← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم فإنه وفّى المناسبة حقّها فى صحة العنعنة برواية السيول عن الحيى عن البحر، وجعل الغاية فيها جود الممدوح. والمناسبة اللفظيّة: توخّى الإتيان بكلمات متزنات، وهى على ضربين: تامّة وغير تامّة فالتامّة: أن تكون الكلمات مع الاتّزان مقفّاة، فمن شواهد التامّة قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ومن الحديث النبوىّ- صلاة الله وسلامه على قائله- قول النبى ﷺ للمحسن والحسين- رضى الله عنهما-: «أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كل شيطان وهامّه، ومن كل عين لامّه» ولم يقل: «ملمّه» وهى القياس لمكان المناسبة اللفظيّة التامّة؛ ومن شواهد الناقصة قوله ﷺ : «ألا أخبركم بأحبّكم إلىّ وأقربكم منّى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا» ومما جمع بين المناسبتين قوله ﷺ : «اللهم إنى أسألك رحمة تهدى بها قلبى، وتجمع بها أمرى، وتلمّ بها شعثى، وتصلح بها غايتى، وترفع بها شاهدى، وتزكىّ بها عملى، وتلهمنى بها رشدى، وتردّ بها ألفتى، وتعصمنى بها من كلّ سوء، اللهم إنى أسألك العون فى القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء» فناسب ﷺ بين قلبى وأمرى، وغايتى وشاهدى مناسبة غير تامّة، لأنها فى الزّنة دون التقفية، وناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامّة فى الزّنة والتقفية؛

стр. 2382

ومن أمثلة المناسبتين قول أبى تمّام: مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ «١» إلا أنّ تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامّة، وناسب بين الوحش والخطّ، وأوانس وذوابل مناسبة غير تامّة. وأما التفريع - فهو أن يصدّر المتكلّم أو الشاعر كلامه باسم منفىّ ب «ما» خاصّة، ثم يصف الاسم المنفىّ بمعظم أوصافه اللائقة به فى الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلا يفرّع منه جملة من جارّ ومجرور متعلّقة [به «٢» ] تعلّق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفىّ الموصوف كقول الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب «٣» شرق ... مؤزّر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل وقول عاتكة المرّية: وما طعم ماء أىّ ماء تقوله «٤» ... تحدّر من غرّ طوال الذوائب بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب

стр. 2383

نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لعائب بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب وقد وقع الأصل والفرع لأبى تمّام فى بيت واحد، وهو: ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها الترب ومما ورد فى النثر رسالة ابن القمّىّ التى كتبها إلى سبإ بن أحمد صاحب صنعاء: وأمّا حال عبده بعد فراقه فى الجلد، فما أمّ تسعة من الولد؛ ذكور، كأنهم عقبان وكور؛ اخترم منهم ثمانيه، فهى على التاسع حانيه، فنادى النذير فى البادية، ياللعادية ياللعادية؛ فلما سمعت الداعى «١» ، ورأت الخيل سواعى؛ أقبلت تنادى ولدها: الأناة الأناه، وهو يناديها: القناة القناه بطل كأنّ ثيابه فى سرحة «٢» ... يحذى نعال السّبت «٣» ليس بتوأم فلما رمقته يختال فى غضون الزّرد الموضون «٤» أنشأت تقول: أسد أضبط يمشى ... بين طرفاء «٥» وغيل لبسه من نسج داود ... كضحضاح «٦» المسيل

стр. 2384

عرض له فى البادية أسد هصور، كأنّ ذراعه مسد معصور فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع فلما سمعت الرّعيل، برزت من الصّرم «١» بصبر قد عيل؛ فسألت عن الواحد فقيل: لحده اللّاحد «٢» فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السباعا عبثن به فلم يتركن إلا ... أديما قد تمزق أو كراعا بأشدّ من عبده تأسّفا، ولا أعظم كمدا وتلهّفا. قال: وذكر ابن أبى الإصبع فى التفريع قسما ذكره فى صدر الباب، وقال: إنه هو الذى استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة هى إما اسم أو صفة، ثم يكرّرها فى البيت مضافة إلى أسماء وصفات تتفرع عليها جملة من المعانى فى المدح وغيره، كقول المتنبىّ: أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضّراب أنا ابن الطّعان أنا ابن الفيافى أنا ابن القوافى ... أنا ابن السّروج أنا ابن الرّعان «٣» طويل النّجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السّنان حديد اللّحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان.

стр. 2385

وأما نفى الشىء بإيجابه - فهو أن يثبت المتكلّم شيئا فى ظاهر كلامه وينفى ما هو [من «١» ] سببه مجازا، والمنفىّ فى باطن الكلام حقيقة هو الذى أثبته كقول امرئ القيس: على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه «٢» العود النّباطىّ جرجرا فظاهر هذا الكلام يقتضى إثبات منار لهذه الطريق، ونفى الهداية «٣» به مجازا وباطنه فى الحقيقة يقتضى نفى المنار جملة، والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به، فكيف ولا منار لها، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير: ما أقلّ خيرك! فظاهر كلامك يدلّ على إثبات خير قليل، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله. وقول الزبير بن عبد المطلب يمدح عميلة بن عبد الدار «٤» - وكان نديما له-: صحبت بهم طلقا يراح الى الندى ... اذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره ضعيف بحثّ الكأس قبض «٥» بنانه ... كليل على وجه النديم أظافره فظاهر هذا أنّ للممدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى، وأنّ له أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشا ضعيفا، وباطن الكلام فى الحقيقة نفى المفاقر جملة، والأظافر بتّة.

стр. 2386

وأما الإيداع - قال: وأكثر الناس يجعلونه من باب التضمين، وهو منه إلّا أنه مخصوص بالنثر، وبأن يكون المودع نصف بيت، إما صدرا أو عجزا فمنه قول علىّ رضى الله عنه فى جواب كتاب لمعاوية: ثم زعمت أنّى لكلّ الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فلم تكن الجناية عليك، حتى تكون المعذرة إليك وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وأما الإدماج - فهو أن يدمج المتكلم غرضا له فى جملة معنى من المعانى قد نحاه ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض فى كلامه لتتمّة معناه الذى قصده، كقول عبيد الله بن عبد الله لعبد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد- وكان ابن عبيد الله «١» قد اختلّت حاله- فكتب الى ابن سليمان: أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدّم فأدمج شكوى الزمان فى ضمن التهنئة، وتلطّف فى المسألة مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال. وأما سلامة الاختراع - فهو أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق اليه ولم يتبعه أحد فيه، كقول عنترة فى الذباب: هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح «٢» المكبّ على الزناد الأجذم وكقول عدى بن الرّقاع فى تشبيه ولد الظبية: تزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها

стр. 2387

وكقول النابغة فى وصف النسور: تراهنّ خلف القوم زورا «١» عيونها ... جلوس الشيوخ فى مسوك «٢» الأرانب وكقول أبى تمّام: لا تنكرى عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالى وقوله: ليس الحجاب بمقص عنك لى أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب وقول ابن حجاج: وإنّى «٣» والمولى الذى أنا عبده ... طريفان «٤» فى أمر له طرفان بعيدا ترانى منه أقرب ما ترى ... كأنى يوم العيد فى رمضان. وأما حسن الاتباع - فهو أن يأتى المتكلّم إلى معنى قد اخترعه غيره فيتّبعه فيه اتباعا يوجب له استحقاقه، إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة نظمه، أو سهولة سبكه «٥» ، أو إيضاح معناه، أو تتميم نقصه، أو تحليته بما توجبه الصناعة، أو بغير ذلك من وجوه الاستحقاقات؛ كقول شاعر جاهلىّ فى صفة جمل: وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقى من معاهدها ذكر

стр. 2388

وقلت له ذلفاء ويحك سبّبت ... لك الضرب فاصبر إنّ عادتك الصبر فأحسن ابن المعتز اتّباعه حيث قال يصف خيله: وخيل طواها القود «١» حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخطّ ذبّل صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل واتّبع أبو نواس جريرا فى قوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهمو غضابا فقال أبو نواس- ونقل المعنى من الفخر إلى المدح-: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد وقول النّميرىّ فى أخت الحجّاج: فهنّ اللواتى إن برزن قتلننى ... وإن غبن قطّعن الحشى حسرات فاتّبعه ابن الرومىّ فقال: ويلاه إن نظرت وإن هى أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم. وأما الذمّ فى معرض المدح - فهو أن يقصد المتكلّم ذمّ إنسان فيأتى بألفاظ موجّهة، ظاهرها المدح، وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول بعضهم فى الشريف بن الشّجرىّ: يا سيّدى والذى يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر ما فيك من جدّك النبىّ سوى ... أنك لا ينبغى لك الشعر. وأما العنوان - فهو أن يأخذ المتكلّم فى غرض له من وصف أو فخر أو مدح أو هجاء أو غير ذلك، ثم يأتى لقصد تكميله بألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدّمة، وقصص سالفة؛ كقول أبى نواس:

стр. 2389

يا هاشم بن حديج ليس فخركمو ... بقتل صهر رسول الله بالسّدد أدرجتمو فى إهاب العير جثّته ... لبئس ما قدّمت أيديكمو لغد إن تقتلوا ابن أبى بكر فقد قتلت ... حجرا بدارة ملحوب «١» بنو أسد ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت من ولد وربّ كنديّة قالت لجارتها ... والدمع ينهلّ من مثنى «٢» ومن وحد ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية ... عن ثأره وصفات النّؤى والوتد فقد أتى أبو نواس فى هذه الأبيات بعدّة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبى بكر، وقتل حجر أبى امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند كندة فى ضمن هجو من أراد هجوه، وعيّر «٣» المهجوّ بما أشار اليه من الأخبار الدالّة على هجاء قبيلته؛ ومثل ذلك قول أبى تمام فى استعطاف مالك بن طوق على قومه: رفدوك فى يوم الكلاب «٤» وشقّقوا ... فيه المزاد بجحفل غلّاب «٥» وهمو بعين أباغ «٦» راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحرّاب

стр. 2390

وليالى الثّرثار «١» والحشّاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب «٢» فمضت كهولهمو ودبّر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب وقال بعد ذلك: لك فى رسول الله أعظم أسوة ... وأجلّها فى سنّة وكتاب أعطى المؤلّفة القلوب رضاهمو ... [كملا] وردّ أخائذ الأحزاب «٣» والجعفريّون استقلّت ظعنهم ... عن قومهم وهمو نجوم كلاب حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشطّ بهم عن الأحباب ورأوا بلاد الله قد لفظتهمو ... أكنافها رجعوا إلى جوّاب فأتوا كريم الخيم مثلك صافحا ... عن ذكر أحقاد وذكر «٤» ضباب فانظر الى ما أتى به أبو تمّام فى هذه الأبيات من العنونات من السيرة النبوية وأيام العرب، وأخبار بنى جعفر بن كلاب، ورجوعهم الى ابن عمهم جوّاب؛ وكقوله أيضا لأحمد بن أبى دؤاد:

стр. 2391

تثبّت إنّ قولا كان زورا ... أتى النعمان قبلك عن زياد وأرّث «١» بين حىّ بنى جلاح ... لظى حرب وحىّ بنى مصاد وغادر فى صدور الدهر قتلى ... بنى بدر على ذات الإصاد «٢» فأتى بعنوان يشير به الى قصة النابغة حين وشى به الى النعمان، فجرّ ذلك من الحروب ما تضمّنت أبياته. وأما الإيضاح - وهو أن يذكر المتكلّم كلاما فى ظاهره لبس، ثم يوضحه فى بقيّة كلامه، كقول الشاعر: يذكّرنيك الخير والشّرّ كلّه ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل فإن الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع بجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعد: فألقاك عن مكروهها متنزّها ... وألقاك فى «٣» محبوبها ولك الفضل أوضح المعنى المراد، وأزال اللّبس، ورفع الإشكال والشك. وأما التشكيك - فهو أن يأتى المتكلّم فى كلامه بلفظة تشكّك المخاطب هل هى فضلة أو أصليّة لا غنى للكلام عنها؟ مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ فإن لفظة بدين تشكّك السامع هل هى فضلة أو أصليّة؟ فالضعيف النظر يظنّها فضلة لأن لفظة تداينتم تغنى عنها، والناظر فى علم البيان يعلم أنها أصليّة

стр. 2392

لأن لفظة الدّين لها محامل، تقول: داينت فلانا المودّة، يعنى جازيته، ومنه: «كما تدين تدان» ومنه قول رؤبة: داينت أروى والدّيون تقضى ... فمطلت بعضا وأدّت بعضا وكلّ هذا هو الدّين المجازىّ الذى لا يكتب ولا يشهد عليه، ولمّا كان المراد من الأية تمييط الدّين المالىّ الذى يكتب ويشهد عليه، وتيسير «١» ، أحكامه، أوجبت البلاغة أن يقول: «بدين» ليعلم حكمه. وأما القول بالموجب - فهو ضربان: أحدهما أن تقع صفة فى كلام مدّع شيئا يعنى به نفسه، فثبتت تلك الصفة لغيره من غير تصريح بثبوتها له، ولا نفيها «٢» عنه، كقوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فإنهم كنوا بالأعزّ عن فريقهم، وبالأذلّ عن فريق المؤمنين، فأثبت الله صفة العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرّض لثبوت حكم الإخراج بصفة العزّة ولا لنفيه. والثانى حمل كلام المتكلّم مع تقريره على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلّقه كقول الشاعر «٣» :

стр. 2393

قلت: ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال «١» : ثقّلت كاهلى بالأيادى قلت: طوّلت قال: «٢» [لى] بل تطوّلت: ... وأبرمت قال: حبل الوداد ومنه قول الأرّجانى: غالطتنى إذ كست جسمى ضنى البيتين، وقد تقدّم الاستشهاد بهما فى الاستدراك. وللمولى شهاب الدين محمود الحلبىّ الكاتب فى ذلك: رأتنى وقد نال منّى النّحول ... وفاضت دموعى على الخدّ فيضا فقالت: بعينىّ هذا السّقام ... فقلت: صدقت، وبالخصر أيضا وقول محاسن الشّوّاء: ولما أتانى العاذلون عدمتهم ... وما فيهمو إلا للحمى قارض وقد بهتوا لمّا رأونى شاحبا ... وقالوا: به عين فقلت: وعارض. وأما القلب - فهو أن يكون الكلام أو البيت كيفما انقلبت حروفه كان بحاله لا يتغيّر، ومنه فى التنزيل قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وقولهم: ساكب كاس؛ ومنه قول العماد الأصفهانىّ للقاضى الفاضل: سر فلا كبابك الفرس، وجواب القاضى الفاضل له: دام علا العماد، وهى أوّل قصيدة للأرّجانىّ، مطلعها: «دام علا العماد» ، ومن ذلك قول الأرّجانىّ: مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم

стр. 2394

وأما التندير - فهو أن يأتى المتكلّم بنادرة حلوة، أو نكتة مستظرفة يعرّض فيها بمن يريد ذمّه بأمر، وغالب ما يقع فى الهزل، فمنه قول أبى تمام فيمن» سرق له شعرا: من بنو بحدل، من ابن الحباب «٢» ... من بنو تغلب غداة الكلاب من طفيل، من عامر، أم من الحا ... رث، أم من عتيبة بن شهاب إنما الضّيغم الهصور أبو الأش ... بال هتّاك كلّ خيس «٣» وغاب من عدت خيله على سرح شعرى ... وهو للحين راتع فى كتاب يا عذارى الكلام صرتنّ من بع ... دى سبايا تبعن فى الأعراب لو ترى منطقى أسيرا لأصبح ... ت أسيرا ذا عبرة واكتئاب طال رغبى إليك مما أقاسي ... هـ ورهبى يا ربّ فاحفظ ثيابى ومن ذلك ما قاله شهاب الدين بن الخيمىّ يعرّض بنجم الدين بن اسرائيل لمّا تنازعا فى القصيدة المعروفة لابن «٤» الخيمىّ التى أوّلها: يا مطلبا ليس لى من غيره أرب فقال من قطعة منها: هم العريب بنجد مذ عرفتهمو ... لم يبق لى معهم مال ولا نشب فما ألمّوا بحىّ أو ألمّ بهم ... إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا لم يبق منطقه قولا يروق لنا ... لقد شكت ظلمه الأشعار والخطب.

стр. 2395

وأما الإسجال بعد المغالطة - فهو أن يقصد الشاعر غرضا من ممدوح فيشترط لحصوله شرطا، ثم يقدّر وقوع ذلك الشرط مغالطة ليسجّل به استحقاق مقصوده، كقول بعضهم: جاء الشتاء وما عندى لقرّته ... إلا ارتعادى وتصفيقى بأسنانى فإن هلكت فمولانا يكفّننى ... هبنى هلكت فهبنى بعض أكفانى. وأما الافتنان - فهو أن يأتى الشاعر بفنّين متضادّين من فنون الشعر فى بيت واحد، مثل التشبيب والحماسة، [والمديح «١» ] والهجاء، والهناء والعزاء فأما ما جمع فيه بين التشبيب والحماسة فكقول عنترة: إن تغد فى دونى القناع فإننى ... طبّ «٢» بأخذ الفارس المستلئم وكقول أبى دلف- ويروى لعبد الله بن طاهر-: أحبّك يا جنان وأنت منّى ... محلّ الرّوح من جسد الجبان ولو أنى أقول محلّ روحى ... لخفت عليك بادرة الطّعان. وأما ما جمع فيه بين تهنئة وتعزية فقد تقدّم ذكر ذلك فى بابى التهانى والتعازى ومنه فيما لم نورده هناك ما كتب به المولى شهاب الدين محمود الكاتب تهنئة وتعزية لمن رزق ولدا ذكرا فى يوم ماتت له فيه بنت: ولا عتب على الدهر فيما اقترف، فقد أحسن الخلف؛ واعتذر بما وهب عما سلب، فعفا الله عمّا سلف.

стр. 2396

وأما الإبهام - بباء موحّدة فهو أن يقول المتكلّم كلاما مبهما يحتمل معنيين متضادّين، كقول بعضهم فى الحسن بن سهل لما تزوّج المأمون ببنته بوران: بارك الله للحسن ... ولبوران فى الختن يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من فلم يعرف مراده «ببنت من» هل أراد به الرفعة أو الضعة؟ ومنه قول بشّار فى خياط أعور اسمه عمرو: خاط عمرو لى قباء ... ليت عينيه سواء فأبهم المعنى فى الدعاء له بالدعاء عليه. وأما حصر الجزئىّ وإلحاقه بالكلىّ - فهو كقول السّلامىّ: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمى فى الظلام وصارمى ... ثلاثة أشباه «١» كما اجتمع النّسر وبشّرت آمالى بملك هو الورى ... ودار هى الدنيا، ويوم هو الدهر. فأما حصر أقسام الجزئىّ فإن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، وقد حصر ذلك؛ وأما جعله الجزئىّ كلّيّا فإن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدهر.

стр. 2397

وأما المقارنة - فهى أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة أو غير ذلك بوصل يخفى أثره إلّا على مدمن النظر فى هذه الصناعة، وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطيّة، كقول بعض «١» شعراء المغرب: وكنت إذا استنزلت من جانب الرضى ... نزلت نزول الغيث فى البلد المحل وإن هيّج الأعداء منك حفيظة ... وقعت وقوع النار فى الحطب الجزل فإنه لاءم بين الاستعارة والتشبيه المنزوع الأداة «٢» فى صدرى بيتيه وعجزيهما. وأما ما قرنت به الاستعارة من المبالغة فمثاله قول النابغة الذّبيانىّ: وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنيّة قاطع فإن فى كل من صدر البيت وعجزه استعارة ومبالغة، وإنما التى فى العجز أبلغ. ومما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة قول تميم بن مقبل: لدن غدوة حتى نزعنا عشيّة ... وقد مات شطر الشمس والشّطر مدنف فإنه عبّر بموت شطر الشمس عن الغروب، واستعار الدّنف للشطر الثانى. وأما الإبداع - فهو أن يأتى فى البيت الواحد من الشّعر، أو القرينة الواحدة من النثر بعدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله، وربما كان فى الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع، ومتى لم تكن كلّ كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع قال ابن أبى الإصبع: وما رأيت فيما استقريت من الكلام كآية استخرجت منها أحدا وعشرين ضربا من المحاسن، وهى قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ

стр. 2398

وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ : وهى المناسبة التامّة فى «ابلعى» و «أقلعى» ؛ والمطابقة بذكر الأرض والسماء؛ والمجاز فى قوله: «يا سماء» ، فإن المراد- والله أعلم- يا مطر السماء؛ والاستعارة فى قوله تعالى: «أَقْلِعِي» ؛ والإشارة فى قوله تعالى: «وَغِيضَ الْماءُ» فإنه عبّر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة؛ والتمثيل فى قوله تعالى: «وَقُضِيَ الْأَمْرُ» * فإنه عبّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له؛ والإرداف فى قوله: «وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ» فإنه عبّر عن استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكّنا بلفظ قريب من لفظ المعنى؛ والتعليل، لأن غيض الماء علّة الاستواء؛ وصحة التقسيم إذ استوعب الله تعالى أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذى ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها؛ والاحتراس فى قوله تعالى: «وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» إذ الدعاء عليهم يشعر أنهم مستحقّو الهلاك احتراسا من ضعيف العقل يتوهّم أن العذاب شمل من يستحقّ ومن لا يستحقّ، فتأكّد بالدعاء كونهم مستحقّين؛ والإيضاح فى قوله: «لِلْقَوْمِ» * ليبيّن أن القوم الذين سبق ذكرهم فى الآية المتقدّمة حيث قال: (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة وأنه يحصل بسقوطها لبس فى الكلام؛ والمساواة لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها؛ وحسن النّسق، لأنه تعالى عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب؛ وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كلّ لفظة لا يصلح موضعها غيرها؛ والإيجاز، لأنه اقتصّ القصّة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخلّ منها بشىء فى أقصر عبارة؛ والتسهيم، لأن أوّل الآية الى قوله: «أَقْلِعِي»

стр. 2399

يقتضى «١» آخرها؛ والتهذيب، لأنّ مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، عليها رونق الفصاحة، سليمة من التعقيد والتقديم والتأخير؛ والتمكّن، لأن الفاصلة مستقرّة فى قرارها، مطمئنّة فى مكانها؛ والانسجام، وهو تحدّر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء؛ وما فى [مجموع «٢» ] الآية من الإبداع، وهو الذى سمّى به هذا الباب. فهذه سبع عشرة لفظة تضمّنت أحدا وعشرين ضربا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها. وأما الانفصال - فهو أن يقول المتكلّم كلاما يتوجّه عليه فيه دخل لو اقتصر عليه، فيأتى بما يفصله عن ذلك الدّخل، كقول أبى فراس: ولقد نبّيت إبليس ... إذا راك يصدّ ليس من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد والفرق بين هذا وبين الاحتراس خلوّ «٣» الاحتراس من الدّخل عليه من كلّ وجه. وأما التصرف - فهو أن يتصرّف المتكلّم فى المعنى الذى يقصده، فيبرزه فى عدّة صور: تارة بلفظ الاستعارة، وطورا بلفظ التشبيه، وآونة بلفظ الإرداف وحينا بلفظ الحقيقة، كقول امرئ القيس يصف الليل: وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل فإنه أبرز المعنى بلفظ الاستعارة، ثم تصرّف فيه فأتى بلفظ التشبيه فقال:

стр. 2400

فيالك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل «١» ثم تصرّف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال: ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك «٢» بأمثل. وأما الاشتراك - فمنه ما ليس بحسن ولا قبيح، وهو الاشتراك فى الألفاظ مثل اشتراك الأبيرد وأبى نواس فى لفظة الاستعفاء، فإن الأبيرد قال فى مرثية أخيه: وقد كنت أستعفى الإله إذا اشتكى ... من الأجر لى فيه وإن عظم الأجر وقال أبو نواس: ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر «٣» حتى ما تقلّ جفونها ومنه الحسن، وهو الاشتراك فى المعنى، كقول امرئ القيس: كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلّل «٤» وقول ذى الرّمّة: كحلاء فى برج صفراء فى دعج «٥» ... كأنها فضّة قد مسّها ذهب

стр. 2401

فوقع «١» الاشتراك بينهما فى وصف المرأة بالصّفرة، غير أنّ الأوّل شبّه الصفرة بيضة النعامة، والآخر وصفها بالفضّة المموّهة؛ ومن الاشتراك المعنوىّ ما ليس بحسن ولا معيب، كقول كثير: وأنت التى حببت كلّ قصيرة ... إلىّ وما تدرى بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا، شرّ النساء البحاتر «٢» فإن لفظة قصيرة مشتركة، فلو اقتصر على البيت الأوّل لكان الاشتراك معيبا لكنه لما أتى بالبيت الثانى زال العيب، ولم يبلغ رتبة الحسن لما فيه من التضمين. وأما التهكّم - فالفرق بينه وبين الهزل الذى يراد به الجدّ أن التهكّم ظاهره جدّ وباطنه هزل، والهزل الذى يراد به الجدّ على العكس منه، فمن التهكّم قول الوجيه الذروىّ فى ابن أبى حصينة من أبيات: لا تظنّن حدبة الظّهر عيبا ... فهى فى الحسن من صفات الهلال وكذاك القسىّ محدودبات ... وهى أنكى من الظّبا والعوالى وإذا ما علا السّنام ففيه ... لقروم الجمال أىّ جمال وأرى الانحناء فى مخلب البازى ... ولم يعد مخلب الرئبال كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الإفضال فأتت ربوة على طود علم ... وأتت موجة ببحر نوال ما رأتها النساء إلا تمنّت ... أنها حلية لكلّ الرجال

стр. 2402

ثم ختمها بقوله: وإذا لم يكن من الهجر بدّ ... فعسى أن تزورنا «١» فى الخيال وكقول ابن الرومىّ: فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل. وأما التدبيج - وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد بها الكناية أو التورية بذكرها عن أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو نسيب أو غير ذلك من الفنون، فمن ذلك قول الحريرىّ فى بعض مقاماته: فمذ ازورّ المحبوب الأصفر واغبرّ العيش الأخضر، اسودّ يومى الأبيض، وابيضّ فودى «٢» الأسود، حتى رثى لى العدوّ الأزرق، فحبّذا الموت الأحمر. وهذا التدبيج بطريق التورية. وقال بعض المتأخّرين يصف موقف السلطان الملك الناصر بمصاف شقحب «٣» الكائن بينه وبين التتار فى شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة: وما زال بوجهه الأبيض، تحت علمه الأصفر، يكابد الموت الأحمر، تجاه العدوّ الأزرق، الى أن حال بينهما الليل الأسود، وبكّر فى غرّة نهار الأحد الأشعل وامتطى السبيل الأحوى الى أن حلّ بالأبلق. يريد بالأبلق: القصر الظاهرىّ الذى بالميدان الأخضر بظاهر مدينة دمشق؛ ومن أمثلة هذا الباب «٤» قول ابن حيّوس الدّمشقى:

стр. 2403

إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو قتال تلق بيض الوجوه سود مثار النّقع ... خضر الأكناف حمر النّصال. وأما الموجّه - فهو الذى «١» يمدح بشىء يقتضى المدح بشىء آخر، كقول المتنبىّ: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد وكقوله أيضا: عمر العدوّ إذا لاقاه فى رهج ... أقلّ من عمر ما يحوى إذا وهبا فأوّل البيتين وصف بفرط الشجاعة، وآخر الأوّل بعلوّ الدرجة، وآخر الثانى بفرط الجود. وأما تشابه الأطراف - فهو أن يجعل الشاعر [قافية «٢» ] بيته الأوّل أوّل البيت الثانى، وقافية الثانى أوّل الثالث، وهكذا إلى انتهاء كلامه، ومن أحسن ما قيل فيه قول ليلى الأخيليّة تمدح الحجّاج: إذا نزل الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذى بها ... غلام اذا هزّ القناة سقاها سقاها فروّاها بشرب سجالها ... دماء رجال يحلبون صراها «٣» . هذا ما أورده فى حسن التوسّل من علوم المعانى والبيان والبديع، وقد أتينا على أكثره بنصّه لما رأيناه من حسن تأليفه، وبديع ترصيفه، وأنّ اختصاره لا يمكن

стр. 2404

إلا عند الإخلال بفائدة لا يستغنى [عنها «١» ] فلم نحذف منه إلا ما تكرر من الأمثلة والشواهد، لاستغنائنا بما أوردناه عمّا حذفناه، فالنسبة فيه إلى فضائله وفضله والعمدة على شواهده ونقله؛ فلقد أحسن التأليف، وأجاد التعريف، واحتمل التوقيف؛ وحرّر الشواهد، وأوضح السّبيل حتى صار الغائب عن هذه الصناعة إذا طالع كتابه كالشاهد؛ وأبدع فى صناعة البديع، وبيّن علم البيان بحسن الترصيف والترصيع؛ واعتنى بألفاظ المعانى فصرّف أعنّتها ببنانه، وأبان مشكلها فأحسن فى بيانه؛ وحلّ من التعقيد عقالها الذى عجز غيره عن حلّه، وسهّل للأفهام مقالها فأبرزته الألسنة من محرّم اللفظ إلى حلّه؛ فله المنّة فيما ألّف، والفضل بما صنّف. وأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة- فالاقتباس والاستشهاد والحل: [فالاقتباس «٢» ] هو أن يضمن الكلام «٣» شيئا من القرآن أو الحديث، ولا ينبّه عليه للعلم به، كما فى خطب ابن نباتة، كقوله: فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدّقون؟ ما لكم لا تشفقون؟ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ . وكقوله أيضا: يوم يبعث الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لجهنّم وقودا، يوم تكونون «شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدا» يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً. ومن ذلك ما أورد المولى شهاب الدين محمود فى تقليد عن الإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد بالسلطنة، جاء منه: وجمع بك شمل الأمة بعد أن «كاد يزيغ

стр. 2405

قلوب فريق منهم» ، وعضّدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضى الله عنهم؛ وخصّك بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم فارهون، وأظهرك على الذين «ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور حتّى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون» وأمثال ذلك. وأما الاستشهاد بالآيات - فهو أن ينبّه عليها، كقول الحريرىّ: فقلت وأنت أصدق القائلين: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ونحو ذلك. وفى الأحاديث بالتنبيه عليها أيضا، كقول المولى شهاب الدين محمود فى خطبة تقليد حاكمىّ: ونصلى على سيدنا محمد الذى استخرجه الله من عنصر أهله وذويه، وشرّف قدر جدّه بقوله فيه: «إنّ عمّ الرجل صنو أبيه» وسرّه بما أسرّ إليه من أنّ هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه. وأمثال ذلك [لا تحصر «١» ] . [وأما الحلّ «٢» ]- وهو باب متّسع المجال، وملاك أمر المتصدّى له أن يكون كثير الحفظ [للأحاديث «٣» النّبويّة والآثار والأمثال والأشعار لينفق منها وقت الاحتياج اليها] . قال: وكيفيّة الحلّ أن يتوخّى هدم البيت المنظوم، وحلّ فرائده من سلكه، ثم يرتّب تلك الفرائد وما شابهها ترتيب متمكّن لم يحصره الوزن، ويبرزها فى أحسن سلك، وأجمل قالب، وأصحّ سبك، ويكمّلها بما يناسبها من أنواع البديع إن أمكن ذلك من غير كلفة، ويتخيّر لها القرائن، واذا تم معه المعنى المحلول فى قرينة واحدة يغرم له من حاصل فكره، أو من ذخيرة حفظه ما يناسبه، وله أن ينقل المعنى إذا لم يفسده إلى ما شاء، فإن كان نسيبا وتأتّى له أن يجعله مديحا فليفعل، وكذلك غيره

стр. 2406

من الأنواع؛ واذا أراد الحلّ بالمعنى فلتكن ألفاظه مناسبة لألفاظ البيت المحلول غير قاصرة عنها، فمتى قصرت عنها ولو بلفظة واحدة فسد ذلك الحلّ وعدّ معيبا؛ واذا حلّ باللفظ فلا يتصرّف بتقديم ولا تأخير ولا تبديل إلا مع مراعاة نظام الفصاحة فى ذلك، واجتناب ما ينقص المعنى ويحطّ رتبته؛ وهذا الباب لا تنحصر المقاصد فيه، ولا حجر على المتصرّف فيه. قال: ومما وقع التصرّف فيه بزيادة على المعنى قول ضياء الدين بن الأثير الجزرىّ فى ذكر العصا التى يتوكّأ عليها الشيخ الكبير: وهذه لمبتدا ضعفى خبر، ولقوس ظهرى وتر، واذا كان إلقاؤها دليلا على الإقامة فإنّ حملها دليل على السّفر. والمحلول فى ذلك قول بعضهم: كأنّنى قوس رام وهى لى وتر وقول الآخر: فألقت عصاها واستقرّت بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر. وأما ما يحتاج فيه الى مؤاخاة القرينة المحلولة بمثلها أو ما يناسبها فكما قال المولى شهاب الدين محمود فى تقليد: فكم ملّ ضوء الصبح مما يغيره، وظلام النّقع مما يثيره؛ وحديد الهند مما يلاطمه والأجل مما يسابقه الى قبض الأرواح ويزاحمه. والقرينتان الأوليان نصفا بيتين للمتنبّى، فأضاف الى كل قرينة ما يناسبها، وهذا من أكثر ما يستعمل فى الكتابة، ولا ينبغى للكاتب أن يعتمد فى جميع كتابته على الحلّ، فيتّكل خاطره على ذلك، ويذهب رونق الطبع السليم، وتقلّ مادّة الانسجام بل يكون استعمال ذلك كاستعمال البديع اذا أتى عفوا من غير تكلّف ليكون كالشاهد

стр. 2407

على صحة الكلام، والدالّ على الاطلاع، وكالرّقم فى الثوب، والشّذرة فى القلادة والواسطة فى العقد، إذ لا ينبغى للكاتب أن يخلى كلامه من نوع من أنواع المحاسن. ويقرب من هذا النوع التلميح، وقد تقدّم ذكره فى بعض أبواب البديع، والذى يقع فى بعض استعماله فى مثل ذلك مثل قول الحريرىّ: وإنّى والله لطالما لقيت الشتاء بكافاته، وأعددت الأهبة له قبل موافاته. يشير الى بيتى ابن سكّرة: جاء الشتاء وعندى من حوائجه وهى مشهورة. فإذا عرف الكاتب هذه العلوم، وأتى الصناعة من هذه الأبواب تعيّن عليه أمور أخر نذكرها الآن. ذكر ما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسّك به وما يجوز فى الكتابة وما لا يجوز قال إبراهيم بن محمد الشّيبانىّ: فإن احتجت الى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتّاب والأدباء والخطباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلّا على قدر أبّهته وجلالته، وعلوّه وارتفاعه، وفطنته وانتباهه، ولكلّ طبقة من هذه الطّباق معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها فى مراسلتك إيّاهم فى كتبك، وتزن كلامك فى مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيه نصيبه، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجرى شعاع بلاغتك فى غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك فى غير سلكه، فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا [لائقا بمن «١» كاتبته، وملامسا لمن راسلته] ، فإن إلباسك المعنى

стр. 2408

- وإن صحّ وشرف- لفظا مختلفا عن قدر المكتوب اليه لم تجربه عادته تهجين للمعنى وإخلال بقدره، وظلم يلحق «١» المكتوب اليه، ونقص ما يجب له «٢» ، كما أنّ فى اتباع تعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم، وإسقاطا لحجّة أدبهم. وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه: فامتثل هذه المذاهب، واجر [على هذا «٣» ] القوام، وتحفّظ فى صدور «٤» كتبك وفصولها وافتتاحها وخواتمها، وضع كل معنى فى موضع يليق به، وتخيّر لكلّ لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك فى موضع ذكر البلوى بمثل: «نسأل الله دفع المحذور، وصرف المكروه» وأشباه ذلك؛ وفى موضع ذكر المصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ؛ وفى موضع ذكر النعمة: «الحمد لله خالصا، والشكر لله واجبا» وما يشاكل ذلك، فإن هذه المواضع مما يتعيّن على الكاتب أن يتفقّده ويتحفّظ منه، فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كلّ معنى فى موضعه، ويعلّق كلّ لفظة على طبقتها فى المعنى. قال: واعلم أنه لا يجوز فى الرسائل استعمال ما أتت به آى القرآن من الاختصار والحذف، ومخاطبة الخاصّ [بالعامّ «٥» ] والعامّ بالخاصّ، لأن الله تعالى إنما خاطب

стр. 2409

بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه- جلّ ثناؤه- أمره ونهيه ومراده، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء «١» على اللغة لا علم لهم بلسان العرب؛ وكذلك ينبغى للكاتب أن يتجنّب اللفظ المشترك، والمعنى الملتبس، فإنه إن ذهب ليكاتب على معنى قول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وكقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ احتاج أن يبيّن أن معناه: اسأل أهل القرية، وأهل العير، وبل مكركم باليل والنهار؛ قال: وكذلك لا يجوز أيضا فى الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز فى الأشعار الموزونة، لأن الشاعر مضطرّ، والشعر مقصور مقيّد بالوزن والقوافى، فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها، واغتفروا «٢» فيه سوء النّظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار فى موضع الإظهار، وذلك كله غير سائغ فى الرسائل، ولا جائز فى البلاغات؛ فمما أجيز فى الشعر من الحذف قول الشاعر: قواطنا مكّة من ورق الحما يريد الحمام، وكقول الآخر: صفر الوشاحين صموت الخلخل يريد الخلخال، وكقول الحطيئة: فيها الرماح وفيها كلّ سابغة ... جدلاء مسرودة من فعل «٣» سلّام يريد سليمان، وكقول الآخر: وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق «٤»

стр. 2410

يريد ثعلبة بن سيّار «١» ، وكقول الآخر: فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل [أراد ولكن «٢» ] قال: وكذلك لا ينبغى فى الرسائل أن يصغّر الاسم فى موضع التعظيم وإن كان ذلك جائزا، مثل قولهم: دويهية تصغير داهية، وجذيل وعذيق، تصغير جذل وعذق «٣» . قال لبيد: وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفّر منها الأنامل قال: فتخيّر فى الألفاظ أرجحها وزنا، وأجزلها معنى، وأشرفها جوهرا وأكرمها حسبا، وأليقها فى مكانها، وأدر الكلام فى أماكنه، وقلّبه على جميع وجوهه، ولا تجعل اللفظة قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فإنك متى فعلت ذلك هجّنت الموضع الذى حاولت تحسينه، وأفسدت المكان الذى أردت إصلاحه فإنّ وضع الألفاظ فى غير أماكنها، والقصد بها إلى غير مظانّها، إنما هو كترقيع الثوب الذى إن لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، خرج عن حدّ الجدّة، وتغيّر حسنه، كما قال الشاعر: إنّ الجديد إذا ما زيد فى خلق ... يبين للناس أنّ الثوب مرقوع انتهى ما أورده ابن عبد ربّه. وقال المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبىّ: ومما يتعيّن على الكاتب استعماله، والمحافظة عليه، والتمسّك به، إعطاء كلّ مقام حقّه، فإذا كتب فى أوقات

стр. 2411

الحروب إلى نوّاب الملك عنه، وإلى مقدّمى الجيوش والسّرايا، فليتوخّ الإيجاز والألفاظ البليغة الدالّة على القصد من غير تطويل ولا بسط يضيّع المقصد، ويفصل الكلام بعضه من بعض، ولا تهويل لأمر العدو يضعف به القلوب، ولا تهوين لأمر يحصل به الاغترار. وذكر لذلك أمثلة من إنشائه. قال: فمن ذلك صورة كتاب أنشأته الى مقدّم سريّة كشف- ولم أكتب به- وهو: لا زال أخفّ فى مقاصده من وطأة ضيف، وأخفى فى مطالبه من زورة طيف، وأسرع فى تنقّله من سحابة صيف، وأروع للعدا فى تطلّعه من سلّة سيف، حتى يعجب عدوّ الدّين فى الاطّلاع على عوراته من أين دهى وكيف؟ ويعلم [أنّ «١» ] من أوّل قسمته الّلقاء حصل عليه فى مقاصده الحيف «٢» ؛ أصدرناها إليه نحثّه على الركوب بطائفة أعجل من السّيل، وأهول من الليل، وأيمن من نواصى الخيل؛ وأقدم من النّمر، وأوقع على المقاصد من الغيث المنهمر، وأروغ فى مخاتلة العدا من الذئب الحذر؛ على خيل تجرى ما وجدت فلاه، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناه؛ تتسنّم الجبال الصّمّ كالوعل «٣» ، وإذا جارتها البروق غدت وراءها تمشى الهوينا كما يمشى الوجى «٤» الوجل ... وليكن كالنجم فى سراه، وبعد ذراه؛ إن جرى فكسهم، وإن خطر فكوهم؛ وإن طلب فكالليل الذى هو مدرك، وإن طلب فكالجنّة التى لا يجد ريحها مشرك؛ حتى يأتى على عدوّ الدّين من كل شرف،

стр. 2412

ويرى جمعه من كل طرف، ولا يسرف فى الإقامة عليه إلا إذا علم أن الخير فى السّرف؛ وليحرز جمعهم، ويسبق إلى التحرّز منهم بصرهم وسمعهم؛ وينظرهم بعين منعها الحزم أن ترى العدد الكثير قليلا، وصدّها العزم أن ترى العدوّ الحقير جليلا؛ بل ترى الأمر على فصّه، وتروى الخبر على نصّه؛ وإن وجد مغرّرا فليأخذ خبره، إن قدر على الإتيان بعينه وإلّا فليذهب أثره؛ ولا يهيج فيما لديه نار حرب إلا بعد الثقة بإطفائها، ولا يوقظ [عليه «١» ] عين عدوّ مهما «٢» ظهر له أن [المصلحة «٣» فى إغفائها] ؛ وليكشف من أمورهم ما يبدى عند الملتقى عورتهم، ويخمد فى حالة الزّحف فورتهم؛ وليجعل قلبه فى ذلك ربيئة طرفه، وطليعة طرفه، وسريّة كشفه والله تعالى يمدّه بلطفه، ويحفظه بمعقّبات من بين يديه ومن خلفه. واذا كتب عن الملك فى أوقات حركات العدوّ الى أهل الثغور يعلمهم بالحركة للقاء العدوّ، فليبسط القول فى وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدين، وكثرة العساكر والجيوش، وسرعة الحركة، وطىّ المراحل، ومعالجة العدوّ، وتخييل أسباب النصر، والوثوق بعوائد الله فى الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التيقظ، وحضّهم على حفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك، ويبرزه فى أمتن «٤» كلام وأجلّه وأمكنه، وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرقّة، ويبالغ فى وصف الإنابة إلى الله تعالى، واستنزال نصره وتأييده، والرجوع إليه فى تثبيت

стр. 2413

الأقدام، والاعتصام به فى الصبر، والاستعانة به على العدوّ، والرغبة إليه فى خذلانهم، وزلزلة أقدامهم، وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم، ورجاء تأخّرهم، وانتظار العرضيّات فى خلفهم، لما فى ذلك من إيهام الضّعف عن لقائهم واستشعار الوهن والخوف منهم، وليسلك فى مثل ذلك كما سلك المولى شهاب الدين محمود فى نحو ما كتب فى صدر كتاب سلطانىّ إلى بعض نوّاب الثغور عند حركة العدوّ، فإنه قال: أصدرناها ومنادى النّفير قد أعلن: يا خيل «١» الله اركبى، ويا «٢» ملائكة الرحمن اصحبى ويا وفود الظّفر والتأييد اقربى؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرّعب إلى العدا والهمم قد نهضت إلى عدوّ الإسلام فلو كان فى مطلع الشمس لاستقربت ما بينها وبينه من المدى؛ والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت الى موارد القلوب فتشوقت الى الارتواء من قلبها «٣» ؛ والكماة قد زأرت كالليوث إذا دنت من «٤» فرائسها، والجياد قد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها؛ والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكته الكرام أمدادها؛ والنفوس قد أضرمت الحميّة نار غضبها، وعداها «٥» حرّ الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها؛ والنصر قد أشرقت

стр. 2414

فى الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله فى إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل أوائله؛ والألسن باستنزال نصر الله لهجه والأرجاء بأرواح القبول أرجه، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمّة مبتهجه والحماة وما منهم إلا من استظهر بإمكان قوّته وقوّة إمكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّ بل عن مكانه؛ والنّيات على طلب عدوّ الله حيث كان مجتمعه والخواطر مطمئنّة بكونها مع الله بصدقها، ومن كان مع الله كان الله معه؛ وما بقى إلا طىّ المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول الغيث على البلد الماحل؛ والإحاطة بعدوّ الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرّين: من عذاب واصب، وهمّ ناصب؛ وإحالة وجودهم إلى العدم، وإجالة السيوف التى [إن «١» ] أنكرتها أعناقهم فما بالعهد من قدم؛ واصطلامهم «٢» على أيدى العصابة المؤيّدة بنصر الله فى حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد التى تدمّر كل شىء بأمر ربها؛ فليكن مرتقبا لطلوع طلائعها عليه، متيقّنا من كرم الله استئصال عدوّه الذى إن فرّ أدركته من ورئه، وإن ثبت أخذته من بين يديه؛ وليجتهد فى حفظ ما قبله من الأطراف وضمّها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المتخوّفة ولمّها، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرّفة ورمّها، فإنّ الاحتياط على كل حال من آكد المصالح الإسلاميّة وأهمّها؛ فكأنه بالعدوّ وقد زال طمعه، وزاد ظلعه؛ وذمّ عقبى مسيره، وتحقّق سوء منقلبه ومصيره، وتبرّأ منه الشيطان الذى دلّاه بغروره، وأصبح لحمه موزعا بين ذئاب للفلا وضباعها، وبين عقّبان الجوّ

стр. 2415

ونسوره؛ ثقة من وعد الله الذى تمسّكنا منه باليقين، وتحقّقنا أن الله ينصر من ينصره وأن العاقبة للمتقين. قال: وزيادة البسط فى ذلك ونقصها بحسب المكتوب إليه. وإذا كتب فى التهانى بالفتوح، فليس إلّا بسط الكلام، والإطناب فى شكر نعم الله، والتبرّؤ من الحول والقوّة إلّا به، ووصف ما أعطى من النصر، وذكر ما منح من الثّبات، وتعظيم ما يسّر من الفتح؛ ثم ما وصف بعد ذلك من عزم وإقدام وصبر وجلد عن الملك وعن جيشه حسن وصفه، ولاق ذكره، وراق التوسيع فيه، وعذب بسط الكلام فيه؛ ثم كلّما اتسع مجال الكلام فى ذكر الواقعة ووصفها كان أحسن [وأدلّ على البلاغة، وأدعى لسرور المكتوب إليه، وأحسن «١» ] لموقع المنّة عنده، وأشهى إلى سمعه، وأشفى لغليل تشوّقه إلى معرفة الحال على جليّته، ولا بأس «٢» بتهويل [أمر «٣» ] العدوّ، ووصف جمعه وإقدامه، فإن تصغير أمره تحقير للظّفر به؛ وقد ذكرنا فى باب التهانى من ذلك ما تقدّم شرحه، فلنذكر فى هذا الموضع من كلامه فيه ما لم نورده فى باب التهانى؛ قال: وإن كان المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة منفردة تعيّن أن يكون البسط أكثر، والإطناب أمدّ، والتهويل أبلغ، والشرح أتمّ؛ فمن ذلك فصل كتبته فى جواب ابن الأحمر صاحب غرناطة من جزيرة الأندلس، قال: أما بعد حمد الله الذى أيّدنا بجنوده، وأنجز لنا من نصر الأمّة صادق وعوده وخصّنا من استدامة الفتوح بمزايا مزيده، وأيّدنا بنصره، ونصرنا بتأييده، والصّلاة

стр. 2416

والسلام على سيدنا محمد أشرف رسله، وخاتم أنبيائه، وأكرم عبيده، وأعزّ من دعا الأمم وقد أنكرت خالقها الى الإقرار بتوحيده، وعلى آله وصحبه الذين أشرق أفق الدين منهم بكواكب سعوده؛ فإنا أصدرناها ونعم الله تعالى بنا مطيفه، ومواقع نصره عندنا لطيفه، وجنود تأييده لممالك الأعداء الى ممالكنا الشريفة مضيفه، وثغور الإسلام بذبّنا عن دين الله منيره، وبإعلائنا منار الهدى منيفه؛ ونحن نحمد الله على ذلك حمدا نستدرّ به أخلاف الظّفر، ونستديم به موادّ التأييد على من كفر؛ ونستمدّ به عوائد النصر التى كم أقدمها علينا إقدام، وأسفر لنا عنها وجه سفر؛ ونهدى إليه ثناء تعبق بنشر الرياض خمائله، وتنطق بمحض الوداد مخايله، وتشرق على أفق مفاخره غدواته وأصائله؛ يشافه مجده بمصونه «١» ، ويصارح فخره بمكنونه، ويجلو على حضرته العليّة عقائل الشّرف من أبكار الهناء وعونه؛ ونبدى لعلمه الكريم ورود كتابه الجليل مسفرا عن لوامع صفائه، منبئا بجوامع ودّه ووفائه؛ مشرقا بلآلئ فرائده، محدقا بروض كرمه الذى سعد رأى رائده؛ محتويا على سروره بما بلغه من أنباء النّصرة التى سارت بها إليه سرعان الرّكبان، وذلّت بعزّ ما تلى منها عليه عبّاد الصلبان؛ وطبّق ذكرها المشارق والمغارب، ومزّقت مواكب أعداء الله التّتار وهم فى رأى العين أعداد الكواكب، وخلطت التراب بدمائهم حتى لم يبح بها التيمّم، ومزجت بها الفرات حتى ما تحلّ لشارب؛ وهى النّصرة التى لا يدرك الوصف كنهها، ولا تعرف لها البلاغة مشبها فتذكر شبهها؛ ولا يتّسع نطاق النطق لذكرها، ولا تنهض الألسنة على طول الأبد بشكرها؛ فإنّ التّتار المخذولين اقبلوا كالرّمال، واصطفوا كالجبال؛ وتدفّقوا كالبحار الزّواخر، وتوالوا كالأمواج التى لا يعرف لها الأوّل من الآخر؛ فصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة بدّدت شملهم، وعلّمت الطير أكلهم؛ وحصرتهم

стр. 2417

فى الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها وأسرفت فى الاقتضاء؛ وحصدت منهم سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف، ومزّقت بقيّتهم فى الفلوات فكانوا كرماد اشتدّت به الرّيح فى يوم عاصف؛ وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج إلا من لا يؤبه له من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيّدة من الفلوات الى الفرات بين القتل والأسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم؛ وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفا وحسره، وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة، وأسر من تلك الأسره، وأماته الرّعب من جيوشنا المنصورة فجاءه، واستولى عليه الوجل فجاءه من أمر الله ما جاءه؛ وقعد أخوه بعده مكانه، والخوف من عساكرنا يضعضع أركانه، والفرق من جيوشنا يفرّق أعوانه، ويمزّق إخوانه، ويوهى سلطانه ويبرّئ منه شيطانه؛ فلاذ بالالتجاء الى سلمنا، وعاذ بإسناد الرجاء الى كفّنا عنه وحلمنا؛ فكرّر رسله ورسائله مستعطفا، ووالى كتبه ووسائله مستعفيا من حربنا ومستسعفا؛ وهاهو الآن وجنوده يتوسّلون بالخضوع الى مراحمنا، ويتوصّلون ببذل الطاعة الى مكارمنا؛ ويسألون صفح الصّفاح الإسلاميّة عن رقابهم، ويبدون ما أظهره الله عليهم من الذلّ الذى جعلته تلك النّصرة خالدا فى أعقابهم؛ وسيوفنا تأبى قبول وسائلهم، وتصرّ على نهز سائلهم، وتمنع من الكفّ عن مقاتلهم، وتأنف أن تغمد إلّا فى قمم محاربهم ومقاتلهم؛ ونحن على ما نحن من الأهبة لغزوهم فى عقر دارهم، وانتزاع مواطن الخلافة وغيرها من ممالك الإسلام من بين نيوبهم وأظفارهم؛ مستنصرين بالله على من بقى فى خطّ «١» المشرق منهم، قائمين فيهم بفرض الجهاد الذى لولا دفاع الله به لم يمتنع خطّ المغرب عنهم؛ «ولينصرنّ الله من ينصره» ، ولو عددنا نعم الله علينا حاولنا عدّ ما لا نحصيه ولا نحصره.

стр. 2418

وإن اضطرّ أن يكتب بمثل ذلك الى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب، فالحكم فى ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضى المشاركة فى المسارّ، وأنّ أمر هذا العدد مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره الى ما آل، ويعظّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، وتلك عوائد نصر الله، وانتقامه «١» ممّن عادانا؛ فمن ذلك ما أنشأه المشار اليه لبعض ملوك البحر- ولم يكتب به- وهو: صدرت هذه المكاتبة مبشّرة له بما منحنا الله من نصرة أجزل الصفاء منها سهمه، وأكمل الوفاء من التهنئة بها قسمه؛ وخصّه الوداد بأجلّ أجزائها، وأجلسه الاتحاد على أسرّة مسرّتها إذا أجلس العناد غيره على بساط عزائها؛ علما بأنه الصديق الذى تبهجه مسارّ صديقه، والصاحب الذى يرى مساهمة صاحبه فى بشرى الظّفر بأعدائه أدنى حقوقه؛ وذلك أنه قد علم ما كان من أمر هؤلاء التّتار فى حركاتهم الذميمة، وعزماتهم التى ما احتفلوا لها إلا وكان أحدّ سلاحهم فيها الهزيمة، وغاراتهم التى ما حشدوا لها إلّا وقنعوا فها بالإياب من الغنيمه؛ وأنهم ما أقدموا علينا إلا وعدموا، ولا سلكوا الينا إلّا وهلكوا؛ حتى إنّ الأرض الى الآن لم تجفّ من دمائهم، وإنّ الفرات يكاد يشفّ «٢» للمتأمّل عن أشلائهم؛ وأن الشيطان بعد ذلك جدّد طمعهم، وسكّن هلعهم؛ وأنساهم مصارع إخوانهم، وأسلاهم بما زيّن لهم من بلوغ أوطارهم عن أوطانهم؛ وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وتلك الوقائع التى أصبتم فيها قد لا يجرى الأمر فيها على القياس؛ وحسّن لهم المحال وغرّهم وجرّأهم على قصد البلاد المحروسة، وفى الحقيقة استجرّهم؛ فحشدوا جموعهم

стр. 2419

وجمعوا حشودهم، واستفرغوا فى الاستنفار والاستظهار طاقتهم ومجهودهم؛ ومالأهم على ذلك من المجاورين من أبطن شقاقه، وكنتم نفاقه، وأنساه الشيطان ما سلف من تنفيسنا عنه وقد لازم الحتف خناقه؛ ونحن فى ذلك نوسعهم إمهالا؛ ونبسط لهم فى التّوغل آمالا، ونأخذا أمرهم بالأناة استدرجا لهم لا إهمالا؛ الى أن بعدوا عن مواطن الهرب، وحصل من استدراجهم الأرب؛ فوثبنا عليهم وثوب الليث إذا ظفر بصيده، ونهضنا نحوهم نهوض الحازم إذا وقع [عدوّه «١» ] فى أحبولة كيده؛ وصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة فللت غربهم، وأبطلت طعنهم وضربهم، وصبغت بدمائهم تربهم؛ وحكّمت السيوف فى مقاتلهم، [ومكّنت الحتوف من صاحب رأيهم ومقاتلهم «٢» ] ؛ وسلّطت العدم على وجودهم، وحطّتهم عن سروجهم الى مصارعهم أو قيودهم؛ «فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين» ، وعادوا على عادتهم خاسئين، ورجعوا على أعقابهم خاسرين؛ وما أغنى عنهم جمعهم، وما أفادهم بصرهم فيما شاهدوه من قبل ولا سمعهم؛ فركن من بقى منهم الى الفرار، وعاذ ببرد الهرب من لهب تلك السيوف الحرار وظنّ من انهزم منهم أنه فات الرماح، فتناولته بأرماح من العطش القفار؛ فولّوا والرعب يزلزل أقدامهم، والذّعر يقلّل إقدامهم؛ والصّفاح تتخطّفهم من ورائهم والجراح تطمع الطّير فى أكلهم حتى تقع على أحيائهم؛ حتى أصبحوا هشيما تلعب «٣» بهم الصّبا والدّبور، أو أحياء يئس منهم أهلهم «كما يئس الكفّار من أصحاب القبور» وصفحنا عمّن نافقنا ووافقهم ولولا ذلك لما نجا، ورجا عواطفنا فى الإبقاء على نفسه، فأجابه حلمنا- وعلمنا أنه فى القبضة- الى ما رجا؛ فليأخذ الملك حظّه من

стр. 2420

هذه البشرى التى تسرّ قلب الولىّ المحبّ بوادرها، وتشرح صدر الحفىّ «١» المحقّ مواردها ومصادرها؛ والله تعالى يبهجه عنا بسماع أمثالها، ويديم سروره بما جلوناه عليه من مثالها «٢» . قال: فإن كان المكتوب إليه متّهما بممالأة العدوّ كتب اليه بما يدلّ على التقريع والتهكّم، وإبراز التهديد فى معرض الإخبار، كما كتب المشار اليه عن السلطان الى متملّك سيس «٣» - وكان قد شهد الوقعة مع العدوّ- قال منه: بصّره الله برشده، وأراه مواقع غيّه فى الإصرار على مخالفته ونقض عهده وأسلاه بسلامة نفسه عمّن روّعته السيوف الإسلاميّة بفقده؛ صدرت تعرّفه أنه قد تحقّق ما كان من أمر العدوّ الذى دلّاه بغروره، وحمله التمسّك بخداعه على مجانبة الصواب فى أموره؛ وأنهم استنجدوا بكلّ طائفه، وأقدموا على البلاد الإسلاميّة بنفوس طامعة وقلوب خائفه؛ وذلك بعد أن أقاموا مدّة يشترون «٤» المخادعة بالموادعه، ويسرّون المصارمة فى المسالمه؛ ويظهرون فى الظاهر أمورا، ويدبّرون فى الباطن أمورا، ويعدون كل طائفة من أعداء الدين مثله ويمنّونهم «وما يعدهم الشّيطان إلّا غرورا» ؛ وكنّا بمكرهم عالمين، وعلى معالجتهم عاملين؛ وحين تبيّن مرادهم وتكمّل احتشادهم؛ استدرجناهم الى مصارعهم، واستجريناهم «٥» ليقربوا فى القتل من مضاجعهم، ويبعدوا فى الهرب عن مواضعهم؛ وصدمناهم بقوّة أو صدمة
следующие страницы →