← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ما رواه أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن علىّ بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من برّى وإكرامى والتحفّى بى أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء، فبعث إلىّ معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّى، وأظنّك قد استقللت برّى، فلا يغضبنك ذلك فإنى سأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعنى إلا الإفراط في البرّ، وكتبت إليه: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكننى لمّا أتيتك زائرا ... فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر فم الآن لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر فإن زدتنى برّا تزايدت جفوة ... ولم تلقنى طول الحياة إلى الحشر فلما قرأها معقل استحسنها وقال: أحسنت والله! أمّا إن الأمير يعجبه هذا من المعانى. فلما أوصلها إلى أبى دلف قال: قاتله الله! ما أشعره وأرقّ معانيه! وأجابنى لوقته- وكان حسن البديهة حاضر الجواب-: ألا ربّ طيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضّيافة بالبشر أتانى يرجّينى فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نائلى سترى وجدت له فضلا علىّ بقصده ... إلىّ وبرّا زاد فيه على برّى فزوّدته ما لا يدوم بقاؤه ... وزوّدنى مدحا يدوم على الدهر قال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلىّ معه بألف دينار. فقلت حينئذ: إنما الدنيا أبو دلف الأبيات. وروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: كنا عند أبى العبّاس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبى البخترىّ وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه،

стр. 1437

وفتى من ولد أبى دلف البجلىّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبى البخترىّ: أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هى؟ قال: دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذى يشربون منه؛ فقال فيهم: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر ولو كنت تفعل فعل الكرام ... صنعت صنيع أبى البخترى تتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر فبلغت الأبيات أبا البخترىّ فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت وقد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟ قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر من ثروة، فقالت له امرأته، افترض في الجند، فقال: إليك عنّى فقد كلّفتنى شططا ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف تمشى المنايا إلى قوم فأكرهها ... فكيف أمشى إليها عارى الكتف حسبت أنّ نفاد المال غيّرنى ... أو أنّ روحى في جنبى أبى دلف فأحضره أبو دلف وقال: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: كم أمّلت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أمّلت وأمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبى دلف يتهلّل وانكسر ابن أبى البخترىّ. وهذه الأبيات رويت لابن أبى فنن.

стр. 1438

ومنهم أخوه معقل بن عيسى . كان فارسا شاعرا جوادا مغنّيا فهما بالنّغم والوتر، ذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبى دلف. وهو القائل لمخارق- وقد كان زار أبا دلف بالجبل ثم رجع الى العراق، وله في ذلك غناء-: لعمرى لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد عنك عيون فسر أو أقم، وقف عليك مودّتى ... مكانك من قلبى عليك مصون فما أوحش الدنيا إذا كنت نازحا ... وما أحسن الدنيا بحيث تكون ومنهم عبد الله بن طاهر بن الحسين وابنه عبيد الله . فأمّا عبد الله فكان محلّه من علوّ المنزلة وعظم القدر والتمكّن عند الخلفاء ما هو مشهور مذكور فى أخبارهم. وتقلّد الولايات الكبيرة مثل مصر والجزيرة وما يلى ذلك، ثم نقل إلى خراسان. وله عطايا وهبات وصلات لا ينكرها أحد. ومحلّه من الشجاعة والإقدام معروف. وكان يعتنى بالغناء ويصنعه، إلا أنه كان يترفّع عن ذكره والاعتراف به ونسبته إليه. قال أبو الفرج: والأصوات التى غنّى فيها عبد الله بن طاهر كثيرة. وكان ابنه عبيد الله إذا ذكر شيئا منها من صنعته قال: الغناء للدار الكبيرة، وإذا ذكر شيئا من صنعة نفسه قال: الغناء للدار الصغيرة. فمن الأصوات التى صنع فيها عبد الله بن طاهر قوله: هلّا سقيتم بنى حزم «١» أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى الطاعن الطّعنة النجلاء يتبعها ... مضرّج بعد ما جادت بإزباد قال: فقد جاء به عبد الله صحيح العمل مزدوج النغم [بين «٢» ] لين وشدّة على رسم

стр. 1439

الحذّاق القدماء. قال عبيد الله- وذكر صوتا من أصواته-: لمّا صنع أبى هذا الصوت لم يحبّ أن يسمع عنه شىء من الغناء ولا ينسب إليه؛ لأنه كان يترفّع «١» عن ذلك، وما جسّ بيده وترا قطّ ولا تعاطاه، ولكنه كان يعلم من هذا الشأن بطول الدّربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كثير. قال: وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع في أبيات أصواتا كثيرة، فألقاها على جواريه، فأخذتها عنه وغنّين بها وسمعها الناس منهنّ [وممن أخذ عنهنّ. فلما أن صنع هذا الصوت: هلا سقيتم بنى سهم أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى «٢» ] نسبه إلى مالك بن أبى السمح. وكانت لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها راحة «٣» ، وكانت ترغب إلى عبد الله لمّا ندبه المأمون إلى مصر، وكانت تغنّيه؛ وأخذت هذا الصوت عن جواريه، وأخذه المغنون عنها، وروى لمالك بن أبى السمح مدّة. ثم قدم عبد الله العراق، فحضر مجلس المأمون وغنّى الصوت بحضرته ونسب إلى مالك؛ فضحك عبد الله ضحكا كثيرا؛ فسئل عن القصة فصدق فيها «٤» واعترف بصنعة الصوت. وكشف المأمون عن القصة؛ فلم يزل كلّ من سئل عنه يخبر عمن «٥» أخذه، فينتهى بالقصة إلى راحة ويقف فلا يعدوها. فأحضرت راحة وسئلت فأخبرت بقصته؛ فعلم أنه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنه لمالك. ويقال: إنه لم يعجب من شىء عجبه من حذق عبد الله بمذاهب الأوائل وحكاياتهم. وأمّا عبيد الله ، ويكنى أبا أحمد. قال أبو الفرج الأصبهانى: له محلّ من الأدب والتصرّف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس

стр. 1440

وعلوم الأوائل من الفلاسفة «١» فى الموسيقى والهندسة وغير ذلك [مما «٢» ] يجلّ عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة [تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله «٣» ] إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلها في صوت واحد تتّبعه هو «٤» وأتى به على ما فصّله فيها وطلبه منها. وكان المعتضد بالله ربما أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء ويحضره أكابر المغنّين فيعدل عنهم إليه فيصنع فيه أحسن صنعة، ويترفّع عن إظهار نفسه بذلك فيومىء إلى أنه من صنعة جاريته ساجى «٥» . وسنذكر ساجى إن شاء الله تعالى في أخبار القيان، وكانت تخريج عبيد الله وتأديبه. قال: ولمّا اختلّت حال عبيد الله كان المعتضد بالله يتفقّده بالصّلات. ومن أصوات عبيد الله التى جمع فيها النّغم العشر قوله في شعر إبراهيم بن علىّ بن هرمة: وإنك إذ أطمعتنى منك بالرّضا ... وأيأستنى من بعد ذلك بالغضب كممكنة من درّها كفّ حالب ... ودافقة من بعد ذلك ما حلب وأخبار عبيد الله كثيرة سنذكر منها في هذا الباب في أخبار ساجى طرفا، ونورد منها إن شاء الله تعالى في فنّ التاريخ ما يناسب. وأستغفر الله العظيم.

стр. 1441

ذكر أخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسيّة إلى العربيّة ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء والغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمّونه «الركبانية» . وأوّل من نقل الغناء العجمىّ إلى العربىّ من أهل مكة «سعيد بن مسجح» ومن أهل المدينة «سائب خاثر» . وأوّل من صنع الهزج «طويس» . ولنبدأ بذكر أخبار هؤلاء ثم نذكر من أخذ عنهم إن شاء الله تعالى. ذكر أخبار سعيد بن مسجح هو أبو عثمان سعيد بن مسجح، مولى بنى جمح، وقيل: مولى بنى مخزوم، وقيل: مولى بنى نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب. مكّى أسود- وقيل: أصفر- حسن اللّون. وقيل: كان مولّدا، يكنى أبا عيسى. وقيل: كان هو وابن سريح لرجل واحد. مغنّ متقدّم من فحول المغنّين وأكابرهم. وهو أوّل من وضع الغناء منهم، وأوّل من غنّى الغناء العربىّ بمكة؛ وذلك أنه مرّ بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزّبير، فسمع غناءهم بالفارسيّة فقلبه في شعر عربىّ، ثم رحل إلى الشأم فأخذ ألحان الرّوم والبربطية والأسطو خوسيّة «١» ، وانقلب

стр. 1442

إلى فارس فأخذ غناء كثيرا وتعلّم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النّغم وألقى منها ما استقبحه من النّبرات والنّغم؛ وكان أوّل من فعل ذلك، وتبعه الناس بعد؛ وعلّم ابن سريج، وعلّم ابن سريح الغريض. قالوا: وكان في صباه فطنا ذكيّا، وكان مولاه معجبا به، فكان يقول: ليكونن لهذا الغلام شأن، وما يمنعنى من عتقه إلّا حسن فراستى فيه، ولئن عشت لأتعرّفنّ ذلك، وإن متّ قبله فهو حرّ. فسمعه مولاه يوما يتغنّى بشعر ابن الرّقاع يقول: ألمم على طلل عفا متقادم ... بين الذّؤيب «١» وبين غيب النّاعم لولا الحياء وأنّ رأسى قد عسا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم فدعاه مولاه فقال: أعد يا بنىّ؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما ابتدأ به، وقال: إنّ هذا لبعض ما كنت أقول. ثم قال له: أنّى لك هذا؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنّى بالفارسيّة فقلبتها في هذا الشعر. قال: فأنت حرّ لوجه الله. فلزم مولاه وكثر أدبه واتّسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به. فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال: يا بنىّ علّمه واجتهد فيه. وكان ابن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلّم منه ثم برّز عليه. وقد قيل: إنه إنما سمع الغناء من الفرس لمّا أمر معاوية ببناء دوره بمكة التى يقال لها «الرّقط» ، وكان قد حمل إليها بنّائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم؛ فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربىّ، ثم صاغ على نحو ذلك. وكان من قديم غنائه الذى صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص، وهو: أسلام إنك قد ملكت فأسجحى ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح منّى على عان أطلت عناءه ... فى الغلّ عندك والعناة تسرّح

стр. 1443

إنى لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح وإذا شكوت إلى سلامة حبّها ... قالت أجدّ منك ذا أم تمزح وهذا من أقدم الغناء العربىّ المنقول عن الفارسىّ. قال: وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن عبد الملك. ومن أخبار سعيد مارواه أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه قال: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكة إليه أنّ رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره إلىّ. فتوجّه ابن مسجح الى الشأم؛ فصحبه رجل له جوار مغنّيات في الطريق. فقال له: أين تريد؟ فأخبره الخبر وقال: أريد الشأم؛ فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا: من أخصّ الناس بأمير المؤمنين؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه. فوقف ابن مسجح عليهم فسلّم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها «برق الأفق» ، فتثاقلوا به إلّا فتى منهم تذمّم» فقال له: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفى. فقالوا: لا، بل تجىء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا الى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إنى رجل أسود، ولعل فيكم من يقذرنى، فأنا أجلس وآكل ناحية وقام؛ فاستحيوا منه وبعثوا له بما أكل. فلما صاروا إلى الشّراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا. ثم أخرجوا جاريتين، فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنّتا إلى العشاء ثم دخلتا؛ وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلستا أسفل السرير عن يمينه وشماله وجلست هى على السرير. قال ابن مسجح: فتمثلت هذا البيت:

стр. 1444

فقلت أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود بى الأمثال! فنظروا إلىّ نظرا منكرا، ولم يزالوا يسكّنونها. ثم غنّت صوتا. قال ابن مسجح: فقلت: أحسنت والله! فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتى! فقال لى الرجل الذى أنزلنى عنده: قم فانصرف إلى منزلى، فقد ثقلت على القوم. فذهبت أقوم. فتذمّم القوم وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك: فأقمت. فغنّت، فقلت: أخطأت والله وأسأت! ثم اندفعت فغنّيت الصوت؛ فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح. فقلت: إى والله، أنا هو، والله لا أقيم عندكم ووثبت؛ فوثب القرشيون: فقال هذا: تكون عندى، وقال هذا: تكون عندى، [وقال هذا: بل عندى «١» ] . فقلت: والله لا أقيم إلا عند سيّدكم! (يعنى الرجل الذى أنزله منهم) وسألوه عما أقدمه. فأخبرهم. فقال له صاحبه: إنى أسمر الليلة عند أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو؟ فقال: لا والله، ولكنى أنا حداء. فقال له: إنّ منزلى بحذاء منزل أمير المؤمنين، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك. ومضى إلى عبد الملك. فلما رآه طيّب النفس أرسل إلى ابن مسجح؛ فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا: إنك يا معاذ يابن الفضّل «٢» ... إن زلزل الأقدام لم تزلزل عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ «٣» القرون الميّل للحق حتى ينتحوا للأعدل

стр. 1445

فقال عبد الملك للقرشىّ: من هذا؟ فقال: رجل حجازىّ قدم علىّ. قال: أحضره، فأحضره. ثم قال له: [هل «١» ] تغنّى غناء الرّكبان؟ فغنّى. فقال له: هل تغنّى الغناء المتقن؟ قال نعم. قال: هيه، فغنّى؛ فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال: أقسم بالله إنّ لك في القوم اسما كبيرا، من أنت؟ ويلك! قال: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه «سعيد بن مسجح» ، قبض مالى عامل الحجاز ونفانى. فتبسّم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم؛ وأمّنه ووصله وكتب إلى عامله بالحجاز أن اردد إليه ماله، ولا تتعرّض اليه بسوء. والله أعلم. ذكر أخبار سائب خاثر هو أبو جعفر سائب خاثر بن يسار، مولى لبنى ليث. وأصله من فيء كسرى، واشتراه عبد الله بن جعفر فأعتقه. وقيل: بل كان على ولائه لبنى ليث، ولكنه انقطع إلى عبد الله بن جعفر ولزمه وعرف به. وهو أوّل من عمل العود بالمدينة وغنّى به. قال: وكان عبد الله بن عامر بن كريز سبىّ «٢» إماء صنّاجات «٣» فأتى بهنّ المدينة. فكنّ يلعبن في يوم الجمعة ويسمع الناس منهنّ، فأخذ عنهنّ. وقدم رجل فارسىّ يعرف بنشيط، فغنّى، فعجب عبد الله بن جعفر منه. فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسىّ بالعربيّة. ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد عمل في:

стр. 1446

لمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر وخلا لها من بعد ساكنها ... حجج مضين ثمان أو عشر والزعفران على ترائبها ... شرق به اللّبات والنحر قال ابن الكلبىّ: وهو أوّل صوت غنّى به في الإسلام من الغناء العربىّ المتقن الصّنعة. قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر نشيطا بعد ذلك؛ فأخذ عنه سائب خاثر الغناء العربىّ، وأخذ عنه ابن سريج وجميلة ومعبد وعزّة الميلاء وغيرهم. وقيل: إنه لم يكن يضرب بالعود وإنما كان يقرع بالقضيب ويغنّى مرتجلا. قال ابن الكلبى: وكان [سائب تاجرا «١» ] موسرا يبيع الطعام بالمدينة، وكان تحته أربع نسوة. وكان انقطاعه إلى عبد الله بن جعفر، وهو مع ذلك يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته. وكان قد آلى على نفسه ألّا يغنّى أحدا سوى عبد الله بن جعفر إلا أن يكون خليفة أو ولىّ عهد أو ابن خليفة؛ فكان على ذلك الى أن قتل، على ما نذكره. وأخذ عنه معبد غناء كثيرا. قال: وسمع معاوية غناء سائب خاثر مرارا، فالمرّة الأولى لمّا وفد عبد الله بن جعفر إلى معاوية وهو معه، فسأل عنه معاوية، فأخبره عبد الله خبره واستأذنه في دخوله عليه، فأذن له. فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته فغنّى: لمن الديار رسومها قفر ... الأبيات فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال: أشهد لقد حسّنه. وقضى معاوية حوائجه وأحسن اليه ووصله. وقيل: أشرف معاوية ليلة على منزل يزيد، فسمع صوتا أعجبه، واستخفّه السماع فاستمع حتى ملّ؛ ثم دعا بكرسىّ فجلس عليه واشتهى الاستزادة، فاستمع بقيّة ليلته. فلما أصبح غدا عليه يزيد؛ فقال: يا بنىّ، من كان

стр. 1447

جليسك البارحة؟ قال: أىّ جليس يا أمير المؤمنين؟ واستعجم عليه. فقال: عرّفنى به فإنه لم يخف علىّ شىء من أمرك. قال: هو سائب خاثر. قال معاوية: فأكثر له يا بنىّ من برّك وصلتك، فما رأيت بمجالسته بأسا. قال ابن الكلبىّ: وقدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم، فأمر حاجبه بالإذن للنّاس؛ فخرج ثم رجع فقال: ما بالباب أحد. فقال معاوية: وأين الناس؟ قال: عند عبد الله بن جعفر. فركب معاوية بغلته ثم توجّه اليهم. فلما جلس قال بعض القرشيّين لسائب خاثر: مطرفى هذا لك إن اندفعت تغنّى (وكان المطرف من خز) ؛ فقام بين السّماطين وغنّى فقال: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى «١» ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فسمع منه معاوية وطرب وأصغى اليه حتى سكت وهو مستحسن لذلك، ثم انصرف، وأخذ سائب خاثر المطرف «٢» . وكان مقتل سائب خاثر بالمدينة يوم الحرّة. قال: وكان يخشى على نفسه من أهل الشأم. فخرج اليهم وجعل يقول: أنا مغنّ، ومن حالى ومن قصتى كيت وكيت، وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله. فقالوا له: غنّ لنا، ففعل. فقام أحدهم فقال: أحسنت والله، ثم ضربه بالسيف فقتله. وبلغ يزيد خبره ومرّ به اسمه في أسماء من قتل فلم يعرفه وقال: من سائب خاثر؟ فعرّف به، فقال: ويله ما له وما لنا! ألم نحسن إليه ونصله ونخلطه بأنفسنا! فما الذى حمله على عداوتنا! لا جرم أنّ بغيه علينا صرعه. وقيل: إنه لمّا بلغه قتله قال: إنا لله! أو بلغ

стр. 1448

القتل إلى سائب خاثر وطبقته! ما أرى أنه بقى بالمدينة أحد، وقال. قبحكم الله يأهل الشأم! تجدهم وجدوه في حائط أو حديقة مستترا فقتلوه. وقد قيل: إنه تقدّم يوم الحرّة وقاتل حتى قتل. والله أعلم. ذكر أخبار طويس هو عيسى بن عبد الله. وكنيته أبو عبد المنعم، وغيّرها المخّنثون فقالوا: أبو عبد النعيم. وطويس لقب غلب عليه، وقيل: اسمه طاوس، مولى بنى مخزوم. وكان أيضا يلقّب بالذائب؛ لأنه غنّى: قد برانى الحبّ حتى ... كدت من وجدى أذوب وهذا أوّل غناء غنّاه وهزج هزجه. وقد ضرب المثل به في الشؤم فقالوا: «أشأم من طويس» لأنه ولد يوم مات رسول الله ﷺ ، وفطم يوم مات أبو بكر رضى الله عنه، وختن يوم مات عمر رضى الله عنه، وتزوّج يوم قتل عثمان، وولد له يوم مات علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وكان مخنّثا أحول طويلا؛ وقيل: إنه ولد ذاهب العين اليمنى. قالوا: وكانت أمّه تمشى بين نساء الأنصار بالنمائم. وطويس أوّل من صنع الهزج والرمل في الإسلام، وكان الناس يضربون به المثل فيقولون: «أهزج من طويس» . وكان لا يضرب بالعود وإنما ينقر بالدّفّ. وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها. حكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده إلى المدائنىّ قال: قدم ابن سريح المدينة، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون له: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مرّ بهم طويس فسمعهم وما يقولون، فاستلّ دفّه من حضنه ونقره وغنّى؛ فلما سمعه

стр. 1449

ابن سريج قال: هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا. وقال المدائنىّ، قال مسلمة «١» ابن محارب: حدّثنى رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل من أصحابنا فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمدّ الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، وكان قبل ذلك يأكل معنا؛ فخرجنا نسأل عن حاله فنلقى «٢» رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زىّ الأعراب؛ فقال لنا: ما لكم؟ فأنكرنا سؤاله لنا؛ فأخبرناه خبر الرجل فقال: ما اسم صاحبكم؟ فقلنا: أسيد؛ فقال: هذا واد قد أخّذت «٣» سباعه فارتحلوا، فلو قد جاوزتم الوادى استمرّ «٤» صاحبكم وأسد «٥» وأكل. قلنا في أنفسنا: هو من الجنّ، ودخلتنا فزعة. ففهم ذلك وقال: ليفرخ روعكم فأنا طويس. فقال له رجل منّا: مرحبا بك أبا عبد النعيم، ما هذا الزّىّ؟! فقال: دعانى بعض أودّائى من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطّى الأحياء فلا ينكرونى. فسأله رجل منّا أن يغنّينا؛ فاندفع ونقر بدفّ كان معه مربّع، فلقد خيّل لى أنّ الوادى ينطق معه حسنا. وتعجّبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا. قال المدائنىّ: وكان طويس ولعا بالشعر الذى قالته الأوس والخزرج فى حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء؛ فقلّ مجلس اجتمع فيه هذان الحيّان فغنّى فيه طويس إلا وقع فيه شىء. فنهى عن ذلك، فقال: والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدونى التراب؛ وذلك لكثرة تولّع القوم به، وكان يبدى السرائر ويخرج الضغائن؛ وغناؤه يستحسن ولا يصبر عن حديثه.

стр. 1450

وحكى الأصبهانىّ عفا الله عنه قال: كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشى. فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب الله تعالى شيئا. فبعث إليه فاستقرأه أمّ الكتاب؛ فقال: والله ما معى بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمّهنّ! فقال: أتهزأ لا أمّ لك! فأمر به فقتل ببطحان «١» ، وقال: من جاءنى بمخنّث فله عشرة دنانير. فأتى طويس وهو في بنى الحارث بن الخزرج فأخبر بمقالة مروان؛ فقال: أما فضّلنى الأمير عليهم بفضل حتى جعل فيّ وفيهم شيئا واحدا!. ثم خرج حتى نزل السويداء (على ليلتين من المدينة في طريق الشأم) فنزلها، فلم يزل بها بقيّة عمره. وعمّر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك. ثم ساق الأصفهانىّ هذه القصة في موضع آخر بسند آخر قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخص في السّبخة مما يلى مسجد الأحزاب؛ فلما نظر إلى يحيى جلس؛ فاستراب به، فوجّه إليه أعوانه، فأتى به كأنه امرأة في ثياب مصبّغة مصقولة وهو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش المخنث. فقال: ما أحسبك تقرأ من كتاب الله تعالى شيئا! اقرأ أمّ القرآن؛ فقال: لو عرفت أمّهن عرفت البنات. فأمر به فضربت عنقه. وساق نحو ما تقدّم، إلا أنه قال: جعل في كل مخنّث ثلاثمائة درهم. وحكى أيضا بسند رفعه إلى صالح بن كيسان وغيره: أنّ أن بن عثمان لمّا أمّره عبد الملك على الحجاز أقبل، حتى [اذا «٢» ] دنا من المدينة تلقّاه أهلها وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس. فلما رآه سلّم عليه، ثم قال له: أيها الأمير،

стр. 1451

إنى كنت قد أعطيت الله تعالى عهدا إن رأيتك أميرا لأخضبن يدى إلى المرفقين ثم أزدو «١» بالدّف بين يديك. ثم أبدى عن دفّه وتغنّى [بشعر ذى جدن الحميرىّ «٢» ] : ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب فطرب أبان حتى كاد يطير، ثم جعل يقول: حسبك يا طاوس! - ولم يقل له طويس لنبله في عينه- ثم قال له: اجلس، فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال له: جعلت فداءك! والله إنى لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله [ ﷺ ] وأصلّى الخمس وأصوم رمضان وأحجّ البيت. قال: أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان؟ - وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمه- فقال طويس: جعلت فداءك! أنا والله مع جلائل نساء قومى أمسك بذيولهن يوم زفّت أمّك المباركة إلى «٣» أبيك الطيب. فاستحيا أبان ورمى بطرفه الى الأرض. ذكر أخبار عبد الله «٤» بن سريج هو أبو يحيى عبد الله بن سريج، مولى بنى نوفل بن عبد مناف. وقال ابن الكلبى: إنه مولى لبنى الحارث بن عبد المطلب. وقيل: إنه مولى لبنى ليث، ومنزله بمكة. وقال الحسن بن عتبة اللهبىّ: إنه مولى لبنى عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. وحكى أبو الفرج الأصبهانىّ أنه كان آدم أحمر ظاهر الدّم سناطا «٥» ، فى عينيه قبل «٦» ، وبلغ خمسا وثمانين سنة، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر.

стр. 1452

ونقل أيضا عن ابن الكلبىّ أنه كان مخنّثا أحول أعمش، يلقّب وجه الباب. وكان لا يغنّى إلا متنقّبا، مسبل القناع على وجهه. قال: وكان أحسن الناس غناء، وكان يغنّى مرتجلا ويوقع بقضيب، وقيل: كان يضرب بالعود. وغنّى في زمن عثمان بن عفّان، ومات في خلافة هشام بن عبد الملك. وقيل: كان اسمه عبيد بن سريج من أهل مكة. وقال ابن جريج: كان عبيد بن سريج مولى آل خالد بن أسيد، وقيل: كان أبوه تركيا. وقيل: كان عوده على صنعة عيدان الفرس، وهو أوّل من ضرب به على الغناء العربىّ بمكة؛ وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم ابن الزبير لبناء الكعبة، فأعجب أهل مكة غناؤهم. فقال ابن سريج: أنا أضرب به على غنائى، فضرب به فكان أحذق الناس. وأخذ الغناء عن سعيد بن مسجح، وقد تقدّم ذكر ذلك. وأوّل ما اشتهر بالغناء في ختان ابن مولاه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين. قال ابن سريج لأمّ الغلام: خفّضى عليك بعض المغرم والكلفة، فو الله لألهين نساءك حتى لا يدرين ما جئت به. وكان معبد إذا أعجبه غناء نفسه قال: أنا اليوم سريجىّ. ومن أخباره أيضا أن عطاء بن أبى رباح لقيه بذى طوى وعليه ثياب مصبّغة وفي يده جرادة مشدودة الرّجل بخيط يطيرها ويجذبها كلما تخلّفت؛ فقال له عطاء: يا فتّان، ألا تكفّ عما أنت فيه! كفى الله الناس مئونتك. فقال له ابن سريج: وما على الناس من تلوبنى ثيابى ولعبى بجرادتى! فقال: تغنّيهم أغانيك الخبيثة. فقال له ابن سريج: بحقّ من تبعته من أصحاب رسول الله ﷺ وبحق رسول الله ﷺ عليك إلّا سمعت منّى بيتا من الشعر، فإن سمعت منكرا أمرتنى بالإمساك عما أنا عليه، وأنا أقسم بالله وبحقّ هذه البنيّة إن أمرتنى

стр. 1453

بعد استماعك منّى بالإمساك عما أنا عليه لأفعلنّ. فأطمع ذلك عطاء في ابن سريج وقال له: قل. فاندفع يغنّى بشعر جرير: إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا قال: فلما سمعه عطاء اضطرب اضطرابا شديدا وداخلته أريحيّة، فحلف ألّا يكلّم أحدا بقيّة يومه إلا بهذا الشعر، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام، فكان كل من يأتيه يسأل عن حلال أو حرام أو خبر لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد هذا الشعر حتى صلّى المغرب، ولم يعاود ابن سريج بعدها ولا تعرّض له. وحكى عنه أيضا أنّ عمر بن أبى ربيعة حجّ في عام من الأعوام ومعه ابن سريج، فلما رموا الجمرات تقدّما الحاجّ إلى كثيب على خمسة أميال من مكة مشرف على طريق المدينة وطريق الشأم والعراق، وهو كثيب شامخ مفرد عن الكثبان، فصارا إليه فأكلا وشربا. فلما انتشيا أخذ ابن سريج الدفّ فنقره وجعل يتغنّى وهم ينظرون إلى الحاجّ. فلما أمسيا رفع ابن سريج صوته وتغنّى بشعر لعمر بن أبى ربيعة، فسمعه الرّكبان، فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصوت، أما تتّقى الله! قد حبست الناس عن مناسكهم، فيسكت قليلا حتى إذا مضوا رفع صوته فيقف آخرون؛ إلى أن وقف عليه في الليل رجل حسن الهيئة على فرس عتيق حتى وقف بأصل الكثيب، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن تردّد شيئا مما سمعته منك؟ قال: نعم ونعمة عين، فأيّها تريد؟ فاقترح صوتا فغنّاه. ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت؛ فاقترح صوتا آخر فغنّاه، فقال له: والثالث ولا أستزيدك، فغناه الثالث. وقال له ابن سريج: أبقيت «١» لك حاجة؟ قال نعم، تنزل لأخاطبك؛ فنزل إليه فإذا هو يزيد

стр. 1454

ابن عبد الملك، فأعطاه حلّته وخاتمه وقال: خذهما ولا تخدع فيهما فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار؛ فعاد ابن سريج بهما فأعطاهما لعمر بن أبى ربيعة وقال: هما بك أشبه منهما بى، فأخذهما وعوّضه عنهما ثلاثمائة دينار؛ وغدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجّبون ويسألون عمر عنهما؛ فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز مرّ به فسمع ابن سريج وهو يغنّى، فقال: لله درّ هذا الصوت لو كان بالقرآن!. قال إبراهيم بن المهدىّ: كان ابن سريج رجلا عاقلا أديبا، وكان يعاشر الناس بما يشتهون فلا يغنّيهم بما مدح به أعداؤهم ولا بما فيه عار عليهم أو غضاضة منهم. ومن أخباره ما حكاه أبو الفرج الأصبهانى بإسناده، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلىّ ابن سريج، فأشخصه إليه. فلما قدم مكث أياما لا يدعوه ولا يلتفت إليه، ثم ذكره فاستحضره، فدخل عليه وسلّم فأذن له بالجلوس واستدناه حتى كان قريبا منه؛ فقال: ويحك يا عبيد! لقد بلغنى عنك ما حملنى على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. قال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين! «تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه «١» » ، قال الوليد: إنى لأرجو ألا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك؛ فاندفع يغنّى بشعر الأحوص: وإنّى إذا حلّت ببيش «٢» مقيمة ... وحلّ بوجّ «٣» جالسا أو تتهما

стр. 1455

يمانية شطّت وأصبح نفعها ... رجاء وظنّا بالمغيب مرجّما أحبّ دنوّ الدّار منها وقد أبى ... بها صدع شعب الدار إلّا تثلّما بكاها وما يدرى سوى الظنّ ما بكى ... أحيّا يبكّى أم ترابا وأعظما فدعها وأخلف للخليفة مدحة ... تزل عنك بؤسى أو تفيدك مغنما «١» فإن بكفّيه مفاتيح رحمة ... وغيث حيا يحيا به الناس مرهما «٢» إمام أتاه الملك عفوا ولم يثب ... على ملكه مالا حراما ولا دما تخيّره ربّ العباد لخلقه ... وليّا وكان الله بالناس أعلما ينال الغنى والعزّ من نال ودّه ... ويرهب موتا عاجلا من تشأما «٣» فقال الوليد: أحسنت والله وأحسن الأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه! فغنّاه بشعر عدى بن الرّقاع العاملىّ يمدح الوليد: طار الكرى وألمّ الهمّ فاكتنعا «٤» ... وحيل بينى وبين النوم فامتنعا كان الشباب قناعا أستكنّ به ... وأستظلّ زمانا ثمّت انقشعا واستبدل الرأس شيبا بعد داجية ... فينانة ما ترى في صدغها نزعا «٥» فإن تكن ميعة من باطل ذهبت ... وأعقب الله بعد الصّبوة الورعا فقد أبيت أراعى الخود رابية «٦» ... على الوسائد مسرورا بها ولعا

стр. 1456

برّاقة الثغر يشفى القلب لذّتها ... إذا مقبّلها في ريقها كرعا كالأقحوان بضاحى الروض صبّحه ... غيث أرشّ بتنضاح وما نقعا صلى الذى الصلوات الطيّبات له ... والمؤمنون إذا ما جمّعوا الجمعا على الذى سبق الأقوام ضاحية ... بالأجر والحمد حتى صاحباه معا هو «١» الذى جمع الرحمن أمّته ... على يديه وكانوا قبله شيعا عذنا بذى العرش أن نحيا ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا إن الوليد أمير المؤمنين له ... ملك أعان عليه الله فارتفعا لا يمنع الله «٢» ما أعطى الذين هم ... له عباد ولا يعطون ما منعا فقال الوليد: صدقت يا عبيد، أنّى لك هذا؟ قال: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) *. قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك. قال ابن سريج: (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) * قال الوليد: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ) . قال ابن سريج: (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) . قال الوليد: لعلمك والله أكثر وأعجب إلىّ من غنائك! غنّنى؛ فغنّاه بشعر عدىّ بن الرّقاع يمدح الوليد «٣» فقال: عرف الدّيار توهما فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها «٤»

стр. 1457

[إلا رواسى كلهنّ قد اصطلى ... جمرا وأشعل أهلها إيقادها «١» كانت رواحل للقدور فعرّيت ... منهنّ واستلب الزمان رمادها وتنكّرت كلّ التنكّر بعدنا ... والأرض تعرف بعلها وجمادها «٢» ] ولربّ واضحة العوارض حرّة «٣» ... كالرّيم قد ضربت به أوتادها تصطاد بهجتها المعلّل بالصبا ... عرضا فتقصده ولن يصطادها «٤» كالظّبية البكر الفريدة ترتعى ... من أرضها قفّاتها وعهادها «٥» خضبت لها عقد البراق جبينها ... من عركها علجانها وعرادها «٦» كالزّين في وجه العروس تبذّلت ... بعد الحياء فلاعبت أرآدها تزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها ركبت به من عالج متحيّرا ... قفرا تريّث وحشه أولادها «٧» فترى محانيه التى تسق الثرى ... والهبر يونق نبتها روّادها «٨» بانت سعاد وأخلفت ميعادها ... وتباعدت عنا لتمنع زادها

стр. 1458

إنى إذا ما لم تصلنى خلّتى ... وتباعدت عنّى اغتفرت بعادها «١» [إمّا ترى شيبى تقشّع لمّتى ... حتى علا وضح يلوح «٢» سوادها فلقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا يسرى يدىّ وسادها وأصاحب الجيش العرمرم فارسا ... فى الخيل أشهد كرّها وطرادها وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها «٣» نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «٤» فسترت عيب معيشتى بتكرّم ... وأتيت في سعة النعيم سدادها «٥» وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكى أزدادها] صلّى الإله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحصّ فجادها «٦» نزل الوليد بها فكان لأهلها ... غيثا أغاث أنيسها وبلادها أولا ترى أن البريّة كلّها ... ألقت خزائمها إليه فقادها ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها أعمرت أرض المسلمين فأقبلت ... وكففت عنها من يروم فسادها وأصبت في أرض العدوّ مصيبة ... عمّت أقاصى غورها ونجادها ظفرا ونصرا ما تناول مثله ... أحد من الخلفاء كان أرادها

стр. 1459

فإذا نشرت له الثناء وجدته ... جمع المكارم طرفها وتلادها [غلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها تأتيه أسلاب الأعزّة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها وإذا رأى نار العدوّ تضرّمت ... سامى جماعة أهلها فاقتادها بعرمرم تبدو الرّوابى ذى وعى ... كالحرّة احتمل الضحى أطوادها «١» أطفأت نارا للحروب وأوقدت ... نار قدحت براحتيك زنادها فبدت بصيرتها لمن يبغى الهدى ... وأصاب حرّ شديدها حسّادها وإذا غدا يوما بنفحة نائل ... عرضت له الغد مثلها فأعادها واذا عدت خيل تبادر غاية ... فالسابق الجالى يقود جيادها] فأشار الوليد إلى بعض الخدم فغطّوه بالخلع، ووضعوا بين يديه كيس الدنانير وبدر الدراهم، ثم قال الوليد: يا مولى بنى نوفل بن الحارث لقد أوتيت أمرا جليلا فقال ابن سريج: وأنت يا أمير المؤمنين لقد آتاك الله ملكا عظيما وشرفا عاليا وعزا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ولا يفعل إن شاء الله، فأدام الله لك ما ولّاك وحفظك فيما استرعاك؛ فإنك أهل لما أعطاك، ولا ينزعه منك إذ رآك له موضعا. قال: يا نوفلىّ، وخطيب أيضا! قال ابن سريج: عنك نطقت، وبلسانك تكلّمت، وبعزّك بيّنت، وكان قد أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصارىّ وعدىّ بن الرّقاع العاملىّ، فلما قدما عليه أمر بإنزالهما حيث ابن سريج فأنزلا منزلا بجوار منزله. فقالا: والله لقرب أمير المؤمنين كان أحبّ إلينا من قربك يا مولى بنى نوفل، وإن فى قربك لما يلذّنا ويشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما ابن سريج: أو قلّة شكر!

стр. 1460

فقال له عدىّ: كأنك يابن اللّخناء تمنّ علينا، [علىّ وعلىّ «١» ] إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار عند أمير المؤمنين، فقال الأحوص: أو لا تحتمل لأبى يحيى الزّلّة والهفوة، وكفّارة يمين خير من لجاج في غير منفعة. فتحوّل عدىّ وبقى الأحوص. وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا ابن سريج فأدخله بيتا وأرخى دونه سترا ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعدىّ من كلمتيهما أن يغنّى، فلما دخلا وأنشداه مدائح لهما فيه، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعود. فقال عدىّ: يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أتكلّم؟ قال: قل يا عاملىّ، قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين ويبعث إلى ابن سريج يتخطّى رقاب قريش والعرب من تهامة إلى الشأم ترفعه أرض وتخفضه أخرى ليسمع غناءه! قال: ويحك يا عدىّ! أو لا تعرف هذا الصوت؟ قال: لا والله ما سمعته قط ولا سمعت مثله، ولولا أنه فى مجلس أمير المؤمنين لقلت طائفة من الجنّ يتغنّون، فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج. فقال عدىّ: حقّ لهذا أن يحمل! حقّ لهذا أن يحمل! ثلاثا، ثم أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج وارتحل القوم. وروى أبو الفرج أيضا عن سهل بن بركة وكان يحمل عود ابن سريج قال: كان على مكة نافع بن علقمة الكنانىّ فشدّد في الغناء والمغنّين والنبيذ ونادى فى المخنّثين. فخرج فتية من قريش إلى بطن محسّر «٢» وبعثوا برسول لهم، فجاءهم براوية من شراب الطائف، فلما شربوا وطربوا قالوا: لو كان معنا ابن سريج تم سرورنا، فقلت: هو علىّ لكم، فقال لى بعضهم: دونك هذه البغلة فاركبها وامض إليه، فأتيته فأخبرته بمكان القوم وطلبهم إيّاه؛ فقال لى: ويحك! وكيف لى بذلك

стр. 1461

مع شدّة السلطان في الغناء وندائه فيه. فقلت له: أتردّهم؟ قال: لا والله! فكيف لى بالعود؛ فقلت: أنا أخبؤه لك فشأنك. فركب وسترت العود فأردفنى. فلما كنّا ببعض الطريق إذا بنافع بن علقمة قد أقبل؛ فقال لى: يابن بركة، هذا الأمير. فقلت له: لا بأس عليك! أرسل عنان البغلة وامض ولا تخف، ففعل. فلما حاذيناه عرفنى ولم يعرف ابن سريج، فقال لى: يابن بركة، من هذا أمامك؟ قلت: من ينبغى أن يكون! هذا ابن سريج؛ فتبسّم ثم تمثّل: فإن تنج منها يا أبان مسلّما ... فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب ثم مضى ومضينا. فلما كنّا قريبا من القوم نزل إلى شجرة يستريح. فقلت له: غنّنى مرتجلا؛ فرفع صوته فخيّل إلىّ أن الشجرة تنطق معه، فغنّى وقال: كيف الثّواء ببطن مكة بعد ما ... همّ الذين تحبّ بالإنجاد أم كيف قلبك إذ ثويت مخمّرا ... سقما خلافهم وكربك «١» بادى هل أنت إن ظعن الأحبّة غادى ... أم «٢» قبل ذلك مدلج بسواد قال: فقلت: أحسنت والذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة! ولو أن كنانة كلّها سمعتك لاستحسنتك «٣» ، فكيف بنافع بن علقمة! المغرور من غرّه نافع. ثم قلت: زدنى وإن كان القوم متعلّقة قلوبهم بك؛ فغنّى وتناول عودا من الشجرة فوقّع به على الشجرة؛ فكان صوت الشجرة أحسن من خفق بطون الضّأن على العيدان إذا أخذتها عيدان الدّفلى «٤» ، وغنّى: لا تجمعى هجرا علىّ وغربة ... فالهجر في تلف المحبّ سريع

стр. 1462

من ذا فديتك يستطيع لحبه ... دفعا إذا اشتملت عليه ضلوع فقلت: بنفسى أنت والله، من لا يكلّ ولا يملّ! والله ما جهل من فهمك، اركب بنا فدتك نفسى. قال: أمهلنى كما أمهلتك أقض بعض شأنى. فقلت: وهل عما تريد مدفع!. فقام فصلّى ركعتين ثم ضرب بيده إلى الشجرة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ثم مضينا والقوم مستشرفون. فلما دنونا منهم إذا الغريض يغنّيهم: من خيل حىّ لا تزال مغيرة ... سمعت على شرف صهيل حصان فبكى ابن سريج حتى ظننت أن نفسه قد خرجت. فقلت: ما يبكيك يا أبا يحيى؟ جعلت فداك لا يسوءك الله ولا يريك سوءا «١» ! قال: أبكانى هذا المخنّث بحسن غنائه وشجا صوته، والله ما ينبغى لأحد أن يغنّى وهذا الصبىّ حىّ؛ ثم نزل واستراح وركب. فلما سرنا هنيهة اندفع الغريض يغنّى لهم بلحنه: يا خليلىّ قد مللت ثوائى ... بالمصلّى وقد سئمت البقيعا بلّغانى ديار هند وسعدى ... وارجعانى فقد هويت الرجوعا قال: ولصوته دوىّ في تلك الجبال. فقال ابن سريج: يابن بركة، أسمعت مثل هذا الغناء قط؟! قال: ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم وجعلوا يقبلّون وجه ابن سريج. فنزل فأقام عندهم ثلاثا، والغريض لا ينطق بحرف، وأخذوا في شرابهم وقالوا: يا حبيب النفس وشقيقها، أعطها بعض شأنها «٢» . فضرب بيده إلى جيبه «٣» فأخرج منه مضرابا ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره- فما رأيت [يدا «٤» ] أحسن من يده

стр. 1463

ولا خشبة تخيّلت لى أنها جوهرة إلّا هى- ثم ضرب فلقد ضجّ «١» القوم جميعا؛ ثم غنّى فكلّ قال: لبّيك لبّيك! فكان ممّا غنّى به [واللحن له» ] هزج: لبّيك يا سيّدتى ... لبّيك ألفا عددا لبيك من ظالمة ... أحببتها مجتهدا قومى إلى ملعبنا ... نحك الجوارى الخرّدا وضع يد فوق يد ... نرفعها يدا يدا فكلّ قال: نفعل ذاك؛ فلقد رأيتنا نستبق أيّنا تقع يده على يده. ثم غنّى: ما هاج شوقك بالصّرائم ... ربع أحال لآل «٣» عاصم ربع تقادم عهده ... هاج المحبّ على التقادم فيه النواعم والشبا ... ب النّاعمون مع النواعم من كل واضحة الجبين عميمة ريّا المعاصم ثم غنّى بقوله: شجانى مغانى الحىّ وانشقّت العصا ... وصاح غراب البين أنت مريض ففاضت دموعى عند ذاك صبابة ... وفيهنّ خود كالمهاة غضيض وولّيت محزون الفؤاد مروّعا ... كئيبا ودمعى في الرداء يفيض قال: فلقد رأيت جماعة من الطير وقعن بقربنا وما نحسّ من قبل ذلك منها شيئا. فقالت الجماعة: يا تمام السرور وكمال المجالس، لقد سعد من أخذ بحظّه «٤» منك وخاب من حرمك، يا حياة القلوب ونسيم النفوس جعلنا الله فداءك، غنّنا. فغنّى:

стр. 1464

يا هند إنك لو علم ... ت بعاذلين تتابعا قال: فبدرت من بينهم فقبّلت عينيه، فتهافت القوم عليه يقبّلونه، ولقد رأيتنى وأنا أرفعهم عنه شفقة عليه. وكانت وفاة ابن سريج بالعلّة التى أصابته من الجذام بمكة في خلافة سليمان ابن عبد الملك أو في خلافة الوليد، ودفن في موضع يقال له «دسم «١» » . رحمة الله عليه وعفا عنه وغفر له. والحمد لله ربّ العالمين. حكى أنه لما احتضر نظر إلى ابنته نبكى فبكى وقال: إنه من أكبر همّى أنت وأخشى أن تضيعى بعدى. فقالت: لا تخف فما غنّيت شيئا إلا وأنا أغنّيه. فقال: هاتى، فاندفعت فغنّت وهو مصغ إليها. فقال: قد أصبت ما في نفسى وهوّنت علىّ أمرك. ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلى فزوّجه إيّاها؛ فأخذ أكثر غناء أبيها وانتحله. ذكر أخبار معبد هو معبد بن وهب، وقيل: ابن قطنىّ مولى ابن قطن؛ وقيل: إن قطنا مولى العاص بن واقصة «٢» المخزومىّ، وقيل: مولى معاوية بن أبى سفيان. غنّى معبد فى أيام بنى أميّة في أوائلها، ومات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق. قال أبو الفرج الأصفهانى: إنه لمّا مات خرجت سلامة جارية الوليد بن يزيد بن عبد الملك وأخذت بعمود السرير والناس ينظرون إليها وهى تندبه وتقول شعر الأحوص:

стр. 1465

قد لعمرى بتّ ليلى ... كأخى الداء الوجيع ونجىّ الهمّ منّى ... بات أدنى من نجيعى كلما أبصرت ربعا ... خاليا فاضت دموعى قد خلا من سيّد كا ... ن لنا غير مضيع لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخشوع وكان معبد قد علّمها هذا الصوت فندبته به. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: كان معبد من أحسن الناس غناء، وأجودهم صنعة، وأحسنهم حلقا «١» ؛ وهو إمام أهل المدينة في الغناء، وأخذ عن سائب خاثر ونشيط الفارسىّ مولى عبد الله بن جعفر، وعن جميلة مولاة بهز (بطن من بنى سليم) . وفي معبد يقول الشاعر: أجاد طويس والسّريجىّ بعده ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد وحكى أبو الفرج أيضا: أن الوليد بن يزيد اشتاق إلى معبد، فوجّه اليه البريد إلى المدينة فأحضره. فلما بلغ الوليد قدومه أمر ببركة ملئت ماء ورد وخلط بمسك وزعفران، ثم جلس الوليد على حافة البركة وفرش لمعبد مقابله وضرب بينهما ستر ليس معهما ثالث. وجىء بمعبد فقيل له: سلّم على أمير المؤمنين واجلس في هذا الموضع؛ فسلّم فردّ عليه من خلف السّجف، ثم قال له: أتدرى لم وجّهت إليك؟ قال: والله أعلم وأمير المؤمنين. قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. فقال له معبد: أأغنّى ما حضر أو ما يقترحه أمير المؤمنين؟ قال: [بل «٢» ] غنّ: مازال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء

стр. 1466

فغنّاه. فرفع الجوارى السّجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها، ثم خرج منها، فاستقبله الجوارى بثياب غير الثياب التى كانت عليه، ثم شرب وسقى معبدا ثم قال له: غنّنى يا معبد: يا ربع مالك لا تجيب متيّما ... قد عاج نحوك زائرا ومسلّما جادتك كلّ سحابة هطّالة ... حتى ترى عن زهرة «١» متبسّما لو كنت تدرى من دعاك أجبته ... وبكيت من حرق عليه إذا دما قال: فغنّاه. وأقبل الجوارى فرفعن السّتر، وخرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثيابا غير تلك الثياب، ثم شرب وسقى معبدا وقال له: غنّنى يا معبد: عجبت لمّا رأتنى ... أندب الربع المحيلا واقفا في الدار أبكى ... لا أرى إلّا الطلولا كيف تبكى لأناس ... لا يملّون الذّميلا «٢» كلما قلت اطمأنت ... دارهم جدّوا «٣» الرحيلا قال: فلما غنّاه ألقى نفسه في البركة ثم خرج فردّوا عليه ثيابه، ثم شرب وسقى معبدا وقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد حظوة عند الملوك فليكتم أسرارهم. فقال: ذلك ممّا لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائى به. فقال الوليد: يا غلام احمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصّل «٤» له في بلده وألفى دينار لنفقة طريقه؛ فحملت إليه كلّها، وحمل على البريد من وقته إلى المدينة. وقد قيل: إنه أعطاه في ذلك المجلس خمسة عشر ألف دينار.

стр. 1467

وقال أبو الفرج بسند رفعه: إن معبدا كان قد علّم جارية من جوارى الحجاز الغناء تدعى «طيبة «١» » وعنى بتخريجها؛ فاشتراها رجل من أهل العراق وأخرجها إلى البصرة وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها وذهبت به كلّ مذهب وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان؛ فأخذ جواريه أكثر غنائها عنها. فكان لمحبّته إيّاها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقرّه، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر الأغانى من أهل عصره، إلى أن عرف ذلك منه وبلغ معبدا خبره. فخرج من مكة حتى أتى البصرة؛ فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك الوقت واليوم إلى الأهواز. فجاء معبد في طلب سفينة تحمله إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، فركب فيها وكلاهما لا يعرف الآخر؛ وانحدرت السفينة. فلما صاروا بفهم نهر الأبلّة «٢» ، أمر الرجل جواريه بالغناء فغنّين، إلى أن غنّت إحداهنّ صوتا من غناء معبد فلم تجد أداءه؛ فصاح بها معبد: يا جارية، إن غناءك هذا ليس بمستقيم. فقال مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو! ألا تمسك «٣» وتلزم شأنك! فأمسك. ثم غنّت أصواتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلّم حتى غنّت من غنائه فأخلّت ببعضه؛ فقال لها معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا كثيرا. فغضب الرجل وقال له: ويلك! ما أنت والغناء! ألا تكفّ عن هذا الفضول! فأمسك معبد. وغنّى الجوارى

стр. 1468

مليّا؛ ثم غنّت إحداهنّ صوتا من غنائه فلم تصنع فيه شيئا. فقال لها معبد: يا هذه، أما تقومين «١» على أداء صوت واحد! فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة! فأقسم بالله إن عاودت لأخرجنّك من السفينة. فأمسك معبد، حتى سكتت الجوارى سكتة، فاندفع يغنّى الصوت الأوّل حتى فرغ منه. فصاح الجوارى: أحسنت والله يا رجل، فأعده. قال: لا والله ولا كرامة. ثم اندفع يغنّى الثانى؛ فقلن لسيّدهن: ويحك! هذا والله أحسن الناس غناء، فسله أن يعيده علينا ولو مرّة واحدة لعلنا نأخذه منه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا. قال: قد سمعتنّ سوء ردّه عليكنّ وأنا خائف مثله منه، وقد استقبلناه بالإساءة، فاصبرن حتى نداريه. قال: ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فقبّل رأسه، وقال: يا سيّدى أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك. فقال له: وهبك لم تعرف موضعى، قد كان ينبغى لك أن تتثبّت ولا تسرع إلى سوء العشرة وجفاء القول. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه، وكان معبد قد أجلس في مؤخّر السفينة. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ قال: أخذنه من جارية كانت لى، كانت قد أخذت الغناء عن أبى عبّاد معبد وكانت تحلّ منى مكان الروح من الجسد، ثم استأثر الله بها وبقى هؤلاء الجوارى وهنّ [من «٢» ] تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصّب لمعبد وأفضّله على المغنّين جميعا، وأفضّل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفنى؟ قال لا. قال: فصكّ معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا «٣» والله معبد وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، وو الله لا قصّرت في جواريك

стр. 1469

هؤلاء ولأجعلنّ لك في كل واحدة خلفا من الماضية. فأكبّ الرجل والجوارى على يده ورجليه يقبّلونها ويقولون: كتمتنا نفسك حتى جفوناك في المخاطبة وأسأنا عشرتك وأنت سيّدنا ومن تتمنّى أن تلقاه. ثم غيّر الرجل أثواب معبد وخلع عليه عدّة خلع وأعطاه في ذلك الوقت ثلاثمائة دينار وطيّبا وهدايا مثلها، وانحدر معه إلى الأهواز فأقام عنده حتى رضى حذق جواريه، ثم ودّعه وانصرف إلى الحجاز. ذكر أخبار الغريض وما يتّصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة هو عبد الملك، وكنيته أبو زيد «١» ، وقيل: أبو مروان. والغريض لقب لقّب به؛ لأنه [كان «٢» ] طرىّ الوجه نضرا غضّ الشباب حسن المنظر، فلقّب بذلك. والغريض: الطّرىّ من كل شىء. وقال ابن الكلبى: شبّه بالإغريض وهو الجمّار ثم ثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف فقيل: الغريض. وهو من مولّدى البربر. وولاؤه للثريّا (صاحبة عمر بن أبى ربيعة) وأخواتها الرّضيّا وقريبة وأم عثمان بنات علىّ بن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر. قالوا: وكان يضرب بالعود وينقر بالدّفّ ويوقع بالقضيب. وكان قبل الغناء خيّاطا. وأخذ الغناء في أوّل أمره عن عبيد بن سريج، لأنه كان قد خدمه؛ فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشى أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه ويفوقه بحسن وجهه، وحسده، فاعتلّ عليه وشكاه الى مولياته، وكنّ دفعنه اليه ليعلّمه الغناء، وجعل يتجنّى عليه ثم طرده. فعرّف مولياته غرض ابن سريج فيه وأنه حسده؛ فقلن له: هل لك أن تسمع

стр. 1470

نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغنّى عليه؟ قال نعم. فأسمعنه المراثى فآحتذاها وخرّج غناءه عليها. وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كلّ من سمعه. فلما كثر غناؤه عدل الناس إليه لما كان فيه من الشّجا «١» ؛ فكان ابن سريج لا يغنّى صوتا إلا عارضه فيه فيغنّى فيه لحنا آخر. فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتدّ عليه وحسده، فغنّى الأرمال والأهزاج، فاشتهاها الناس. فقال له الغريض: يا أبا يحيى قصّرت الغناء وحذفته. قال: نعم يا مخنّث حين جعلت تنوح على أبيك وأمّك. قال: ولم يفضّل ابن سريج عليه إلا بالسّبق، وأما غير ذلك فلا. وقال بعضهم: كان الغريض أشجى غناء، وابن سريج أحكم صنعة. وحكى أبو الفرج الأصفهانى بسند رفعه إلى أيّوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال: حدّثنى بعض مولياتى وقد ذكرن الغريض فترحّمن عليه وقلن: جاءنا يوما فحدّثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفناه بعد ذلك حقيقة. قالت: وكان ابن سريج بجوارنا فدفعناه إليه ولقّن الغناء، وكان من أحسن الناس صوتا، ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته. فلما رأى ذلك ابن سريج نحّاه «٢» عنه. فكان بعض مولياته تعلّمه النّياحة فبرّز فيها. فجاءنى يوما فقال: نهتنى الجنّ أن أنوح وأسمعتنى صوتا عجيبا، فقد ابتنيت عليه لحنا فاسمعيه منى، فاندفع فغنّى بصوت عجيب في شعر لمرّار الأسدىّ: حلفت لها بالله ما بين ذى الغضا ... وهضب القنان «٣» من عوان ومن بكر

стр. 1471

أحبّ إلينا منك دلّا وما نرى ... به عند ليلى من ثواب ولا أجر قالت: فكذّبناه وقلنا: شىء فكّر فيه وأخرجه على هذا الجنس. فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتا من الجنّ بترجيع وتقطيع، فقد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه. فإنا لكذلك ليلة وقد اجتمع جماعة من نساء أهل مكة في جمع لنا سمرنا فيه ليلتنا والغريض يغنّينا بشعر عمر بن أبى ربيعة حيث يقول: أمن آل زينب جدّ البكور ... نعم فلأىّ هواها تصير إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا عجيبا وأصواتا ذعرتنا وأفزعتنا. فقال لنا الغريض: إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته وأصبح أبنى عليه غنائى؛ فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها، فصدّقناه تلك الليلة. وكانت وفاة الغريض باليمن في خلافة سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز، وكان قد هرب من نافع بن علقمة لمّا ولى مكة من مكة إلى اليمن واستوطنها ومات بها. وللغريض أخبار مستظرفة وحكايات مستحسنة قد رأينا أن نثبت في هذا الموضع ما سنقف عليه إن شاء الله تعالى. فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج الأصبهانىّ في كتابه المترجم بالأغانى في أخبار الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومىّ، بعد أن ساق قطعة من أخباره مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وأنه كان يهواها ويشبّب بها في شعره، ثم قال في أثناء ذلك: لمّا قدمت عائشة بنت طلحة مكة أرسل إليها الحارث وهو أمير مكة يومئذ، وكان وليها من قبل عبد الملك بن مروان، فأرسل إليها: إنى أريد السلام عليك؛ فإذا خفّ ذلك عليك أذنت، وكان الرسول الغريض.

стр. 1472

فأرسلت إليه: إنّا حرم، فإذا أحللنا أذنّاك. فلما أحلّت خرجت سرّا على بغلتها، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ومعه كتاب الحارث إليها، وفيه: ما ضرّكم لو قلتم سددا ... إنّ المطايا عاجل غدها ولها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها لو أتممت أسباب نعمتها ... تمّت بذلك عندنا يدها فلما قرأت الكتاب قالت: ما يدع الحارث باطله!. ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم فاسمعى، ثم اندفع يغنّى في هذا الشعر. فقالت عائشة: والله ما قلنا «١» إلا سددا ولا أردنا إلا أن نشترى لسانه؛ واستحسنت الشعر، وأمرت للغريض بخمسة آلاف درهم وأثواب، [وقالت «٢» ] : زدنى. فغنّى في قول الحارث أيضا حيث يقول: زعموا بأنّ البين بعد غد ... فالقلب ممّا أحدثوا يجف والعين منذ أجدّ بينهم ... مثل الجمان دموعها تكف نشكو وتشكو ما أشتّ بنا ... كلّ بوشك البين معترف ومقالها ودموعها سجم ... أقلل حنينك حين تنصرف فقالت عائشة: يا غريض، بحقّى عليك أهو أمرك أن تغنّينى في هذا الشعر؟ قال: لا وحياتك يا سيّدتى؛ فأمرت له بخمسة آلاف درهم، ثم قالت: غنّنى فى [غير «٣» ] شعره؛ فغنّاها بشعر عمر بن أبى ربيعة- وكان عمر قد سأله ذلك- فقال: أجمعت خلّتى مع الهجر بينا ... جلّل الله ذلك الوجه زينا أجمعت بينها ولم نك منها ... لذّة العيش والشباب قضينا

стр. 1473

فتولّت حمولها واستقلّت ... لم تنل طائلا ولم تقض دينا ولقد قلت يوم مكّة لمّا ... أرسلت تقرأ السلام علينا أنعم الله بالرسول الذى أر ... سل والمرسل الرسالة عينا قال: فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا وأنعم بابن أبى ربيعة عينا، لقد تلطّفت «١» حتى أدّيت إلينا رسالته، وإنّ وفاءك له لمما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك. وكان عمر سأل الغريض أن يغنّيها بشعره هذا لأنه كان قد ترك ذكرها لمّا غضبت بنو تيم من ذلك، فلم يحبّ التصريح بها وكره إغفال ذكرها. فقال له عمر بن أبى ربيعة: إن أبلغتها هذه الأبيات في غناء فلك خمسة آلاف درهم، فوفّى له، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم. ثم انصرف الغريض من عندها، فلقى عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك بن مروان وقد كانت حجّت فى تلك السنة؛ فقال لها جواريها: هذا الغريض. فقالت لهنّ: علىّ به؛ فجئن به إليها. قال الغريض: فلما دخلت سلّمت فردّت علىّ وسألتنى عن الخبر، فقصصته «٢» عليها. فقالت: غنّنى بما غنّيتها به، ففعلت؛ فلم أرها تهشّ لذلك؛ فغنيتها معرّضا ومذكّرا بنفسى في شعر مرّة بن محكان السّعدىّ يخاطب امرأته وقد نزل به أضياف: أقول والضيف مخشىّ ذمامته «٣» ... على الكريم وحقّ الضيف قد وجبا يا ربّة البيت قومى غير صاغرة ... ضمّى إليك رحال القوم والقربا فى ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلفّ على خيشومه الذّنبا

стр. 1474

فقالت وهى مبتسمة: نعم وقد وجب حقّك يا غريض، فغنّنى؛ فغنّيتها: يا دهر قد أكثرت فجعتنا «١» ... بسراتنا ووقرت «٢» فى العظم وسلبتنا ما لست «٣» مخلفه ... يا دهر ما أنصفت في الحكم لو كان لى قرن أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمى لو كان يعطى النّصف «٤» قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمى فقالت: نعطيك النّصف فلا يضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك، وأمرت له بخمسة آلاف درهم وثياب عدنيّة وغير ذلك من الألطاف. قال الغريض: فأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة؛ فأمر لى بمثل ما أمرتا لى جميعا؛ وأتيت ابن أبى ربيعة فأعلمته بما جرى، فأمر لى بمثل ذلك. فما انصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت به: نظرة من عائشة، ونظرة من عاتكة- وهما أجمل نساء عالمهما- وبما أمرتا لى به، والمنزلة عند الحارث- وهو أمير مكة- وابن أبى ربيعة وما أجازانى به جميعا من المال. ولنصل هذا الفصل بشىء من أخبار عائشة بنت طلحة؛ لأن الشىء بالشىء يذكر. هى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وأمّها أمّ كلثوم بنت أبى بكر الصّديق رضى الله عنه. وكانت عائشة لا تستر وجهها من أحد. فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إن الله ﵎ وسمنى بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلى عليهم فما كنت لأستره، وو الله ما في وصمة يقدر أن يذكرنى بها أحد.

стр. 1475

قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء بنى تيم، هنّ أشرس خلق الله خلقا وأحظاهنّ عند أزواجهنّ. قال: وآلت عائشة من زوجها مصعب بن الزبير، فقالت: أنت علىّ كظهر أمّى، وقعدت في غرفة وهيّأت ما يصلحها. فجهد مصعب أن تكلّمه فأبت. فبعث إليها ابن قيس الرّقيّات فسألها كلامه. فقالت: كيف بيمينى؟ فقال: هاهنا الشّعبىّ فقيه أهل العراق فاستفتيه. فدخل الشّعبىّ عليها فأخبرته؛ فقال: ليس هذا بشىء؛ فأمرت له بأربعة آلاف درهم. وحكى أبو الفرج أنّ مصعب بن الزبير لمّا عزم على زواج عائشة بنت طلحة، جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق وسعيد بن العاص إلى عزّة الميلاء- وكانت عزّة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء- فقالوا لها: إنّا خطبنا فانظرى لنا. فقالت لمصعب: يابن أبى عبد الله، ومن خطبت؟ قال: عائشة بنت طلحة. قالت: فأنت يابن أبى أحيحة؟ قال: عائشة بنت عثمان بن عفّان. قالت: فأنت يابن الصّدّيق؟ قال: أمّ الهيثم بنت زكريا بن طلحة. فقالت: يا جارية، هاتى منقلىّ (تعنى خفّيها) ، فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فقالت: فديتك، كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك فلم أدر كيف أصفك، فديتك، فألقى ثيابك؛ ففعلت فأقبلت وأدبرت فارتجّ كلّ شىء منها. فقالت لها عزّة: خذى ثوبك. فقالت عائشة: قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتى. فقالت عزّة: وما هى؟ فديتك! قالت: تغنّينى صوتا. فاندفعت تغنّى لحنها في شعر لجميل بن عبد الله بن معمر العذرىّ: خليلىّ عوجا بالمحلّة من جمل ... وأترابها بين الأصيفر فالحيل نقف بمغان قد عفا رسمها اليلى ... تعاقبها الأيام بالرّيح والوبل
следующие страницы →