Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وقال أيضا:
بات نديما لى حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح
يساقط الورد علينا وقد ... تبلّج الصبح، نسيم الرياح
إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبّت الخلخال جال الوشاح «١»
أمزج كأسى بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح
ومنهم من كره النديم وآثر الانفراد. قال إبراهيم الموصلىّ عفا الله تعالى عنه ورحمه:
دخلت يوما على الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب، فقلت له:
تنادم كلبا! قال: نعم، يمنعنى أذاه، ويكفّ عنّى أذى سواه، ويشكر قليلى، ويحفظ مبيتى ومقيلى. وأنشد:
وأشرب وحدى من كراهتى الأذى ... مخافة شرّ أو سباب لئيم
انتهى وأستغفر الله العظيم.
ومما قيل في السّقاة
؛ فمن ذلك قول الصنوبرىّ عفا الله عنه:
ومورد الخدّين يخطر ... حين يخطر في مورّد
يسقيك من جفن اللّجي ... ن اذا سقاك دموع عسجد
حتى تظنّ النجم ين ... زل أو تظنّ الأرض تصعد
فإذا سقاك بعينه ... وبفيه ثم سقاك باليد
حيّاك بالياقوت ثم ... الدّرّ من تحت الزّبرجد
стр. 1332
وقال ديك الجنّ:
ومزر بالقضيب اذا تثنّى ... ومزهاة على القمر التمام
سقانى ثم قبّلنى وأوما ... بطرف سقمه يشفى سقامى
فبتّ له على الندمان أسقى ... مداما في مدام في مدام
وقال ابن المعتزّ:
تدور علينا الراح من كفّ شادن ... له لحظ عين يشتكى السقم مدنف
كأنّ سلاف الخمر من ماء خدّه ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف
وقال أيضا:
بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه الكلام
فكأنّ السّقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام
وقال أحمد بن أبى فنن:
بكفّ مقرطق خنث ... تطيب بطيبه الرّيب
تراها وهى في كفّي ... هـ من خدّيه تلتهب
وقال الصنوبرىّ:
وساق اذا همّ ندماننا ... بأن يزجى الكأس لم يزجه
كلعبة عاج على فرشه ... وليث عرين على سرجه
لطيف الممنطق مهتزّه ... ثقيل المؤزّر مرتجّه
سقانى بعينيه أضعاف ما ... سقانى بكفّيه من غنجه
وقال آخر:
يا ساقى القوم إن دارت إلىّ فلا ... تمزج فإنى بدمعى مازج كاسى
ويافتى الحىّ إن غنّيت من طرب ... فغنّ: واحربا من قلبه القاسى
стр. 1333
وقال ابن المعتزّ:
وعاقد زنّار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال أيضا:
قام كالغصن في النقا ... يمزج الشمس بالقمر
وسقانى المدام ... والليل بالصبح مؤتزر
والثريّا كنور غصن ... على الغرب قد نثر
وقال البحترىّ:
وفي القهوة أشكال ... من الساقى وألوان
حباب مثل ما يضحك ... عنه وهو جذلان
ويسكر مثل ما يسكر ... طرف منه وسنان
وطعم الريق إن جاد ... به والصبّ هيمان
لنا من كفّه راح ... ومن ريّاه ريحان
وقال أبو القاسم الهبيرىّ الكاتب رحمة الله تعالى عليه:
سقانا الراح ساق، كلّ راح ... سوى ألحاظ عينيه سراب
يدير الكأس مبتسما علينا ... فما ندرى أثغر أم حباب؟
وقد سفر الدجى عن ثوب فجر ... منير مثل ما سفر النقاب
فخلت الصبح في أثر التريّا ... بشيرا جاء في يده كتاب
وقال أبو الشّيص:
يطوف علينا به أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان
غزال تميل بأعطافه ... قناة تعطّف كالخيزران
стр. 1334
وقال أبو بكر محمد بن عمّار:
وهويته يسقى المدام كأنه ... قمر يطوف بكوكب في حندس
متأرّج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزّته الصّبا بتنفّس
يسعى بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى في محاجر نرجس
وقال المعوّج يصف ساقية:
لا عيش إلا من كفّ ساقية ... ذات دلال في طرفها مرض
كأنما الكأس حين تمزجها ... نجوم ليل تعلو وتنخفض
وقال آخر يصف امرأة ساقية:
وساقية كأنّ بمفرقيها ... أكاليلا على طبقات ورد
لها طيب المنى وصفاء لون ... وحمرة وجنة ومذاق شهد
وقال ديك الجنّ يصف ساقيا وساقية:
أفديكما من حاملى قدحين ... قمرين في غصنين في دعصين
رود منعّمة ومهضوم الحشا ... للناظرين منّى وقرّة عين
قامت مؤنّثة وقام مؤنّثا ... فتناهبا الألحاظ بالنظرين
صبّا علىّ الراح إن هلالنا ... قد صبّ نعمته على الثّقلين
وإلىّ كأسكما على ما خيّلت ... بالتبر معجونا بماء لجين
стр. 1335
الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى الغناء والسماع ،
وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة، وما استدلّ به من رأى ذلك؛ ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين ومن الأئمة والعبّاد والزّهاد، ومن غنّى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقوّاد والأكابر، وأخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسيّة الى العربيّة، ومن أخذ عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان.
ذكر ما ورد في الغناء من الحظر والإباحة
قد تكلم الناس في الغناء في التحريم والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم؛ فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه، واستدلّ على تحريمه؛ ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقا وأباحه وصمّم على إباحته؛ ومنهم من فرّق بين أن يكون الغناء مجرّدا أو أضيف اليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الالات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف والقصب، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرّم سماع الالات مطلقا. ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلّة استدلّت بها. وقد رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف النظائر المطوّلة فنقول وبالله التوفيق.
أما ما قيل في تحريم الغناء وما استدلّ به من رأى ذلك ،
فإنهم استدلّوا على التحريم بالكتاب والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من علماء
стр. 1336
المسلمين.
أما دليلهم من الكتاب العزيز
فقول الله عزّوجلّ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
. وقوله عزّوجلّ:
(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
. وقوله : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)
. وقوله ﵎: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) .
وقوله : (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
، وقوله: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ)
. قال ابن عباس:
(سامدون) هو الغناء بلغة حمير، وقال مجاهد: هو الغناء بقول أهل اليمن، سمد فلان اذا غنّى. وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال في هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
: إنه الغناء، ومن طريق آخر: إنه الغناء وأشباهه.
وروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: هو- والذى لا إله إلا هو- الغناء. وعن مجاهد رضى الله عنه في قوله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
قال: صوته الغناء والمزامير. وعنه في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)
قال: الغناء.
وأمّا دليلهم من السنّة ،
فما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: إن الله عزّوجلّ حرّم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها، ثم قرأت (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
الآية. وروى أبو أمامة رضى الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث الله عزّوجلّ اليه شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك» . وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ :
«كان إبليس أوّل من ناح وأوّل من تغنّى» . وعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله
стр. 1337
عنه أن رسول الله ﷺ قال: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة» .
وأمّا أقوال الصحابة والتابعين رضى الله عنهم ،
فقد روى عن عثمان بن عفّان رضى الله عنه أنه قال: ما تغنّيت قطّ. فتبرّأ من الغناء وتبحّح بتركه. وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وروى أنّ ابن عمر رضى الله عنهما مرّ على قوم محرمين ومعهم قوم ورجل يغنّى فقال: الا لا أسمع والله لكم، ألا لا أسمع والله لكم. وروى عن عبد الله ابن دينار قال: مرّ ابن عمر رضى الله عنهما بجارية صغيرة تغنّى، فقال: لو ترك الشيطان أحدا ترك هذه. وعن إسحاق بن عيسى قال: سألت مالك بن أنس رضى الله عنه عما ترخّص فيه بعض أهل المدينة من الغناء فقال: ما يفعله عندنا إلا الفسّاق. وقال الشعبىّ: لعن المغنّى والمغنّى له. وقال الحكم بن عتيبة: حبّ السماع ينبت النفاق في القلب. وروى أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال: ما تقول فى الغناء، أحرام هو؟ فأعاد عليه؛ فقال له في الثالثة: اذا كان يوم القيامة فأتى بالحق والباطل أين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. قال القاسم: فأفت نفسك. وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال بعضهم: الغناء رائد من روّاد الفجور. وقال الضحّاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب. وقال يزيد ابن الوليد مع اشتهاره بما اشتهر به: يا بنى أميّة، إيّاكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر؛ فإن كنتم لا شكّ فاعلين فجنّبوه النساء؛ فإن الغناء رقية الزنا. وإنى لأقول ذلك فيه على أنه أحبّ إلىّ من كلّ لذّة، وأشهى الى نفسى من الماء الى ذى الغلّة الصادى، ولكن الحقّ أحقّ أن يقال.
стр. 1338
وأمّا أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى
فقد قال الإمام الشافعىّ رضى الله عنه فى كتاب أدب القضاة: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال: من استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته. قال القاضى حسين بن محمد: وأمّا سماعه من المرأة التى ليست بمحرم، فإن أصحاب الشافعىّ قالوا: لا يجوز بحال سواء كانت بارزة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرّة أو مملوكة. وقال الشافعىّ: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تردّ شهادته. ثم غلّظ القول فيه وقال:
هو دياثة. قال: وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الى باطل كان سفيها فاسقا. وقال مالك بن أنس: اذا اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها بالعيب، قال: وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده. وكره أبو حنيفة ذلك وجعل سماع الغناء من الذنوب. قال: وذلك مذهب سائر أهل الكوفة وسفيان الثورىّ، وحمّاد بن سلمة، وإبراهيم النّخعىّ، والشعبىّ وغيرهم لا خلاف بينهم في ذلك. قال: ولا يعرف أيضا بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه. وقال بعض الزهّاد: والغناء يورث العناد في قوم، ويورث التكذيب في قوم، ويورث القساوة في قوم.
وقال بعضهم عن حاله عند السماع:
أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا ... على طيب الغناء الى الصباح
ودارت بيننا كأس الأغانى ... فأسكرت النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحى
إذا لبّى أخو اللذّات فيه ... منادى اللهو حىّ على السماح
ولم يملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ ملاح
стр. 1339
هذا ملخص ما ذكروه في تحريم الغناء. وقد استدلّ من أباحه بما يناقض ما تقدّم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في إباحة الغناء.
ذكر ما ورد في إباحة الغناء والسماع والضرب بالآلة
وقد تكلم الناس في إباحة الغناء وسماع الأصوات والنغمات والآلات، وهى الدفّ واليراع والقصب والأوتار على اختلافها من العود والطّنبور وغيره، وأباحوا ذلك واستدلّوا عليه وضعفّوا الأحاديث الواردة في تحريمه، وتكلّموا على رجالها وجرّحوهم وبسطوا في ذلك المصنّفات ووسّعوا القول وشرحوا الأدلّة. وطالعت من ذلك عدّة تصانيف في هذا الفنّ مجرّدة له ومضافة الى غيره من العلوم. وكان ممّن تكلّم فى ذلك وجرّد له تصنيفا الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدّسى رحمه الله تعالى، فقال في ذلك ما نذكر مختصره ومعناه:
اعلم أن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحنيفية السمحة الى الكافّة.
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
. فبلّغ رسول الله ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وسنّ وشرع، وأمر ونهى، كما أمر ﷺ . فليس لأحد بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم والاتباع لسنّتهم أن يحرّم ما أحلّ الله عزّوجلّ ورسوله ﷺ إلا بدليل ناطق من آية محكمة، أو سنّة ماضية صحيحة، أو إجماع من الأمة على مقالته.
стр. 1340
وأما الاستدلال بالموضوعات والغرائب والأفراد من رواية المكذّبين والمجرحين الذين لا تقوم بروايتهم حجّة، وبأقاويل من فسّر القرآن على حسب مراده ورأيه، فلا يرجع إلى قولهم ولا يسلك طريقهم؛ إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره، وإنما يلزم بقول من أيّد بالوحى والتنزيل، وعصم من التغيير والتبديل. قال الله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى)
. فعلمنا أنه ﷺ لم يأمر ولم ينه عن أمر إلا بوحى من الله تعالى. وكذلك كان ﷺ اذا سئل عن أمر لم ينزل فيه وحى توقّف حتى يأتيه الوحى، وليست هذه المنزلة لغيره فيلزم قبول قوله.
ذكر ما استدلّوا به على إباحة الغناء من الأحاديث النبوية
قد استدلّوا على إباحة الغناء بأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ .
منها ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: دخل علىّ أبو بكر رضى الله عنه وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنّيتين؛ فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ! وذلك يوم عيد. فقال له رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» . ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها قالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنّيان بغناء بعاث؛ فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهزنى وقال: مزمارة الشيطان عند النبىّ ﷺ ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما» . فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدّرق والحراب، فإمّا سألت رسول الله ﷺ ، وإمّا قال: «تشتهين تنظرين» فقلت نعم.
стр. 1341
فأقامنى وراءه، خدّى على خدّه وهو يقول: «دونكم يا بنى أرفدة «١» » حتى اذا مللت قال. «حسبك؟» قلت نعم. قال: «فاذهبى» . ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها: أنّ أبا بكر رضى الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منّى تدفّفان وتضربان والنّبى ﷺ متغشّ بثوبه؛ فانتهرهما أبو بكر؛ فكشف النبىّ ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» .
وتلك الأيام أيام منى. وقالت عائشة: رأيت النبىّ ﷺ يسترنى وأنا أنظر الى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النبىّ ﷺ :
«دعهم أمنا بنى أرفدة» (يعنى من الأمن) . قال أبو محمد علىّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم ﵀ عند ذكر هذه الأحاديث: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيّدى هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، أبى بكر وعمر رضى الله عنهما! وقد أنكر ﵊ عليهما إنكارهما، فرجعا عن رأيهما إلى قوله ﷺ . وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت جارية من الأنصار فى حجرى فزففتها؛ فدخل رسول الله ﷺ ولم يسمع غناء، فقال:
«يا عائشة ألا تبعثين معها من يغنّى فإن هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء» . وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فأهدتها إلى قباء؛ فقال لها رسول الله ﷺ : «أهديت عروسك» ؟
قالت نعم. قال: «فأرسلت معها بغناء فإن الأنصار يحبّونه» ؟ قالت لا. قال:
«فأدركيها يا زينب» (امرأة كانت تغنّى بالمدينة) رواه أبو الزبير محمد بن الزبير بن مسلم المكّى عن جابر. وعنه أيضا قال: أنكحت عائشة رضى الله عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار؛ فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أهديتم الفتاة» ؟
стр. 1342
قالوا نعم. قال: «أرسلتم معها» ؟.- قال أبو طلحة راوى الحديث: ذهب عنى- فقالت لا. فقال رسول الله ﷺ : «إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيّانا وحيّاكم «١» »
وروى عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله ﷺ : «لله أشدّ أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة الى قينته» . قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ومسلم، ولم يخرّجاه؛ وقد خرّجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينىّ فى سننه. قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ رحمه الله تعالى: ووجه الاحتجاج من هذا الحديث هو أنّ رسول الله ﷺ أثبت أن الله تعالى يستمع الى حسن الصوت بالقرآن كما يستمع صاحب القينة الى قينته، فأثبت دليل السماع إذ لا يجوز أن يقيس على استماع «٢» محرّم. قال: ولهذا الحديث أصل فى الصحيحين أخرجاه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن «٣» لنبىّ يتغنّى بالقرآن» . هذا ما ورد في السماع.
وأمّا ما ورد في الضرب بالآلة، فمن ذلك ما ورد في الدّفّ .
روى عن محمد ابن حاطب قال قال رسول الله ﷺ : «فصل ما بين الحلال والحرام
стр. 1343
الدّفّ والصوت في النكاح» . قال الحافظ أبو الفضل رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح ألزم أبو الحسن الدارقطنىّ مسلما إخراجه في الصحيح، وقال: قد روى عنه (يعنى محمد بن حاطب) أبو مالك الأشجعىّ وسماك بن حرب وابن عون ويوسف بن سعد وغيرهم. قال: وأخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائىّ وأبو عبد الله ابن ماجه في سننهما. وروى الحافظ أبو الفضل بسند رفعه إلى جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ سمع صوت دفّ فقال: «ما هذا» ؟ فقيل: فلان تزوّج. فقال: «هذا نكاح ليس بالسّفاح» . وقد ضعّف أبو الفضل إسناد هذا الحديث، وقال: إنما أخرجته على ضعف إسناده لأنه شاهد الحديث الصحيح المتقدّم. وروى أبو الفضل أيضا بسنده إلى خالد بن ذكوان عن الرّبيّع بنت معوّذ قالت: جاء رسول الله ﷺ فدخل علىّ صبيحة «١» بنى علىّ، فجلس على فراشى كمجلسك منّى، فجعلت جويريات يضربن بدفّ لهنّ ويندبن من قتل من آبائى يوم بدر إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبىّ يعلم ما في غد؛ فقال: «دعى هذا «٢» وقولى الذى كنت تقولين قبله» . وهذا حديث صحيح أخرجه البخارىّ قال: وقد رواه حمّاد بن سلمة عن خالد بن ذكوان أتمّ من هذا، قال: كنّا بالمدينة يوم عاشوراء وكان الجوارى يضر بن بالدّفّ ويغنّين، فدخلنا على الرّبيع بنت معوّذ، فذكرنا لها ذلك، فقالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ صبيحة عرسى وعندى جاريتان تغنّيان وتندبان آبائى الذين قتلوا يوم بدر، ونقولان فيما تقولان: وفينا نبىّ يعلم ما في غد، فقال: «أمّا هذا فلا تقولوه لا يعلم ما في غد إلا الله عزّوجلّ» .
وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ سافر سفرا، فنذرت
стр. 1344
جارية من قريش لئن ردّه الله تعالى أن تضرب في بيت عائشة بدفّ. فلما رجع رسول الله ﷺ جاءت الجارية فقالت عائشة لرسول الله ﷺ : فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردّك الله تعالى أن تضرب في بيتى بدفّ؛ قال:
«فلتضرب» . قال أبو الفضل: وهذا إسناد متّصل ورجاله ثقات، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية الله» . فلو كان ضرب الدف معصية لأمر بالتكفير عن نذرها أو منعها من فعله. وروى عن الشعبىّ قال: مرّ عياض الأشعرىّ في يوم عيد فقال: ما لى لا أراهم يفلّسون فإنه من السنّة!.
والتفليس: الضرب بالدفّ. قاله هشيم.
وأمّا ما ورد في اليراع ،
فقد احتجّ بعضهم بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وهو ما خرّجه أبو داود سليمان بن الأشعث السّجستانى في سننه قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله الغدانىّ، حدّثنا مسلم، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع، قال: سمع ابن عمر رضى الله عنهما مزمارا، فوضع إصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، وقال لى: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قلت لا. قال:
فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع رسول الله ﷺ فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. قال أبو عبد الله اللؤلئىّ: سمعت أبا داود يقول: هذا الحديث منكر. وقال الحافظ محمد بن طاهر: هذا حديث خرّجه أبو داود في سننه هكذا وقد أنكره. وقد ورد من غير هذا الطريق أن ابن عمر رضى الله عنهما سمع راعيا وذكره. وفساد هذا الحديث من وجهين: أحدهما فساد طريق الإسناد؛ فإن سليمان هذا هو الأشدق الدمشقىّ تكلم فيه أهل النقل وتفرّد بهذا الحديث عن نافع ولم يروه عنه غيره. وقال البخارىّ: سليمان بن موسى عند، مناكير. والثانى
стр. 1345
قول عبد الله بن عمر لنافع رضى الله عنهم: أتسمع؟ ولو كان ذلك منهيّا عنه لم يأمره بالاستماع. وقوله: كنت مع رسول الله ﷺ فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. ولو كان حراما لنهاه عنه وصرح بتحريمه؛ لأنه الشارع المأمور بالبيان. قالت عائشة رضى الله عنها: علّقت على سهوة «١» لى سترا فيه تصاوير، فلما رآه رسول الله ﷺ تلوّن وجهه وهتكه. وسمع النبىّ ﷺ عمر بن الخطاب رضى الله عنه يحلف بآبائه فنهاه عن ذلك. ورأى يزيد بن طخفة مضطجعا على بطنه فنهاه وقال: «هذه ضجعة يبغضها الله عزّوجلّ» .
وسمع ﷺ رجلا يلعن ناقته، فوقف فقال: «لا يتبعنا ملعون» ؛ فنزل عنها وأرسلها. قال الحافظ المقدسىّ: وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، فثبت فساد هذا الحديث إسنادا ومتنا.
وأمّا ما ورد في القصب والأوتار .
ويقال له التغيير، ويقال له القطقطة أيضا. ولا فرق بينه وبين الأوتار؛ إذ لم يوجد في إباحته وتحريمه أثر لا صحيح «٢» ولا سقيم؛ وإنما استباح المتقدّمون استماعه لأنه مما لم يرد الشرع بتحريمه، وكان أصله الإباحة.
وأمّا الأوتار، فالقول فيها القول في القصب، لم يرد الشرع بتحليلها ولا تحريمها.
قال: وكل ما أوردوه في التحريم فغير ثابت عن رسول الله ﷺ . ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة سماعه. ومن الدليل على إباحته أن إبراهيم بن
стр. 1346
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتى بحلّه، وقد ضرب بالعود- وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى- ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، فكيف تسقط عدالة المستمع! ومكان يبالغ في هذا الأمر أتمّ مبالغة. وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح؛ وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار. والأئمة الذين رووا عنه أهل الحلّ والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا عنه بعد استماعهم غناءه وعلمهم أنه يبيحه، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدّث حديثا إلا بعد أن يغنّى على عود، وذلك أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه. قال: وهذا أمر لم يرد عن رسول الله ﷺ في تحليله ولا تحريمه نصّ يرجع إليه، فكان حكمه كحكم الإباحة. وإنما تركه من تركه من المتقدّمين تورّعا كما تركوا لبس اللّين وأكل الطّيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان؛ ومعلوم أن هذا كلّه حلال. وقد ترك رسول الله ﷺ أكل الضبّ وسئل عنه أحرام هو؟ قال: «لا ولكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه» وأكل على مائدته ﷺ . وقد روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أنه قال: إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شىء فاعلم أنه سنّة.
وقد روى عن محمد بن سيرين ﵀ أنّ رجلا قدم المدينة بجوار، فنزل على ابن عمر وفيهنّ جارية تضرب؛ فجاء رجل فساومه فلم يهو منهنّ شيئا. فقال:
انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا؛ فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهنّ عليه؛ فأمر جارية قال: خذى، فأخذت العود حتى ظنّ ابن عمر أنه قد نظر الى ذلك؛ فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، قال: فبايعه. ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى غبنت بسبعمائة درهم. فأتى
стр. 1347
ابن عمر إلى ابن جعفر فقال: إنه قد غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإمّا أن تردّ عليه بيعه؛ فقال: بل نعطيها إياه. وهذه الحكاية ذكرها أبو محمد بن حزم واستدلّ بها على إباحته فقال: فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجدّ فلم ينه عنه، وقد سفر «١» في بيع مغنّية كما ترى، ولو كان حراما ما استجاز ذلك أصلا.
وأما ما ورد في المزامير والملاهى ،
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ: وأما القول في المزامير والملاهى، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها. فمن ذلك ما رواه بسند رفعه إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهليّة يفعلونه غير مرّتين كلّ ذلك يحول الله بينى وبين ما أريده من ذلك ثم ما هممت بعدها بشىء حتى أكرمنى الله برسالته فإنى قلت لغلام من قريش ليلة وكان يرعى معى في أعلى مكة لو أنك أبصرت غنمى حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب قال أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أوّل دار من ديار مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان تزوّج فلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذنى فنمت فما أيقظى إلا مسّ الشمس فرجعت إلى صاحبى فقال ماذا فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم خبّرته الخبر [فقال «٢» ] ثم قلت له ليلة أخرى مثل
стр. 1348
ذلك فقال أفعل فخرجت حتى دخلت مكة فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت تلك الليلة فسألت عنه فقالوا فلان نكح فلانة فجلست أنظر فضرب الله على أذنى فما أيقظنى إلا مسّ الشمس فخرجت إلى صاحبى فأخبرته الخبر ثم ما هممت بسوء حتى أكرمنى الله تعالى برسالته» . قال الحافظ أبو الفضل:
وكان هذا قبل النبوّة والرسالة ونزول الأحكام والفرق بين الحلال والحرام؛ فإن الشرع لمّا ورد أمره الله تعالى بالإبلاغ والإنذار فأقرّه على ما كان عليه في الجاهلية ولم يحرّمه كما حرّم غيره. قال: والدليل على أنه باق على الإباحة قول الله :
(وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
. ثم بيّن الدليل على ذلك بما رواه بسنده إلى جابر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب قائما، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، يخطب خطبتين. فكانت الجوارى إذا أنكحوهنّ يمرّون فيضربون بالدفّ والمزامير فيتسلّل «١» الناس ويدعون رسول الله ﷺ قائما، فعاتبهم الله بقوله: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً)
. وقال:
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن عبد الله بن حميد عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال. والله عطف اللهو على التجارة وحكم المعطوف حكم ما عطف عليه، والإجماع على تحليل التجارة، فثبت أن هذا الحكم مما أقرّه الشرع على ما كان عليه في الجاهليّة لأنه غير محتمل أن يكون رسول الله ﷺ حرّمه، ثم يمرّ به على باب المسجد يوم الجمعة ثم يعاتب الله من ترك رسوله ﷺ قائما ثم خرج ينظر إليه ويستمع. ولم ينزل في تحريمه آية ولا سنّ رسول الله ﷺ سنّة، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله.
стр. 1349
قال: ويزيد ذلك بيانا ووضوحا حديث عائشة رضى الله عنها في المرأة التى زفّتها وقد تقدّم ذكر الحديث. وروى أيضا بسند رفعه عن زوج درّة بنت أبى لهب قال: دخل علىّ رسول الله ﷺ حين تزوّجت درّة فقال: «هل من لهو» .
ذكر ما ورد في توهين ما استدلّوا به على تحريم الغناء والسماع
قد ذكر الحافظ أبو الفضل المقدسىّ رحمه الله تعالى الأحاديث التى استدلوا بها على تحريمه وفسّروا بها الآيات والأحاديث التى استدلّوا بها على تحريمه ممّا قدّمنا ذكر ذلك في حججهم ومما لم نذكره مما يستدلّ به على تحريمه وكراهته وضعف رجالها.
وتكلم الإمام أبو حامد الغزالىّ ﵀ أيضا في ذلك ووهنّ احتجاجهم إذا ثبت الحديث على ما نذكر ذلك.
قال الحافظ أبو الفضل:
أمّا ما احتجّوا به من الآيات في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
الآية. وما أوردوه في ذلك من الأسانيد إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم، فنظرت في جميعها فلم أر فيها طريقا يثبت إلا واحدا منها رواه يوسف بن موسى القطّان عن جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
قال: الغناء وأشباهه. وسائرها لا يخلو من رواية ضعيف لا تقوم بروايته حجّة.
قال: ورأيت في بعضها رواية عطيّة العوفّى عن ابن عباس من حديث غير ثابت أصلا (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
قال: باطل الحديث وهو الغناء
стр. 1350
ونحوه؛ وهو أن رجلا من قريش اشترى جارية مغنّية فنزلت فيه. قال: وهذا وإن لم يصحّ عندى الاحتجاج بسندهم فيلزمهم قبوله لأنهم احتجّوا به فيكون فى حقّ هذا الرجل بعينه.
وقد ورد في الآية تفسير ثالث يلزمهم قبوله على أصلهم، وذكر حديثا رفعه إلى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه سمع النبىّ ﷺ يقول في قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
«اللعب والباطل وتشحّ نفسه أن يتصدّق بدرهم» . قال: وهذا أيضا غير ثابت عندى وإنما أوردت هذين التفسيرين مناقضة لما أوردوه فيما تمسّكوا به.
قال: ولن أركن إلى هذا أبدا ولا أقنع به ولا أحتجّ عليه ولا ألزمهم إياه، بل أقول صحّ عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما إجماع أهل السنّة على أن السنّة تقضى على الكتاب، وأن الكتاب لا يقضى على السنة، وقد جاءت السنّة الصحيحة:
أن النبىّ ﷺ استمع للغناء وأمر باستماعه، وقد أوردنا في ذلك من الأحاديث ما تقدّم إيراده. قال: وجواب ثان يقال لهؤلاء القوم المحتجين بهذه التفاسير: هل علم هؤلاء الصحابة الذين أوردتم أقاويلهم من هذه الآية ما علمه رسول الله ﷺ أو لم يعلمه؟ فإن قالوا: لم يعلمه وعلمه هؤلاء، كان جهلا عظيما بل كفرا. وإن قالوا: علمه، قلنا: نقل إلينا عنه في تفسير هذه الآية مثل ما نقل عن هؤلاء من الصحابة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال. ومن المحال أن يكون تفسير قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
هو الغناء، ويقول رسول الله ﷺ : «أما كان معكنّ لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو» .
стр. 1351
وقال أحمد بن حنبل ﵀: ثلاثة ليس لها أصل: المغازى، والملاحم، والتفسير.
وقال أبو حاتم محمد بن حسان في كتاب الضعفاء: الله يؤتى رسوله ﷺ تفسير كلامه وتأويل ما أنزل عليه حيث قال: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
ومن المخلّ المحال أن يأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يبيّن لخلقه مراده حيث جعله موضع الإبانة عن كلامه ومفسّرا لهم حتى يفهموا مراد الله فلا يفعل ذلك رسول الله ﷺ ؛ بل أبان مراد الله من الآى وفسّر لأمّته، ما تهمّ الحاجة إليه، وبيّن سنّته ﷺ . فمن تتبّع السنن وحفظها وأحكمها فقد عرف تفسير كتاب الله وأغناه الله تعالى عن الكلبىّ وذويه، وما لم يبيّن رسول الله ﷺ لأمّته في معانى الأى التى أنزلت عليه مع أمر الله له بذلك وجاز ذلك كان لمن بعده من أمّته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله ﷺ أحرى.
قال: ومن أعظم الدلائل على أن الله تعالى لم يرد بقوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
القرآن كله أن النبىّ ﷺ نزل عليه من الكتاب متشابه من الآى.
فالآيات التى ليس فيها أحكام لم يبين كيفيتها لأمته. فلما فعل ذلك رسول الله ﷺ دلّ ذلك على أن المراد من قوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
كان بعض القرآن لا الكلّ.
وقال الإمام أبو حامد الغزالىّ ﵀ في هذه الآية: وأمّا شراء لهو الحديث بالدّين استبدالا به ليضلّ به عن سبيل الله فهو حرام مذموم، وليس النزاع فيه.
стр. 1352
وليس كل غناء بدلا عن الدّين مشترى به ومضلّا عن سبيل الله وهو المراد في الآية، ولو قرأ القرآن: ليضل به عن سبيل الله لكان حراما.
حكى عن بعض المنافقين: أنه كان يؤمّ الناس ولا يقرأ إلا سورة «عبس» لما فيها من العتاب مع رسول الله ﷺ ، فهمّ عمر بقتله [ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال «١» ] فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم.
وقال الثعلبىّ في أحد أقواله عن تفسير هذه الآية عن الكلبىّ ومقاتل: نزلت فى النّضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصىّ؛ كان يتّجر فيخرج إلى فارس فيشترى أخبار الأعاجم فيرويها ويحدّث بها قريشا ويقول: إن محمدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.
واحتجوا بقوله تعالى: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ)
قال ابن عباس: هو الغناء بلغة حمير، يعنى- السمود- قال الغزالىّ ﵀: فنقول ينبغى أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا، لأن الآية تشتمل عليه، فإن قيل: إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين كما قال تعالى:
(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)
وأراد به شعراء الكفّار ولم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه.
واحتجّوا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
. قال الثعلبىّ:
قال الحسن، عن المعاصى. وقال ابن عباس: الحلف الكاذب. وقال مقاتل:
стр. 1353
الشتم والأذى. وقال غيرهم: ما لا يحلّ من القول والفعل. قال: وقيل اللغو الذى لا فائدة فيه.
واحتجّوا بقوله تعالى: (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
. قال الثعلبىّ:
أى القبيح من القول. وبقوله تعالى: (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)
. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفّار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وبقوله:
(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بدعائك إلى معصية الله تعالى. وكلّ داع إلى معصية الله تعالى فهو من جنود إبليس.
وأما ما احتجّوا به من الحديث فإنهم احتجّوا بحديث روى عن أبى أمامة الباهلىّ رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قال: «لا يحلّ بيع المغنّيات ولا شراؤهنّ ولا تحلّ التجارة فيهنّ وأثمانهنّ حرام والاستماع إليهنّ حرام» . قال الحافظ أبو الفضل المقدسىّ ﵀: هذا حديث رواه عبيد الله بن زحر عن علىّ ابن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة، قال: والصحابة كلهم عدول. وأما عبيد الله ابن زحر وعلىّ والقاسم فهم في الرواية سواء لا يحتجّ بحديث واحد منهم إذا انفرد بالرواية عن ثقة فكيف إذا روى عن مثله. أما عبيد الله بن زحر فيقال: إنه من أهل مصر. قال أبو مسهر الغسّانى: عبيد الله بن زحر صاحب كلّ معضلة ليس على حديثه اعتماد. وقال عثمان بن سعيد الدارمىّ: قلت ليحيى بن معين: عبيد الله ابن زحر كيف حديثه؟ قال: كل حديثه ضعيف، قلت: عن على بن يزيد وغيره؟
قال نعم. وقال عباس الدّورىّ عن يحيى: عبيد الله بن زحر ليس بشىء. وقال أبو حاتم في كتاب الضعفاء والمتروكين: عبيد الله بن زحر منكر الحديث جدّا، روى الموضوعات عن الثّقات وإذا روى عن علىّ بن يزيد أتى بالظلمات، وإذا اجتمع
стр. 1354
فى إسناد عبيد الله بن زحر وعلىّ بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحديث إلا ممّا عملت أيديهم فلا يحلّ الاحتجاج بهذه الصحيفة.
قال المقدسىّ: وهذا الحديث قد اجتمعوا في إسناده، قال: وأما علىّ بن يزيد فهو من أهل دمشق يكنى بأبى عبد الملك روى عن القاسم قال النّسائىّ في كتاب الضعفاء: علىّ بن يزيد متروك الحديث. وقال أبو عبد الرحمن بن حيّان: علىّ بن يزيد مطروح منكر الحديث جدّا. وأما القاسم بن عبد الرحمن ويكنى بأبى عبد الرحمن فقال يحيى بن معين: القاسم بن عبد الرحمن لا يسوى شيئا. وقال أحمد بن حنبل، وذكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال: منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حسّان: القاسم يروى عنه أهل الشأم، كان يروى عن الصحابة المعضلات ويأتى عن الثقات بالأسانيد المقلوبات، حتى كان يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها.
قال المقدسىّ: فهذا شرح أحوال رواة الحديث الذى احتجّوا به في التحريم، هل تجوز روايته كما ذكره الأئمة حتى يستدلّ به في التحليل والتحريم.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «أمرنى ربى بنفى الطنبور والمزمار» وهو حديث رواه إبراهيم بن اليسع بن الأشعث المكىّ وإسماعيل بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها، وإبراهيم هذا- قال البخارىّ-: منكر الحديث. وقال النسائىّ: المكّى ضعيف.
واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن ضرب الدّفّ ولعب الصّنج وصوت الزمّارة، وهو حديث رواه عبد الله بن ميمون عن مطر بن سالم عن علىّ قال: وعبد الله هو القدّاح ذاهب الحديث؛ ومطر هذا شبه المجهول.
стр. 1355
واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: نهانى رسول الله ﷺ عن المغنّيات والنوّاحات وعن شرائهنّ وبيعهنّ والتجارة فيهنّ وقال: «كسبهنّ حرام» . قال: وهذا حديث رواه علىّ بن يزيد الصّدائىّ عن الحارث بن نبهان عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن الحارث عن علىّ رضى الله عنه قال: والحارث بن نبهان ليس بشىء ولا يكتب حديث قاله يحيى بن معين. وقال البخارىّ: الحارث منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: الحارث رجل صالح ولم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال النسائىّ: الحارث بن نبهان متروك الحديث. لم يروه عن أبى إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعى وغيره ولا رواه عنه غير علّى بن يزيد الصّدائىّ. وعلى هذا قال أحمد بن عدىّ: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات.
والحارث الذى روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه هو الحارث بن عبد الله أبو زهير الخارفى «١» الأعور، أجمع أهل النقل على كذبه، والحمل في هذا الحديث على الحارث بن نبهان وإن كان في الإسناد من الضعفاء غيره.
واحتجّوا بما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «صوتان ملعونان فى الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت ندبة «٢» عند مصيبة» وهذا حديث رواه محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله عنهما، ومحمد بن زياد هذا هو الطحّان اليشكرىّ. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:
سألت أبى عنه فقال: أعور كذّاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى بن معين:
стр. 1356
أجمع الناس على طرح هؤلاء النفر لا يعتدّ بهم، منهم محمد بن زياد. وكان أبو يوسف الصّيدلانىّ يقول: قدم محمد بن زياد الرّقّة بعد موت ميمون بن مهران.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ : أنه ذكر خسفا ومسخا وقذفا يكون في هذه الأمة، قالوا: يا رسول الله إنهم يقولون: لا إله إلا الله، قال: «نعم إذا أظهروا النّرد والمعازف وشرب الخمور ولبس الحرير» قال:
وهذا حديث رواه عثمان بن مطر عن عبد الغفور عن عبد العزيز بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ . قال: وعثمان هو الشيبانىّ من أهل البصرة وكان ضريرا. قال يحيى بن معين: ليس بشىء. وقال البخارىّ: متروك الحديث.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «بعثنى ربّى بمحق المزامير والمعازف والأوثان التى كانت تعبد في الجاهلية والخمر وأقسم ربى بعزّته ألا يشربها عبد في الدنيا» الحديث. قال: وهذا حديث رواه محمد بن الفرات عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن الحارث الأعور عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومحمد بن الفرات هذا من أهل الكوفة. قال أبو بكر بن أبى شيبة:
هذا شيخ كذّاب. وقال يحيى بن معين: ليس بشىء. وقال النسائىّ: متروك.
وقد تقدّم ذكر السبيعىّ والحارث الأعور، ومضى الكلام عليه.
واحتجّوا بما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه مسندا: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب» وهو حديث عبد الرحمن بن عبد الله العمرىّ ابن أخى عبيد الله ابن عمر عن أبيه عن سعيد بن أبى سعيد المقبرىّ عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ ، وعبد الرحمن هذا قال أحمد بن حنبل: ليس يسوى حديثه شيئا،
стр. 1357
سمعت منه ثم تركناه وكان ولى قضاء المدينة، أحاديثه مناكير وكان كذّابا. قال النسائىّ: وهو متروك الحديث.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من استمع إلى قيان صبّ في أذنيه الآنك «١» » وهو حديث رواه أبو نعيم الحلبىّ عن عبد الله بن المنذر عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. وأبو نعيم اسمه عبيد بن هشام «٢» من أهل حلب ضعيف ولم يبلغ «٣» عن ابن المبارك. مرسل.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لعن الله النائحة والمستمعة والمغنّى والمغنّى له» وهو حديث رواه عمرو بن يزيد المدائنىّ عن الحسن البصرىّ عن أبى هريرة، وعمرو هذا قال أبو أحمد «٤» بن عدىّ: منكر الحديث، والحسن لم يسمع من أبى هريرة شيئا. وقال ابن عدىّ: هذا الحديث غير محفوظ.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «النظر إلى المغنّية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام» وهو حديث يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل النوفلىّ المدنى «٥» عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضى
стр. 1358
الله عنه عن رسول الله ﷺ . ويزيد الأوّل قال النسائىّ: متروك الحديث. وقال أحمد بن حنبل: عنده مناكير. وقال يحيى بن معين: يزيد بن عبد الملك ليس بذاك.
واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة حلّ فيها البلاء» وذكرها وقال فى جملتها: «واتخذت القيان والمعازف» ، وهو حديث رواه فرج بن فضالة الشيبانىّ من أهل حمص عن يحيى بن سعيد الأنصارىّ عن محمد بن علىّ عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. قال عبد الرحمن بن مهدى: أحاديث الفرج عن يحيى بن سعيد منكرة. وقال يحيى بن معين: فرج ضعيف. وقال أبو حاتم «١» بن حسّان: فرج بن فضالة كان يقلب الأحاديث الصحيحة ويلصق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحلّ الاحتجاج به.
واحتجّوا بحديث جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الرحمن فذكر حديثا قال فيه: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نعمة لعب ولهو ومزامير الشيطان» وهذا حديث رواه محمد ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عطاء عن جابر، وأنكر عليه هذا الحديث وضعّف لأجله. قال أبو حاتم بن حسّان: كان ردىء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ يروى الشىء على وجه الوهم ويستحق الترك. وتركه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين.
стр. 1359
واحتجّوا بأنه ﷺ سمع صوتا فقال: «انظروا من هذا» فنظرت فإذا معاوية وعمرو يتغنّيان. الحديث، وفيه: «اللهمّ اركسهما في الفتنة ركسا» وهو حديث رواه يزيد «١» بن أبى زياد عن سليمان عن عمرو بن الأحوص عن أبى برزة الأسلمى. ويزيد هذا من أهل الكوفة، وكان الكذبة يلقّنونه على وفق اعتقادهم فيتلّقاها ويحدّث بها ضعفة أهل النقل، وقد روى هذا الحديث من طريق آخر ليس فيه معاوية هذا، وأنه ابن التابوت «٢» .
قال المقدسىّ: ولم يصحّ عن النبىّ ﷺ أنه ذكر أحدا من أصحابه إلّا تحير.
واحتجّوا بما روى عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه رفع الحديث، أن النبىّ ﷺ قال: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فى متّخذى القيان وشاربى الخمور ولا بسى الحرير» وهو حديث رواه زياد بن أبى زياد الجصّاص عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه. وزياد هذا متروك الحديث.
واحتجّوا بحديث روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وله قينة فلا تصلّوا عليه» وهو حديث روى بإسناد مجهول عن خارجة بن مصعب عن داود بن أبى هند عن الشعبىّ عن علىّ.
وخارجة متروك الحديث من أهل سرخس.
стр. 1360
واحتجّوا بما روى عبد الرحمن بن الجندىّ قال: قال عبد الله بن بسر «١» صاحب النبىّ ﷺ : يابن الجندىّ، فقلت: لبّيك يا أبا صفوان، قال: والله ليمسخنّ قوم وإنهم لفى شرب الخمور وضرب المعازف حتى يكونوا قردة أو خنازير.
والحديث موقوف وابن الجندىّ مجهول. والنبىّ ﷺ سأل ربه ألّا يعذّب أمّته بما عذّب به الأمم قبلها فأعطاه ذلك.
واحتجّوا بما روى عن أبى أمامة رضى الله عنه وقد تقدّم بعضه، وفيه زيادة أخرى أن النبىّ ﷺ قال: «لا يحلّ بيع المغنّيات ولا شراؤهنّ ولا الجلوس إليهنّ» ثم قال: «والذى نفسى بيده ما رفع رجل عقيرته بغناء إلا ارتدف على ذلك «٢» شيطان على عاتقه هذا وشيطان على عاتقه هذا حتى يسكت» وهذا حديث قد تقدّم أوّله من حديث عبيد الله بن زحر، وهذه الزيادة من رواية مسلمة بن علىّ الدمشقىّ عن يحيى بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة. ومسلمة هذا، قال ابن معين: ليس بشىء. وقال البخارىّ: منكر الحديث. وقد تقدّم القول في القاسم بن عبد الرحمن.
واحتجّوا بحديث روى عن عبد الله بن مسعود من رواية سلّام بن مسكين قال: حدّثنى شيخ سمع أبا وائل يقول: سمعت ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغناء ينبت النفاق في القلب» هكذا رواه سلّام عن شيخ مجهول لا يعرف. ورواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبى سليم عن محمد ابن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وقوله «٣» ، ولم يذكر النبىّ صلّى
стр. 1361
الله عليه وسلم. ورواه الثقات عن شعبة بن الحجاج عن مغيرة عن إبراهيم، قوله «١» ، ولم يذكر أحدا تقدّمه فيه وهذا أصحّ الأقاويل «٢» فيه من قول إبراهيم. قال الغزالى رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود: ينبت النفاق أراد به في حقّ المغنّى فإنه فى حقه ينبت النفاق إذ غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ويروّج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودّد إلى الناس ليرغبوا في غنائه، وذلك أيضا لا يوجب تحريما، فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع ينبت الرياء والنفاق في القلب ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله.
فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصى فقط. بل المباحات التى هى مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا. ولذلك نزل «٣» ابن عمر رضى الله عنهما عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته، فهذا النفاق من المباحات.
واحتجّوا بحديث روى عن صفوان بن أمية قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرّة فقال: يا نبىّ الله إن الله كتب علىّ الشّقوة ولا أرانى أرزق إلّا من «٤» دفّى بكفّى أفتأذن لى في الغناء من غير فاحشة؟
فقال رسول الله ﷺ : «لا إذن ولا كرامة ولا نعمة» وذكر حديثا طويلا، وهو حديث رواه عبد الرزاق بن همّام الصّنعانى عن يحيى بن العلاء عن بشر بن نمير عن مكحول قال: حدّثنى يزيد بن عبد الملك عن صفوان بن أمية.
ويحيى بن العلاء هذا مدنىّ الأصل رازىّ. قال يحيى بن معين: يكنى ابا عمرو ليس بثقة. وقال عمرو بن على الصيرفىّ: يحيى بن العلاء متروك الحديث والله أعلم.
стр. 1362
واحتجّوا بما روى عن النبىّ ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمّارة، وهو حديث نقله سليمان بن أبى سليمان الداودىّ البصرىّ عن محمد ابن بشر عن أبى هريرة. وسليمان هذا متروك الحديث غير ثقة.
واحتجّوا بقول عثمان رضى الله عنه: ما تغنّيت ولا تمنّيت «١» ولا مسست ذكرى بيمينى منذ بايعت النبىّ ﷺ . وهذا حديث رواه صقر بن عبد الرحمن عن أبيه عن مالك بن مغول عن عبد الله بن إدريس عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك في حديث القفّ والصيد.
قال المقدسىّ: هذا حديث لم أرفيه تحاملا، ورأيته ذكر من هذا أشياء لم يأت بها غيره توجب ترك حديثه والله أعلم. وقال الغزالىّ رحمه الله تعالى وذكر هذا الحديث: قلنا فليكن التمنّى ومسّ الذكر باليمين حراما إن كان هذا دليل تحريم الغناء، فمن أين ثبت أن عثمان كان لا يترك إلا الحرام.
قال الحافظ أبو الفضل المقدسىّ رحمه الله تعالى: فهذه الأحاديث وأمثالها احتجّ بها من أنكر السماع جهلا منهم بصناعة علم الحديث ومعرفته، فترى الواحد منهم إذا رأى حديثا مكتوبا في كتاب جعله لنفسه مذهبا واحتجّ به على مخالفه، وهذا غلط عظيم بل جهل جسيم. هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى وفيه من الزيادات ما هو منسوب الى الثعلبىّ والغزالىّ على ما بيّناه في مواضعه.
وقد تكلم الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالىّ الطوسىّ رحمه الله تعالى على السماع في كتابه المترجم ب «إحياء علوم الدين» وبيّن دليل الإباحة وذكر بعد ذلك آداب السماع وآثاره في القلب والجوارح فقال:
стр. 1363
اعلم أن السماع هو أوّل الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمّى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة فتسمّى الاضطراب، وإمّا موزونة فتسمّى التصفيق والرقص. ثم بدأ بحكم السماع وبيّن الدليل على إباحته ثم ذكر ما تمسّك به القائلون بتحريمه وأجاب عن ذلك بما نذكره أو مختصره إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: نقل أبو طالب المكّى إباحة السماع عن جماعة وقال:
سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وابن الزّبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم. وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابىّ وتابعىّ. قال: ولم يزل الحجازيّون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهى الأيام المعدودات التى أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق. ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضى وله جوار يسمعن [النّاس «١» ] التلحين قد أعدّهنّ للصوفية. قال: وكان لعطاء جاريتان تلحّنان وكان إخوانه يستمعون إليهما. قال: وقيل لأبى الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسرىّ السّقطىّ وذو النون يسمعون! فقال: كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير منّى. وقد كان عبد الله بن جعفر الطيّار يسمع. وإنما أنكر اللهو واللعب فى السماع.
وروى عن يحيى بن معاذ أنه قال: فقدنا ثلاثة أشياء فلا نراها ولا أراها تزداد إلا قلّة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.
قال الغزالىّ: ورأيت في بعض الكتب هذا بعينه محكيا عن المحاسبىّ وفيه ما يدلّ على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجدّه في الدّين وتشميره.
стр. 1364
وحكى عن ممشاد الدّينورىّ أنه قال: رأيت النبىّ ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، هل تنكر من هذا السماع شيئا؟ فقال: «ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختتمون بعده بالقرآن» . قال الغزالىّ: وعن ابن جريح أنه كان يرخص في السماع فقيل له: تقدّمه يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو، قال الله تعالى: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) *
؛ ثم بيّن الغزالىّ ﵀ الدليل على إباحة السماع فقال: اعلم أن قول القائل: السماع حرام، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرّد العقل بل بالسمع، ومعرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص. قال: وأعنى بالنصّ ما أظهره رسول الله ﷺ بقوله أو فعله، وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله، فإن لم يكن فيه نصّ ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه ويبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات، ولا يدلّ على تحريم السماع نصّ ولا قياس. قال: وقد دلّ القياس والنصّ جميعا على إباحة السماع.
أما القياس فهو أن الغناء اجتمع فيه معان ينبغى ان يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيّب موزون مفهوم المعنى المحرّك للقلب. فالوصف الأعمّ أنه صوت طيّب، ثم الطيب ينقسم الى الموزون وغيره. والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وأصوات سائر الحيوانات.
أما سماع الصّوت الطيّب من حيث إنه طيّب فلا ينبغى أن يحرّم بل هو حلال بالنصّ والقياس.
أمّا القياس فإنه يرجع إلى تلذّذ حاسّة السمع بإدراك ما هو مخصوص به.
وللإنسان عقل وخمس حواس ولكلّ حاسّة إدراك. وفي مدركات تلك الحاسة
стр. 1365
ما يستلذّ. فلذّة البصر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجارى والوجه الحسن وسائر الألوان الجميلة وهى في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة. وللشمّ الروائح الطيّبة وهى في مقابلة الأنتان المستكرهة. وللذّوق الطعوم اللذيذة كالدّسومة والحلاوة والحموضة وهى في مقابلة المرارة والمزازة المستبشعة. وللمسّ لذّة اللين والنعومة والملاسة وهى في مقابلة الخشونة والضّراسة. وللعقل لذّة العلم والمعرفة وهى في مقابلة الجهل والبلادة. فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذّة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمر وغيرها، فما أظهر قياس هذه الحاسّة ولذّتها على سائر الحواس ولذّاتها.
وأما النصّ فيدلّ على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله على عباده به إذ قال تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)
فقيل: هو حسن الصوت. وفي الحديث:
«ما بعث الله نبيّا إلا حسن الصوت» . وقال رسول الله ﷺ : «لله أشدّ أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» وفي الحديث فى معرض المدح لداود ﵇: «أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزّبور حتى كان يجتمع الإنس والجنّ والوحش والطير لسماع صوته، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب من ذلك في الأوقات» . وقال رسول الله ﷺ في مدح أبى موسى الأشعرىّ: «لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داود» وقوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)
يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن. ولو جاز أن يقال: إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون فى القرآن للزمه أن يحرّم سماع صوت العندليب لأنه ليس بقرآن. وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له، فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعانى الصحيحة! وإن من الشعر لحكمة. قال: فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيّب حسن.
стр. 1366
الدرجة الثانية: النظر في الصوت الطيّب الموزون فإنّ الوزن وراء الحسن، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن، وكم من صوت موزون غير مستطاب.
والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة، فإنها إمّا أن تكون من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره. وإمّا أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان وإما غيره. فصوت العنادل والقمارىّ وذوات السجع من الطيور مع طيها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذّ سماعها. والأصل فى الأصوات حناجر الحيوانات. وإنما وضعت المزامير على صورة «١» الحناجر وهى تشبيه الصّنعة بالخلقة. وما من شىء توصّل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التى استأثر الله تعالى باختراعها، منه تعلّم الصّنّاع وبه قصدوا الاقتداء. فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيّبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور. ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان. فينبغى أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمىّ كالذى يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدّفّ وغيره. ولا يستثنى من هذا إلا الملاهى والأوتار والمزامير، إذ ورد الشرع بالمنع منها لا للذّتها إذ لو كان للذّة لقيس عليها كل ما يلتذّ به الإنسان ولكن حرّمت الخمور واقتضت ضراوة «٢» الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء الى كسر الدّنان، فحرّم معها ما هو شعار أهل الشرب وهى الأوتار والمزامير فقط. وكان تحريمه من قبيل الإتباع كما حرّمت الخلوة «٣» لأنها مقدّمة الجماع. وحرّم النظر الى الفخذ
стр. 1367
لاتصاله بالسوأتين. وحرّم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى المسكر.
وما من حرام إلا وله حرم يطيف به. وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ليكون حمى للحرام ووفاية له وحظارا «١» مانعا حوله كما قال ﷺ : «إن لكلّ ملك حمى وإنّ حمى الله محارمه» فهى محرّمة تبعا لتحريم الخمر.
الدرجة الثالثة: الموزون المفهوم وهو الشعر، وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما. والكلام المفهوم غير حرام. والصوت الطيب الموزون غير حرام. فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع؛ نعم ينظر فيما يفهم منه، إن كان فيه أمر محظور جرم نثره ونظمه وحرم التصويت «٢» به سواء كان بألحان أو لم يكن.
والحقّ فيه ما قاله الشافعىّ ﵀ إذ قال: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز مع الألحان. فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان مباحا، ومهما انضمّ مباح الى مباح لم يحرم إلا إذا تضمنّ المجموع محظورا لا تتضمّنه الآحاد، ولا محظور هاهنا. وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدى رسول الله ﷺ ، وقال ﷺ : «إنّ من الشّعر لحكمة» وساق ﵀ في هذا الموضع الأحاديث الصحيحة التى تضمّنت إنشاد الشعر والحداء به وهى أشهر من أن يحتاج إلى سردها. ثم قال بعد سياق الأحاديث: ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان سيدنا رسول الله ﷺ وزمان الصحابة، وما هو إلا أشعار تؤدّى بأصوات طيّبة وألحان موزونة. ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره. بل ربما كانوا يلتمسون ذلك
стр. 1368
تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ، فلا يجوز أن يحرّم من حيث إنه كلام مفهوم مؤدّى بأصوات طيّبة وألحان موزونة.
الدرجة الرابعة: النظر فيه من حيث إنه محرّك للقلب ومهيّج لما هو الغالب عليه، قال أبو حامد: فأقول: لله سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا. فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوّم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغى أن يظنّ أن ذلك لفهم معانى الشعر بل هذا جار فى الأوتار حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك بفهم المعنى، وتأثيره مشاهد في الصبىّ في مهده فإنه يسكته الصوت الطيّب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه الى الإصغاء إليه.
والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه؛ فتراها إذا طالت عليها البوادى واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال اذا سمعت منادى الحداء تمدّ أعناقها وتصغى إلى الحادى ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها، وربما تتلف أنفسها في شدّة السير وثقل الحمل وهى لا تشعر به لنشاطها فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدّينورى المعروف بالرّقى، قال:
كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافنى رجل منهم وأدخلنى خباء فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد، ورأيت جمالا قد ماتت بين يدى البيت «١» وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه. فقال لى الغلام:
стр. 1369
أنت ضيف ولك حقّ فتشفّع في حقّى إلى مولاى فإنه مكرم لضيفه فلا يردّ شفاعتك فعساه يحلّ القيد عنّى. فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت: لا آكل ما لم أشفّع فى هذا العبد، فقال: إن هذا العبد قد أفقرنى وأهلك جميع مالى؛ فقلت: ماذا فعل؟ فقال: إن له صوتا طيّبا، وإنى كنت اعيش من ظهور هذه الجمال فحمّلها أحمالا ثقالا وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاث ليال في ليلة من طيب نغمته فلما حطّت أحمالها موّتت كلّها إلا هذا الجمل الواحد، ولكن أنت ضيفى فلكرامتك قد وهبته لك قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك، فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهى، فما أظنّ أنى قط سمعت صوتا أطيب منه.
قال: فإذا تأثير السماع في القلب محسوس. ومن لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على سائر البهائم فإن جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة. ومهما كان النظر فى السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.
قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، ولكن يحرّك ما هو فيه.
ذكر أقسام السماع وبواعثه
وأقسام السماع تختلف بآختلاف الأحوال: فإن منه ما هو مستحبّ وما هو مباح وما هو مكروه وما هو حرام. أما المستحبّ فهو لمن غلب عليه حبّ الله تعالى ولم يحرّك السماع منه إلا الصفات المحمودة. وأما المباح فهو لمن لا حظّ له من السماع إلا التلذّذ بالصوت الحسن، وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين
стр. 1370
ولكن يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو. وأما الحرام فهو لأكثر الناس من الشباب ومن غلبت عليه شهوة الدنيا فلا يحرّك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة. وقد تكلم على هذه الأقسام الإمام أبو حامد الغزالىّ فقال ﵀ ما مختصره ومعناه:
الكلمات المسجعة الموزونة تعتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار فى القلب وهى سبعة مواضع:
الأوّل: غناء الحجيج فإنهم يدورون أوّلا في البلاد بالطبل والغناء وذلك مباح لما فيه من التشويق إلى الحجّ وأداء الفريضة وشهود المشاعر.
الثانى: ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو وهو مباح أيضا لما فيه من استثارة النفس وتحريكها على الغزو وإثارة الغضب على الكفّار وتحسين الشجاعة وتقبيح الفرار.
الثالث: ما يرتجزه الشّجعان عند اللقاء في الحرب وهو مباح ومندوب لما فيه من تشجيع النفس وتحريك النشاط للقتال والتمدّح بالشجاعة والنجدة وقد فعله غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم علىّ بن أبى طالب وخالد بن الوليد وغيرهما.
الرابع: أصوات النّياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج البكاء وملازمة الحزن والكآبة وهذا قسمان: محمود ومذموم.
فأمّا المذموم فالحزن على ما فات. قال الله ﵎: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ)
. والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه يغضب الله ﷻ «١» وتأسّف على ما لا تدارك فيه.
следующие страницы →