وروى أبو الفرج أيضا عن الصّولىّ عن الحسين بن يحيى قال: قلت لعبد الله ابن العباس: إنه بلغنى لك خبر مع الرشيد أوّل ما شهرت بالغناء فحدّثنى به؛ فقال:
نعم! أوّل صوت صنعته:
أتانى يؤامرنى فى الصّبو ... ح ليلا فقلت له غادها
فلما دار [١] لى وضربت عليه بالكنكلة، عرضته على جارية [٢] لنا يقال لها راحة، فاستحسنته، وأخذته عنى. وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصلى، فسمعها يوما تغنيّه وتناغى [٣] به جارية من جواريه، فآستعادها إياه فأعادته؛ فقال: لمن هذا الصوت؟
قالت: صوت قديم. قال: كذبت، لو كان قديما لعرفته. وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له أنه من صنعتى، فعجب من ذلك. ثم غناه يوما بحضرة الرشيد ليغرب به على المغنّين؛ فاستحسنه الرشيد، فقال له: لمن هذا يا إبراهيم؟
فأمسك عن الجواب وخشى أن يكذبه فينمى إليه الخبر من غيره، وخاف من جدّى إن يصدقه؛ فقال له: مالك لا تجيبنى؟ قال: ما يمكننى يا أمير المؤمنين. فاستراب بالقصّة، فأقسم الرشيد أنه إن لم يعرّفه عاقبه عقوبة توجعه، وتوهّم أنه لعليّة بنت المهدىّ أو لبعض حرمه فأستطير غضبا. فلما رأى إبراهيم الجدّ منه صدقه فيما بينه وبينه سرّا. فدعا لوقته بالفضل بن الربيع وقال له: أيصنع ولدك غناء يرويه الناس ولا تعرّفنى! فجزع وحلف بحياته وبيعته أنه ما عرف ذلك قط ولا سمع به إلا فى وقته ذلك. وساق باقى الخبر نحو ما تقدّم.
قال عبد الله بن العباس: دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغنّيه وقد استعادنى صوتا فأعدته، فآستحسنه محمد بن عبد الملك [وقال: [٤]] هذا والله
стр. 1577
يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه وإصغائك إليه؛ فقال: أجل! هذا والله مولاى وابن موالىّ لا يعرفون غير ذلك. فقال: ليس كل مولى يا أمير المؤمنين مولى لمواليه، ولا كل مولى يتجمّل بولائه يجمع ما جمعه عبد الله من ظرف وأدب وصحّة عقل وفضل علم وجودة شعر. فقال له: صدقت يا محمد. فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكرا لحسن محضره، فقلت فى أضعاف كلامى: وأفرط الوزير، أعزّه الله تعالى، فى وصفى وتقريظى بكل شىء حتى وصفنى بجودة الشعر، وليس ذلك عندى، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة. ولو كان عندى أيضا شىء من ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ويحكيه فى هذا المجلس الرفيع المشهور [١] . فقال:
والله يا أخى لو عرفت مقدار قولك:
يا شادنا رام إذ م ... رّ فى الشّعانين [٢] قتلى
يقول لى: كيف أصبح ... ت؟ كيف يصبح مثلى
لما قلت هذا القول. والله لو لم يكن لك شعر فى عمرك إلا قولك: «كيف يصبح مثلى» لكنت شاعرا مجيدا. وهذا الشعر قاله عبد الله بن العباس فى نصرانية كان يهواها ولا يصل إليها إلا إذا خرجت إلى البيعة. وله معها أخبار وأشعار له فيها أصوات. منها قوله:
إنّ فى القلب من الظّبى كلوم ... فدع اللّوم فإنّ اللّوم لوم
حبذا يوم الشّعانين وما ... نلت فيه من نعيم لو يدوم
إن أكن أعظمت أن همت به ... فالذى تركب من عذلى عظيم
لم أكن أوّل من سنّ الهوى ... فدع العذل فذا داء قديم
стр. 1578
وروى أبو الفرج بسنده إلى محمد بن جبير قال: كنا عند أبى عيسى بن الرشيد فى زمن ربيع وعندنا مخارق وعلّويه وعبد الله بن العباس الربيعىّ وعبد الله بن الحارث بن بسخنّر ونحن مصطبحون فى طارمة مضروبة على بستانه وقد تفتّح فيه ورد وياسمين وشقائق والسماء متغيّمة غيما مطبقا وقد بدأت ترشّ رشّا ساكبا، فنحن فى أكمل نشاط وأحسن يوم، إذ خرجت قيّمة دار أبى عيسى فقالت: يا سيّدى، قد جاءت عساليج؛ قال: تخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه. قال: فخرجت إلينا جارية شكلة حلوة حسنة العقل والهيئة والأدب فى يدها عود فسلّمت، وأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست. وغنّى القوم حتى انتهى الدّور إليها، وظننا أنها لا تصنع شيئا وخفنا أن تهابنا فتحصر، فغنّت غناء حسنا مطربا متقنا، لم تدع أحدا ممن حضر إلا غنّت صوتا من صنعته فأدّته على غاية الإحكام؛ فطربنا واستحسنّا غناءها وخاطبناها بالاستحسان؛ وألح عبد الله بن العباس من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر اليها. فقال أبو عيسى: عشقتها وحياتى يا عبد الله! فقال: لا والله يا سيّدى وحياتك ما عشقتها، ولكن استملحت كل ما شاهدته منها من منظر وشكل وعقل وعشرة وغناء. فقال له: ويحك! فهذا والله هو العشق وسببه. ورب جدّ جرّه اللعب. قال: وشربنا؛ فلما غلب النبيذ على عبد الله غنّى أهزاجا قديمة وحديثة، وغنّى فيما بينها هزجا فى شعر قاله فيها لوقته، فما فطن له إلا أبو عيسى، وهو:
نطق المكتوم منّى فبدا ... كم ترى المكتوم منّى لا يضح
سحر عينيك إذا ما رنتا ... لم يدع ذا صبوة أو يفتضح
ملكت قلبا فأمسى غلقا ... عندها صبا بها لم يسترح [١]
стр. 1579
بجمال وغناء حسن ... جلّ عن أن ينتقيه [١] المقترح
أورث القلب هموما ولقد ... كنت مسرورا بمرآه فرح
ولكم مغتبق همّا وقد ... باكر اللهو بكور المصطبح
فقال له أبو عيسى: فعلتها والله يا عبد الله، صح والله قولى لك فى عساليج وأنت تكابر حتى فضحك السّكر. فجحد وقال: هذا غناء كنت أرويه. فخلف أبو عيسى أنه ما قاله وما غنّاه إلا فى يومه؛ وقال له: احلف بحياتى أنّ الأمر ليس هو كذلك! فلم يفعل. فقال أبو عيسى: والله لو كانت لى لوهبتها لك، ولكنها لآل يحيى ابن معاذ، وو الله إن باعوها لأملّكنّك إياها ولو بكل ما أملك! ووحياتى لتنصرفنّ قبلك إلى منزلك. ثم دعا بحافظتها وخادما من خدمه فوجّه بها معهما إلى منزله.
والتوى عبد الله قليلا وتجلّد ثم انصرف. واتصل الأمر بينهما بعد ذلك فاشترتها عمته رقيّة بنت الفضل بن الربيع من آل يحيى بن معاذ، وكانت عندهم حتى ماتت.
قال: وقالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغنى أنك عشقت جارية اسمها عساليج، فأعرضها علىّ، فإما أن عذرتك أو عذلتك؛ فوجّه إليها فحضرت، وقال لبذل: هذه هى يا سيّدتى، فاسمعى وانظرى ثم مرينى بما شئت أطعك. فأقبلت عليه عساليج وقالت: يا عبد الله، أتشاور فىّ! فو الله ما شاورت فيك لمّا سحبتك.
فقالت بذل: أحسنت والله يا صبيّة! ولو لم تحسنى شيئا و [لا [٢]] كانت فيك خصلة تحمد لوجب أن تعشقى لهذه الكلمة. ثم قالت لعبد الله: ما ضيّعت، احتفظ بصاحبتك هذه.
وقال حمدون بن إسماعيل: دخلت يوما على عبد الله بن العباس الربيعىّ وخادم له يسقيه، وبيده عود وهو يغنّى:
стр. 1580
إذا أصطبحت ثلاثا ... وكان عودى نديمى
والكأس تضحك [١] ضحكا ... من كفّ ظبى رخيم
فما علىّ طريق ... لطارقات الهموم
فما رأيت أحسن مما حكى حاله فى غنائه ولا سمعت أحسن مما غنّى. ومن صنعته وشعره قوله:
صدع البين الفؤادا ... إذ به الصائح نادى
بينما الأحباب مجمو ... عون إذ صاروا فرادى
فأتى بعض بلادا ... وأتى بعض بلادا
كلما قلت تناهى ... حدثان [٢] الدّهر زادا
ذكر أخبار وجه القرعة
هو أبو جعفر محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور، ويلقّب وجه القرعة، أحد المغنّين الحذّاق الضّرّاب الرواة. أخذ الغناء عن إبراهيم الموصلىّ وطبقته. وكان حسن الأداء طيّب الصوت لا علّة فيه، إلا أنه كان إذا غنّى الهزج خاصّة خرج لا لسبب يعرف، إلا أنه [إن [٣]] تعرّض للحنين فى جنس من الأجناس فلا يصح له البتة.
وروى أبو الفرج بسنده عن محمد الهاشمىّ أنه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ عند عمه هارون بن عيسى وعنده محمد بن الحسن بن مصعب، قال: فأتانا محمد بن
стр. 1581
حمزة وجه القرعة، وكان شرس الأخلاق أبىّ النفس، وكان إذا سئل الغناء أباه، فإذا أمسك عنه كان هو المبتدئ به؛ فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتى به فغنّى:
مرّ بى سرب ظباء ... رائحات من قباء
زمرا نحو المصلّى ... يتمشّين حذائى
فتجاسرت وألقي ... ت سرابيل الحياء
وقديما كان لهوى ... وفنونى بالنساء
قال: وكان يحسنه ويجيده، فجعل إسحاق يشرب ويستعيده حتى شرب ثلاثة أرطال، ثم قال: أحسنت يا غلام! هذا الغناء لى وأنت تتقدّمنى فيه! ولا يخلق الغناء ما دام مثلك ينشأ فيه.
وقال أيضا: كنا فى البستان المعروف ببستان خالص النصرانىّ ببغداد، ومعنا محمد ابن حمزة وجه القرعة وهو يغنينا:
يا دار أقفر رسمها ... بين المحصّب والحجون
يا بشر إنى فاعلمى ... والله مجتهداً يمينى
ما إن صرمت حبالكم ... فصلى حبالى أو ذرينى
فإذا برجل راكب على حمار يؤمّنا وهو يصيح: أحسنت والله! فقلنا: أصعد إلينا كائنا من كنت؛ فصعد وقال: لو منعتمونى من الصعود لما امتنعت؛ ثم سفر اللثام عن وجهه فإذا هو مخارق. فقال: يا أبا جعفر، أعد علىّ صوتك فأعاده، وشرب رطلا من شرابنا وقال: لولا أنى مدعوّ الخليفة لأقمت عندكم واستمعت هذا الغناء الذى هو أحسن من النزهة غبّ المطر.
وله مع إسحاق بن إبراهيم ومخارق أخبار شهدا له فيها بحسن الصنعة؛ وكفاه ذلك فضلا فى صناعته.
стр. 1582
ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر [١]
قال أبو الفرج الأصفهانى: هو من أهل الرّىّ، مولى المنصور، من ولد بهرام شوبين مرزبان الرىّ. قال: وهو مرتجل قليل الصّنعة حسن الغناء والنغم بقوّة وشجا واقتدار شديد على الغناء، وكان فى زمانه أحد المعدودين فى حسن الأدب وتمام المروءة وحسن الزّىّ والآلة، وكان عظيم التّيه رفيع الهمة، وكانت له منزلة عند المأمون. قال محمد بن الحارث: كنت مع المأمون وهو يريد بلاد الروم ومعه عدّة من المغنّين، فجلس يوما والمعتصم والعباس معه من حيث لا نراهم وهم يسمعون غناءنا؛ فغنّى المغنّون جميعا وغنّيت هزجا لإسماعيل بن جامع، فبعث إلىّ المأمون بأصل شاهشفرم [٢] وقد لفّ أصله بمنديل حرير؛ فجاءنى به الغلام وقال: أعد الصوت؛ فأخذته وشممته ووثبت فأعدته قائما، ووضعت الأصل بين يدى وشربت رطلا وقلت للمغنّين: حكم لى أمير المؤمنين بالحذق والغناء. فقالوا: وكيف؟ قلت: دفع إلىّ لواء الغناء من بينكم. فقالوا: ليس كما ذكرت، ولكن حيّاك إذ أطربته، والرسول قائم فانصرف بالخبر، فما لبث أن رجع إلىّ فقال: هو كما ذكرت.
قال أبو العنبس بن حمدون: كان محمد بن الحارث أحسن خلق الله شمائل وإشارة إذا غنّى. وقال أحمد بن حمدون: صنع محمد بن الحارث [هزجا فى هذا الشعر [٣]] :
أمسيت عبدا مسترقّا ... أبكى الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبى فمن ... يبقى بلا قلب فأبقى!
стр. 1583
وطرحه على المسدود الطّنبورىّ فوقع له موقعا حسنا؛ واستحسنه محمد منه فقال:
أتحبّ أن أهبه لك؟ قال: نعم؛ قال: قد فعلت. فكان المسدود يغنّيه ويدّعيه، وإنما هو لمحمد بن الحارث.
قال محمد: لمّا قدم المأمون من خراسان لم يشتق مغنّيا بمدينة السلام غيرى.
فبعث إلىّ فكنت أنادمه سرّا، ولم يظهر للندماء حتى ظفر بإبراهيم بن المهدىّ؛ فلما عفا عنه ظهر للندماء.
ولمحمد بن الحارث شعر، منه قوله:
ومن ظنّ أنّ التّيه من فضل قدره [١] ... فإنى رأيت التيه من صغر القدر
ولو كان ذا عزّ ونفس أبيّة ... لغضّ الغنى منه وعزّ عن الفقر
رأى نفسه لا تستقلّ بحقّها ... فتاه لنقص النفس أو قلّة الشكر
ذكر أخبار أحمد بن صدقة
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: هو أحمد بن صدقة بن أبى صدقة. كان أبوه حجازيّا مغنّيا، قدم على الرشيد وغنّى له. وقد ذكرنا أخباره فى النوادر من كتابنا هذا، فلا حاجة بنا إلى إعادتها. وكان أحمد طنبوريّا محسنا مقدّما حاذقا حسن الغناء محكم الصّنعة. قال: وله غناء كثير فى الأرمال والأهزاج وما يجرى مجراها من غناء الطّنبوريّين. وكان ينزل الشأم. ووصف للمتوكل فأمر بإحضاره، فقدم عليه فغنّاه، فاستحسن غناءه وأجزل صلته. واشتهاه الناس وكثر من يدعوه؛ فكسب بذلك أكثر مما كسبه مع المتوكل أضعافا.
وروى أبو الفرج عن أحمد بن صدقة قال: اجتزت بخالد بن يزيد الكاتب، فقلت له: أنشدنى بيتين من شعرك حتى أغنّى فيهما. فقال: وأىّ حظّ لى فى ذلك!
стр. 1584
تأخذ أنت الجائزة وأحصل أنا على الإثم! فخلفت أنى إن أخذت بشعره فائدة جعلت له فيها حظّا، وأذكرت به الخليفة وسألته فيه. فقال: أمّا الحظّ من جهتك فأنت أنذل من ذلك، ولكن عسى أن تفلح فى مسئلة الخليفة؛ وأنشدنى:
تقول سلا، فمن المدنف ... ومن عينه أبدا تذرف!
ومن قلبه قلق خافق ... عليك وأحشاؤه ترجف!
فلما جلس المأمون للشرب دعانى، وكان قد غضب على حظّية له، فحضرت مع المغنّين. فلما طابت نفسه وجّهت إليه بتفّاحة من عنبر عليها مكتوب بالذهب:
«يا سيّدى سلوت» ، وما علم الله أنى عرفت شيئا من خبرهما. وانتهى الدّور إلىّ فغنيّت البيتين؛ فاحمرّ وجه المأمون وانقلبت عيناه وقال: يابن الفاعلة، لك علىّ وعلى حرمى صاحب خبر! فوثبت وقلت: يا سيّدى، ما السبب؟ قال: من أين عرفت قصّتى مع جاريتى حتى غنيّت فى معنى ما بيننا؟ فحلفت أنى لم أعرف شيئا من ذلك، وحدّثته بحديثى مع خالد، فلما انتهيت إلى قوله: «أنت أنذل من ذلك» ضحك وقال: صدق، وعجب من هذا الاتّفاق؛ وأمر لى بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها.
وروى عنه أيضا قال: دخلت على المأمون فى يوم الشعانين [١] وبين يديه عشرون وصيفة جلب روميّات مزنّرات قد تزيّنّ بالديباج الرومىّ، وعلّقن فى أعناقهن صلبانا من الذهب، وفى أيديهن الخلوص والزيتون. فقال لى المأمون: ويلك يا أحمد! قد قلت فى هؤلاء أبياتا فغنّ بها، ثم أنشدنى:
стр. 1585
ظباء كالدّنانير ... ملاح فى المقاصير
جلاهنّ الشّعانين ... علينا فى الزّنانير
وقد زرفنّ [١] أصداغا ... كأذناب الزرازير
وأقبلن بأوساط ... كأوساط الزّنابير
فحفظته وغنيّته؛ فلم يزل يشرب والوصائف يرقصن بين يديه بأنواع الرقص من الدّستبندا [٢] إلى الإيلىّ حتى سكر، وأمر لى بألف دينار، وأمر بأن ينثر على الجوارى ثلاثة آلاف دينار، فقبضت الألف ونثرت ثلاثة آلاف الدينار فانتهبتها معهنّ.
قال: ولم يزل أحمد بالعراق حتى بلغه موت بنيّة له بالشأم، فشخص نحو منزله، وخرج عليه الأعراب فأخذوا ما معه وقتلوه.
ذكر أخبار أبى حشيشة
قال أبو الفرج: أبو حشيشة لقب غلب عليه، وهو محمد بن أبى أميّة، ويكنى أبا جعفر. وكان أهله جميعا متّصلين بإبراهيم بن المهدىّ، وكان هو من بينهم يغنّى بالطّنبور أحسن الناس غناء. وخدم جماعة من الخلفاء، أوّلهم المأمون ومن بعده إلى المعتمد. قال: وكان أكثر انقطاعه إلى أبى أحمد بن الرشيد أيام حياته. وكان أبوه وجدّه وأخواله كتّابا.
قال أحمد بن جعفر جحظة فى ترجمة أبى حشيشة: وكان له صنعة تقدّم فيها كلّ طنبورىّ لا أحاشى أحدا فى ذلك. قال: فمنها:
стр. 1586
كأنّ هموم الناس فى الأرض كلّها ... علىّ وقلبى بينهم قلب واحد
ولى شاهدا عدل سهاد وعبرة ... وكم مدّع للحبّ من غير شاهد
قال جحظة: ورأيته بين يدى المعتمد على الله وقد غنّاه من شعر علىّ بن محمد ابن نصر:
حرمت بذل نوالك ... واسوءتا من فعالك!
لمّا ملكت وصالى ... آيستنى من وصالك
فوهب له مائتى دينار. قال: وغنّى يوما عند ابن المدبّر بحضرة عريب؛ فقالت له: أحسنت يا أبا جعفر! ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا (تعنى علّويه ومخارقا) .
وقال أبو الفرج: إنّ أبا حشيشة ألّف كتابا جمع فيه أخباره مع من عاشر وخدم من الخلفاء؛ قال: وهو تاب مشهور. قال: أوّل من سمعنى من الخلفاء المأمون، وصفنى له مخارق، فأمر بإشخاصى إليه، وأمر لى بألف درهم أتجهّز بها. فلما وصلت إليه أدنانى وأعجب بى؛ وقال للمعتصم: هذا أثر خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق. وذكر ما كان يشتهيه عليه كلّ خليفة، فقال: كان المأمون يشتهى من غنائى:
كان ينهى فنهى حتى [سلا [١]] ... وانجلت عنه غيايات الصّبا
خلع اللهو وأضحى مسبلا ... للنّهى فضل قميص وردا
قال: وكان المعتصم يشتهى علىّ:
أسرفت فى سوء الصّنيع ... وفتكت بى فتك الخليع
стр. 1587
وولعت بى متمرّدا ... والعذر فى طرق الولوع
صيّرت حبّك شافعا ... فأتيت من قبل الشّفيع
قال: وكان الواثق يختار من غنائى:
يا تاركى متلذّذ ال ... عذّال جذلان العداة
انظر إلىّ بعين را ... ض نظرة قبل الممات
خلّيتنى بين الوعي ... د وبين ألسنة الوشاة!
ماذا يرجّى بالحيا ... ة منغّص روح الحياة!
قال: وكان المتوكل يحبّنى ويستخفّنى، وكانت أغانيه التى يشتهيها علىّ كثيرة.
منها:
أطعت الهوى وخلعت العذارا ... وباكرت بعد المراح العقارا
ونازعك الكأس من هاشم ... كريم يحبّ عليها الوقارا
فتى فرّق الحمد أمواله ... يجرّ القميص ويرخى الإزارا
رأى الله جعفر خير الأنام ... فملّكه ووقاه الحذارا
قال: وكان المستعين يشتهى علىّ:
وما أنس لا أنس منها الخشوع ... وفيض الدّموع وغمز اليد
وخدّى مضاف إلى خدّها ... قياما الى الصبح لم نرقد
قال: واشتهى علىّ المعتمد:
قلبى يحبّك يا منى ... قلبى ويبغض من يحبّك
لأكون فردا فى هوا ... ك، فليت شعرى كيف قلبك؟
стр. 1588
قال حجظة: وكانت وفاة أبى حشيشة بسرّ من رأى. وسببها أنه اصطبح عند قلم غلام الفضل بن كاوش فى يوم بارد؛ فقال له: أنا لا آكل إلا طعاما حارّا، فأتاه بفجليّة باردة وقال: تساعدنى وتأكل معى، فأكل منها فحمد قلبه فمات.
ذكر أخبار القيان
وأوّل من غنّى من النساء ومن اشتهر بالغناء منهنّ فى الإسلام قالوا: أوّل من غنّى الغناء العربىّ جرادتا ابن جدعان. قال أبو الفرج الأصفهانىّ:
قال ابن الكلبىّ: كان لابن جدعان أمتان يسمّيان الجرادتين يغنّيان فى الجاهليّة، وسمّاهما جرادتى عباد [١] ؛ ووهبهما عبد الله بن جدعان لأميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ وكان قد امتدحه. وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب. كان سيّدا جوادا؛ فرأى أميّة ينظر الى الجرادتين وهو عنده فأعطاه إياهما. وقد قيل فى سبب إعطائه إياهما: إن أميّة بن أبى الصّلت قدم عليه؛ فقال له عبد الله: أمر ما أتى بك! فقال أميّة: كلاب غرماء قد نجتنى ونهشتنى. فقال له عبد الله: قدمت علىّ وأنا عليل وحقوق لحقتنى ولزمتنى، فأنظرنى قليلا وقد ضمنت قضاء دينك فلا أسألك عن مبلغه، قال: فأقام أميّة أياما ثم أتاه فقال:
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
تبارى الريح مكرمة ومجدا ... إدا ما الكلب أحجره الشّتاء
стр. 1589
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه [١] الثناء
إذا خلّفت عبد الله فاعلم ... بأنّ القوم ليس لهم جزاء
فأرضك كلّ مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لهم سماء
وهل تخفى السماء على بصير! ... وهل بالشمس طالعة خفاء!
فلمّا أنشده أميّة هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأميّة: خذ أيّتهما شئت، فأخذ إحداهما وانصرف [٢] ؛ فمرّ بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها، وقالوا له: لقد ألفيته عليلا، فلو رددتها عليه، فإن الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان [٣] ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حقّ ضمنه. فوقع الكلام من أميّة موقعا وندم؛ فرجع إليه ليردّها عليه. فلما أتاه بها، قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها؛ وذكر لأميّة ما قال القوم. فقال أميّة: والله ما أخطأت يا أبا زهير.
قال: فما الذى قلت فى ذلك؟ فقال:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
فقال عبد الله لأمية: خذ الأخرى؛ فأخذهما جميعا وخرج. فلما أن صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:
ومالى لا أحيّيه وعندى ... مواهب قد طلعن من النّجاد
لأبيض من بنى عمرو بن تيم ... وهم كالمشرفيّات الحداد
لكلّ قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرأس تقدم كلّ هاد
стр. 1590
عماد الخيف قد علمت معدّ ... وإنّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادى
إلى ردح من الشّيزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد
وكان سبب قول أميّة بن أبى الصلت هذا الشعر أنّ عبد الله بن جدعان وفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ؛ فسأل عنه فقيل له: هذا الفالوذ. قال: وبم يصنع؟
قيل: لباب البرّ يلبك مع عسل النحل. قال: أبغونى غلاما يصنعه؛ فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه، ثم قدم به مكة؛ فأمره أن يصنع الفالوذ ففعل، ثم وضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر، فحضره الناس. وكان فيمن حضر أميّة بن أبى الصلت فقال الأبيات. وقال فيه أيضا:
ذكر ابن جدعان بخي ... ر كلّما ذكر الكرام
من لا يخون ولا يعقّ ... ولا يبخّله الأنام
يهب النجيبة والنجي ... ب له الرّحالة والزّمام
وابن جدعان ممن ترك شرب الخمر فى الجاهليّة، وقد تقدّم ذكره. وهجاه دريد ابن الصّمّة بشعر؛ فلقيه بعد ذلك عبد الله بسوق عكاظ، فحيّاه وقال: هل تعرفنى يا دريد؟ قال لا. قال: فلم هجوتنى؟ قال: ومن أنت؟ قال: عبد الله بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت أثرا كريما فأحببت أن أضع شعرى موضعه.
فقال له عبد الله: لئن كنت هجوت لقد مدحت؛ وكساه وحمله على ناقة برحلها، فقال دريد:
إليك ابن جدعان أعملتها ... مخفّفة للسّرى والنّصب
فلا خفض حتى تلاقى امرأ ... جواد الرّضا وحليم الغضب
وجلدا إذا الحرب مرّت به ... يعين عليها بجزل الحطب
стр. 1591
وجلت البلاد فما إن أرى ... شبيه ابن جدعان وسط العرب
سوى ملك شامخ ملكه ... له البحر يجرى وعين الذهب
وأخبار ابن جدعان كثيرة وسيادته فى الجاهليّة مشهورة، ليس هذا موضع إيرادها، وإنما أوردنا ما أوردنا منها فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، فالشىء بالشىء يذكر. فلنرجع إلى أخبار القيان.
ذكر أخبار جميلة
هى جميلة مولاة بنى سليم، ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوج من موالى بنى الحارث بن الخزرج، وكان ينزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها فقيل لها: مولاة الأنصار. وقد قيل: إنها كانت لرجل من الأنصار ينزل بالسّنح.
وقيل: كانت مولاة الحجّاج بن علاط السّلمىّ. قال أبو الفرج الأصفهانىّ: وهى أصل من أصول الغناء، أخذ عنها معبد وابن عائشة وحبابة وسلّامة وعقيلة والعتيقة وغيرهم. وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطاة:
إنّ الدّلال وحسن الغنا ... ء وسط بيوت بنى الخزرج
وتلكم جميلة زين النساء ... إذا هى تزدان للمخرج
إذا جئتها بذلت ودها ... بوجه منير لها أبلج
قال: وكانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء. وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنّين. قال: وسئلت جميلة: أنّى لك هذا الغناء؟
قالت: والله ما هو إلهام ولا تعليم، ولكنّ أبا جعفر سائب خاثر كان جارنا، وكنت أسمعه يغنّى ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات وبنيت عليها غنائى، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت؛ فسمعنى مولياتى يوما وأنا
стр. 1592
أغنّى سرّا، ففهمننى ودخلن علىّ وقلن: قد علمنا ما تكتمين وأقسمن علىّ؛ فرفعت صوتى وغنيّتهن بشعر زهير بن أبى سلمى:
وما ذكرتك إلا هجت لى طربا ... إنّ المحبّ ببعض الأمر معذور
ليس المحبّ كمن إن شطّ غيّره ... هجر الحبيب، وفى الهجران تغيير
فحينئذ شاع أمرى وظهر ذكرى وقصدنى الناس وجلست للتعليم؛ فكان الجوارى يكثرن عندى، وربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئا سوى [١] ما سمعننى أطارح غيرهن، وقد كسبت لموالىّ ما لم يخطر لهم ببال، وأهل [٢] ذلك كانوا وكنت.
وقد أقرّ لجميلة كلّ مكىّ ومدنىّ من المغنّين. قال: ولما قدم ابن سريح والغريض وابن مسجح وسلم بن محرز المدينة واجتمعوا هم ومعبد وابن عائشة حكّموها بينهم؛ واجتمعوا عندها، وصنع كل منهم صوتا وغناه بحضرتها- وقد ذكر الأصفهانىّ الأصوات- فلما سمعت الأصوات قالت: كلّكم محسن مجيد فى غنائه ومذهبه.
قال ابن عائشة: ليس هذا بمقنع. قالت: أمّا أنت يا أبا يحيى فتضحك الثّكلى بحسن صوتك ومشاكلته النفوس. وأمّا أنت يا أبا عبّاد فنسيج وحده بتأليفك [٣] وحسن نظمك وعذوبة غنائك. وأمّا أنت يا أبا عثمان فلك أوّليّة هذ الأمر وفضله. وأمّا أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح. وأمّا أنت يا أبا الخطّاب فلو قدّمت أحدا على نفسى لقدّمتك. وأمّا أنت يا مولى العبلات فلو ابتدأت قدّمتك عليهم. ثم سألوها جميعا أن تغنّيهم لحنا كما غنّوا، فغنّتهم، فكلهم أقرّوا لها وفضّلوها.
وكانت جميلة قد آلت أنها لا تغنّى أحدا إلا فى منزلها. فكان عبد الله بن جعفر
стр. 1593
يأتيها فى مجلسها فيجلس عندها وتغنّيه. فأرادت أن تكفّر عن يمينها وتأتيه فتغنّيه فى بيته؛ فقال: لا أكلّفك ذلك.
وروى الأصفهانىّ أنّ ابن أبى عتيق وابن أبى ربيعة والأحوص بن محمد الأنصارىّ أتوا منزل جميلة واستأذنوا عليها فأذنت لهم. فلما جلسوا سألت عن عمر، فقال لها: إنى قصدتك من مكة للسلام عليك؛ فقالت: أهل الفضل أنت.
قال: وقد أحببت أن تفرّغى لنا نفسك اليوم وتخلى مجلسك؛ قالت: أفعل. فقال لها الأحوص: أحبّ ألّا تغنّى إلا بما نسألك؛ فقالت: ليس المجلس لك، القوم شركاؤك؛ فقال: أجل. قال عمر: فإنى أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبى عتيق: وفّقك الله. فدعت بعود فغنّت:
تمشى الهوينى إذا مشت فضلا ... مشى النّزيف [١] المخمور فى الصّعد
تظلّ من بعد بيت جارتها ... واضعة كفّها على الكبد
يا من لقلب متيّم سدم ... عان رهين مكلّم كمد
أزجره وهو غير منزجر ... عنها بطرف مكحّل السّهد
قال راوى هذه الحكاية: فلقد سمعت للبيت زلزلة وللدار همهمة. فقال عمر:
لله درّك يا جميلة! ماذا أعطيت! أنت أوّل الغناء وآخره! ثم سكتت ساعة وأخذت العود فغنّت، فطرب القوم وصفّقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحرّكوا رءوسهم، وقالوا: نحن فداؤك من المكروه، ما أحسن ما غنيّت وأجمل ما قلت!. وأحضر الغداء فتغدّى القوم بأنواع من الأطعمة ومن الفواكه، ثم دعت بأنواع الأشربة؛ فقال عمر: لا أشرب، وقال ابن أبى عتيق مثل ذلك؛ فقال الأحوص: لكنّى
стр. 1594
أشرب، وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها! فقال عمر: ليس ذاك كما ظننت.
فقالت جميلة: من شاء أن يحملنى بنفسه ويخلط روحه بروحى فعل، ومن أبى ذلك عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته. قال ابن أبى عتيق: ما يحسن بنا إلا مساعدتك. فقال عمر: إنى لا أكون أخسّكم، افعلوا ما شئتم تجدونى سامعا مطيعا. فشرب القوم أجمع؛ فغنّت بشعر ابن أبى ربيعة:
ولقد قالت لجارات لها ... كالمها يلعبن فى حجرتها
خذن عنى الظلّ لا يتبعنى ... ومضت تسعى إلى قبّتها
لم تعلّق رجلا فيما مضى ... طفلة غيداء فى حلّتها
لم يطش قطّ لها سهم ومن ... ترمه لا ينج من رميتها
فصاح عمر ثم شقّ جيب قميصه إلى أسفله، ثم ثاب اليه عقله فندم واعتذر وقال: لم أملك من نفسى شيئا. وقال القوم: قد أصابنا الذى أصابك وأغمى علينا غير أننا قد فارقناك فى تخريق الثّياب. فدعت جميلة بثياب فجعلتها على عمر فقبلها ولبسها، وانصرف القوم إلى منازلهم. وكان عمر نازلا على ابن أبى عتيق، فوجّه إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب كانت معه فقبلتها جميلة، وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا.
وروى أبو الفرج بأسانيد رفعها إلى يونس الكاتب والزبير بن بكّار عن عمه مصعب قالا: حجّت جميلة فخرج معها من الرجال المغنّين والنساء والأشراف وغيرهم جماعة ذكرهم أبو الفرج، منهم من المغنّين هنب وطويس والدّلال ومعبد ومالك بن أبى السّمح وابن عائشة ونافع الخير ونافع بن طنبورة وغير هؤلاء ممن ذكرهم؛ ومن النساء المغنّيات جماعة ذكرهنّ: منهن الفرهة وعزّة الميلاء وحبابة وسلّامة وخليدة وعقيلة والشّماسيّة وفرعة ونبيلة ولذّة العيش وسعيدة والزّرقاء؛ ومن غير المغنّين من
стр. 1595
الأشراف ابن أبى عتيق والأحوص وكثيّر عزّة ونصيب؛ وجماعة من الأشراف الرجال والنساء. وحج معها من القيان مشيّعات لها ومعظّمات لقدرها خمسون قينة وجّه بهنّ مواليهنّ معها وأعطوهنّ النفقات وحملوهنّ على الإبل فى الهوادج والقباب وغير ذلك؛ فأبت جميلة أن تنفق واحدة منهنّ درهما فما فوقه حتى يرجعن. قال: وتخاير من خزج معها فى اتخاذ أنواع اللّباس العجيب والهوادج والقباب. قال: ولما قاربوا مكة تلقّاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليّون وجماعة من المغنّين من أهل مكة وفتيان كثير [١] ؛ ومن غير المغنّين عمر بن أبى ربيعة والحارث ابن خالد المخزومىّ والعرجىّ وجماعة من الأشراف. فدخلت جميلة مكة وما بالحجاز مغنّ حاذق ولا مغنيّة إلا وهو معها وجماعة من الأشراف [ممن سمّينا وغيرهم من الرجال والنساء، وخرج أبناء أهل مكة من [٢]] الرجال والنساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم. فلما قضت حجّها سألها المكيّون أن تجعل لهم مجلسا؛ فقالت: للغناء أم للحديث؟ فقالوا: لهما جميعا. قالت: ما كنت لأخلط جدّا بهزل، وأبت أن تجلس للغناء. فقال عمر بن أبى ربيعة: أقسمت على من كان فى قلبه حبّ لسماع غنائها إلا خرج معها إلى المدينة، فإنى خارج معها. فخرجت فى جمع كثير من الأشراف وغيرهم أكثر من جمعها بالمدينة. فلما قدمت المدينة تلقّاها الناس والأشراف من الرجال والنساء، فدخلت بأحسن مما خرجت منها، وخرج الرجال والنساء فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها. فلما دخلت إلى منزلها وتفرّق الناس إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم، أتاها الناس مسلّمين، وما استنكف من ذلك صغير ولا كبير. فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء، وقالت لعمر بن أبى ربيعة: إنى جالسة لك ولأصحابك، فإذا شئت فعد الناس.
стр. 1596
فغصّت الدار بالأشراف من الرجال والنساء، وابتدأت جميلة فغنّت بشعر لعمر بن أبى ربيعة:
هيهات من أمة الرّحمن منزلنا [١] ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتلّ أهلك أجيادا فليس لنا [٢] ... إلا التّذكّر أو حظّ [٣] من الحزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبرته ... وقد تغرّد قمرىّ على فنن
إذا رأت غير ما ظنّت بصاحبها ... وأيقنت أنّ لحجا ليس من وطنى
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها ... وموقفى وكلانا ثمّ ذو شجن
وقولها للثّريّا وهى باكية ... والدمع منها على الخدّين ذو سنن
بالله قولى له من غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث فى اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت [٤] بها ... فما أصبت بترك الحج من ثمن
فكلهم استحسن الغناء، وضجّ القوم لحسن ما سمعوا، وبكى عمر حتى جرت دموعه على ثيابه ولحيته. ثم أقبلت على ابن سريج فقالت: هات، فغنّى صوته بشعر لعمر:
أليست بالّتى قالت ... لمولاة لها ظهرا
أشيرى بالسّلام له ... إذا ما نحونا نظرا
وقولى فى ملاطفة ... لزينب نولّى عمرا
وهذا سحرك النّسوا ... ن قد خبّرننى الخبرا
стр. 1597
ثم قالت لسعيد بن مسجح: هات يا أبا عثمان، فاندفع فغنّى. ثم قالت: يا معبد هات، فاندفع فغنّى فاستحسنته. ثم قالت: هات يابن محرز، فإنى لم أؤخّرك لخساسة بك ولا جهلا بالذى يجب فى [١] الصناعة، ولكنى رأيتك تحبّ من الأمور كلّها أوسطها وأعدلها. فجعلتك حيث تحب واسطة بين المكيّين والمدنيّين، فغنّى. ثم قالت للغريض: هات يا مولى العبلات؛ فغنّى بشعر عمرو بن شأس الأبيات، وفى آخرها:
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمرى بالهوان فقد ظلم
فقالت: أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن، إذ أفسدت غناءك بالتعريض، وو الله ما وضعناك إلا موضعك ولا نقصناك من حظّك، فبماذا أهنّاك! ثم أقبلت على الجماعة فقالت: يا هؤلاء اصدقوه وعرّفوه نفسه ليقنع [٢] بمكانه. فأقبل القوم عليه وقالوا: يا أبا زيد، قد أخطأت إن كنت عرّضت. فقال: قد كان ذلك، ولست بعائد؛ وقام إلى جميلة فقبّل طرف ثوبها واعتذر، فقبلت عذره وقالت: لا تعد، وأقبلت على ابن عائشة فقالت: يا أبا جعفر، هات، فغنّى، فقالت: حسن ما قلت.
ثم أقبلت على نافع وبديح فقالت: أحبّ أن تغنيّا جميعا بصوت ولحن واحد، فغنيا. ثم أقبلت على الهذلّيين الثلاثة فقالت: غنّوا صوتا واحدا، فاندفعوا فغنّوا.
ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت: هات يا نقش الغضارة ويا حسن اللسان؛ فاندفع فغنّى، فقالت: حسن والله. ثم قالت: يا مالك هات، فإنى لم أؤخّرك لأنك فى طبقة آخرهم، ولكن أردت أن أختم بك، يومنا تبرّكا بك، وكى يكون أوّل مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه؛ فإنك عندى ومعبدا فى طريقة واحدة ومذهب واحد،
стр. 1598
لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل للحق، والحقّ أقول، فمن شاء أن ينكر؛ فسكت القوم كلهم إقرارا بما قالت. فاندفع فغنّى:
عدوّ لمن عادت وسلم لسلمها ... ومن قرّبت سلمى أحبّ وقرّبا
هبينى امرأ إمّا بريئا ظلمته ... وإمّا مسيئا تاب بعد وأعتبا
أقول التماس العذر لمّا ظلمتنى ... وحمّلتنى ذنبا وما كنت مذنبا
ليهنك إشمات العدوّ بهجرنا ... وقطعك حبل الودّ حتى تقضّبا
فقالت جميلة: يا مالك، ليت صوتك قد دام لنا ودمنا له! وقطعت المجلس، وانصرف عامّة الناس وبقى خواصّهم. قال: ولما كان فى اليوم الثانى حضر القوم جميعا. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النّعيم، فغنّى:
قد طال ليلى وعادنى طربى ... من حبّ خود كريمة الحسب
غرّاء مثل الهلال آنسة ... أو مثل تمثال صورة الذّهب
صادت فؤادى بجيد مغزلة ... ترعى رياضا ملتفّة العشب
فقالت جميلة: حسن والله يا أبا عبد النعيم. ثم قالت للدّلال: هات يا أبا يزيد، فغنّى، فاستحسنت غناءه. ثم قالت لهنب: إنا نجلّك اليوم لكبر سنّك ورقّة عظمك؛ فقال: أجل. ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضّحى: هاتيا جميعا لحنا واحدا، فغنيّا، فقالت: أحسنتما. ثم قالت لفند وزجة [١] وهبة الله: هاتوا جميعا صوتا واحدا، إنكم متفقون فى الأصوات؛ فاندفعوا فغنّوا. ثم غنّت جميلة بشعر الأعشى:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلّت الغور فالجدّين فالفرعا
واستنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا
стр. 1599
تقول بنتى وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبى الأوصاب والوجعا
وكان شىء إلى شىء فغيّره ... دهر ملحّ على تفريق ما جمعا
قال: فلم يسمع شىء أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها فى اليوم؛ وقطعت المجلس وانصرف قوم وأقام آخرون. فلما كان فى اليوم الثالث اجتمع الناس فضربت ستارة وأجلست الجوارى، فضربن كلّهنّ، وضربت هى فضربت على خمسين وترا فزلزلت الدار. ثم غنّت على عودها وهنّ يضربن على ضربها:
فإن خفيت كانت لعينك قرّة ... وإن تبد يوما لم يعمّمك عارها
من الخفرات البيض لم تر غلظة ... وفى الحسب الضّخم الرفيع نجارها
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من فيها إذا جئت موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطيب نارها
فدمعت أعين كثير منهم حتى بلّوا ثيابهم وتنفّسوا الصّعداء، وقالوا: بأنفسنا أنت يا جميلة! ثم قالت للجوارى: اكففن فكففن؛ وقالت: يا عزّ غنّى، فغنّت بشعر لعمر:
تذكّرت هندا وأعصارها ... ولم تقض نفسك أوطارها
تذكّرت النفس ما قد مضى ... وهاجت على العين عوّارها
لتمنح رامة منّا الهوى ... وترعى لرامة أسرارها
إذا لم نزرها حذار العدا ... حسدنا على الزّور زوّارها
فقالت جميلة: يا عزّ، إنك لباقية على الدهر، فهنيئا لك حسن هذا الصوت مع جودة هذا الغناء. ثم قالت لحبابة وسلّامة: هاتيا لحنا واحدا، فغنّتا فاستحسن غناؤهما. ثم أقبلت على خليدة فقالت: بنفسى أنت! غنّى فغنّت، فاستحسن منها
стр. 1600
ما غنّت. ثم قالت لعقيلة والشّمّاسيّة: هاتيا، فغنّتا. ثم قالت لفرعة ونبيلة ونديمة ولذة العيش هاتين، فغنّين، فقالت: أحسنتنّ. وقالت لسعيدة والزّرقاء: غنيا، فغنّتا. ثم قالت للجماعة فغنّوا؛ وانقضى المجلس وعاد كل إنسان إلى وطنه. فما رئى مجلس ولا جمع أحسن من هذه الأيام الثلاثة. وقد ذكر أبو الفرج ما غنّى به كل واحد منهم فأوردنا بعضه وتركنا بعضه اختصارا. وأخبار جميلة كثيرة، قد ذكر منها أبو الفرج الأصفهانىّ جملة تدلّ على أنها كانت مبجّلة عند الأشراف معظّمة عند المغنّين؛ يأخذون عنها ويأتمرون بأمرها، ويسعون إليها، وينطقون إذا استنطقتهم، ويكفّون إذا استكفّتهم؛ وفيما قدّمناه دلالة على ذلك والله أعلم.
ذكر أخبار عزّة الميلاء
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: كانت عزّة مولاة للأنصار، ومسكنها المدينة، وهى أقدم من غنّى الغناء الموقع من نساء الحجاز، وماتت قبل جميلة. قال: وقد أخذ عنها معبد ومالك بن أبى السّمح وابن محرز وغيرهم من المكيّين والمدنيّين. وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهنّ جسما. وسمّيت الميلاء لتمايلها فى مشيتها.
وقال معبد: كانت من أحسن النساء ضربا [١] بعود، مطبوعة على الغناء، لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغنّى أغانى القيان القدماء [٢] مثل شيرين وزرياب وخولة والرّباب وسلمى ورائقة [٣] ؛ وكانت رائقة أستاذتها. فلما قدم نشيط وسائب؛
стр. 1601
خاثر المدينة غنيّا أغانى بالفارسيّة [١] ، فأخذت عزّة عنهما نغما وألّفت [٢] عليها ألحانا عجيبة؛ فهى أوّل من فتن أهل المدينة بالغناء وحرّض رجالهم ونساءهم عليه.
وقال الزّبيرىّ. وجدت مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزّة قالوا: لله درّها! ما كان أحسن غناءها، وأطلّ صوتها، وأندى حلقها، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهى، وأجمل وجهها، وأظرف لسانها، وأقرب مجلسها، وأكرم خلقها، وأسخى نفسها، وأحسن مساعدتها!. وكانت جميلة تقول مثل ذلك فيها.
وكان ابن سريح فى حداثة سنّه يأتى المدينة فيأخذ عنها ويتعلّم منها؛ وكان بها معجبا، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المتفضّلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء.
وكان ابن محرز يقيم بمكة ثلاثة أشهر ثم يأتى المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزّة، وكان يأخذ عنها. وقد تقدّم ذلك فى أخباره.
وكان طويس أكثر ما يأوى إلى منزل عزّة، وكان فى جوارها، وكان إذا ذكرها يقول: هى سيّدة من غنّى من النساء، مع جمال بارع، وخلق فاضل، وإسلام لا يشوبه دنس؛ تأمر بالخير وهى من أهله، وتنهى عن الشرّ وهى تجانبه، فناهيك بها! ما كان أنبلها وأنبل مجلسها!. ثم قال: كانت إذا جلست جلوسا عامّا فكأنّ الطير على رءوس أهل مجلسها، فمن تكلّم أو تحرّك نقر رأسه.
وقال صالح بن حسّان الأنصارىّ: كانت عزّة مولاة لنا، وكانت عفيفة جميلة.
وكان عبد الله بن جعفر وابن أبى عتيق وعمر بن عبد الله بن أبى ربيعة يغشونها
стр. 1602
فى منزلها فتغنّيهم. وغنّت عمر بن أبى ربيعة لحنا لها فى شىء من شعره، فشقّ ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها. فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطّاب؛ قال: إنى سمعت والله ما لم أملك معه نفسى ولا عقلى.
وكان حسّان بن ثابت معجبا بها، وكان يقدّمها على سائر قيان المدينة. وقد ذكرنا خبرها مع النعمان بن بشير وحسّان بن ثابت، وأن كلّ واحد منهما سمع غناءها، فبكى حسّان بن ثابت واستعاد النعمان بن بشير صوتها مرارا؛ وتقدّم أيضا من أخبارها فى خبر عائشة بنت طلحة وأخبار جميلة ما يستغنى عن إعادته فى هذا الموضع. فلنذكر من سواها.
ذكر أخبار سلّامة القسّ
كانت سلّامة القسّ هذه مولّدة من مولّدات المدينة، وبها نشأت، وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبى السّمح ومن دونهم، فمهرت فيه.
وإنما سمّيت سلّامة القسّ لأنّ رجلا يعرف بعبد الرحمن بن أبى عمّار بن جشم بن معاوية- وكان منزله بمكة، وهو من قرّاء أهل المدينة، كان يلقّب بالقسّ لعبادته- شغف بها وشهر بحبها. وكان سبب ذلك أنه سمع غناءها على غير تعمّد منه فبلغ منه كلّ مبلغ. فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى. فقال له مولاها:
أنا أقعدها حيث تسمع غناءها ولا تراها. فلم يزل به حتى دخل، فأسمعه غناءها فأعجبه. فقال: هل لك أن أخرجها إليك؟ قال لا. فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فغنّت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك أهل مكة. فقالت له يوما: أنا والله أحبّك. فقال: وأنا والله الذى لا إله إلا هو أحبّك. فقالت:
والله أشتهى أن أعانقك وأقبّلك. فقال: والله وأنا أشتهى مثل ذلك. قالت:
стр. 1603
وأشتهى والله أن أضاجعك وأضع بطنى على بطنك وصدرى على صدرك قال:
وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ والله إنّ المكان لخال. قال:
يمنعنى منه قول الله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
، فأنا أكره أن تحول مودّتى إياك عداوة يوم القيامة. ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النّسك، ولم يعد إليها بعد ذلك. وكان يشبّه بعطاء بن أبى رباج.
وله فيها أشعار كثيرة، منها قوله:
إنّ التى طرقتك بين ركائب ... تمشى بمزهرها وأنت حرام
لتصيد قلبك أو جزاء مودّة ... إنّ الرّفيق له عليك ذمام
باتت تعلّلنا وتحسب أننا ... فى ذاك أيقاظ ونحن نيام
حتى إذا سطع الضياء لناظر ... فإذا وذلك [١] بيننا أحلام
قد كنت أعذل فى السّفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتى به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم أنما ... سبل الضّلالة والهدى أقسام
وقوله أيضا فيها:
ألم ترها- لا يبعد الله دارها- ... إذا رجّعت فى صوتها كيف تصنع!
تمدّ نظام القول ثم تردّه ... إلى صلصل من صوتها يترجّع
وقوله فيها:
ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلّامة اليوم مقصر
ألا ليت أنّى حيث صارت بى النّوى ... جليس لسلمى كلّما عجّ مزهر
стр. 1604
وله من قصيدة طويلة أوّلها:
سلّام هل لى منكم ناصر ... أم هل لقلبى عنكم زاجر
قد سمع الناس بوجدى بكم ... فمنهم اللائم والعاذر
فى أشعار كثيرة يطول الشرح بذكرها. ومدحها الأحوص أيضا بشعر كثير.
وقال فيها أيضا ابن قيس الرّقيّات.
وروى أبو الفرج الأصفهانىّ قال: كانت سلّامة وريّا أختين، وكانتا من أجمل النساء وأحسنهنّ غناء؛ فاجتمع الأحوص وابن قيس الرقيّات عندهما. فقال لهما ابن قيس الرقيّات: إنى أريد أن أمدحكما بأبيات فأصدق فيها و [لا [١]] أكذب.
فإن أنتما غنيّتمانى بذلك وإلّا هجوتكما ولم أقربكما أبدا. قالتا: فما قلت؟ قال: قلت:
لقد فتنت ريّا وسلّامة القسّا ... فلم يتركا للقسّ عقلا ولا نفسا
فتاتان أمّا منهما فشبيهة ال ... هلال وأخرى منهما تشبه الشمسا
تكنّان أبشارا رقاقا وأوجها ... عتاقا وأطرافا مخضّبة ملسا
فغنّته سلّامة فاستحسنه. وقال ابن قيس الرقيّات للأحوص: يا أخا الأنصار، ما قلت؟ قال قلت:
سلّام هل لمتيّم تنويل ... أم قد صرمت وغال ودّك غول
لا تصرمى عنّى ولاءك إنه ... حسن لدىّ وإن بخلت جميل
أزعمت أنّ مودّتى وصبابتى ... كذب وأنّ زيارتى تقليل [٢]
فغنّت الأبيات. فقال ابن قيس الرقيّات: أحسنت والله! ما أظنك إلا عاشقة لهذا الجلف. فقال له الأحوص: وما الذى أخرجك إلى هذا؟ قال: حسن غنائها
стр. 1605
بشعرك، فلولا أنّ لك فى قلبها محبّة مفرطة ما جاء هكذا [١] حسنا على هذه البديهة.
فقال الأحوص: على قدر حسن شعرى على شعرك هكذا حسن الغناء به. وما هذا [منك] [٢] إلا حسد، وليس ذلك إلا ما حسدت عليه. فقالت سلّامة: لولا أنّ الدخول بينكما يوجب بغضة لحكمت بينكما حكومة لا يردّها أحد. قال الأحوص: فأنت [من ذلك [٢]] آمنة. قال ابن قيس الرقيّات: كلّا! قد أمنت أن تكون الحكومة عليك، فلذلك سبقت بالأمان لها. فتفرّقا على ذلك. ثم مشى ابن قيس الرقيّات إلى الأحوص فاعتذر إليه فقبل عذره. ومن شعر الأحوص فيها:
سلّام إنّك قد ملكت فأسجحى ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى على عان أطلت عناءه ... فى الغلّ عندك والعناة تسرّح
إنّى لأنصحكم وأعلم أنه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح
وإذا شكوت إلى سلامة حبّها ... قالت أجدّ منك ذا أم تمزح
وحكى أبو الفرج قال: لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّى المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك قد وليت المدينة على كثرة من الفساد؛ فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء والرّثاء [٣] . فصاح فى ذلك وأجّل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبى عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم فقال: لا أدخل منزلى حتى أدخل على سلّامة القسّ.
فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلى حتى جئتكم لأسلّم عليكم. فقالوا: ما أغفلك عن أمرنا! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا علىّ الليلة. فقالوا: نخاف ألّا يمكنك شىء.
стр. 1606
قال: إن خفتم شيئا فاخرجوا فى السحر. ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيّان فأذن له، فسلّم عليه وذكر غيبته وأنه جاء ليقضى حقّه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والرّثاء، وقال: أرجو ألّا تكون [عملت [١]] عملا هو خير لك من ذلك. قال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار علىّ به أصحابك. فقال: قد أصبت، ولكن ما تقول فى امرأة كانت هذه صناعتها وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأنا رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأعوذ بك أن تخرجنى من جوار رسول الله ﷺ ومسجده؛ قال قال: فإنى أدعها لك ولكلامك. فقال ابن أبى عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغى أن يترك تركتها؛ قال نعم فجاءه بها. وقال:
احملى معك سبحة وتخشّعى ففعلت. فلما دخلت على عثمان سلّمت عليه وجلست وحدّثته، فإذا هى من أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها؛ وحدّثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك فقال ابن أبى عتيق: اقرئى للأمير. فقرأت؛ فقال لها: احدى ففعلت.
وكثر عجبه منها. فقال: كيف لو سمعتها فى صناعتها! فلم يزل ينزله شيئا فشيئا حتى أمرها بالغناء فغنّته. فقام عثمان من مجلسه وقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذه تخرج. فقال ابن أبى عتيق: لا يدعك الناس تقرّ سلّامة وتخرج غيرها. قال:
فدعوهم جميعا. فتركهم جميعا وأصبح الناس يتحدّثون بذلك.
ثم اشترى يزيد بن عبد الملك سلّامة، وكانت لمصعب بن سهيل الزّهرىّ، وقيل: لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف. وكانت حبابة جارية آل لاحق؛ فاشتراهما جميعا؛ فاشترى سلّامة بعشرين ألف درهم، وتسلّمها رسل يزيد فخرجوا بها وشيعّها
стр. 1607
الناس. فلما نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك قالت للرّسل: إنّ لى قوما كانوا يغشوننى ويسلّمون علىّ، ولا بدّ لى من وداعهم والسلام عليهم؛ فأذن للناس عليها، فأتوا حتى ملؤا رحبة القصر والفناء؛ ووقفت هى بينهم بارزة ومعها العود فغنّت:
فارقونى وقد علمت يقينا ... ما لمن ذاق ميتة من إياب
إنّ أهل الحصاب قد تركونى ... موزعا مولعا بأهل الحصاب
أهل بيت تتايعوا [١] للمنايا ... ما على الدّهر بعدهم من عتاب
كم بذاك الحجون من حىّ صدق ... من كهول أعفّة وشباب
سكنوا الجزع جزع بيت أبى مو ... سى إلى النخل من صفىّ السّباب
فلى الويل بعدهم وعليهم ... صرت فردا وملّنى أصحابى
قال: فلم تزل تردّد هذا الصوت حتى راحت، وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها؛ فما شئت أن ترى باكيا نبيلا إلا رأيته.
قالوا: وكانت حبابة عند يزيد متقدّمة على سلّامة، وكانت حبابة تنظر الى سلّامة بتلك العين الجليلة المتقدّمة وتعرف فضلها عليها؛ فلما رأت أثرة يزيد لها ومحبّته إيّاها استخفّت بها. فقالت لها سلّامة: أى أخيّة، نسيت فضلى عليك! ويلك! أين تأديب الغناء! أين حق التعليم! أنسيت قول جميلة لك وهى تطارحنا:
خذى إحكام ما أطارحك من أختك سلّامة، فلا تزالين بخير ما بقيت لك وكان أمركما مؤتلفا!. فقالت: صدقت والله لا عدت لشىء تكرهينه أبدا. وماتت حبابة وعاشت سلّامة بعدها دهرا.
стр. 1608
ولما مات يزيد أحضرها ابنه الوليد وأمرها بالغناء، فتنغصّت من ذلك وبكت، ثم غنّته. فقال: رحم الله أبى وأطال عمرى وأمتعنى بحسن غنائك!. يا سلّامة، بم كان أبى يقدّم حبابة عليك؟ قالت: لا أدرى والله. قال: لكننى أدرى ذلك، بما قسم الله لها. قالت: يا سيّدى أجل. وهى إحدى من اتّهم بهنّ الوليد من جوارى أبيه.
ذكر أخبار حبابة
كانت حبابة جارية مولّدة من مولّدات المدينة لرجل من أهلها يعرف بابن دبابة، [١] وقيل: بل كانت لآل لا حق المكيّين، وقيل: كانت لرجل يعرف بابن مينا.
وكانت تسمّى العالية [٢] ، فسماها يزيد بن عبد الملك لما اشتراها حبابة. وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء طيّبة الصوت ضاربة بالعود. أخذت الغناء عن ابن سريج وابن محرز ومالك بن أبى السّمح ومعبد وعن جميلة وعزّة الميلاء.
وكان يزيد بن عبد الملك يقول: ما تقرّ عينى بما [٣] أوتيت من الخلافة حتى أشترى سلّامة جارية مصعب بن سليم وحبابة جارية ابن لاحق المكيّة. فأرسل فاشتريتا له. فلما اجتمعتا عنده قال: أنا الآن كما قال الأوّل:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وكان يزيد بن عبد الملك فى خلافة أخيه سليمان قد قدم المدينة فتزوّج سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان على عشرين ألف دينار، وربيحة بنت محمد بن على ابن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على مثل ذلك، واشترى العالية [٢] بأربعة آلاف
стр. 1609
دينار. فبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجرنّ عليه. فبلغ يزيد ذلك فاستقال مولى حبابة؛ ثم اشتراها بعد ذلك رجل من أهل إفريقية. فلما ولى يزيد اشترتها سعدة امرأته وعلمت أنه لا بدّ طالبها ومشتريها. فلما حصلت عندها قالت له: هل بقى عليك شىء من الدنيا لم تنله؟ قال: نعم، العالية. قالت: أو رأيتها؟ قال نعم. قالت:
أفتعرفها؟ قال نعم. فرفعت الستر فرآها، فقالت: هذه هى؟ قال نعم؛ قالت:
هى لك، وخرجت عنهما. فسمّاها حبابة وعظم قدر سعدة عنده. ويقال: إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن توطّئ لابنها عنده فى ولاية العهد.
قال: وارتفع قدر حبابة عند يزيد وتمكّن حبّها فى قلبه تمكنا عظيما. وكان أوّل ذلك أنه أقبل يوما الى البيت الذى هى فيه فقام من وراء الستر فسمعها تترنّم وتغنّى:
كان لى يا يزيد حبّك حينا ... كاد يقضى علىّ لمّا التقينا
فرفع الستر فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذلك لمكانه؛ فألقى نفسه عليها وحرّكت منه.
قال: وأراد يزيد بن عبد الملك أن يتشبّه بعمر بن عبد العزيز، وقال: بماذا صار عمر أرجى لربه منى!. وقيل: بل لامه مسلمة بن عبد الملك على الإلحاح على الغناء والشرب، وقال له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الإماء عن النظر فى الأمور، والوفود ببابك وأصحاب الظّلامات يصيحون وأنت غافل! قال: صدقت والله، وهمّ أن يترك الشرب، ولم يدخل على حبابة أياما، فشقّ ذلك عليها فأرسلت الى الأحوص أن يقول أبياتا فى ذلك، فقال:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
بكيت الصّبا جهدى فمن شاء لامنى ... ومن شاء آسى فى البكاء وأسعدا
стр. 1610
وإنّى وإن فنّدت فى طلب الصّبا ... لأعلم أنّى لست فى الحبّ أوحدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
قال: فلما كان فى يوم الجمعة تعرّضت له حبابة عند خروجه الى الصلاة، فلقيته والعود فى يدها، فغنّت البيت الأوّل، فغطى وجهه وقال: مه لا تفعلى. ثم غنّت «وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى» فعدل إليها وقال: صدقت، قبّح الله من لامنى فيك! يا غلام، مر مسلمة فليصلّ بالناس. وأقام معها يشرب وهى تغنيّه وعاد الى حاله، وقال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: الأحوص. فاستدعاه واستنشده الشعر فأنشده الأبيات. ثم أنشده قصيدته التى أوّلها:
يا موقد النّار بالعلياء من إضم ... أوقد فقد هجت شوقا غير منصرم
وهى قصيدة طويلة، فقال له يزيد: ارفع حوائجك؛ فكتب إليه فى نحو أربعين ألف درهم من دين وغيره فأمر له بها. وقد قيل فى أمر هذه الأبيات:
إن حبابة لمّا بعثت الى الأحوص فى عمل الشعر قالت له: إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل الأحوص عليه واستأذنه فى الإنشاد؛ فقال:
ليس هذا وقتك. فلم يزل به حتى أذن له فأنشده الأبيات. فلما سمعها وثب حتى دخل على حبابة وهو يتمثّل:
وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
قالت: ما ذاك [١] يا أمير المؤمنين؟ فقال: أبيات أنشدنيها الأحوص، فسلي ما شئت. قالت: ألف دينار تعطيها الأحوص؛ فأعطاه ألف دينار.
стр. 1611
قال: وقال يزيد يوما لسلّامة وحبابة: أيّكما غنّتنى ما فى نفسى فلها حكمها.
فغنّت سلّامة فلم تصب ما فى نفسه؛ وغنّت حبابة بشعر ابن قيس الرّقيّات:
حلق من بنى كنانة حولى ... بفلسطين يسرعون الرّكوبا
جزعت [١] أن رأت مشيبى عرسى ... لا تلومى ذوائبى أن تشيبا
فأصابت ما فى نفسه، فقال: احتكمى. قالت: تهب لى سلّامة ومالها. قال:
اطلبى غيرها؛ فأبت غيرها؛ فقال: أنت أولى بها ومالها، فلقيت سلّامة من ذلك أمرا عظيما. فقالت حبابة: لا ترين إلّا خيرا. فجاءها يزيد فسألها أن تبيعه إيّاها بحكمها. فقالت: أشهدك الآن أنها حرّة، فاخطبها الآن أزوّجك مولاتى.
قال: وغنّت حبابة يوما يزيد:
ما أحسن الجيد من مليكة والّ ... لبّات إذ زانها ترائبها
يا ليتنى ليلة- إذا هجع النا ... س ونام الكلاب- صاحبها
فى ليلة لا يرى بها أحد ... يسعى علينا إلّا كواكبها
فطرب يزيد، وقال: هل رأيت قطّ أطرب منّى؟ قالت: نعم، ابن الطيار معاوية ابن عبد الرحمن بن جعفر. فكتب يزيد الى عبد الرحمن بن الضحّاك فحمله إليه.
فلما قدم أرسلت إليه حبابة: إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته بالقصة؛ فإذا أدخلت عليه وتغنّيت فلا تظهرنّ طربا حتى أغنّى الصوت الذى غنيّته؛ فقال: سوءة على كبر السنّ! فدعاه يزيد وهو على طنفسة خزّ، ووضع لمعاوية مثلها، وجاءوا بجامين فيهما مسك، فوضع أحدهما بين يدى يزيد والآخر بين يدى معاوية. قال معاوية:
فلم أدر كيف أصنع، فقلت: أنظر كيف يصنع فأصنع مثله؛ فكان يقلّبه فتفوح
стр. 1612
ريحه وأفعل مثل ذلك. فلما جىء بحبابة وغنّت، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور ويقول: الدّخن بالنّوى يعنى اللّوبيا! وأمر له يزيد بصلات فى دفعات مبلغها ثمانية آلاف دينار.
وحكى أيضا أنها غنّت يوما يزيد فطرب، ثم قال: هل رأيت أطرب منّى؟
قالت: نعم، مولاى الذى باعنى. فغاظه ذلك، فكتب فى حمله مقيّدا. فلما وصل أمر يزيد بإدخاله عليه فأدخل يرسف فى قيوده، وأمر يزيد حبابة أن تغنّى فغنّت:
تشطّ بنا دار جيراننا ... وللدّار بعد غد أبعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فاحترقت لحيته، وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد وقال: لعمرى إن هذا لأطرب [١] الناس! وأمر بحلّ قيوده ووصله بألف دينار ووصلته حبابة، وردّه الى المدينة.
وروى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده الى غانم الأزدىّ قال: نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشأم ومعه حبابة، فقال: زعموا أنه لا يصفو لأحد يوما عيشه الى الليل لا يكدّره شىء عليه، وسأجرّب ذلك؛ ثم قال لمن معه: إذا كان غد لا تخبرونى بشىء ولا تأتونى بكتاب. وخلا هو وحبابة، فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمّانة فشرقت بحبّة منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتى تغيّرت وأنتنت وهو يشمّها ويرشفها. فعاتبه على ذلك ذووه وأقر باؤه وصديقه وعابوا عليه ما يصنع، وقالوا:
قد صارت جيفة بين يديك، فأذن لهم فى غسلها ودفنها، فأخرجت فى نطع، وخرج معها لا يتكلّم حتى جلس على قبرها. فلما دفنت قال: أصبحت والله كما قال كثيّر:
стр. 1613
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتّجلّد
وكلّ خليل راءنى فهو قائل ... من اجلك هذا هامة اليوم أو غد
فما بقى إلا خمس عشرة ليلة ومات، فدفن الى جنبها.
وروى أيضا عن مسلمة بن عبد الملك قال: لمّا ماتت حبابة جزع عليها يزيد، فجعلت أسكّنه وأعزّيه وهو ضارب بذقنه على صدره ما يكلّمنى حتى دفنها. فلمّا بلغ إلى بابه التفت إلىّ وقال: فإن تسل عنك النفس ... البيت، ثم دخل بيته فمكث أربعين يوما ثم هلك.
قال: وروى المدائنىّ أنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إيّاها؛ فقال:
لا بدّ أن تنبش حتى أنظر إليها، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيّرت تغيّرا قبيحا، فقيل له: يا أمير المؤمنين، اتّق الله تعالى! ألا تراها كيف صارت! فقال: ما رأيت قطّ أحسن منها اليوم، أخرجوها. فجاء مسلمة ووجوه أهله [١] ، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها؛ وانصرف، وكمد كمدا شديدا حتى مات، فدفن إلى جانبها.
وروى عن عبد الله بن عروة بن الزّبير قال: خرجت مع أبى إلى الشأم زمن يزيد بن عبد الملك. فلما ماتت حبابة وأخرجت، لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشى، فحمل على منبر على رقاب الرجال. فلمّا دفنت قال: لم أصلّ عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: ننشدك الله يا أمير المؤمنين، إنما هى أمة من الإماء وقد واراها الثرى. فلم يأذن للناس بعد حبابة إلا مرّة واحدة؛ قال: فو الله ما استتمّ دخول الناس حتى قال الحاجب: اخرجوا رحمكم الله. ولم ينشب يزيد أن مات كمدا.
стр. 1614
ذكر أخبار خليدة المكّيّة
قال أبو الفرج: هى مولاة لابن شمّاس، كانت هى وعقيلة وربيحة يعرفن بالشّمّاسيّات. وقد أخذت الغناء عن ابن سريج ومالك ومعبد.
وروى أبو الفرج بسنده إلى الفضل بن الربيع أنه قال: ما رأيت ابن جامع يطرب لغناء كما يطرب لغناء خليدة المكيّة. وكانت سوداء، وفيها يقول الشاعر:
فتنت كاتب الأمير رباح ... يا لقومى خليدة المكّيّه
وغنّت هشام بن عروة يوما، فلما سمعها قال: اكتبى على صدرك (قل هو الله أحد) وبين يديك المعوّذتين لا تصيبك العين.
وقال عمر بن شبّة: بلغنى أنّ محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان أرسل إلى خليدة المكيّة أبا عون مولاه يخطبها عليه. فاستأذن فأذنت له وعليها ثياب رقاق لا تسترها، ثم وثبت فقالت: إنما ظننتك بعض سفهائنا، ولكنّنى ألبس لك ثياب مثلك ففعلت. وقال: قد أرسلنى إليك مولاى، وهو من تعلمين من رسول الله ﷺ ومن عثمان بن عفّان ومن علىّ وهو ابن عمّ أمير المؤمنين، يخطبك. قالت: قد نسبت فأبلغت، فاسمع نسبى أنا بأبى [أنت] [١] ! إن أبى بيع على غير عقد الإسلام ولا عهده، فعاش عبدا ومات فى رجله قيد وفى عنقه سلسلة على الإباق والسّرقة، وولدتنى أمى على غير رشدة وماتت وهى آبقة، فأنا من تعلم. فإن أراد صاحبك نكاحا مباحا أو زنا صراحا فهلمّ الينا فنحن له. فقال: إنه لا يدخل فى الحرام. فقالت: لا ينبغى أن يستحيى من الحلال، فأمّا نكاح السرّ فلا والله لا فعلته ولا كنت عارا على القيان. قال: فأتيت محمدا فأخبرته؛ فقال:
стр. 1615
ويحك! أتزوّجها مغنّية وعندى بنت طلحة بن عبيد الله! لا! ولكن ارجع إليها فقل لها: تختلف إلىّ أردّد بصرى فيها لعلّى أسلو، فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة فضحكت وقالت: أمّا هذا فنعم، لسنا نمنعه.
ذكر أخبار متيّم الهشاميّة
قال أبو الفرج: كانت متيّم مولّدة صفراء من مولّدات البصرة، وبها نشأت وتدرّبت [١] وغنّت. وأخذت عن إسحاق وأبيه قبله وعن طبقتهما من المغنّين. وكانت من تخريج بذل وتعليمها. واشتراها علىّ بن هشام بعد ذلك فازدادت أخذا ممن كان يغشاه من أكابر المغنّين. وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وأدبا. وكانت تقول:
الشعر ليس مما يستجاد ولكنه يستحسن من مثلها. وحظيت عند علىّ بن هشام حظوة شديدة، وتقدّمت جواريه جمع عنده، وهى أمّ ولده كلهم.
حكى أبو الفرج قال: كان عند علىّ بن هشام برذون أشهب قرطاسىّ فى نهاية الحسن والفراهة وكان به معجبا، وكان إسحاق بن إبراهيم يشتهيه شهوة شديدة ويعرّض لعلىّ مرارا فى طلبه فلم يسمح به. فسار إسحاق إلى علىّ يوما وقد صنعت متيم:
فلا زلن حسرى ظلّعا، لم حملنها ... إلى بلد ناء قليل الأصادق
فاحتبسه علىّ وبعث إلى متيّم يأمرها أن تجعل صوتها فى صدر غنائها ففعلت، فأطربت إسحاق إطرابا شديدا، وجعل يستعيده ويستوفيه ليزيد فى طربه [٢] وهو يصغى إليه ويتفهّمه حتى صحّ له. ثم قال لعلىّ: ما فعل البرذون الأشهب؟ قال: على ما عهدت من حسنه وفراهته. قال: اختر الآن منّى خلّة من اثنتين: إمّا أن