← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وروى الأصفهانىّ بسند رفعه إلى ابن كناسة قال: اصطحب شيخ مع شابّ فى سفينة في الفرات ومعهم مغنّية. فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ: معنا جارية وهى تغنّى، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك، فإن أذنت فعلنا. فقال: أنا أصعد على أطلال «١» السفينة، فاصنعوا أنتم ما شئتم؛ فصعد وأخذت المغنّية عودها وغنّت: حتى إذا الصبح بدا ضوءه ... وغابت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفىّ كما ... ينساب «٢» من مكمنه الأرقم فطرب الشيخ وصاح، ثم رمى بنفسه وبثيابه في الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول: أنا الأرقم أنا الأرقم! فألقوا أنفسهم خلفه، فبعد لأى ما استخرجوه، وقالوا: يا شيخ، ما حملك على ما فعلت؟ فقال: إليكم عنّى، فإنى أعرف من معانى الشعر ما لا تعرفون. فقالوا له: ما أصابك؟ قال: دبّ من قدمى شىء إلى رأسى كدبيب النّمل ونزل من رأسى مثله، فلما اجتمعا على قلبى عملت ما عملت. وقال أحمد بن أبى داود: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله؛ فخرج المعتصم يوما إلى الشّمّاسيّة في حرّاقة، ووجّه في طلبى فصرت إليه. فلما قربت منه سمعت غناء حيّرنى وشغلنى عن كلّ شىء، فسقط سوطى عن يدى، فالتفتّ إلى غلامى أطلب منه سوطا؛ فقال لى: قد والله سقط منّى سوطى. فقلت له: أىّ شىء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته فحيّرنى، فما علمت كيف سقط، فإذا قصّته قصّتى. قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفزّ الناس منه

стр. 1402

فيغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم عليه. فلما دخلت عليه يومئذ أعلمته بالخبر، فضحك وقال: هذا عمّى كان يغنّينى: إنّ هذا الطويل من آل حفص ... أنشر المجد بعد ما كان ماتا فإن تبت مما كنت تناظر عليه من ذمّ الغناء سألته أن يعيده، ففعلت وفعل، فبلغ بى الطرب أكثر مما يبلغه من غيرى، ورجعت عن رأيى منذ ذلك اليوم. وعمّه الذى أشار إليه هو إبراهيم بن المهدىّ. ذكر من غنّى من الخلفاء وأبنائهم ونسبت له أصوات من الغناء نقلت عنه [أما من غنّى من الخلفاء] كان من غنّى من الخلفاء- على ما أورده أبو الفرج الأصفهانىّ في كتابه المترجم «بالأغانى» - ونسبت له أصوات جماعة، منهم عمر بن عبد العزيز قد نسبت له أصوات، ومنهم من أنكر ذلك. ولعلّ ما نقل عنه كان منه قبل الخلافة. وكان ﵀ من أحسن الناس صوتا. فكان مما نسب إليه من الغناء: علق القلب سعادا ... عادت القلب فعادا كلّما عوتب فيها ... أو نهى عنها تمادى وهو مشغوف بسعدى ... وعصى فيها وزادا ومما نسب إليه من الغناء ما قيل إنه غنّاه من شعر جرير: قفا يا صاحبىّ نزر سعادا ... لو شك فراقها ودعا البعادا «١»

стр. 1403

لعمرك إنّ نفع سعاد عنّى ... لمصروف ونفعى عن سعادا إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى «١» ... ومروان الذى رفع العمادا ومن ذلك ما قيل إنه غنّاه من شعر الأشهب بن رميلة «٢» : ألا يا دين قلبك من سليمى ... كما قد دين قلبك من سعادا هما سبتا الفؤاد وهاضتاه «٣» ... ولم يدرك بذلك ما أرادا قفا نعرف منازل من سليمى ... دوارس بين حومل أو عرادا ذكرت لها الشباب وآل ليلى ... فلم يزد الشباب بها مزادا فإن تشب الذوائب أمّ عمرو ... فقد لاقيت أياما شدادا وممّن غنّى من خلفاء الدولة العباسية، ممن دوّنت له صنعة، الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بالله بن الرشيد. حكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ قال: دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت وترنّما لم أسمع أحسن منه. فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بى، فدخلت وإذا أنا بالواثق بالله. فقال: أىّ شىء سمعت؟ فقلت: الطلاق كامل لازم له وكلّ مملوك له حرّ، لقد سمعت ما لم أسمع مثله قطّ حسنا! فضحك وقال: وما هو؟ إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بعدهم وكثر فى حرم الله ومهاجر رسول الله ﷺ ، أتحبّ أن تسمعه؟ قلت: إى والله الذى شرّفنى بخطابك وجميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود وأعط

стр. 1404

إسحاق رطلا؛ فدفع الرطل إلىّ وضرب وغنّى في شعر لأبى العتاهية بلحن صنعه فيه: أضحت قبورهم من بعد عزّتهم ... تسفى عليها الصّبا والحرجف الشّمل لا يدفعون هواما عن وجوههم ... كأنهم خشب بالقاع منجدل فشربت الرطل ثم قمت. فدعوت له، فاحتبسنى وقال: أتشتهى أن تسمعه بالله؟ فقلت: إى والله، فغنّانيه ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم. قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك مسرورا ليسّروا معك، فانصرفت بالمال. وقال أبو الفرج بسنده إلى عريب المأمونيّة قالت: صنع الواثق بالله مائة صوت ما فيها صوت ساقط. ولقد صنع فيّ هذا الشعر: هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدنى إليك فإن الحبّ أقصانى هذا كتاب فتى طالت بليّته ... يقول يا مشتكى بثّى وأحزانى قال: وكان الواثق بالله إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره فقال: وقع إلينا صوت قديم من بعض العجائز فاسمعه، وأمر من يغنّيه إياه. وكان إسحاق يأخذ نفسه بقول الحقّ في ذلك أشدّ أخذ، فإن كان جيّدا رضيه واستحسنه وإن كان فاسدا أو مطّرحا أو متوسّطا ذكر ما فيه. فإن كان للواثق فيه هوى سأله تقويمه وإصلاح فاسده وإلّا اطّرحه. وقال إسحاق بن إبراهيم: كان الواثق أعلم الناس بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوت، وكان أحذق من غنّى بضرب العود، ثم ذكر أغانيه. وذكر أبو الفرج الأصفهانىّ منها أصواتا؛ منها: ولم أر ليلى غير موقف ليلة ... بخيف منّى ترمى جمار المحصّب ويبدى الحصى منها إذا خذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب

стр. 1405

ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب وأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعجاز نجم مغرّب وذكر أصواتا كثيرة غير هذا تركنا ذكرها اختصارا. قال: ولما خرج المعتصم إلى عمّوريّة استخلف الواثق. فوجّه الواثق إلى الجلساء والمغنّين أن يبكّروا إليه يوما حدّه لهم، ووجّه إلى إسحاق، فحضر الجميع. فقال لهم الواثق: إنى عزمت على الصّبوح، ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون كالشىء الواحد، فاجلسوا معى حلقة، وليكن إلى جانب كلّ جليس مغنّ، فجلسوا كذلك. فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ العود فغنّى وشربوا وغنّى من بعده، حتى انتهى إلى إسحاق وأعطى العود فلم يأخذه؛ فقال: دعوه. ثم غنوا دورا آخر؛ فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغنّ وفعل ذلك ثلاث مرّات. فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر بالناس فأدخلوا؛ فما قال لأحد منهم: اجلس. ثم قال: علىّ بإسحاق. فلما رآه قال: يا خوزى «١» يا كلب، أتبذّل لك وأغنّى فتترفّع علىّ! أترانى لو قتلتك كان المعتصم يقيدنى بك! ابطحوه، فبطح وضرب ثلاثين مقرعة ضربا خفيفا وحلف لا يغنّى سائر يومه سواه؛ فاعتذر وتكلّمت الجماعة فيه؛ فأخذ العود، وما زال يغنّى حتى انقضى مجلسه. وللواثق بالله في الغناء أخبار وحكايات يطول بذكرها الشرح. ومنهم المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر . قال يزيد المهلّبىّ: كان المنتصر حسن العلم بالغناء، وكان إذا قال الشعر صنع فيه

стр. 1406

وأمر المغنّين بإظهاره. فلما ولى الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدّم منه؛ فلذلك لم تظهر أغانيه. ومنهم المعتزّ بالله أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل . ذكر أيضا أنه كان يغنّى أصواتا. فمما غنّى به في شعر عدىّ بن الرّقاع: لعمرى لقد أصحرت «١» خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب فمن يك منّا يبت آمنا ... ومن يك من غيرنا يهرب وهذه الأبيات من قصيدة لعدىّ بن الرّقاع قالها في الوقعة التى كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزّبير وقتل فيها مصعب بن الزبير، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار عبد الله بن الزبير. ومنهم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله . هو ممن له يد في الغناء وصنعة حسنة. ومما نقل من أغانيه أنه غنّى في شعر الفرزدق: ليس الشفيع الذى يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذى يأتيك عريانا وقال «٢» عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إن المعتضد جمع النغم العشر في صوت صنعه في شعر دريد بن الصّمّة وهو: يا ليتنى فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع قال: واستعلمنى هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا، فعرّفته صحّته ودللته على ذلك حتى تيقّنه فسّر به. قال عبيد الله: وهو لعمرى من جيّد الصنعة ونادرها. قال: وقد صنع ألحانا في عدّة أشعار قد «٣» صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين

стр. 1407

وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى فلم يعجز ولا قصّر، ولا أتى بشىء يعتذر منه. قال: فمن ذلك أنه صنع في قول الشاعر: أما القطاة فإنى سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتى بعض ما فيها فجاء في نهاية الجودة وهو أحسن ما صنع في هذا الشعر على كثرة الصنعة فيه واشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل معبد ونشيط ومالك وابن محرز وسنان وعمر الوادى وابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وعلّويه. قال: وصنع في: تشكّى الكميت الجرى لمّا جهدته ... وبيّن لو يسطيع أن يتكلّما فما قصّر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها مع أصوات له صنعها تناهز مائة صوت ما فيها ساقط ولا مرذول. فهؤلاء الذين لهم صنعة في الغناء من الخلفاء. وأما أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة بد في هذا الفنّ . فمنهم إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة بنت المهدىّ رحمهما الله تعالى، وإبراهيم يكنى أبا إسحاق أمّه شكلة أمة مولّدة كان أبوها من أصحاب المازيار يقال له: شاه أفرند «١» قتل مع المازيار وسبيت شكلة فحملت إلى المنصور فوهبها لمحيّاة أمّ ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك، فلما كبرت ردّت إليها. فرآها المهدىّ فأعجبته فطلبها من محيّاة فأعطته إياها فولدت له إبراهيم.

стр. 1408

قال أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم قال: كان إبراهيم بن المهدىّ أشدّ خلق الله إعظاما للغناء وأحرصهم عليه وأشدّهم منافسة فيه. قال: وكانت صنعته ليّنة فكان إذا صنع شيئا نسبه إلى غيره لئلا يقع عليه طعن أو تقريع فقلّت صنعته في أيدى الناس مع كثرتها. وكان إذا قيل له فيها شىء يقول: إنما أصنع تطرّبا لا تكسّبا وأغنّى لنفسى لا للناس فأعمل ما أشتهى. قال: وكان حسن صوته يستر عوار ذلك. وكان الناس يقولون: لم ير في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة. وكان إبراهيم يجادل إسحاق ويأخذ عليه في مواطن كثيرة إلّا أنه كان لا يقوم له «١» ويظهر إسحاق خطأه. ووقع بينهما في ذلك بين يدى الرشيد وفي مجلسه كلام كثير أفضى إلى أمور نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار إسحاق بن إبراهيم. وكان إبراهيم بن المهدىّ في أوّل أمره يتستّر في الغناء بعض التستّر إلا أنه يذكره فى مجلس الرشيد أخيه. فلما كان من أمره في الوثوب على الخلافة ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة العباسيّة عند ذكرنا لخلافة المأمون بن الرشيد، ثم [لما «٢» ] أمّته المأمون بعد هربه منه تهتّك بالغناء ومشى مع المغنّين ليلا إذا خرجوا من عند المأمون، وإنما أراد المأمون بذلك ليظهر للناس أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وأنه تهتّك فلا يصلح للخلافة. وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم فى الغناء وأحسنهم صوتا. وكان مع علمه وطبعه ومعرفته يقصّر عن الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته. فكان يحذف نغم الأغانى الكثيرة العمل حذفا شديدا

стр. 1409

ويحقّقها على قدر ما يصلح له ويفى بأدائه فاذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملك وابن ملك وإنما أغنّى على ما أشتهى وكما ألتذّ. فهو أوّل من أفسد الغناء القديم. وروى عن حمدون بن إسماعيل قال: قال إبراهيم بن المهدىّ: لولا أنّى أرفع نفسى عن هذه الصناعة لأظهرت منها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلى مثلى. وروى أبو الفرج الأصفهانىّ عن جعفر بن سليمان الهاشمىّ قال: حدّثنا إبراهيم ابن المهدىّ قال: دخلت يوما على الرشيد وبى فضلة خمار «١» وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ فقال: بحياتى يا إبراهيم غنّ، فأخذت العود ولم ألتفت إليهما لما في رأسى من الفضلة فغنّيت: أسرى بخالدة «٢» الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق إن البليّة من تملّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق أهواك فوق هوى النفوس ولم يزل ... مذ بنت قلبى كالجناح الخافق شوقا إليك ولم تجاز مودّتى ... ليس المكذّب كالحبيب الصادق فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا الغناء ما نطلب لما أكلنا خبزا أبدا فقال ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائى وضعت العود ثم قلت: خذا في حقّكما ودعا باطلنا. وروى عن إبراهيم قال: كان الرشيد يحبّ أن يسمعنى فخلا بى مرّات إلى أن سمعنى، ثم حضرته مرّة

стр. 1410

وعنده سليمان بن أبى جعفر فقال لى: عمّك وسيّد ولد المنصور بعد أبيك وقد أحبّ أن يسمعك، فلم يتركنى حتى غنّيت بين يديه: سقيا لربعك من ربع بذى سلم ... وللزمان به إذ ذاك من زمن إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجرّ إليكم سادرا رسنى «١» فأمر لى بألف ألف درهم، ثم قال لى ليلة ولم يبق في المجلس عنده إلا جعفر ابن يحيى: أنا أحبّ أن تشرّف جعفرا بأن تغنّيه صوتا فغنّيته لحنا صنعته في شعر الدّارمىّ: كأنّ صورتها في الوصف إذ وصفت ... دينار عين من المضروبة العتق فأمر لى الرشيد بألف ألف درهم. وحكى عن إسحاق بن إبراهيم قال: لما صنعت صوتى الذى هو: قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا قد بلغت الذى أرد ... ت وإن كنت لاعبا واعترفنا بما ادّعي ... ت وإن كنت كاذبا فافعل الآن ما أرد ... ت فقد جئت تائبا اتصل خبره بإبراهيم بن المهدىّ فكتب إلىّ يسألنى عنه، فكتبت إليه الشعر وإيقاعه وبسيطه «٢» ومجراه وإصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه فغنّاه ثم لقينى فغنّانيه، ففضلنى فيه بحسن صوته. وقال ابن أبى طيبة: كنت أسمع إبراهيم بن المهدىّ يتنحنح فأطرب.

стр. 1411

وعن محمد بن خير عن عبد الله بن العباس الرّبيعىّ قال: كنّا عند إبراهيم بن المهدىّ ذات يوم وقد دعا كلّ محسن من المغنّين يومئذ وهو جالس يلاعب أحدهم بالشّطرنج فترنّم إبراهيم بصوت فريدة في شعر أبي العتاهية: قال لى أحمد ولم يدر ما بى ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا فتنفّست ثم قلت نعم حبّا ... جرى في العروق عرقا فعرقا وهو متكىء «١» ، فلما فرغ ترنّم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا «٢» وزاد على إبراهيم، فغنّاه إبراهيم وزاد في صوته على غناء مخارق. فلما فرغ ردّه مخارق وغنّاه بصوته كلّه وتحفّظ فيه وكدنا نطير سرورا. فاستوى إبراهيم جالسا وكان متّكئا وغنّاه بصوته كلّه ووفّاه نغمه وشذوره ونظرت إلى كتفيه تهتزّان وبدنه أجمع يتحرّك إلى أن فرغ منه ومخارق شاخص نحوه يرعد وقد انتقع لونه وأصابعه تختلج فخيّل إلىّ أن الإيوان يسير بنا، فلما فرغ منه تقدّم إليه مخارق فقبّل يده وقال: جعلنى الله فداك أين أنا منك! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقيّة يومه في شىء من غنائه، والله لكأنما كان يتحدّث. وروى عن منصور بن المهدىّ قال: كنت عند أخى إبراهيم في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين، فتشاغل بالشرب فى بيته ولم يمض، وأرسل إليه الأمين عدّة رسل فتأخّر. قال منصور: فلمّا كان من غد قال لى: ينبغى أن نعمل على الرواح إلى أمير المؤمنين فنترضّاه، فما أشكّ فى غضبه علينا. فمضينا فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على خير «٣» الوحش وهو مخمور، وكان من عادته ألّا يشرب إذا لحقه الخمار. فدخلنا، وكان طريقنا على

стр. 1412

حجرة تصنع فيها الملاهى، فقال لى: اذهب فاختر منها عودا ترضاه وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا يحتاج إلى إصلاحه وتغييره عند الضرب به؛ ففعلت وجعلته فى كمّى. ودخلنا على الأمين وظهره إلينا. فلما بصرنا به من بعد قال: أخرج عودك فأخرجته، فاندفع يغنّى: وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها لكى يعلم الناس أنى امرؤ ... أتيت الفتوّة من بابها وشاهدنا «١» الورد والياسمي ... ن والمسمعات بقصّابها «٢» وبربطنا «٣» دائم معمل ... فأىّ الثلاثة أزرى بها فاستوى الأمين جالسا وطرب طربا شديدا وقال: أحسنت والله يا عمّ وأحييت لى طربا. ودعا برطل فشربه على الرّيق وابتدأ «٤» شربه. قال منصور: وغنّى إبراهيم يومئذ على أشدّ طبقة يتناهى إليها في العود، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قط. ولقد رأبت منه شيئا عجيبا لو حدّثت به ما صدّقت: كان إذا ابتدأ يغنّى صغت الوحوش إليه ومدّت أعناقها، ولم تزل تدنو حتى تكاد تضع رءوسها على الدّكّان الذى كنّا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت عنّا حتى تنتهى إلى أبعد غاية يمكنها التباعد عنّا فيها، وجعل الأمين يعجب من ذلك. وانصرفنا من الجوائز بما لم ينصرف بمثله قطّ. وعن الحسن بن إبراهيم بن رباح قال: كنت أسأل مخارقا: أىّ الناس أحسن غناء؟ فكان يجيبنى جوابا مجملا، حتى

стр. 1413

حقّقت عليه يوما فقال: كان إبراهيم المو صلّى أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدىّ أحسن غناء منى بعشر طبقات. ثم قال لى: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا. وإبراهيم بن المهدىّ أحسن الإنس والجنّ والوحش والطير صوتا، وحسبك هذا!. وعن إسحاق بن إبراهيم قال: غنّى إبراهيم بن المهدىّ ليلة محمدا الأمين صوتا لم أرضه في شعر لأبى نواس، وهو: يا كثير النوح في الدّمن ... لا عليها بل على السّكن سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن «١» ظنّ بى من قد كلفت به ... فهو يجفونى على الظّنن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين. أجزتنى إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال: وهل هى إلا خراج بعض الكور «٢» . هكذا رواه إسحاق، وقد حكيت هذه الحكاية عن محمد بن الحارث، وفيها أن إبراهيم لما أراد الانصراف قال: أو قروا زورق عمّى دنانير فأوقروه، فانصرف بمال جليل. قال: وكان محمد بن موسى المنجّم يقول: حكمت أنّ إبراهيم بن المهدىّ أحسن الناس كلهم غناء ببرهان، وذلك أنّى كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغنّى المغنّون ويغنّى، فإذا ابتدأ بالصوت لم يبق من الغلمان أحد إلا ترك ما في يديه وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما

стр. 1414

كان فيه مادام يغنّى، حتى إذا أمسك وتغنّى غيره رجعوا إلى التّشاغل بما كانوا فيه ولم ينبعثوا إلى شىء. فلا برهان أقوى من هذا [فى مثل هذا من «١» ] شهادة الفطن به واتّفاق الطبائع مع اختلافها وتشعّب طرقها على الميل اليه والانقياد نحوه. ولإبراهيم بن المهدىّ أصوات معروفة. منها ما غنّاه بشعر مروان بن أبى حفصة: هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفّكم أو تسترون هلالها أو تدفعون مقالة من ربكم ... جبريل بلّغها النبىّ فقالها طرقتك زائرة فحىّ خيالها ... زهراء تخلط بالدّلال جمالها وأمّا عليّة بنت المهدىّ ، فقد قيل: ما اجتمع في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة. وروى عن أبى أحمد ابن الرشيد قال: كنت يوما بحضرة المأمون وهو يشرب، ثم قام وقال لى: قم؛ فدخل دار الحرم ودخلت معه، فسمعت غناء أذهل عقلى ولم أقدر أن أتقدّم ولا أتأخّر؛ وفطن المأمون لما بى فضحك وقال: هذه عمّتك عليّة تطارح عمّك إبراهيم. قال أبو الفرج: وأمّ عليّة أمّ ولد مغنّية يقال لها مكنونة، كانت من جوارى المروانيّة المغنيّة. والمروانيّة هذه ليست من آل مروان بن الحكم، وإنما هى زوجة الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وكانت مكنونة من أحسن جوارى المدينة وجها، وكانت رسحاء «٢» ، وكانت حسنة البطن والصدر. فاشتريت للمهدىّ فى حياة أبيه بمائة ألف درهم؛ فغلبت عليه حتى كانت الخيزران تقول: ما ملك

стр. 1415

أمّة أغلظ علىّ منها. ولما اشتريت للمهدىّ ستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات، وولدت للمهدىّ عليّة هذه. وكانت عليّة بنت المهدىّ من أجمل الناس وأظرفهم، نقول الشعر الجيّد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. وكان في جبينها فضل سعة، فاتّخذت العصائب المكللّة بالجوهر لتستربها جبينها؛ فهى أوّل من أحدث ذلك. قال: وكانت عليّة حسنة الدّين، وكانت لا تغنّى ولا تشرب النبيذ إلّا إذا كانت معتزلة الصلاة؛ فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب. ولم تله بشىء غير قول الشعر في الأحيان، إلّا أن يدعوها الخليفة إلى شىء فلا تقدر على خلافه. وكانت رحمها الله تقول: ما حرّم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلّل منه عوضا، فبأىّ شىء يحتجّ عاصيه والمنتهك لحرماته!. وكانت تقول: لا غفر الله لى فاحشة ارتكبتها قطّ، وما أقول في شعرى إلّا عبثا. وعن سعيد بن هريم قال: كانت عليّة بنت المهدىّ تحبّ أن تراسل بالأشعار من تختصّه، فاختصّت خادما يقال له طلّ من خدم الرشيد، تراسله بالشعر. فلم تره أيّاما؛ فمشت على ميزاب وحدّثته ثم قالت في ذلك: قد كان ما كلّفته زمنا ... ياطلّ من وجد بكم يكفى حتى أتيتك زائرا عجلا ... أمشى على حتف إلى حتفى «١» فخلف عليها الرشيد ألّا تكلّم طلّا ولا تسمّيه باسمه، فضمنت له ذلك. واستمع عليها يوما وهى تقرأ آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله : (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ) فأرادت أن تقول: (فَطَلٌّ) فقالت: فالذى نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل

стр. 1416

الرشيد فقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا ولا أمنعك بعدها من شىء تريدينه. ولها في طلّ هذا عدّة أشعار صنعت فيها ألحانا، وكانت في بعضها تصحّف اسمه وتكنى عنه بغيره. وكانت أيضا تقول الشعر في خادم لها يقال له: رشأ وتكنى عنه بزينب. فمن شعرها فيه: وجد الفؤاد بزينبا ... وجدا شديدا متعبا أصبحت من كلف بها ... أدعى شقيّا منصبا ولقد كنيت عن اسمها ... عمدا لكى لا تغضبا وجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا قالت وقد عزّ الوصا ... ل ولم أجد لى مذهبا والله لا نلت المودّة ... أو تنال الكوكبا فصحّفت اسمه في قولها: «زينبا» ؛ وهذا من الجناس الخطّى. قال: وكانت لأمّ جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعليّة إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل. فقالت عليّة: لطغيان خفّ مذ ثلاثين حجّة ... جديد فلا يبلى ولا يتخرّق وكيف بلى خفّ هو الدهر كلّه ... على قدميها في السماء «١» معلّق فما خرقت خفّا ولم تبل جوربا ... وأمّا سراويلاتها فتمزّق وروى عن أبى هفّان قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال؛ فخلا معها يوما وأخرج كلّ قينة في داره واصطبح. وكان من حضر من جواريه الغناء والخدمة في الشراب زهاء ألفى جارية فى أحسن زىّ من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر. واتّصل الخبر بأمّ جعفر

стр. 1417

فعظم عليها ذلك؛ فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها. فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنّك هذا، والله لأردّنّه إليك. قد عزمت أن أضع شعرا وأصوغ فيه لحنا وأطرحه على جوارىّ، فلا تبقى عندك جارية إلّا بعثت بها إلىّ وألبسيهنّ أنواع الثّياب ليأخذن الصوت مع جوارىّ؛ ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة وأمّ جعفر قد خرجتا إليه من حجرتيهما معهما زهاء ألفى جارية من جوازيهما وسائر جوارى القصر عليهنّ غرائب اللّباس وكلهنّ في لحن واحد هزج صنعته عليّة وهو: منفصل عنّى وما ... قلبى عنه منفصل يا هاجرى اليوم لمن ... نويت بعدى أن تصل فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر وعليّة وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قطّ. يا مسرور، لا تبقيّن في بيت المال درهما إلا نثرته. فكان ما نثر يومئذ ستة آلاف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم. وروى عن عريب أنها قالت: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدىّ عند أخته عليّة وعندها أخوهما يعقوب بن المهدىّ، وكان أحذق الناس بالزّمر. فبدأت عليّة فغنّت من صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها: تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب تبصّر فإن حدّثت أنّ أخا هوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحبّ إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب: لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا، كيف ينسى وجهك الحسن ولا خلا منك قلبى لا ولا جسدى ... كلّى بكلّك مشغول ومرتهن

стр. 1418

يا فردة الحسن مالى منك مذكلفت ... نفسى بحبّك إلّا الهمّ والحزن نور تولّد من شمس ومن قمر ... حتى تكامل فيك «١» الروح والبدن قالت عريب: فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أنى لا أسمع مثله أبدا. وروى عن خشف الواضحيّة قالت: تماريت أنا وعريب في غناء عليّة بحضرة المتوكل أو غيره من الخلفاء. فقلت أنا: هى ثلاثة وسبعون صوتا، وقالت عريب: هى اثنان وسبعون صوتا. فقال المتوكل: غنيّا غناءها؛ فلم أزل أغنّى غناءها حتى مضى اثنان وسبعون صوتا، ولم أدر الثالث والسبعين. قالت: فقطع بى واستعلت عريب وانكسرت. قالت خشف: فلما كان الليل رأيت عليّة فيما يرى النائم، فقالت: يا خشف خالفتك عريب في غنائى. قلت: نعم يا سيّدتى. قالت: الصواب معك، أفتدرين ما الصوت الذى أنسيتيه؟ قلت: لا ولله، ولوددت أنّى فديت ما جرى بجميع ما أملك. قالت: هو: بنى الحبّ على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج وقليل الحبّ صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج وكأنها قد اندفعت تغنّى به، فما سمعت أحسن مما غنّته، وقد زادتنى فيه أشياء في نومى لم أكن أعرفها، فانتبهت وأنا لا أعقل فرحا به. فباكرت الخليفة وذكرت له القصّة. فقالت عريب: هذا شىء صنعته أنت لما جرى أمس، وأمّا الصوت فصحيح. فحلفت للخليفة بما رضى به أنّ القصّة كما حكيت. فقال: رؤياك والله أعجب، رحم الله عليّة! فما تركت ظرفها حيّة ولا ميّتة. وأجازنى جائزة سنيّة.

стр. 1419

وروى أبو الفرج أيضا بسنده إلى محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال: شهدت أبى جعفرا وأنا صغير وهو يحدّث جدّى يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلوته مع هارون الرشيد، قال: يا أبت، أخذ بيدى أمير المؤمنين وأقبل فى حجره يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلها ودخلت وأغلق بابها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس، ونقر الباب بيده نقرات فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النقر ثالثة فغنّت جارية ما ظننت والله أنّ الله جلّ وعزّ خلق مثلها فى حسن الغناء وجودة الضرب. فقال [لها «١» ] أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا: غنّى صوتى؛ فغنت صوته، وهو: ومخنّث شهد الزّفاف وقبله ... غنّى الجوارى حاسرا ومنقّبا لبس الدلال وقام ينقر دفّه ... نقرا أقرّ به العيون وأطربا إنّ النساء رأينه فعشقنه ... فيشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسى الحائط. ثم قال: غنّى: طال تكذيبى وتصديقى فغنّت: طال تكذيبى وتصديقى ... لم أجد عهدا لمخلوق إنّ ناسا في الهوى غدروا ... حسّنوا نقض المواثيق لا ترانى بعدهم أبدا ... أشتكى عشقا لمعشوق قال: فرقص الرشيد ورقصت معه؛ ثم قال: امض بنا، فإنى أخشى أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلمّا صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدى:

стр. 1420

هل عرفت هذه المرأة؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإنّى أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك وأنا أخبرك بها، هذه علية بنت المهدىّ. وو الله لئن لفظت به بين يدى أحد وبلغنى لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّى يقول لأبى: فقد والله لفظت به؛ وو الله ليقتلنّك، فاصنع ما أنت صانع. وأخبار عليّة وأغانيها كثيرة، وقد ذكرنا منها ما يكتفى به. قال أبو الفرج: وكان مولد عليّة سنة ستين ومائة، وتوفّيت سنة عشرة ومائتين، وقيل: سنة تسع ومائتين، ولها خمسون سنة. وكانت عند موسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما. وكان سبب وفاتها أنّ المأمون ضمّها اليه وجعل يقبّل رأسها ووجهها مغطّى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمّت بعقب هذا أيّاما يسيرة وماتت. رحمها الله. ومنهم أبو عيسى بن الرشيد . هو أبو عيسى أحمد، وقيل: بل اسمه صالح «١» بن هارون الرشيد. وأمّه أمّ ولد بربريّة. كان من أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرة وأمجنهم وأحدّهم نادرة وأشدّهم عبثا. وكان أبو عيسى جميل الوجه جدّا؛ فكان إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء. وكانت عريب المأمونية تقول: ما سمعت غناء أحسن من غناء أبى عيسى بن الرشيد، ولا رأيت وجها أحسن من وجهه. وروى أنّ الرشيد قال يوما لأبى عيسى وهو صبىّ: ليت جمالك لعبد الله! (يعنى المأمون) فقال له: يا أمير المؤمنين، على أنّ حظّه منك لى. فعجب الرشيد من جوابه على صباه وضمّه إليه وقبّله.

стр. 1421

قال أبو الفرج: وكان أبو عيسى جيّد الصّنعة، وله أغان منسوبة إليه ومعروفة به. منها: رقدت عنك سلوتى ... والهوى ليس يرقد وأطار السهاد نو ... مى فنومى مشرّد أنت بالحسن منك يا ... حسن الوجه يشهد وفؤادى بحسن وجهك ... يشقى ويكمد وله غير هذا من الأصوات. قال: وكان كثير البسط والمجون والعبث. وكان المأمون أشدّ الناس حبّا له، وكان يعدّه للأمر بعده ويذكر ذلك كثيرا. حتى لقد حكى عنه أنه قال يوما: إنه ليسهل علىّ أمر الموت وفقد الملك، ولا يسهل شىء منهما على أحد؛ وذلك لمحبّتى أن يلى أبو عيسى الأمر بعدى لشدّة حبّى إياه. وكانت وفاة أبى عيسى في سنة سبع ومائتين. روى عن عبد الله بن طاهر قال: حدّثنى من شهد المأمون ليلة وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلق على قفاه، فرأوه وجعلوا يدعون. فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه؛ كأنه يسخط لورود الشهر، فما صام بعده. ونقل عنه أنه قال: دهانى «١» شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعدينى الإمام بقدرة ... على الشهر لاستعديت «٢» جهدى على الشهر فناله بعقب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرّات حتى مات. ولمّا مات وجد المأمون عليه وجدا شديدا.

стр. 1422

روى عن محمد بن عبّاد المهلّبىّ قال: لمّا مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتى ونبنتها ورائى- والخلفاء لا تعزّى في العمائم- فقال لى: يا محمد، حال القدر، دون الوطر. فقلت: يا أمير المؤمنين، كلّ مصيبة أخطأتك شوى «١» ، فجعل الله الحزن لك لا عليك!. قال: فركب المأمون إلى دار أبى عيسى فحضر جهازه وصلّى عليه ونزل في قبره. وامتنع من الطعام أياما حتى خيف أن يضرّ ذلك به. قال: وما رأيت مصابا حزينا قطّ أجمل أثرا في مصيبته ولا أحرق وجدا منه، صامت ودموعه تهمى على خدّيه من غير كلح «٢» ولا استنثار. وروى عن أحمد بن أبى داود قال: دخلت على المأمون وقد توفّى أخوه أبو عيسى وهو يبكى ويمسح عينيه بمنديل، فقعدت الى جنب عمرو بن مسعدة وتمثّلت قول الشاعر: نقص من الدّنيا وأسبابها ... نقص المنايا من بنى هاشم فلم يزل على تلك الحال يبكى ثم يمسح عينيه، وتمثّل: سأبكيك ما فاضت دموعى فإن تغض ... فحسبك منّى ما تجنّ الجوانح «٣» كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح ثم التفت إلىّ وقال: هيه يا أحمد! فتمثّلت بقول عبدة بن الطبيب: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما تحيّة من أوليته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما

стр. 1423

فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما فبكى ساعة، ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو! فقال: نعم يا أمير المؤمنين: بكّوا حذيفة لم تبكّوا مثله ... حتى تعود قبائل لم تخلق قال: فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بيننا؛ فقالت: اجعلوا لنا معكم فى القول نصيبا. فقال المأمون: قولى، فربّ صواب منك كثير. فقالت: كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر كأنّ بنى العبّاس يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر «١» فبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحى، فناحت وردّ عليّها الجوارى. فبكى المأمون حتى قلت: قد فاضت نفسه وبكينا معه أحرّ بكاء، ثم أمسكت. فقال المأمون: اصنعى فيه لحنا على مذهب النّوح وغنّى به؛ ففعلت وغنّته إياه على العود. فو الذى لا يحلف بأعظم منه لقد بكينا عليه غناء أكثر مما بكينا عليه نوحا. ومنهم عبد الله بن موسى الهادى . قال أبو الفرج: كان له في الغناء صنعة حسنة، وله أصوات مذكورة، منها قوله: تقاضاك دهرك ما أسلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا فلا تجزعنّ فإن الزمان ... رهين بتشتيت ما ألّفا ولما رآك قليل الهموم ... كثير الهوى ناعما مترفا ألحّ عليك بروعاته ... وأقبل يرميك مستهدفا

стр. 1424

قال: وكان عبد الله هذا من أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وكان له غلام أسود يقال له «قلم» ، فعلّمه الضرب فحذق فيه؛ فاشترته منه أمّ جعفر بثلاثمائة ألف درهم. وروى عن سليمان بن داود كاتب أمّ جعفر قال: كنت جالسا مع عبد الله بن موسى الهادى، فمرّ به خادم لصالح بن الرشيد؛ فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمى لا تسل. فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لى: قم بنا حتى نشرب اليوم ونذكر هذا البدر، فقمت معه. فأنشدنى في ذلك اليوم: وشادن مرّ بنا ... يجرح باللّحظ المقل مظلوم خصر ظالم ... منه إذا يمشى الكفل اعتدلت قامته ... والطرف منه ما عدل بدر تراه أبدا ... طالع سعد ما أفل سألته عن اسمه ... فقال: إسمى لا تسل وطلعت في وجنتي ... هـ وردتان من خجل فقلت ما أخطا الذى ... سمّاك بل قال المثل لا تسألن عن شادن ... فاق جمالا وكمل وقال فيه: عزّ الذى تهوى وذلّ ... صبّ الفؤاد مختبل جدّ به الهجر وذا ال ... هجر اذا جدّ قتل من شادن ممنطق ... فاق جمالا وكمل تناصف الحسن به ... فلا تسل عن لا تسل

стр. 1425

وعن أحمد بن المكّى قال: دعانى عبد الله بن موسى يوما فقال لى: أتقوّم غلاما ضاربا مغنّيا قيمة عدل لا حيف فيها على البائع ولا على المشترى؟ فقلت نعم. فأخرج إلىّ ابنه القاسم، وكنت قد عرفت خبره وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عودا يضرب به؛ فأكببت على يديه أقبلّهما فقال لى عبد الله: أتقبّل يد غلام مملوك! فقلت: بأبى وأمى هو من مملوك! وقبّلت رجله أيضا. فقال: أمّا إذ عرفته فأحبّ أن تضاربه، ففعلت. فلما رأى الغلام زيادتى في الضرب عليه اغتمّ وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر إليه: يا أبت، أنا متلذّذ وهذا متكسّب. فضحكت وقلت: هو كذلك يا سيّدى. وعجبت من حدّة جوابه معتذرا على صغر سنه. قال عبد الله بن حبيب: كان عبد الله بن موسى الهادى معربدا، وكان قد أعضل» المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه؛ فأمر به أن يحبس في منزله فلا يخرج منه، وأقعد على بابه حرسا؛ ثم تذمّم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه. ثم نادمه فعربد عليه أيضا وكلّمه بكلام أحفظه. وكان عبد الله مغرما بالصيد؛ فأمر المأمون خادما من خواصّ خدمه يقال له حسن «٢» فسمّه في درّاج؛ فلما أكله أحسّ بالسمّ، فركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما ترونى، ومات بعد أيام. وأكل معه خادمان، فمات أحدهما لوقته، وضنى الآخر ثم مات بعد مدّة. ومنهم عبد الله بن محمد الأمين . قال أبو الفرج الأصفهانىّ: كان عبد الله بن محمد الأمين ظريفا غزلا يقول شعرا ليّنا ويصنعه صنعة صالحة. وكان بينه وبين أبى نهشل بن حميد مودّة؛ فاعترض عبد الله جارية مغنّية

стр. 1426

لبعض نساء بنى هاشم وأعطى بها مالا عظيما. وعرفت مولاتها منه رغبة فيها فزادت عليه في السّوم فتركها؛ فاشتراها أخ لأبى نهشل، فتبعتها نفس عبد الله، فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها؛ فسأله ذلك فوعده ودافعه. فكتب عبد الله إلى أبى نهشل: يابن حميد يا أبا نهشل ... مفتاح باب الحدث المقفل يا أكرم الناس ودادا وأر ... عاهم لحقّ ضائع مهمل أحسنت في ودّى وأجملت بل ... جزت فعال المحسن المجمل بيتك في ذى يمن شامخ ... تقصر عنه قنّتا يذبل خلفت فينا حاتما ذا النّدى ... وجدت جود العارض المسبل أىّ أخ أنت لذى وحدة ... تركته بالعزّ في جحفل نجوم حظّى منك مسعودة ... فيما أرجّى ليس بالأقل فصدّق الظنّ بما قلته ... وسهّل الأمر به يسهل لا تحرمنّى ولديك المنى ... بالله صيد الرّشأ الأكحل رميت منه بسهام الهوى ... وما درى ما الرّمى في مقتلى أدنيتنى بالوعد في صيده ... إدناء «١» عطشان من المنهل ثم تناسيت وأسلمتنى ... إلى مطال موحش المنزل تركتنى في لجّة عائما ... لا أعرف المدبر من مقبل صرّح بأمر واضح بيّن «٢» ... لا خير في ذى لبس مشكل قال: فلم يزل أبو نهشل بأخيه حتى نزل له عنها. ولعبد الله هذا صنعة منها قوله:

стр. 1427

ألا يادير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتنى سقما وكدّا أزفّ من الفرات اليك زقّا ... وأجعل حوله «١» الورد المندّى ومنهم أبو عيسى بن المتوكل . قال عبد الله بن المعتز: جمع لأبى عيسى بن المتوكل صنعة مقدارها أكثر من ثلاثمائة صوت، منها الجيّد الصنعة ومنها المتوسّط. وقال النّميرىّ: سمعت أبا عيسى بن المتوكل يقول: إذا أتممت صنعة ثلاثمائة وستين صوتا عدد أيام السنة تركت الصنعة. فلما أتمها ترك الصنعة. فمنها قوله في شعر علىّ بن الجهم: هى النفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيّام تجور وتعدل وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التجمّل قال أبو الفرج الأصفهانى: وهو لعمرى من جيّد الغناء وفاخر الصنعة، ولو لم «٢» يصنع غيره لكفى. ومنهم عبد الله بن المعتز . هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله العباسىّ. قد وصفه أبو الفرج الأصفهانى فقال: وأمره مع قرب عهده بعصرنا مشهور فى فضائله وأدبه شهرة يشترك في أكثرها الخاصّ والعامّ، وشعره وإن كان فيه رقّة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين، فإنّ فيه أشياء كثيرة تجرى في أسلوب المجيدين، ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبّه فيها بفحول الجاهلية. وأطنب في وصفه وتقريظه، وهو فوق ما قال. ثم قال:

стр. 1428

وكان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقي والكلام على النّغم وعللها؛ وله فى ذلك وفي غيره من الآداب كتب مشهورة ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر وبين بنى حمدون وغيرهم تدلّ على فضله وغزارة أدبه. وذكر منها شيئا ليس هذا موضع إيراده. ثم قال: ومن صنعة عبد الله بن المعتز في شعره: هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والدار جامعة أزمان أزمانا قال أبو الفرج: ومن صنعته الظريفة الشكل مع جودتها: وابلائى من محضر ومغيب ... وحبيب منّى بعيد قريب لم ترد ماء وجهه العين إلّا ... شرقت قبل ايّها برقيب قال: ومن صنعته التى تظارف فيها وملح: زاحم كمّى كمّه فالتويا ... وافق قلبى قلبه فاستويا وطالما ذاقا الهوى فاكتويا ... يا قرّة العين ويا همّى ويا وحكى عن جعفر بن قدّامة قال: كان لعبد الله بن المعتز غلام يحبّه، فغضب الغلام عليه، فجهد أن يترضّاه، فلم يكن له فيه حيلة. ودخلت عليه فأنشدنى فيه: بأبى أنت قد تما ... ديت في الهجر والغضب واصطبارى على صدو ... دك يوما من العجب ليس لى إن فقدت وج ... هك في العيش من أرب رحم الله من أعا ... ن على الصّلح واحتسب قال: فمضيت إلى الغلام، فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضّيته له وجئته به؛ فمرّ لنا يومئذ أطيب يوم وأحسنه.

стр. 1429

ذكر من غنّى من الأشراف والعلماء ﵏ كان ممن غنى من الأشراف والعلماء على ما نقل إلينا من أخبارهم: عبد العزيز بن المطلب «١» . روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدسىّ ﵀ بسند رفعه إلى محمد بن مسلمة قال حدّثنى أبى قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجنّ للنبىّ ﷺ بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقيا وهو يغنّى: فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها «٢» بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرّة ... وإن غبت عنها لم يغمّك عارها «٣» فقلت له: تغنّى أصلحك الله وأنت في جلالتك وشرفك! أما والله لأحدونّ بها ركبان نجد. قال: فو الله ما أكترث وعاد يتغنّى: فما ظبية أدماء خفّاقة الحشى ... تجوب بظلفيها بطون الخمائل بأحسن منها إذ تقول تدلّلا ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل تمتّع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيّام الشهور الأطاول

стр. 1430

قال: فندمت على قولى له، فقلت: أصلحك الله، أتحدّثنى في هذا بشىء! فقال: نعم، حدّثنى أبى قال: دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- وأشعب يغنّيه: معقربة كالبدر سنّة «١» وجهها ... مطهّرة الأثواب والعرض وافر لها نسب زاك وعرض مهذّب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم رضى الله عنه: زدنى. فقال: ألّمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطّار ثوى في رحالنا ... وما احتملت ليلى سوى ريحها عطرا فقال سالم: أما والله لولا أن تداوله الرّواة لأجزلت جائزتك، فلك من هذا الأمر مكان. ومنهم ابراهيم بن سعد «٢» . هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزّهرىّ. كان من العلماء الثّقات المحدّثين. سمع أباه وابن شهاب الزهرىّ وهشام بن عروة وصالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق بن يسار. روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد، وابناه يعقوب وسعد «٣» ابنا إبراهيم وعبد الرحمن بن مهدىّ ويزيد بن هارون ويونس المؤدّب وأبو داود الطيالسىّ وسليمان بن داود الهاشمى وعبد العزيز الآدمىّ وعلىّ بن الجعد ومحمد بن جعفر الور كانىّ وأحمد بن حنبل وغيرهم. كان يبيح السماع

стр. 1431

ويضرب بالعود ويغنّى عليه. وله في ذلك قصّة رواها أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ بسند رفعه إلى سعيد بن كثير بن عفير قال: قدم إبراهيم بن سعد الزهرىّ العراق سنة أربع وثمانين ومائة، فأكرمه الرشيد وأظهر برّه. وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله؛ فأتاه بعض أهل الحديث ليسمع منه أحاديث الزهرىّ، فسمعه يتغنّى، فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك، فأمّا الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا. قال: إذا لا أفقد إلّا شخصك. علىّ وعلىّ ألّا أحدّث ببغداد ما أقمت حديثا واحدا حتى أغنّى قبله. وشاعت هذه الحكاية ببغداد، فبلغت الرشيد، فدعا به فسأله عن حديث المخزوميّة التى قطعها النبىّ ﷺ في سرقة الحلىّ؛ فدعا بعود. فقال الرشيد: أعود المجمر؟ قال: لا ولكن عود الطّرب، فتبسّم. ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعلك بلغك يا أمير المؤمنين حديث السّفيه الذى آذانى بالأمس وألجأنى إلى أن حلفت. قال نعم. فدعا له الرشيد بعود فأخذه وغنّى: يا أمّ طلحة إنّ البين قد أفدا ... ملّ الثّواء لأن كان الرحيل غدا فقال له الرشيد: من كان من فقهائكم ينكر السماع؟ قال: من ربط الله على قلبه. قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شىء؟ فقال: لا والله، إلا أن أبى أخبرنى أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بنى يربوع وهم يومئذ جلّة «١» ، ومالك أقلّهم في فقه وقدر، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنّون ويلعبون. ومع مالك دفّ مربّع وهو يغنيهم: سليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلاقينا تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا

стр. 1432

فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم، ومات إبراهيم في هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة. قال: وكان ابراهيم بن سعد يبالغ فيه إلى هذا الحدّ. وقد أجمعت الأئمة على ثقته وعدالته والرواية عنه. واتّفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه فى الصحيح. ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، بل قلّد قضاء بغداد على جلالتها، وقلّد أبوه القضاء بالمدينة على شرفها. وروى أبو الفرج الأصفهانى بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال: شهدت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة ينكر الغناء، فقال: من قنّعه الله خزيه: مالك بن أنس؛ ثم حلف أنه سمع مالكا يغنّى: سليمى أزمعت بينا ... فأين لقاؤها أينا فى عرس لرجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة. وروى أيضا بسنده إلى الحسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة، فخلا لى الطريق في نصف النهار، فجعلت أتغنّى: ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب قال: فإذا خوخة قد فتحت وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق! أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة؛ ثم اندفع يغنّيه؛ فظننت أنّ طويسا قد نشر يغنّيه، فقلت: أصلحك الله! من أين لك هذا الغناء؟ قال: نشأت وأنا غلام أتبع المغنّين وآخذ عنهم؛ فقالت لى أمّى: يا بنىّ، إن المغنّى إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه فإنه لا يضرّ معه قبح الوجه. فتركت المغنّين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بى ما ترى. فقلت: فأعد جعلت فداءك. فقال: لا ولا كرامة! أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس! وإذا هو مالك ولم أعلم.

стр. 1433

ومنهم محمد بن إسماعيل بن علىّ بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما . كان عالما بالفقه والغناء جميعا. وكان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالغناء. فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه العلم بالعلم والغناء!. ذكر من غنّى من الأعيان والأكابر والقوّاد ممن نسبت له صنعة في الغناء منهم أبو دلف العجلىّ . هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بنى عجل بن لجيم بن مصعب بن علىّ بن بكر بن وائل. كان محلّه من الشجاعة وبعد الهمة وعلوّ المحلّ عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله. قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وله صنعة حسنة. فمن جيّد صنعته قوله- والشعر له أيضا-: بنفسى يا جنان وأنت منّى ... مكان الرّوح من جسد الجبان ولو أنى أقول مكان نفسى ... خشيت عليك بادرة الزمان لإقدامى إذا ما الخيل حامت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان قال: وكان أحمد بن أبى داود ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغنّى. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك! فستر المعتصم أحمد بن أبى داود في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّى ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبى داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد

стр. 1434

قال: سوءة لهذا من فعل! أبعد [هذه «١» ] السنّ وهذا المحلّ تصنع «٢» بنفسك ما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر «٣» وقال: إنهم ليكرهونى على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة!. قال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحبّ أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نيّة الفصد غدا وهو عندى. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا؛ فأعلمهم الواثق حصول أبى دلف عنده. فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكلّ من كان عنده حتى تلقّوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبى دلف فقال: يا قاسم، غنّ أمير المؤمنين. فقال: صوتا بعينه أو ما اخترت؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنّى: بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما اعتزموا لبين تجزع كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم ... قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع فقال المعتصم: أحسن أحسن- ثلاثا- وشرب رطلا. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبّت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار. قال: وكان أبو دلف جوادا ممدّحا. وفيه يقول علىّ بن جبلة من قصيدة بقول فيها: ذاد ورد الغىّ عن صدره ... وارعوى واللهو من وطره ندمى أنّ الشباب مضى ... لم أبلّغه مدى أشره

стр. 1435

حسرت عنّى بشاشته ... وذوى المحمود من ثمره ودم أهدرت من رشأ ... لم يرد عقلا على هدره جاء منها: دع جدا قحطان أو مضر ... فى يمانيه وفي مضره وامتدح من وائل رجلا ... عصر «١» الآفاق من عصره ومنها: المنايا في مقانبه ... والعطايا في ذرا حجره ملك تندى أنامله ... كانبلاج النّوء عن مطره مستهلّ عن مواهبه ... كابتسام الرّوض عن زهره ومنها: إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره مستعير منه مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علىّ بن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه. وقوله فيه: أنت الذى تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلّا قضيت بأرزاق وآجال تزورّ سخطا فتضحى البيض ضاحكة ... وتستهل فتبكى أعين المال وكان سبب مدح علىّ بن جبلة أبا دلف بقوله: إنما الدنيا أبو دلف

стр. 1436

ما رواه أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن علىّ بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من برّى وإكرامى والتحفّى بى أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء، فبعث إلىّ معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّى، وأظنّك قد استقللت برّى، فلا يغضبنك ذلك فإنى سأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعنى إلا الإفراط في البرّ، وكتبت إليه: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكننى لمّا أتيتك زائرا ... فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر فم الآن لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر فإن زدتنى برّا تزايدت جفوة ... ولم تلقنى طول الحياة إلى الحشر فلما قرأها معقل استحسنها وقال: أحسنت والله! أمّا إن الأمير يعجبه هذا من المعانى. فلما أوصلها إلى أبى دلف قال: قاتله الله! ما أشعره وأرقّ معانيه! وأجابنى لوقته- وكان حسن البديهة حاضر الجواب-: ألا ربّ طيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضّيافة بالبشر أتانى يرجّينى فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نائلى سترى وجدت له فضلا علىّ بقصده ... إلىّ وبرّا زاد فيه على برّى فزوّدته ما لا يدوم بقاؤه ... وزوّدنى مدحا يدوم على الدهر قال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلىّ معه بألف دينار. فقلت حينئذ: إنما الدنيا أبو دلف الأبيات. وروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: كنا عند أبى العبّاس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبى البخترىّ وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه،

стр. 1437

وفتى من ولد أبى دلف البجلىّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبى البخترىّ: أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هى؟ قال: دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذى يشربون منه؛ فقال فيهم: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر ولو كنت تفعل فعل الكرام ... صنعت صنيع أبى البخترى تتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر فبلغت الأبيات أبا البخترىّ فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت وقد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟ قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر من ثروة، فقالت له امرأته، افترض في الجند، فقال: إليك عنّى فقد كلّفتنى شططا ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف تمشى المنايا إلى قوم فأكرهها ... فكيف أمشى إليها عارى الكتف حسبت أنّ نفاد المال غيّرنى ... أو أنّ روحى في جنبى أبى دلف فأحضره أبو دلف وقال: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: كم أمّلت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أمّلت وأمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبى دلف يتهلّل وانكسر ابن أبى البخترىّ. وهذه الأبيات رويت لابن أبى فنن.

стр. 1438

ومنهم أخوه معقل بن عيسى . كان فارسا شاعرا جوادا مغنّيا فهما بالنّغم والوتر، ذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبى دلف. وهو القائل لمخارق- وقد كان زار أبا دلف بالجبل ثم رجع الى العراق، وله في ذلك غناء-: لعمرى لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد عنك عيون فسر أو أقم، وقف عليك مودّتى ... مكانك من قلبى عليك مصون فما أوحش الدنيا إذا كنت نازحا ... وما أحسن الدنيا بحيث تكون ومنهم عبد الله بن طاهر بن الحسين وابنه عبيد الله . فأمّا عبد الله فكان محلّه من علوّ المنزلة وعظم القدر والتمكّن عند الخلفاء ما هو مشهور مذكور فى أخبارهم. وتقلّد الولايات الكبيرة مثل مصر والجزيرة وما يلى ذلك، ثم نقل إلى خراسان. وله عطايا وهبات وصلات لا ينكرها أحد. ومحلّه من الشجاعة والإقدام معروف. وكان يعتنى بالغناء ويصنعه، إلا أنه كان يترفّع عن ذكره والاعتراف به ونسبته إليه. قال أبو الفرج: والأصوات التى غنّى فيها عبد الله بن طاهر كثيرة. وكان ابنه عبيد الله إذا ذكر شيئا منها من صنعته قال: الغناء للدار الكبيرة، وإذا ذكر شيئا من صنعة نفسه قال: الغناء للدار الصغيرة. فمن الأصوات التى صنع فيها عبد الله بن طاهر قوله: هلّا سقيتم بنى حزم «١» أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى الطاعن الطّعنة النجلاء يتبعها ... مضرّج بعد ما جادت بإزباد قال: فقد جاء به عبد الله صحيح العمل مزدوج النغم [بين «٢» ] لين وشدّة على رسم

стр. 1439

الحذّاق القدماء. قال عبيد الله- وذكر صوتا من أصواته-: لمّا صنع أبى هذا الصوت لم يحبّ أن يسمع عنه شىء من الغناء ولا ينسب إليه؛ لأنه كان يترفّع «١» عن ذلك، وما جسّ بيده وترا قطّ ولا تعاطاه، ولكنه كان يعلم من هذا الشأن بطول الدّربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كثير. قال: وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع في أبيات أصواتا كثيرة، فألقاها على جواريه، فأخذتها عنه وغنّين بها وسمعها الناس منهنّ [وممن أخذ عنهنّ. فلما أن صنع هذا الصوت: هلا سقيتم بنى سهم أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى «٢» ] نسبه إلى مالك بن أبى السمح. وكانت لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها راحة «٣» ، وكانت ترغب إلى عبد الله لمّا ندبه المأمون إلى مصر، وكانت تغنّيه؛ وأخذت هذا الصوت عن جواريه، وأخذه المغنون عنها، وروى لمالك بن أبى السمح مدّة. ثم قدم عبد الله العراق، فحضر مجلس المأمون وغنّى الصوت بحضرته ونسب إلى مالك؛ فضحك عبد الله ضحكا كثيرا؛ فسئل عن القصة فصدق فيها «٤» واعترف بصنعة الصوت. وكشف المأمون عن القصة؛ فلم يزل كلّ من سئل عنه يخبر عمن «٥» أخذه، فينتهى بالقصة إلى راحة ويقف فلا يعدوها. فأحضرت راحة وسئلت فأخبرت بقصته؛ فعلم أنه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنه لمالك. ويقال: إنه لم يعجب من شىء عجبه من حذق عبد الله بمذاهب الأوائل وحكاياتهم. وأمّا عبيد الله ، ويكنى أبا أحمد. قال أبو الفرج الأصبهانى: له محلّ من الأدب والتصرّف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس

стр. 1440

وعلوم الأوائل من الفلاسفة «١» فى الموسيقى والهندسة وغير ذلك [مما «٢» ] يجلّ عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة [تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله «٣» ] إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلها في صوت واحد تتّبعه هو «٤» وأتى به على ما فصّله فيها وطلبه منها. وكان المعتضد بالله ربما أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء ويحضره أكابر المغنّين فيعدل عنهم إليه فيصنع فيه أحسن صنعة، ويترفّع عن إظهار نفسه بذلك فيومىء إلى أنه من صنعة جاريته ساجى «٥» . وسنذكر ساجى إن شاء الله تعالى في أخبار القيان، وكانت تخريج عبيد الله وتأديبه. قال: ولمّا اختلّت حال عبيد الله كان المعتضد بالله يتفقّده بالصّلات. ومن أصوات عبيد الله التى جمع فيها النّغم العشر قوله في شعر إبراهيم بن علىّ بن هرمة: وإنك إذ أطمعتنى منك بالرّضا ... وأيأستنى من بعد ذلك بالغضب كممكنة من درّها كفّ حالب ... ودافقة من بعد ذلك ما حلب وأخبار عبيد الله كثيرة سنذكر منها في هذا الباب في أخبار ساجى طرفا، ونورد منها إن شاء الله تعالى في فنّ التاريخ ما يناسب. وأستغفر الله العظيم.
следующие страницы →