وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. وقال أكثم بن صيفىّ: من تعمّد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة، فإنّ الأدب رفق، والرفق يمن. قال أبو الطيّب المتنبّى:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت فى الحلم طرق المظالم
وقالوا: تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيّا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيّا.
وقال الشعبىّ: يعجبنى الرجل إذا سيم هوانا دعته الأنفة [١] إلى المكافأة، وجزاء سيّئة سيّئة مثلها. ورفع كلامه إلى الحجّاج بن يوسف الثقفىّ فقال: لله درّه! أىّ رجل بين جنبيه! وتمثّل بقول الشاعر:
ولا خير فى عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير فى حلم امرئ ذلّ جانبه
وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ؛ قال: ما أحبّ أن أحلّ لك ما حرّم الله عليك. وقالوا: من ترك العقوبة أغرى بالذنب، ولولا السيف كثر الحيف. قال الشاعر:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره
وإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الذى أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك [٢] حيلة ... وصمّم إذا أيقنت أنّك عاقره
وقيل: استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين فى رجلين كانا فى السجن، أحدهما ضعيف والآخر عليل، فوقّع: الضعيف يقوى والعليل يبرأ، فإن يكن
стр. 1962
فى الحبس ممن يؤمن شرّه غيرهما فليفرج عنه ودعهما فى موضعهما، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرّ منهما وشريكهما فى فعلهما.
وكتب رجل إلى المأمون- وكان قد طال حبسه-: أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى، وتناسيت ذكرى، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى، وقد ملّ من صبرى الصبر، ومسّنى فى حبسك الضّرّ. فأجابه المأمون: ركوبك مطية الجهل، صيّرك أهلا للقتل، وبغيك علىّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن قلّ صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلّاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك؛ فإن حصل فى نفسك كفّ عن معصيتى، وعزم على طاعتى، وندم على مخالفتى، فلن تعدم مع ذلك جميلا من بيتى [١] والسلام.
وقيل لأعرابىّ: أيسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيىء إلى من أساء إليك؟ قال:
بل يسرّنى أن أدرك الثار وأدخل النار. قال البحترىّ:
تذمّ الفتاة الرّؤد شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
ويقال: إنما هو مالك وسيفك، فازرع بملك من شكرك، واحصد بسيفك من كفرك. قال الشاعر:
قطّ العدا قطّ اليراعة وانتهز ... بظبا السيوف سوائم الأضغان
إنّ البيادق إن توسّع خطوها ... أخذت إليك مآخذ الفرزان
وقالوا: العفو يفسد من اللئيم، بقدر ما يصلح من الكريم. وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم قطّ؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليّا إلا أعقبنى ندما على ما فعلت. قال بعض الشعراء:
متى تضع الكرامة من لئيم ... فإنّك قد أسأت إلى الكرامه
стр. 1963
وقالوا: جنّب كرامتك اللئام، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن أساءوا لم يشعروا.
ومن رسالة لأبى إسحاق الصابى فى حقّ من نزع يده من الطاعة [١] :
وكان الذى أثمره الجهاد، ودلّ عليه الارتياد؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف الناشئة على اعتياد المعاصى والاستئناس بالدواهى، والثقة بأنّ أودها لا يتقوّم، وزيغها لا يتسدّد، وخلائقها لا تنصرف عمّا ضربت العادة عليه بسياجها، واستمرّت به على اعوجاجها، إذ كانت العادة طبيعة ثانية، وسجيّة لازمة؛ كذلك زعمت الحكماء، وبرهنت عليه العلماء. قال بعض الشعراء:
ما كلّ يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوّغه المقدار ما وهبا [٢]
وأنصف الناس فى كلّ المواطن من ... سقى الأعادى بالكأس التى شربا
وليس يظلمهم من بات يضربهم ... [بحدّ [٣]] سيف به من قبلهم ضربا
فالعفو إلّا عن الأعداء مكرمة ... من قال غير الذى قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقد ... رأيت رأيا يجرّ الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم به جزرا [٤] ... هم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
стр. 1964
ومنها:
لا عفو عن مثلهم فى مثل ما طلبوا ... لكنّ ذلك كان الهلك والعطبا
علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا
الباب السابع من الفن الثانى
فى المشورة وإعمال الرأى والاستبداد ومن يعتمد على رأيه وذكر من كره أن يستشير
ذكر ما قيل فى المشورة وإعمال الرأى
قد امر الله نبيّه ﷺ بمشاورة من هو دونه من أصحابه فقال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
؛ ذهب المفسّرون إلى أن الله تعالى لم يأمر نبيّه ﷺ بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى رأيهم ولكن ليعلم ما فى المشاورة من البركة. وقيل: أمره بذلك تألّفا لهم وتطييبا لنفوسهم.
وقيل: ليستنّ بذلك المسلمون.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار»
. وقيل: الخطأ مع الاستشارة أحمد من الإصابة مع الاستبداد. وقيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربّه واجتهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن من رجوع الملامة إليه؛ ويفعل الله فى أمره ما يشاء. وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة.
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن
стр. 1965
الاستخارة. وقيل: لما همّت ثقيف بالارتداد بعد وفاة النبى ﷺ ، استشاروا عثمان بن [أبى [١]] العاصى وكان مطاعا فيهم؛ فقال: لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأوّلهم ارتدادا؛ فنفعهم الله تعالى برأيه.
وقال العتبىّ لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم [٢] ! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأنّا ألف حازم. وسئل بعض الحكماء: أىّ الأمور أشد تأييدا للعقل، وأيها أشدّ إضرارا به؟ فقال: أشدّها تأييدا له ثلاثة أشياء:
مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبّت. وأشدّها إضرارا به ثلاثة أشياء:
الاستبداد، والتهاون، والعجلة.
وقال بعض الحكماء: إذا استبدّ الرجل برأيه عميت عليه المراشد.
وقال الفضل بن سهل: الرأى يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسدّ ثلم الرأى.
وقالوا: من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك [الأمور [٣]] ، وتغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأى العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء؛ ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد [٤] ؛ فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبدّ وتندم.
وقال حكيم لابنه: يا بنىّ، إنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما ووجدت هواك يقظان، فإيّاك أن تستبدّ برأيك، فإنّه حينئذ هواك. ويقال: تعوّذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، ومن عثرات البغى باستقالة الاستخارة.
стр. 1966
وقال ابن المقفّع: لا يقذفنّ فى روعك [١] أنّك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة [إلى رأى غيرك [٢]] فتنقطع بذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الفخر ولكن الانتفاع.
قال بشّار:
إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن ... برأى نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى [٣] رافدات القوادم
قال الأصمعىّ: قلت لبشار: إن الناس يعجبون من أبياتك فى المشورة؛ فقال:
يا أبا سعيد، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، وخطإ يشارك فى مكروهه؛ فقلت:
أنت والله فى قولك أشعر منك فى شعرك. وهذان البيتان من قصيدة كان بشّار بن برد قد كتب بها إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن يمدحه بها ويحرّضه على أبى جعفر المنصور، فمات إبراهيم قبل وصول القصيدة إليه، فخاف بشار من اشتهارها فقلبها [٤] وجعل التحريض على أبى مسلم [٥] الخراسانىّ فقال:
أبا مسلم ما طيب عيش بدائم ... ولا سالم عما قليل بسالم
وإنما كان قال:
أبا جعفر ما طيب عيش بدائم
قال فيها بعد هذين البيتين المقدّمين:
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
стр. 1967
وما خير كفّ امسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
وحارب إذا لم تعط إلّا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم
وأدن على [١] القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
إذا كنت فردا هرّك [٢] القوم مقبلا ... وإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم
وما قرع [٣] الأقوام مثل مشيّع [٤] ... أريب ولا جلّى العمى مثل عالم
وقال الهيثم: ما رأيت ابن شبرمة قطّ إلا وهو متهيئ كأنه يريد الركوب، فذكر ذلك له وأنا حاضر؛ فقال: إنّ الرجل لا يستجمع له رأيه حتى يجمع عليه ثيابه، ثم قال: أتى رجل من الحىّ فقال لدهقان: يا هذا، إنه ربما انتشر علىّ أمرى فى الرأى فهل عندك مشورة؟ فقال: تهيّأ والبس ثيابك ثم اهمم بما تريد، فهو أجمع لرأيك، فليس من أحد يفعل ذلك إلا اجتمع له رأيه.
وقال أفلاطون: إذا استشارك عدوّك فجرّد له النصيحة، لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك. وقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشورته على جوره وعدله، وحبّه وبغضه، وخيره وشرّه.
وقيل: لما سار رسول الله ﷺ إلى قريش فى غزاة بدر نزل ﷺ أدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله،
стр. 1968
أرايت هذا المنزل [أمنزل [١]] أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والميكدة؟ قال: «بل هو الرأى والحرب والمكيدة» ؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليس [لك [١]] بمنزل فارحل [٢] بالناس حتى نأتى أدنى ماء من مياه القوم فننزله، ثم نعوّر [٣] ما سواه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل [القوم [١]] فنشرب ولا يشربوا؛ فقال رسول الله ﷺ : «لقد أشرت بالرأى» ؛ وفعل ما أشار به الحباب.
وقال بزرجمهر: أفره ما يكون من الدوابّ لا غنى به عن السوط، وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها عن الزوج، وأدهى ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشورة.
وقيل: كانت اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعان شتّى: منها لئلا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأى وصحّة النظر، لأن من طباع المشتركين فى الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأى الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون فتعقّبوه بالإعراض والتأويل والتهجين وكدّروه وأفسدوه. ومنها أنّ فى اجتماعهم على المشورة تعريض السرّ للإضاعة والشناعة والإذاعة؛ ولذلك قالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر فى الأمور التى يحتاج فيها إلى القوّة، فأمّا الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها ويولّد فيها التضاغن والتنافس.
стр. 1969
ذكر ما قيل فيمن يعتمد على مشورته وبديهته، ويعتضد بفكرته ورويته
قال بعض الحكماء: عليك بمشورة من حلب أشطر دهره، ومرّت عليه ضروب خيره وشرّه؛ وبلغ من العمر أشدّه، وأورت التجربة زنده. وقيل: استشار زياد رجلا؛ فقال الرجل: حقّ المستشار أن يكون ذا عقل وافر، واختبار متظاهر، ولا أرانى كذلك. قال إبراهيم بن العبّاس:
يمضى الأمور على بديهته ... وتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردها ... فيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا الحروب علت بعثت لها ... رأيا تفلّ به كتائبها
رأيا إذا نبت السيوف مضى ... قدما بها فسقى مضاربها
وقال آخر:
ألمعىّ يرى بأوّل رأى [١] ... آخر الأمر من وراء المغيب
لا يروّى ولا يقلّب كفّا ... وأكفّ الرجال فى تقليب
وقال آخر [٢] .
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظّ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وكانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدّمها فى السن، ولأنها لا تتبع حسناتها بالأذى [٣] والمنّ، ولما مرّ عليها من التجارب التى عرفت بها عواقب الأمور، حتى
стр. 1970
كأنّها تنظرها عيانا، وطرأ عليها من الحوادث التى أوضحت لها طريق الصواب وبيّنته تبيانا؛ ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها. ولذلك قال علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه: رأى الشيخ خير من مشهد [١] الغلام.
ومن أمثالهم «زاحم بعود أودع» [٢] . قال بعض الشعراء:
لئن فقدوا الشباب فربّ عقل ... أفادوه على مرّ الليالى
خبت نار الذكاء فأجّجوها ... بآراء أحدّ من النّصال
وقد عدل قوم عن ذلك، وسلكوا فى خلافه أوضح الطّرق وأنهج المسالك؛ وقالوا:
بل رأى الشباب هو الرأى الصائب، وفهمهم الفهم الثاقب؛ ونجم سعدهم الطالع، وسحاب جدّهم الهامع؛ وإن لهم من الفطنة أوفر نصيب، وإنّ سهم رأيهم الرائش [٣] المصيب؛ وإن عقولهم سليمة من العوارض، وأذهانهم آخذة بحظ وافر من الغوامض.
ولذلك قالت الحكماء: عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبّان، فإن لهم أذهانا تفلّ القواصل [٤] ، وتحطّم الذوابل.
وقالوا: آراء الشّباب خضرة نضرة لم يهتصر [٥] غصنها هرم، ولا أذوى زهرتها قدم، ولا خبا من ذكائها بطول المدّة ضرم. قال شاعر:
عليكم بآراء الشّباب فإنّها ... نتائج ما لم يبله قدم العهد
فروع ذكاء تستمدّ من النّهى ... بأنور فى اللّأواء [٦] من قمر السعد
стр. 1971
وقال آخر:
رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على عدد السّنينا
ولو أنّ السنين تقسّمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا
وقال آخر:
أدركت ما فات الكهول من الحجا ... فى عنفوان شبابك المستقبل
فإذا أمرت فلا يقال لك: اتّئد ... وإذا قضيت فلا يقال لك: اعدل
ذكر ما قيل فيمن نهى عن مشاورته ومعاضدته وأمر بالامتناع من مشايعته ومتابعته
وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل، وألمّت به النوازل؛ مع وفور عقله وحزمه، والتمسّك بنصحه وفهمه.
قال قسّ بن ساعدة الإيادىّ لابنه: لا تشاور مشغولا وإن كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا مهموما وإن كان عاقلا، فالهمّ يعقل العقل فلا يتولّد منه رأى ولا تصدق به رويّة.
وقال الأحنف بن قيس: لا تشاور الجائع حتّى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتّى يطلق، ولا المقلّ حتى يجد، ولا الراغب حتّى ينجح.
وقالوا: لا تشاور المعزول، فإنّ رأيه مفلول.
وقيل: لا تدخل فى مشورتك بخيلا فيقصّر بفعلك، ولا جبانا فيخوّفك، ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى؛ فإنّ البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظنّ بالله. قال الشاعر
وأنفع من شاورت من كان ناصحا ... شفيقا فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الشفيق ورأيه ... عزيب ولا ذو الرأى والصدر واغر
стр. 1972
ذكر ما قيل فى الأناة والرويّة
كانت العرب تحمد الأناة فى الرأى وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرّع.
وكان عبد الله بن وهب الرّاسبىّ [١] يقول: إيّاى والرأى الفطير [٢] ! وكان يستعيذ [بالله [٣]] من الرأى الدّبرىّ؛ وهو الذى يسنح بعد الفوت.
وأوصى إبراهيم بن هبيرة ولده فقال: لا تكن أوّل مشير، وإيّاك والرأى الفطير؛ ولا تشيرنّ على مستبدّ، فإنّ التماس موافقته لؤم والاستماع منه خيانة.
وكان عامر بن الظّرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأى يغبّ حتّى يختمر، وإيّاكم والرأى الفطير! يريد الأناة فى الرأى والتثبّت فيه. قال شاعر:
تأنّ وشاور فإنّ الأمو ... ر منها مضىء ومستغمض
فرأيان أفضل من واحد ... ورأى الثلاثة لا ينقض
وقال آخر:
الرأى كاللّيل مسودّ جوانبه ... والليل لا ينجلى إلا بإصباح
فاضمم مصابيح آراء الرّجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
وقال المتنبّى:
الرأى قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهى المحلّ الثانى
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّة [٤] ... بلغت من العلياء كلّ مكان
وقال طاهر بن الحسين:
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
стр. 1973
فإن هلكت برأى أو ظفرت به ... فأنت عند ذوى الألباب معذور
وإن ظفرت على جهل وفزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير
ومن أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل، قول السّبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع خالد بن الوليد بهم: يا بنى حنيفة بعدا كما بعدت عاد وثمود، والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأنّى أسمع جرسه وأبصر غبّه، ولكنّكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة، وإنّى لمّا رأيتكم تتّهمون النصيح، وتسفّهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم [الله [١]] التوبة ولا أخذكم [على [١]] غرّة، ولقد أمهلكم حتّى ملّ الواعظ وهرأ [٢] الموعوظ، وكنتم كأنّما يعنى بما أنتم فيه غيركم، فأصبحتم وفى أيديكم من تكذيبى التصديق ومن نصحى الندامة، وأصبح فى يدى من هلاككم البكاء ومن ذلّكم الجزع، وأصبح ما كان غير مردود، وما بقى غير مأمون.
ذكر ما قيل فى الاستبداد وترك الاستشارة وكراهة الإشارة
ومن الناس من آثر الاستبداد برأيه وكره أن يستشير. قال عبد الملك بن صالح:
ما استشرت أحدا قطّ إلا تكبّر علىّ وتصاغرت له، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلّة.
فعليك بالاستبداد، فإن صاحبه جليل فى العيون مهيب فى الصدور. واعلم أنك متى استشرت تضعضع شأنك، ورجفت بك أركانك. وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه، وآراء نصحائه. فإيّاك والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب، واستبهمت لديك المسالك؛ وأنشد:
فما كلّ ذى نصح بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
стр. 1974
وقال المهلّب بن أبى صفرة: لو لم يكن فى الاستبداد بالرأى إلّا صون السّرّ وتوفير العقل لوجب التمسّك به.
وقال بزرجمهر: أردت نصيحا أثق به فما وجدت غير فكرى، واستضأت بنور الشمس والقمر فلم أستضئ بشىء أضوأ من نور قلبى.
وقال علىّ بن الحسين: الفكرة مرآة ترى المؤمن سيئاته فيقلع عنها، وحسناته فيكثر منها، فلا تقع مقرعة التقريع عليه، ولا تنظر عيون العواقب شزرا إليه.
وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتّى مدحه ابن هرمة بقوله:
يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ... ولا ينتجى [١] الأدنين فيما يحاول
فاستوى جالسا وقال: أصبت والله! واستعاده، وما استشار بعدها.
قالوا: وعلى المستبدّ أن يتروّى فى رأيه، فكلّ رأى لم تتمخّض به الفكرة ليلة فهو مولود لغير تمام. قال شاعر:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا أناءة ... فإنّ فساد الرأى أن تتعجّلا
وما العجز إلّا أن تشاور عاجزا ... وما الحزم إلا أن تهمّ فتفعلا
قال بعض جلساء هارون الرشيد: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أنّى رأيت الرشيد يوما وقد تنفّس تنفّسا منكرا فأنشدت فى إثر تنفّسه:
واستبدّت [٢] مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدّ
وممّا مدح به ذوى الرأى قول بعض الشعراء:
بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يخاطبه من كلّ أمر عواقبه
وأين مفرّ الحزم منه وإنما ... مرائى الأمور المشكلات تجاربه
стр. 1975
وقال البحترىّ فى سليمان بن عبد الله:
كأنّ آراءه والحزم يتبعها ... تريه كلّ خفىّ وهو إعلان
ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤه ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان
وقال أيضا:
كأنّه وزمام الدّهر فى يده ... يرى عواقب ما يأتى وما يذر
وقال آخر:
يرى العواقب فى أثناء فكرته ... كأنّ أفكاره بالغيب كهّان
وقال آخر:
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الخطب الخطير
وأحزم ما يكون الدهر يوما ... إذا عجز المشاور والمشير
ومن الناس من كره أن يشير، فمنهم عبد الله بن المقفّع؛ وذلك أنّ عبد الله ابن علىّ استشاره فيما كان بينه وبين المنصور؛ فقال: لست أقود جيشا، ولا أتقلّد حربا، ولا أشير بسفك دم، وعثرة الحرب لا تستقال، وغيرى أولى بالمشورة فى هذا المكان.
واجتمع رؤساء بنى سعد إلى أكثم بن صيفىّ يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب؛ فقال: إنّ وهن الكبر قد فشا فى بدنى، وليس معى من حدّة الذّهن ما أبتدئ به الرأى، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإنّى إذا مرّ بى الصواب عرفته. وسيأتى خبر كلامه فى وقائع العرب؛ وإنما أوردناه فى هذا الموضع لدخوله فيه والتئامه به، ومناسبته له، لا على سبيل السهو والتّكرار لغير فائدة.
стр. 1976
الباب الثامن من الفن الثانى فى حفظ الأسرار والإذن والحجاب
ذكر ما قيل فى حفظ الأسرار
قال الله تعالى إخبارا عن نبيّه يعقوب بن إسحاق حين أوصى يوسف ابنه ﵈: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»
. وقالت الحكماء: صدرك أوسع لسرّك. وقالوا: سرّك من دمك. يعنون أنه ربما كان فى إفشاء السرّ سفك الدّم.
وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه، فلم يبده لصديق فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه.
وقالوا: ما كنت كاتمه عن عدوّك فلا تظهر عليه صديقك.
وقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سرّا فأفشاه فلمته، لأنّى كنت أضيق صدرا حين استودعته منه حين أفشاه.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه:
إذا كان لى سرّ فحدّثته العدا ... وضاق به صدرى فللنّاس أعذر
هو السّرّ ما استودعته وكتمته ... وليس بسرّ حين يفشو ويظهر
وقال آخر:
فلا تودعنّ الدهر سرّك أحمقا ... فإنّك إن أودعته منه أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن كتم سرّه ... فصدر الذى يستودع السّرّ أضيق
стр. 1977
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج:
لا تفش سرّك إلا إليك ... فإنّ لكل نصيح نصيحا
فإنّى رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إنّ أمير المؤمنين أسرّ إلىّ حديثا [ولا [١] أراه يطوى عنك ما يبسطه لغيرك] أفلا أخبرك به؟ فقال: [لا! [١]] ، يا بنىّ إنّه من كتم سرّا كان الخيار له، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تكن مملوكا بعد أن كنت مالكا.
وفى كتاب التاج: أن بعض ملوك العجم استشار وزيريه، فقال أحدهما: إنّه لا ينبغى للملك أن يستشير منّا أحدا إلا خاليا به، فإنّه أموت للسرّ وأحزم للرأى وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض؛ فإن إفشاء السّرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة؛ لأنّ الواحد رهن بما أفشى إليه، والثانى [٢] مطلق عنه ذلك الرهن، والثالث [٣] علاوة فيه. فإذا كان السرّ عند واحد كان أحرى ألّا يظهره رهبة ورغبة. وإن كان عند اثنين كان الملك على شبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض. فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتّهمهما اتّهم بريئا بجناية مجرم. وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجّة عليه.
وقال علىّ رضى الله عنه: الظّفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأى، والرأى بتحصين السرّ.
وقيل: من حصّن سرّه فله من تحصينه إيّاه خلّتان: إمّا الظفر بما يريد، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر.
وقيل: كلّما كثر خزّان السرّ ازداد ضياعا.
стр. 1978
ويقال: إذا انتهى السرّ من الجنان إلى عذبة اللسان، فالإذاعة مستولية عليه.
وقال عمرو بن العاص [١] : القلوب أوعية للأسرار، والشّفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلّ امرئ مفتاح سرّه. قال شاعر:
صن السرّ عن كلّ مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرّك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر
وكان يقال: الكاتم سرّه بين إحدى فضيلتين: الظّفر بحاجته، والسلامة من شرّ إذاعته.
ويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه.
وقال آخر: كتمانك سرّك يعقبك السلامة، وإفشاؤه يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السرّ أيسر من الندامة [٢] على إفشائه. قال شاعر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها ... فسرّك عند الناس أفشى وأضيع
وقال آخر:
تبوح سرّك ضيقا به ... وتحسب كلّ أخ يكتم
وكتمانك السرّ ممن تخاف ... ومن لا تخافنّه أحزم
إذا ذاع سرّك من مخبر ... فأنت متى لمته ألوم
وكان يقال: لا تظهر كوامن صدرك بإذاعة سرّك، فيمكربك حاسدك، ويظهر عليك معاندك. قال عمر بن أبى ربيعة:
فقالت وأرخت جانب السّتر إنّما ... معى فتحدّث غير ذى رقبة أهلى
فقلت لها ما بى لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى
стр. 1979
ومما قيل فى استراحة الرجل بمكنون سرّه إلى صديقه- قال الله تعالى:
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
. وقالت الحكماء: لكل سرّ مستودع. قال بعض الشعراء:
وأبثثت عمرا بعض ما فى جوانحى ... وجرّعته من مرّ ما أتجرّع
فلا بدّ من شكوى إلى ذى حفيظة [١] ... إذا جعلت أسرار نفسى تطلّع
وقال حبيب:
شكوت وما الشكوى لمثلى عادة ... ولكن تفيض الكأس [٢] عند امتلائها
وقال أبو الحسن بن محمد البصرىّ:
تعب الهوى بمعالمى ورسومى ... ودفنت حيّا تحت ردم همومى
وشكوت همّى حين ضقت، ومن شكا ... همّا يضيق به فغير ملوم
ومما وصف به كتمان السرّ- قيل: أسرّ رجل إلى صديق له حديثا، فلما استقصاه قال: أفهمت؟ قال: بل نسيت. وقيل لآخر: كيف كتمانك للسرّ؟ فقال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.
ومن جيّد ما قيل فى كتمان السرّ قول الأوّل:
تلاقت حيازيمى على قلب حازم ... كتوم لما ضمّت عليه أضالعه [٣]
أؤاخى رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض، إنّ قلبى واسعه
стр. 1980
قال قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنثّ [١] وتكثير الحديث قمين
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنّنى ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندى إذا ما ضممته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
وقال أبو إسحاق الصابى:
لسرّ صديقى مكمن [٢] فى جوانحى ... تمنّع أن تدنو إليه المباحث
تغلغل منّى حيث لا تستطيعه ... كؤوس النّدامى والأنيس المحادث
إذا الفحص آلى جاهدا أن يناله ... تراجع عنه وهو خزيان حانث
فقل لصديقى اذا [٣] لم السّر آمنا ... إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث
وهذا البيت مأخوذ من قول جميل:
ولا يسمعن سرّى وسرّك ثالث ... ألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع [٤]
وقال الصابى أيضا:
وللسرّ فيما بين جنبىّ مكمن ... خفى قصىّ عن مدارج أنفاسى
أضنّ به ضنّى بموضع حفظه ... فأجميه عن إحساس غيرى وإحساسى
فقد صار كالمعدوم لا يستطيعه ... يقين ولا ظنّ لخلق من الناس
كأنّى من فرط احتياطى أضعته ... فبعضى له واع وبعضى له ناسى
стр. 1981
وقال كثيّر:
كريم يميت السرّ حتى كأنّه ... إذا استنطقوه عن حديثك جاهله
رعى سرّكم مستودع القلب والحشا ... شفيق عليكم لا تخاف غوائله
وأكتم نفسى بعض سرّى تكرّما ... إذا ما أضاع السرّ فى الناس حامله
ذكر ما قيل فى الإذن والاستئذان
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
الآية. وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
الآية.
وقيل: استأذن رجل على النبىّ ﷺ وهو فى بيت فقال: أألج؟ فقال النبىّ ﷺ [لخادمه [١]] : «أخرج إلى هذا وعلّمه الاستئذان وقل له يقول السلام عليكم أأدخل»
. وقال النبىّ ﷺ : «الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلّا فارجع»
. وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: الأولى إذن والثانية مؤامرة والثالثة عزمة، إما أن يأذنوا وإما أن يرجع [٢] .
وقال زياد بن أبيه لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات ثم على الأسنان ثم على الأدب؛ قال: فمن تؤخّر؟ قال: الذين لا يعبأ الله بهم؛ قال:
ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء فى الصيف وكسوة الصيف فى الشتاء.
стр. 1982
وكان سعيد بن عتبة بن حصين إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا؛ فقيل له: إنّك لتتباعد من الآذن جهدك؛ فقال: لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب. قال بعض الشعراء:
رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن جلوس ساكنون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقيل لمعاوية: إنّ آذنك ليقدّم معارفه فى الإذن على وجوه الناس؛ قال:
وما عليه! إنّ المعرفة لتنفع فى الكلب العقور والجمل الصّؤول، فكيف رجل حسيب ذو كرم ودين! ونظر رجل إلى روح بن حاتم وهو واقف فى الشمس عند باب المنصور، فقال له: لقد طال وقوفك فى الشمس؛ فقال: ذلك ليطول جلوسى فى الظلّ.
ذكر ما قيل فى الحجاب
قال خالد بن عبد الله القسرىّ أمير العراق لحاجبه: إذا أخذت مجلسى فلا تحجبنّ عنى أحدا، فإنّ الوالى يحتجب عن الرعيّة لإحدى ثلاث: إمّا لعىّ يكره أن يطّلع عليه، وإما لبخل يكره أن يسأل شيئا، وإما لريبة لا يحبّ أن تظهر منه.
وقال زياد لحاجبه: ولّيتك حجابتى وعزلتك عن أربع: المنادى إلى الصلاة والفلاح، [لا تفرّجنّه عنّى فلا سلطان لك عليه [١]] ، وطارق الليل [لا تحجبه فشرّ ما جاء به، ولو كان خيرا ما جاء به تلك الساعة [١]] ، ورسول الثّغر فإنّه إن أبطأ ساعة فسد عمل سنة فأدخله علىّ وإن كنت فى لحافى، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.
стр. 1983
وقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفّان رضى الله عنه وقد اشتغل بمصلحة للمسلمين فحجبه؛ فقال له رجل وأراد إغراءه: يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مضرىّ فيحجبك! فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومى من أقف ببابه فيحجبنى.
واستأذن أبو الدّرداء على معاوية بن أبى سفيان فحجبه؛ فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جانبه بابا مفتوحا إن دعا أجيب وإن سأل أعطى. قال محمود الورّاق:
شاد الملوك قصورهم فتحصّنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزّها ... وتنوّقوا [١] فى قبح وجه الحاجب
فإذا تلطّف فى الدخول إليهم ... راج تلقّوه بوعد كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضّراعة طالبا من طالب
قال أبو مسهر: أتيت إلى باب أبى جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان، فحجبنى فكتبت إليه:
إنى أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك لى الأستار والحجب
وقد علمت بأنى لم أردّ ولا ... والله ما ردّ إلّا العلم والأدب
فأجابه ابن عبدكان:
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لى أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وقف إلى باب محمد بن منصور رجل من خاصّته فحجب عنه، فكتب إليه:
على أىّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذى أنا حاجبه
стр. 1984
وقف أبو العتاهية إلى باب بعض الهاشمييّن، فطلب الإذن؛ فقيل له: تكون لك عودة [١] ؛ فقال:
لئن عدت بعد اليوم إنّى لظالم ... سأصرف وجهى حين تبغى المكارم
متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
ونظيره قول العمانىّ [٢] :
قد أتيناك للسلام مرارا ... غير منّ بنا [٣] بتلك المرار [٤]
فإذا أنت فى استتارك باللي ... ل [على [٥]] مثل حالنا بالنّهار
وقال أبو تمّام:
سأترك هذا الباب مادام إذنه ... على ما أرى حتّى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئ ... حمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم أجد للإذن عندك موضعا ... وجدت إلى ترك المجىء سبيلا
وقال آخر:
أتيتك للتسليم لا أننى امرؤ ... أردت بإتيانيك أسباب نائلك
فألفيت بوّابا ببابك مغرما ... بهدم الذى وطّدته من فضائلك
وقال العمانىّ:
إذا ما أتيناه فى حاجة ... رفعنا الرّقاع له بالقصب
له حاجب دونه حاجب ... وحاجب حاجبه محتجب
وقال آخر:
يا أبا موسى وأنت فتى ... ماجد حلو ضرائبه [٦]
стр. 1985
كن على منهاج معرفة ... إنّ وجه المرء حاجبه
فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وقف عبد الله بن العباس بن الحسين العلوىّ على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق؛ فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، فأمّا الفترة بعد النّظرة، والتوقّف بعد التعرّف، فلا أفهمه، ثم تمثّل:
وما عن رضا كان الحمار مطيّتى ... ولكنّ من يمشى سيرضى بما ركب
وانصرف؛ فبلغ المأمون كلامه، فصرف الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دوابّ. وحجب بعض الهاشميّين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع، وقال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ.
ذكر ما قيل فى النهى عن شدّة الحجاب
قيل: لا شىء أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة من شدّة الحجاب، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم.
وهذا مخالف لوصيّة زياد لابنه: عليك بالحجاب، فإنّما تجرّأت الرّعاة على السّباع لكثرة نظرها إليها. قال سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه! وعن علىّ رضى الله عنه: إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادّعاه لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لابنه: من بالباب؟ فقال:
رجل أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذّن رسول الله ﷺ يقول: من ولى شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة؛ فقال لحاجبه:
الزم بيتك. فما رئى على بابه بعده حاجب.
стр. 1986
وقال عمرو بن العاص لابنه وقد ولّى ولاية: انظر حاجبك فإنّه لحمك ودمك، ولقد رأيتنا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم فى وجوهنا يريدون نفوسنا مالنا ذنب إليهم إلا الحجاب.
وقيل: ولّى المنصور حجابته الخصيب [١] فقال: إنّك بولايتى عظيم القدر، وبحجابتى عظيم الجاه، فبقّها على نفسك، ابسط وجهك للمستأذنين، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شىء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.
قال سليمان بن زيد النابلسىّ:
سأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنّه لا بدّ أن سيلين
خذوا حذركم من نبوة الدّهر إنّها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين
وقال آخر:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار فى ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه ... وسلّط الذمّ [٢] على نعمته
وقال أعرابىّ:
لعمرى إن حجبتنى العبيد ... ببابك ما تحجب القافيه
سأرمى بها من وراء الحجاب ... فتعدو عليك بها داهيه
تصمّ السميع وتعمى البصير ... وتسأل من مثلها العافيه
وقال جعفر المصرىّ:
[و] تفضّل علىّ بالإذن إن جئ ... ت فإنّى مخفّف فى اللقاء
ليس لى حاجة سوى الحمد والشّك ... ر فدعنى أقريك حسن الثناء
стр. 1987
الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الثانى فى الوزراء وأصحاب الملك
ذكر ما قيل فى الوزارة وشروطها واشتقاقها وما يحتاج الوزير إليه قال الله إخبارا عن موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.
وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «ما من أحد [١] أعظم أجرا من وزير صالح يكون مع إمام فيأمر بذات الله تعالى»
. قالت الحكماء: أعرف الملوك يحتاج إلى الوزير، وأشجع الرجال يحتاج إلى السلاح، وأجود الخيل يحتاج الى السّوط، وأحدّ الشّفار يحتاج الى المسنّ.
وقالوا: صلاح الدنيا بصلاح الملوك، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء، ولا يصلح الملك إلا لأهله، ولا تصلح الوزارة إلا لمستحقّها.
وقالوا: أفضل عدد الملوك صلاح للوزراء الكفاة، لأن فى صلاحهم صلاح قلوب عوامّهم لهم.
وقالوا: خير الوزراء أصلحهم للرعيّة، وأصدقهم نيّة فى النصيحة، وأشدّهم ذبّا عن المملكة، وأسدّهم بصيرة فى الطاعة، وآخذهم لحقوق الرعيّة من نفسه وسلطانه.
وقالوا: الوزير الخيرّ لا يرى أنّ صلاحه فى نفسه وسلطانه كائن صلاحا حتى يتّصل بصلاح الملك ورعيّته، وتكون عنايه فيما عطّف الملك على عامّته، وفيما
стр. 1988
استعطف قلوب العامّة على الطاعة لملكه، وفيما قوّم أمر الملك والمملكة من تدبير، حتى يجمع إلى أخذ الحق وتقديمه عموم الأمن والسلامة، ويجمع إلى صلاح الملك صلاح أتباعه. وإذا تطرّقت الحوادث ودهمت العظائم كان للملك عدّة وعتادا، وللرعيّة كافيا محتاطا، ومن ورائها ذابّا ناصرا، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه [١] من صلاح نفسه دونها.
ذكر ما قيل فى اشتقاق الوزارة وصفة الوزير وما يحتاج إليه
أما اشتقاقها فقد اختلف فى معناه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه مشتقّ من الوزر وهو الثّقل، لأنه يحمل عن الملك أثقاله. والثانى أنّه مشتقّ من الأزر وهو الظّهر، لأن الملك يقوى بوزيره كقوّة البدن بظهره. والثالث أنه مشتقّ من الوزر- وهو الملجأ- ومنه قوله تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ
أى لا ملجأ؛ لأن الملك يلجأ الى وزيره ومعونته.
وأما صفة الوزير وما يحتاج إليه، فقد قال أقضى القضاة أبو الحسن على ابن محمد بن محمد بن حبيب الماوردىّ فى كتابه المترجم «قوانين الوزارة» ما معناه:
إن الوزير فى منصب مختلف الأطراف، يدبّر غيره من الرعايا ويتدبّر بغيره من الملوك، فهو سائس ومسوس يقوم بسياسة رعيّته وينقاد لطاعة سلطانه، فيجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع، فشطر فكره جاذب لمن يسوسه، وشطره مجذوب بمن يطيعه؛ لأن الناس بين سائس، ومسوس، وجامع بينهما، و [له [٢]] هذه المرتبة الجامعة؛ فهو يجمع ما اختلف من أحكامها، ويستكمل ما تباين من أقسامها؛ وبيده تدبير مملكة صلاحها
стр. 1989
مستحقّ [١]] عليه، وفسادها منسوب إليه؛ يؤاخذ بالإساءة ولا يعتدّ له بالإحسان، تلان له المبادئ [بالإرغاب [١]] وتشدّد [٢] عليه الغايات بالإعتاب [٣] ، مستظهرا ليكفى [٤] اعتداد الإحسان إليه، ويسلم من غبّ المؤاخذة له، ويلزمه ضدّها فى حقّ سلطانه ألّا يعتدّ عليه بصلاح ملكه، لأنّه للصلاح مندوب، ولا يعتذر إليه من اختلاله [٥] ، لأن الاختلال إليه منسوب.
والوزير مباشر لتدبير ملك له أسّ هو الدّين المشروع، ونظام هو الحقّ المتبوع.
فإن جعل الدّين قائده، والحقّ رائده؛ تذلّل له كلّ صعب، وسهل عليه كلّ خطب؛ لأن للدّين أنصارا وأعوانا، إن قعدت عنه أجسادهم لم تقعد عنه قلوبهم. وحسبه أن [تكون [٦]] القلوب معه، فإن للدّين سلطانا قد انقادت اليه إمامته، واستقرّت عليه زعامته [٧] . فإن جعله ظهيرا [٨] له فى أموره، وعونا له على تدبيره، يجد من القلوب خشوعا، ومن النفوس خضوعا؛ فما اعتزت مملكة إليه إلا صالت، ولا التحفت بشعاره إلا طالت. ولن يستغزر الوزير موادّه إلا بالعدل والإحسان، ولن يستنزرها بمثل الجور والإساءة؛ لأن العدل استثمار دائم، والجور استئصال منقطع.
وليس يختصّ بالأموال دون الأقوال والأفعال؛ فعدله فى الأموال أن تؤخذ بحقّها وتدفع إلى مستحقّها؛ لأنه فى الحقوق سفير مؤتمن، وكفيل مرتهن؛ عليه غرمها، ولغيره غنمها. وعدله فى الأقوال ألّا يخاطب الفاضل بخطاب المفضول، ولا العالم بخطاب الجهول؛ ويقف فى الحمد والذّمّ على حسب الإحسان والإساءة، ليكون
стр. 1990
إرغابه وإرهابه وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير؛ فلسانه ميزانه، فليحفظه من رجحان أو نقصان. وعدله فى الأفعال ألّا يعاقب إلا على ذنب، ولا يعفو إلا عن إنابة، ولا يبعثه السّخط على اطّراح المحاسن، ولا يحمله الرضا على العفو عن المساوئ.
وليكن وفاؤه بالوعد حتما [١] ، وبالوعيد حزما؛ لأن الوعد حقّ عليه لغيره يسقط فيه اختياره، والوعيد حقّ له على غيره فهو فيه على خياره. فمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد وإن جاز إخلاف الوعيد. قال بعض الشعراء:
وإنى إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعدى
لكن ينبغى أن يقرن بخلف الوعيد عذرا حتى لا يهون وعيده؛ ليكون نظام الهيبة محفوظا، وقانون السياسة فيه مضبوطا؛ وليظهره إن خفى ليكون بإخلاف وعيده معذورا، وبعفوه عنه مشكورا. ولتكن أفعاله أكثر من أقواله؛ فإن زيادة القول على الفعل دناءة وشين، وزيادة الفعل على القول مكرمة وزين. ولا يجعل لغضبه سلطانا على نفسه يخرجه عن الاعتدال الى الاختلال؛ فلن يسلم بالغضب رأى من زلل، ولا كلام من خطل؛ لأن ثورته طيش معرّ، ونفرته بطش مضرّ؛ لأنه يخرج عن التأديب الى الانتقام، وعن التقويم الى الاصطلام [٢] .
قال ابن عبّاس: لم يمل إلى الغضب إلّا من أعياه سلطان الحجّة. وقال بعض السّلف: إيّاك وعزّة الغضب، فإنها تفضى بك الى ذلّ الاعتذار. وقال بعض الحكماء: من كثر شططه، كثر غلطه. قال بعض الشعراء:
ولم أر فى الأعداء حين اختبرتهم ... عدوّا لعقل المرء أعدى من الغضب
стр. 1991
وليكن غضبه تغاضبا يملك به عزمه، ويقوّم به خصمه، فيسلم من جور غضبه ويقف على اعتدال تغاضبه. فقد قيل فى بعض صحف بنى إسرائيل: إذا كان الرجل ذا غضب تواترت عليه الوضائع [١] ، فكلّما اشتدّ غضبه ازداد بلاء. وقد يقترن بالغضب لجاج يساويه فى معرّته، ويشاركه فى مضرّته؛ لأن فى اللّجاج التزام الخطأ واطّراح الصواب. فليدع عنه لجاج الخصم الألدّ، وليتجنّب عواقب المدل الفدم [٢] .
وليتابع الرأى فيما اقتضاه؛ فلأن ينتفع بالرأى خير من أن يستضرّ بالّلجاج. فقد قال بعض الحكماء: من استعان بالرأى ملك، ومن كابر الأمور هلك. وقال ابن المقفّع:
دع اللّجاج فإنه يكسر عزائم العقول. وقيل: الظّفر لمن احتجّ، لا لمن لجّ.
وليأخذ الوزير أموره بالجدّ دون الهزل. فالجدّ والهزل ضدّان متنافران؛ لأن الجدّ من قواعد الحقّ الباعث على الصلاح، والهزل من مرح الباطل الداعى إلى الفساد؛ فصار فرق ما بين الجدّ والهزل هو فرق ما بين الحقّ والباطل. وتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينهما [٣] ؛ فمتى انفرد بأحدهما كان للآخر تاركا.
وقد روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: العقل حسام قاطع، والحلم غطاء ساتر، فقابل هواك [٤] بعقلك، واستر خلل خلقك بحلمك، واستعمل الجدّ ينقد إليك الحقّ ويفارقك الباطل. ولا تعدل إلى الهزل فيتبعك الباطل وينافرك الحقّ. وقلّما انثلمت هيبة الجدّ أو تكاملت هيبة الهزل. والهيبة أسّ السلطنة.
стр. 1992
حكى عن عمرو بن مرّة أن رجلا من قريش قال لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه: لن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة؛ فقال عمر: أفى ذلك ظلم؟ قال: لا؛ قال:
فزادنى الله فى صدوركم مهابة. وقال حكيم الهند: ليكن [فيك [١]] مع طلاقتك تشدّد، لئلّا يجترأ عليك بالطلاقة وينفر منك بالتشدّد. والهزل إنما يكون من سخف أو بطر يجلّ عنهما من ساس الرعايا ودبّر الممالك. وسأل ملك الهند الإسكندر [وقد دخل بلاده [٢]] : ما علامة [دوام [٣]] الملك؟ قال: الجدّ فى كلّ الأمور؛ قال: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيها. وليس الكبر والعنف جدّا، ولا التواضع واللطف هزلا.
قالوا: وإن استكدّ الجدّ خاطره فلا بأس أن يستروح ببعض الهزل ليستعين به على مصابرة الجدّ، لكن يكون فى زمان راحته وأوقات خلوته بمقدار دوائه من دائه، فإن الكلال ملال [٤] . وليكن ذلك كما قال بعض الشعراء:
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة ... يجمّ وعلّله بشىء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطى الطعام من الملح
وكذلك فليتحرّ الصدق ويتجنّب الكذب، فإنّهما ضدّان متنافران تختلف عللهما وتفترق نتائجهما؛ فالصدق من لوازم العقل وهو أسّ الدّين وقوام الحقّ؛ والكذب من غرائز الجهل وهو زور يقترن بغرور، إن التبست أوائله انهتكت [٥] أواخره، وإن جرّ التباسه نفعا عاد انهتاكه ضررا، فلن يسلم من معرّة زوره، ومضرّة غروره.
وقد قدّمنا من مدح الصدق فى باب المدح، وذمّ الكذب فى باب الهجاء، ما فيه غنية عن تكراره. وحيث ذكرنا هذه المقدّمة فى اشتقاق الوزارة وما يحتاج الوزير إليه فلنذكر صفة الوزارة وشروطها.
стр. 1993
ذكر صفة الوزارة وشروطها
قال أقضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد بن حبيب الماوردىّ: والوزارة ضربان: وزارة تفويض تجمع بين كفايتى السيف والقلم، ووزارة تنفيذ تختصّ بالرأى والحزم. ولكل واحدة منهما حقوق وشروط.
فأما وزارة التفويض فهى: الاستيلاء على التدبير بالعقد، والحلّ، والتقليد والعزل. فأما العقد فيشتمل على شرطين: تنفيذ [١] وإقدام. [وأما الحلّ [٢]] فيشتمل على شرطين: دفاع وحذر. وكلّ شرط من هذه الأربعة الشروط يشتمل على فصول.
فأما الشرط الأول، وهو التنفيذ، فهو أسّ [٣] الوزارة وقاعدة النيابة، وهو الأخصّ بكفاية القلم فى مصالح الملك واستقامة الأعمال. ويشتمل على أربعة أقسام:
الأوّل- تنفيذ ما صدرت به أوامر الملك. وعلى الوزير فيها حقّان: أحدهما أن يتصفّحها من زلل فى ابتدائها، ويحرسها من خلل فى أثنائها [٤] ؛ ليردّه عن زللها باللطف، ويقوّى عزمه على صوابها بالإحماد. وقد قال أفلاطون: أوّل رياضة الوزير أن يتأمّل أخلاق الملك ومعاملته، فإن كانت شديدة فظّة عامل الناس بدونها، وإن كانت ليّنة مطلقة عاملهم بأقوى منها، ليقرب من العدل فى سعيه. والثانى:
стр. 1994
تعجيل إمضائها للوقت المقدّر لها حتى لا يقف فيوحش، [لأن وقوف أوامره يوحش [١]] وهو مندوب للتنفيذ دون الوقوف. وقد قال حكيم الهند: العجلة فى الأمر خرق، وأخرق منه التفريط فى الأمر بعد القدرة عليه. ودرك [٢] هذا التنفيذ عائد على الملك دون الوزير.
القسم الثانى- تنفيذ ما اقتضاه رأى الوزير من تدبير المملكة. فعليه فى إمضائه حقّان: أحدهما أن يراعى [٣] أولى الأمور فى اجتهاده، وأصوبها فى رأيه، لأنه مندوب لأصلحها ومأخوذ بأصوبها. والثانى أن يطالع الملك به إن جلّ، ويجوز أن يطويه إن قلّ، ليخرج عن الاستبداد المنفّر، ويسلم من الحقد المؤثّر. وقال حكيم الهند: الأحقاد مؤثّرة حيث كانت، وأخوفها ما كان فى أنفس الملوك، لأنهم يدينون بالانتقام ويرون التطلّب بالوتر مكرمة وفخرا. فإن عارضه الملك فى رأيه بعد المطالعة به لم يستوحش من معارضته، لأنه مالك مستنيب، وظانّ مستريب؛ وقابل بين رأيه ومعارضته، واستوضح من الملك أسباب المعارضة بلطف إن خفيت، فإن وضح صوابها توقّف عن رأيه وشكره على استدراك زلله وتلافى خلله وقد منّ عليه ولم يؤنّب. وإن كان الصواب مع الوزير تلطّف فى إيضاح صوابه، وكشف علله وأسبابه. فإن ساعده على إمضائه أمضاه؛ وكان درك تنفيذه عائدا على الوزير دون الملك. وإن لم يساعده عليه توقّف انقيادا لطاعته؛ وكان درك وقوفه عائدا على الملك دون الوزير.
والقسم الثالث- تنفيذ ما صدر عن خلفائه على الأعمال التى فوّضها إلى آرائهم ووكلها إلى اجتهادهم. فإن تفرّدوا بتنفيذها أمضاها لهم ولم يتعقّبها عليهم ما لم
стр. 1995
يتحقّق زللهم فيها؛ وكان درك تنفيذها عائدا على العمّال دون الوزير. وإن وقفوها على تنفيذ الوزير فعليه فى تنفيذها حقّان: أحدهما أن يستكشف عن أسبابها، ليعلم خطأها من صوابها. والثانى تقوية أيديهم ونفى الارتياب عنهم، فإن ظهور الارتياب مجشّة [١] للقلوب. فإن نفّذها لهم حين لم يتحقّق زللهم فيها كان درك تنفيذها عائدا على الوزير دون العمّال.
والقسم الرابع- تنفيذ أمور الرعايا على ما ألفوه من عادات ومعاملات اختلفوا فيها حين ائتلفوا بها، لأنّ الناس مجبولون على الحاجة إلى أنواع لا يقدر الواحد أن يقوم بجميعها، فخولف بين هممهم لينفرد كلّ قوم بنوع منها فيأتلفوا بها، فيقوم الزرّاع بمزارعهم، ويتشاغل الصنّاع بصنائعهم، ويتوفّر التجّار على متاجرهم.
وعليه فى تنفيذها لهم حقّان: أحدهما ألّا يعارض صنفا منهم فى مطلبه، والثانى ألّا يشاركه فى مكسبه. وربما كان للسلطان رأى فى الاستكثار من أحد الأصناف فينقل إليه من لم يألفه فيختلّ النظام بهم فيما نقلوا عنه وفيما نقلوا إليه. وربما ضنّ السلطان عليهم بمكاسبهم فتعرّض لها أو شاركهم فيها فاتّجر مع التجار وزرع مع الزرّاع.
وهذا وهن فى حقوق السياسة وقدح فى شروط الرياسة من وجهين: أحدهما أنه إذا تعرّض لأمر، قصرت فيه يد من عداه؛ فإن تورك عليه لم ينهض به، وإن شورك فيه ضاق على أهله.
وقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «ما عدل وال اتّجر فى رعيّته»
. والثانى لأن الملوك أشرف الناس منصبا فخصّوا بموادّ السلطنه، لأنها أشرف الموادّ مكسبا. فإن زاحموا العامّة فى رذل [٢] مكاسبهم أوهنوا الرعايا ودنّسوا
стр. 1996
الممالك؛ وعاد وهنهم عليها فاختلّ نظامها، واعتلّ مرامها.
وقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال «إذا اتّجر الراعى هلكت الرعيّة»
. وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: أىّ ملك تطنّف [١] نفسه إلى المحقّرات فالموت أكرم له.
فهذا ما اشتمل عليه الشرط الأوّل.
وأما الشرط الثانى من شروط وزارة التفويض، فهو الدفاع. وهو أسّ السلطنة وقانون السياسة والأخصّ بكفاية السيف فى تدبير الملك وضروب المصالح.
ويشتمل على أربعة أقسام: أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء، والثانى الدفاع عن المملكة من الأعداء، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء، والرابع دفاعه عن الرعية من خوف [٢] واختلال.
فالقسم الأول فى دفاعه عن الملك من أوليائه- ويكون بثلاثة أسباب: أحدها أن يقودهم إلى طاعته بالرغبة، ويكفّهم عن معصيته بالرهبة؛ فإن الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلّت لهما وانقادت خوفا وطمعا، وبهما تعبّد الله الخلق فى وعده ووعيده. والثانى أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوّة أو يتفرّقوا بالضعف؛ وكلاهما قدح فى الملك. والثالث أن يحفظهم من الإغواء، ويحرسهم من الإغراء؛ وذلك بأمرين: أحدهما البحث عن أخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم. والثانى بإبعاد المفسدين عنهم حتى لا يتعدّى إليهم فسادهم؛ فإن الكفّ بحسب الكشف.
стр. 1997
والقسم الثانى فى دفاعه عن المملكة من أعدائها- وأعداء الممالك [١] من انفرد بملك أو امتنع بقوّة. وهم ثلاثة أصناف: أكفاء مماثلون، وعظماء متقدّمون، وناجمة منافسون. فأما الأكفاء المماثلون فيدفعون بالمقاربة والمسالمة. وأما العظماء المتقدّمون فيدفعون بالملاطفة والملاينة. وأما الناجمة المنافسون فيدفعون بالسوط والمخاشنة.
والقسم الثالث فى دفاع الوزير عن نفسه من أكفائه- ويكون بعد استصلاح الطرفين: الأعلى وهو الملك، والأدنى وهم الأعوان. وأكفاؤه ثلاثة:
واتر، وموتور، ومنافس.
فأما الواتر- فقد بدأ بشرّه وجاهر بعداوته؛ وكلاهما بغى مؤنس [٢] بالنصر عليه. وللوزير فى ترته حقّان: حقّ فى مقابلته على ما قدّم من ترته، وحق فى استدفاع ما جاهر به من عداوته. فأما حقه فى المقابلة، فإن عفا الوزير عنها كان بالفضل جديرا، وإن قابل كان فى المقابلة معذورا. وقد قيل: لذّة العفو أطيب من لذّة التشفى [لأن لذّة العفو يتبعها الحمد ولذة التشفى يعقبها الندم [٣]] . قال الشاعر:
فإنّك تلقى فاعل الشّرّ نادما ... عليه ولم يندم على الخير فاعله
وأما حقّه فى استدفاع شرّه، فقد أيقظته مجاهرته، وأوهن كيده مظاهرته.
وقد قيل فى منثور الحكم: أوهن الأعداء كيدا أظهرهم بعداوته. فاحذر بادرته وادفع [٤] عداوته. ودفعها مختلف باختلاف طباعه فى انثنائه بالرغبة وتقويمه بالرهبة.
стр. 1998
وأما الموتور- فقد بودئ بالإساءة فصبر عليها، وجوهر بالعداوة فأخفاها؛ فله ترة مظلوم ووثبة مختلس، فتتوقّى ترة ظلامته بالاستعطاف، ووثبة مخالسته بالاحتراز.
وأما المنافس- فهو طالب رتبة إن نال منها سدادا من عوز ياسر، وإن ضويق فيها نافر. فليرخ [١] الوزير له عنان الأمل، وليخفض [٢] له جناح منافسته بالاستنابة والعمل؛ ليندفع بالمياسرة عن المنافرة. وليغالط [٣] به الأيام، فإن الساعات تهدم الأعمار، ولا يجعل له فراغا يتشاغل فيه بمساءته، ويجعله عذرا فى السعى على منزلته.
فإن ساق القضاء إليه حظّا كان له مصطنعا، يرعى له حقوق الاصطناع. فقد قيل:
[من [٤]] علامة الإقبال، اصطناع الرجال. فإن صدّه القضاء عن إرادته وعجّزه القدر عن طلبته كفى الوزير منه ما خافه [وقد أحسن [٥]] ، ووصل إلى ما أراده [وقد أجمّ [٦]] ، وأوجب بإحسانه شكرا، وأقام بإجمامه عذرا، اجتذب بهما قياد منافسه إلى طاعته، وصرفه بهما عن التعرّض لمنافسته. فهنالك يجعله قبلة رجائه؛ إذ لم يحظ بخير إلّا منه، ولم يقض من زمان وطرا إلّا به. وقد قيل فى منثور الحكم: من استصلح الأضداد، بلغ المراد.
стр. 1999
وربما تعرّض لعداوة الوزير من قصّر عن رتبة منافسته. فليعطه [١] من رجائه طرفا، وليقبض [٢] من زمامه طرفا، وليختبره [٣] فيهما، فسيقف على صلاحه أو فساده. فإن صلح سوعد، وإن فسد بوعد. فقد قال أردشير بن بابك: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقد قيل فى منثور الحكم: علّة المعاداة، قلّة المبالاة.
والقسم الرابع فى الدفاع عن الرعية من خوف [٤] واختلال- فالخوف من نتائج الخرق [٥] ، والاختلال من نتائج الإهمال؛ وكلاهما من سوء السّيرة وفساد السياسة، [لتردّدهما بين تفريط وإفراط، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو إسراف [٦]] .
وهم قوام الملك المستمدّ، وذخيرة المستعدّ. وليس يستقيم ولن يستقيم ملك فسدت فيه أحوال الرعايا، لأنّه منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوّته ولا يستقلّ إلا بمعونته. وعلى الوزير لهم ثلاثة حقوق:
أحدها أن يعينهم على صلاح معايشهم ووفور مكاسبهم، لتتوفّر بهم موادّه، وتعمر بهم بلاده.
والثانى أن يقتصر منهم على حقوقه، ويحملهم فيها على إنصافه، ليكونوا على الاستكثار أحرص، وفى الطاعة أخلص؛ ولا يكلهم فى مقادير الحقوق الى غيره، ليكونوا له أرجى وعليه أحنى.
стр. 2000
والثالث أن يحوطهم بكفّ الأذى عنهم، ومنع الأيدى الغالبة منهم؛ ليكون لهم كالأب الرءوف ويكونوا له كالأولاد البررة؛ فإنّه كافل مسترعى ومسئول مؤاخذ.
ولله عليه فيهم حقّ، وللسلطان عليه فيهم [١] تبعة. فليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه، ويجمّل بعدله فيهم آثار سلطانه.
وأما الشرط الثالث من شروط وزارة التفويض وهو الإقدام، فهو فى السياسة أوفى شطريها [٢] ، وفى الوزارة أكفى [٣] نظريها؛ لظفر الإقدام، وخيبة الإحجام. وقد قيل فى منثور الحكم: بالإقدام تثبت الأقدام. وإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه، وقصدت أبوابه. قال الشاعر:
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدى
ثم يجمع بعدهما بين حزمه وعزمه. فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأى، والعزم تنفيذها للوقت المقدّر لها. فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة- وهى: ظهور أسبابه، وقصد أبوابه، والحزم، والعزم- لم يمنع من الظّفر، إلا عوائق القدر.
والإقدام ينقسم إلى قسمين: أحدهما الإقدام على اجتلاب المنافع، والثانى على دفع المضارّ. فأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان: أحدهما استضافة ملك، والثانى استزادة موادّ. فأما استضافة الملك فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة. ولأن تكون بالاغتيال والاحتيال، أولى من أن تكون بالقتال.
وأما استزادة الموادّ فتكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفّر بهما الزراعة؛ فإنّ الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوان متطوّعون يقنعهم