← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وأما الهزل الذى يراد به الجدّ - فهو أن يقصد المتكلّم ذمّ إنسان أو مدحه فيخرج ذلك مخرج المجون، كقول الشاعر «١» : إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضبّ. وأما الكنايات - فهى أن يعبّر المتكلّم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن وعن الفاحش بالطاهر، وقد تقدّم الكلام على ذلك فى باب الكناية والتعريض وهو الباب الرابع من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث من كتابنا هذا. وأما المبالغة - وتسمّى التبليغ والإفراط فى الصفة- فقد حدّها قدامة بأن قال: هى أن يذكر المتكلّم حالا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف حتى يزيد فى معنى ما ذكره ما يكون أبلغ فى معنى قصده، كقول عمير «٢» بن كريم التغلبىّ: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا ومن أمثلة المبالغة المقبولة قول امرئ القيس يصف فرسا: فعادى عداء «٣» بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل يقول: إنه أدرك ثورا وبقرة فى مضمار واحد ولم يعرق. وقول المتنبى: وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب

стр. 2347

ولا يعاب فى المبالغة إلا ما خرج عن حدّ الإمكان، كقوله: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق «١» وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ملكت بها كفّى فأنهرت «٢» فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها فإنّ ذلك من جيّد المبالغة إذ لم يكن قد خرج مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية فى وصف الطعنة، ومن أحسن ذلك وأبلغه قول أحد شعراء الحماسة: رهنت يدى بالعجز عن شكر برّه ... وما بعد «٣» شكرى للشكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد. وأما عتاب المرء نفسه - فهو من أفراد ابن المعتزّ، ولم ينشد عليه سوى بيتين ذكر أن الآمدىّ «٤» أنشدهما عن الجاحظ وهما: عصانى قومى فى الرشاد الذى به ... أمرت ومن يعص المجرّب يندم فصبرا بنى بكر على الموت إننى ... أرى عارضا ينهلّ بالموت والدم قال: ولا يصلح أن يكون شاهدا لهذا الباب إلا قول أحد شعراء الحماسة: أقول لنفسى فى الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلّد والصبر

стр. 2348

وقول الآخر: فقدتك من نفس شعاع «١» فإننى ... نهيتك عن هذا وأنت جميع وما ناسب ذلك من الأمثلة. وأما حسن التضمين - فهو أن يضمّن المتكلّم كلامه كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر؛ ومن إنشادات ابن المعتزّ عليه: عوّذ لما بتّ ضيفا له ... أقراصه منّى بياسين فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت قفا نبك مصارينى فضمّن بيته الأوّل كلمة من السورة بتوطئة حسنة، وبيته الثانى مطلع قصيدة امرئ القيس. ومما ضمّن معنى حديث النبىّ ﷺ قول الآخر: وأخ «٢» مسّه نزولى بقرح ... مثلما مسّنى من الجوع قرح بتّ ضيفا له كما حكم الدهر ... وفى حكمه على الحرّ قبح قال لى مذ نزلت وهو من السكرة ... بالهمّ طافح ليس يصحو: لم تغرّبت؟ قلت: قال رسول الل ... هـ والقول منه نصح ونجح: «سافروا تغنموا» فقال: وقد قال ... تمام الحديث: «صوموا تصحّوا» ومن تضمين الشعر قول بعضهم: وقفنا بأنضاء حكتنا «٣» لواغب ... «على مثلها من أربع وملاعب» وهو مطلع قصيدة لأبى تمام،

стр. 2349

ومنه قول الغزّى: طول حياة ما لها طائل ... نغّص عندى كلّ ما يشتهى أصبحت مثل الطفل فى ضعفه ... تشابه المبدأ والمنتهى فلا تلم سمعى إذا خاننى ... «إنّ الثمانين وبلّغتها» المراد من التضمين هاهنا تمام البيت: ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان وإنما تركه لأن أوّل البيت يدلّ عليه لاشتهاره، وهذا قد أكثر المتأخرون من استعماله فى أشعارهم، وضمّنوا البيت الكامل بعد التوطئة له. وأما التلميح - وهو من التضمين، وإنما بعضهم أفرده- فهو أن يشير فى فحوى الكلام إلى مثل سائر، أو بيت مشهور، أو قضية معروفة من غير أن يذكره، كقول الشاعر: المستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار أشار إلى قضيّة كليب حين استغاث بعمرو بن الحارث؛ ومنهم من يسمّى ذلك اقتباسا، وإيراد المثل كما هو تضمينا. وأما إرسال المثل - فهو كقول أبى فراس: تهون علينا فى المعالى نفوسنا ... ومن يخطب العلياء لم يغله «١» المهر وكقول المتنبىّ: تبكّى عليهنّ البطاريق فى الدجى ... وهنّ لدينا ملقيات كواسد بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد.

стр. 2350

وأما إرسال مثلين - فهو الجمع بين مثلين، كقول لبيد: ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل وابيات زهير بن أبى سلمى التى فيها ومن ومن، وقد تقدّم ذكر ذلك مستوفى فى باب الأمثال، وهو الباب الأوّل من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث. وأما الكلام الجامع فهو أن يكون البيت كلّه جار يا مجرى مثل واحد كقول زهير: ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لا يصانع فى أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم «١» ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكقول أبى فراس: إذا كان غير الله فى عدّة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد وكقول المتنبىّ: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم وقوله: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ وقوله: ومن البليّة عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم وقوله: إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.

стр. 2351

وأما الّلفّ والنشر - فهو أن يذكر اثنين فصاعدا ثم يأتى «١» بتفسير ذلك جملة مع رعاية الترتيب ثقة بأن السامع يردّ إلى كل واحد منها ما له، كقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ؛ ومن النظم قول الشاعر: ألست أنت الذى من ورد نعمته ... وورد راحته أجنى وأغترف وقد لا يراعى فيه الترتيب ثقة بأن السامع يردّ كل شىء إلى موضعه سواء تقدّم أو تأخر، كقول الشاعر: كيف أسلو وأنت حقف «٢» وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا. وأما التفسير - وهو قريب منه- فهو أن يذكر لفظا ويتوهّم أنه يحتاج إلى بيانه فيعيده مع التفسير، كقول أبى مسهر: غيث وليث [فغيث «٣» ] حين تسأله ... عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام ومنه قول الشاعر: يحيى ويردى بجدواه وصارمه ... يحيى العفاة ويردى كلّ من حسدا ومن ذلك أن يذكر معانى ويأتى بأحوالها من غير أن يزيد أو ينقص كقول الفرزدق: لقد جئت قوما لو لجأت إليهمو ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج «٤» المقوّم لكنه لم يراع شرط اللّفّ والنشر

стр. 2352

وقول آخر: فوا حسرتا حتى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذّر إفضال فراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلّة حرّ لا يقوم بها مالى «١» ومنه قول ابن شرف: سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل ومن احسن ما فى هذا الباب قول ابن الرومىّ: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم وفساد ذلك أن يأتى بإزاء الشىء بما لا يكون مقابلا له، كقول الشاعر: فيأيها الحيران فى ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفّيه بحرا من الندى فأتى بالندى بإزاء بغى العدا، وكان يجب أن يأتى بإزائه بالنصر أو العصمة أو الوزر وما جانسه، أو يذكر فى موضع البغى الفقر والعدم وما جانس ذلك. وأما التعديد - ويسمّى سياقة الأعداد- فهو إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد، فإن روعى فى ذلك ازدواج أو جناس أو تطبيق أو نحو ذلك كان غاية فى الحسن، كقولهم: وضع فى يده زمام الحلّ والعقد، والقبول والردّ، والأمر والنهى، والبسط والقبض، والإبرام والنقض، والإعطاء والمنع؛ ومن النظم قول المتنبىّ: الخيل والليل والبيداء تعرفنى ... والضرب والطعن والقرطاس والقلم.

стр. 2353

وأما تنسيق الصفات - فهو أن يذكر الشىء بصفات متوالية، كقوله : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الآية، وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وقول النبى ﷺ : «ألا أخبركم بأحبّكم إلىّ وأقربكم منّى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون» ؛ ومن النظم قول أبى طالب فى النبى ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقول المتنبىّ: دان بعيد محبّ مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّ ليّن شرس. وأما الإيهام - ويقال له التورية والتخييل- فهو أن يذكر ألفاظا لها معان قريبة وبعيدة، فإذا سمعها الإنسان سبق إلى فهمه القريب، ومراد المتكلّم البعيد مثاله قول عمر بن أبى ربيعة: أيها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى فذكر الثريا وسهيلا ليوهم السامع أنه يريد النجمين، ويقول: كيف يجتمعان والثريّا من منازل القمر الشاميّة، وسهيل من النجوم اليمانيّة؟ ومراده الثريّا التى كان يتغزّل بها لمّا زوّجت بسهيل؛ ومن ذلك قول المعرّى: إذا صدق الجدّ افترى العمّ للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال

стр. 2354

فإنّ وهم السامع يذهب إلى الأقارب، ومراده بالجدّ: الحظّ، وبالعمّ: الجماعة من الناس، وبالخال: المخيلة، ومن ذلك قول الحريرىّ فى [وصف «١» الإبرة والميل فى] المقامة الثامنة: وقوله أيضا: يا قوم كم من عاتق «٢» عانس ... ممدوحة الأوصاف فى الأنديه قتلتها لا أتقى وارثا ... يطلب منّى قودا أو ديه يريد بالعاتق العانس: الخمر، وبقتلها: مزجها، كما قال حسّان: إن التى عاطيتنى فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل وأمثال ذلك كثيرة. وعند علماء البيان: التخييل تصوير حقيقة الشىء للتعظيم، كقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ والغرض منه تصوير عظمته والتوقيف «٣» على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك قوله ﷺ : «إنما نحن حفنة من حفنات ربّنا» قال الزمخشرى: ولا يرى باب فى علم البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب.

стр. 2355

وأما حسن الابتداءات - قال: هذه تسمية ابن المعتزّ، وأراد بها ابتداءات القصائد، وفرّع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال، وهو أن يأتى الناظم أو الناثر فى ابتداء كلامه ببيت أو قرينة تدلّ على مراده فى القصيدة أو الرسالة أو معظم مراده؛ والكاتب أشدّ ضرورة إلى ذلك من غيره ليبتنى كلامه على نسق واحد دلّ عليه من أوّل علم بها مقصده «١» ، إما فى خطبة تقليد، أو دعاء كتاب، كما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير بأن بقرة ولدت حيوانا على شكل الإنسان، فكتب: أما بعد حمد الله خالق الإنسان فى بطون الأنعام وكقول أبى الطيّب فى الصلح الذى وقع بين كافور وبين ابن مولاه: حسم الصلح ما اشتهته الأعادى ... وأذاعته ألسن الحسّاد وأمثال ذلك. قال: وينبغى أن لا يبتدئ بشىء يتطيّر منه، كقول ذى الرّمّة: ما بال عينك منها الماء ينسكب وقول البحترى: لك الويل من ليل تقاصر آخره وكقول المتنبىّ: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا وكقوله: ملثّ «٢» القطر أعطشها ربوعا ... وإلّا فاسقها السّمّ النقيعا

стр. 2356

قال: وينبغى أن يراعى فى الابتداءات ما يقرب من المعنى إذا لم تتأت له براعة الاستهلال، وتسهيل اللفظ وعذوبته وسلاسة ألفاظه، وقيل: إن أحسن ابتداء ابتدأت به العرب قول النابغة: كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب ومن أحسن ما ابتدأ به مولّد قول إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: هل إلى أن تنام عينى سبيل ... إنّ عهدى بالنوم عهد طويل ويحسن أن يبتدئ فى المديح بمثل قول أبزون العمانىّ: على منبر العلياء «١» جدّك يخطب ... وللبلدة العذراء سيفك يخطب وقول المتنبىّ: عدوّك مذموم بكلّ لسان ... وإن كان من أعدائك القمران وقول التّيفاشى: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على وفى التشبيب كقول أبى تمّام: على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب وفى النسيب كقول المتنبىّ: أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدمع خلقة فى المآقى وفى المراثى كقول أبى تمّام: كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر.

стр. 2357

وأما براعة التخليص - فهو أن يكون التشبيب أو النسيب ممزوجا بما بعده من مدح وغيره غير منفصل عنه، كقول مسلم بن الوليد: أجدّك هل تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر نصبت لها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر وكقول المتنبىّ: نودّعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبى الهيجاء فى قلب فيلق. وأما براعة الطلب - قال: وهو أن تكون ألفاظ الطلب مقترنة بتعظيم الممدوح، كقول أميّة بن أبى الصّلت: أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء وكقول المتنبىّ: وفى النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتى بيان عندها وخطاب. وأما براعة المقطع - فهو أن يكون آخر الكلام الذى يقف عليه المترسّل أو الخطيب أو الشاعر مستعذبا حسنا، لتبقى لذّته فى الأسماع، كقول أبى تمام: أبقت بنى الأصفر المصفّر كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب وكقول المتنبىّ: وأعطيت الذى لم يعط خلق ... عليك صلاة ربّك والسلام وكقول الغزّى: بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل.

стр. 2358

وأما السؤال والجواب - فهو كقول أبى فراس: لك جسمى تعلّه ... فدمى لم تطلّه «١» ؟ قال إن كنت مالكا ... فلى الأمر كلّه وأمثال ذلك. وقد أوردنا منه فى باب الغزل ما فيه كفاية. وأما صحة الأقسام - فهو عبارة عن استيفاء أقسام المعنى الذى هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئا؛ ومثال ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وليس فى رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع فى المطر؛ وقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ فلم يبق قسما من أقسام الهيئات حتى أتى به؛ وقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ، ومن ذلك قوله ﷺ : «ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» ولا رابع لهذه الأقسام؛ ووقف أعرابىّ على حلقة الحسن البصرىّ فقال: رحم الله من تصدّق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت؛ فقال الحسن: ما ترك الأعرابىّ منكم أحدا حتى عمّه بالمسألة؛ ومن أمثلة هذا الباب فى الشعر قول بشّار: فراح فريق فى الإسار ومثله ... قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه

стр. 2359

وأصله قول عمرو بن الأهتم: إشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير ومن جيد صحة الأقسام قول الحماسىّ: وهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيّبته المقابر فاستوفى جميع أقسام المعدوم؛ وقول أبى تمّام فى الأفشين لما احترق بالنار: صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجّار ومن قديم ما فى ذلك من الشعر قول زهير: وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عمى ومن النادر فى صحة الأقسام قول عمر بن أبى ربيعة: تهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلى ولا أنت تصبر. وأما التوشيح - فهو أن يكون معنى الكلام يدلّ على لفظ آخره، فيتنزل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزّل أوّل الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح. وقال قدامة: هو أن يكون فى أوّل البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدّم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه «١» ، كقول الراعى النّميرىّ:

стр. 2360

فإن وزن الحصى فوزنت قومى ... وجدت حصى ضريبتهم «١» رزينا فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وعرف القافية والروىّ، علم آخر البيت؛ ومن أمثلته ما حكى عن عمر بن أبى ربيعة أنه أنشد عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما: تشطّ غدا دار أحبابنا فقال له عبد الله: وللدار بعد غد أبعد فقال له عمر: هكذا والله قلت، فقال له عبد الله: وهكذا يكون. وأما الإيغال - فمعناه أن المتكلّم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائدا على معنى الكلام، وأصله من أوغل فى السير إذا بلغ غاية قصده بسرعة. وفسّره قدامة بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتى بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها أفاد معنى زائدا على معنى البيت، كقول ذى الرّمّة: قف العيس فى آثار ميّة واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل «٢» فتمّم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدا، وكذلك صنع فى البيت الثانى فقال: أظنّ الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصّل فإنه تمّم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية، فأتى بها تفيد معنى زائدا لو لم يؤت بها لم يحصل.

стр. 2361

وحكى عن الأصمعىّ أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذى يأتى إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا، وينقضى كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعانى امرئ القيس حيث قال: كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «١» الذى لم يثقّب ونحو زهير حيث يقول: كأنّ فتات العهن فى كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا «٢» لم يحطّم ومن أبلغ ما وقع فى هذا الباب قول الخنساء: وإنّ صخرا لتأتمّ العفاة «٣» به ... كأنه علم فى رأسه نار ومنه قول ابن المعتزّ لابن طباطبا العلوى: فأنتم «٤» بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمّه المسلم ومن أمثلة ذلك من شعر المتأخرين قول الباخرزىّ: أنا فى فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادى وقول آخر: تعجّبت من ضنى جسمى فقلت لها ... على هواك فقالت عندى الخبر.

стр. 2362

وأما الإشارة - فهى أن يشتمل اللفظ القليل على معان كثيرة بإيماء إليها، وذكر لمحة تدلّ عليها كقوله تعالى: (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) ، (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) . وكقول امرئ القيس: فإن تهلك شنوءة «١» أو تبدّل ... فسيرى إنّ فى غسّان خالا بعزّهمو عززت وإن يذلّوا ... فذلّهمو أنا لك ما أنالا وكقوله أيضا: فظلّ لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل فى نعيم نحسه متغيّب. وأما التذييل - وهو ضدّ الإشارة- فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكّد عند من فهمه، كقوله: إذا ما عقدنا له ذمّة ... شددنا العناج «٢» وعقد الكرب وقول آخر: ودعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل ويقرب منه التكرار، كقول عبيد: هل لا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا أين أينا؟

стр. 2363

وكقول آخر: وكانت فزارة تصلى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا. وأما الترديد - فهو أن تعلّق لفظة فى البيت بمعنى، ثم تردّها فيه بعينها وتعلّقها بمعنى آخر، كما قال زهير: من يلق يوما على علّاته هرما ... يلقى السماحة منه والندى خلقا وكقول آخر: وأحفظ مالى فى الحقوق وإنه ... لجمّ وإنّ الدهر جمّ عجائبه وكقول أبى نواس: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء. وأما التفويف - فهو مشتقّ من الثوب المفوّف، وهو الذى فيه خطوط بيض، وهو فى الصناعة عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتّى من المدح أو الغزل أو غير ذلك من الأغراض، كلّ فنّ فى سجعة منفصلة عن أختها مع تساوى الجمل فى الوزنيّة، وتكون فى الجمل الطويلة والمتوسّطة والقصيرة؛ فمثال ما جاء منه فى الجمل الطويلة قول النابغة الذّبيانىّ: فلله عينا من رأى أهل قبّة ... أضرّ لمن عادى وأكثر نافعا وأعظم أحلاما وأكبر سيّدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا ومثال ما جاء منه بالجمل المتوسطة قول أبى الوليد بن زيدون: ته أحتمل، واستطل أصبر، وعزّ أهنّ ... وولّ أقبل، وقل أسمع، ومر أطع ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبىّ: أقل أنل أقطع آعل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل.

стр. 2364

وأما التسهيم - فهو مأخوذ من البرد المسهّم، وهو المخطّط الذى لا يتفاوت ولا يختلف، ومنهم من يجعل التسهيم والتوشيح شيئا واحدا، ويشرك بينهما بالتسوية، والفرق بينهما أنّ التوشيح لا يدلّك أوّله إلا على القافية فحسب، والتسهيم تارة يدلّ على عجز البيت، وتارة على ما دون العجز؛ وتعريفه أن يتقدّم من الكلام ما يدلّ على ما يتأخر، تارة بالمعنى، وتارة باللفظ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذى الكلب، فإن الحذّاق بمعنى الشعر وتأليفه يعلمون أن معنى قولها: فأقسم يا عمرو لو نبّهاك يقتضى أن يكون تمامه: إذن نبّها منك داء عضالا دون غيره من القوافى، كما لو قالت مكان «داء عضالا» : ليثا غضوبا، أو أفعى قتولا، أو سمّا وحيّا، أو ما يناسب ذلك، لأن الداء العضال أبلغ من جميع هذه الأشياء وأشد، إذ كلّ منها يمكن مغالبته أو التوقّى منه، والداء العضال لا دواء له، فهذا مما يعرف بالمعنى؛ وأما ما يدلّ فيه الأوّل على الثانى دلالة لفظيّة فهو قولها «١» بعده: إذن نبّها ليث عرّيسة ... حفيتا حفيدا نفوسا ومالا فإن الحاذق بصناعة الكلام إذا سمع قولها: «حفيتا مفيدا» تحقّق أن هذا اللفظ يقتضى أن يكون تمامه: «نفوسا ومالا» ؛ وكذلك قولها: فكنت النهار به شمسه

стр. 2365

يقتضى أن يكون [بعده «١» ] : وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا ومن ذلك قول البحترىّ: وإذا حاربوا أذلّوا عزيزا يحكم السامع بأن تمامه: وإذا «٢» سالموا أعزّوا ذليلا وكذلك قوله: احلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامى فليس الذى حلّلته بمحلّل يعرف السامع أن تمامه: وليس الذى حرّمته بحرام. وأما الاستخدام - فهو أن يأتى المتكلّم بلفظة لها معنيان، ثم يأتى بلفظتين يستخدم كلّ لفظة منهما فى معنى من معنى تلك «٣» اللفظة المتقدّمة، وربما التبس الاستخدام بالتورية من كون كل واحد من البابين «٤» مفتقرا إلى لفظة لها معنيان، والفرق بينهما أن التورية استعمال أحد المعنيين من اللفظة، وإهمال الآخر، والاستخدام استعمالها معا، ومن أمثلته قول البحترىّ: فسقى الغضى والسّاكنيه وإن همو ... شبّوه بين جوانح وقلوب

стр. 2366

فإن لفظة الغضى محتملة للموضع والشجر، والسّقيا صالحة لهما، فلّما قال: «والساكنيه» استعمل أحد معنى اللفظ، وهو دلالته بالقرينة على الموضع، ولمّا قال: «شبّوه» استعمل المعنى الآخر، وهو دلالته بالقرينة على الشجر؛ ومن ذلك قول الشاعر «١» : إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسماء الغيث، وبضميره النّبت. وأما العكس والتبديل - فهو أن يقدّم فى الكلام أحد جزئيه ثم يؤخّر؛ ويقع على وجوه: منها أن يقع بين طرفى الجملة، كقول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات؛ ومنها أن يقع بين متعلّقى فعلين فى جملتين، كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ* ومنه بيت الحماسة: فردّ شعورهن السود بيضا ... وردّ وجوههن البيض سودا؛ ومنها أن يقع بين كلمتين فى طرفى جملتين، كقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ وقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ وقول أبى الطيّب: ولا مجد فى الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال فى الدنيا لمن قلّ مجده. وأما الرجوع - فهو أن يعود المتكلّم على «٢» كلامه السابق بالنقض لنكتة كقول زهير: قف بالديار التى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والدّيم

стр. 2367

كأنه لمّا وقف على الديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغيّر فقال: «لم يعفها القدم» ثم تاب إليه عقله وتحقّق ما هى عليه من الدروس، فقال: بلى عفت وغيّرها الأرواح والدّيم؛ ومنه بيت الحماسة: أليس «١» قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل. وأما التغاير - فهو أن يغاير المتكلّم الناس فيما عادتهم أن يمدحوه فيذمّه أو يذمّوه فيمدحه؛ فمن ذلك قول أبى تمّام يغاير جميع الناس فى تفضيل التكرّم على الكرم: قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما فوردناه سائحا وقليبا ... ورعيناه بارضا وجميعا «٢» فعلمنا أن ليس إلا بشقّ النفس ... صار الكريم [يدعى «٣» ] كريما وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة: لا يتعب النائل المبذول همّته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر ومنه قول ابن الرومىّ فى تفضيل القلم على السيف: إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شىء يعادله ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم

стр. 2368

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم وغايره المتنبىّ على الطريق المألوف فقال: حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسيف ليس المجد للقلم اكتب بها أبدا قبل الكتاب بنا ... فإنما نحن للأسياف كالخدم. وأما الطاعة والعصيان - فإنه قال: هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعرّى عند نظره فى شعر أبى الطيّب، وسمّاه بهذه التسمية، وقال: هو أن يريد المتكلّم معنى من المعانى «١» التى للبديع فيستعصى عليه لتعذّر دخوله فى الوزن الذى هو آخذ فيه فيأتى موضعه بكلام غيره يتضمّن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير «٢» الذى قصده، كقول المتنبىّ: يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد فإنه أراد «٣» أن يقول: يردّ يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، حتى إذا قال: ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد يكون فى البيت مطابقة، فلم يطعه الوزن، فأتى بقادر فى موضع مستيقظ لتضمّنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظا وزيادة، فقد عصاه فى البيت الطباق وأطاعه الجناس بين قادر وراقد، وهو جناس العكس؛

стр. 2369

وأنكر ابن أبى الإصبع أن يكون هذا الشاهد من باب الطاعة والعصيان، لأنه كان يمكنه أن يقول عوض قادر: ساهر، وإنما المتنبىّ قصد أن يكون فى بيته طباق معنوىّ، لأن القادر ساهر وزيادة، إذ ليس كلّ ساهر قادرا، وأن يكون فيه جناس العكس. وقال: إن شاهد الطاعة والعصيان عنده أن تعصيه إقامة الوزن مع إظهار مراده، فتطيعه لفظة من البديع يتمّم بها المعنى وتزيده حسنا، كقول عوف بن محلّم: إن الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترحمان فإنه أراد أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعى إلى ترجمان، فعصاه الوزن وأطاعه لفظة من البديع وهى التتميم، فزادته حسنا وكمّلت مراده، وكلّ التتميم من هذا النوع. وأما التسميط - فهو أن يجعل المتكلّم مقاطيع أجزاء البيت أو القرينة على سجع يخالف قافية البيت أو آخر القرينة، كقول مروان بن أبى حفصة: هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا فإن أجزاء البيت مسجّعة على خلاف قافيته فتكون القافية بمنزلة السمط، والأجزاء المسجّعة بمنزلة حبّ العقد. وأما التشطير - فهو أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرّع كلّ شطر من الشطرين، ولكنه يأتى بكلّ شطر من بيته مخالفا لقافية الآخر، كقول مسلم ابن الوليد: موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى إلى أمل وكقول أبى تمّام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب فى الله مرتغب.

стр. 2370

وأما التطريز - فهو أن يبتدئ الشاعر بذكر جمل من الذوات غير مفصّلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب تعداد جمل تلك الذوات تعداد تكرار واتحاد، لا تعداد تغاير، كقول ابن الرومىّ: أمور كمو [بنى «١» ] خاقان عندى ... عجاب فى عجاب فى عجاب قرون فى رءوس فى وجوه ... صلاب فى صلاب فى صلاب وكقوله: وتسقينى وتشرب من رحيق ... خليق أن يشبّه بالخلوق كأنّ الكأس فى يدها وفيها ... عقيق فى عقيق فى عقيق. وأما التوشيع - فهو مشتقّ من الوشيعة، وهى الطريقة فى البرد، وكأنّ الشاعر أهمل البيت كلّه إلا آخره، فأتى فيه بطريقة تعدّ من المحاسن؛ وهو عند أهل هذه الصناعة أن يأتى المتكلّم أو الشاعر باسم مثنّى فى حشو العجز، ثم يأتى بعده باسمين مفردين هما عين ذلك المثنّى، يكون الآخر منهما قافية بيته، أو سجعة كلامه كأنهما تفسير لما ثنّاه «٢» ، كقول النبى ﷺ : «يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل» ومن أمثلة ذلك فى النظم قول الشاعر: أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثى لى المشفقان الأهل والولد قد خدّد الدمع خدّى من تذكّركم ... واعتادنى المضنيان الوجد والكمد وغاب عن مقلتى نومى لغيبتكم ... وخاننى المسعدان الصبر والجلد لم يبق غير خفىّ الرّوح فى جسدى ... فدى لك الباقيان الرّوح والجسد.

стр. 2371

قال ابن أبى الإصبع: وما بما قلته فى هذا الباب من بأس، وهو: بى «١» محنتان ملام فى هوى بهما ... رثى لى القاسيان الحبّ والحجر لولا الشفيقان من أمنيّة وأسا «٢» ... أودى بى المرديان الشوق والفكر قال: ويحسن أن يسمى ما فى بيته مطرّف التوشيع، إذ وقع المثنّى فى أوّل كلّ بيت وآخره. وأما الإغراق - وهو فوق المبالغة ودون الغلوّ، ومن أمثلته قول ابن المعتزّ: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين، يعنى أنها استفرغت جهدها فى العدو فما ضربناها إلا ظلما، فمن أجل ذلك خرجت من الوحشيّة إلى الطّيريّة؛ ولو لم يقل: «ظالمين» لما حسن قوله: «فطارت» ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة، وقد عدّ من الإغراق لا المبالغة قول امرئ القيس: تنوّرتها من أذرعات «٣» وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالى. وأما الغلوّ - فمنهم من يجعله هو والإغراق شيئا واحدا، ومن شواهده قول مهلهل: فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور «٤»

стр. 2372

ومثله قول المتنبىّ فى وصف الأسد: ورد «١» إذا ورد البحيرة شاربا ... بلغ الفرات زئيره والنّيلا قالوا: ومن أمثلة الغلوّ قول النّمر بن تولب فى صفة السيف: تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والساقين والهادى. وأما القسم - فهو أن يريد الشاعر الحلف على شىء فيأتى فى الحلف بما يكون مدحا [له «٢» ] وما يكسبه فخرا، أو يكون هجاء لغيره، أو وعيدا، أو جاريا مجرى التغزل والترقق؛ فمثال الأوّل قول «٣» مالك بن الأشتر النّخعىّ: ... بقّيت وفرى وانحرفت عن العلا وقد تقدّم الاستشهاد بهما فى النظم، فإنها تضمّنت فخرا له، ووعيدا لغيره؛ وكقول أبى علىّ البصير يعرّض بعلىّ بن الجهم: أكذبت أحسن ما يظنّ مؤملى ... وعدمت ما شادته لى أسلافى وعدمت عاداتى التى عوّدتها ... قدما من الإخلاف والإتلاف وغضضت من نارى ليخفى ضوءها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافى إن لم أشنّ على علىّ (غارة «٤» ) ... تضحى قذى فى أعين الأشراف وقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدوح مدحا، كقول القائل: إن كان لى أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التى لا تكفر

стр. 2373

ومما جاء من القسم فى النسيب قول الشاعر: فإن لم تكن عندى كعينى ومسمعى ... فلا نظرت عينى ولا سمعت أذنى ومما جاء فى الغزل قول الآخر: لا والذى سلّ من جفنيه سيف ردى ... قدّت له من عذاريه حمائله ما صارمت مقلتى دمعا ولا وصلت ... غمضا ولا سالمت قلبى بلابله. وأما الاستدراك - فهو على قسمين: قسم يتقدّم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلّم وتوكيد، وقسم لا يتقدّمه ذلك؛ فمن أمثلة الأوّل قول القائل: وإخوان تخذتهمو دروعا ... فكانوها ولكن للاعادى وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها ولكن فى فؤادى وقالوا قد صفت منّا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادى وقول الأرّجانىّ: غالطتنى إذ كست جسمى ضنى ... كسوة أعرت من الجلد العظاما ثم قالت أنت عندى فى الهوى ... مثل عينى صدقت لكن سقاما وأما القسم الثانى الذى لا يتقدّم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد فكقول زهير: أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله. وأما المؤتلفة والمختلفة - فهو أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين فيأتى بمعان مؤتلفة فى مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة لا ينقص بها الآخر، فيأتى لأجل الترجيح بمعان تخالف التسوية، كقول الخنساء فى أخيها وأبيها- وراعت حقّ الوالد بما لم ينقص الولد-

стр. 2374

جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاقبان ملاءة الحضر «١» وهما وقد برزا كأنهما ... صقران [قد «٢» ] حطّا الى وكر حتى اذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر «٣» بالعذر وعلا هتاف الناس: أيّهما ... قال المجيب هناك: لا أدرى برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجرى أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر وأوّل من سبق الى هذا المعنى زهير «٤» حيث قال: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا وتداوله الناس، فقال أبو نواس: ثم جرى الفضل فانثنى قدما ... دون مداه بغير ترهيق فقيل راشا سهما تراد به ال ... غاية والنّصل سابق الفوق «٥» . وأما التفريق المفرد - فهو كقول الشاعر: ما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء.

стр. 2375

وأما الجمع مع «١» التفريق - فهو أن يشبّه شيئين بشىء ثم يفرّق بين وجهى الاشتباه، كقول الشاعر: فوجهك كالنار فى ضوئها ... وقلبى كالنار فى حرّها. وأما التقسيم المفرد «٢» - فهو أن يذكر قسمة ذات جز أين أو أكثر، ثم يضمّ الى كلّ واحد من الأقسام ما يليق به، كقول ربيعة الرّقىّ: يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم لشتّان ما بين اليزيدين فى الندى ... يزيد سليم والأغرّ بن حاتم فهمّ الفتى الأزدى إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسىّ جمع الدارهم فلا يحسب التمتام «٣» أنّى هجوته ... ولكننى فضّلت أهل المكارم وكقول ابن حيّوس: ثمانية لم تفترق إذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذبّ عن ناظر شفر يقينك «٤» والتقوى، وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى، وسيفك والنصر

стр. 2376

وقول آخر: لملتمسى الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العليا، وللمعدم الغنى ... وللمذنب الرّحمى، وللخائف الأمن ويجوز أن يعدّ هذا من الجمع مع التقسيم. وأما الجمع مع التقسيم - فهو أن يجمع أمورا كثيرة تحت حكم، ثم يقسّم بعد ذلك، أو يقسّم «١» ثم يجمع، مثال الأوّل قول المتنبىّ: حتى أقام على أرباض خرشنة «٢» ... تشقى به الروم والصّلبان والبيع للسّبى ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا فجمع فى البيت الأوّل أرض العدوّ وما فيها من معنى الشقاوة، وذكر التقسيم فى البيت الثانى. ومثال الثانى قول حسّان: قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهمو ... أو حاولوا النفع فى أشياعهم نفعوا سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الحوادث فاعلم شرّها البدع. وأما التزويج - فهو أن يزاوج بين معنين فى الشرط والجزاء، كقول البحترىّ: إذا ما نهى الناهى ولجّ بى الهوى ... أصاخت إلى الواشى فلجّ بها الهجر. وأما السلب والإيجاب - فهو أن يوقع [الكلام «٣» ] على نفى شىء وإثباته فى بيت واحد، كقوله:

стр. 2377

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول وكقول الشّمّاخ: هضيم الحشى لا يملأ الكفّ خصرها ... ويملأ منها كلّ حجل «١» ودملج. وأما الاطّراد - فهو أن يطرد الشاعر أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفا، لأنها لا تكون إلا أسماء آبائه تأتى منسوقة غير منقطعة من غير ظهور كلفة على النّظم كاطّراد الماء وانسجامه «٢» ، وذلك كقول الأعشى: أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت الذى ترجو حباءك وائل وكقول دريد: قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب وهذا أحسن من الأوّل، لاطّراد الأسماء فى عجز البيت. وقال ابن أبى الإصبع: وقد أربى على هؤلاء بعض القائلين حيث قال: من يكن رام حاجة بعدت عنه ... وأعيت عليه كلّ العياء فلها أحمد المرجّى ابن يحيى بن ... معاذ بن مسلم بن رجاء لو لم يقع فيه الفصل بين الأسماء بلفظة المرجّى. ومنه ما كتب الشيخ مجد الدين بن الظّهير الحنفىّ على إجازة: أجاز ما قد سألوا ... بشرط أهل السّند محمد بن أحمد بن ... عمر بن أحمد فلم يفصل «٣» بين الأسماء فى البيت بلفظة أجنبيّة.

стр. 2378

وأما التجريد - فهو أن ينتزع الشاعر أو المتكلّم من أمر ذى صفة أمرا آخر مثله فى تلك الصفة مبالغة فى كمالها فيه؛ وهو أقسام: منها نحو قولهم: لى [من «١» ] فلان صديق حميم، أى بلغ من الصداقة حدّا صحّ معه أن يستخلص منه صديق آخر؛ ومنها نحو قولهم: لئن سألت لتسألنّ به البحر، ومنه قول الشاعر: وشوهاء تعدو بى إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحّل أى تعدو بى ومعى من استعدادى للحرب لابس لأمة؛ ومنها نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ لأن جهنم- أعاذنا الله منها- هى دار الخلد، لكن انتزع منها مثلها وجعل فيها معدّا للكفار تهويا لأمرها؛ ومنها نحو قول الحماسىّ: فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... نحو الغنائم أو يموت كريم وعليه قراءة من قرأ: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ بالرفع، بمعنى فحصلت سماء وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة كالدّهان، وفيه نظر؛ ومنها نحو قوله: يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا ونحو قول الآخر: إن تلقنى- لا ترى غيرى يناظره- ... تنس «٢» السلاح وتعرف جبهة الأسد ومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه، كقول الأعشى: ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل

стр. 2379

وقول المتنبىّ: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم تسعد الحال ومنه قول الحيص بيص: إلام يراك المجد فى زىّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر كتمت بصيت الشّعر علما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير إنك فارس ال ... كلام ومحيى الدّراسات الغوابر. وأما التكميل - فهو أن يأتى المتكلّم أو الشاعر بمعنى من مدح أو غيره من فنون الكلم وأغراضه، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة، ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم مثلا غير كامل أو بالبأس دون الحلم، ومثال ذلك قول كعب بن سعد الغنوىّ: حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم فى عين العدوّ مهيب قوله: «إذا ما الحلم زيّن أهله» احتراس لولاه لكان المدح مدخولا، إذ بعض التغاضى قد يكون عن عجز، وإنما يزين الحلم أهله اذا كان عن قدرة، ثم رأى أن يكون «١» مدحه بالحلم وحده غير كامل، لأنه اذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه عدوّه فقال: «فى عين العدوّ مهيب» ؛ ومنه قول السّموءل بن عادياء: وما مات منّا سيّد فى فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل لأنّ صدر البيت [وإن «٢» ] تضمّن وصفهم بالإقدام والصبر ربّما أوهم العجز «٣»

стр. 2380

[لأن «١» ] قتل الجميع يدلّ على الوهن والقلّة فكملّه بأخذهم للثأر، وكمّل حسنه بقوله: «حيث كان» فإنه أبلغ فى الشجاعة؛ ومن ذلك فى النسيب قول كثيّر: لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... فى الحسن عند موفّق لقضى لها لأن قوله: «عند موفق» تكميل للمعنى، إذ ليس كلّ من يحاكم إليه موفقا؛ ومنه قول المتنبىّ: أشدّ من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع فى الندى منها هبوبا. وأما المناسبة - فهى على ضربين: مناسبة فى المعنى، ومناسبة فى الألفاظ فالمعنويّة أن يبتدئ المتكلّم بمعنى، ثم يتمّم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ فقال تعالى فى صدر الآية التى الموعظة فيها سمعيّة: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ، وقال بعد ذكر الموعظة: أَفَلا يَسْمَعُونَ وقال فى صدر الآية التى موعظتها مرئية: أَوَلَمْ يَرَوْا* وقال بعد الموعظة: أَفَلا يُبْصِرُونَ. ومن أمثلة المناسبة المعنويّة قول المتنبىّ: على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأنّ النّبل فى صدره وبل فإنّ بين لفظة السّباحة ولفظتى الموج والوبل تناسبا صار البيت به متلاحما؛ وقول ابن رشيق: أصحّ وأقوى ما رويناه فى الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم

стр. 2381

أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم فإنه وفّى المناسبة حقّها فى صحة العنعنة برواية السيول عن الحيى عن البحر، وجعل الغاية فيها جود الممدوح. والمناسبة اللفظيّة: توخّى الإتيان بكلمات متزنات، وهى على ضربين: تامّة وغير تامّة فالتامّة: أن تكون الكلمات مع الاتّزان مقفّاة، فمن شواهد التامّة قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ومن الحديث النبوىّ- صلاة الله وسلامه على قائله- قول النبى ﷺ للمحسن والحسين- رضى الله عنهما-: «أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كل شيطان وهامّه، ومن كل عين لامّه» ولم يقل: «ملمّه» وهى القياس لمكان المناسبة اللفظيّة التامّة؛ ومن شواهد الناقصة قوله ﷺ : «ألا أخبركم بأحبّكم إلىّ وأقربكم منّى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا» ومما جمع بين المناسبتين قوله ﷺ : «اللهم إنى أسألك رحمة تهدى بها قلبى، وتجمع بها أمرى، وتلمّ بها شعثى، وتصلح بها غايتى، وترفع بها شاهدى، وتزكىّ بها عملى، وتلهمنى بها رشدى، وتردّ بها ألفتى، وتعصمنى بها من كلّ سوء، اللهم إنى أسألك العون فى القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء» فناسب ﷺ بين قلبى وأمرى، وغايتى وشاهدى مناسبة غير تامّة، لأنها فى الزّنة دون التقفية، وناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامّة فى الزّنة والتقفية؛

стр. 2382

ومن أمثلة المناسبتين قول أبى تمّام: مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ «١» إلا أنّ تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامّة، وناسب بين الوحش والخطّ، وأوانس وذوابل مناسبة غير تامّة. وأما التفريع - فهو أن يصدّر المتكلّم أو الشاعر كلامه باسم منفىّ ب «ما» خاصّة، ثم يصف الاسم المنفىّ بمعظم أوصافه اللائقة به فى الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلا يفرّع منه جملة من جارّ ومجرور متعلّقة [به «٢» ] تعلّق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفىّ الموصوف كقول الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب «٣» شرق ... مؤزّر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل وقول عاتكة المرّية: وما طعم ماء أىّ ماء تقوله «٤» ... تحدّر من غرّ طوال الذوائب بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب

стр. 2383

نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لعائب بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب وقد وقع الأصل والفرع لأبى تمّام فى بيت واحد، وهو: ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها الترب ومما ورد فى النثر رسالة ابن القمّىّ التى كتبها إلى سبإ بن أحمد صاحب صنعاء: وأمّا حال عبده بعد فراقه فى الجلد، فما أمّ تسعة من الولد؛ ذكور، كأنهم عقبان وكور؛ اخترم منهم ثمانيه، فهى على التاسع حانيه، فنادى النذير فى البادية، ياللعادية ياللعادية؛ فلما سمعت الداعى «١» ، ورأت الخيل سواعى؛ أقبلت تنادى ولدها: الأناة الأناه، وهو يناديها: القناة القناه بطل كأنّ ثيابه فى سرحة «٢» ... يحذى نعال السّبت «٣» ليس بتوأم فلما رمقته يختال فى غضون الزّرد الموضون «٤» أنشأت تقول: أسد أضبط يمشى ... بين طرفاء «٥» وغيل لبسه من نسج داود ... كضحضاح «٦» المسيل

стр. 2384

عرض له فى البادية أسد هصور، كأنّ ذراعه مسد معصور فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع فلما سمعت الرّعيل، برزت من الصّرم «١» بصبر قد عيل؛ فسألت عن الواحد فقيل: لحده اللّاحد «٢» فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السباعا عبثن به فلم يتركن إلا ... أديما قد تمزق أو كراعا بأشدّ من عبده تأسّفا، ولا أعظم كمدا وتلهّفا. قال: وذكر ابن أبى الإصبع فى التفريع قسما ذكره فى صدر الباب، وقال: إنه هو الذى استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة هى إما اسم أو صفة، ثم يكرّرها فى البيت مضافة إلى أسماء وصفات تتفرع عليها جملة من المعانى فى المدح وغيره، كقول المتنبىّ: أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضّراب أنا ابن الطّعان أنا ابن الفيافى أنا ابن القوافى ... أنا ابن السّروج أنا ابن الرّعان «٣» طويل النّجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السّنان حديد اللّحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان.

стр. 2385

وأما نفى الشىء بإيجابه - فهو أن يثبت المتكلّم شيئا فى ظاهر كلامه وينفى ما هو [من «١» ] سببه مجازا، والمنفىّ فى باطن الكلام حقيقة هو الذى أثبته كقول امرئ القيس: على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه «٢» العود النّباطىّ جرجرا فظاهر هذا الكلام يقتضى إثبات منار لهذه الطريق، ونفى الهداية «٣» به مجازا وباطنه فى الحقيقة يقتضى نفى المنار جملة، والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به، فكيف ولا منار لها، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير: ما أقلّ خيرك! فظاهر كلامك يدلّ على إثبات خير قليل، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله. وقول الزبير بن عبد المطلب يمدح عميلة بن عبد الدار «٤» - وكان نديما له-: صحبت بهم طلقا يراح الى الندى ... اذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره ضعيف بحثّ الكأس قبض «٥» بنانه ... كليل على وجه النديم أظافره فظاهر هذا أنّ للممدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى، وأنّ له أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشا ضعيفا، وباطن الكلام فى الحقيقة نفى المفاقر جملة، والأظافر بتّة.
следующие страницы →