108

رضى الله عنه، وأقر معاوية بن أبى سفيان على الشام، وجه معاوية إلى طرابلس سفيان بن نجيب «١» الأزدى، وكانت إذ ذاك ثلاث «٢» مدن مجتمعة، فبنى فى مرج على أميال منها حصنا، سمى بحصن سفيان. وقطع الميرة عن أهل طرابلس، وحاصرها. فلما اشتد الحصار على أهلها، اجتمعوا فى أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم، يسألونه أن يمدهم، أو يبعث إليهم بمراكب ينهزمون فيها. فسير إليهم مراكب كثيرة، فركبوها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، وتقدم لقتالهم على عادته، وجد الحصن خاليا، فملكه، وكتب إلى معاوية بالفتح. فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الحصن الذى فيه المينا ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه. وكان معاوية يوجه فى كل سنة جماعة من الجند، يشحنها بهم، ويوليها نائبا. فإذا غلق «٣» البحر، عاد الجند وبقى النائب فى جماعة يسيرة. فما برح أمرها كذلك، حتى ولى عبد الملك بن مروان. فقدم بطريق فى بطارقة الروم، ومعه خلق كثير. فسأل أن يعطى الأمان، على أن يقيم بها، ويؤدى الخراج، فأجيب إلى ذلك. فلم يلبث غير سنتين أو أكثر بأشهر، عند عود الجند منها، حتى أغلق بابها، وأسر من بقى بها من الجند، وعدة من اليهود، وتوجه هو وأصحابه إلى بلاد الروم. فقدر الله، عز وجل

стр. 12109

أن ظفر به المسلمون بعد ذلك، فى البحر وهو متوجه فى مراكب كثيرة، فأسر وأحضر إلى عبد الملك، فقتله وصلبه. وقد قيل إنه إنما كان تغلبه عليها، وقتل من بها، بعد وفاة عبد الملك. ثم فتحها الوليد بن عبد الملك. ولم يزل فى طرابلس نواب الخلفاء، مدة أيام بنى أمية، وأيام بنى العباس، إلى أن استولى العبيديون ملوك مصر على دمشق، على ما قدمنا ذكر ذلك فى أخبارهم «١» . فأفردوا طرابلس عن دمشق، وكانت قبل ذلك مضافة إليها. وولوا عليها من جهتهم ويان «٢» الخادم، ثم سند الدولة ثم أبا السعادة، ثم على بن عبد الرحمن بن حيدرة، ثم نزال «٣» ، ثم مختر الدولة بن نزال «٤» . [ثم تغلّب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار «٥» ] . ولم يزل بها إلى أن توفى، فى سنة أربع وستين وأربعمائة. وكان ابن عمار هذا، رجلا عافلا، سديد الرأى. وكان شيعيا، من فقهائهم. وكانت له دار علم بطرابلس، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا. وهو الذى صنّف كتاب «ترويح الأرواح ومصباح السرور والأفراح» ، المنعوت بجراب الدولة «٦» . ولما مات [أمين الدولة «٧» ] ، كان بطرابلس، سديد الملك بن منقذ، هرب من محمود بن صالح. فساعد جلال الملك أبا الحسن على بن محمد بن عمار وعضده بمماليكه، وبمن كان معه من

стр. 12110

أصحابه. فأخرجوا أخا أمين الدولة من طرابلس، وولى جلال الملك. فلم يزل متوليا عليها، حتى مات فى سلخ شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد [بن عمار «١» ] ، واستقر بها، إلى أن نازلها صنجيل، واسمه ميمنت «٢» وهو ميمون. وصنجيل «٣» اسم مدينة نسب إليها. فنزل صنجيل بجموعه على طرابلس، فى شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وابتنى عليها حصنا، يقاتل أهلها منه، ويعرف به إلى وقتنا هذا. فبعث فخر الملك الهدايا والتحف إلى الملوك واستنجدهم واستنصرهم، فلم ينجده أحد منهم. فلما أيس منهم، بذل لصنجيل فى رحيله عنه أموالا، وبعث إليه ميرة، فلم يجبه إلى ذلك. فلما ضاق ذرعا بالحصار، وعجز عن دفعه، خرج من طرابلس، بعد أن استناب بها ابن عمه، أبا المناقب، ورتب معه سعد الدولة فتيان ابن الأغر. وانفق «٤» فى العسكر ستة شهور. وسار يقصد السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقى. فجلس أبو المناقب فى بعض الأيام، وعنده وجوه طرابلس وأكابرها، فخلط فى كلامه. فنهاه سعد الدولة بلطف فجرد سيفه، وضرب سعد الدولة فقتله. وانهزم من كان فى المجلس. وقام أبو المناقب، وصعد على السور، وصفق بإبطيه، فأمسكه أهل البلد وحبسوه، ونادوا

стр. 12111

بشعار الأفضل أمير الجيوش، [شريك الخليفة الفاطمى صاحب مصر «١» ] ، وذلك فى شهر رمضان سنة خمسمائة. ثم مات صنجيل فى ثامن وعشرين رمضان، وتولى مكانه مقدم اسمه السردانى «٢» . ولما نادى أهل طرابلس بشعار الأفضل، [وبلغه ذلك «٣» ] حضر إليهم جيشا فى البحر، وقدم عليهم تاج العجم. فلما وصل إلى طرابلس، أخذ جميع الأموال، وما يحفظ به البلد. وبلغ الأفضل أنه يقصد العصيان بطرابلس. فقبض على ما كان حصّله، وولّى بدر الدولة ابن أبى الطيب الدمشقى. فوصل إلى طرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم، من طول الحصار. ثم رأوا من خلفه «٤» ، ما رغبهم عنه، ونفرهم منه، فعزموا على طرده. ثم رأوا إبقاءه، لأنهم لا ملجأ لهم إلا من جهة المصريين. ثم وصلت مراكب من مصر بالغلات والرجال، فقرر المذكور مع مقدم «٥» الأسطول، القبض على أعيان البلد، وأصحاب فخر الملك بن عمار وحريمه. فأخذهم وسيّرهم فى البحر إلى مصر. وبعث معهم ما كان فى طرابلس من السلاح والذخائر، ما لم يكن عند أحد من الملوك مثله. وبعث مائة ألف دينار عينا. فلما وصلوا إلى مصر، اعتقل [الأفضل «٦» ] أهل بنى عمار.

стр. 12112

وأما فخر الملك بن عمار، فإنه وصل إلى بغداد، واجتمع بالسلطان محمود. وأقام ببغداد، فما تهيأ له منه ما طلبه، وبلغه رجوع أمر طرابلس إلى المصريين، وأن حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه نقل إلى مصر. فرجع إلى دمشق، فدخلها فى نصف المحرم، سنة اثنتين وخمسمائة، فاكرمه أتابك طغتكين «١» صاحب دمشق. فسأله أن يعينه على الدخول إلى جبله، فسير معه عسكرا فدخلها. وأما الفرنج، فإنهم لازموا الحصار، وضايقوا البلد حتى ملكوه، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا، وذلك فى يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة سنة اثنتين وخمسمائة. وقد تقدم أن أخذها كان فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة ثلاث وخمسمائة، والله أعلم. وحكى» أن السبب فى أخذ طرابلس، أنه لما ضايقها الفرنج، كتب من بها إلى الديار المصرية، يستنجدون الخليفة، ويسألونه الميرة. وأقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميرة. فبينما هم فى ذلك، إذا بمركب قد أقبل، فما شكوا أن فيه تجدة. فطلع منه رسول، وقال قد بلغ الخليفة، أن بطرابلس جارية حسنة الصورة، وأنها تصلح للخدمة. وقد أمرنا بإرسالها إليه، وأرسلوا إليه من حطب المشمش ما يصنع منع عبدان الملاهى. فعند ذلك آيسوا من نصره، وضعفت قواهم، وخارت نفوسهم وذلوا، وملكها الفرنج [فى التاريخ المذكور «٣» ] . وكانت مدة الحصار سبع سنين وأربعة أشهر.

стр. 12113

ولما ملكها السردانى، تحكم «١» فيها واستقل بملكها. فبينما هو كذلك، وإذا بمركب «٢» قد وصل إليها، وفيه صبى ادّعى أنه ولد الملك صنجيل، واسمه تبران «٣» ، ومعه مشايخ من أصحاب والده، يخدمونه ويدبرون أمره. فطلعوا إلى السردانى، وقالوا له هذا ولد صنجيل، وهو يريد تسليم «٤» مدينة والده التى فتحها عسكره، فأنكر السردانى ذلك، وقام ورفس الصبى وأخرجه. فأخذه أصحابه، وجعلوا يطوفون به على الفرسان. فرحموه، وتذكروا أيمانهم لأبيه، وقالوا: إذا كان نهار الغد، ونحن عنده، فاحضروا وتحدثوا معه، ففعلوا. وتحدث الصبى ابن صنجيل، فصاح به السردانى، فقام الفرسان كلهم على السردانى، وأخرجوه من المملكة، وسلموها إلى الصبى [ابن صنجيل «٥» ] . فأقام ملكا حتى قتله بزواج «٦» ، وذلك فى يوم الأحد، لأربع خلون من شهر رجب، سنة إحدى

стр. 12114

وثلاثين وخمسمائة. وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور، واستخلف فى طرابلس ولد القومص بدران «١» ، فأسره أتابك زنكى، [لما كان فى صحبة متملك القدس فلك «٢» بن فلك، وذلك بالقرب من قلعة بعرين، فطلع الملك وجماعة معه إلى قلعة بعرين، فحاصرهم زنكى «٣» ] وضايقهم، فصالحه الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب طرابلس وجميع الأسرى. وعاد القومص إلى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية، فقتلوه. فتولى بعده ريمند «٤» ، وهو صبى، وحضر الحرب مع الفرنج على حارم. فكسرهم الملك العادل نور الدين [محمود «٥» ] الشهيد [ين زنكى] ، وقتل منهم «٦» مقتلة عظيمة وأسر. وكان من أسر، القومص ريمند، وذلك فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبقى فى اعتقاله إلى أن ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. فأعتقه فى

стр. 12115

تاسع عشرى «١» شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة «٢» . وبقى الملك بيده، ويد أولاده من بعده، إلى أن فتحت هذا الفتح المبارك [سنة ثمان وثمانين وستمائة «٣» ] فى الأيام المنصورية وهدمت المدينة «٤» . واستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد والنائب عن السلطنة الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، وكان اليزك «٥» ينزل إلى طرابلس، من حصن الأكراد. ثم عمرّ المسلمون مدينة مجاورة للنهر. واختلفوا «٦» بها، وعمروا فيها حمامات وقياسر ومساجد ومدارس للعلم. وأجريت المياه فى دورها بقساطل «٧» وعمرت دار السلطنة، ينزلها نائب السلطنة بالمملكة، وهى عالية مشرفة على المدينة. واستمر الأمير سيف الدين الطباخى فى النيابة، إلى أن نقل إلى حلب، فى الدولة الأشرفية، فى سنة إحدى وتسعين وستمائة. وولّاها [السلطان «٨» ] الأمير سيف الدين طغريل الإيغانى، فأقام أياما، واستعفى فاعفاه السلطان الملك الأشرف. ورتب فى النيابة، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، فبقى فى النيابة إلى الأيام العادلية الزينية كتبغا المنصورى، فعزله عنها فى سنة أربع وتسعين وستمائة. ودفن بتربته التى أنشأها، وهى بجوار حمامه بطرابلس
следующие страницы →