← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فتلقّانى قائما، ثم قال لى: أحسنت يا مخارق! فقلت: ما الخبر؟ قال: اجلس فجلست؛ فقالت لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم عليه «١» ثم رفع السّجف فإذا المال. فقلت ما خبر الضّيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة «٢» وهو متكىء عليها فقال: هذا صكّ الضّيعة اشتراها يحيى بن خالد وكتب إلىّ: «قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء هذه الضّيعة من مال يحصل لك ولو حويت الدنيا كلّها، وقد ابتعتها من مالى» . ووجّه إلىّ بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال: يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت «٣» فخنكر لمثل هؤلاء، ستمائة ألف، وضيعة بمائة ألف، وستون ألف درهم لك، حصّلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسى لم أبرح منه، متى يدرك مثل هؤلاء!. وروى عنه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: يا أبا العبّاس، جعلت فداك! هب لى دراهم فإن الخليفة قد حبس برّه. فقال: ويحك يا أبا إسحاق ما عندى ما أرضاه لك. ثم قال: هاه! إلا أنّ هاهنا خصلة، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجّه [الينا «٤» ] بخمسين ألف دينار يشترى لنا بها محبّتنا. فما فعلت ضياء جاريتك؟ قلت: عندى جعلت فداك. قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها «٥» منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار؛ فقبّلت رأسه ثم انصرفت. فبكّر علىّ رسول صاحب اليمن ومعه صديق له ولى، فقال: جاريتك فلانة [عندك «٦» ] ؟ قلت: عندى. قال: اعرضها علىّ فعرضتها عليه؛ فقال: بكم؟ فقلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا، وقد أعطانى الفضل بن يحيى أمس هذه العطيّة،

стр. 1542

فقال: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلّمة؟ وكان مشترى الجارية أربعمائة دينار، فلما وقع في أذنى ذكر ثلاثين ألف دينار أرتج علىّ ولحقنى زمع «١» ، وأشار علىّ صديقى الذى معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدث أو بى أو بالفضل «٢» بن يحيى، فسلّمتها وأخذت المال. ثم بكّرت على الفضل، فإذا هو جالس وحده. فلما نظر إلىّ ضحك وقال لى: يا ضيّق العطن والحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار. فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فو الله لقد دخلنى شىء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بى حادثة أو بالجارية أو بالمشترى أو بك أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار. فقال: لا ضير، يا غلام جىء بجاريته، فجىء بها، فقال: خذ بيدها وانصرف بارك الله لك فيها، ما أردنا إلّا منفعتك ولم نرد الجارية. فلما نهضت قال لى: مكانك، إن رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفّذنا كتبه، وقد ذكر أنه قد جاء بثلاثين ألف دينار يشترى لنا بها ما نحبّ، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار؛ فانصرفت بالجارية. وبكّر علىّ رسول صاحب أرمينية ومعه صديق لى آخر، فقاولنى بالجارية؛ فقلت: لن أنقصها من ثلاثين ألف دينار. فقال لى: معى عشرون ألف دينار مسلّمة خذها بارك الله لك فيها. فدخلنى والله مثل الذى دخلنى في المرّة الأولى وخفت مثل خوفى الأوّل، فسلّمتها وأخذت المال. وبكّرت على الفضل، فإذا هو وحده. فلما رآنى ضحك وضرب برجله ثم قال: ويحك، حرمت نفسك عشرة آلاف دينار. فقلت: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرّة الأولى. فقال: لا ضير، [أخرج «٣» ] يا غلام جاريته فجىء بها؛ فقال: خذها، ما أردناها وما أردنا إلا

стр. 1543

منفعتك. فلما ولّت الجارية صحت بها: ارجعى فرجعت؛ فقلت: أشهدك جعلت فداك هى حرّة لوجه الله تعالى، وإنى قد تزوّجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لى في يومين خمسين ألف دينار فما جزاؤها إلا هذا. فقال: وفّقت إن شاء الله تعالى. وأخباره مع البرامكة كثيرة وصلاتهم له وافرة. وقد ذكرنا منها ما فيه غنية عن زيادة. فلنذكر وفاة إبراهيم. كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في يوم وفاته العباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخّمارة؛ فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلّى عليهم، فخرج وصلّى عليهم. قال إسحاق: لمّا مرض إبراهيم مرض موته ركب الرشيد حمارا ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن «١» ، فقال له: كيف انت يا إبراهيم؟ فقال: أنا والله يا سيّدى كما قال الشاعر: سقيم ملّ منه أقربوه ... وأسلمه المدواى والحميم فقال الرشيد: إنّا لله! فخرج، فما بعد حتى سمع الواعية «٢» عليه.

стр. 1544

صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في أحد الأصلين الفتوغرافيين: هذا آخر الجزء الرابع من نهاية الأرب في فنون الأدب. والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في الأصل الآخر الفتوغرافى: كمل الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكرىّ التيمىّ القرشىّ المعروف بآلنويرى عفا الله عنهم. تمّ الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوّله ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ

стр. 1545

فهرس الجزء الخامس من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ (تابع) أخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسية الى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء .... صفحة ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم ١ ذكر أخبار علّويه ٩ ذكر أخبار معبد اليقطينى (صوابه: القطنى) ١٣ ذكر أخبار محمد الرّف ١٧ ذكر أخبار محمد بن الأشعث ١٩ ذكر أخبار عمرو بن بانه ٢١ ذكر أخبار عبد الله بن العباس الربيعى ٢٢ ذكر أخبار وجه القرعة ٣٠ ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر ٣٢ ذكر أخبار أحمد بن صدقة ٣٣ ذكر أخبار أبى حشيشة ٣٥ ذكر أخبار القيان وأوّل من غنّى من النساء ومن اشتهر بالغناء منهن فى الإسلام ٣٨

стр. 1546

ذكر أخبار جميلة (مولاة بنى سليم) ٤١ ذكر أخبار عزّة الميلاء ٥٠ ذكر أخبار سلّامة القسّ ٥٢ ذكر أخبار حبابة ٥٨ ذكر أخبار خليدة المكية ٦٤ ذكر أخبار متيّم الهاشمية ٦٥ ذكر أخبار ساجى جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (فى الأغانى طبع بلاق: شاجى) ٦٩ ذكر أخبار دقاق ٧٠ ذكر أخبار قلم الصالحية ٧١ ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس ٧٣ ذكر أخبار جوارى ابن رامين (وهن سلّامة الززقاء، وربيحة، وسعدة) ٧٥ ذكر أخبار عنان جارية الناطفىّ ٧٨ ذكر أخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدىّ ٨٢ ذكر أخبار بذل ٨٨ ذكر أخبار ذات الخال ٩١ ذكر أخبار دنانير البرمكية ٩٣ ذكر أخبار عريب المأمونية ٩٥ ذكر أخبار محبوبة ١١٢ ذكر أخبار عبيدة الطّنبورية ١١٤ الباب السابع: فيما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ الى معرفته، وما قيل فى الغناء وما وصفت به القيان، ووصف آلات الطرب ١١٧

стр. 1547

ذكر ما يحتاج اليه المغنّى ويضطر الى معرفته وما قيل فى الغناء والقيان من جيّد الشعر ١١٧ ذكر ما قيل فى وصف آلات الطرب ١٢٢ القسم الرابع: فى التهانى والبشائر والمراثى والنوادب والزهد والتوكل والأدعية وفيه أربعة أبواب ١٢٧ الباب الأوّل: فى التهانى والبشائر ١٢٧ ذكر شىء مما هنىّء به ولاة المناصب ١٢٧ ومما هنّىء به من اتصل بزوجة ذات جمال وحسب وأصالة وأدب ١٣١ ومما هنّئ به من رزقه الله ولدا وزاده به قوّة وعددا ١٣٢ ومما هنّئ به فى المواسم والقدوم ١٣٥ ومما قيل من شواذّ التهانى وهى الجمع بين التهنئة والتعزية، والبشارة والنسلية ١٣٦ ذكر نبذة من التهانى العامة والبشائر التامة ١٤٠ ومما قيل فى التهانى بالفتوحات وهزيمة جيوش الأعداء ١٤٥ الباب الثانى: فى المراثى والنوادب ١٦٤ ذكر شىء من المراثى والنوادب ١٦٨ ومما قيل فى شواذّ المراثى ٢١٧ الباب الثالث: فى الزهد والتوكل ٢٣٠ ذكر بيان حقيقة الزهد ٢٣١

стр. 1548

وأما العلم الذى هو المثمر لهذا الحال ٢٣٣ وأما العمل الصادر عن حال الزهد ٢٣٥ ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا ٢٣٧ ذكر بيان ذم الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب ٢٤٢ ذكر بيان الزهد وأقسامه وأحكامه ٢٥٦ ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريّات الحياة ٢٦٠ ذكر بيان علامات الزهد ٢٧٢ ذكر ما ورد فى التوكل من فضيلته وحقيقته ٢٧٥ أما فضيلته ٢٧٥ وأما حقيقته ٢٧٥ ذكر بيان أعمال المتوكلين ٢٧٨ أما جلب النافع ٢٧٨ وأما حفظ النافع ٢٨١ وأما دفع الضار عن النفس والمال ٢٨١ وأما إزالة الضرر ٢٨٢ الباب الرابع: فى الأدعية ٢٨٤ وأما ما ورد فى نفع الدعاء ودفعه للبلاء ٢٨٧ وأما ما ورد فى الإلحاح فى الدعاء وهيئة الذّلة والإنابة ٢٨٧ وأما ما ورد من كراهية استعجال الإجابة ورفع البصر والسجع فى الدعاء ٢٨٨ وأما ما ورد فيمن تجاب دعواتهم ٢٨٩ ذكر الأوقات التى ترجى فيها إجابة الدعاء ٢٩٠ ذكر دعوات ساعات الأيام السبعة ولياليها ٢٩٢

стр. 1549

ذكر ما يدعى به فى المساء والصباح والغدوّ والرواح والصلاة والصوم والجماع والنوم والورد والصدر والسفر والحضر وغير ذلك ٣٠٤ فأما ما يقال عند المساء والصباح ٣٠٤ وأما ما يقال عند النوم ٣٠٦ وأما ما يقال عند دخول المنزل والمسجد والخروج منهما ٣٠٦ وأما ما يقال عند النداء ٣٠٨ وأما ما يقال عند الدخول الخلاء ٣٠٨ وأما ما يقال عند الوضوء وغسل الأعضاء ٣٠٨ وأما أدعية الصلاة ٣١٠ وأما ما يدعى به فى نفس الصلاة ٣١٠ وأما ما يدعى به بعد التسليم ٣١٣ وأما ما يقال عند رؤية الجنازة والتلقين والدفن ٣١٥ وأما ما يقال عند زيارة القبور ٣١٦ وأما ما يقال عند الإفطار من الصوم والأكل والشرب ٣١٧ وأما ما يقال عند لباس الثوب وإلباسه وعند النظر فى المرآة والتسريح وفى المجلس ٣١٨ وأما ما يقال فى المرض والرّقى والوسواس والحريق ٣١٩ وأما ما يقال عند دخول السوق وشراء الجارية والدابة ٣٢١ وأما ما يقال عند هبوب الرياح وفى الرعد والمطر ٣٢٢ وأما ما يقال فى الخوف والشدائد ٣٢٣ وأما ما يقال فى الغضب والفزع ٣٢٤ وأما ما يقال فى السفر وركوب الدابّة والسفينة ودخول القرّية ٣٢٤ وأما ما يقال فى الزواج والجماع ٣٢٧ وأما ما يقال فى قضاء الدّين ونجاح الحوائج ٣٢٧

стр. 1550

وأما ما يقال فى ردّ الضالّة ٣٢٩ ذكر ما ورد فى أسماء الله الحسنى والاسم الأعظم ٣٣٠ كيفية العلم والعمل بأسماء الله الحسنى وخاصية كل اسم منها وترتيب ذلك إلى عشرة أنماط ٣٣١ النمط الأوّل ٣٣١ النمط الثانى ٣٣١ النمط الثالث ٣٣٢ النمط الرابع ٣٣٣ النمط الخامس ٣٣٤ النمط السادس ٣٣٤ النمط السابع ٣٣٥ النمط الثامن ٣٣٦ النمط التاسع ٣٣٧ النمط العاشر ٣٣٧ وأما ما ورد فى الاسم الأعظم ٣٣٧ صورة ما ورد بآخر الجزء الخامس فى الأصلين الفتوغرافيين ٣٣٩

стр. 1551

الجزء الخامس [تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به] [القسم الثالث في المدح والهجو والمجون والفكاهات وغيرها] [تتمة الباب السادس في الغناء والسماع] تابع أخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية إلى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقى ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ، وقد تقدّم نسبه فى أخبار أبيه. وكان الرشيد يولّع به فيكنيه أبا صفوان. قال أبو الفرج الأصفهانى فى ترجمة إسحاق: وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحلّه من الرواية، وتقدّمه فى الشعر، ومنزلته فى سائر المحاسن [١] أشهر من أن يدلّ عليها بوصف. قال: فأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له فى سائر أدواته نظراء وأكفاء ولم يكن له فى هذا نظير. لحق بمن مضى فيه وسبق من قد بقى، وسهّل طريق الغناء وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعا وقدوتهم ورأسهم ومعلّمهم؛ يعرف ذلك منه الخاصّ والعامّ، ويشهد له به الموافق والمفارق. على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدّهم بغضا له لئلا يدعّى اليه ويسمّى به. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر [٢] به عندهم من الغناء لوليّته القضاء بحضرتى، فإنه أولى به وأعفّ وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة. وقد روى الحديث ولقى أهله مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة [وهشيم بن بشير [٣]] وإبراهيم بن سعد وأبى معاوية الضرير وروح

стр. 1552

ابن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته للغناء أضنّ خلق الله به وأشدّهم بخلا على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه ومتعصّبا له فضلا عن غيرهم. قال: وهو صحّح أجناس الغناء وطرائقه وميّزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله. وقال محمد بن عمران الجرجانى: كان والله إسحاق غرّة فى زمانه، وواحدا فى عصره علما وفهما وأدبا ووقارا وجودة رأى وصحّة مودّة. وكان والله يخرس الناطق إذا نطق، ويحيّر السامع إذا تحدّث، لا يملّ جليسه مجلسه، ولا تمجّ الآذان حديثه، ولا تنبو النفس عن مطاولته. إن حدّثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غنّاك أطربك. وما كانت خصلة من الأدب، ولا جنس من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته أو مناوأته فيه. حكى أبو الفرج عن إسحاق قال: دعانى المأمون وعنده إبراهيم بن المهدىّ وفى مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن شماله. فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته. فقال المأمون: أسمعت خطأ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لإبراهيم بن المهدىّ: هل تسمع خطأ؟ قال لا. قال: فأعاد علىّ السؤال، فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفى الجانب الأيسر. فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما فى هذه الناحية خطأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، مر الجوارى اللاتى على اليمين يمسكن، فأمرهنّ فأمسكن، ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمّع ثم قال: ما هاهنا خطأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثانية [١] ، فأمسكن وضربت الثانية [٢] ، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هاهنا خطأ. فقال المأمون عند ذلك

стр. 1553

لإبراهيم بن المهدىّ: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلا عرف الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألّا تماريه؛ قال: صدقت. وقال ابن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّانى إسحاق قطّ إلا ظننت أنه قد زيد فى ملكى، ولا سمعته قط يغنّى غناء ابن سريح إلا ظننت أنّ ابن سريح قد نشر، وإنى ليحضرنى غيره إذا لم يكن حاضرا، فيتقدّمه عندى بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندى رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننت أنه يتقدّمه ينقص. وإن إسحاق لنعمة من نعم الملوك التى لم يحظ أحد بمثلها. ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهنّ له بشطر ملكى. وحكى عن أحمد بن المكّى عن أبيه قال: كان المغنّون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتا منه ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون فيه، ولا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم جميعا ويفضلهم ويتقدّم عليهم. قال: وهو أوّل من أحدث المجتثّ ليوافق صوته ويشاكله فجاء معه عجبا من العجب، وكان فى حلقه نبوّ عن الوتر. وحكى قال: سأل إسحاق الموصلىّ المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرّواة لا مع المغنّين، فإذا أراد الغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك. ثم سأله بعد مدّة طويلة أن يأذن له فى الدخول مع الفقهاء فأذن له؛ قال: فكان يدخل ويده فى يد قاضى القضاة يحيى بن أكثم. ثم سأل إسحاق المأمون فى لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه فى المقصورة؛ قال: فضحك المأمون وقال: ولا كلّ هذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسئلة بمائة ألف دينار [١] وأمر له بها.

стр. 1554

وكان لإسحاق مع إبراهيم بن المهدىّ مخاطبات ومنازعات ومحاورات بسبب الغناء، وكان الرشيد ينصر إسحاق على إبراهيم أخيه. من ذلك ما حكاه إسحاق قال: كنت عند الرشيد يوما، وعنده ندماؤه وخاصّته وفيهم إبراهيم بن المهدىّ؛ فقال لى الرشيد: غنّ: شربت مدامة وسقيت أخرى ... وراح المنتشون وما انتشيت فغنيته. فأقبل علىّ إبراهيم بن المهدىّ فقال لى: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت. فقلت له: ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه، وإن شئت فغنّه فإن لم أجدك أنك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمى حلال. ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتى وصناعة أبى، وهى التى قرّبتنا منك واستخدمتنا لك فأوطاتنا بساطك، فإذا نازعنا أحد بغير علم لم نجد بدّا من الإفصاح والذبّ؛ فقال: لا غرو ولا لوم عليك. وقام الرشيد ليبول؛ فأقبل إبراهيم بن المهدىّ علىّ وقال: ويحك يا إسحاق! أتجترئ علىّ وتقول لى ما قلت يا ابن الفاعلة! لا يكنى. فداخلنى ما لم أملك نفسى معه، فقلت له: أنت تشتمنى ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقلت لك: يا ابن الزانية كما قلت لى يا ابن الزانية. أو ترانى كنت لا أحسن أن أقول: يا ابن الزانية! ولكن قولى فى ذمّك ينصرف كله إلى خالك الأعلم [١] ، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه- قال إسحاق: وكان بيطارا- قال: ثم سكتّ، وعلمت أن إبراهيم سوف يشكونى إلى الرشيد، وسوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك بأن قلت: إنك تظن أن الخلافة [٢] تصير اليك، فلا تزال تتهدّدنى بذلك وتعادينى كما تعادى سائر أولياء أخيك حسدا

стр. 1555

له ولولده على الأمر! وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخفّ بأوليائهم شفّيا، وأرجو ألا يخرجها الله من الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها. فإن صارت إليك- والعياذ بالله تعالى من ذلك- فحرام علىّ حينئذ العيش! والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدالك! قال: فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، شتمنى إسحاق وذكر أمّى واستخفّ بى. فغضب وقال لى: ويلك! ما تقول؟ قلت: لا أعلم، فسل من حضر. فأقبل على مسرور وحسين فسألهما عن القصة فجعلا يخبرانه ووجهه يربدّ الى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسّرى عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: لا ذنب له، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انفضّ المجلس وانصرف الناس أمر الرشيد بألّا أبرح. وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيرى، فساء ظنّى وهمّتنى نفسى. فأقبل علىّ وقال: يا إسحاق، أترانى لم أفهم قولك ومرادك! قد والله زنّيته ثلاث مرات! أترانى لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت! ويلك لا تعد! حدّثنى عنك لو ضربك إبراهيم أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخى يا جاهل! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك! فقلت: والله يا أمير المؤمنين، قد قتلنى هذا الكلام، وإن بلغه ليقتلنّى، وما أشك أنه قد بلغه الآن. فصاح بمسرور وقال له: علىّ بإبراهيم فأحضر، وقال لى: قم فانصرف. فقلت لجماعة من الحدم- وكلهم كان لى محبّا وإلىّ مائلا ولى مطيعا-: أخبرونى بما يجرى؛ فأخبرونى من غد أنه لمّا دخل عليه وبّخه وجهّله وقال له: أتستحفّ بخادمى وصنيعتى وابن خادمى وصنيعتى وصنيعة أبى فى مجلسى! وتقدم علىّ وتستخفّ بمجلسى وحضرتى! هاه هاه هاه! وتقدم على هذا وأمثاله! وأنت مالك وللغناء! وما يدريك ما هو! ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهّم أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذى غذّى به وعلّمه وهو من صناعته! ثم تظن أنك

стр. 1556

تخطّئه فيما لا تدريه، ويدعوك الى إقامة الحجة عليه [١] فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه! هذا مما يدلّ على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، وغلبة لذّتك على مروءتك [٢] وشرفك، ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادّعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل. ألا تعلم، ويحك، أن هذا سوء أدب وقلّة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح! ثم قال: والله العظيم وحق رسوله وإلا فأنا برىء من المهدىّ إن أصابه أحد بسوء أو سقط عليه حجر من السماء أو سقط من دابّته أو سقط عليه سقفه أو مات فجأة لأقتلنك به. والله! والله! والله! فلا تعرض له وأنت أعلم [٣] ! قم الآن فاخرج؛ فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت على الرشيد وإبراهيم عنده [فأعرضت عن إبراهيم [٤]] فجعل ينظر إلىّ مرة وإليه مرة ويضحك؛ ثم قال: إنى لأعلم محبّتك لإسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه واعرف حقّه وبرّه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد مستطيلة منبسطة ولسان منطلق. ثم قال لى: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه؛ فقمت إليه وقام إلىّ وأصلح الرشيد بيننا. قال أبو الفرج: وكان إسحاق جيّد الشعر، كان يقول الشعر وينسبه للعرب. فمن ذلك قوله: لفظ الخدور إليك حورا عينا ... أنسين ما جمع الكناس قطينا فإذا بسمن فعن كمثل غمامة ... أو أقحوان الرمل بات معينا وأصحّ ما رأت العيون محاجرا [٥] ... ولهنّ أمراض ما رأيت عيونا

стр. 1557

فكأنما تلك الوجوه أهلّة ... أقمرن بين العشر والعشرينا وكأنهنّ إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا وأشعاره فى هذا النوع كثيرة. روى عن الأصمعىّ قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ يوما على الرشيد فرأيناه لقس [١] النفس؛ فأنشده إسحاق: وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شىء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الكرام ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل وإنى رأيت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسى أن يقال بخيل ومن خير حالات التى لو علمته ... إذا نال خيرا أن يكون ينيل [٢] فعالى فعال المكثرين تجمّلا ... ومالى كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل! قال: فقال الرشيد: لا تخف [٣] إن شاء الله؛ ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها، وأحسن فصولها، وأقلّ فضولها! وأمر له بخمسين ألف درهم. فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعرى أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة! فضحك الرشيد وقال: اجعلوها مائة ألف درهم. قال الأصمعىّ: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم منّى. قال أبو عبد الله بن حمدون: سأل المتوكل عن إسحاق، فعرّف أنه كفّ وأنه بمنزله ببغداد، فكتب فى إحضاره. فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدّام السرير وأعطاه

стр. 1558

مخدّة وقال: بلغنى أن المعتصم دفع إليك فى أوّل يوم جلست بين يديه مخدّة، وقال: إنه لا يستجلب ما عند حرّ مثل إكرامه. ثم سأله: هل أكل؟ فقال نعم؛ فأمر أن يسقى. فلما شرب أقداحا قال: هاتوا لأبى محمد عودا؛ فجىء به فاندفع يغنّى بشعره: ما علّة الشيخ عيناه بأربعة ... تغرورقان بدمع ثم ينسكب قال ابن حمدون: فما بقى غلام من الغلمان الوقوف [على الحير [١]] إلا وجدته يرقص طربا وهو لا يعلم بما يفعل؛ فأمر له بمائة ألف دينار [٢] . ثم انحدر المتوكل الى الرّقة وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها؛ فغنّاه إسحاق: أأن هتفت ورقاء فى رونق الضّحى ... على فنن غضّ النبات من الرّند بكيت كما يبكى الوليد ولم تزل ... جليدا وأبديت الذى لم تكن تبدى فضحك المتوكل ثم قال: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لمّا غنّيته بالصالحيّة: طربت إلى أصيبية صغار ... وذكّرنى الهوى قرب المزار فكم أعطاك لمّا أذن لك فى الانصراف؟ قال: مائة ألف دينار [٢] ؛ فأمر له بمائة ألف دينار [٢] وأذن له بالانصراف [٣] . وكان آخر عهده بإسحاق. توفى بعد ذلك بشهرين. وكانت وفاته فى شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين. وكان يسأل الله تعالى ألا يبتليه بالقولنج [٤] لما رأى من صعوبته على أبيه، فرأى فى منامه كأنّ قائلا يقول له: قد أجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج ولكنّك

стр. 1559

تموت بضدّه، فأصابه ذرب فى شهر رمضان، فكان يتصدّق فى كل يوم يمكنه صومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات فى الشهر. ولما نعى إلى المتوكل غمّه وحزن عليه وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته. رحمه الله تعالى. ذكر أخبار علّويه هو أبو الحسن على بن عبد الله بن سيف. وجدّه سيف من الصّغد الذين سباهم الوليد بن عثمان بن عفّان واسترقّ منهم جماعة اختصهم لخدمته وأعتق بعضهم ولم يعتق الباقين فقتلوه. قال أبو الفرج الأصفهانى: وكان علىّ هذا مغنّيا حاذقا، ومؤدّبا محسنا، وصانعا متقنا، وضاربا متقدّما، مع خفّة روح وطيب مجالسة وملاحة نوادر. وكان إبراهيم الموصلىّ علّمه وخرّجه وعنى بتحذيقه جدّا، فبرع وغنّى لمحمد الأمين وعاش إلى أيام المتوكّل ومات بعد إسحاق الموصلى بيسير. وكان سبب وفاته أنه خرج عليه جرب، فشكاه إلى يحيى بن ماسويه، فبعث إليه بدواء مسهل وطلاء، فشرب الطلاء واطّلى بالدواء، فقتله ذلك. قال: وكان علّويه أعسر، فكان عوده مقلوب الأوتار: البمّ أسفل الأوتار كلها ثم المثلث فوقه ثم المثنى ثم الزّير؛ فكان عوده إذا كان فى يد غيره يكون مقلوبا، وإذا أخذه كان فى يده اليمنى وضرب باليسرى فيكون مستويا. وكان إسحاق يتعصّب له فى أكثر أوقاته على مخارق. وقال حماد ابن إسحاق: قلت لأبى: أيّما أفضل عندك مخارق أم [١] علّويه؟ فقال: يا بنىّ، علّويه أعرقهما فهما بما يخرج من رأسه، وأعلمهما بما يغنّيه ويؤدّيه، ولو خيّرت [٢] بينهما من يطارح جوارىّ، أو شاورنى من يستنصحنى لما أشرت إلا بعلّويه؛ لأنه يؤدّى

стр. 1560

الغناء، [و] [١] إذا صنع شيئا صنعه صنعة محكمة، ومخارق لتمكّنه من حلقه وكثرة نغمه لا يقنع بالأخذ منه، لأنه لا يؤدّى صوتا واحدا كما أخذه ولا يغنيّه مرّتين غناء واحدا لكثرة زوائده فيه، ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفة أو سوقة غلب مخارق على المجلس والجائزة بطيب صوته وكثرة نغمه. وقال أبو عبد الله بن حمدون: حدّثنى أبى قال: اجتمعت مع إسحاق يوما فى بعض دور بنى هاشم، وحضر علّويه فغنّى أصواتا ثم غنّى من صنعته: ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلىّ فهلّا نفس ليلى شفيعها! فقال له إسحاق: أحسنت أحسنت والله يا أبا الحسن! أحسنت ما شئت! فقام علّويه من مجلسه فقبّل رأس إسحاق وعينيه وجلس [٢] بين يديه وسرّ بقوله سرورا كثيرا؛ ثم قال: أنت سيدى وابن سيدى [وأستاذى [٣]] وابن أستاذى، ولى إليك حاجة. قال: قل، فو الله إنى أبلغ فيها ما تحبّ. قال: أيّما أفضل أنا عندك أم مخارق؟ فإنى أحبّ أن أسمع منك فى هذا المعنى قولا يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فشرّفنى به. فقال إسحاق: ما منكما إلا محسن مجمل، فلا ترد أن يجرى فى هذا شىء. قال: سألتك بحقّى عليك وبتربة أبيك وبكل حقّ تعظّمه إلا حكمت! فقال: ويحك! والله لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأمّا إذا أبيت إلا ذكر ما عندى، فلو خيّرت أنا من يطارح جوارىّ ويغنّينى لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيّتما بين يدى خليفة أو أمير غلبك على إطرابه واستبدّ عليك بجائزته. فغضب علّويه وقام وقال: أفّ من رضاك وغضبك! وكان الواثق بالله يقول: علّويه أصحّ الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتا بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل وملاحظ، فهو مصلّى كلّ سابق نادر

стр. 1561

وثانى كل أوّل، وأصل كل متقدّم. وكان يقول: [غناء] [١] علّويه مثل نقر الطست يبقى ساعة فى السمع بعد سكوته. وقال عبد الله بن طاهر: لو اقتصرت على رجل واحد يغنّينى لما اخترت سوى علّويه؛ لأنه إن حدّثنى ألهانى، وإن غنّانى أشجانى، وإن رجعت إلى رأيه كفانى. وقال محمد بن عبد الله بن مالك: كان علّويه يغنّى بين يدى الأمين، فغنّى فى بعض غنائه: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد وكان الفضل بن الربيع يضطغن عليه شيئا، فقال للأمين: إنما يعرّض بك ويستبطئ المأمون فى محاربته إياك؛ فأمر به فضرب خمسين سوطا وجرّ برجله حتى أخرج، وجفاه مدّة؛ حتى سأل كوثرا أن يترضّاه له فترضّاه له وردّه إلى الخدمة وأمر له بخمسة آلاف درهم [٢] . فلما قدم المأمون تقرّب إليه بذلك فلم يقع له بحيث يحبّ، وقال: إن الملك بمنزلة الأسد أو النار فلا تتعرّض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا يقدر بعد ذلك على تلافى ما فرط منه؛ ثم قرب من المأمون بعد ذلك. قال علّويه: أمرنا المأمون أن نباكره لنصطبح، فلقينى عبد الله بن إسماعيل المراكبى مولى عريب فقال: أيها الظالم المعتدى، أما ترحم ولا ترقّ! عريب هائمة من الشوق إليك تدعو الله وتستحكمه عليك وتحلم بك فى نومها فى كل ليلة ثلاث مرات. قال [علّويه: فقلت أمّ الخلافة زانية] [١] ومضيت معه. فحين دخلت قلت: أستوثق من الباب فإنى أعرف الناس بفضول الحجّاب؛ وإذا عريب جالسة على كرسىّ تطبخ ثلاث قدور من دجاج. فلما رأتنى قامت فعانقتنى وقبّلتنى وقالت: أىّ شىء تشتهى؟

стр. 1562

فقلت: قدرا من هذه القدور؛ فأفرغت قدرا بينى وبينها فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبّت رطلا فشربت نصفه وسقتنى نصفه؛ فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر. ثم قالت: يا أبا الحسن، غنّيت البارحة فى شعر لأبى العتاهية أعجبنى، أفتسمعه [١] وتصلحه؟ فغنّت: عذيرى من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لى ولا إن صرت طوع يديه وإنّى لمشتاق إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه فصيّرناه مجلسنا. وقالت: قد بقى فيه شىء؛ فلم أزل أنا وهى حتى أصلحناه، ثم قالت: أحبّ أن تغنّى أنت أيضا فيه لحنا ففعلت، وجعلنا نشرب على اللحنين ثلاثا [٢] . ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجونى، فدخلت على المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفّق وأغنّى بالصوت؛ فسمع المأمون والمغنّون ما لم يعرفوه فاستطرفوه، وقال المأمون: ادن يا علّويه وردّده، فردّدته عليه سبع مرات. فقال لى فى آخرها عند قولى: «يروق ويصفو إن كدرت عليه» : يا عليوه خذ الخلافة وأعطنى هذا الصاحب. وقال علّويه: قال إبراهيم الموصلىّ يوما: إنى قد صنعت صوتا وما سمعه منى أحد بعد، وقد أحببت أن أنفعك به وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك، وو الله ما فعلت هذا بإسحاق قطّ، وقد خصصتك به، فآنتحله وادّعه، فلست أنسبه إلى نفسى، وستكسب به مالا. فألقى علىّ: إذا كان لى شيئان يا أمّ مالك ... فإنّ لجارى منهما ما تخيّرا فأخذته عنه وادّعيته، وسترته طول أيام الرشيد خوفا من أن أتّهم فيه وطول أيام الأمين، حتى حدث عليه ما حدث وقدم المأمون من خراسان، وكان يخرج

стр. 1563

إلى الشّمّاسيّة فيتنزّه، فركبت يوما فى زلالى [١] وجئت أتبعه، فرأيت حرّاقة علىّ بن هشام، فقلت للملّاح: اطرح زلالى على الحرّاقة ففعل، واستؤذن لى فدخلت وهو يشرب مع الجوارى، وما كانوا يحجبون جواريهم، فغنيّته الصوت فاستحسنه جدّا وطرب عليه، وقال: لمن هذا؟ فقلت: هذا صوت صنعته وأهديته لك ولم يسمعه أحد قبلك؛ فأزداد به عجبا وطربا، وقال للجارية: خذيه عنه، فألقيته عليها حتى أخذته، فسرّ بذلك وطرب، وقال لى: ما أجد لك مكافأة على هذه الهديّة إلا أن أتحوّل عن هذه الحرّاقة بما فيها وأسلمه إليك؛ فتحوّل إلى أخرى وسلّمت لى بخزانتها وجميع آلاتها وكل شىء فيها؛ فبعت ذلك بمائة ألف وخمسين ألف درهم، واشتريت ضيعتى الصالحيّة. وقال علّويه: خرج المأمون يوما ومعه أبيات قد قالها وكتبها فى رقعة بخطّه وهى: خرجت إلى صيد الظّباء فصادنى ... هناك غزال أدعج العين أحور غزال كأنّ البدر حلّ جبينه ... وفى خدّه الشّعرى المنيرة تزهر فصاد مؤادى إذ رمانى بسهمه ... وسهم غزال الإنس طرف ومحجر فيا من رأى ظبيا يصيد، ومن رأى ... أخا قنص يصطاد قهرا ويقسر قال: فغنّيته فأمر لى بعشرين [٢] ألف درهم. ذكر أخبار معبد اليقطينى قال أبو الفرج: كان معبد هذا غلاما مولّدا من مولّدى المدينة، أخذ الغناء عن جماعة من أهلها، واشتراه بعض ولد علىّ بن يقطين. وأخذ الغناء بالعراق عن إسحاق وابن جامع وطبقتهما، وخدم الرشيد ولم يخدم غيره من الخلفاء، ومات فى أيامه.

стр. 1564

وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة. وروى أبو الفرج الأصفهانىّ حكاية عنه أحببت أن أذكرها فى هذا الموضع، وهى ما رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعىّ، قال حدّثنى معبد الصغير المغنّى مولى على بن يقطين قال: كنت منقطعا إلى البرامكة أحدّثهم وألازمهم. فبينا أنا ذات يوم فى منزلى إذا أتانى آت فدقّ بابى، فخرج غلامى ثم رجع إلىّ فقال لى: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك؛ فأذنت له، فدخل شابّ ما رأيت أحسن وجها منه ولا أنظف ثوبا ولا أجمل زيّا منه من رجل دنف عليه آثار السّقم [ظاهرة] [١] . فقال لى: إنى أحلول لقاءك منذ مدّة ولا أجد إلى ذلك سبيلا، وإن لى حاجة. فقلت: وما هى؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدىّ فقال: أسألك أن تقبلها وتصنع فى بيتين قلتهما لحنا تغنّينى به. فقلت: هاتهما؛ فأنشدنى: والله يا طرفى الجانى على بدنى ... لتطفئنّ بدمعى لوعة الحزن أو لأبوحنّ [٢] حتى يحجبوا سكنى ... فلا أراه وقد أدرجت فى كفنى قال: فصنعت فيه لحنا ثم غنيّته إياه، وأغمى عليه حتى ظننته قدمات، ثم أفاق فقال: أعد، فديتك! فنا شدته الله فى نفسه وقلت: أخشى أن تموت؛ فقال: هيهات! أنا أشقى من ذلك. وما زال يخضع لى ويتضرّع حتى أعدته، فصعق صعقة أشدّ من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاضت. فلما أفاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه، وقلت: يا هذا، خذ دنانيرك وانصرف عنى، قد قضيت حاجتك وبلغت وطرا مما أردته، ولست أحبّ أن أشرك فى دمك. فقال: [يا] [١] هذا، لا حاجة لى فى الدنانير، وهذه مثلها لك، ثم أخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدىّ وقال: أعد الصوت علىّ مرة أخرى وحلّ لك دمى! فشرهت نفسى فى الدنانير،

стр. 1565

وقلت: لا والله ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط. قال: وما هى؟ قلت: أولاهن أن تقيم عندى وتتحرّم بطعامى. والثانية أن تشرب أقداحا من النهيذ تطبّب [١] قلبك وتسكّن ما بك. والثالثة أن تحدّثنى بقصّتك. قال: أفعل ما تريد. فأخذت الدنانير ودعوت بطعام فأصاب منه إصابة معذّر، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنيّته بشعر غيره فى معناه وهو يشرب ويبكى، ثم قال: الشرط أعزّك الله! فغنيّته صوته فجعل يبكى أحرّ بكاء وينشج أشدّ نشيج وينتحب. فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه ورأيت النبيذ قد شدّ قلبه، كررت عليه صوته مرارا. ثم قلت: حدّثنى حديثك، فقال: أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزّها فى ظاهرها وقد سال العقيق فى فتية من أقرانى وأخذانى، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة [٢] منا، وبصرت منهن بفتاة كأنها قضيب قد طلّه الندى، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما. فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس، وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبى جرحا بطيئا اندماله؛ فعدت إلى منزلى وأنا وقيذ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد فلم أر لها ولا لصواحبها أثرا، ثم جعلت أتتبّعها فى طرق [٣] المدينة وأسواقها، وكأنّ الأرض أضمرتها فلم أحسّ لها بعين ولا أثر، وسقمت حتى أيس منى أهلى. وخلت بى ظئرى فاستعلمتنى حالى وضمنت لى كتمانها والسعى فيما أحبّه منها، فأخبرتها بقصتى؛ فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع وهى سنة خصب وأنواء وليس يبعد عنك المطر، ثم هذا العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن؛ فإذا فعلن ورأيتها أتبعها حتى أعرف موضعها ثم أصل بينك وبينها وأسعى لك فى تزويجها. فكأنّ نفسى اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطمعت وتراجعت إلىّ نفسى. وجاء مطر بعقب ذلك وسال العقيق

стр. 1566

وخرج الناس وخرجت مع إخوانى اليه، فجلسنا مجلسنا الأوّل بعينه، فما كنا والنسوة إلا كفرسى رهان؛ فأومأت إلى ظئرى فجلست، وأقبلت على إخوانى فقلت: لقد أحسن القائل: رمتنى بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا فأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول: بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلنّا ... نرى فرجا يشفى السّقام قريبا فسكتّ عن الجواب خوفا من أن يظهر منى ما يفضحنى وإياها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرّق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئرى حتى عرفت منزلها، وصارت إلىّ فأخذت بيدى ومضينا إليها، فلم نزل نتلطّف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة، حتى شاع حديثى وحديثها وظهر ما بينى وبينها، فحجبها أهلها وسدّوا أبوابها؛ فما زلت أجهد فى لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت ذلك إلى أبى لشدّة ما نالنى وسألته خطبتها لى. فمضى أبى ومشيخة أهلى إلى أبيها فحطبوها؛ فقال: لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقّق قول الناس فيها بتزويجه إياها؛ فانصرفت على يأس منها ومن نفسى. قال معبد: فسألته أن ينزل بجوارى، وصارت بيننا عشرة. ثم جلس جعفر بن يحيى ليشرب فأتيته، فكان أوّل صوت غنيّته صوتى فى شعر الفتى، فشرب وطرب عليه طربا شديدا، وقال: ويحك! إن لهذا الصوت حديثا فما هو؟ فحدّثته، فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده؛ فقال: هى فى ذمتى حتى أزوّجك إياها؛ فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح، وغدا جعفر إلى الرشيد فحدّثه الحديث، فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا، وأمر بأن أغنيّه الصوت

стр. 1567

فغنيته إياه وشرب عليه وسمع حديث الفتى؛ فأمر من وقته بكتاب الى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته؛ فلم تمض إلا مسافة الطريق حتى أحضروا. فأمر الرشيد بإحضار أبى الجارية إليه فأحضر، وخطب إليه الجارية للفتى وأقسم عليه ألّا يخالف أمره؛ فأجابه وزوّجها إياه؛ وحمل الرشيد إليه ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة طريقه، وأمر للفتى بألف دينار ولى بألف دينار، وأمر جعفر لى وللفتى بألف دينار. وكان المدينىّ بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى. ذكر أخبار محمد الرف هو محمد بن عمرو مولى بنى تميم، كوفىّ المولد والمنشأ. والرفّ [١] لقب غلب عليه. وكان مغنيّا ضاربا صالح الصّنعة مليح النادرة. وكان أسرع خلق الله أخذا للغناء وأصحّهم أداء له وأذكاهم. وكان اذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثا أدّاه لا يكون بينه وبين من أخذه عنه فرق فيه. وكان متعصّبا على ابن جامع مائلا إلى إبراهيم الموصلىّ وابنه إسحاق، وكانا يرفعان منه ويقدّمانه ويأخذان له الصّلات من الخلفاء. وكانت فيه عربدة إذا سكر. فعربد بحضرة الرشيد مرة، فأمر بإخراجه ومنعه من الدخول إليه وجفاه وتناساه. قال أبو الفرج: وأحسبه مات فى خلافته أو خلافة الأمين. ومن أخباره فى جودة الأخذ وسرعة الحفظ ما رواه حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنّى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد: جسور على هجرى جبان عن الوصل ... كذوب عدات يتبع الوعد بالمطل مقدّم رجل فى الوصال مؤخّر ... لأخرى يشوب الجدّ فى ذاك بالهزل

стр. 1568

يهمّ بنا حتى إذا قلت قد دنا ... وجاذبنى عطفاه مال إلى البخل يزيد امتناعا كلما زدت صبوة ... وأزداد حرصا كلما ضنّ بالبذل فأحسن فيه ما شاء وأجمل، فغمزت عليه محمد الرفّ وفطن لما أردت، واستحسنه الرشيد وشرب عليه واستعاده مرتين أو ثلاثا. ثم قمت إلى الصلاة وغمزت الرف فجاءنى، وأومأت إلى مخارق وعلويّه وعقيد فجاءونى؛ فأمرته بإعادة الصوت فأعاده وأدّاه كأنه لم يزل يرويه؛ ولم يزل يكرره على الجماعة حتى غنّوه. ثم عدت إلى المجلس؛ فلما انتهى الدور إلىّ ابتدأت فغنيّته قبل كل شىء غنيّته. فنظر إلى ابن جامع محدّدا طرفه؛ وأقبل علىّ الرشيد وقال: أكنت تروى هذا الصوت؟ قلت: نعم يا سيّدى. فقال ابن جامع: كذب والله ما أخذه إلا منى الساعة. فقلت: هذا صوت أرويه قديما، وما فيمن حضر [أحد] [١] إلا وقد أخذه منّى. وأقبلت عليهم فقلت لهم: غنّوه؛ فغنّاه علّويه ثم عقيد ثم مخارق. فوثب ابن جامع فجلس بين يديه فحلف بحياته وبطلاق امرأته أنّ اللحن صنعه منذ ثلاث ليال وما سمع به قبل ذلك الوقت. فأقبل الرشيد علىّ وقال: بحياتى اصدقنى عن القصّة، فصدقته، فجعل يضحك ويصفّق ويقول: لكل شىء آفة، وآفة ابن جامع الرفّ. قال إسحاق بن إبراهيم: كان محمد الرفّ أروى خلق الله تعالى للغناء وأسرعهم أخذا لما سمعه، ليست عليه فى ذلك كلفة، إنما يسمع الصوت مرة واحدة وقد أخذه. وكنا معه فى بلاء إذا حضر، فكان [٢] كل من غنّى منّا صوتا فسأله عدو له أو صديق بأن يلقيه عليه فبخل ومنعه إياه وسأل محمد الرفّ أن يأخذه فما هو إلا أن يسمعه مرّة واحدة حتى أخذه وألقاه على من سأله. قال: وكان أبى يبرّه ويصله ويجديه من

стр. 1569

كل جائزة وفائدة تصل إليه. وكان محمد الرفّ مغرى بابن جامع خاصّة من بين المغنّين ليخله، وكان لا يفتح ابن جامع فاه بصوت إلا وضع عينه عليه وصغى بسمعه إليه حتى يحكيه. وكان فى ابن جامع بخل شديد لا يقدر معه على أن يسعفه ببرّ ورفد. وساق نحو ما تقدّم إلا أنه قال: إن الرّف أخذ الصوت لأوّل مرة وألقاه على إسحاق فأخذه عنه فى ثلاث مرار. قال حماد: وللرفّ صنعة يسيرة، وذكر منها أصواتا. ذكر أخبار محمد بن الأشعث قال أبو الفرج: كان محمد بن الأشعث القرشىّ ثم الزّهرىّ كاتبا، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم، وكان يقول الشعر ويغنّى فيه. فمن ذلك قوله فى سلّامة زرقاء ابن رامين: أمسى لسلّامة الزرقاء فى كبدى ... صدع يقيم طوال الدهر والأبد لا يستطيع صناع القوم يشعبه ... وكيف يشعب صدع الحبّ فى الكبد إلّا بوصل التى من حبّها انصدعت ... تلك الصدوع من الأسقام والكمد وكان ملازما لابن رامين ولجاريته سلّامة الزرقاء، فشهر بذلك، فلامه قومه فى فعله فلم يحفل بمقالتهم؛ وطال ذلك منه ومنهم، حتى رأى بعض ما يكره فى منزل ابن رامين، فمال الى سحيقة جارية زريق ابن منيح مولى عيسى بن موسى، وكان زريق شيخا كريما نبيلا، يجتمع إليه أشراف أهل الكوفة من كل حىّ، وكان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد الغفار العجلىّ كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين؛ فتلازما على ملازمة زريق. وفى ذلك يقول محمد بن الأشعث:

стр. 1570

يابن رامين بحت بالتصريح ... فى هواى سحيقة ابن منيح قينة عفّة ومولى كريم ... ونديم من اللّباب الصريح ربعىّ مهذّب أريحىّ ... يشترى الحمد بالفعال الرّبيح نحن منه فى كل ما تشتهى الأن ... فس من لذّة وعيش نجيح عند قوم من هاشم فى ذراها ... وغناء من الغزال المليح فى سرور وفى نعيم مقيم ... قد أمنّا من كل أمر قبيح فاسل عنّا كما سلوناك إنّى ... غير سال عن ذات نفسى وروحى حافظ منك كل ما كنت قد ض ... يّعت مما عصيت فيه نصيحى فالقلى ما حييت منى لك الده ... ر بودّ لمنيّتى ممنوح يابن رامين فالزمن مسجد الح ... ىّ بطول الصلاة والتسبيح قال عمر بن نوفل وهو راوى هذه الأبيات: فلم يدع ابن رامين شريفا بالكوفة إلا تحمّل به على ابن الأشعث وهو يأبى أن يرضى عنه وأن يعاود زيارته، حتى تحمّل عليه بالجحوانىّ، وهو محمد بن بشر بن جحوان الأسدىّ وكان يومئذ على الكوفة، فكلّمه فرضى عنه وعاد إلى زيارته، ولم يقطع منزل زريق. وقال فى سحيقة: سحيقة أنت واحدة القيان ... فما لك مشبه فيهنّ ثانى فضلت على القيان بفضل حذق ... فحزت على المدى قصب الرّهان سجدن لك القيان مكفّرات ... كما سجد المجوس لمرزبان ولا سيما إذا غنّت بصوت ... وحرّكت المثالث والمثانى شربت الخمر حتى خلت أنى ... أبو قابوس أو عبد المدان فإعمال اليسار على الملاوى ... ومن يمناك ترجمة البيان

стр. 1571

ولمحمد بن الأشعث أصوات له فيها غناء. منها: رحبت بلادك يا أمامه ... وسلمت ما سجعت حمامه وسقى ديارك كلما ... حنّت الى السّقيا غمامه إنّى وإن أقصيتنى ... شفق [١] أحبّ لك الكرامه وأرى أمورك طاعة ... مفروضة حتى القيامه وله غير ذلك من الأصوات. ذكر أخبار عمرو بن بانة قال أبو الفرج الأصفهانىّ: هو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد مولى ثقيف. وكان أبوه صاحب ديوان ووجها من وجوه الكتّاب، ونسب إلى أمه. وكان مغنّيا محسنا، وشاعرا صالح الشعر، وصنعته صنعة متوسّطة، وكان مرتجلا. قال: وكتابه فى الأغانى أصل من الأصول. وكان يذهب مذهب إبراهيم بن المهدىّ فى الغناء، ويخالف إسحاق ويتعصّب عليه تعصّبا شديدا ويواجهه بنفسه. وهو معدود فى ندماء الخلفاء ومغنّيهم، على ما كان به من الوضح. وفيه يقول الشاعر: أقول لعمرو وقد مرّ بى ... فسلّم تسليمة جافيه لئن فضّلوك بفضل الغنا ... ءفقد فضّل الله بالعافيه وقال أحمد بن حمدون: كان عمرو حسن الحكاية لمن أخذ عنه الغناء، حتى كان من يسمعه لو توارى عن عينه [عمرو [٢]] لم يشكّ فى أنه هو الذى أخذ عنه، لحسن حكايته. وكان محظوظا ممن يعلّمه، ما علّم أحدا قطّ إلا خرج نادرا مبرّزا. وله أخبار مع الخلفاء وإنعام منهم عليه، منهم المتوكل على الله. ﵀.

стр. 1572

ذكر أخبار عبد الله بن العباس الربيعىّ هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، والربيع، على ما يدّعيه أهله، ابن يونس بن أبى فروة. وآل أبى فروة يدفعون ذلك ويزعمون أنه لقيط وجد منبوذا كفله يونس، فلما خدم المنصور ادّعى إليه. قال أبو الفرج الأصفهانى: وكان شاعرا مطبوعا ومغنّيا محسنا جيّد الصنعة نادرها. قال: وهو أوّل من غنّى بالكنكلة فى الإسلام. وكان سبب دخوله فى الغناء على ما رواه أبو الفرج بسنده إليه قال: كان سبب دخولى فى الغناء وتعلّمى إياه أنّى كنت أهوى جارية لعمّتى رقيّة بنت الفضل ابن الربيع، وكنت لا أقدر على ملازمتها والجلوس معها خوفا من أن يظهر ما لها عندى، فيكون ذلك سبب منعى منها؛ فأظهرت لعمّتى أنى أشتهى أن أتعلّم الغناء ويكون ذلك فى ستر عن جدّى- وكان جدّى وعمّتى على حال من الرقّة علىّ والمحبّة لى لا نهاية وراءها، لأن أبى توفّى فى حياة جدّى الفضل- فقالت: يا بنىّ، وما دعاك إلى ذلك؟ فقلت: شهوة غلبت على قلبى، إن منعت منها متّ غمّا- قال: وكان لى فى الغناء طبع قوىّ- فقالت لى: أنت أعلم وما تختاره، والله ما أحبّ منعك من شىء، وإنى كارهة أن تحذق فى ذلك وتشتهر فتسقط ويفتضح أبوك وجدّك. فقلت: لا تخافى من ذلك، فإنما آخذ منه مقدار ما ألهو به. ولازمت الجارية لمحبتى إياها بعلّة الغناء، فكنت آخذ عنها وعن صواحباتها حتى تقدّمت الجماعة حذقا وأقرّت لى بذلك، وبلغت ما كنت أريد من الجارية، وصرت ألازم مجلس جدّى. ثم لم يكن يمرّ لإسحاق ولا لابن جامع ولا للزّبير بن دحمان ولا لغيرهم صوت إلا أخذته، وكنت سريع الأخذ، إنما كنت أسمعه مرّتين أو ثلاثا

стр. 1573

وقد صحّ لى. وأحسست فى نفسى قوّة فى الصناعة، فصنعت أوّل صوت صنعته فى شعر العرجىّ: أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأدنت على الخدّين بردا مهلهلا ثم صنعت: أقفر من بعد خلّة شرف ... فالمنحنى فالعقيق فالجرف وعرضتهما على الجارية التى كنت أهواها وسألتها عما عندها فيهما؛ فقالت: لا يجوز أن يكون فى الصنعة فوق هذا. وكان جوارى الحارث بن بسخنّر وجوارى أبيه يدخلن إلى دارنا فيطرحن على جوارى عمّتى وجوارى جدّى ويأخذن أيضا ما ليس عندهن، فأخذنهما منّى، وسألن الجارية عنهما فأخبرتهن أنهما من صنعتى. ثم اشتهرا حتى غنّى الرشيد بهما يوما فاستظرفهما، وسأل إسحاق: هل تعرفهما؟ فقال: لا، وإنهما لمن أحسن الصنعة وجيّدها ومتقنها. ثم سأل الجارية عنهما فوقفت خوفا من عمّتى وحذرا أن يبلغ جدّى أنها ذكرتنى؛ فانتهرها الرشيد فأخبرته القصّة؛ فوجّه من وقته فدعا بجدّى فقال له: يا فضل، أيكون لك ابن يغنّى ثم يبلغ فى الغناء المبلغ الذى يمكنه أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق وسائر المغنين ويتداولهما جوارى القيان فلا تعلمنى بذلك، كأنك رفعت قدره عن خدمتى فى هذا الشأن! فقال له جدّى: وحقّ ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك وإلا فأنا برئ من بيعتك وعلىّ العهد والميثاق [١] والعتق والطلاق إن كنت علمت بشىء من هذا قط إلا منك الساعة. [فمن هذا من ولدى؟ قال: عبد الله بن العباس هو [٢] ، فأحضرنيه. الساعة [٣]] . فجاء جدّى وهو يكاد أن ينشق غيظا، فدعانى؛ فلما خرجت إليه شتمنى

стр. 1574

وقال: [يا كلب [١]] بلغ من أمرك أنك تجسر على أن تتعلّم الغناء بغير إذنى! ثم زاد ذلك حتى صنعت، ولم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجوارى فى دارى، ثم تجاوزهن إلى جوارى الحارث بن بسخنّر، فاشتهرت، وبلغ أمير المؤمنين فتنكّر لى ولا منى، وفضحت آباءك فى قبورهم وسقطت للأبد إلا من المغنّين! فبكيت مما جرى علىّ وعلمت أنه صدقنى؛ فرحمنى وضمّنى إليه وقال: قد صارت الآن مصيبتى فى أبيك مصيبتين، إحداهما به وقد مضى وفات، والأخرى بك وهى موصولة بحياتى، ومصيبة [٢] باقية العار علىّ وعلى أهلى بعدى، وبكى وقال: عزّ علىّ يا بنىّ أنّى أراك أبدا ما بقيت على غير ما أحبّ؛ وليست لى فى هذا الأمر حيلة لإنه أمر قد خرج عن يدى. وقال: جئنى بعود حتى أسمعك وأنظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة فى هذه الفضيحة وإلا جئت بك منفردا وعرّفته خبرك واستعفيته لك. فأتيت بعود وغنّيته غناء قديما؛ فقال: لا، بل صوتيك اللذين صنعتهما، فغنيّته إياهما، فاستحسنهما وبكى، ثم قال: بطلت والله يا بنىّ وخاب أملى فيك. فوا حزنا عليك وعلى أبيك! فقلت: ليتنى متّ قبل ما أنكرته أو أخرست! ومالى حيلة! لكنى وحياتك يا سيّدى- وإلا فعلىّ عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق وكل يمين يحلف بها [حالف [٣]] لازمة [لى [٣]]- لا غنيّت أبدا إلا لخليفة أو ولىّ عهد. فقال: قد أحسنت فيما نبهت [٤] عليه من هذا. فركب وأمر بى فأحضرت، ووقفت بين يدى الرشيد وأنا أرعد؛ فاستدعانى واستدنانى حتى صرت أقرب الجماعة إليه، ومازحنى

стр. 1575

وأقبل علىّ وسكّن منى [١] ، وأمر جدّى بالانصراف؛ وأما إلى الجماعة فحدّثونى وسقيت أقداحا [٢] وغنّى المغنون جميعا؛ وأومأ إلىّ إسحاق بعينه أن ابدأ فغنّ إذا بلغت النوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك ليكون ذلك أملح وأجمل بك. فلما جاءت النّوبة إلىّ أخذت عودا ممن كان إلى جنبى وقمت قائما واستأذنت فى الغناء؛ فضحك الرشيد وقال: غنّ جالسا؛ فغنيّت لحنى الأوّل، فطرب واستعاده ثلاث مرّات وشرب عليه ثلاثة أنصاف. ثم غنيّت الثانى فكانت هذه حاله، فسكر ودعا بمسرور وقال: احمل الساعة مع عبد الله عشرة آلاف دينار وثلاثين ثوبا من فاخر ثيابى وعيبة مملوءة طيبا، فحمل ذلك كله معى. قال عبد الله: ولم أزل كلما أراد ولىّ عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة هو أم غيره دعانى وأمرنى أن أغنّى، فأعرّفه يمينى فيستأذن الخليفة فى ذلك، فإن أذن لى فى الغناء علم أنه ولىّ عهد وإلا عرف أنه غيره، حتى كان آخرهم الواثق فدعانى فى ايام المعتصم وسأله أن يأذن لى فى الغناء، فأذن لى ثم دعانى من الغد فقال: ما كان غناؤك إلا سببا لظهور سرّى وأسرار الخلفاء قبلى! والله لقد هممت أن آمر بضرب رقبتك! لا يبلغنى أنك امتنعت من الغناء عند أحد، فو الله لئن امتنعت لأضربن عنقك! فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت، وطلّق من كان عندك يومئذ، وأرحنا من يمينك هذه المشئومة. فقمت وأنا لا أعقل جزعا منه؛ فأعتقت جميع ما كان بقى عندى من مماليكى الذين حلفت يومئذ وهم فى ملكى ثم تصدّقت بجملة، واستفتيت فى يمينى أبا يوسف القاضى حتى خرجت منها؛ وغنيّت بعد ذلك إخوانى جميعا حتى اشتهر أمرى، وبلغ المعتصم خبرى فتخلّصت منه.

стр. 1576

وروى أبو الفرج أيضا عن الصّولىّ عن الحسين بن يحيى قال: قلت لعبد الله ابن العباس: إنه بلغنى لك خبر مع الرشيد أوّل ما شهرت بالغناء فحدّثنى به؛ فقال: نعم! أوّل صوت صنعته: أتانى يؤامرنى فى الصّبو ... ح ليلا فقلت له غادها فلما دار [١] لى وضربت عليه بالكنكلة، عرضته على جارية [٢] لنا يقال لها راحة، فاستحسنته، وأخذته عنى. وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصلى، فسمعها يوما تغنيّه وتناغى [٣] به جارية من جواريه، فآستعادها إياه فأعادته؛ فقال: لمن هذا الصوت؟ قالت: صوت قديم. قال: كذبت، لو كان قديما لعرفته. وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له أنه من صنعتى، فعجب من ذلك. ثم غناه يوما بحضرة الرشيد ليغرب به على المغنّين؛ فاستحسنه الرشيد، فقال له: لمن هذا يا إبراهيم؟ فأمسك عن الجواب وخشى أن يكذبه فينمى إليه الخبر من غيره، وخاف من جدّى إن يصدقه؛ فقال له: مالك لا تجيبنى؟ قال: ما يمكننى يا أمير المؤمنين. فاستراب بالقصّة، فأقسم الرشيد أنه إن لم يعرّفه عاقبه عقوبة توجعه، وتوهّم أنه لعليّة بنت المهدىّ أو لبعض حرمه فأستطير غضبا. فلما رأى إبراهيم الجدّ منه صدقه فيما بينه وبينه سرّا. فدعا لوقته بالفضل بن الربيع وقال له: أيصنع ولدك غناء يرويه الناس ولا تعرّفنى! فجزع وحلف بحياته وبيعته أنه ما عرف ذلك قط ولا سمع به إلا فى وقته ذلك. وساق باقى الخبر نحو ما تقدّم. قال عبد الله بن العباس: دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغنّيه وقد استعادنى صوتا فأعدته، فآستحسنه محمد بن عبد الملك [وقال: [٤]] هذا والله

стр. 1577

يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه وإصغائك إليه؛ فقال: أجل! هذا والله مولاى وابن موالىّ لا يعرفون غير ذلك. فقال: ليس كل مولى يا أمير المؤمنين مولى لمواليه، ولا كل مولى يتجمّل بولائه يجمع ما جمعه عبد الله من ظرف وأدب وصحّة عقل وفضل علم وجودة شعر. فقال له: صدقت يا محمد. فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكرا لحسن محضره، فقلت فى أضعاف كلامى: وأفرط الوزير، أعزّه الله تعالى، فى وصفى وتقريظى بكل شىء حتى وصفنى بجودة الشعر، وليس ذلك عندى، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة. ولو كان عندى أيضا شىء من ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ويحكيه فى هذا المجلس الرفيع المشهور [١] . فقال: والله يا أخى لو عرفت مقدار قولك: يا شادنا رام إذ م ... رّ فى الشّعانين [٢] قتلى يقول لى: كيف أصبح ... ت؟ كيف يصبح مثلى لما قلت هذا القول. والله لو لم يكن لك شعر فى عمرك إلا قولك: «كيف يصبح مثلى» لكنت شاعرا مجيدا. وهذا الشعر قاله عبد الله بن العباس فى نصرانية كان يهواها ولا يصل إليها إلا إذا خرجت إلى البيعة. وله معها أخبار وأشعار له فيها أصوات. منها قوله: إنّ فى القلب من الظّبى كلوم ... فدع اللّوم فإنّ اللّوم لوم حبذا يوم الشّعانين وما ... نلت فيه من نعيم لو يدوم إن أكن أعظمت أن همت به ... فالذى تركب من عذلى عظيم لم أكن أوّل من سنّ الهوى ... فدع العذل فذا داء قديم

стр. 1578

وروى أبو الفرج بسنده إلى محمد بن جبير قال: كنا عند أبى عيسى بن الرشيد فى زمن ربيع وعندنا مخارق وعلّويه وعبد الله بن العباس الربيعىّ وعبد الله بن الحارث بن بسخنّر ونحن مصطبحون فى طارمة مضروبة على بستانه وقد تفتّح فيه ورد وياسمين وشقائق والسماء متغيّمة غيما مطبقا وقد بدأت ترشّ رشّا ساكبا، فنحن فى أكمل نشاط وأحسن يوم، إذ خرجت قيّمة دار أبى عيسى فقالت: يا سيّدى، قد جاءت عساليج؛ قال: تخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه. قال: فخرجت إلينا جارية شكلة حلوة حسنة العقل والهيئة والأدب فى يدها عود فسلّمت، وأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست. وغنّى القوم حتى انتهى الدّور إليها، وظننا أنها لا تصنع شيئا وخفنا أن تهابنا فتحصر، فغنّت غناء حسنا مطربا متقنا، لم تدع أحدا ممن حضر إلا غنّت صوتا من صنعته فأدّته على غاية الإحكام؛ فطربنا واستحسنّا غناءها وخاطبناها بالاستحسان؛ وألح عبد الله بن العباس من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر اليها. فقال أبو عيسى: عشقتها وحياتى يا عبد الله! فقال: لا والله يا سيّدى وحياتك ما عشقتها، ولكن استملحت كل ما شاهدته منها من منظر وشكل وعقل وعشرة وغناء. فقال له: ويحك! فهذا والله هو العشق وسببه. ورب جدّ جرّه اللعب. قال: وشربنا؛ فلما غلب النبيذ على عبد الله غنّى أهزاجا قديمة وحديثة، وغنّى فيما بينها هزجا فى شعر قاله فيها لوقته، فما فطن له إلا أبو عيسى، وهو: نطق المكتوم منّى فبدا ... كم ترى المكتوم منّى لا يضح سحر عينيك إذا ما رنتا ... لم يدع ذا صبوة أو يفتضح ملكت قلبا فأمسى غلقا ... عندها صبا بها لم يسترح [١]

стр. 1579

بجمال وغناء حسن ... جلّ عن أن ينتقيه [١] المقترح أورث القلب هموما ولقد ... كنت مسرورا بمرآه فرح ولكم مغتبق همّا وقد ... باكر اللهو بكور المصطبح فقال له أبو عيسى: فعلتها والله يا عبد الله، صح والله قولى لك فى عساليج وأنت تكابر حتى فضحك السّكر. فجحد وقال: هذا غناء كنت أرويه. فخلف أبو عيسى أنه ما قاله وما غنّاه إلا فى يومه؛ وقال له: احلف بحياتى أنّ الأمر ليس هو كذلك! فلم يفعل. فقال أبو عيسى: والله لو كانت لى لوهبتها لك، ولكنها لآل يحيى ابن معاذ، وو الله إن باعوها لأملّكنّك إياها ولو بكل ما أملك! ووحياتى لتنصرفنّ قبلك إلى منزلك. ثم دعا بحافظتها وخادما من خدمه فوجّه بها معهما إلى منزله. والتوى عبد الله قليلا وتجلّد ثم انصرف. واتصل الأمر بينهما بعد ذلك فاشترتها عمته رقيّة بنت الفضل بن الربيع من آل يحيى بن معاذ، وكانت عندهم حتى ماتت. قال: وقالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغنى أنك عشقت جارية اسمها عساليج، فأعرضها علىّ، فإما أن عذرتك أو عذلتك؛ فوجّه إليها فحضرت، وقال لبذل: هذه هى يا سيّدتى، فاسمعى وانظرى ثم مرينى بما شئت أطعك. فأقبلت عليه عساليج وقالت: يا عبد الله، أتشاور فىّ! فو الله ما شاورت فيك لمّا سحبتك. فقالت بذل: أحسنت والله يا صبيّة! ولو لم تحسنى شيئا و [لا [٢]] كانت فيك خصلة تحمد لوجب أن تعشقى لهذه الكلمة. ثم قالت لعبد الله: ما ضيّعت، احتفظ بصاحبتك هذه. وقال حمدون بن إسماعيل: دخلت يوما على عبد الله بن العباس الربيعىّ وخادم له يسقيه، وبيده عود وهو يغنّى:

стр. 1580

إذا أصطبحت ثلاثا ... وكان عودى نديمى والكأس تضحك [١] ضحكا ... من كفّ ظبى رخيم فما علىّ طريق ... لطارقات الهموم فما رأيت أحسن مما حكى حاله فى غنائه ولا سمعت أحسن مما غنّى. ومن صنعته وشعره قوله: صدع البين الفؤادا ... إذ به الصائح نادى بينما الأحباب مجمو ... عون إذ صاروا فرادى فأتى بعض بلادا ... وأتى بعض بلادا كلما قلت تناهى ... حدثان [٢] الدّهر زادا ذكر أخبار وجه القرعة هو أبو جعفر محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور، ويلقّب وجه القرعة، أحد المغنّين الحذّاق الضّرّاب الرواة. أخذ الغناء عن إبراهيم الموصلىّ وطبقته. وكان حسن الأداء طيّب الصوت لا علّة فيه، إلا أنه كان إذا غنّى الهزج خاصّة خرج لا لسبب يعرف، إلا أنه [إن [٣]] تعرّض للحنين فى جنس من الأجناس فلا يصح له البتة. وروى أبو الفرج بسنده عن محمد الهاشمىّ أنه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ عند عمه هارون بن عيسى وعنده محمد بن الحسن بن مصعب، قال: فأتانا محمد بن
следующие страницы →