← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسى التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع أقعده الضعف، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد. ومن كلامه- رضى الله عنه-: فرض الله تعالى الإيمان تطهيرا من الشّرك، والصّلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة سببا للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحجّ تقوية للبدن، والجهاد عزّ للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوامّ «١» ، والنهى عن المنكر ردعا للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجادا «٢» للعفّة، وترك الزنى تصحيحا للنّسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والإمامة نظاما للأمّة، والطاعة تعظيما للإمامة «٣» . وقال فرفوريوس «٤» : لو تميزت الأشياء بأشكالها لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة، والراحة مع اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والعزّ مع القناعة، والأمن «٥» مع العفاف، والسلامة مع الوحدة.

стр. 2732

وقال آخر: الشكر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن «١» ، والقرابة محتاجة إلى المودّة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنّجدة محتاجة إلى الجدّ. وقال حكيم يونانىّ: السعادات كلّها فى سبعة أشياء: حسن الصورة، وصحّة الجسم، وطول العمر، وكثرة العلم، وسعة ذات اليد، وطيب الذكر، والتمكّن من الصديق والعدوّ. وقال بعض الأدباء- وقد سئل عن العيش- فقال: فى الغنى فإنى رأيت الفقير لا يلتذّ بعيش أبدا؛ فقال له السائل: زدنى، قال: فى الصحّة، فإنى رأيت المريض لا يلتذّ بعيش أبدا؛ فقال له: زدنى، قال: فى الأمن، فإنى رأيت الخائف لا يلتذّ بعيش أبدا؛ قال: زدنى؛ قال: لا أجد مزيدا. وهذا الكلام مأخوذ من قول رسول الله ﷺ : «من أصبح آمنا فى سربه «٢» ، معافى فى بدنه، عنده «٣» قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها» . وقال فيلسوف: كثير من الأمور لا تصلح إلّا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.

стр. 2733

وقالوا: المنظر يحتاج إلى القبول، والحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقربى إلى المودّة، والمعرفة إلى التجارب، والشرف إلى التواضع، والنجدة إلى الجدّ «١» . وقال علىّ رضى الله عنه: يغلب المقدار على التقدير، حتى تكون الآفة فى التدبير. أخذه ابن الرومىّ فقال: غلط الطبيب علىّ غلطة مورد ... عجزت موارده «٢» عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنّما ... غلط الطبيب إصابة المقدار وقال: اذا انقضت المدّه، كان الهلاك فى العدّة. وقال القدماء: لا خير فى القول إلّا مع الفعل، ولا فى المنظر إلّا مع المخبر، ولا فى المال إلّا مع الجود، ولا فى الصديق إلّا مع الوفاء، ولا فى الفقه إلّا مع الورع، ولا فى الصدقة إلّا مع حسن النيّة، ولا فى الحياة إلّا مع الصحّة، ولا فى السرور إلّا مع الأمن. قال بعض بنى تميم: حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الكرم، منع الحرم؛ ما أقرب النّقمة من أهل البغى! لا خير فى لذّة تعقب ندما؛ لن يهلك من قصد، ولن يفتقر من زهد؛ ربّ هزل قد عاد جدّا؛ من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه؛ دعوا المزاح فإنه

стр. 2734

يؤرّث «١» الضغائن؛ وخير القول ما صدّقه الفعل؛ احتملوا من أدلّ عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم؛ أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك؛ أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك؛ وإيّاكم ومشاورة النساء؛ واعلم أنّ كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم؛ ومن الكرم، الوفاء بالذمم؛ ما أقبح القطيعة بعد الصّلة؛ والجفاء بعد اللّطف، والعداوة بعد الودّ! لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل؛ واعلم أنّ لك من دنياك، ما أصلحت به مثواك، فأنفق فى حقّ ولا تكوننّ خازنا لغيرك؛ واذا كان الغدر موجودا فى الناس فالثقة بكلّ أحد عجز؛ اعرف الحقّ لمن عرفه لك؛ واعلم أنّ قطيعة الجاهل، تعدل صلة العاقل، قال: فما رأيت كلاما أبلغ منه، فقمت وقد حفظته. والله أعلم بالصواب. ومن كلام علىّ رضى الله عنه: من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره؛ ومن سلّ سيف البغى قتل به؛ ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها؛ ومن هتك حجاب أخيه انهتكت عورات بيته «٢» ؛ ومن نسى خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن تكبّر على الناس زلّ؛ ومن سفه على الناس شتم؛ ومن خالط العلماء وقّر، ومن خالط الأنذال حقر؛ ومن أكثر من شىء عرف به؛ والسعيد من وعظ بغيره؛ وليس مع قطيعة الرحم تقى، ولا مع الفجور غنى؛ رأس العلم الرفق، وآفته الخرق؛ كثرة الزيارة تورث الملالة. وقال موسى بن جعفر: ما تسابّ «٣» اثنان إلّا انحطّ الأعلى إلى مرتبة الأسفل.

стр. 2735

وقال آخر: ما تسابّ اثنان إلا غلب ألأمهما. وقال الحسن بن علىّ بن موسى الرّضا: اعلم أن للحباء «١» مقدار فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل. قال مهدىّ بن أبان: قلت لولّادة العبديّة- وكانت من أعقل النساء-: إنّى أريد الحج فأوصينى، قالت: أوجز فأبلغ، أم أطيل فأحكم؟ فقلت: ما شئت؛ فقالت: جد تسد، واصبر تفز؛ قلت: أيضا؛ قالت: لا يبعد غضبك حلمك، ولا هواك علمك؛ وق دينك بدنياك، وق عرضك بعرضك؛ وتفضّل تخدم، واحلم تقدّم؛ قلت: فبمن أستعين؟ قالت: بالله؛ قلت: من الناس؛ قالت: الجلد النشيط، والصالح الأمين؛ قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرّب الكيّس، أو الأديب الأريب؛ قلت: فمن أستصحب؟ قالت: الصديق المسلّم، أو المؤاخى «٢» المتكرّم؛ ثم قالت: يا بناه، إنك تفد إلى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه. وقال حكيم: من الذى بلغ جسيما فلم يبطر «٣» ، واتّبع الهوى فلم يعطب؛ وجاور النساء فلم يفتتن، وطلب إلى اللئام فلم يهن، وواصل الأشرار فلم يندم، وصحب السلطان فدامت سلامته.

стр. 2736

وقال: الاعتبار يفيدك «١» الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك. وكان يقال: عليكم بالأدب فإنه صاحب فى السّفر، ومؤنس فى الوحدة، وجمال فى المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة. وقال بعضهم: احذر كلّ الحذر من أن يخدعك «٢» الشيطان فيمثّل لك التوانى فى صورة التوكّل، ويورثك الهوينى «٣» بالإحالة على القدر، فإن الله تعالى أمر بالتوكّل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم للقضاء بعد الإعذار، فقال تعالى: «خُذُوا حِذْرَكُمْ» * «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» . وقال آخر: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل «٤» من السنّة، والإجمال فى الطلب من العفّة، وليست العفّة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا. وقالوا: عشر خصال فى عشرة أصناف أقبح منها فى غيرهم: الضيق فى الملوك، والغدر فى الأشراف، والكذب فى القضاة، والخديعة فى العلماء، والغضب فى الأبرار، «٥» والحرص فى الأغنياء، والسّفه «٦» فى الشيوخ، والمرض فى الأطبّاء، والزّهو فى الفقراء، والفجور فى القرّاء «٧» .

стр. 2737

وقالوا: ثمانية إذا أهينوا «١» فلا يلوموا إلّا أنفسهم: الآتى طعاما لم يدع إليه، والمتأمّر على ربّ البيت فى بيته، وطالب المعروف «٢» من غير أهله، وراج منن الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين لم يدخلاه، والمستخفّ بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه. ومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل قول الأضبط بن قريع: لكلّ ضيق من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا بقاء معه فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إن قطعه وخذ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه لا تحقرنّ «٣» الفقير علّك أن ... تركع «٤» يوما والدهر قد رفعه قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه وقال أحيحة: فما يدرى الفقير متى غناه ... ولا يدرى الغنىّ متى يعيل «٥» ولا تدرى إذا أزمعت أمرا ... بأىّ الأرض يأتيك المقيل

стр. 2738

وقال الصّلتان العبدىّ «١» : أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كرّ «٢» الغداة ومرّ العشى إذا ليلة هرّمت «٣» يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى نروح ونغدو لحاجتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضى تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى وقال المتنبّى: ذكر الفتى عمره الثانى وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال وقد جمع من شعر أبى الطيّب فى ذلك ما وافق كلام أرسطوطاليس فى الحكمة؛ فمن ذلك قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم «٤» دون بلوغ الشهوة. قال المتنبّى: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت فى مرادها الأجسام وقال أرسطوطاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء، كالكىّ والفصد اللّذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها. نقله المتنبّى إلى شعره فقال:

стр. 2739

لعلّ عتبك محمود عواقبه ... فربّما صحّت الأجساد بالعلل وقال أرسطوطاليس: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدّها عن ذلك إحدى علّتين: إمّا علّة دينيّة خوف معاد، أو علّة سياسيّة خوف سيف قال المتنبّى: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم هذا ما اتفق إيراده فى هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء، وكلام الصحابة والخلفاء، وذوى الفصاحة من الأمراء، وبلاغات الخطباء والفصحاء، ورسائل الفضلاء والبلغاء، وفقر الكتّاب والأدباء، وحكم أوائل الحكماء؛ وهو ممّا يضطرّ الكاتب إليه، ويعتمد فى الاطلاع على ما خفى من أمر هذه الصناعة عليه؛ وهى إشارات إلى مجموعها، ورشفات من ينبوعها؛ وباب يتوصّل منه إلى رحابها، وسلّم يرتقى عليه إلى هضابها، ومسيل عذب يتّصل بعبابها؛ فقد وضح لك أيّها الطالب السبيل، وظهر لك أيّها الراغب قيام الدليل؛ وفيما أوردناه كفاية لمن تمسّك بهذه الصناعة ورغب فيها، وغنية لمن تأمّل مقاصدها وتدبّر معانيها؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرّف. ذكر كتابة الديوان وقلم التصرف وما يتصل بذلك قد ذكرنا فى أوّل هذا الباب فى السفر السابع من هذا الكتاب اشتقاق الكتابة، ولم سمّيت بذلك، وذكرنا أيضا أصلها وشرفها وفوائدها، فلا حاجة إلى إعادته فى هذا الموضع، فلنذكر الآن ما يتعلّق بقلم الديوان والتصرّف والحساب؛ وإن كنا قدّمنا ذكر كتّاب الإنشاء لما هم بصدده من الصدارة والوجاهه، والنبالة والنباهه؛ والفصاحة والصباحه، والنزاهة والسماحه؛ والأمانة والديانه، والسيادة والصيانه؛

стр. 2740

ولما تصدّوا له من كتم أسرار الدّول، وتردّوا به من محاسن الأواخر ومآثر الأول، والتحفوا به من مطارف الفضائل والمكارم، وتحلّوا به من صفات الأفاضل والأكارم؛ الى غير ذلك من مناقبهم الجمّه، وأياديهم التى وضحت غررا فى ليالى الخطوب المدلهمّه؛ فكتّاب الحساب أكثر تحقيقا، وأقرب إلى ضبط الأموال طريقا، وأدلّ برهانا، وأوضح بيانا، قال الله تعالى فى كتابه العزيز: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا وذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى فى قوله تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، أى كاتب حاسب. وروى البخارىّ عن أبى حميد الساعدىّ قال: «استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد «١» على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللّتبيّة «٢» فلمّا جاء حاسبه» فقد صحّ أنّ رسول الله ﷺ حاسب؛ وبكتّاب الحساب تحفظ الأموال وتضبط الغلال؛ وتحدّ قوانين البلاد؛ وتميّز الطوارف من التّلاد؛ لم يفخر كتّاب الإنشاء بمنقبة إلا فخروا بمناقب، ولا سموا إلى مرتبة إلّا وقد رقوا إلى مراتب؛ ولا تميّزوا برسالة «٣» إلّا ولهؤلاء فيها القدح المعلّى، ولا نسبوا إلى نباهة إلّا ومحلّهم فيها

стр. 2741

المحلّ الأرفع ومقامهم المقام الأعلى؛ ولا اتصفوا بكتمان سرّ إلّا اتصف هؤلاء بمثله، ولا شهروا ببذل برّ إلا وهؤلاء هم أعيان أهله؛ ثم اختصّ كتّاب التصرف بأمور منع أولئك منها، وأطلقت أقلامهم فى أقلام «١» حبست أقلام أولئك عنها؛ وارتقوا إلى قلل مراتب كبت جيادهم عن إدراك غايتها، وتسنّموا ذرا مناصب لا تمتدّ الآمال «٢» إلى أكثر من نهايتها؛ ولسنا نقيمهم فى محلّ المناظره، ولا نوقفهم فى موقف المكاثرة والمفاخره؛ بل لكلّ طائفة فضل لا ينكر، وفضائل هى أشهر من أن تملى وتسطّر؛ ولمّا انتهيت فى كتابى هذا إلى باب الكتابة، أردت أن أضرب عن ذكر كتابة التصرّف صفحا، ولا أعيرها من النظر لمحا، وأقتصر على كتابة الإنشاء جريا على عادة من صنّف، وقاعدة من ألف؛ فسألنى بعض إخوانى أن أضع فى ذلك ملخّصا يعلم منه المباشر كيف المباشره، ويستضىء به فيما يسترفعه «٣» أو يرفعه من ضريبة وموافره «٤» ؛ فأوردت «٥» هذه النّبذة إزالة «٦» لسؤاله، وتحقيقا لآماله؛ وذكرت من صناعة الكتابة ما هو بالنسبة الى مجموعها قطرة من بحرها، وشذرة من عقود درّها؛ ممّا «٧» لا بدّ للمبتدى من الإحاطة بعلمه، والوقوف عند رسمه؛ وحين وضعت ما وضعت من هذه الصناعة لم أقف قبل ذلك على كتاب فى فنّها

стр. 2742

مصنّف، ولا انتهيت إلى فصل «١» مترجم بها أو مؤلّف؛ ولا لمحت فى ذلك إشاره، ولا سمعت من لخّص فيها عباره؛ ولا من تفوّه فيها ببنت شفة ولسان، ولا من صرّف ببنان «٢» بلاغته فى ميادينها العنان؛ حتى أقتدى بمثاله، وأنسج «٣» على منواله؛ وأسلك طريقه فى الإجاده، وأحذو حذوه فى الإفاده؛ بل وجدتها مقفلة الباب، مسبلة الحجاب؛ قد اكتفى كلّ كاتب فيها بعلمه، واقتصر على حسب فهمه؛ فراجعت فيها الفكره، وعطفت بالكرّة بعد الفرّه؛ ثم قرعت بابها ففتح بعد غلقه «٤» ، ورفعت حجابها ففتق بعد رتقه؛ وامتطيت صهوتها «٥» فلانت بعد جماحها، وارتقيت ذروتها فظهر للفكرة طريق نجاحها؛ فشرعت عند ذلك فى تأليف ما وضعته «٦» ، وترصيف «٧» ما صنّفته؛ وبدأت باشتقاق تسمية الديوان، ولم سمّى ديوانا، ثم ذكرت ما تفرّع من كتابة الديوان من أنواع الكتابات، وأوّل ديوان وضع فى الإسلام، وسبب وضعه، ثم ذكرت ما يحتاج اليه كلّ مباشر من كيفيّة المباشرة وأوضاعها، وما استقرّت عليه القواعد العرفيّة، والقوانين الاصطلاحيّة، وما يرفعه كلّ مباشر ويسترفعه «٨» ، والأوضاع الحسابية، على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه، وترجع فيما أشكل من أمورها إليه.

стр. 2743

ذكر اشتقاق تسمية الديوان ولم سمّى ديوانا ومن سمّاه بذلك قد اختلف فى تسمية الديوان ديوانا على وجهين: أحدهما أنّ كسرى اطّلع ذات يوم على كتّاب ديوانه، فرآهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانه: أى مجانين؛ فسمّى موضعهم بهذا الاسم، ثم حذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا للاسم، فقيل: ديوان. والثانى أن الديوان بالفارسيّة اسم للشياطين، فسمّى الكتّاب باسمهم لحذقهم بالأمور «١» ، ووقوفهم على الجلىّ والخفىّ، وجمعهم لما شذّ «٢» وتفرّق، واطلاعهم على ما قرب وبعد، ثم سمّى مكان جلوسهم باسمهم، فقيل: ديوان. هذا ما قيل فى تسميته «٣» على ما حكاه الماوردىّ فى الأحكام السلطانيّة؛ والله أعلم. ذكر ما تفرّع عن كتابة الديوان من أنواع الكتابات هذه الكتابة تنقسم إلى أقسام ووظائف: أصول وفروع، وهى: مباشرة الجيوش، ومباشرة الخزانة، وبيت المال، وأهراء «٤» الغلال، ومباشرة البيوت، ومباشرة الهلالىّ «٥» ، ومباشرة الخراجىّ، ومباشرة الأقصاب والمعاصر ومطابخ السكّر؛ ويحتاج مباشر كلّ وظيفة من هذه الوظائف إلى معرفة قواعد يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى؛ ولنبدأ بذكر مباشرة الجيوش.

стр. 2744

ذكر مباشرة ديوان الجيش وسبب وضع الدواوين وأول من وضعها فى الإسلام وديوان الجيش هو أوّل ديوان وضع فى الإسلام «١» ، وضعه عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- فى خلافته؛ وقيل: بل وضع فى عهد النبىّ ﷺ ، ويدلّ على ذلك أن البخارىّ- ﵀ ترجم على هذا بقوله: باب كتابة الإمام الناس، قال: حدّثنا محمد بن يوسف، قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة: قال النبى ﷺ : «اكتبوا لى من تلفّظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل» وقد روى البخارىّ أيضا بسنده عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّى اكتتبت «٢» فى غزوة كذا وكذا، وامرأتى حاجّة؛ قال: ارجع فاحجج مع امرأتك» واختلف الناس فى سبب وضعه فى أيّام عمر، قال قوم: سببه أنّ أبا هريرة- رضى الله عنه- قدم بمال من البحرين، فقال له عمر رضى الله عنه: ماذا

стр. 2745

جئت به؟ قال خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر وقال: أتدرى ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات؛ فقال عمر: أطيّب «١» هو؟ فقال: لا أدرى؛ فصعد عمر رضى الله عنه المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا [لكم عدّا «٢» ] ؛ فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدوّنون ديوانا لهم، فدوّن أنت [لنا «٣» ] ديوانا. وقال آخرون: بل سببه أنّ عمر- رضى الله عنه- بعث بعثا وعنده الهرمزان «٤» ، فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلّف رجل منهم وأخلّ «٥» بمكانه فمن أين يعلم صاحبك «٦» ؟ فأثبت لهم ديوانا؛ فسأله عن الديوان حتى فسّره له. وروى [عابد بن يحيى] عن [الحارث «٧» ] بن نفيل أن عمر رضى الله عنه استشار المسلمين فى تدوين الدواوين، فقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: تقسم فى كلّ سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا؛ وقال عثمان بن عفّان- رضى الله عنه-: أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر؛ فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشأم

стр. 2746

فرأيت ملوكها دوّنوا ديوانا، وجنّدوا جنودا، [فدوّن «١» ديوانا، وجنّد جنودا] فأخذ بقوله، ودعا عقيل بن أبى طالب ومخرمة «٢» بن نوفل وجبير بن مطعم- وكانوا من كتّاب قريش- فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدءوا ببنى هاشم فكتبوهم، ثم أتبعوهم قوم أبى بكر، ثم عمر وقومه، وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة «٣» ، ثم رفعوا ذلك إلى عمر رضى الله عنه، فلمّا نظر فيه قال: لا، [ما «٤» ] وددت أنّه كان هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله؛ فشكره العباس رضى الله عنه على ذلك؛ وكان ذلك فى المحرّم سنة عشرين من الهجرة، وقيل فى سنة خمس عشرة،- والله أعلم-؛ فلما استقرّ ترتيب الناس فى الدواوين على قدر «٥» النسب المتصل برسول الله ﷺ فضّل بينهم فى العطاء على قدر السابقة فى الإسلام. وسنذكر إن شاء الله فى خلافة عمر رضى الله عنه ما فرضه من العطاء لكلّ طائفة على ما ستقف عليه- إن شاء الله تعالى- فى موضعه من فنّ التاريخ؛ وهو فى السفر السابع عشر من كتابنا هذا؛ فهذا كان سبب وضع ديوان الجيش. وأما دواوين الأموال - فإنها كانت بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق على ما كانت عليه قبل الإسلام، فكان ديوان الشأم بالروميّة لأنه كان من ممالك

стр. 2747

الروم؛ وكان ديوان العراق بالفارسيّة لأنه كان من ممالك الفرس؛ فلم يزل أمرهما جاريا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشأم إلى العربيّة فى سنة إحدى وثمانين من الهجرة؛ وكان سبب نقله- على ما حكاه المدائنىّ- أن بعض كتّاب الروم فى ديوانه أراد ماء لدواته، فبال فى الدواة، فبلغه ذلك فأدّبه، وأمر سليمان بن سعد أن ينقل الديوان إلى العربيّة، فسأله أن يعينه بخراج الأردن «١» سنة، ففعل وولّاه الأردنّ، وكان خراجه مائة ألف وثمانين ألف دينار، فلم تنقض السنة حتى فرغ من الديوان ونقله، وأتى به عبد الملك فدعى سرجون «٢» كاتبه فعرضه عليه فغمّه وخرج كئيبا، فلقيه قوم من كتّاب الروم، فقال لهم: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم. وأما ديوان العراق - فكان سبب نقله إلى العربيّة أنّ كاتب الحجّاج بن يوسف كان زاذان فرّوخ، وكان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربيّة والفارسيّة، فأوصله زاذان فرّوخ إلى الحجّاج، فخفّ على قلبه، فقال صالح لزاذان فرّوخ «٣» إنّ الحجّاج قد قرّبنى ولا آمن أن يقدّمنى عليك؛ فقال: لا تظنّ ذلك فهو إلىّ أحوج منّى إليه، لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيرى؛ فقال له صالح: والله لو شئت أن أحوّل الحساب إلى العربيّة لفعلت؛ فقال: فحوّل منه ورقة أوسطرا حتى أرى، ففعل؛ ثم قتل زاذان فرّوخ فى حرب عبد الرحمن بن الأشعث، فاستخلف

стр. 2748

الحجّاج صالحا مكانه، فذكر له ما جرى بينه وبين زاذان فرّوخ فأمره أن ينقله، فأجابه إلى ذلك وأجله فيه أجلا حتى نقله إلى العربيّة، فلمّا عرف مردانشاه بن زاذان فرّوخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر للحجّاج العجز عنه، فلم يفعل؛ فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسيّة. وكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول: لله درّ صالح ما أعظم منّته على الكتّاب!. هذا ما حكى فى ابتداء نقل الدواوين، فلنرجع إلى الجيش وما يحتاج إليه مباشره. ذكر ما يحتاج اليه كاتب الجيش على ما استقر فى زماننا «١» هذا من المصطلح يحتاج كاتب الجيش إلى أن يرصّع «٢» أسماء أرباب الإقطاعات والنقود والمكيلات من الأمراء على اختلاف طبقاتهم، والمماليك السلطانيّة، وأجناد الحلقة، وأمراء التّركمان والعربان؛ ويضع لذلك جريدة مقفّاة على حروف المعجم يثبت فيها أسماءهم، ويذكر الاسم وابتداء إمرته أو جنديّته فى أىّ سنة كانت من السنين الهلاليّة لاستقبال ما يكتب من مغلّ السنة الخراجيّة، وعمن انتقل إليه الإقطاع؛

стр. 2749

ويرمز قبالة كلّ اسم إلى عبرة «١» إقطاعه رمزا لا تصريحا، ويشير فى جندىّ الحلقة إلى مقدّمه، ويعيّن فى اسم التّركمانىّ أو البدوىّ ما قدّمه إلى الإصطبلات السلطانيّة والمناخات من الخيل والجمال، وفى عربان مصر المقرّر عليهم فى مقابلة الإقطاعات من التّقادم «٢» وإقامة خيل البريد فى المراكز، وغير ذلك من نقل الغلال، وما هو مقرّر عليهم فى ابتداء أمرهم عند خروج الإقطاعات بأسمائهم، وغير ذلك على جارى العادة، فإن انتقل أحد منهم من إقطاع إلى غيره فى ذلك العمل بعينه وضع تحت إقطاعه الأوّل ما صورته: ثم انتقل إلى غيره بمقتضى منشور تاريخه كذا عن فلان المنتقل إلى غيره، أو المتوفّى، أو المفارق، أو غير ذلك؛ فإن كان على سياقته فى إقطاعه الأوّل قال: على سياقته؛ وضبط تاريخ الأوّل؛ وإن كان لاستقبال مغلّ أو شىء من مغلّ ميّزه، واحتاج إلى محاسبة ربّ الإقطاع على إقطاعه الأوّل؛ والمحاسبات غالبا إنما تقع بعد وفاة الأمير أو الجندىّ، أو انفصاله بوجه من وجوه الانفصالات، وأما ما دام فى الخدمة فهى يتلو بعضها بعضا؛ وصورة المحاسبة أن يقيم تاريخ منشوره إلى تاريخ انفصاله أو نقلته، ويعقد على ذلك جملة، ويوجب له عن نظير خدمته استحقاقا، وينظر إلى ما قبضه من المغلّات فيجمعها، فإن كان قبضه نظير خدمته فلا شىء له ولا عليه، وإن زاد قبضه على مدّة خدمته استعاد منه ما زاد بنسبته، وإن كانت خدمته أكثر من قبضه أفرج له عن نظير ما فضل له؛ ومن العادة فى غالب الأوقات أن يسقط من استحقاق أرباب الإقطاعات فى كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم، وهى التفاوت بين السنة الشمسيّة والقمريّة، ويبرز له ما بقى

стр. 2750

ويعطيه المثل من نسبة البارز، وقد سومح بذلك فى بعض الأوقات دون بعض؛ وهذه الجريدة تسمّى الجريدة الجيشيّة. ويحتاج إلى بسط جريدة إقطاع صورتها: أنه يرصّع «١» الأعمال كلّ عمل وبلاده وضياعه وكفوره وقراه وجزائره وجروفه وجهات الهلالىّ والجوالى، وغير ذلك من معالمه وحدوده «٢» والجهات المستظهر بها والبذول «٣» ، وسائر ما هو متعلّق بذلك المكان؛ ويذكر عبرة «٤» البلد الجيشيّة، وما استقرّ عليه حال متحصّلها أخيرا، وإن كان بالشأم ذكر العبرة الجيشيّة ومتحصّل البلد لثلاث سنين: مبقلة «٥» ومتوسّطة ومجدبة، ثم يشطب «٦» قبالة كلّ جهة أسماء مقطعيها، وما هو باسم كلّ واحد منهم، ليتحرّر «٧» له بذلك هل استوعب الإقطاع جملة النواحى والجهات، ويتميّز له ما بقى من المحلولات؛ وإن انتقل ربّ إقطاع من إقطاع إلى غيره بادر بشطبه لوقته فى موضعه لئلا يدخل عليه الوهم «٨» والاختلاف.

стр. 2751

ويحتاج إلى أن يتعاهد مباشرى المعاملات والبرور «١» بطلب الكشوف الجيشيّة فى كل ثلاث سنين ويشطبها «٢» على ما عنده لتتحرّر «٣» عنده العبر «٤» ، ويتميّز له ما تعيّن من الزيادة والنقص. ويحتاج أيضا إلى بسط جريدة ثالثة بأسماء أرباب النقود والمكيلات خاصّة ، لأنه يحتاج أن يفرج لكلّ منهم فى كلّ سنة عن نقده ومكيله بمقتضى ما شهد به منشوره، وعادة قبضه وجهته، أو ممّا تعيّن بقلم الاستيفاء إن كان، فإذا أفرج لكلّ منهم شطب «٥» تاريخ إفراجه قبالة اسمه لتنضبط له بذلك تواريخ قبوضهم ويأمن من التّكرار والغلط؛ وهذه الجريدة هى فرع من الجريدة الجيشيّة، فإنه يبسطها منها. ويحتاج فى أجناد «٦» الحلقة السلطانيّة إلى أن يضيف كل جماعة منهم إلى مقدّم مشهور من أعيانهم ممن هو متميّز الإقطاع، ويقيم عليهم نقيبا يعرف مساكنهم ومظانّهم، فإذا طلبوا جمعهم، أو طلب أحد منهم أحضره، ويسمّى هذا المقدّم: مقدّم الحلقة؛ ويضيف كلّ جماعة من أمراء الطّبلخاناه «٧» وأمراء العشرات،

стр. 2752

ومقدّمى الحلقة، ومضافيهم إلى مقدّم كبير من أمراء المائة، ويسمّى هذا الأمير: مقدّم الألف؛ ويحتاج إلى أن يضع لهاتين الطائفتين «١» جريدة عدّة، يضع فيها اسم مقدّم الألف وعدّته من غير تفصيل لأسمائهم وقبالة اسمه عبرة «٢» إقطاعه، ما هو لخاصّه، وما هو لأصحابه؛ ثم أمراء الطّبلخاناه كلّ أمير وعدّته، وعبرة إقطاعه، على ما تقدّم فى مقدّم الألف، ويرتّبهم فى التقديم والتأخير على مراتبهم؛ ثم أمراء العشرات كذلك؛ ثم يذكر مقدّمى الحلقة فيعيّن اسم المقدّم ونسبته وأتباعه إن كان له أتباع، وعبرة إقطاعه، ثم يذكر مضافيه من الحلقة على هذا الحكم، ويرتّبهم بحسب مراتبهم، يبدأ فى كلّ تقدمه باسم المقدّم، ويختم باسم النقيب، ليسهل عليه طلب كلّ جندىّ من مقدّمه، ويطلبه مقدّمه من نقيبه؛ وإن انتقل أمير أو جندىّ من مقدّم ألف أو مقدّم حلقة وانضاف إلى مقدّم آخر نقله لوقته لئلّا يضطرب عليه حالهم، ويلتبس أمرهم؛ وكذلك أيضا يفعل فى المماليك السلطانيّة من إضافة كلّ جماعة منهم إلى مقدّم من أعيانهم، ويميّز أرباب الوظائف منهم: من السلاحداريّة «٣» والحربداريّة والرّمحداريّة والجمقداريّة «٤» والزّردكاشيّة «٥»

стр. 2753

والبندقداريّة «١» ومن السّقاة «٢» والجمداريّة «٣» والخزنداريّة «٤» والحرّاس «٥» والبشمقداريّة «٦» وغيرهم؛ ويضيف كلّ جماعة من كلّ طائفة منهم إلى متعيّن من جملتهم، ويجمع عدّة كلّ طائفة ويقدّم عليهم أمثلهم؛ وأمّا المماليك الكتابيّة «٧» أرباب الجامكيّات «٨» فينسب كلّ جماعة منهم إلى طبقة مقدّمها من الطواشيّة، وينسب المماليك البرجيّة «٩»

стр. 2754

الى مساكنهم ومقدّمهم، والبحريّة «١» إلى مراكزهم ومقدّمهم، والأوشاقيّة الّذين إقامتهم بالإسطبل إلى المقدّم عليهم من الطواشيّة، ويرجع سائر المماليك السلطانيّة إلى مقدّمهم الكبير، ولا يكون فى الغالب إلّا من الطواشيّة الأمراء. ويحتاج أيضا الى أوراق أخر تتضمن أسماء أمراء الميمنة وأمراء الميسرة، والجالس - وهو المقدّم- أمام قلب الجيش، وهذه الأوراق تكون جمليّة يستغنى فيها بذكر مقدّمى الألوف دون مضافيهم. ويتلو هذه الأوراق أوراق أخر- تتضمّن أسماء الأمراء الذين جرت عادتهم بصحبة ركاب السلطان فى الصّيد والركوب للمتنزّهات وفى الميادين للّعب بالكرة، وفى غير ذلك؛ هذا ما يحتاج إليه فى الأمراء والمماليك السلطانيّة ورجال الحلقة. وأما أجناد الأمراء فإنّ مباشر الجيش يسترفع «٢» من دواوينهم أوراقا بعدّة أجناد كلّ أمير منهم، يصدرها كاتب عدّة «٣» الأمير على عدّة نسخ بحسب المباشرين للجيش، ويقول فى صدرها ما مثاله: عرض رفعه «٤» المملوك فلان الفلانىّ على ما استقرّ عليه الحال إلى آخر كذا، والعدّة خاصّته، وكذا كذا طواشيّا؛ ويشرح أسماء

стр. 2755

الجند، وما أقطع باسم كلّ منهم من إقطاع ونقد ومكيل، مبتدئا برأس المدرّج ومن يليه فى الجند، ثم مماليك الأمير وألزامه، ويختمهم بالنقيب، ثم يعيّن فى آخر المدرّج ما بقى الخاصّ الأمير من النواحى والجهات، وما عليه منه لأصحابه من نقد ومكيل إن كان؛ ويلزمه عمل مسير على نواحى الإقطاع يشطب «١» كلّ جهة بأسماء من أقطعت لهم، وما بقى منها للخاصّ إن كان فإن كان منشور الأمير قد عيّن فيه ما هو لخاصّه وما هو لأصحابه فليس له أن يقتطع من المعيّن لجنده ما يضيفه لخاصّه، ولا يمنع أن يقطع من خاصّه زيادة لأصحابه؛ وهذه القاعدة لاحقة بقواعد الفقه، فإنّ له التصرّف فى ماله دون مال غيره، وله أن يميّز بعضهم على بعض بحسب أحوالهم ومراتبهم؛ فإذا رفعت إليه هذه الأوراق عرض جند كلّ أمير فى مجلس ولىّ الأمر بمشهد من الأمراء وغيرهم، فمن أجاز ولىّ الأمر عرضه حلّاه «٢» قبالة اسمه، ويعيّن فى حلاه سنّه ولونه وقامته، ثم يذكر حلية وجهه، ويصف ما يتميّز به عن غيره من أثر فى وجهه أو غير ذلك؛ ومن ردّه ولىّ الأمر من العرض طولب الأمير بإقامة غيره، فإذا أقامه وعرضه وأجاز ولىّ الأمر عرضه حلّاه عند ذلك، وعيّن تاريخ عرضه إن كان عرضه بعد يوم العرض الشامل؛ ويرقم المباشر بقلمه على رأس أوراق العرض تاريخ عرض الجند؛ وتستحقّ هؤلاء الجند الإقطاعات والنقود والهلالىّ من تاريخ عرضهم وتدوينهم فى الديوان، والأمير من تاريخ منشوره؛ فإن مات جندىّ منهم أو فارق الخدمة أقام الأمير عوضه، وعرضه على ولىّ الأمر، وأثبت اسمه بالديوان؛ وإن قطعه الأمير فلا يخلو قطعه: إمّا أن يكون لسبب كالعجز ونحوه فله ذلك، وإما أن يكون بغير سبب فلا يخلو:

стр. 2756

إما أن يكون قطعه له فى قرب زمن إدراك المغلّ فلولىّ الأمر منعه من ذلك، أو فى غير وقت المغلّ، فإن عرض من هو أكفى منه وأقدر على الجنديّة أجيز، وإن عرض من هو دونه منع أميره من ذلك، وألزم باستمرار الكافى أو إقامة من يماثله فى الكفاية والقدرة؛ وإذا عرض الأمير أصحابه فى السنة الثانية جدّد كاتبه أوراقا بالعرض نظير الأولى، وشطب «١» كاتب الجيش حلى «٢» الجند من العرض الأوّل، ثم يقابلها بالصورة الجديدة «٣» فى وقت العرض الثانى، فإن وافقت وطابقت أجازه، وإن اختلفت الحلى وتباينت ردّه وطالع ولىّ الأمر به ليقع الإنكار على من تجاسر على فعل ذلك لما فيه من التلبيس؛ فهذه هى القواعد التى استقرّت فى زماننا والله أعلم. ويحتاج الكاتب إلى تحرير شواهده وحفظها ، فإن كان بين يدى السلطان ورسم له بإقطاع أمير أو جندىّ كتب مثالا بالإقطاع، وكتب السلطان أو نائبه بقلمه أعلى المثال ما مثاله: يكتب؛ وعيّن ناظر الجيش بقلمه تحت خطّ السلطان أو نائبه ما مثاله: رسم أن يكتب باسم فلان لاستقبال مغلّ سنة كذا، ولاستقبال كذا من مغلّ سنة كذا؛ وخلّد الكاتب هذا الشاهد عنده، وكتب مثالا ثانيا مربّعا بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ الفلانىّ- ويدعو للسلطان- أن يقطع ويقرّر باسم فلان الفلانىّ- وينعته بما يستحقّ- ما رسم له به الآن من الإقطاع والنقد والمكيل إن كان فيه نقد أو مكيل فى السنة، خارجا

стр. 2757

عن الجوالى «١» والمواريث الحشريّة «٢» والرّزق «٣» الإحباسيّة، إن كان الإقطاع بالديار المصريّة؛ وإن كان بالشام قال: خارجا عن الملك والوقف، ثم يقول: خبز «٤» فلان الفلانىّ، إن كان عن أحد؛ وإن كان من الخاصّ أو مستجدّا أو مستظهرا به عيّنه، ويذكر خاصّته وعدّته وأتباعه، أو بمفرده، ثم يعيّن جهات إقطاعه، ويثبت هذا المثال الثانى فى الديوان، وتشمله علامة السلطان ونائبه، ثم يخلّد بديوان الإنشاء، وهو شاهد الموقّع، ويكتب منشوره بمقتضى ذلك المثال، وتشمله علامة السلطان وخطّ نائبه ووزيره بالامتثال، ويثبت بديوان الجيش ثم بالدواوين؛ وإن كان الكاتب فى جهة خارجة عن باب الملك من الممالك الشاميّة وأمره النائب بإقطاع أحد كتب مثالا بالإقطاع، وكتب النائب بأعلاه: يكتب، ثم يكتب عليه الناظر نحو ما تقدّم، وهو شاهد الكاتب، ثم يكتب المثال الثانى فى ورقة مربّعة بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ الفلانىّ أن يقطع ويقرّر باسم فلان ما رسم له به الآن من الإقطاع، ويعيّن خبز «٥» من كان وسبب حلّه عنه، إما بوفاة، أو بمفارقة، أو بانتقال إلى غيره، أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لإخراج الإقطاع عنه،

стр. 2758

ويكتب نائب السلطنة عليه بالتّرجمة، ويترجم عليه الناظر بقلمه تحت خطّ النائب بما مثاله: المملوك فلان يقبّل الأرض وينهى أن هذا مثال كريم باسم فلان المرسوم إثباته فى جملة الأمراء والمماليك السلطانيّة، أو البحريّة، أو رجال الحلقة المنصورة، أو رجال التّركمان، أو العربان، أو الجبليّة بالمملكة الفلانيّة، أو بالجهة الفلانيّة «١» بما رسم له به الآن من الإقطاع عن فلان، والعدّة خاصّته «٢» ، وكذا كذا طواشيا، أو بحسب ما يكون لاستقبال ما عيّن فيه على ما شرح باطنه، والأمر فى ذلك معذوق «٣» بإمضائه أو بما يؤمر به من الأبواب. ثم يثبت بديوان الجيش، ويجهّز إلى باب السلطان، فإذا وصل إلى الباب كتب عليه الناظر ومن معه من الرّفاق بالمقابلة، وقوبل به، ثم تشمله علامة السلطان أو نائبه بالكتابة، ويخلّده كاتب الجيش بالباب عنده، ويكتب مثالا من جهته على ما تقدم، فإذا خرج المنشور الشريف ووصل الى تلك المملكة شمل خطّ نائبها بالامتثال، وكتب عليه ناظر الجيش ورفقته بالثبوت تحت خط ناظر الجيش بالباب ورفاقه، ثم يثبت بالدواوين، ويفرج لربّ الإقطاع على حكمه، ويثبت إفراجه، ويسلّم اليه إقطاعه؛ فهذه شواهد المناشير والأمثلة. وأما غيرها من شواهد الكشوف فعلى حسب الوقائع؛ والله أعلم بالصواب. ويحتاج إلى ضبط أسماء من توجّه بدستور «٤» إلى جهة من الجهات، ويراعى انقضاء مدّة الدّستور، ثم يكشف عنه، ويطالب مقدّمه به،

стр. 2759

وكذلك من توجّه إلى الحجاز وغيره، وكذلك من تخلّف عن العود مع الجيش المجرّد فى المهمّات، فيراعى ذلك حسب الطاقة والإمكان، وإن تعذّرت عليه معرفة من تأخّر بعينه يستعلم «١» أخبارهم مجملة من مقدّميهم ونقبائهم. ويحتاج إلى أنه مهما انحلّ من الإقطاعات ، أو تعيّن من تفاوت المدد عمّن درج «٢» وفارق «٣» وانتقل «٤» ، أو ما تعيّن فى خلال المدد بين منفصل ومتّصل يحرّر ذلك، ويكتب به حوطة «٥» جيشيّة يضمّنها اسم ربّ الإقطاع المتّصل ونواحى إقطاعه ونقده ومكيله إن كان، ويعيّن استقبال الحوطة، ويميّز ما استحقّه الديوان من المغلّ، وتصدر الى ديوان التصرّف بعد شمولها بالعلامة وثبوتها، ويطالب المستوفى «٦» بكتابة رجعة بوصول ذلك إليه ليبرأ من عهدته، ويلزم المثبتون التعريف بذلك وإضافة ما يتحصّل منه، فإن أخّر كاتب الجيش إصدار الحوطات الى ديوان التصرّف حتى يفوت الزمن الذى يمكن فيه تحصيل ما فيها، كان تحت دركه «٧» وتبعته؛ والله أعلم.

стр. 2760

ويحتاج مباشر الجيش إلى مراجعة جرائده: الجيشيّة والإقطاعيّة وأوراق العدّة فى كلّ وقت من غير احتياج إلى كشف، لتكون على خاطره أسماء الجند ونواحى إقطاعهم، فإنه بصدد أن يسأل عن شىء من ذلك بين يدى ملك أو نائب، فإن أخّر الجواب بالجملة «١» إلى أن يكشف عنه ربّما ينسب إلى عجز فيتعيّن أن يكون على خاطره من جليّات الأحوال ما يجيب به فى المجلس على الفور، ولا يتأتّى له ذلك إلا بمراجعة حسابه ومداومة النظر فيه، والناظر إلى ذلك أحوج من غيره من المباشرين، لأنه المسؤول والمخاطب فى غالب الأوقات؛ والله أعلم بالصواب. ويحتاج أيضا إلى معرفة الحلى «٢» واختلافها على ما نذكره فى فصل الوراقة «٣» ، ولا بدّ له من معرفة الأوضاع التى اصطلح عليها كتّاب الجيوش فى كتابة الحلىّ من الاختصار؛ فهذه أمور كليّة لا بدّ لمباشر الجيش من معرفتها وإتقانها. ويتجنّب «٤» مباشر الجيش أن يرقم بقلمه عدّة جيش تصريحا، لما يتعيّن من إخفاء عدّته وذكر تكثيره، فإنه إن وضع ذلك بقلمه لا يأمن من الاطّلاع عليه

стр. 2761

فيشيع «١» ويذيع، وقد يتّصل بالعدوّ والمعاند «٢» والمناوئ فيترتّب عليه من الفساد ما يترتّب وهذا باب يجب على كاتب الجيش الاحتفال «٣» به، والاحتراز من الوقوع فيه، وكتمانه عن سائر الناس؛ وإن دعته الضرورة الى تسطير ذلك خشية «٤» أن يسأله ولىّ الأمر عن شىء منه، فليكن وضعه لذلك رمزا خفيّا يصطلح عليه مع نفسه لا يعرفه إلا هو، أو من له دربة بمباشرة الجيش. ويتجنّب أن يكشف عبرة «٥» إقطاع أو متحصّله، أو يذكر ذلك لأحد إلا بمرسوم ولىّ الأمر، ثم يذكره باللفظ دون الخط، ووجوه الاحتراز كثيرة، وهى بحسب الوقائع، فيتعيّن على مباشر الجيش ملاحظة ذلك والاحتراز من الوقوع فيما ينتقد عليه، أو يصل سبب ضرر منه إليه؛ هذا ما أمكن إيراده مما يحتاج مباشر الجيش إلى اعتماده؛ والله أعلم. وأما مباشرة الخزانة - فالعمدة فيها على العدالة والأمانة، لأن خزائن الملوك فى هذا العصر لسعتها، وكثرة حواصلها، وعظم ذخائرها لا تنضبط بسياقه، فإنه لو طولب كاتب الخزانة بعمل سياقه لحواصلها عن سنة احتاج إلى أن ينتصب لكتابتها سنة كاملة لا يشتغل فيها بغيرها، فإذا تحرّرت سياقه السنة فى آخر السنة الثانية وكشفها مباشر الأصل وحرّرها فى مدّة أخرى من السنة الثالثة فاتت المصلحة المستقبلة، وتعطّل على المباشر ما بعد تلك السنة، لاشتغاله بنظر «٦» تلك السّياقة، فإذا تقرّر عجز

стр. 2762

الكاتب عن عمل السّياقة بهذه المقدّمة فقد تعيّن أنّ «١» العمدة فى مباشرتها على الأمانة والعدالة؛ ومع ذلك فيحتاج كاتبها إلى أمور: منها ضبط ما يصل «٢» إليه من حمول الأموال والأصناف، ويقابل ما يصل منها على رسائله، ويحرّره بالوزن والذّرع والعدد والأحمال على اختلاف أجناسه وأنواعه وأوصافه، ويميّز ما يصل إليه من الأقاليم والثغور والأعمال والممالك، وما يصل من الهدايا والتّقادم «٣» على اختلافها، فيضيف كلّ نوع إلى نوعه، وصنف إلى صنفه؛ وكذلك يحرّر ما يبتاعه من الأصناف التى تدعو الضرورة اليها وجرت العادة بابتياعها. ومنها معرفة عوائد «٤» أرباب الصّلات والإنعام، ومصاريف «٥» أرباب المناصب عند ولاياتهم، وما جرت عليه عوائدهم «٦» من الإنعام فى خلال مباشراتهم بالأسباب الموجبة لذلك وغير الأسباب، وعوائد أرباب التّقادم والصنّاع وغيرهم. ومنها ضبط ما يصل إلى الخزانة من تقادم الملوك والنوّاب ، ويقابل ما يصل منها فى الوقت الحاضر على ما تقدّم، ويحرّر زيادته من نقصه، ويكون ذلك على خاطره،

стр. 2763

فإن سأله ولىّ الأمر عنه أجابه، وإلّا فلا يبدؤه؛ ويضبط عادات مهاداة الملوك وما جهّز إلى كلّ منهم فى السنين الخالية، وما كان قد وصل من هداياهم، وما جرت عليه عادات رسلهم وقصّادهم «١» من التشاريف والإنعام. ومنها ضبط ما جرت به العادة من كسا أرباب العوائد «٢» المقرّرة فى كلّ سنة على اختلاف طبقاتهم من أرباب الرتب والمناصب والمماليك السلطانيّة وغيرهم، وتواريخ صرف الكسوة اليهم. ومنها تجهيز ما جرت العادة بأن يجهّز فى خزائن الصحبة عند استقلال ركاب السلطان من مقرّ ملكه ، إما إلى الصيد والنزهة، وإما لكشف ممالكه «٣» عند انتقاله من مملكة إلى أخرى، أو فى حروبه عند ملاقاة الأعداء، فيجهّز ما جرت به العادة فى ذلك، ولا يزيد عليه إلا بمرسوم ولىّ الأمر، ولا يستكثر من استصحاب صنف من الأصناف عند توجّهه إلى معدن ذلك الصنف ومظنته، ولا إلى الخزانة منه بحمله «٤» ، بل يستصحب منه ما يكون معه ذخيرة واحتياطا، إذ لو طلب الملك ذلك الصنف فى مسيره قبل وصوله إلى معدن ذلك الصنف كان معه منه ما يسدّ به الضرورة، ولا يعتذر بأنه ما استصحبه معه بحكم توجّهه إلى معدنه، وأنه فعل ذلك للمصلحة الظاهرة، فإن الملوك لا تحتمل مثل ذلك، ولا تصبر على أن يفقد

стр. 2764

من ذخائرها ما تطلبه؛ ويستكثر من استصحاب الصنف المعدوم فى ذلك الوجه الذى يتوجّه إليه، ويحمل منه ما يعلم أنه يكفيه فى مسيره وعوده؛ والله أعلم. ومنها «١» ضبط ما يتسلّمه الصّنّاع من مزركش وخيّاط وفرّاء ونجّاد «٢» وسرّاج وخردفوشى «٣» وغيرهم بالوزن والذّرع والعدد، ويحرزه عند استعادته من صانعه. ومنها تحرير ما يصل إليه من الأقمشة من دار الأعمال وما جرت به العادة أن يحمل منها فى كلّ مدّة ليطالب به إن تأخّر عن وقته؛ وإن قلّ صنف من الأصناف عنده يبادر بمطالعة وزير المملكة أو مدبّرها بذلك ليخلص من عهدته، وعلى وزير المملكة ومدبّرها طلب ذلك الصنف من مظانّه وحمله إلى الخزانة. وأما ملبوس الملك المختصّ بنفسه وعادته فى التفصيل والحبس «٤» والطّول والسّعة فهو أمر متعلّق برأس نوبة الجمداريّة «٥» ، وهو المقدّم عليهم، فعليه أن يحضر إلى الخزانة ويختار من الأقمشة ما يعلم أنه ملائم لخاطر السلطان وموافق لغرضه، فيفصّل منه ما يراه على ما يراه من أنواع التفصيل، وعلى معلّم الخيّاطين الدّرك فى طوله وسعته وهندامه، ولا يستغنى المباشر عن معرفة ذلك، ولا يستغنى أيضا عن معرفة

стр. 2765

قيم الأشياء على اختلافها وعادة التفصيل والتّرفئة «١» والجندرة «٢» والحشو ليشارك ربّ كل صنعة فى صناعته بنظره ولسانه، ولا يكون فى ذلك مقلّدا جملة، بل يشاركهم فيما هم فيه، وعليهم الدّرك دونه فيما لعلّه يعرض فى ذلك من خلل إن وقع، لأن هذه الصناعات زائدة على وظيفته ولازمة لأولئك؛ فأيّما رجل اجتمعت فيه هذه الأوصاف تعيّن على ولىّ الأمر ندبه لمباشرة الخزانة، وقرّر له كفايته، وألزمه إن امتنع. وأما مباشر بيت المال - فعمدته على ضبط ما يدخل إليه وما يخرج منه، ويحتاج فى ضبط ما يصل إليه من الأموال إلى أن يقيم لكلّ عمل من الأعمال وجهة من الجهات أوراقا مترجمة باسم العمل أو الجهة، ووجوه أموالها، فإذا وصل إليه المال وضع الرسالة الواصلة قريبة من ذلك العمل «٣» ، ثم شطبها «٤» بما يصحّ عنده من الواصل إليه، وذلك بعد وضعه فى تعليق المياومة، فإن صحّ الواصل صحبة الرسالة كتب لمباشر ذلك العمل رجعة بصحّته، وإن نقص ضمّن رجعته: من جملة كذا؛ واستثنى بالعجز والردّ، وبرز بما صحّ، وأعاد الردّ على مباشر ذلك العمل وأثبت فى بيت المال ما صحّ فيه، فإن كان العجز عن اختلاف الصّنج «٥» عيّنه فى رجعته

стр. 2766

ولا شىء على مباشر العمل، وإن كان مع اتفاقها فلا يعتدّ لمباشر العمل أو الجهة إلا بما صحّ فى بيت المال. ويحتاج كاتب بيت المال إذا عمل جامعة لسنة إلى أن يضمّ كلّ مال وصل إليه إلى ما هو مثله، من الخراج والجوالى والأخماس وغير ذلك بحسب ما يصل اليه، ويفصّل جملة كلّ مال بنواحيه التى وصل منها، ويستشهد فيه برسائل الحمول، ويضيف إلى جملة ما انعقد عليه صدر الجامعة من الأموال ما انساق عنده من الحاصل إلى آخر السنة التى قبلها، ويفذلك «١» [بعد «٢» ذلك] ، ويعرف ما لعلّه صرفه من نقد بنقد فى تواريخه، ويستقرّ بالجملة بعد ذلك؛ ثم يشرع فى الخصم، فيبدأ منه بما حمله إلى المقام على يد من حمل على يده وتسلّمه، من الخزنداريّة «٣» والجمداريّة وغيرهم إن كان، ثم يذكر ما نقله إلى الخزانة ويستشهد فيه برجعاته، وما نقله إلى الحوائج خاناه والبيوت والعمائر وغيرها بمقتضى استدعاءات «٤» هذه الجهات ووصولات مباشريها، وفى أرباب الجامكيّات «٥» والرواتب والصّلات بمقتضى الاستئمارات «٦» والتواقيع السلطانيّة؛ فإذا تكامل الحمل والمصروف عقد عليهما جملة وساق ما بقى إلى الحاصل؛ والله أعلم. وطريق مباشر بيت المال فى ضبط المصروف أن يبسط جريدة على ما يصل إليه من الاستدعاءات «٧» والوصولات من الجهات، وأسماء أرباب الاستحقاقات

стр. 2767

والجامكيّات والرواتب والصّلات، وما هو مقرّر لكلّ منهم فى كلّ شهر بمقتضى تواقيعهم أو ما شهدت به الاستثمارات القديمة المخلّدة فى بيت المال، ويشطب «١» قبالة كل اسم ما صرفه له على مقتضى عادته إما نقدا من بيت المال، أو حوالة تفرّع «٢» على جهة تكون مقرّرة له فى توقيعه، ويوصل إلى تلك الجهة ما فرّعه عليها، وكذلك إذا أحال ربّ استحقاق غير ثمن مبيع «٣» أو غيره على جهة عادتها تحمل إلى بيت المال سوّغ «٤» ذلك المال فى بيت المال، وأوصله إلى تلك الجهة، والتسويغ «٥» فى بيت المال هو نظير المجرى «٦» ؛ وإذا وصل إليه استدعاء من جهة من الجهات أو وصول وضعه فى جريدته، وخصمه بما يقبضه لربّه، ويشهد عليه بما يقبضه، ويورد جميع ذلك فى تعليق المياومة. وأما مباشر أهراء «٧» الغلال - فمبنىّ أمره أيضا على ضبط ما يصل إليه، وما يصرف من حاصله؛ ويحتاج فى مبدإ مباشرته إلى تحرير ما انساق من حواصل الغلال بأصنافها، وإن أمكنه تمييز ذلك بيّنه، ويكون أتقن لعمله؛ ثم يبسط جريدة يرصّع «٨» فيها أسماء نواحى الخاصّ السلطانىّ التى تصل الغلال منها إلى الأهراء

стр. 2768

فإذا جاءته رسالة من جهة «١» من تلك الجهات وضعها تحت اسم الجهة وعبر «٢» ما وصل قرينها، فإن صحّ صحّتها كتب لتلك الجهة رجعة بالصّحة، وإن نقص فلا يخلو: إما أن يكون المركب أو الظهر الذى حمل ذلك الصنف قد سفّر من ديوان الأصل، أو سفّره مباشر العمل من جهته، فإن كان قد سفّر من ديوان التسفيرات طالب مباشر الأهراء مقدّم رجال المركب والأمين المسفّر عليه بالعجز، وألزمهما بحمله، فإن كان قد سفّر من الأعمال كان درك ذلك على من سفّره، ومباشر الأهراء بالخيار بين أن يطالب محضر الغلّة بالعجز، أو يرجع على مباشر العمل به، ويكون مباشر العمل هو المطالب لمن سفّره، والأولى طلب محضر الغلّة، فإنه إذا أطلقه ورجع إلى المباشر الذى سفّره فقد يعود إلى العمل وقد لا يعود، فإن لم يعد كان مباشر الأهراء قد أضرّ بمباشر العمل، لأنه ألزمه الغرم «٣» مع قدرته وتمكّنه من استرجاعه ممن عدا عليه، ويكون هو أيضا ممن شارك فى التفريط؛ وإن وصلت إليه الغلّة متغيّرة تغيّرا ظهر له منها أنها خلطت بغيرها، إما بوصول عين تلك الغلّة اليه، أو بقرينة الحال التى يعلم منها أن تلك الغلة لا يوجد مثلها من فلّاح، ولا يعتدّ بها من خراج السلطنة لظهور غلثها «٤» ، أو وصلت إليه الغلّة مبلولة بللا ظاهر التزيد عند الكيل وتتميّز «٥» نظير ما أخذ منها، فله أن يعمل لذلك معدّلا، وهو أن يكيل منها جزءا معلوما ويغربله حتى يصير مثل العين التى عنده، أو بتخفيف ذلك حتى يعود إلى حالته

стр. 2769

الأولى، ويحرّر العجز على هذا الحكم، ويطالب به محضر الغلّة؛ وينبغى له أن يبدأ بصرف ما وصل إليه من الغلال المبلولة ولا يخلطها بغيرها، فإنها بعد بللها لا تحمل طول البقاء؛ هذا ما يعتمده فى القبض. وأما فى المصروف، فإن كان لصاحب جراية أو صلة أو إنعام أو تقا «١» لفلّاح صرف ذلك من عرض حاصله، ويراعى فى صرف التّقاوى أن «٢» تكون من أطيب الغلال وأفضلها، لأنه يجنى ثمرة ذلك عند استيفاء الخراج؛ وإن كان ما يصرفه مما ينقله إلى الطواحين برسم المخابز، أو للاسطبلات والمناخات برسم العليق غربله، وحرّر نقصه، وأورده فى جامعته من الفذلكة «٣» واستقرار الجملة؛ ومباشرة الأهراء مناسبة فى أوضاعها لمباشرة بيت المال. ذكر مباشرة البيوت السلطانية وهى الحوائج خاناه، والشراب خاناه، والطشت خاناه، [والفراش خاناه «٤» ] ، والسلاح خاناه؛ وأمر «٥» البيوت معذوق «٦» بأستاذ الدار. فيحتاج مباشر الحوائج خاناه إلى أمور: منها ما يحتاج إليه من راتب السّماط العامّ والطارئ- وهو الطعام الثانى الذى يمدّ بعد قيام السلطان من المجلس العامّ، ويأكله

стр. 2770

خواصّ الملك ومن يحضره بين يدى السلطان، وهو أخصّ من السّماط الأوّل- وطارئ الطارئ وهو الطعام الثالث الذى يمدّ بعد رفع الطارئ، ومنه يأكل الملك وخواصّه، وقد يأكل السلطان من الطارئ الذى قبله؛ فيحرّر ما يحتاج إليه من لحوم وتوابل وخضراوات وأبازير «١» وتحال وقلوب «٢» وطيب وبخور وأحطاب وغير ذلك؛ ولذلك عندهم معدّل قد عرفوه فلا يتجاوزه، فإنه إن صرف زيادة عنه بغير سبب ظاهر خرج عنه «٣» وكان تحت دركه. ومنها معرفة مقادير الأسمطة فى أوقات المهمّات والأعياد ليجرى الأمر فيها على العادة، ولا يتجاوزها إلا بمرسوم. ومنها تعاهد أسماء الحوائج خاناه، فيستدعى ما يراه قد قلّ عنده منها قبل نفاده بوقت يمكن فيه تحصيله، فإن أخّر طلب ذلك إلى أن ينفد، أو طلبه فى وقت ولم يبق عنده منه ما يكفيه إلى أن يأتيه ذلك الصنف من بلد آخر كان المباشر تحت درك إهماله «٤» ، ومتى طلب ذلك فى وقته وطالع ولىّ الأمر به فقد خلص من عهدته. ويحتاج إلى بسط أسماء من يعامل «٥» بالحوائج خاناه من قصّاب وحيوانىّ وطيورىّ وغيرهم، ويحصر «٦» لكلّ منهم ما أحضره فى كلّ يوم، فإذا اجتمع له من ذلك
следующие страницы →