تجوز فيه العلل. ولا تعوّلنّ على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة. ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحقّ، فإنّ صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله طلبة فلا تستقيل فيها [١] دنياك ولا آخرتك.
إيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها، فإنه ليس شىء أدعى لنقمة ولا أعظم تبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم [بين العباد] فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة؛ فلا تقوّينّ [٢] سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. فلا عذر لك عند الله ولا عندى فى قتل العمد، لإن فيه قود البدن. فإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك [أو سيفك] أو يدك بعقوبة؛ فإن فى الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّى إلى أولياء المقتول حقّهم.
وإيّاك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحبّ الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان فى نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
وإيّاك والمنّ على رعيتك بإحسانك، والتزيّد فيما كان [من فعلك] ، وأن تعدهم فتتبع موعدك بخلف، فإن المنّ يبطل الإحسان، والتزيّد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس. قال الله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ.
стр. 1927
وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقّط [١] فيها عند إمكانها، أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت؛ فضع كلّ أمر موضعه وأوقع كلّ عمل موقعه.
وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة [٢] ، والتغابى عما يعنى به مما قد وضح لعيون الناظرين، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.
املك حميّة أنفك وسورة حدّك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك [٣] حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.
والواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة، أو سنّة فاضلة، أو أثر عن نبيّنا ﷺ ، أو فريضة فى كتاب الله، فتقتدى بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك فى اتّباع ما عهدت إليك فى عهدى هذا، واستوثقت به من الحجّة لنفسى عليك لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها.
وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كلّ ذى رغبة: أن يوفّقنى [٤] وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء فى العباد وجميل الأثر فى البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لى ولك بالسعادة والشهادة. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. تمّ العهد بعون الله تعالى.
وقيل: ينبغى للملك أن يسوق العنف باللطف، والتوفير بالتوقير، ولا يتخذ أعوانا إلا أعيانا، ولا أخلّاء إلا أجلّاء، ولا ندماء إلا كرماء، ولا جلساء إلا ظرفاء.
стр. 1928
الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الثانى فيما يجب على الملك للرعايا
ويجب على الملك أن يبسط لرعيّته من العدل بساطا، ويبنى لهم من الأمن فسطاطا، وينشر عليهم ألوية حلم خفقت ذوائبها، ويسلسل لهم أنهار برّ امتدّت دوائبها [١] ؛ ويكفّ عنهم أكفّ المظالم، ويوكف عليهم سحائب المكارم. وأهمّ ما قدّم من ذلك «العدل» .
ذكر ما قيل فى العدل وثمرته وصفة الإمام العادل
والعدل واجب على كل من استرعى رعيّة من إمام وغيره؛ قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
، وقال تعالى: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
وقال تعالى وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
وقال تعالى يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى
وقال تعالى الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.
وقال رسول الله ﷺ : «عدل ساعة فى حكومة خير من عبادة ستين سنة»
وقال ﷺ : «ألا [٢] كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيته فالإمام الذى على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهى
стр. 1929
مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيّده وهو مسئول عنه فكلّكم راع وكلكم مسئول عن رعيّته»
قال بعض الشعراء:
فكلّكم راع ونحن رعيّة ... وكلّ سيلقى ربّه فيحاسبه
وقالت الحكماء: إمام عادل خير من مطر وابل، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم.
يقال: إنّ جمشيد [١] أحد ملوك الفرس الأول، لما ملك الأقاليم عمل أربعة خواتيم: خاتما للحرب والشّرطة وكتب عليه الأناة، وخاتما للخراج وكتب عليه العمارة، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا [٢] ، وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل، فبقيت هذه الرسوم فى ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام.
وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فله الوزر وعليك الصبر.
وقال أردشير لابنه: يا بنىّ إن الملك والعدل أخوان لا غنى لأحدهما عن صاحبه، فالملك أسّ والعدل حارس، فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع، يا بنىّ اجعل حديثك مع أهل المراتب، وعطيّتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدّين، وبرّك لمن عناه ما عناك من ذوى العقول.
وقال بعض الحكماء: يجب على السلطان أن يلتزم العدل فى ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفى باطن ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان؛ ومدار السياسة كلّها على العدل والإنصاف، فلا يقوم السلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما، ولا يدور إلا عليهما.
стр. 1930
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كلّكم يترشّح لهذا الأمر، ولا يصلح له منكم إلا من له سيف مسلول، ومال مبذول؛ وعدل تطمئنّ إليه القلوب.
وخطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، إن للإسلام حائطا منيعا وبابا وثيقا؛ فحائط الإسلام الحقّ وبابه العدل؛ ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتدّ السلطان؛ وليس شدّة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسّوط، ولكن قضاء بالحقّ وأخذ بالعدل.
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عمّاله يستأذنه فى تحصين مدينة؛ فكتب إليه: حصّنها بالعدل ونقّ طريقها من الظلم.
وقال معاوية: إنّى لأستحيى أن أظلم من لا يجد علىّ ناصرا إلا الله.
وقال المهدىّ للربيع بن الجهم [١] وهو وال على أرض فارس: يا ربيع، انشر الحقّ والزم القصد وابسط العدل وارفق بالرعيّة؛ واعلم أن أعدل الناس من أنصف من نفسه، وأجورهم من ظلم الناس لغيره.
وقال جعفر بن يحيى: الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الظلم.
وقال عمرو بن العاص: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.
وقيل: سأل الإسكندر حكماء بابل، فقال: أيّما أبلغ عندكم، الشجاعة أم [٢] العدل؟ فقالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.
стр. 1931
ولما جىء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لم يزل الموكّل به يقتفى أثر عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتى وجده بالمسجد نائما متوسّدا درّته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك؟ قيل: نعم؛ فقال له: عدلت فأمنت فنمت، والله إنى قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التّيجان فما هبت أحدا منهم هيبتى لصاحب هذه الدّرّة.
وقالوا: إذا عدل الإمام خصب الزمان.
وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما: إن الأرض لتزّيّن فى أعين الناس إذا كان عليها إمام عادل، وتقبح إذا كان عليها إمام جائر.
وحكى أن كسرى أبرويز نزل متنكّرا بامرأة، فحلبت له بقرة فرأى لها لبنا كثيرا، فقال لها: كم يلزمك فى السنة على هذه البقرة للسلطان؟ فقالت: درهم واحد؛ فقال:
وأين ترتع وبكم منها ينتفع؟ فقالت: ترتع فى أراضى السلطان، ولى منها قوتى وقوت عيالى؛ فقال فى نفسه: إن الواجب أن أجعل إتاوة على البقور [١] فلأصحابها نفع عظيم؛ فما لبث أن قالت المرأة: أوّه! إن سلطاننا همّ بجور؛ فقال أبرويز:
لمه؟ فقالت: لأن درّ البقرة انقطع، وإن جور السلطان مقتض لجدب الزمان؛ فأقلع عما كان همّ به. وكان يقول بعد ذلك: إذا همّ الإمام بجور ارتفعت البركة.
وقال سقراط: ينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزنهم الملك الجائر.
стр. 1932
وقال الفضل: لو كان عندى دعوة مستجابة لم أجعلها إلا فى الإمام، فإنه إذا صلح أخصبت البلاد وأمنت العباد؛ فقبّل ابن المبارك رأسه وقال: لا يحسبنّ هذا غيرك.
وقال قدامة: حسبكم دلالة على فضيلة العدل أن الجور الذى هو ضدّه لا يقوم إلا به؛ وذلك أن اللصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم احتاجوا إلى استعمال العدل فى اقتسامهم وإلا أضرّ ذلك بهم.
صفة الإمام العادل- كتب عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة إلى الحسن ابن أبى الحسن البصرىّ أن يكتب له بصفة الإمام العادل؛ فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كلّ مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كلّ فاسد، وقوّة كلّ ضعيف، ونصفة كلّ مظلوم، ومفزع كلّ ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعى الشفيق [على إبله [١]] والحازم الرفيق الذى يرتاد لها أطيب المراعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ.
والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحانى على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلّمهم كبارا، يكسب لهم فى حياته، ويدّخر لهم بعد وفاته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كلأمّ الشفيقة البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر لسهره وتسكن لسكونه، وترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتّم بشكايته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصىّ اليتامى، وخازن المساكين، يربىّ صغيرهم، ويمون كبيرهم.
والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن
стр. 1933
يا أمير المؤمنين فيما ملّكك الله كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال وشرّد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله.
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجربها عن الخبائث والفواحش، فكيف [إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف [١]] إذا قتلهم من يقتصّ لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلّة أشياعك [٢] عنده وأنصارك عليه؛ فتزوّد له وما بعده من الفزع الأكبر.
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذى أنت به، يطول [فيه [١]] ثواؤك، ويفارقك أحبّاؤك، ويسلمونك فى قعره فريدا وحيدا؛ فتزوّد له ما يصحبك يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه. واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما فى القبور، وحصّل ما فى الصّدور؛ فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها؛ فالآن يا أمير المؤمنين وأنت فى مهل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل؛ لا تحكم يا أمير المؤمنين فى عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلّط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون فى مؤمن إلّا ولا ذمّة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك.
ولا يغرّنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيّبات من دنياهم بإذهاب طيباتك فى آخرتك. ولا تنظرنّ إلى قدرك [٣] اليوم، ولكن انظر الى قدرك [٣] غدا وأنت مأسور فى حبائل الموت، وموقوف بين يدى الله تعالى فى مجمع الملائكة والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحىّ القيّوم. إنى يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ فى عظتى ما بلغه أولو النّهى قبلى، فلم آلك شفقة ونصحا؛ فأنزل كتابى هذا إليك كمداوى حبيبه يسقيه
стр. 1934
الأدوية الكريهة لما يرجو له بذلك من العافية والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
وحيثما ذكرنا العدل وصفة الإمام العادل فلنذكر الظلم وسوء عاقبته.
ذكر ما قيل فى الظلم وسوء عاقبته
قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
. وقال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
. وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ
؛ قيل: هذا تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
. وقال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
. وقال تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ*
. وقال تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وقال رسول الله ﷺ : «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر» وفى لفظ آخر: «أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر»
. وقال ﷺ : «اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب [١] » وفى لفظ: «فإنها مستجابة»
. ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها.
وقال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم، وذهاب ما آتيت إليهم [٢] عنهم. وقال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله.
стр. 1935
وروى فى الحديث: «إن الله تعالى يقول وعزّتى لأجيبنّ دعوة المظلوم وإن كان كافرا» . وقال: «ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: يا ربّ؛ عبدك، ظلمت فلم أنتصر إلا بك إلا قال الله لبّيك عبدى لأنصرنّك ولو بعد حين» .
وقيل: الظلم أدعى شىء إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة.
وقال ابن عبّاس: ليس للظالم عهد، فإن عاهدته فانقضه، فإن الله تعالى يقول:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
. وأجمعوا على أن المظلوم موقوف على النّصرة لقوله تعالى:
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
. والظالم مدرجة العقوبة وإن تنفّست مدّته.
وقيل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: كان الرجل يظلم فى الجاهلية فيدعو على من ظلمه فيجاب عاجلا ولا يرى ذلك فى الإسلام؛ فقال: هذا حاجز بينهم وبين الظلم، وإن موعدكم الآن الساعة، والسّاعة أدهى وأمرّ.
وقيل: تندمل من المظلوم جراحه، إذا انكسر من الظالم جناحه. وقالوا: الجور آفة الزمان، ومحدث الحدثان؛ وجالب الإحن، ومسبّب المحن؛ ومحيل الأحوال، وممحق الأموال؛ ومخلى الديار، ومحيى البوار. وهو مأخوذ [١] من قولهم: جار عن الطريق إذا نكب عنها، فكأنه عدل عن طريق العدل وحاد عن سبيله.
وفى الإسرائيليّات أن الله أوحى إلى موسى ﵇: يا موسى، قل لبنى إسرائيل: تجنّبوا الظلم؛ وعزّتى وجلالى إن له عندى مغبّة؛ قال: يا رب وما مغبته؟ قال: يتم الولد، وتقليل العدد، وانقطاع الأمد، والثّواء فى النار.
وقد أوردنا فى ذلك ما يكتفى به من يعلم أن الله تعالى مسائله ومحاسبه، ومناقشه غدا ومطالبه؛ وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وموقف المظلوم لطلب حقّه ممن
стр. 1936
ظلمه بملء فيه؛ وربما يعجّل له العقوبة فى دنياه، ويضاعف عليه العذاب فى أخراه، ويريه عاقبة بغيه فى يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه. نسأل الله تعالى أن يحمينا أن نظلم أو نظلم، وأن يجعلنا ممن فوّض أمره إليه وسلّم، ولا يمتحننا بمكروه، فهو بضعفنا عن حمله أدرى، وبعجزنا أعلم، بمنّه وكرمه.
ذكر ما قيل فى حسن السّيرة والرّفق بالرعيّة
قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أعطى حظّه من الرفق فقد أعطى حظّه من الخير كلّه، ومن حرم حظّه من الرّفق فقد حرم حظّه من الخير كلّه»
. ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة أرسل إلى سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب فقال لهما: أشيرا علىّ؛ فقال له سالم: اجعل الناس أبا وأخا وابنا، فبرّ أباك، واحفظ أخاك، وارحم ابنك. وقال محمد بن كعب: أحبب للناس ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، واعلم أنك أوّل خليفة يموت.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىّ بن أرطاة: أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك، واعلم أن مالك عند الله مثل ما للرعيّة عندك.
وقال المنصور لابنه المهدىّ: يا بنىّ لا تبرم أمرا حتى تفكّر فيه، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته؛ واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية [١] لا يصلحها إلا العدل؛ وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
стр. 1937
وقال خالد بن عبد الله القسرىّ [١] لبلال بن أبى بردة: لا يحملنّك فضل المقدرة على شدّة السّطوة، ولا تطلب من رعيّتك إلا ما تبذله لها، ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
وقيل: لما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام، استعمل ابنه عبد العزيز على مصر، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه؛ انظر أى بنىّ [٢] إلى أهل عملك؛ فإن كان لهم عندك حقّ غدوة فلا تؤخّره إلى عشيّة، وإن كان لهم عشيّة فلا تؤخّره إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلّها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإيّاك أن يظهر لرعيّتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدّقوك فى الحق. واستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إلىّ يأتك رأيى فيه إن شاء الله. وإن كان بك غضب على أحد من رعيّتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة، فإنّ أوّل من جعل السجن كان حليما ذا أناة؛ ثم انظر إلى أهل الحسب والدّين والمروءة، فليكونوا أصحابك وجلساءك، ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض. أقول هذا وأستخلف الله عليك.
стр. 1938
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثانى فى حسن السياسة، وإقامة المملكة، ويتّصل به الحزم، والعزم، وانتهاز الفرصة، والحلم، والعفو، والعقوبة، والانتقام
فأما ما قيل فى حسن السياسة وإقامة المملكة؛ قالوا: من طلب الرياسة فليصبر على مضض السياسة. ويقال: إذا صحّت السياسة تمّت الرياسة.
كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجّاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه [بسيرته [١]] فكتب إليه: إنّى أيقظت رأيى وأنمت هواى، وأدنيت السّيد المطاع فى قومه، وولّيت الحرب الحازم فى أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكلّ خصم من نفسى قسما، أعطيته حظّا من لطيف عنايتى ونظرى، وصرفت السيف إلى النّطف [٢] المسىء، [والثواب الى المحسن البرىء [١]] ؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظّه [من [١]] الثواب. وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبت، ما السياسة؟ فقال: هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها، واقتياد قلوب العامّة مع الإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع [٣] .
وقيل: بلغ بعض الملوك سياسة ملك آخر فكتب اليه: قد بلغت من حسن السياسة مبلغا لم يبلغه ملك فى زمانك، فأفدنى الذى بلغت به ذلك؛ فكتب إليه:
لم أهزل فى أمر و [لا [٤]] نهى ولا وعد ولا وعيد، واستكفيت أهل الكفاية وأثبت على
стр. 1939
العناء لا على الهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت، وودّا لم يشبه كذب، وعمّمت القوت، ومنعت الفضول. وقيل: إن أنوشروان كان يوقّع فى عهود الولاة: سس خيار الناس بالمحبّة، وامزج للعامّة الرغبة بالرهبة. ولما قدم سعد العشيرة فى مائة من أولاده على ملك حمير سأله عن صلاح الملك؛ فقال: معدلة شائعة، وهيبة وازعة، ورعيّة طائعة؛ ففى المعدلة حياة الإمام، وفى الهيبة نفى للظّلّام وفى طاعة الرعية حسن التئام. وقال أبو معاذ للمتوكّل: إذا كنتم للناس أهل سياسة فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل، وسوسوا لئام الناس بالذّلّ يصلحوا على الذلّ، إن الذلّ يصلح النّذل. وقال أنوشروان: الناس ثلاث طبقات، تسوسهم [١] ثلاث سياسات، طبقة هم خاصّة الأشراف، تسوسهم باللين والعطف، وطبقة هم خاصّة الأشرار، تسوسهم بالغلظة والعنف، وطبقة هم العامّة، تسوسهم بالشدّة واللين.
وقال معاوية بن أبى سفيان: إنى لا أضع سيفى حيث يكفينى سوطى، [ولا أضع [٢]] سوطى حيث يكفينى لسانى، ولو أن بينى وبين العامّة شعرة ما [٣] ما انقطعت؛ قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا جذبوها أرخيتها وإذا أرخوها جذبتها.
وقال المأمون: أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيّته، فأسقط مواقع حجّتها عنه وقطع مواقع حجّته عنها.
стр. 1940
وأما ما قيل فى الحزم والعزم وانتهاز الفرصة؛ قالت الحكماء: أحزم الملوك من قهر جدّه هزله، وغلب رأيه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن كيده. وقيل لبعضهم: ما الحزم؟ فقال: التفكّر فى العواقب.
وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد: يا بنىّ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعيّة أو تملكه الرعيّة إلّا حزم أو توان. وقالوا: ينبغى للعاقل ألّا يستصغر شيئا من الخطأ والزّلل، فإنّ من استصغر الصغير يوشك أن يقع فى الكبير، فقد رأينا الملك يؤتى من العدوّ المحتقر، ورأينا الصّحّة تؤتى من الداء اليسير، ورأينا الأنهار تنبثق من الجداول الصغار. وقال مسلمة بن عبد الملك: ما أخذت أمرا قطّ بحزم فلمت نفسى فيه وإن كانت العاقبة علىّ، ولا أخذت أمرا قطّ وضعيّت الحزم فيه فحمدت نفسى وإن كانت العاقبة لى. وقال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز:
ما العزيمة فى الأمر؟ فقال: إصداره إذا أورد بالحزم؛ قال: وهل بينهما فرق؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ليست تكون عزيمة ما لم يكن ... معها من الحزم المشيّد رافد
وقيل لملك سلب ملكه: ما الذى سلبك ملكك؟ فقال: [دفع شغل [١]] اليوم إلى غد، والتماس عدّة بتضييع عدد، واستكفاء كلّ مخدوع عن [٢] عقله. والمخدوع [عن عقله [١]] : من بلغ قدرا لا يستحقّه أو أثيب ثوابا لا يستوجبه. وفى كتب للهند:
الحازم يحذر عدوّه على كل حال، يحذر المواثبة إن قرب، والمغارة [٣] إن بعد، والكمين
стр. 1941
إن انكشف، والاستطراد إن ولّى. وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة: إذا عرف الملك أنّ رجلا يساوى به فى المنزلة والرأى والهمّة والمال واتّبع فليصرعه، فإن لم يفعل فهو المصروع. وقيل: من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه. وقيل: من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.
قال البحترىّ:
فتى لم يضيّع وجه حزم ولم يبت ... يلاحظ أعجاز الأمور تعقّبا
ومثله قول آخر:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا
وقيل: من لم ينظر فى العواقب فقد تعرّض لحادثات النوائب. قال الشاعر:
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدا تبار
وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة: رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه وإنزالهم منازلهم واتهام بعضهم على بعض، فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك بعض سبيلا أو إلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين، سارعوا الى ذلك، واستحالوا [١] محاسن أمور المملكة، وهجّنوا محاسن رأيه؛ ولم يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحا، وكاذب قد اتّهم أمينا، ومحتال قد أغضب بريئا. وليس ينبغى للملك أن يفسد أهل الثقة فى نفسه بغير أمر يعرفه، بل ينبغى فى فضل حلمه وبسطة علمه الحيطة على رأيه فيهم، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم، وألّا يرتاح [٢] إلى إفسادهم، فلم يزل جهّال الناس يحسدون علماءهم، وجبناؤهم شجعانهم، ولئامهم كرماءهم، وفجّارهم أبرارهم، وشرارهم خيارهم.
стр. 1942
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: انتهزوا هذه الفرص فإنها تمرّ مرّ السّحاب، ولا تطلبوا أثرا بعد عين.
وكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، وقد بلغه عنه تلكّؤ فى بيعته:
أما بعد، فإنى أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابى فاعتمد أيّهما شئت والسلام.
وكتب عبد الله بن طاهر الخراسانىّ إلى الحسن بن عمر التّغلبىّ [١] : أما بعد، فإنه بلغنى من قطع الفسقة الطريق [ما بلغنى [٢]] ، فلا الطريق تحمى، ولا اللصوص تكفى، ولا الرعية ترضى، وتطمع بعد هذا فى الزيادة! إنك لمنفسح الأمل! وايم الله لتكفينّ من قبلك أو لأوجّهنّ إليك رجالا لا تعرف مرّة من جشم، ولا عديّا من رهم [٣] . ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وكتب الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم والى خراسان: أما بعد، فإن وكيع ابن حسّان [٤] كان بالبصرة [منه [٥]] ما كان، ثم صار لصّا بسجستان، ثم صار إلى خراسان، فإذا أتاك كتابى هذا فاهدم بناءه واحلل لواءه. وكان على شرطة قتيبة فعزله وولّى الضّبىّ.
стр. 1943
ذكر ما قيل فى الحلم
الحلم دفع السيئة بالحسنة. وقيل: تجرّع الغيظ [١] . وقيل: الحلم دعامة العقل، وقال الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
وقال علىّ رضى الله عنه: حلمك عن السفيه يكثر أنصارك عليه.
وقيل: ليس الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر انتصر، ولكن الحليم من ظلم فإذا قدر غفر [٢] .
وقيل: الحليم من لم يكن حلمه لفقد النّصرة أو لعدم القدرة. وهو جوهر فى الإنسان يصدر عن صدر سالم من الغوائل والأذى، صاف [٣] من شوائب الكدر والقذى؛ لا يستطاع تعلّما، ولا يدرك تبصّرا وتفهّما؛ كما قال أبو الطيّب:
وإذا الحلم لم يكن فى طباع ... لم يحلّم تقادم الميلاد [٤]
ويدلّ على ذلك أنه غريزة فى الإنسان.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأشجّ عبد القيس: «يا أبا المنذر إن فيك خصلتين [٥] يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة» فقال: يا رسول الله، أشىء جبلنى الله عليه أم شىء اخترعته من قبل
стр. 1944
نفسى؟ قال: «بل شىء جبلك الله عليه»
؛ قال: الحمد لله الذى جبلنى على خلق يرضاه الله ورسوله.
ومن الناس من يقول: إن الحلم ليس غريزة ولا طبيعة بل مكتسب مستفاد، تتمرّن النفس الأبيّة عليه، وتنقاد حبّا فى المحمدة إليه.
وقالوا: الحلم بالتحلّم كما أن العلم بالتعلّم. ويدلّ على ذلك ما حكى عن جعفر الصادق أنه كان عنده عبد سيّئ الخلق، فقيل له: أما تأنف [من [١]] مثل هذا عندك وأنت قادر على الاستبدال به؟ فقال: إنما أتركه لأتعلّم عليه الحلم. ويحكى عنه أنه كان إذا أذنب إليه عبد أعتقه؛ فقيل له فى ذلك؛ فقال: أريد بفعلى هذا تعلّم الحلم. قال الشاعر:
وليس يتمّ الحلم للمرء راضيا ... إذا هو عند السّخط لم يتحلّم
كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا ... إذا هو عند القتر لم يتحشّم [٢]
وروى عن سرىّ السّقطىّ أنه قال: الحلم على خمسة أوجه: حلم غريزىّ، وهو هبة من الله للعبد، يعفو عمّن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطى من حرمه، ويحسن لمن أساء إليه؛ وحلم تحالم، يكظم غيظه رجاء الثواب وفى القلب كراهية؛ وحلم كبر، لا يرى المسىء أهلا أن يجاريه؛ وحلم مذموم، رياء وسمعة وهو حاقد ساكت يرائى به جلساءه؛ وحلم مهانة وذلّة وعجز وضعف نفس وصغر همّة.
وقال أبو هلال العسكرىّ: أجمع كلمة سمعناها فى الحلم ما سمعت عمّ أبى يقول:
الحليم ذليل عزيز؛ وذلك أن صورة الحليم صورة الذليل الذى لا انتصار له، واحتمال السفيه والتغافل عنه فى ظاهر الحال ذلّ وإن لم يكن به. وقيل: « [الحليم [٣]] مطيّة الجهول» لاحتماله جهله وتركه الانتصاف منه. وقال الأوّل البيتين وقد تقدّما.
стр. 1945
ولهذا [١]] قال شيخ من الأعراب وقد قيل له: ما الحلم؟ فقال: الذى تصبر عليه.
وقال: الحلم عقال الشرّ، وذلك أن من سمع مكروهة فسكت عنها انقطعت عنه أسبابها، وإن أجاب اتصلت بأمثالها [٢] .
وقالوا: الحلم والأناة توءمان ينتجهما علوّ الهمة.
ومن كلام النبوّة: «كاد الحليم أن يكون نبيّا» .
ورأى حكيم رقّة من ملك فقال: أيها الملك! ليس التاج الذى يفتخر به عظماء الملوك فضّة ولا ذهبا، ولكنه الوقار المكلّل بجواهر الحلم، وأحق الملوك بالبسطة، من حلم عند ظهور السّقطة.
وقال معاوية لابنه يزيد: عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح، فإنه يدفع عنك معضلات الأمور، ويقيك مصارع المحذور.
وقال أيضا: أفضل ما أعطى الرجل الحلم. وقال: ما وجدت لذّة هى عندى ألذّ من غيظ أتجرّعه وسفه بحلم أقمعه.
وقالوا: الحلم مطيّة وطيئة تبلّغ راكبها قاصية المجد، وتملّكه ناصية الحمد.
وقال أبو هلال: ومن أشرف نعوت الإنسان أن يدعى حليما، لأنه لا يدعاه حتى يكون عاقلا وعالما ومصطبرا محتسبا وعفوّا وصافحا ومحتملا وكاظما. وهذه شرائف الأخلاق وكرائم السجايا والخصال.
ذكر أخبار من اشتهر بالحلم واتصف به
كان ممن اشتهر بالحلم الأحنف بن قيس. قيل له: ممّن تعلّمت الحلم؟
قال: من قيس بن عاصم المنقرىّ، رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه، حتى أتى بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك؛
стр. 1946
قال: فو الله ما حلّ حبوته ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخى أثمت بربّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمك؛ ثم قال لابن له آخر:
قم يا بنىّ فوار أخاك وحلّ كتاف ابن عمك وسق إلى أمّك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. وقد ساق أبو هلال هذه القصة بسند وزاد فيها زيادة حسنة نذكرها، فقال:
إن قيس بن عاصم لما فرغ من حديثه التفت إلى بعض بنيه، فقال: قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه. فبدأ بإطلاق القاتل قبل دفن المقتول.
وقال فى خبره: ثم اتّكأ على شقّه الأيسر وقال:
إنى امرؤ لا يعترى خلقى [١] ... دنس يفنّده ولا أفن [١]
من منقر فى بيت مكرمة ... والفرع ينبت فوقه الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع [٢] لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهمو لحفظ جواره فطن
وقيل: قتل للأحنف بن قيس ولد وكان الذى قتله أخ للأحنف، فجىء به مكتوفا ليقيده؛ فلما رآه الأحنف بكى، وأنشد:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخى حين أدعوه وذا ولدى
وممن اشتهر بالحلم «معاوية بن أبى سفيان» . حكى أن رجلا خاطر [٣] رجلا أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول: سبحان الله يا أمير المؤمنين!
стр. 1947
ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمّك هند! ففعل ذلك؛ فلما انفتل معاوية عن [١] صلاته قال له: يا أخى، إن أبا سفيان كان محتاجا إلى ذلك منها؛ فخذ ما جعلوه لك. فأخذه؛ ثم خاطره آخر بعد ذلك أن يقوم إلى زياد وهو فى الخطبة فيقول: أيها الأمير، من أمّك، ففعل؛ فقال زياد: هذا يخبرك، وأشار إلى صاحب الشّرطة، فقدّمه وضرب عنقه؛ فلما بلغ ذلك معاوية قال: ما قتله غيرى، ولو أدّبته على الأولى ما عاد إلى الثانية.
قيل: ودخل خريم الناعم على معاوية بن أبى سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أىّ ساقين! لو أنهما على جارية! فقال له خريم: فى مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين؛ فقال: واحدة بواحدة والبادئ أظلم.
وقيل: خاطر رجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص وهو فى الخطبة فيقول له: أيها الأمير، من أمّك؛ ففعل؛ فقال عمرو: النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ؛ فاشتراها عبد الله بن جدعان فوهبها للعاصى بن وائل فولدت له فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئا فخذه.
وقيل: أسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره؛ فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزّنى الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّى غدا، انصرف إذا شئت.
حكى صاحب العقد عن ابن عائشة أن رجلا من أهل الشأم دخل المدينة، قال: فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابّة منه، قال: فمال قلبى إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علىّ بن أبى طالب، فامتلأ قلبى بغضا له وحسدت عليّا أن يكون له ولد مثله، فصرت إليه فقلت: أنت
стр. 1948
ابن أبى طالب؟ قال: أنا ابن ابنه؛ قلت: قلت فيك وفى أبيك أشتمهما، فلما انقضى كلامى، قال: أحسبك غريبا؛ فقلت: أجل؛ قال: فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاونّاك؛ فانصرفت وما على الأرض أحبّ إلىّ منه.
حدّث زياد عن مالك بن أنس قال: بعث إلىّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس؛ فأتينا فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة [١] بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، ثم أطرق عنا طويلا، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال:
حدّثنى عن أبيك؛ قال: نعم،
سمعت أبى يقول: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله فى حكمه فأدخل عليه الجور فى عدله»
؛ فأمسك ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى من دمه؛ ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظنى يابن طاوس؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
؛ قال مالك:
فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى دمه؛ فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبيته، ثم قال: يابن طاوس ناولنى هذه الدواة؛ فأمسك؛ فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عنّى؛ فقال ابن طاوس: ذلك ما كنّا نبغى منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله.
стр. 1949
وقيل: دخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة؛ فقال: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك الرشيد؛ وذكر قوله فلم يعجب المأمون، فقال:
لقد تتيّست فيها وتتيّس مالك؛ فقال الحارث بن مسكين: فالسامع يا أمير المؤمنين من التيسين أتيس؛ فتغيّر وجه المأمون، وقام الحارث وندم على ما كان منه؛ فلم يستقرّ فى منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقن بالشرّ ولبس ثياب أكفانه، ثم أقبل حتى دخل عليه، فقرّ به المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه وقال له: يا هذا، إنّ الله ﵎ قد أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرّ منّى، قال لنبيّه موسى ﷺ إذا أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
فقال الحارث بن مسكين: يا أمير المؤمنين، أبوء بالذنب وأستغفر الربّ؛ فقال: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت.
وقد مدح الشعراء ذوى الحلم، فمن ذلك قول بعضهم:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة [١] ... لا ذلّ عجز ولكن ذلّ أحلام
وقال آخر:
لقد أسمع القول الذى هو كلّما ... تذكّرنيه النفس قلبى يصدّع
فأبدى لمن أبداه منّى بشاشة ... كأنّى مسرور بما منه أسمع
وما ذاك من عجز به غير أنّنى ... أرى أنّ ترك الشرّ للشرّ أدفع
وقال مهيار:
وإذا الإباء المرّ قال لك: انتقم ... قال خلائقك الكرام: بل احلم
стр. 1950
شرع من العفو [١] انفردت بدينه ... وفضيلة لسواك لم تتقدّم
حتّى لقد ودّ البرىء لو انّه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم
وقال آخر:
فدهره يصفح عن قدرة ... ويغفر الذنب على علمه
كأنّه يأنف من أن يرى ... ذنب امرئ أعظم من حلمه
وقال آخر:
أسد على أعدائه ... ما إن يذلّ ولا يهون
فإذا تمكّن منهم ... فهناك أحلم ما يكون
وقال محمود الورّاق:
إنّى وهبت لظالمى ظلمى ... وغفرت زلّته على علمى
ورأيته أسدى إلىّ يدا ... لمّا أبان بجهله حلمى
فكأنّما الإحسان كان له ... وأنا المسىء إليه فى الحكم
ما زال يظلمنى وأرحمه ... حتّى بكيت له من الظلم
وقال آخر:
وذى رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمى عنه حين [٢] ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامنى ... قطيعتها، تلك السفاهة والإثم
فداويته بالحلم، والمرء قادر ... على سهمه ما كان فى كفّه السهم
لأستلّ منه الضّغن حتّى سللته ... وإن كان ذا ضغن يضيق به الحزم
стр. 1951
وقد كره بعضهم الحلم فى كل الأمور، فمن ذلك ما أنشد المبرّد:
أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح
إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإنّ الجهل أعفى وأروح
وقال آخر:
ترفّعت عن شتم العشيرة إنّنى ... رأيت أبى قد عفّ عن شتمهم قبلى
حليم إذا ما الحلم كان جلالة [١] ... وأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلى
وقال آخر:
إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم
وقال الأحنف: آفة الحلم الذّلّ. وقال: لا حلم لمن لا سفيه له. وقال: ما قلّ سفهاء قوم إلا ذلّوا. وقال النابغة الجعدىّ:
ولا خير فى حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
ولا خير فى جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد [٢] الأمر أصدرا
ولما أنشد هذين البيتين النبىّ ﷺ قال: «أجدت لا يفضض [٣] الله فاك»
؛ قال: فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفضّ له ثنيّة.
وقال كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
стр. 1952
ذكر ما قيل فى العفو
قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وقال تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
. وقال تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
. وقال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
. وقال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
. وقال تعالى لنبيّه ﷺ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.
وقال رسول الله ﷺ : «إنّ العفو لا يزيد العبد إلا عزّا فاعفوا يعزّكم الله»
. وعنه ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق فى صعيد واحد حيث يسمعهم الداعى وينفذهم البصر [١] ينادى مناد من تحت العرش ألا من كان له على الله حقّ فليقم فلا يقوم إلا من عفا عن مجرم» . وفى لفظ «ينادى مناد يوم القيامة ألا من كان له أجر على الله فليقم، فيقوم العافون عن الناس»
. وعنه ﷺ أنه قال: «ما من إمام عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم القيامة ادخل الجنّة بغير حساب»
. وقال معاذ بن جبل: لما بعثنى رسول الله ﷺ إلى اليمن قال لى: «يا معاذ ما زال جبريل يوصينى بالعفو فلولا علمى بالله لظننت أنه يوصينى بترك الحدود»
. وعنه ﷺ أنه قال: «من عفا عن مظلمة صغيرة أو كبيرة فأجره على الله ومن كان أجره على الله فهو من المقرّبين يوم القيامة» .
وعن علىّ بن الحسين أنه قال: إذا [٢] كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم أهل الفضل فيقوم ناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقّاهم الملائكة وهم سائرون فيقولون لهم:
стр. 1953
أين تريدون؟ فيقولون: الجنة؛ فيقولون لهم: قبل الحساب؟ فيقولون: نعم؛ فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الفضل؛ فيقولون: وما فضلكم؟
فيقولون: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسىء إلينا عفونا؛ فيقولون: يحقّ لكم أن تكونوا من أهل الجنّة فنعم أجر العاملين.
وقيل لأبى الدّرداء: من أعزّ الناس؟ فقال: الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزّكم الله تعالى.
قيل: حدّ العفو ترك المكافأة عند القدرة قولا وفعلا. وقيل: هو السكون عند الأحوال المهيّجة للانتقام.
قال الأحنف: إياك وحميّة الأوغاد؛ قيل: وما هى؟ قال: يرون العفو مغرما والتحمّل مغنما.
وقيل لبعضهم: هل لك فى الإنصاف، أو ما هو خير من الإنصاف؟ فقال:
وما هو خير من الإنصاف؟ فقال: العفو.
وقيل: العفو زكاة النفس. وقيل: لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّى؛ لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفّى يلحقها ذمّ الندم.
وقيل للإسكندر: أىّ شىء أنت أسرّ به مما ملكت؟ فقال: مكافأة من أحسن إلىّ بأكثر من إحسانه، وعفوى عمّن أساء بعد قدرتى عليه.
قال أشجع:
يعفو عن الذنب العظ ... يم وليس يعجزه انتصاره
صفحا عن الجانى علي ... هـ وليس حاط به اقتداره
стр. 1954
وقال المتنبّى:
فتى لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا
وقال قابوس وشمكير [١] : العفو عن المذنب من واجبات الكرم.
وقالوا: العفو يزين حالات من قدر، كما يزين الحلى قبيحات الصّور.
وقال المنصور لولده المهدىّ: لذّة العفو أطيب من لذّة التشفّى، وقد تقدّم ذكر الدليل. وقال الشاعر:
لذّة العفو إن نظرت بعين ال ... عدل أشفى من لذّة الإنتقام
هذه تكسب المحامد والأج ... ر وهذى تجىء بالآثام
قال عمر بن حبيب العدوىّ [٢] : كنت فى وفد أهل البصرة لما قدموا على المنصور يسألونه أن يولّى عليهم قاضيا، فبينا نحن عنده إذ جىء برجل مصفّد بالحديد، يده مغلولة فى عنقه، فوقف بين يديه فساءله طويلا، ثم بسط له نطع وأمر بضرب عنقه، والرجل يحلف وهو يكذّبه، ولم يتكلّم أحد من الجمع، فقمت وكنت أحدثهم سنّا فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أتأذن لى فى الكلام؟ فقال: قل؛ قلت:
يروى عن ابن عمّك رسول الله ﷺ أنه قال: «من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل لم يرد على الحوض»
، وقد اعتذر إليك فاقبل منه عذره؛ فقال: يا غلام اضرب عنقه؛ قلت:
إن أباك حدّثنى عن جدّك عن ابن عبّاس أنه قال: قال رسول الله صلى الله
стр. 1955
عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ليقم كل من كان له عند الله يد فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه المسلم»
، فقال: آلله [١] أبى حدّثك؟ فقلت:
آلله إن أباك حدّثنى عن جدّك عن ابن عباس عن النبى ﷺ ؛ فقال أبو جعفر: صدق، حدّثنى أبى عن جدّى عن ابن عباس بهذا؛ [فقال [٢]] : يا غلام خلّ له السبيل، وأمر له بجائزة وولّانى قضاء البصرة.
وقيل: أتى المأمون برجل يريد أن يقتله وعلىّ بن موسى الرّضا جالس، فقال ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول: إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزّا؛ فعفا عنه. وكان المأمون مؤثرا للعفو كأنّه غريزة له؛ وهو الذى يقول: لقد حبّب إلىّ العفو حتى إنى أظنّ أنى لا أثاب عليه. وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب، فقال له المأمون: أنت الذى فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا الذى أسرف على نفسه واتكل على عفوك؛ فعفا عنه.
قال: ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدىّ أمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال: ولىّ الثّأر محكّم فى القصاص، والعفو أقرب للتقوى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاعتذار فى الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد جعل الله كلّ ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، وإن أخذت فبحقّك؛ قال المأمون:
إنى شاورت أبا إسحاق والعبّاس فى قتلك فأشارا علىّ به؛ قال: أمّا أن يكونا قد نصحاك فى عظم قدر الملك ولما جرت عليه السياسة فقد فعلا، ولكن أبيت أن تستجلب [٣] النصر إلا من حيث عوّدك الله، ثم استعبر باكيا؛ فقال له المأمون:
стр. 1956
ما يبكيك؟ قال: جذلا إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته، ثم قال: إنه وإن كان جرمى بلغ سفك دمى فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلّغانى عفوه، ولى بعد هذا شفعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب؛ قال المأمون: لو لم يكن فى حق نسبك ما يبلّغ الصفح عن جرمك لبلّغك إليه حسن تنصّلك. فكان تصويب إبراهيم لرأى أبى إسحاق والعباس ألطف فى طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما. ثم قال المأمون لإسحاق بن العبّاس: لا تحسبنّى أغفلت إجلابك مع ابن المهدىّ وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره؛ فقال: والله لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمى إليك، ولرحمى أمسّ من أرحامهم، وقد قال [لهم [١]] رسول الله ﷺ كما قال يوسف لإخوته (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
، وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه المنّة ومتمثّل بها؛ قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم فى إسلامك فى دار خلافتك؛ قال يا أمير المؤمنين، فو الله للمسلم أحقّ بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر، هذا كتاب الله بينى وبينك، يقول الله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
الآية [إلى [٢]] وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
، فهى للناس يا أمير المؤمنين سنّة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف؛ قال: صدقت، اجلس وريت بك زنادى، وعفا عنه.
وقال أحمد بن أبى دواد: ما رأيت رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يجب أن يفعله إلا تميم ابن جميل، فإنه كان تغلّب على شاطئ الفرات فظفر به، ووافى به الرسول باب المعتصم فى يوم الموكب فى حين جلوسه للعامّة
стр. 1957
فأدخل عليه، فما مثل بين يديه دعا بالنّطع والسيف فأحضرا، وجعل تميم بن جميل يصعّد النظر إلى ذلك ولا يقول شيئا، وجعل المعتصم يصعّد النظر فيه ويصوّبه، وكان جسيما وسيما، فرأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره، فقال:
يا تميم، إن كان لك عذر فأت به أو حجّة فأدل بها؛ فقال: أمّا إذ قد أذنت لى يا أمير المؤمنين بالكلام فإنى أقول: الحمد لله الذى أحسن كلّ شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، [ثم جعل [١] نسله من سلالة من ماء مهين] ، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدّين، ولأم بك شعث الأمّة، وأخمد بك شهاب الباطل، وأوضح بك سراج الحقّ؛ يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب وساء الظنّ، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك وأشبههما بخلافتك، ثم أنشد:
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظنى من حيثما أتلفّت [٢]
وأكبر ظنّى أنك اليوم قاتلى ... وأىّ امرئ مما قضى الله يفلت!
ومن ذا الذى يدلى بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعزّ على أبناء تغلب موقف ... يسلّ علىّ السيف فيه وأسكت
وما جزعى من أن أموت وإننى ... لأعلم أنّ الموت شىء مؤقّت
ولكنّ خلفى صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنى أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن متّ موّتوا
وكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
стр. 1958
قال: فتبسّم المعتصم وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل! اذهب فقد غفرت لك الهفوة وتركتك للصّبية.
وحكى: أن عبد الملك بن مروان غضب على رجل فهرب منه، فلما ظفر به أمر بقتله؛ فقال له الرجل: إن الله قد فعل ما أحببت من الظفر فافعل ما يحبّه من العفو، فإن الانتقام عدل والتجاوز فضل، والله يحبّ المحسنين؛ فعفا عنه.
وحكى عن محمد بن حميد الطّوسىّ أنه كان يوما على غدائه مع جلسائه إذا بصيحة عظيمة على باب داره، فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه: ما هذه الضجّة؟
من كان على الباب فليدخل؛ فخرج الغلام ثم عاد إليه وقال: إن فلانا أخذ وقد أوثق بالحديد والغلمان ينتظرون أمرك فيه؛ فرفع يده من الطعام؛ فقال رجل من جلسائه:
الحمد لله الذى أمكنك من عدوّك، فسبيله أن تسقى الأرض من دمه؛ وأشار كلّ من جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها، وهو ساكت؛ ثم قال: يا غلام، فكّ عنه وثاقه ويدخل إلينا مكرّما، فأدخل عليه رجل لادم فيه؛ فلما رآه هشّ إليه ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام، وبسطه بالكلام ولقّمه حتى انتهى الطعام، ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة، وأمر بردّه إلى أهله مكرّما ولم يعاتبه على جرم ولا جناية، ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم: إنّ أفضل الأصحاب من حضّ الصاحب على المكارم، ونهاه عن ارتكاب المآثم؛ وحسّن لصاحبه أن يجازى الإحسان بضعفه، والإساءة بصفحه؛ إنا إذا جازينا من أساء الينا بمثل ما أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر! إنه ينبغى لمن حضر مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد، فإنّ ذاك أدوم للنعمة وأجمع للألفة؛ إن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
الآية.
стр. 1959
وقيل: بعث بعض الملوك فى رجل وجد عليه فظفر به، فلما مثل بين يديه قال: أيها الأمير، إنّ الغضب شيطان فاستعذ بالله منه، وإنما خلق العفو للمذنب والتجاوز للمسيىء، فلا يضيق علىّ ما يسع الرعيّة من حلمك وعفوك؛ فعفا عنه وأطلق سبيله.
وقال خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إنّ القدرة تذهب الحفيظة، وأنت تجلّ عن العقوبة، ونحن مقرّون بالذنب، فإن تعف عنّى فأهل ذلك أنت، وإن تعاقبنى فأهل ذلك أنا؛ فعفا عنه.
وقيل: أتى الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم فقتلوا، حتى قدّم شابّ منهم فقال: والله يا حجّاج إن كنا أسأنا فى الذنب فما أحسنت فى العفو؛ فقال الحجاج: أفّا لهذه الجيف! أما كان فيهم من يقول مثل هذا! وأمسك عن القتل.
وأتى الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجّاج عن السّنّة خيرا، فإنّ الله تعالى يقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
، فهذا قول الله تعالى فى كتابه، وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
فقال الحجّاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبرونى ما أخبرنى به هذا المنافق! وأمسك عمن بقى.
стр. 1960
ذكر ما قيل فى العقوبة والانتقام
ومن الناس من يرجّح عقوبة المذنب على ذنبه، ومقابلة المسىء بما يستحقّه من نكاله وضربه؛ ورأى أن العفو عن المجرم موجب لتكراره، والإحسان إلى المسىء مقتض لإصراره؛ وقال: إنّ طباع اللؤم التى حملته على ذلك لا ترتدع بالإحسان، ومرارة الذنب التى استحلاها لا تغيّرها حلاوة الغفران. وأخذ فى ذلك بالكتاب والحديث، وقابل على الذنب القديم بالعذاب الحديث؛ قال الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
. وقال تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
. وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل أبى عزّة، لما كان يتعرّض له من أذى رسول الله ﷺ ، وصلب عقبة بن أبى معيط يوم بدر إلى شجرة؛ فقال: يا رسول الله، أنا من بين قريش! قال: «نعم» ؛ قال: فمن للصبية؟ قال: «النار» . وقيل: إنه أوّل مصلوب صلب فى الإسلام. وكان النّضر بن الحارث بن كلدة شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، فأخذ أسيرا يوم بدر، فأمر النبىّ ﷺ بقتله، فقتل صبرا بيد علىّ بن أبى طالب.
وقال علىّ رضى الله عنه: الخير بالخير والبادئ أفضل، والشرّ بالشرّ والبادئ أظلم.
وقال: «ردّ [١] الحجر من حيث جاءك» فالشرّ لا يدفع إلا بالشرّ؛ وأنشد:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنى ... إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
ولى فرس للخير بالخير ملجم ... ولى فرس للشرّ بالشرّ مسرج
فمن رام تقويمى فإنّى مقوّم ... ومن رام تعويجى فإنّى معوّج
وقال الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله فى تدبيره، وظنّ أن رحمة الله دون رحمته، فإنّ الله تعالى يقول: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
وقال:
стр. 1961
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. وقال أكثم بن صيفىّ: من تعمّد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة، فإنّ الأدب رفق، والرفق يمن. قال أبو الطيّب المتنبّى:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت فى الحلم طرق المظالم
وقالوا: تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيّا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيّا.
وقال الشعبىّ: يعجبنى الرجل إذا سيم هوانا دعته الأنفة [١] إلى المكافأة، وجزاء سيّئة سيّئة مثلها. ورفع كلامه إلى الحجّاج بن يوسف الثقفىّ فقال: لله درّه! أىّ رجل بين جنبيه! وتمثّل بقول الشاعر:
ولا خير فى عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير فى حلم امرئ ذلّ جانبه
وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ؛ قال: ما أحبّ أن أحلّ لك ما حرّم الله عليك. وقالوا: من ترك العقوبة أغرى بالذنب، ولولا السيف كثر الحيف. قال الشاعر:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره
وإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الذى أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك [٢] حيلة ... وصمّم إذا أيقنت أنّك عاقره
وقيل: استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين فى رجلين كانا فى السجن، أحدهما ضعيف والآخر عليل، فوقّع: الضعيف يقوى والعليل يبرأ، فإن يكن
стр. 1962
فى الحبس ممن يؤمن شرّه غيرهما فليفرج عنه ودعهما فى موضعهما، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرّ منهما وشريكهما فى فعلهما.
وكتب رجل إلى المأمون- وكان قد طال حبسه-: أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى، وتناسيت ذكرى، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى، وقد ملّ من صبرى الصبر، ومسّنى فى حبسك الضّرّ. فأجابه المأمون: ركوبك مطية الجهل، صيّرك أهلا للقتل، وبغيك علىّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن قلّ صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلّاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك؛ فإن حصل فى نفسك كفّ عن معصيتى، وعزم على طاعتى، وندم على مخالفتى، فلن تعدم مع ذلك جميلا من بيتى [١] والسلام.
وقيل لأعرابىّ: أيسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيىء إلى من أساء إليك؟ قال:
بل يسرّنى أن أدرك الثار وأدخل النار. قال البحترىّ:
تذمّ الفتاة الرّؤد شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
ويقال: إنما هو مالك وسيفك، فازرع بملك من شكرك، واحصد بسيفك من كفرك. قال الشاعر:
قطّ العدا قطّ اليراعة وانتهز ... بظبا السيوف سوائم الأضغان
إنّ البيادق إن توسّع خطوها ... أخذت إليك مآخذ الفرزان
وقالوا: العفو يفسد من اللئيم، بقدر ما يصلح من الكريم. وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم قطّ؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليّا إلا أعقبنى ندما على ما فعلت. قال بعض الشعراء:
متى تضع الكرامة من لئيم ... فإنّك قد أسأت إلى الكرامه
стр. 1963
وقالوا: جنّب كرامتك اللئام، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن أساءوا لم يشعروا.
ومن رسالة لأبى إسحاق الصابى فى حقّ من نزع يده من الطاعة [١] :
وكان الذى أثمره الجهاد، ودلّ عليه الارتياد؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف الناشئة على اعتياد المعاصى والاستئناس بالدواهى، والثقة بأنّ أودها لا يتقوّم، وزيغها لا يتسدّد، وخلائقها لا تنصرف عمّا ضربت العادة عليه بسياجها، واستمرّت به على اعوجاجها، إذ كانت العادة طبيعة ثانية، وسجيّة لازمة؛ كذلك زعمت الحكماء، وبرهنت عليه العلماء. قال بعض الشعراء:
ما كلّ يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوّغه المقدار ما وهبا [٢]
وأنصف الناس فى كلّ المواطن من ... سقى الأعادى بالكأس التى شربا
وليس يظلمهم من بات يضربهم ... [بحدّ [٣]] سيف به من قبلهم ضربا
فالعفو إلّا عن الأعداء مكرمة ... من قال غير الذى قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقد ... رأيت رأيا يجرّ الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم به جزرا [٤] ... هم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
стр. 1964
ومنها:
لا عفو عن مثلهم فى مثل ما طلبوا ... لكنّ ذلك كان الهلك والعطبا
علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا
الباب السابع من الفن الثانى
فى المشورة وإعمال الرأى والاستبداد ومن يعتمد على رأيه وذكر من كره أن يستشير
ذكر ما قيل فى المشورة وإعمال الرأى
قد امر الله نبيّه ﷺ بمشاورة من هو دونه من أصحابه فقال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
؛ ذهب المفسّرون إلى أن الله تعالى لم يأمر نبيّه ﷺ بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى رأيهم ولكن ليعلم ما فى المشاورة من البركة. وقيل: أمره بذلك تألّفا لهم وتطييبا لنفوسهم.
وقيل: ليستنّ بذلك المسلمون.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار»
. وقيل: الخطأ مع الاستشارة أحمد من الإصابة مع الاستبداد. وقيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربّه واجتهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن من رجوع الملامة إليه؛ ويفعل الله فى أمره ما يشاء. وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة.
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن
стр. 1965
الاستخارة. وقيل: لما همّت ثقيف بالارتداد بعد وفاة النبى ﷺ ، استشاروا عثمان بن [أبى [١]] العاصى وكان مطاعا فيهم؛ فقال: لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأوّلهم ارتدادا؛ فنفعهم الله تعالى برأيه.
وقال العتبىّ لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم [٢] ! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأنّا ألف حازم. وسئل بعض الحكماء: أىّ الأمور أشد تأييدا للعقل، وأيها أشدّ إضرارا به؟ فقال: أشدّها تأييدا له ثلاثة أشياء:
مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبّت. وأشدّها إضرارا به ثلاثة أشياء:
الاستبداد، والتهاون، والعجلة.
وقال بعض الحكماء: إذا استبدّ الرجل برأيه عميت عليه المراشد.
وقال الفضل بن سهل: الرأى يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسدّ ثلم الرأى.
وقالوا: من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك [الأمور [٣]] ، وتغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأى العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء؛ ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد [٤] ؛ فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبدّ وتندم.
وقال حكيم لابنه: يا بنىّ، إنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما ووجدت هواك يقظان، فإيّاك أن تستبدّ برأيك، فإنّه حينئذ هواك. ويقال: تعوّذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، ومن عثرات البغى باستقالة الاستخارة.