← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فانتبه يحيى لرنّة العود وصوت الجارية فقال: يا سيّدى وأمير الناس كلّهم ... قد جارفى حكمه من كان يسقينى إنى غفلت عن الساقى فصيّرنى ... كما ترانى سليب العقل والدّين فانظر لنفسك قاض إننى رجل ... ألراح يقتلنى والرّوح يحيينى ومنهم: العباس بن علىّ بن عبد الله بن العباس وهو عمّ المنصور، كان يأخذ الكأس بيده ويقول: أما العقل فتتلفين، وأما المروءة فتمحقين، وأما الدّين فتفسدين، ويسكت ساعة ثم يقول: وأما النّفس فتسخّين، وأما القلب فتشجّعين، وأما الهمّ فتطردين، أفتراك منى تفلتين! ثم يشربها. ومنهم: بلال بن أبى بردة فضح بالشراب وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميرىّ: وأما بلال فذاك الذى ... يميل الشراب به حيث مالا يبيت يمصّ عتيق الشراب ... كمصّ الوليد يخاف الفصالا ويصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولا لا ويمشى ضعيفا كمشى النزيف «١» ... تخال به حين يمشى شكالا ومنهم: عبد الرحمن بن عبد الله الثقفىّ قاضى الكوفة وفضح بمنادمة سعد بن هبّار وفيه يقول حارثة بن بدر: نهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبّار ومنهم: آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو الذى يقول: هاك فاشرب يا خليلى ... فى مدى الليل الطويل قهوة في ظلّ كرم ... سبيت من نهر نيل

стр. 1297

فى لسان المرء منها ... مثل لذع الزنجبيل إنما أذهب مالى ... طول إدمان الشّمول «١» وحنين العود تثني ... هـ يدا ظبى كحيل فالطويل العنق الأ ... هيف كالسيف الصقيل يا خليلىّ اسقيانى ... واهتفا بالشمس زولى قل لمن لامك فيها ... من نصيح أو عذول يبق بين الباب والدا ... ر على نعب الطلول وقيل لأبيه عبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون الخمر، فقال: صفوهم لى، فقالوا: أما فلان إذا شرب خرق ثيابه وثياب نديمه، فقال: سوف يدع هذا شربها، قالوا: وأما فلان فاذا شربها تقيّأ في ثيابه، قال: وهذا سوف يدعها، قالوا: وأما آدم فإذا شربها فأسكن ما يكون لا ينال أحدا بسوء، قال: هذا لا يدعها أبدا. ومنهم: حارثة بن زيد العدوانىّ رجل من تميم- دخل يوما على زياد ابن أبيه وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير ركبت فرسى الأشقر «٢» فجمح بى حتى صدمنى الحائط، فقال: أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب «٣» لم يصبك مكروه. ولحارثة فيها أشعار كثيرة وأخبار مع الأحنف ابن قيس، وكان الأحنف ينهاه عنها وهو لا ينتهى ويجيبه بشعر في مدحها وقيل: إن حارثة هذا أدرك النبىّ ﷺ بالسنّ في حال صباه وحداثته. ومنهم: والبة بن الحباب الأسدىّ وهو الذى ربّى أبا نواس وأدّبه وعلّمه الفتوّة وقول الشعر. حكى أن المنصور قال له يوما: ادخل إلى محمد- يعنى المهدىّ- وحدّثه، فدخل عليه، فأوّل ما أنشده قوله:

стр. 1298

قولا لعمرو لا تكن ناسيا ... وسقّنى لا تحبسن كاسيا واردد على الهيثم مثل الذى ... هجت به ويحك وسواسيا وقل لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا فبلغ ذلك المنصور، فقال: لا تعيدوه إليه أردنا أن نصلحه فأراد هو أن يفسده. ومنهم: أبو الهندىّ وهو عبد المؤمن بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعىّ اليربوعىّ، حجّ به نصر بن سيّار فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله الحرام ومحل حرمه فدع الشراب، فلما زال عنه وضعه بين يديه وجعل يشرب ويبكى ويقول: رضيع مدام فارق الراح روعه ... فظلّ عليها مستهلّ المدامع أديرا علىّ الكأس إنى فقدتها ... كما فقد المفطوم درّ المراضع ومرّ به نصر بن سيّار وهو يميل سكرا، فقال له: أفسدت شرفك، فقال: لو لم أفسد شرفى لم تكن أنت اليوم والى خراسان. ومنهم: سعيد بن وهب وكان شاعرا بصريّا. ومنهم: الحسين بن الضحّاك النديم صاحب الحسن بن هانىء وكان خليعا ماجنا مليح الشعر وهو الذى يقول: ألا إنما الدّنيا وصال حبيب ... وأخذك من مشمولة بنصيب وعيشك بين المسمعات ممتّعا ... بفنّين من عرف وشدو مصبب وأنس وإنسان تلذّ بقربه ... وبدلة معشوق ويوم رقيب وعدّى ساعات النهار ورقبتى ... إلى الشمس لما آذنت بمعيب

стр. 1299

ومنهم: يحيى بن زياد وهو الذى يقول: أعاذل ليت البحر خمر وليتنى ... مدى الدهر حوت ساكن لجّة البحر فأضحى وأمسى لا أفارق لجّة ... أروّى بها عظمى وأشفى بها صدرى طوال الليالى، ليس عنّى بناضب ... ولا ناقص حتى أصير الى الحشر ومنهم: أبو نواس الحسن بن هانىء ممن اشتهر بالشراب واللهو والطرب ومنادمة القيان، وله في الخمر تشبيهات حسنة وحكايات ظريفة، نذكر هاهنا من أخباره طرفا: حكى أن مسلم بن الوليد عاتبه وقال: يا أبا نواس، قد خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبّك وما كذلك يفعل الأدباء! فأطرق ثم قال: فأوّل شربك طرح الرداء ... وآخر شربك طرح الإزار وما هنّأتك الملاهى بمثل ... إمانة مجد وإحياء عار وما جاد دهر بلذّاته ... على من يضنّ بخلع العذار فانصرف مسلم وقد أيس من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر، من كهل فاجر. ومما يحفظ من أخباره، ويروى من أشعاره في ذلك: أنه بلغ إخوانه عنه أنه ترك الشراب واللذّات وأخذ في الزهد والصلاة في أوقاتها فاجتمعوا إليه وأقبلوا يهنّئونه، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل اليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلا وأنشد: قالوا نزعت ولمّا يعلموا وطرى ... فى كلّ أغيد ساجى الطرف ميّاس كيف النزوع وقلبى قد تقسّمه ... لحظ العيون وقرع السنّ بالكاس لا خير في العيش إلا في المجون مع ال ... أكفاء والراح والريحان والآس

стр. 1300

ومسمع يتغنّى والكئوس لها ... حثّ علينا بأخماس وأسداس يا مورى الزند قد أكبت قوادحه ... اقبس اذا شئت من قلبى بمقياس ما أقبح الناس في عينى وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس وحدّث الفضل بن سلمة عن الثورىّ، قال: خرج الحسن بن هانىء ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دار خمّار. فقال الحسن لمطيط: ادخل بنا نمزح بهذا الخمّار. فدخلا فسلّما فردّ عليهما. فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة يا خمّار؟ فقال: عندى منها أجناس، فأيها تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر: حجبت خيفة وصينت فجاءت ... كجلاء العروس بعد الصّيان وكأنّ الأكفّ تصبغ من ضو ... ء سناها بالورس والزعفران فملأ له الخمّار قدحا من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول؛ فشربه الحسن وقال: أحسن من هذا أريد. فقال له الخمار: أىّ جنس تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر: دفعتها أيدى الهواجر حتّى ... صيّرت جسمها كجسم الهواء فهى كالنّور في الإناء وكالنّا ... ر إذا ما تصير في الأحشاء فملا له الخمار قدحا من خمر كأنها العقيق. فشربه وقال: أرفع من هذا أريد. فقال: أىّ جنس؟ قال: التى يقول فيها الشاعر: وإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع كفعل ذى القدر فى لون ماء الغيث إلا أنها ... بين الضلوع كواقد الجمر فملأ له قدحا من خمر بيضاء، كأنها ماء المزن. فشرب الحسن وقال للخمار: أتعرفنى؟ قال: إى والله يا سيدى، أنا أعرف الناس بك. قال: من أنا؟ قال:

стр. 1301

أنت الذى يسكر من غير وزن. فضحك الحسن وقال لمطيط: ادفع إليه ما بقى عندك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف. وقال الحسين بن الضحّاك: كنت مع أبى نواس بمكة عام حجّ، فسمع صبيّا يقرأ (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) . فقال أبو نواس: فى مثل هذا يجىء للخمر صفة حسنة؛ ففكّر ساعة ثم أنشدنى: وسيّارة ضلّت عن القصد بعد ما ... ترادفهم أفق من الليل مظلم فأصغوا الى صوت ونحن عصابة ... وفينا فتى من سكره يترنم فلاحت لهم منّا على النأى قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرّم إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن مزجت حثّوا الركاب ويمموا قال: فحدّث بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال: لا ولا كرامة، ما سرقه من القرآن ولكن من قول الشاعر: وليل بهيم كلّما قلت غوّرت ... كواكبه عادت لنا لتذيّل به الركب إمّا أومض البرق يمّموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جهّل وقال أبو نواس فيها: ألا دارها بالماء حتى تلينها ... فما تكرم الصهباء حتى تهينها أغالى بها حتى اذا ما مللتها ... أهنت لإكرام النديم مصونها وقال أيضا: نبهته والليل ملتبس به ... وأزحت عنه حثاثة «١» فانزاحا قال ابغنى المصباح، قلت له اتّئد ... حسبى وحسبك ضوءها مصباحا

стр. 1302

فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا شكّ البزال» فؤادها فكأنها ... أبدت اليك بريحها تفاحا وقال أيضا: ردّا علىّ الكأس، إنكما ... لا تدريان الكأس ما تجدى خوّفتمانى الله جهدكما ... وكحيفتيه رجاؤه عندى لا تعذلا في الراح إنكما ... فى غفلة عن كنه ما تسدى لو نلت ما نلت ما مزجت ... إلا بدمعكما من الوجد ما مثل نعماها اذا اشتملت ... إلا اشتمال فم على خدّ إن كنتما لا تشربان معى ... خوف الإله شربتها وحدى وأخبار الحسن بن هانىء فيها كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية. ومنهم: الثّروانىّ ، كان شاعرا مطبوعا بليغا، من أهل الخلاعة المشهورين. وكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمّار بين زقّى خمر وهو ميت. وهو القائل فيها: كرّ الشراب على نشوان مضطجع ... قد هب يشربها والدّيك لم يصح والليل في عسكر حمر بوارقه ... من النجوم، وضوء الصبح لم يضح والعيش لا عيش إلا أن تباكرها ... نشوان تقتل همّ النفس بالفرح حتى يظلّ الذى قد بات يشربها ... ولا مراح به يختال كالمرح

стр. 1303

ومنهم: مطيع بن إياس . وكان شاعرا أديبا ظريفا مشتهرا بالخلاعة واللعب. وكان أصحابه على ذلك، وهم يحيى بن زياد، ووالبة بن الحباب، وحمّاد عجرد. ومنهم: أبو عبد الرحمن العطوىّ . كان شاعرا فصيحا، لا يكاد يتقدّمه أحد لجزالة ألفاظه وحلاوة معانيه. وكان مولعا بالخمر مشتهرا بها مدمنا عليها، أكثر أشعاره فيها. فمن شعره: أخطب لكأسك ندمانا تسرّ به ... أو لا فنادم عليها حكمة الكتب أخطبه حرّا كريما ذا محافظة ... ترى مودّته من أقرب النسب وقال أيضا: وكم قالوا تمنّ، فقلت كأسا ... يطوف بها قضيب في كثيب وندمانا يساقطنى حديثا ... كصدق الوعد أو غضّ الرقيب ومنهم: أبو هفّان . وكان شاعرا محسنا، وخليعا ماجنا. حكى أنه شرب مع أحمد بن أبى طاهر حتى فنى ما عندهما، وكانا بجوار العلاء بن أيّوب. فقال ابن أبى طاهر لأبى هفّان: تماوت حتى نحتال على أبى العلاء في أن ينيلنا شيئا. فمضى اليه ابن أبى طاهر فقال: أصلحك الله! نزلنا جوارك فوجب حقّنا عليك، وقد مات أبو هفّان وليس له كفن. فقال لوكيله: امض معه وشاهد أمره وادفع اليه كفنا. فأتاه فوجده ملقى عليه ثوب فنقر أنفه فضرط. فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله عجّلت له صعقة القبر فإنه مات وعليه دين؛ فضحك وأمر له بدنانير. ومنهم: الأقيشر . وكان مغرما بالشراب مدمنا عليه. وهو القائل: ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا

стр. 1304

كميت كأن العنبر الورد ريحه ... ومسحوق هندىّ من المسك أذفرا ومنهم: النعمان بن علىّ بن نضلة . وكان عاملا لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه على ميسان، وكان مدمن الشراب. وهو القائل: ألا أبلغ الحسناء أنّ خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم «١» فإن كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلّم لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق «٢» المتهدّم فبلغ الشعر عمر رضى الله عنه. فكتب اليه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أما بعد، فقد بلغنى قولك: لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدّم وايم الله لقد ساءنى! وعزله. فلمّا قدم عليه سأله، فقال: والله ما كان من هذا شىء، وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط. فقال عمر: أظنّ ذلك، ولكن لا تعمل لى عملا أبدا. فنزل البصرة، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات ﵀. ومنهم: عمارة بن الوليد بن المغيرة . خطب امرأة من قومه، فقالت: لا أتزوّجك حتى تدع الخمر والزنا. فقال: أمّا الزنا فإنى أدعه، وأما الخمر فوجدى بها شديد. ثم اشتدّ وجده بالمرأة فعاود طلبها؛ فقالت: حتى يحلف بطلاقى يوم

стр. 1305

يزنى أو يشرب خمرا؛ فحلف لها وتزوّجها. ومكث حينا لا يشرب، الى أن مرّ بخمّار وعنده قوم يشربون وقينة تغنّيهم وهو على ناقة؛ فطرب اليهم وارتاح ورمى بثيابه الى الخمّار، وقال: أسقهم بها؛ ونحر لهم ناقته، ومكث أياما يطعمهم ويسقيهم حتى أنفد ما معه. ثم رجع الى امرأته، فلامته، فأنشأ يقول: أقلّى علىّ اللوم يا أمّ سالم ... وكفّى فإن العيش ليس بدائم أسرّك لما صرّع القوم نشوة ... خروجى منهم سالما غير غارم سليما كأنى لم أكن كنت منهم ... وليس الخداع من تصافى التنادم ثم قال لها: الحقى بأهلك، وعاد الى ما كان عليه. وأما من افتخر بشربها وسبائها «١» ، فقد كانت العرب تفتخر بسبائها، وتضيفه إلى عظيم غنائها، وتقرنه بمذكور بلائها. وشاهد ذلك قول امرىء القيس: كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزّقّ الروىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال فقرن جوده في سباء الزقّ ببسالته في كرّ الخيل. ولمّا أنشد أبو الطيب المتنبى سيف الدولة بن حمدان قصيدته التى يقول فيها: وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم فقال له سيف الدولة: انتقدنا عليك يا أبا الطيّب هذين البيتين كما انتقد على امرىء القيس بيتاه، وذكرهما، قال: وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين: كان ينبغى لامرىء القيس أن يقول:

стр. 1306

كأنى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال ولم أسبأ الزقّ الروىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال وأن تقول أنت: وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم فقال: أيّد الله مولانا! إن كان صحّ أنّ الذى استدرك على امرىء القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، والثوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك لأن البزّاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذى أخرجه من الغزليّة الى الثوبيّة. وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذّة الركوب للصيد، وقرن السماحة في سباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء؛ وأنا لما ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه. ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه باكية قلت: ووجهك وضّاح وثغرك باسم لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله. وقال لقيط بن زرارة: شربت الخمر حتى خلت أنى ... أبو قابوس أو عبد المدان وقال حسّان بن ثابت الأنصارىّ عفا الله عنه ورحمه: إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهنّ لطيّب الراح الفداء ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهها اللّقاء

стр. 1307

حكى أنّ حسّان بن ثابت عنّف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها وأنهم يضربون عليها ضرب الإبل ولا يرجعون عنها؛ فقالوا: إنا اذا هممنا بالإقلاع عنها ذكرنا قولك: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهها اللقاء فعاودناها. وقال الأخطل يخاطب عبد الملك بن مروان: اذا ما نديمى علّنى ثم علّنى ... ثلاث زجاجات لهنّ هدير خرجت أجرّ الذيل حتى كأننى ... عليك أمير المؤمنين أمير وقال آخر: إذا صدمتنى الكأس أبدت محاسنى ... ولم يخش ندمانى أذاى ولا بخلى ولست بفحّاش عليه وإن أسا ... وما شكل من آذى نداماه من شكلى وقال آخر: شربنا من الدّاذىّ «١» حتى كأننا ... ملوك لهم برّ العراقين والبحر فلما انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر ومثله للمنخّل اليشكرىّ: فإذا سكرت فإننى ... ربّ الخورنق والسدير وإذا صحوت فإننى ... ربّ الشّويهة والبعير وقال عنترة: وإذا سكرت فإننى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى

стр. 1308

أخذه البحترىّ وزاد عليه في قوله: وما زلت خلّا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورا يستحثّون أنجما تكرّمت من قبل الكؤس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله اذا سكر، والبحترى ذكر أن ممدوحه يتكرم قبل الكؤس فيبالغ حتى لا تستطيع الكؤس أن تزيده تكرّما. وكان الأعشى ميمون بن قيس مشهورا بتعاطى الخمر مشغوفا بها كثير الذكر لها فى شعره. ومن اشتهاره بها قال المفضّل بين قدماء الشعراء: أشعرهم امرؤ القيس اذا ركب، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب. وقصد الأعشى رسول الله ﷺ ليسلم وامتدحه بقصيدته التى أوّلها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السليم مسهّدا فاعترضه في طريقه من أراد منعه، فقالوا له: إنه يحرّم عليك الزنا والخمر. فقال: أمّا الزنا فقد كبرت فلا حاجة لى فيه، وأمّا الخمر فلا أستطيع تركها. وعاد لينظر في أمره، وقيل: إنه قال: أعود فأشربها سنة وأرجع، فمات قبل الحول. قالوا: ونظر الحسن بن وهب الى رجل يعبس في كأسه، فقال: ما أنصفتها، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها. ومن ذلك قول الشريف الرضىّ: كالخمر يعبس حاسيها على مقة ... والكأس تجلو عليه ثغر مبتسم وهو مأخوذ من قول عبد الله بن المعتزّ حيث يقول: ما أنصف النّدمان كأس مدامة ... ضحكت اليه فشمّها بتعبّس

стр. 1309

ذكر شىء مما قيل فيها من جيّد الشعر قد أوسع الشعراء في هذا المعنى وأطنبوا فيه وتنوّعوا. فمنهم من مدحها ومنهم من وصفها وشبّهها، ومنهم من ذكر أفعالها وتغزّل فيها. وسنورد في هذا الموضع نبذة مما طالعناه في ذلك؛ إذ لو أوردنا مجموع ما وقفنا عليه لطال، ولا تسعت فيه دائرة المقال. فأمّا ما قيل فيها على سبيل المدح لها، فمن ذلك قول ابن الرومى حيث يقول: تالله ما أدرى بأيّة علّة ... يدعون هذا الراح باسم الراح؟ ألريحها ولروحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح؟ إن حرّمت فبحقّها من خمرة ... ما كان مثل حريمها بمباح أو حلّلت فبحقّها من نشوة ... تشفى سقام قلوبنا بصحاح وقال أيضا: خمر اذا ما نديمى ظلّ يكرعها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق لو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... فى فيه كذّبه في وجهه الشفق ومثله قول الطليق المروانىّ: فإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخدّ منه شفقا وقال الناجم: وقهوة كشعاع الشمس صافية ... مثل السراب ترى من رقّة شبحا اذا تعاطيتها لم تدر من فرح ... راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا؟

стр. 1310

وقال الناشى: يا ربّما كأس تناولتها ... تسحب ذيلا من تلاليها كأنها النار ولكنها ... منعّم والله صاليها ومما قيل في وصفها وتشبيهها ؛ فمن ذلك ما قاله يزيد بن معاوية: ومدامة حمراء في قارورة ... زرقاء تحملها يد بيضاء فالخمر شمس والحباب كواكب ... والكفّ قطب والإناء سماء وقال السروىّ: عنيت بالمدامة الشعراء ... وصفوها وذاك عندى عناء كيف تحصيل علمها وهى موت ... وحياة وعلّة وشفاء فهى في باطن الجوانح نار ... وهى في ظاهر المحاجر ماء حلوة مرّة فما أحد يد ... رى أداء خصوصها أم دواء وقال البحترىّ: اشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء من قهوة تنسى الهموم وتبعث ال ... شوق الذى قد ضلّ في الأحشاء يخفى الزجاحة لونها فكأنها ... فى الكفّ قائمة بغير إناء ولها نسيم كالرياض تنفّست ... فى أوجه الأرواح والأنداء وفواقع مثل الدموع تردّدت ... فى صحن خدّ الكاعب الحسناء يسقيكها رشأ يكاد يردّها ... فى صحن خدّ الكاعب الحسناء يسقيكها رشأ يكاد يردّها ... سكرى بفترة مقلة حوراء يسعى بها وبمثلها من طرفه ... عودا وإبداء على الندماء وقال الوأواء الدمشقىّ: فآمزج بمائك نار كأسك واسقنى ... فلقد مزجت مدامعى بدماء

стр. 1311

واشرب على زهر الرياض مدامة ... تنفى الهموم بعاجل السّراء لطفت فصارت من لطيف محلّها ... تجرى كجرى الروح في الأعضاء وكأنّ مخنقة عليها جوهر ... ما بين نار أذ كيت وهواء وكأنها وكأنّ حامل كأسها ... إذ قام بجلوها على الندماء شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء وقال أبو نواس: أقول لما تحاكيا شبها ... أيّهما للتشابه الذهب هما سواء وفرق بينهما ... أنهما جامد ومنسكب وله أيضا: إذا عبّ «١» فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا يدور بها ساق أغنّ ترى له ... على مستدار الأذن صدغا معقربا سقاهم ومنّانى بعينيه منية ... فكانت الى نفسى ألذّ وأطيبا ومثل البيت الأوّل قول ابن المعتزّ: كأنه قائم والكأس في يده ... هلال أوّل شهر غاب في شفق وقال ابن الرومىّ: ومهفهف تمّت محاسنه ... حتى تجاوز منتهى النفس أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس فكأنه والكأس في فمه ... قمر يقبّل عارض الشمس

стр. 1312

وقال الحسين بن الضحّاك: كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك وقال آخر: واكتست من فضّة دررا ... خلتها من تحتها ذهبا ككميت اللون قلدها ... فارس من لؤلؤ حببا وقال آخر: تغشى «١» بياض شاربها ... فتخالها بيمين مختضب دارت وعين الشمس غائبة ... فحسبت عين الشمس لم تغب وقال آخر: حمراء ورديّة مشعشعة ... كأنها في إنائها لهب صهباء صرفا لو مسّها حجر ... من جامد الصخر مسّه طرب وقال آخر: قلت والراح في أكفّ النّدامى ... كنجوم تلوح في أبراج أمداما خرطتم لمدام ... أم زجاجا سبكتم لزجاج وقال الحسن بن وهب: وقهوة صافية ... كالمسك لمّا نفحا شربت من دنانها ... من كلّ دنّ قدحا فعدت لا تحملنى ... أعواد سرجى مرحا من شدة السكر الذى ... على فؤادى طفحا

стр. 1313

وقال ابن المعتز: خليلىّ قد طاب الشراب المبرّد ... وقد عدت بعد النسك والعود أحمد فهات عقارا من قميص زجاجة ... كيافوتة في درّة تتوقّد يصوغ عليها الماء شبّاك فضة ... له حلق بيض تحلّ وتعقد وقال التنوخىّ: وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار هواء ولكنه ساكن ... وماء ولكنه غير جارى اذا ما تأملته وهى فيه ... تأمّلت ماء محيطا بنار فهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار وما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط تنافيهما والنّفار ولكن تجاوز سطحاهما ال ... بسيطان فأتلفا بالحوار كأنّ المدير لها باليمين ... إذا مال بالسّقى أو باليسار تدرّع ثوبا من الياسيمين ... له فرد كمّ من الجلّنار وقال ابن وكيع التّنّيسىّ: حملت كفّه الى شفتيه ... كأسه والظلام مرخى الإزار فالتقى لؤلؤا حباب وثغر ... وعقيقان من فم وعقار وقال آخر: قم فاسقنى قد تبلّج الغسق ... من قهوة في الزجاج تأتلق كأننا والكؤس نأخذها ... نشرب نارا وليس نحترق

стр. 1314

وقال أبو نواس: غنّنا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك «١» الجزاء الثمينا من سلاف كأنها كلّ شىء ... يتمنى مخيّر أن يكونا أكل الدهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لنا «٢» بها المكنونا فإذا ما اجتليتها فهباء ... تمنع الكفّ ما تبيح العيونا ثم شجّت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمّعن في يد لاقتنينا فى كؤس كأنهن نجوم ... جاريات، بروجها أيدينا طالعات مع السقاة علينا ... فاذا ما غربن يغربن فينا لو ترى الشّرب حولها من بعيد ... قلت قوم من قرّة يصطلونا وقال ابن المعتزّ: وخمّارة من بنات المجوس ... ترى الدّنّ في بيتها شائلا وزنّا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا وأما ما قيل في أفعالها ، فمن ذلك قول أبى تمّام الطائىّ: وكأس كمعسول الأمانى شربتها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلى اذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيبا كوقع النار في الحطب الجزل اذا اليد نالتها بوتر توفّرت ... على ضغنها «٣» ثم استقادت من الرّجل

стр. 1315

ومثله قول ديك الجنّ واسمه عبد السلام: فقام تكاد الكأس تخضب كفّه ... وتحسبه من وجنتيه استعارها مشعشعة من كفّ ظبى كأنما ... تناولها من خدّه فأدارها فظلنا بأيدينا نتعتع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها وقريب من المعنى الأوّل قول أبى بكر الخالدىّ: كانت لها أرجل الأعلاج «١» واترة ... بالدوس فانتصفت من أرؤس العرب [أخذ «٢» هذا المعنى أبو غالب الإصباعىّ الكاتب فقال: عقرتهم معقورة لو سالمت ... شرّابها ما سمّيت بعقار لانت لهم حتى انتشوا وتمكّنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار] وقال آخر: أسروها وجه النهار من الدّنّ ... فأمسوا وهم لها أسراء وقال عبد الصمد بن بابك عفا الله عنه: عقار عليها من دم الصّبّ نفضة ... ومن عبرات المستهام فواقع معوّدة غصب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع وأما ما وصفت به غير ما قدّمناه ، فمن ذلك قول أبى الفضل يحيى بن سلامة الحصكفىّ [والحصكفى نسبة الى حصن كيفا] : وخليع بتّ أعتبه ... ويرى عتبى من العبث

стр. 1316

قلت إن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث قلت منها القىء، قال أجل ... طهرت عن مخرج الحدث قلت فالأرفاث تتبعها ... قال طيب العيش في الرفث وسأسلوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث وقال آخر: ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا ... حتى اذا ملئت بصرف الراح خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح [وقريب من المعنى قول الآخر: وزنّا الكأس فارغة وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء «١» ] وقال أبو نواس: قهوة أعمى عنها ... ناظرا ريب المنون عتّقت في الدنّ حتى ... هى في رقّة دينى ثم شجّت فأدارت ... فوقها مثل العيون حدقا ترنو الينا ... لم تحجّر بجفون ذهبا يثمر درّا ... كلّ إبّان وحين من يدى ساق عليه ... حلّة من ياسمين غاية في الظرف والشكل وفرد في المجون وقال: ذد بماء الكرم والعنب ... خطرات الهمّ والنّوب قهوة لو أنها نطقت ... ذكرت ساما أبا العرب

стр. 1317

وهى تكسو كفّ شاربها ... دستبانات «١» من الذهب وقال تاج الملوك بن أيّوب: وكم ليلة فيها وصلنا غيوقنا ... وكم من صباح كان فيه صبوح تدار علينا من أكفّ سقاتنا ... عقار من الهمّ الطويل تريح تلوح لنا كالشمس في كفّ أغيد ... يلوح لعينى البدر حين يلوح مدام تحاكى خدّه ورضابه ... ونكهته في الطّيب حين تفوح ولكن لها أفعال عينيه في الحشا ... فكلّ حشا فيها عليه جريح وقال أيضا: والكأس أعطاها عقيقا أحمرا ... قان، فأعطيها لجينا يققا «٢» من قهوة ما العيش إلا أن أرى ... مصطبحا في شربها مغتبقا أشربها شربا هنيئا من يدى ... غصن رشيق وغزال أرشقا ومما قيل فيها اذا مزجت بالماء ، فمن ذلك قول أبى نواس: وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقلّ جفونها ومنه أخذ ديك الجنّ فقال: وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبى نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق وقال أبو هلال العسكرىّ: راح اذا ما الليل مدّ رواقه ... لاحت تطرّز حلّة الظلماء

стр. 1318

حتى اذا مزجت أراك حبابها ... زهرات أرض أو نجوم سماء وقال أيضا: وكأس تمتطى أطراف كفّ ... كأنّ بنانها من أرجوان أنازعها على العلّات شربا ... لهنّ مضاخك من أقحوان يلوح على مفارقها حباب ... كأنصاف الفرائد والجمان وطالعنى الغلام بها سحيرا ... فزاد على الكواكب كوكبان ووافقها بخدّ أرجوان ... وخالفها بفرع أدجوان قوله: كأنصاف الفرائد والجمان مأخوذ من قول ابن الرومىّ: لها صريح كأنه ذهب ... ورغوة كاللآلىء الفلق وقال أبو نواس: فإذا علاها الماء ألبسها ... حببا «١» شبيه جلاجل الحجل حتى اذا سكنت جوانحها «٢» ... كتبت بمثل أكارع النمل وهو مأخوذ من قول الأوّل، ويقال: إنه ليزيد بن معاوية: وكأس سباها التّجر من أرض بابل ... كرقّة ماء الحزن في الأعين النّجل اذا شجّها الساقى حسبت حبابها ... عيون الدّبا «٣» من تحت أجنحة النمل وقال أبو نواس أيضا: قامت ترينى وأمر الليل مجتمع ... صبحا تولّد بين الماء واللهب

стр. 1319

كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب وقال ابن المعتز: للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فصّ ياقوت وقال العسكرىّ: ذاب في الكأس عقيق فجرى ... وطفا الدّرّ عليه فسبح نصب الساقى على أقداحها ... شبك الفضّة تصطاد الفرح وقال ابن الساعاتىّ: وليلة بات بدر التّمّ ساقينا ... يدير في فلك من شربها شهبا بكر اذا فرعت بالماء كان بنا ... جدّا وإن كان في كاساتها لعبا حمراء من خجل حتى اذا مزجت ... لم تدر ما خجلا تحمرّ أم غضبا تزيد بالبارد السلسال جذوتها ... وما سمعت بماء محدث لهبا تكسو النديم إذا ما ذاقها وضحا ... حتى كأنّ شعاع الشمس قد شربا وقال آخر: فنبّهتنى وساقى القوم يمزجها ... فصار في البيت للمصباح مصباح قلنا على علمنا والشكّ يغلبنا ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح وقال ابن وكيع التّنّيسىّ: وصفراء من ماء الكروم كأنها ... فراق عدوّ أو لقاء صديق كأنّ الحباب المستدير بطوقها ... كواكب درّ في سماء عقيق صببت عليها الماء حتى تعوّضت ... قميص بهار من قميص شقيق وقال آخر: حمراء ما اعتصموا بالماء حين طفت ... إلا وقد حسبوها أنها لهب

стр. 1320

وقال الخالديّان: فهاتها كالعروس محمرّة ال ... خدّين في معجر «١» من الحبب كادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب من كفّ راض عن الصدود وقد ... غضبت في حبّه على الغضب فلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئا من أعجب العجب نار حواها المزاج يلهبها ... الماء ودرّ يدور في لهب ذكر ما قيل في مبادرة اللّذات ومجالس الشراب وطيّها قال أحمد بن أبى فنن: جدّد اللّدّات فاليوم جديد ... وامض فيما تشتهى كيف تريد واله ما أمكن يوم صالح ... إن يوم الشرّ- لا كان- عتيد وقال ديك الجنّ: تمتّع من الدنيا فإنك فانى ... فى أيدى حوادث عانى ولا تنظرنّ اليوم لهوا إلى غد ... ممن لغد من حادث بأمان فإنى رأيت الدهر يسرع بالفتى ... وينقله حالين مختلفان «٢» فأمّا الذى يمضى فأحلام نائم ... وأمّا الذى يبقى له فأمانى وقال ابن المعتزّ من أبيات: وبادر بأيام السرور فإنها ... سراع وأيام الهموم بطاء وخلّ عتاب الحادثات لوجهها ... فإن عتاب الحادثات عناء تعالوا فسقّوا أنفسا قبل موتها ... ليأتى ما يأتى وهنّ رواء

стр. 1321

وقال أحمد الماردانىّ: عاقر الراح ودع نعت الطلل ... واعص من لامك فيها وعذل غادها واسع لها واغر بها ... وإذا قيل: تصابى، قل أجل إنما دنياك- فاعلم- ساعة ... أنت فيها وسوى ذاك أمل وقال ابن بسّام: واصل خليلك إنما ال ... دنيا مواصلة الخليل وانعم ولا تتعجّل ال ... مكروه من قبل النزول بادر بما تهوى فما ... تدرى متى وقت الرحيل وارفض مقالة لائم ... إن الملام من الفضول ومما وصفت به مجالس الشرب ؛ فمن ذلك قول أبى نواس: فى مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر وقال ديك الجنّ: كأنما البيت بريحانة ... ثوب من السندس مشقوق وقال السرىّ: ألست ترى ركب الغمام يساق ... وأدمعه بين الرياض تراق وقد رقّ جلباب النسيم على الثرى ... ولكن جلابيب الغيوم صفاق وعندى من الرّيحان نوع تجسّه ... وكأس كرقراق الخلوق «١» دهاق وذو أدب جلّت صنائع كفّه ... ولكن معانى الشعر منه دقاق له أبدا من نثره ونظامه ... بدائع حلى ما لهنّ حقاق

стр. 1322

وأغيد مهتزّ، على صحن خدّه ... غلائل من صبغ الحياء رقاق أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهنّ له دون النّطاق نطاق وقد نظم المنثور فهو قلائد ... علينا، وعقد مذهب وخناق وغرفتنا بين السحائب تلتقى ... لهنّ علينا كلّة ورواق تقسّم زوّار من الهند سقفها ... خفاف على قلب الكريم رشاق أعاجم تلتذّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق أنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشيمتها غدر بنا وإباق مواصلة والورد في شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق فزر فتية، برد الشراب لديهم ... حميم اذا فارقتهم وغساق «١» قوله: أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق مأخوذ من قول المتنبّى: وخصر تثبت الأحداق فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا وقال أبو هلال العسكرىّ: وليل ابتعت به لذّة ... وبعت فيه العقل والدّنيا أصاب فيه الوصل قلب الجوى ... وبات فيه الهمّ مسكينا وقد خلطنا بنسيم الصّبا ... نسيم راح ورياحينا وأكؤس الراح نجوم اذا ... لاحت بأيدينا هوت فينا تضحك في الكأس أباريقنا ... وحسبما تضحك تبكينا

стр. 1323

ومما قيل في طىّ مجالس الشراب ؛ فمن ذلك قول بعض الشعراء: حكم العقار اذا قصدت لشربها ... فى لذّة من مسمع «١» وقيان ألّا تعود لذكر ما أبصرت من ... أحدوثة من شارب سكران وقال آخر: إذا ذكر النبيذ فليس حقّا ... إعادة ما يكون على النبيذ إعادة ما يكون من السّكارى ... يكدّر صفوة العيش اللذيذ وقال آخر: تنازعوا لذّة الصهباء بينهم ... وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب لا يحفظون على السكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب ذكر ما قيل في وصف آلات الشراب وأوانيها من ذلك ما قيل في وصف معصرة الخمر: قال أبو الفرج الببّغاء: ومعصرة أنخت بها ... وقرن الشمس لم يغب فخلت قرارها بالرا ... ح بعض معادن الذهب وقد ذرفت لفقد الكر ... م فيها أعين العنب وجاش عباب واديها ... بمنهلّ ومنسكب وياقوت العصير بها ... يلاعب لؤلؤ الحبب فياعجبا لعاصرها ... وما يفنى به عجبى وكيف يعيش وهو يخو ... ض في بحر من اللهب

стр. 1324

وقال ابن المعتزّ يصف الدّنان: ودنان كمثل صفّ رجال ... قد أقيموا ليرقصوا دستبندا «١» وقال القطامىّ يصف جرار الخمر: واستودعتها رواقيد «٢» مقيّرة «٣» ... دكن الظواهر قد برنسن بالطّين مكافحات لحرّ الشمس قائمة ... كأنهنّ نبيط في تبابين «٤» وقال العلوىّ الأصفهانىّ: مخدّرة مكنونة قد تقشّفت ... كراهبة بين الحسان الأوانس وأترابها يلبسن بيض غلائل ... هى العرى مغرور بها كلّ لابس مشعّثة مرهاء «٥» ما خلت أننى ... أرى مثلها عذراء في زىّ عانس ومما قيل في الراووق ؛ قال بعض الشعراء: كأنما الراووق وانتصابه ... خرطوم فيل سقطت أنيابه والبيت منه عطر ترابه ... كأنّ مسكا فتّقت عيابه وقال آخر: سماء لاذ «٦» ، قطرها رحيق ... رحب الذّرى ينحطّ فيه الضّيق ماء عقيق لو جرى العقيق ... حتى اذا ألهبها التّصفيق صحنا الى جيراننا: الحريق

стр. 1325

ومما وصفت به زقاق الخمر ؛ فمن ذلك قول الأخطل: أناخوا فجرّوا شاصيات «١» كانها ... رجال من السودان لم يتسربلوا وقال أبو الهندىّ وأجاد في شعره: أتلف المال وما جمعته ... طلب اللّذات من ماء العنب واستباء الزقّ من حانوتها ... شائل الرجلين معضوب «٢» الذنب كلّما كبّ لشرب خلته ... حبشيّا قطعت منه الرّكب وقال ابن المعتزّ: وتراها وهى صرعى ... فرّغا بين الندامى مثل أبطال حروب ... قتلوا فيها كراما وقال العلوىّ الأصفهانىّ: عجبت من حبشىّ لا حراك به ... لا يدرك الثأر إلا وهو مذبوح طورا يرى وهو بين الشّرب مضطجع ... رخو الصّفاق «٣» وطورا وهو مشبوح ومما وصفت به الأباريق ؛ فمن ذلك قول شبرمة بن الطفيل: كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... إوزّ بأعلى الطفّ عوج الحناجر وقال آخر: يا ربّ مجلس فتية نادمتهم ... من عبد شمس في ذرى العلياء وكأنما إبريقهم من حسنه ... ظبى على شرف أمام ظباء وقال ابن المعتزّ: وكأنّ إبريق المدام لديهم ... ظبى على شرف أناف مدلها

стр. 1326

لما استحثّته السّقاة جثى لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها وقال إسحاق الموصلىّ: كأن أباريق المدام لديهم ... ظباء بأعلى الرّقمتين قيام وقد شربوا حتى كأنّ رقابهم ... من اللّين لم يخلق لهنّ عظام وكلّهم نظروا الى قول علقمة بن عبدة: كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مقدّم بسبا «١» الكتّان ملثوم وقال محمد بن هانىء من أبيات: والأباريق كالظباء العواطى ... أوجست نبأة الخيول العتاق مصغيات إلى الغناء مطلا ... ت عليه كثيرة الإطراق وهى شمّ الأنوف يشمخن كبرا ... ثم يرعفن بالدّم المهراق وقال أبو نواس عفا الله عنه: والكوب يضحك كالغزال مسبّحا ... عند الركوع بلثغة الفأفاء وكأنّ أقداح الرحيق إذا جرت ... وسط الظلام كواكب الجوزاء وقال بشّار بن برد: كأنّ إبريقنا والقطر من فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار ومما وصفت به الكاسات والأقداح ؛ فمن ذلك قول ابن المعتزّ: غدا بها صفراء كرخيّة ... تخالها في كأسها تتّقد وتحسب الماء زجاجا لها ... وتحسب الأقداح ماء جمد وقال ابن المعتزّ أيضا عفا الله عنه: وكأس تحجب الأبصار عنها ... فليس لناظر فيها طريق

стр. 1327

كأن غمامة بيضاء بينى ... وبين الكأس تخرقها البروق وقال أبو الفرج الببّغاء: من كلّ جسم كأنه عرض ... يكاد لطفا باللحظ ينتهب كأنما صاغه النّفاق فما ... يخلص منه صدق ولا كذب وقال الرفّاء: كأنّ الكؤس بفضلاتها ... متوّجة بأكاليل نور جيوب من الوشى مزرورة ... يلوح عليها بياض النحور وقال آخر: وكأنما الأقداح مترعة الحشا ... بين الشروب كواكب الجوزاء وكأنها ياقوتة فضلاتها ... مخروطة من درّة بيضاء وقال المعوّج: يعاطيك كأسا غير ملأى كأنها ... إذا مزجت أحداق درع مزرّد كأنّ أعاليها بياض سوالف ... يلوح على توريد خدّ مورّد وقال أبو نواس: وكأنما الروض السماء ونهره ... فيه المجرّة والكؤس الأنجم وقال الثعالبىّ: يا واصف الكأس بتشبيهها ... دونك وصفا عالى القدر كأنّ عين الشمس قد أفرغت ... فى قالب صيغ من البدر وقال آخر: أقول للكأس إذ تبدّت ... بكفّ أحوى أغنّ أحور أخربت بيتى وبيت غيرى ... وأصل ذا كعبك المدوّر

стр. 1328

الباب الخامس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى النّدمان والسّقاة [ومما قيل في الندمان] قال سهل بن هارون: ينبغى للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك يتصرّف بشهواته ويتقلّب بإرادته، لا يملّ المعاشرة، ولا يسأم المسامرة؛ إذا انتشى يحفظ، وإذا صحا يبقظ، ويكون كاتما لسرّه، ناشرا لبرّه. قالوا: فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤونة؛ وأنا للجدّ، وأنت للهزل؛ وأنا للشدّة، وأنت للرخاء؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم: أنا للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحظوة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا قاعد، وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لما فيه سعادتى؛ فأنا شريك وأنت معين، كما أنك تابع وأنا قرين. فلم يحر الكاتب جوابا. والله أعلم. وسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ ﵀ عن الندماء، فقال: واحد غمّ، واثنان همّ، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستّة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة أضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت. وقال الجمّاز: النبيذ حرام على اثنى عشر نفسا، من غنّى الخطأ، واتكأ على اليمين، وأكثر من أكل البقل، وكسر الزجاج، وسرق الريحان، وبل ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع البمّ «١» ، وحبس أوّل قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت فيه.

стр. 1329

قال أبو هلال العسكرىّ: ما أعاف النبيذ خيفة إثم ... إنما عفته لفقد النّديم ليس في اللهو والمدامة حظّ ... لكريم دون النديم الكريم فتخيّر قبل النبيذ نديما ... ذا خلال معطّرات النسيم وجمال إذا نظرت بديع ... وضمير إذا اختبرت سليم وقال آخر: أرى للكأس حقّا لا أراه ... لغير الكأس إلا للنديم هو القطب الذى دارت عليه ... رحى اللّذات في الزمن القديم وقال آخر: وندمان أخى ثقة ... كأنّ حديثه حبره «١» يسرّك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره وقال آخر: ونديم حلو الحديث يجاري ... ك بما تشتهيه في ميدانك ألمعىّ كأنّ قلبك في أض ... لاعه أو كلامه في لسانك وقال يحيى بن زياد: ولست له في فضلة الكأس قائلا ... لأصرفه عنها «٢» : تحسّ وقد أبى ولكن أحييّه وأكرم وجهه ... وأشرب ما أبقى وأسقيه ما اشتهى ولست إذا ما نام عندى بموقظ ... ولا مسمع يقظان شيئا من الأذى وقال آخر: ليس من شأنه إذا دارت الكأ ... س فأزرى إدمانها بالحلوم

стр. 1330

قول ما يسخط النديم وإن أسخطه ... عند ذاك قول النديم وقال عبد الرحمن العطوىّ ﵀: اخطب لكأسك ندمانا تسرّ به ... أو لا فنادم عليها حكمة الكتب أخطبه حرّا كريما ذا محافظة ... ترى مودّته من أقرب النسب وقال أبو نواس: وندمان يرى عيبا عليه ... بأن يمشى وليس به انتشاء إذا نبّهته من نوم سكر ... كفاه مرّة منك النداء فليس بقائل لك: إيه دعنى ... ولا مستخبرا لك ما تشاء ولكن سقّنى ويقول أيضا ... عليك الصّرف إن أعياك ماء اذا ما أدركته الظهر صلّى ... ولا عصر عليه ولا عشاء يصلّى هذه في وقت هذى ... وكلّ صلاته أبدا قضاء وقال آخر: نبهت ندمانى فهبّوا ... بعد المنام لما استحبّوا هذا أجاب وذا أنا ... ب وذا يسير وذاك يحبو أنشدتهم بيتا يعلّم ... ذا الصبابة كيف يصبو «ما العيش إلا أن تحبّ ... وأن يحبّك من تحبّ» فتطرّبوا والأريحية ... شأنها طرب وشرب وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه: ونديم نبّهته ودجى الليل ... وضوء الصباح يعتلجان قم نبادر بها الصيام فقد أق ... مر ذاك الهلال من شعبان

стр. 1331

وقال أيضا: بات نديما لى حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح يساقط الورد علينا وقد ... تبلّج الصبح، نسيم الرياح إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبّت الخلخال جال الوشاح «١» أمزج كأسى بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح ومنهم من كره النديم وآثر الانفراد. قال إبراهيم الموصلىّ عفا الله تعالى عنه ورحمه: دخلت يوما على الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب، فقلت له: تنادم كلبا! قال: نعم، يمنعنى أذاه، ويكفّ عنّى أذى سواه، ويشكر قليلى، ويحفظ مبيتى ومقيلى. وأنشد: وأشرب وحدى من كراهتى الأذى ... مخافة شرّ أو سباب لئيم انتهى وأستغفر الله العظيم. ومما قيل في السّقاة ؛ فمن ذلك قول الصنوبرىّ عفا الله عنه: ومورد الخدّين يخطر ... حين يخطر في مورّد يسقيك من جفن اللّجي ... ن اذا سقاك دموع عسجد حتى تظنّ النجم ين ... زل أو تظنّ الأرض تصعد فإذا سقاك بعينه ... وبفيه ثم سقاك باليد حيّاك بالياقوت ثم ... الدّرّ من تحت الزّبرجد

стр. 1332

وقال ديك الجنّ: ومزر بالقضيب اذا تثنّى ... ومزهاة على القمر التمام سقانى ثم قبّلنى وأوما ... بطرف سقمه يشفى سقامى فبتّ له على الندمان أسقى ... مداما في مدام في مدام وقال ابن المعتزّ: تدور علينا الراح من كفّ شادن ... له لحظ عين يشتكى السقم مدنف كأنّ سلاف الخمر من ماء خدّه ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف وقال أيضا: بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه الكلام فكأنّ السّقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام وقال أحمد بن أبى فنن: بكفّ مقرطق خنث ... تطيب بطيبه الرّيب تراها وهى في كفّي ... هـ من خدّيه تلتهب وقال الصنوبرىّ: وساق اذا همّ ندماننا ... بأن يزجى الكأس لم يزجه كلعبة عاج على فرشه ... وليث عرين على سرجه لطيف الممنطق مهتزّه ... ثقيل المؤزّر مرتجّه سقانى بعينيه أضعاف ما ... سقانى بكفّيه من غنجه وقال آخر: يا ساقى القوم إن دارت إلىّ فلا ... تمزج فإنى بدمعى مازج كاسى ويافتى الحىّ إن غنّيت من طرب ... فغنّ: واحربا من قلبه القاسى

стр. 1333

وقال ابن المعتزّ: وعاقد زنّار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس وقال أيضا: قام كالغصن في النقا ... يمزج الشمس بالقمر وسقانى المدام ... والليل بالصبح مؤتزر والثريّا كنور غصن ... على الغرب قد نثر وقال البحترىّ: وفي القهوة أشكال ... من الساقى وألوان حباب مثل ما يضحك ... عنه وهو جذلان ويسكر مثل ما يسكر ... طرف منه وسنان وطعم الريق إن جاد ... به والصبّ هيمان لنا من كفّه راح ... ومن ريّاه ريحان وقال أبو القاسم الهبيرىّ الكاتب رحمة الله تعالى عليه: سقانا الراح ساق، كلّ راح ... سوى ألحاظ عينيه سراب يدير الكأس مبتسما علينا ... فما ندرى أثغر أم حباب؟ وقد سفر الدجى عن ثوب فجر ... منير مثل ما سفر النقاب فخلت الصبح في أثر التريّا ... بشيرا جاء في يده كتاب وقال أبو الشّيص: يطوف علينا به أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان غزال تميل بأعطافه ... قناة تعطّف كالخيزران

стр. 1334

وقال أبو بكر محمد بن عمّار: وهويته يسقى المدام كأنه ... قمر يطوف بكوكب في حندس متأرّج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزّته الصّبا بتنفّس يسعى بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى في محاجر نرجس وقال المعوّج يصف ساقية: لا عيش إلا من كفّ ساقية ... ذات دلال في طرفها مرض كأنما الكأس حين تمزجها ... نجوم ليل تعلو وتنخفض وقال آخر يصف امرأة ساقية: وساقية كأنّ بمفرقيها ... أكاليلا على طبقات ورد لها طيب المنى وصفاء لون ... وحمرة وجنة ومذاق شهد وقال ديك الجنّ يصف ساقيا وساقية: أفديكما من حاملى قدحين ... قمرين في غصنين في دعصين رود منعّمة ومهضوم الحشا ... للناظرين منّى وقرّة عين قامت مؤنّثة وقام مؤنّثا ... فتناهبا الألحاظ بالنظرين صبّا علىّ الراح إن هلالنا ... قد صبّ نعمته على الثّقلين وإلىّ كأسكما على ما خيّلت ... بالتبر معجونا بماء لجين

стр. 1335

الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى الغناء والسماع ، وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة، وما استدلّ به من رأى ذلك؛ ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين ومن الأئمة والعبّاد والزّهاد، ومن غنّى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقوّاد والأكابر، وأخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسيّة الى العربيّة، ومن أخذ عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان. ذكر ما ورد في الغناء من الحظر والإباحة قد تكلم الناس في الغناء في التحريم والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم؛ فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه، واستدلّ على تحريمه؛ ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقا وأباحه وصمّم على إباحته؛ ومنهم من فرّق بين أن يكون الغناء مجرّدا أو أضيف اليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الالات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف والقصب، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرّم سماع الالات مطلقا. ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلّة استدلّت بها. وقد رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف النظائر المطوّلة فنقول وبالله التوفيق. أما ما قيل في تحريم الغناء وما استدلّ به من رأى ذلك ، فإنهم استدلّوا على التحريم بالكتاب والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من علماء
следующие страницы →