Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
ولا شىء على مباشر العمل، وإن كان مع اتفاقها فلا يعتدّ لمباشر العمل أو الجهة إلا بما صحّ فى بيت المال.
ويحتاج كاتب بيت المال إذا عمل جامعة لسنة إلى أن يضمّ كلّ مال وصل إليه إلى ما هو مثله، من الخراج والجوالى والأخماس وغير ذلك بحسب ما يصل اليه، ويفصّل جملة كلّ مال بنواحيه التى وصل منها، ويستشهد فيه برسائل الحمول، ويضيف إلى جملة ما انعقد عليه صدر الجامعة من الأموال ما انساق عنده من الحاصل إلى آخر السنة التى قبلها، ويفذلك «١» [بعد «٢» ذلك] ، ويعرف ما لعلّه صرفه من نقد بنقد فى تواريخه، ويستقرّ بالجملة بعد ذلك؛ ثم يشرع فى الخصم، فيبدأ منه بما حمله إلى المقام على يد من حمل على يده وتسلّمه، من الخزنداريّة «٣» والجمداريّة وغيرهم إن كان، ثم يذكر ما نقله إلى الخزانة ويستشهد فيه برجعاته، وما نقله إلى الحوائج خاناه والبيوت والعمائر وغيرها بمقتضى استدعاءات «٤» هذه الجهات ووصولات مباشريها، وفى أرباب الجامكيّات «٥» والرواتب والصّلات بمقتضى الاستئمارات «٦» والتواقيع السلطانيّة؛ فإذا تكامل الحمل والمصروف عقد عليهما جملة وساق ما بقى إلى الحاصل؛ والله أعلم.
وطريق مباشر بيت المال فى ضبط المصروف أن يبسط جريدة على ما يصل إليه من الاستدعاءات «٧» والوصولات من الجهات، وأسماء أرباب الاستحقاقات
стр. 2767
والجامكيّات والرواتب والصّلات، وما هو مقرّر لكلّ منهم فى كلّ شهر بمقتضى تواقيعهم أو ما شهدت به الاستثمارات القديمة المخلّدة فى بيت المال، ويشطب «١» قبالة كل اسم ما صرفه له على مقتضى عادته إما نقدا من بيت المال، أو حوالة تفرّع «٢» على جهة تكون مقرّرة له فى توقيعه، ويوصل إلى تلك الجهة ما فرّعه عليها، وكذلك إذا أحال ربّ استحقاق غير ثمن مبيع «٣» أو غيره على جهة عادتها تحمل إلى بيت المال سوّغ «٤» ذلك المال فى بيت المال، وأوصله إلى تلك الجهة، والتسويغ «٥» فى بيت المال هو نظير المجرى «٦» ؛ وإذا وصل إليه استدعاء من جهة من الجهات أو وصول وضعه فى جريدته، وخصمه بما يقبضه لربّه، ويشهد عليه بما يقبضه، ويورد جميع ذلك فى تعليق المياومة.
وأما مباشر أهراء «٧» الغلال
- فمبنىّ أمره أيضا على ضبط ما يصل إليه، وما يصرف من حاصله؛ ويحتاج فى مبدإ مباشرته إلى تحرير ما انساق من حواصل الغلال بأصنافها، وإن أمكنه تمييز ذلك بيّنه، ويكون أتقن لعمله؛ ثم يبسط جريدة يرصّع «٨» فيها أسماء نواحى الخاصّ السلطانىّ التى تصل الغلال منها إلى الأهراء
стр. 2768
فإذا جاءته رسالة من جهة «١» من تلك الجهات وضعها تحت اسم الجهة وعبر «٢» ما وصل قرينها، فإن صحّ صحّتها كتب لتلك الجهة رجعة بالصّحة، وإن نقص فلا يخلو: إما أن يكون المركب أو الظهر الذى حمل ذلك الصنف قد سفّر من ديوان الأصل، أو سفّره مباشر العمل من جهته، فإن كان قد سفّر من ديوان التسفيرات طالب مباشر الأهراء مقدّم رجال المركب والأمين المسفّر عليه بالعجز، وألزمهما بحمله، فإن كان قد سفّر من الأعمال كان درك ذلك على من سفّره، ومباشر الأهراء بالخيار بين أن يطالب محضر الغلّة بالعجز، أو يرجع على مباشر العمل به، ويكون مباشر العمل هو المطالب لمن سفّره، والأولى طلب محضر الغلّة، فإنه إذا أطلقه ورجع إلى المباشر الذى سفّره فقد يعود إلى العمل وقد لا يعود، فإن لم يعد كان مباشر الأهراء قد أضرّ بمباشر العمل، لأنه ألزمه الغرم «٣» مع قدرته وتمكّنه من استرجاعه ممن عدا عليه، ويكون هو أيضا ممن شارك فى التفريط؛ وإن وصلت إليه الغلّة متغيّرة تغيّرا ظهر له منها أنها خلطت بغيرها، إما بوصول عين تلك الغلّة اليه، أو بقرينة الحال التى يعلم منها أن تلك الغلة لا يوجد مثلها من فلّاح، ولا يعتدّ بها من خراج السلطنة لظهور غلثها «٤» ، أو وصلت إليه الغلّة مبلولة بللا ظاهر التزيد عند الكيل وتتميّز «٥» نظير ما أخذ منها، فله أن يعمل لذلك معدّلا، وهو أن يكيل منها جزءا معلوما ويغربله حتى يصير مثل العين التى عنده، أو بتخفيف ذلك حتى يعود إلى حالته
стр. 2769
الأولى، ويحرّر العجز على هذا الحكم، ويطالب به محضر الغلّة؛ وينبغى له أن يبدأ بصرف ما وصل إليه من الغلال المبلولة ولا يخلطها بغيرها، فإنها بعد بللها لا تحمل طول البقاء؛ هذا ما يعتمده فى القبض.
وأما فى المصروف، فإن كان لصاحب جراية أو صلة أو إنعام أو تقا «١» لفلّاح صرف ذلك من عرض حاصله، ويراعى فى صرف التّقاوى أن «٢» تكون من أطيب الغلال وأفضلها، لأنه يجنى ثمرة ذلك عند استيفاء الخراج؛ وإن كان ما يصرفه مما ينقله إلى الطواحين برسم المخابز، أو للاسطبلات والمناخات برسم العليق غربله، وحرّر نقصه، وأورده فى جامعته من الفذلكة «٣» واستقرار الجملة؛ ومباشرة الأهراء مناسبة فى أوضاعها لمباشرة بيت المال.
ذكر مباشرة البيوت السلطانية
وهى الحوائج خاناه، والشراب خاناه، والطشت خاناه، [والفراش خاناه «٤» ] ، والسلاح خاناه؛ وأمر «٥» البيوت معذوق «٦» بأستاذ الدار.
فيحتاج مباشر الحوائج خاناه إلى أمور: منها ما يحتاج إليه من راتب السّماط العامّ والطارئ- وهو الطعام الثانى الذى يمدّ بعد قيام السلطان من المجلس العامّ، ويأكله
стр. 2770
خواصّ الملك ومن يحضره بين يدى السلطان، وهو أخصّ من السّماط الأوّل- وطارئ الطارئ وهو الطعام الثالث الذى يمدّ بعد رفع الطارئ، ومنه يأكل الملك وخواصّه، وقد يأكل السلطان من الطارئ الذى قبله؛ فيحرّر ما يحتاج إليه من لحوم وتوابل وخضراوات وأبازير «١» وتحال وقلوب «٢» وطيب وبخور وأحطاب وغير ذلك؛ ولذلك عندهم معدّل قد عرفوه فلا يتجاوزه، فإنه إن صرف زيادة عنه بغير سبب ظاهر خرج عنه «٣» وكان تحت دركه.
ومنها معرفة مقادير الأسمطة فى أوقات المهمّات والأعياد ليجرى الأمر فيها على العادة، ولا يتجاوزها إلا بمرسوم.
ومنها تعاهد أسماء الحوائج خاناه، فيستدعى ما يراه قد قلّ عنده منها قبل نفاده بوقت يمكن فيه تحصيله، فإن أخّر طلب ذلك إلى أن ينفد، أو طلبه فى وقت ولم يبق عنده منه ما يكفيه إلى أن يأتيه ذلك الصنف من بلد آخر كان المباشر تحت درك إهماله «٤» ، ومتى طلب ذلك فى وقته وطالع ولىّ الأمر به فقد خلص من عهدته.
ويحتاج إلى بسط أسماء من يعامل «٥» بالحوائج خاناه من قصّاب وحيوانىّ وطيورىّ وغيرهم، ويحصر «٦» لكلّ منهم ما أحضره فى كلّ يوم، فإذا اجتمع له من ذلك
стр. 2771
ما يقتضى محاسبته جرّد له محاسبة ضمّ فيها كلّ صنف إلى صنفه وثمّنه، إما بتعريف الحسبة، أو بعادة استقرّت له، وأحاله بمبلغ ما وجب له على بيت المال، أو استدعى من بيت المال ما ينفق منه «١» وأشهد عليه بقبض ذلك.
ويحتاج أيضا إلى بسط أسماء أرباب الرواتب السلطانيّة وأرباب الصّلات، وما لكلّ منهم فى كلّ يوم، وخصمه بقبوضهم مياومة أو مشاهرة، صنفا أو حوالة؛ ويراعى حال من مرض من المماليك السلطانيّة ونقل من اللّحم إلى المزاوير «٢» أو المساليق «٣» فيقطع مرتّبه من اللحم فى مدّة مرضه، ونظير ذلك من التوابل فى مدّة مرضه.
ويحتاج إلى معرفة عادات الرّسل الواردين، والأضياف «٤» المتردّدين، ومرتّب الصدقة فى شهر رمضان، وعادات الأضاحى والصّلات فى عيد النحر، فيجرى الأمر على حكم العادة؛ ويضبط جميع ما يصل إليه من ديوان المتجر ومطابخ السكّر وغيرها، ويكتب لهم بما يحملونه إليه من الأصناف؛ ويضبط أيضا ما استقرّ فى كلّ ليلة من الوقود من شمع وزيت، ويصرف على ما استقرّ عنده، وإذا سلّم شمع الوقود إلى الطّشتداريّة وزنه عليهم، وعبره «٥» عند إعادته فى بكرة النهار ليتميّز له النقص؛
стр. 2772
ويضبط غير ذلك مما يصل إليه وينزل عنده من عادات من قنع «١» وتبتّل، وغير ذلك من جميع ما يرد وما يرتّب ويزاد ويقطع.
وأما الشراب خاناه
- وهى بيت يشتمل على أنواع المشروب من المياه على اختلافها، والسكّر والأشربة والدّرياقات «٢» والسّفوفات والمعاجين والأقراص والأقسما «٣» والفقّاع «٤» والبلح والأبقال والحلويّات «٥» والجوارشات «٦» والفواكه، وما يجرى هذا المجرى؛ وأمر هذا البيت الخاصّ «٧» معذوق «٨» بأمير مجلس، والعامّ بأستاذ الدار؛ فيحتاج مباشر هذه الوظيفة الى ضبط ما يصل إليه من جميع هذه الأصناف،
стр. 2773
وما يستعمله من ذلك فى عقد الأشربة والحلويّات، وما يعقده للمشروب وما يصرفه من ذلك، ومعرفة عادات الأسمطة والطّوارئ والرواتب المقرّرة فى كلّ يوم، فيجرى الأمر فيها على العادة المستقرّة، وما يستدعيه السلطان على حسب الاتفاق، وما يصرف للمرضى من المماليك السلطانيّة من أنواع الأشربة والمعاجين وغيرها بمقتضى أوراق الأطبّاء؛ هذا ما يعتمد عليه مباشرها والله أعلم.
وأما الطّشت «١» خاناه
- فهى بيت تكون فيه آلة الغسل والوضوء، وقماش «٢» السلطان البياض «٣» الذى لا بدّ له من الغسل، وآلة الحمّام، وآلات الوقود؛ فيكون فى هذا البيت من الآلات: الطّشوت والأباريق والسخّانات والطاسات والكراسىّ والستائر واللّبابيد «٤» المختصّة بالحمّامات والسّجادات والنّمرقات «٥» والمناشف وفوط الخدمة ومقاعد الجلوس من الجوخ والبسط، وغير ذلك، والمباخر وأنواع البخورات والطّيب والغوالى «٦» وماء الورد والممسّك، وغير ذلك من الأصناف التى تلائم هذا البيت؛ ويستدعى ما يحتاج اليه برسم هذا البيت من الحوائج خاناه والخزانة؛ والله أعلم.
стр. 2774
وأما الفراش خاناه
- فيكون فيها أنواع الفرش والخيام والخركاهات «١» والتّخوت وقصور الخشب التى تنصب فى الدهاليز، وحمّامات الخشب التى تنقل على الظّهر فى الأسفار، وما يتعلّق بذلك من اللّبابيد «٢» وشلائت «٣» النوم وغير ذلك؛ وهو بيت متّسع فيه حواصل كثيرة لها قيم جليلة تحتاج الى ضبط ومعرفة، فإن «٤» مباشر هذا البيت يحتاج الى معرفة ما يحتاج الى استصحابه فى أسفار السلطان لخاصّته «٥» ولمماليكه على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم، وما ينصب برسم آدر «٦» السلطان ومن يتبعها من الخدّام وما ينصب برسم البيوت السلطانيّة الخزائن فما دونها، وما ينصب لأرباب الوظائف من المباشرين الذين يكونون فى صحبة الرّكاب السلطانىّ، ومن غير المباشرين الذين يكونون فى صحبة الرّكاب السلطانىّ، ومن غير المباشرين حتى الكلاب السلطانيّة والكلابزيّة «٧» والجوارى؛ ويميّز بين خيام «٨» الصيد والنّزه والأسفار والحروب، وغير ذلك من الحركات التى يحتاج فيها إلى استصحاب الخيام
стр. 2775
ولكلّ حركة منها ما جرت به العادة من خيام المقام والسّفر «١» ؛ ويعرض ما يسلّمه للفرّاشين عليهم، ويضبط صفاته عند السّفر، ويستعيده منهم عند العود بعرض ثان، وكذلك ما يسلّمه لأرباب الوظائف؛ ويضبط أيضا ما يتسلّمه الصّنّاع الذين يفصّلون الخام الجديد وغيره من آلات الفراش خاناه: من قماش بياض «٢» ومصبوغ وغزل وجلود ومشمّعات وشعر وأخشاب، وغير ذلك، ويعرف عوائدهم «٣» فى الأجر، ويحاسبهم على ما يستحقّونه من الأجر بحسب أعمالهم فيحيلهم بمبلغه.
وأما السلاح خاناه
- فهى من أعظم البيوت وأهمّها، وأمرها راجع الى أمير سلاح؛ وعلى المباشر فيها «٤» حفظ ما يدخل إليها، وضبط ما يخرج منها مما يتسلّمه السلاح داريّة والزّردكشيّة «٥» والحرب داريّة والرّمح داريّة من أنواع السلاح وأصنافه إذا ركب السلطان أو جلس فى المجلس العامّ، واستعادته منهم، وإعادته لهم، والاعتداد لهم بما أنعم به السلطان وذهّبه مما كان بأيديهم؛ ويوصل ما يصل إلى السلاح خاناه من خزائن السلاح وغيرها، وما يصل اليه من سيوف الأمراء الذين يرسم باعتقالهم، وما يحمل اليه من سلاح من توفّى من الأمراء على جارى العادة. «ويميّز «٦» ذلك من غيره» وعليه أن ينبّه أمير سلاح على ما عنده من العدد التى يخشى عليها التلف
стр. 2776
بتطاول المدّة ليأمر بكشفها وإصلاحها: من مسح ودهان وصقل وجلاء وشحذ «١» وتثقيف وخرز، وغير ذلك.
وجميع ما قدّمنا ذكره من البيوت ليس بشىء من صناعة الكتابة العلميّة، بل العمليّة خاصّة، فإن علوم الكتابة إنما تظهر فى نظم الحسبانات، ولا نظم فيما قدّمناه؛ والعمدة فى صناعة الكتابة على مباشرة الهلالىّ والخراجىّ على ما يأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر جهات أموال الهلالىّ ووجوهها «٢» وما يحتاج إليه مباشرها
والهلالىّ عبارة عمّا تستأدى أجوره مشاهرة، كأجر الأملاك المسقّفة من الآدر «٣» والحوانيت والحمّامات والأفران وأرحية «٤» الطواحين الدّائرة بالعوامل «٥» ، والراكبة على المياه المستمرّة الجريان، لا الطواحين التى تدور بالمياه الشّتويّة فى بعض نواحى الشام، فإنها تجرى مجرى الخراجىّ، وسنذكر ذلك إن شاء الله فى موضعه؛ ومما نورد فى أبواب الهلالىّ عداد الأغنام والمواشى، ومن الهوائىّ «٦» الجهات الهلاليّة المضمونة والمحلولة؛ والذى يعتمد عليه مباشره أن يتخيّر لكلّ جهة من يستأجرها بقيمتها، وما لعلّه يتعيّن
стр. 2777
من الحيطة «١» ، ويلزم المستأجر بكتابة إجارة شرعيّة لمدّة معلومة بأجرة معيّنة؛ ويخلّدها فى ديوانه؛ وإن كانت الجهة هوائيّة ألزم ضامنها بكتابة حجّة بمبلغ الضّمان، وطالبه بمن يكفله من الضّمّان الأملئاء «٢» القادرين بالمال «٣» فى الذمّة، فإن تعذّر فبالوجه «٤» ؛ فإذا خلّدت الحجّة عنده كتب له من ديوانه تقريرا عيّن له فيه استقبال مدّة ضمانه، ومبلغ الضمان وأقساطه مبسوطة «٥» أو منجّمة «٦» ، ويذكر فيه ما يستأديه من رسوم تلك الجهة على ما تشهد به الضرائب المخلّدة فى الدّيوان، وسلّم اليه؛ فإذا تكاملت عنده إجارات الأملاك وحجج الضّمان بسط على ذلك جريدة يشرح فيها الجهة، واسم مستأجرها أو ضامنها، واستقبال مدة إيجاره «٧» أو ضمانه، ومبلغ الأجرة أو الضّمان فى السنة والشهر واليوم؛ وإنما ذكرنا اليوم لما يتحصّل من أقساط أيّام سلوخ «٨» الشهور الناقصة، ولما كانت العادة جارية به من استخراج قسط يوم التعديل من سائر ضمّان الجهات
стр. 2778
الهوائيّة، وهو قسط يوم واحد فى سلخ ثلاث سنين يؤخذ من الضّمان خالصا للديوان زيادة على الأقساط، وهذا يستأدى فى بعض أقاليم الشأم؛ وإنما أوردناه خشية الإخلال به؛ ويكون بسطه لذلك فى يمنة القائمة إلى الشطر المكسور المعتاد الذى يتخلّله خيط الجريدة؛ فإن اتّفق فى جهة زيادة فى أثناء السنة قرّرها فى تعليق المياومة، ووضعها فى الجريدة بما صورته: ثم استقرّت باسم فلان لاستقبال التاريخ الفلانىّ بكذا وكذا، العبرة «١» كذا، والزيادة كذا؛ ويحاسب المستأجر أو الضامن المنفصل عمّا استحقّ عليه إلى حين انفصاله، ويلزمه بالقيام به، وذلك بعد أن يعرض على الضامن المستقرّ ما زاد عليه، فإن اختار قبول الزيادة على نفسه قبل ذلك منه، وكان ذلك له، فإن زيدت عليه فى الوقت زيادة ثانية لم يكن له الاستمرار فى الجهة إلا بزيادة على تلك الزيادة الثانية؛ وإذا انقضت مدّة مستأجر وضامن وأراد الخروج من تلك الجهة، فإن كان قد غلّق «٢» ما عليه من الأجرة أو الضّمان لم يكن للمباشر إلزامه بالاستمرار بها، وإن انطرد «٣» عليه باق كثيرا كان أو قليلا لزمه استئناف عقد جديد نظير العقد الأوّل؛ هذا اصطلاحهم فى الديوان، ولهم اصطلاحات أيضا نحن نذكر ما تيسّر منها، إذ لا تمكن الإحاطة بجميعها لاختلاف أحوال المباشرات، ولو استقصينا ذلك لطال؛ فمن اصطلاحاتهم أن المباشر يسلّم للمستأجر الطاحون عند أذان المغرب من اليوم الذى حصل فيه الإيجار أو الزيادة لاستقبال
стр. 2779
اليوم الثانى، ويسلّم الحمّام من وقت التسبيح، ويسلّم بقيّة الجهات لاستقبال غرّة النهار؛ وإذا دخل ضامن نيلة «١» قوّم للمنفصل ماله بالخوابى من مياه الأصباغ المختلفة بالقيمة العادلة، ولا يمكّن من أخذ ذلك من المصبغة لما فيه من الإضرار بهما، أما ضرر المنفصل فلفساد المياه، وأما ضرر المتصل فلأنه يتعطّل مدّة إلى أن تختمر له مياه غيرها، ولا يمكّن ضامن المصبغة المنفصل من أخذ خابية وإن كانت ملكه، بل القيمة عنها؛ هذا اصطلاحهم؛ وليحترز مباشر الجهات الهلاليّة من قبول زيادة بسطا فى جهة منجّمة قد مضت أقساطها الخفيفة «٢» وبقيت الأقساط الكبار، لما يحصل فى ذلك من التّفاوت والنقص على الدّيوان مع وجود الزيادة الظاهرة، مثال ذلك أن تكون جهة مضمونة فى كلّ سنة بأربعة آلاف درهم منجّمة، قسط ستة شهور ألف درهم، وقسط الستة شهور الثانية ثلاثة آلاف، فانقضت الستّة الأول، وحصلت زيادة فى الجهة فى أوّل الستّة «٣» الثانية مبلغ خمسمائة درهم فى السنة على أن تكون قسطين، فيصير بمقتضى البسط قسط الستّة شهور الثانية ألفين ومائتين وخمسين درهما، وهى على الضامن المنفصل بثلاثة آلاف، فتكون هذه الزيادة على هذا الحكم نقصا؛ فيراعى المباشر ذلك، فإنه متى وقع فيه خرج عليه وكان مخرجا لازما؛ ومهما استخرجه المباشر من مستأجر أو ضامن أو أجراه بوصول «٤» لربّ استحقاق أو ثمن صنف، أو غير ذلك من وجوه المصارف أورده فى تعليق المياومة، وصورة وضعه لذلك أن يرصّع «٥» المحضر أو المجرى عن يمنة القائمة، ويخصم عن يسرتها قبالة
стр. 2780
المجرى، فيقول فى يمنتها: من جهة فلان كذا، وفى مقابلته: ينصرف فى كذا؛ ثم يشطب «١» المحضر والمجرى من تلك الجهة فى يسرة قائمة الجريدة التى بسطها قبالة كلّ اسم استخرج منه أو أجرى عليه، يفعل ذلك فى مدّة السنة، ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة، وصورته [له «٢» ] ؛ وكذلك اذا كتب وصولا رمز عليه إشارة الكتابة، وصورته له؛ فإذا انقضت السّنة عمل محاسبة كلّ جهة بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها وأجراه عليه، وعقد على ذلك جملة، فان كان المستخرج والمجرى نظير الأجرة أو الضّمان فقد تغلّقت «٣» تلك الجهة عن تلك السنة، وإن زاد المستخرج على الأجرة أورده فى حسابه مضافا، ويسمّيه: زائد مستخرج، على ما يأتى بيانه فى كيفيّة الأوضاع الحسابيّة، واعتدّ «٤» له بذلك فى السنة المستقبلة؛ وإن تعيّن للضامن أو المستأجر اعتداد بما يجب الاعتداد به كباطلة الحمّامات من انقطاع المياه عنها أو وقوفها فيها، وإصلاح القدور، وعطل العمائر، وبطالة الطواحين لانقطاع المياه وانكسار الأحجار أو السهام أو العدد، أو حصول جائحة «٥» أرضيّة أو سمائيّة كانقطاع الأجلاب «٦» عن الجهات الهوائيّة بسبب مداومة الأمطار، أو سقوط الثلوج، أو طروق عدوّ للبلاد، أو حادثة عطّلت تلك الجهة بسببها اعتدّ له بقسط تلك المدّة محسوبا
стр. 2781
«هذا «١» إذا شرط ذلك فى تقريره «٢» » على ما يأتى شرح ذلك؛ هذا ما يعتمد عليه المباشر للجهات الهلاليّة فى أصولها.
وأما مضافاتها فلا فرق بينها وبين سائر الأموال، وسيرد الكلام إن شاء الله على ذلك مفصّلا؛ وقد اصطلح بعض مباشرى الجهات على إيراد أحكار البيوت والحوانيت، وريع البساتين التى تستخرج أجورها «٣» مشاهرة، ومصايد السمك، ومعاصر الشّيرج «٤» والزيت فى مال الهلالىّ؛ ومنهم من يوردها فى أبواب الخراجىّ، وهو الأليق، وإنما نبّهنا عليه لبيان الاختلاف فيه، ولا أرى فى إيراد ريع البساتين فى مال الهلالىّ وجها، بل يتعيّن ألّا يرد إلا فى أبواب الخراجىّ؛ وإن قال قائل منهم: قد يكون فى أرض البستان مسكن يستحقّ أجرة، قلنا: إن أمكن إفراد ذلك المسكن بأجرة معيّنة تقيّد أمواله فى أموال الهلالىّ دون البستان، وان تعذّر إفراده وأوجرا بعقد واحد فالمسكن هنا فرع البستان، والفرع يتبع الأصل ولا ينعكس، هذا ما خلّصناه من حال مال الهلالىّ «٥» ، فلنذكر الجوالى.
стр. 2782
ذكر الجزية الواجبة على أهل الذمّة و ...
ما ورد فيها من الأحكام الشرعيّة وأوّل من ضربها وقرّرها على الرءوس وما اصطلح عليه كتّاب التصرّف فى زماننا من استخراجها وموضع إيرادها فى الحساب ونسبتها فى الإقطاعات الجيشيّة وما يلزم مباشرها من الأعمال وما يحتاج إليه والله أعلم
أما الأحكام الشرعيّة
فالأصل فى وجوبها قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
وقد ورد فى هذه الآية تأويلات ذكرها أقضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد بن حبيب الماوردىّ- ﵀ فى الأحكام السلطانيّة، نحن نذكرها على ما أورده، قال: أما قوله: «الّذين لا يؤمنون بالله» فأهل الكتاب [وإن «١» ] كانوا معترفين بأن الله سبحانه واحد، فيحتمل [نفى «٢» ] هذا الإيمان بالله تأويلين، أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله سبحانه وهو القرآن، والثانى: لا يؤمنون برسوله محمد ﷺ ، لأن تصديق الرّسل إيمان بالمرسل؛ وقوله: «وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» *
يحتمل تأويلين، أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب، والثانى: لا يصدّقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب؛ وقوله تعالى: «وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
يحتمل تأويلين،
стр. 2783
أحدهما: ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم، والثانى: ما أحلّه لهم وحرّمه عليهم؛ «ولا يدينون دين الحقّ» فيه تأويلان، أحدهما: ما فى التوراة والإنجيل من اتّباع الرسول- وهو قول الكلبىّ-، والثانى: الدخول فى دين الإسلام- وهو قول الجمهور-، وقوله: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» *
فيه تأويلان، أحدهما: من أتباع «١» الذين أوتوا الكتاب، والثانى: من الّذين ملّتهم الكتاب، لأنهم فى اتّباعه كإيتائه «٢» ؛ وقوله: «حتّى يعطوا الجزية» فيه تأويلان، أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، والثانى حتى يضمنوها، لأنه بضمانها يحب الكفّ عنهم؛ وفى الجزية تأويلان، أحدهما:
أنها من الأسماء المجملة التى لا يعرف منها ما أريد بها إلا أن يرد بيان «٣» ، والثانى: أنها من الأسماء العامّة التى يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خصصه دليل؛ واسمها مشتق من الجزاء، وهو إما جزاء على كفرهم، أو جزاء على أماننا لهم؛ وفى قوله: «عن يد» [تأويلان، أحدهما: عن غنى «٤» وقدرة، والثانى: أن يعتقدوا أن لنا فى أخذها منهم يدا وقدرة عليهم؛ وفى قوله] : «وهم صاغرون» تأويلان، أحدهما: أذلّاء مساكين «٥» ، والثانى: أن تجرى عليهم أحكام الإسلام. وقال غيره: الصّغار أن يضرب على فكّ الذمىّ برءوس الأنامل عند قيامه بالجزية ضربا لطيفا غير مؤلم. وقال الماوردىّ:
стр. 2784
فيجب على ولىّ الأمر أن يضرب الجزية على رقاب من دخل فى الذمّة من أهل الكتاب ليقرّوا بها فى دار الإسلام؛ ويلتزم لهم ببذلها حقّين: أحدهما الكفّ عنهم، والثانى الحماية لهم، ليكونوا بالكفّ آمنين، وبالحماية محروسين؛ روى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهم قال: آخر ما تكلّم به النبىّ ﷺ : «احفظونى فى ذمّتى «١» » قال الماوردىّ: ولا تؤخذ من مرتدّ ولا دهرىّ ولا عابد وثن، وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان من العجم، ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا «٢» ؛ وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل، وتجرى المجوس مجراهم فى أخذ الجزية منهم؛ وتؤخذ من الصابئين «٣» والسامرة»
اذا وافقوا اليهود والنصارى فى أصل معتقدهم وان خالفوهم فى فروعه، ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى فى أصل معتقدهم؛ ومن جهلت حاله أخذت جزيته، ولا تؤكل ذبيحته؛ والجزية تجب على الرجال الأحرار «٥» العقلاء، ولا تجب على صبىّ ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، لأنهم أتباع وذرارىّ؛ ولو تفرّدت امرأة منهم [عن «٦» ] أن تكون تبعا لزوج أو نسيب لم تؤخذ منها الجزية، لأنها تبع لرجال قومها وإن كانوا أجانب
стр. 2785
منها؛ ولو تفرّدت امرأة فى دار الحرب فبذلت الجزية للمقام فى دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته، وكان ذلك منها كالهبة لا يؤخذ منها إن امتنعت؛ ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل، فإن زال «١» إشكاله وبان رجلا أخذت منه فى مستقبل أمره وماضيه؛ واختلف الفقهاء فى قدر الجزية، فذهب أبو حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف:
أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما وضرب «٢» يؤخذ منه اثنا عشر درهما، [فجعلها مقدّرة الأقلّ والأكثر «٣» ] ومنع من اجتهاد الولاة فيها.
وقال مالك: لا يقدّر أقلّها ولا أكثرها، وهى موكولة إلى اجتهاد الإمام فى الطرفين.
وذهب الشافعىّ إلى أنها مقدّرة الأقلّ بدينار لا يجوز الاقتصار على أقلّ منه، وعنده أنها غير مقدّرة الأكثر، يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ويجتهد رأيه فى التسوية بين جميعهم، أو التفضيل «٤» بحسب أحوالهم، فإذا اجتهد رأيه فى عقد الجزية معهم على مراضاة أولى الأمر منهم صارت لازمة لجميعهم ولأعقابهم قرنا بعد قرن، ولا يجوز لوال بعده أن يغيّره «٥» الى زيادة عليه أو نقصان منه.
стр. 2786
ويشترط عليهم فى عقد الجزية شرطان: مستحقّ ومستحبّ، أما المستحقّ فستة «١» أشياء: أحدها ألّا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له، والثانى ألّا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء به، والثالث ألّا يذكروا دين الإسلام بذمّ له ولا قدح فيه، والرابع ألّا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح، والخامس ألّا يفتنوا «٢» مسلما عن دينه ولا يتعرّضوا لماله ولا دمه «٣» ، والسادس ألّا يعينوا أهل الحرب ولا يؤووا أغنياءهم؛ فهذه الستة حقوق ملتزمة بغير شرط، وإنما تشترط إشعارا لهم، وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم، فيكون انتهاكها بعد الشرط نقضا لعهدهم.
وأما المستحبّ فستة أشياء: أحدها تغيير هيآتهم بلبس الغيار «٤» وشدّ الزّنّار «٥» ، والثانى ألّا يعلموا على المسلمين فى الأبنية، ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم، والثالث ألّا يسمعوهم أصوات نواقيسهم، ولا تلاوة كتبهم، ولا قولهم فى عزير والمسيح، والرابع ألّا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم، والخامس أن يخفوا «٦» دفن موتاهم ولا يجهروا بندب عليهم ولا نياحة، والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقا وهجنا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير؛ قال: فهذه الستة المستحبّة
стр. 2787
لا تلزم بعقد الذّمّة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا للعهد، لكن يؤخذون «١» بها إجبارا «٢» ، ويؤدّبون «٣» عليها زجرا، ولا يؤدّبون إن لم يشترط ذلك عليهم، ويحتاط «٤» به.
[وتجب الجزية عليهم «٥» ] فى كل سنة مرّة واحدة بعد انقضائها «٦» بالشهور الهلاليّة، ومن مات منهم فى أثناء السنة أخذ من تركته بقدر ما مضى منها، ومن أسلم كان ما لزم من جزيته دينا فى ذمّته يؤخذ منه؛ وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه وموته؛ ومن بلغ من صغارهم، أو أفاق من مجانينهم استقبل به حول [ثم أخذ «٧» ] بالجزية ويؤخذ الفقير بها إذا أيسر، وينتظر بها إذا أعسر؛ ولا تسقط عن شيخ ولا زمن، وقيل: تسقط عنهما وعن الفقير؛ ولأهل العهد إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية، ولا يقيموا سنة إلا بجزية، وفيما بين «٨» الزمانين خلاف؛ ويلزم الكفّ عنهم كأهل الذمّة، ولا يلزم الدفع عنهم؛ واذا أمّن بالغ عاقل من المسلمين حربيّا لزم أمانه كافّة المسلمين، والمرأة
стр. 2788
فى بذل الأمان كالرجل، والعبد فيه كالحرّ؛ وقال أبو حنيفة: لا يصحّ أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له فى القتال؛ وإذا «١» تظاهر أهل الذّمّة والعهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم، يقتل مقاتلهم، ويعتبر حال من عدا المقاتلة منهم بالرضا بفعلهم والإنكار له؛ وإذا امتنع أهل الذمّة من أداء الجزية كان نقضا لعهدهم؛ وقال أبو حنيفة: لا ينتقض به عهدهم إلّا أن يلحقوا بدار الحرب، وتؤخذ منهم جبرا كالدّيون؛ وإذا نقض أهل الذمّة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم، ولا غنم أموالهم، ولا سبى «٢» ذراريّهم ما لم يقاتلوا، ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشّرك، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها؛ فهذه هى الأحكام الشرعيّة فى أمر الجزية.
وأوّل ما ضربت الجزية وجعلت على الرءوس فى خلافة عمر «٣» بن الخطّاب
- رضى الله عنه- وكانت قبل ذلك تحمل قطائع؛ واختلف: هل استأداها سلفا أو عند انقضاء الحول.
стр. 2789
وأما ما اصطلح عليه كتّاب التصرّف
فى زماننا هذا من استخراجها وموضع إيرادها فى حسباناتهم، فهم يستخرجونها سلفا وتعجيلا فى غرّة السنة، وفى بعض الأقاليم تستخرج قبل دخول السنة بشهر أو شهرين؛ وتورد فى الحسبانات قلما مستقلّا بذاته، بعد الهلالىّ وقبل الخراجىّ، وسبب تأخيرها عن الهلالىّ أنها تستأدى مسانهة، وسبب تقدّمها على الخراجىّ ما ورد من وجوبها مشاهرة على الأشهر من أقوال الفقهاء؛ وقد تقدّم ذكر الحكم فيمن أسلم أو مات فى أثناء الحول، وأنه لا يلزمه منها إلا بقدر ما مضى من السنة قبل إسلامه أو وفاته، فلذلك وردت بين الهلالىّ والخراجىّ.
وأما نسبتها فى الإقطاعات الجيشيّة عند خروج إقطاع ودخول آخر «١» فإنها تجرى مجرى المال الهلالىّ،
لأنها تستخرج على حكم شهور السنة الهلاليّة دون الشمسيّة؛ فإن تعجّلها مقطع فى غرّة السنة على العادة وخرج الإقطاع عنه فى أثنائها بوفاة أو نقلة إلى غيره استحقّ منها نظير ما مضى من شهور السنة إلى حين انتقاله، لا على حكم ما استحقّ من المغلّ؛ ويستحقّ المتّصل من «٢» استقبال تاريخ منشوره كعادة النقود «٣» ؛ وإن تخلّل بين المنفصل والمتّصل مدّة كان قسطها للديوان، يرد فى جملة المحلولات من الإقطاعات.
стр. 2790
وأما ما يلزم مباشر الجوالى وما يحتاج الى عمله ،
فالذى يلزمه أن يبسط جريدة على أسماء الذمّة «١» بمقتضى الضريبة المرفوعة إليه، أو الكشف الذى كشفه إن كان العمل «٢» مفتوحا «٣» أو مستجدّا، يبدأ فيها بذكر أسماء اليهود، ويثنّى بالسامرة»
لأنّهم شعب منهم، ويثلّث بالنصارى، وإن كان فى عمله طائفة من الصابئة والمجوس ذكرهم بعد النصارى؛ وفى بعض بلاد الشأم تؤخذ الجزية من طائفة تعرف بالشّمسيّة، يوحّدون الله تعالى وينكرون نبوّة النبىّ ﷺ ، ومنهم من يقول بنبوّة عيسى ﵇ وأن لا نبىّ بعده؛ ويكون بسط الكاتب لهذه الجريدة على التقفية إذا كانت الأسماء كثيرة، ليسهل عليه بذلك الكشف والشطب، وإذا استخرج جالية أوردها فى تعليق المياومة؛ وكتب له بها وصولا «٥» ، وشطبها عن اسم من استخرجت منه فى جريدته، ويرمز فى تعليقه إشارة الكتابة والخدمة على ما تقدّم بيانه فى الهلالىّ.
ويحتاج مباشر الجوالى فى كلّ سنة إلى إلزام رئيس اليهود ورئيس السامرة وقسّيس النصارى أو أسقفّهم «٦» بكتابة أوراق يسمّونها: الرّقاع بمن عند كلّ منهم من الرواتب «٧» ، وما لعلّه استجدّ «٨» من الطّوارئ «٩» والنّوابت، ويعيّن فى آخر الرّقاع من
стр. 2791
اهتدى بالإسلام، ومن هلك بالموت، ومن تسحّب «١» من العمل، وإلى أىّ جهة توجّه، ويجعل تلك الرّقاع شاهدا عنده بعد الإشهاد فيها على «٢» الصادرة عنه بأنه لم يخلّ بشىء من الأسماء، ويلزمه بكتب مشاريح بمن ضمّن رقاعه أنه اهتدى أو هلك أو تسحّب كلّ اسم بمشروح، ويخلّد المشاريح عنده ويشطبها «٣» على جريدته؛ والكتّاب فى إيراد من اهتدى ونزح وهلك مختلفون: فمنهم من يوصل العدّة المستقرّة عنده عن يمنة العمل «٤» ، ويستثنى بالتعدية عمّن اهتدى وهلك وتسحّب، كلّ اسم بمقتضى مشروحه المشهود فيه، ويبرز بما تحرّر بعد ذلك؛ ومنهم من يوصل الجميع على ما استقرّت عليه الحال الى آخر السنة الماضية، ويستخرج ممّن استخرج منه، ويعتدّ «٥» بما يجب على المهتدى والهالك والمتسحّب محسوبا فى باب المحسوب قبل فذلكة الواصل فى الرّقاع- على ما نبيّنه إن شاء الله فى الأوضاع الحسابيّة- ويكون ما على النازحين موقوفا الى أن يتحرّى أمرهم؛ فإن عاد أحد منهم الى ذلك الإقليم ولم يكن قد قام بالجزية فى بلد آخر استخرجت منه، ووردت فى باب المضاف فى حساب السنة، وإن كان قد قام بالجزية فى بلد آخر وأحضر وصول مباشر تلك الجهة بما اعتدّ له
стр. 2792
به عن تلك السنة، نقل «١» مبلغ الوصول على تلك الجهة التى حضر وصولها قربت أو بعدت، واستشهد فى حسابه بمقتضى الوصول؛ وكلتا الطريقتين سائغة عند الكتّاب؛
وأما النّوابت «٢» والطّوارئ
فإنها ترد فى باب المضاف باتفاق الكتّاب فى أوّل سنة، وتستقرّ أصلا فى السنة التى تليها وما بعدها؛ ويحتاج المباشر الى تفقّد أحوال النوابت فى كلّ مدّة لاحتمال بلوغ صبىّ فى أثناء الحول، واختبار ذلك بأمور شرعيّة واصطلاحيّة: أما الشرعية فبإنبات «٣» الشّعر الخشن «٤» ، أو بكمال خمس «٥» عشرة سنة؛ وأما اصطلاحيّة فبانفراق رأس الأنف، وغلظ الصوت، وبظهور شىء «٦» على حلمة الثّدى من باطنه كالتّرمسة، وبأن يدار خيط على عنق الصبىّ مرّتين تحريرا، ثم يوضع طرف الخيط بين أسنانه وتدخل أنشوطة «٧» فى رأسه، فإن دخلت دلّ ذلك على بلوغه، وإلا فلا؛ واصطلح بعض مباشرى الجوالى فى بعض الأقاليم على إلزام عرفاء الذمّة «٨» بالمطالعة بكل صبىّ يولد لوقته، وبمن هلك منهم، ويرصّع «٩» أسماءهم
стр. 2793
فى جريدة مفردة بهم، فمن بلغ عمره ثلاث عشرة سنة استخرج منه الجزية سواء ظهرت أمارات بلوغه أم لا، ويلازم المباشر الكشف والتنقيب عمّن لعلّه أخفى من الرواتب، أو استجدّ من الطّوارئ والنّوابت ولم يرد الدفع، فمن ظهر له أمره استخرج الجالية منه لاستقبال وجوبها عليه، ويقابل من أخفاه بالإهانة والنكال؛ والمباشرة تظهر ما لا تحيط به الكتب؛ هذا ما يتعلّق بالجوالى، فلنذكر الخراجىّ- إن شاء الله تعالى-.
ذكر جهات الخراجىّ وأنواعه وما يحتاج اليه مباشره
والخراجىّ عبارة عما يستأدى مسانهة مما «١» هو مقرّر على الأراضى المرصدة للزراعة والنخل والبساتين والكروم والطواحين السنويّة التى تدور أحجارها بمياه السيول فى الجهات «٢» الشاميّة، وما يستأدى من خدم الفلّاحين، ويسمّى ذلك بمصر:
الضّيافة، وبالشأم: رسم الأعياد والخميس، وهو أغنام ودجاج وكشك «٣» وبيض- على ما استقرّ على كلّ جهة- وهو إنما يكون على النواحى الإقطاعيّة غالبا، وأما فى نواحى الخاصّ فلا يستأدى، لما هو مقرر على الأراضى بمصر من الحقوق التى تستخرج دراهم، وبالشأم من التّضييف «٤» المقرّر عليهم فى أيّام الفتح «٥» عن مدّة ثلاثة
стр. 2794
أيّام؛ ومن أبواب الخراجىّ ما يستأدى بالشأم فى خدمة رؤساء الضّياع فى مقابلة ما لهم من المطلق والولاة والوكلاء والنّقباء والصّيارفة والكيّالين والضّوئيّة «١» فى مقابلة ما يستأدونه من الرسم، وذلك يرد فى أبواب المضاف؛ والخراجىّ تختلف أحكامه وقواعده بمصر والشام؛ والله أعلم بالصواب.
أما الديار المصريّة وأوضاعها وقوانينها وما جرت عليه قواعدها على ما استقرّ فى زماننا هذا وتداوله الكتّاب ،
فقانون الديار المصريّة مبنىّ على ما يشمله الرّى من أراضيها ويعلوه النيل؛ وقد ذكرنا فى باب الأنهار فى الفن الأوّل من كتابنا هذا نيل مصر، ومبدأه، والاختلاف فيه، وما يمرّ عليه من البلاد، وكيفيّة الانتفاع به من حفر التّرع، وضبط الجسور، وتصريف المياه عن الأراضى بعد ريّها؛ ونيل مصر هو من أعاجيب الدنيا، وقد روى عن ذى القرنين أنه كتب كتابا عمّا شاهده من عجائب الوجود فذكر فيه كلّ عجيبة، ثم قال فى آخره: وذلك ليس بعجب، ولكنّ العجب نيل مصر، ولولا ما جعل الله تعالى فيه من حكمة هذه الزيادة فى زمن الصيف على التدريج حتى يتكامل رىّ البلاد، وهبوط الماء عنها عند بدء وقت الزراعة لفسد أمر هذا الإقليم، وتعذّرت سكناه، إذ ليس به أمطار كافية ولا عيون سارحة «٢» تعمّ أراضيه، وليس ذلك إلا فى بعض إقليم الفيّوم؛ فسبحان من بيده الخلق والأمر القادر على كلّ شىء، والمدبّر لكلّ شىء، لا إله إلّا هو.
стр. 2795
والذى يحتاج إليه مباشر الخراج بمصر ويعتمد عليه فى مباشرته أنه اذا شمل الرّىّ أرض الجهة التى يباشرها أن يبدأ بإلزام خولة «١» البلاد برفع قوانين الرّىّ، وصورتها أن يكتب فى صدر القانون ما مثاله: قانون رفعه كلّ واحد من فلان وفلان الخولة والمشايخ بالناحية الفلانيّة، بما شمله الرّىّ وعلاه النّيل المبارك من أراضى الناحية لسنة كذا وكذا الخراجيّة، وهو من الفدن «٢» ؛ ويذكرون جملة قانون البلد، ويفصّلونه بالرّىّ والشّراقى، فالرّىّ: ما شمله النيل. والشراقى: ما لم يشمله؛ وللرّى تفصيل: منه ما هو نقاء «٣» ، ومنه ما هو مزروع، وخرس، وغالب، ومستبحر؛ ويفصّل بقبائله «٤» ، ويشرح فى كل قبالة هذا التفصيل؛ والنقاء: هو الطين السواد «٥» الذى يصلح للزراعة وينبت فيه اذا لم يزرع الكلأ الصالح للرّعى «٦» ، ويسمّى نباته بصعيد مصر:
الكتّيح «٧» ، وهو نبات تستغنى به الخيل والدوابّ والماشية عن البرسيم «٨» . وأما المزروع:
стр. 2796
فهو ما عادته أن يزرع فى كلّ سنة. وأما الخرس: فهو الأرض التى تنبت فيها الحلفاء «١» ، فلا تزرع إلا بعد قلعها منها وتنظيفها، وقطيعته «٢» دون قطيعة النّقاء.
وأما الغالب: فهو ما غلبت على أرضه الحلفاء وتكاثفت فلا تقلع إلّا بكلفة، وقطيعته دون قطيعة الخرس، وقلّما يزرع، وأكثر ما يكون الخرس والغالب ببلاد الصعيد الأعلى «٣» لسعتها، وكثرة أرضها، وتعطيلها من الزراعة سنة بعد أخرى. وأما المستبحر: فهو أراضى الخلجان المشتغلة التى تستمرّ المياه فيها إلى أن يفوت زمن الزراعة، فمنها ما يبوّر، ومنها ما يزرع مقاثئ «٤» ، وقطيعته متوسّطة، وتكون غالبا بالدراهم دون الغلّة. وعندهم أيضا الترطيب «٥» : وهو الذى تخلّلت المياه باطن أرضه شبه النّزّ «٦» ولم تعلها، ولا تصلح لغير المقاثئ؛ فاذا رفع الى المباشر قانون الرّى أشهد فيه على رافعيه «٧» بأن الأمر على ما تضمّنه؛ ثم ينظر المباشر إلى سنة يكون نيلها نظير نيل تلك السنة، ويبرز الكشوف، ويحضّر البلد «٨» البلد على الفلّاحين القراريّة نظير ما حضّروه فى السنة الموافق نيلها لنيل تلك السنة الحاضرة «٩» ، ويشهد على كلّ مزارع بما يسجّله من
стр. 2797
أراضى كلّ قبالة «١» وقطيعتها المستقرّة، ويعيّن منها ما هو بحقوق وما هو بغير حقوق، والحقوق: دراهم يقوم بها المزارع عن كلّ فدّان غير الغلّة، وتكون من أربعة دراهم إلى درهمين، والغلّة بحسب قطيعة الأرض وعادتها، وأكثر ما عرف من الخراج عن كلّ فدّان- وهو أربعمائة قصبة بالقصبة الحاكميّة «٢» ، والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش- ثلاثة «٣» أردابّ، وهذه الأرض جزيرة بالأقصر من أعمال قوص، وأقلّ ما علمناه من القطيعة عن كل فدان سدس إردبّ، وهى فى الأراضى التى غلبت عليها الأخراس وقلّ الانتفاع بها، فهى تسجّل بهذه القطيعة عليها، وتنصلح فى المستقبل؛ وأما الأراضى التى تسجّل بالدراهم فأكثر ما علمناه بأراضى الجيزيّة «٤» قبالة فسطاط مصر عن كلّ فدّان مائتان وخمسون درهما، وهو كثير فى أراضيها وسجّل فى بعض السنين ثلاثة أفدنة بألف درهم، ولم تستقرّ هذه القطيعة، وهذه الأراضى تزرع غالبا كتّانا؛ فاذا تكامل تحضير «٥» البلد على المزارعين القراريّة والطّوارئ نظم المباشر أوراقا بجملة ما اشتمل عليه التحضير، مفصّلة بالأسماء والقبائل «٦» والجزائر
стр. 2798
والجروف، وتكتب عليها الشهود الذين حضّر «١» البلد بحضورهم، ثم يصرف لكلّ مزارع ما جرت العادة به من التّقاوى «٢» بحسب ما يسجّله، ويكون ما يصرفه من التقاوى من أطيب الغلال وأفضلها وأنصعها، ثم يبسط جريدة على أوراق السجلّات يشرح فيها اسم كلّ فلّاح وما يسجّله من الفدن «٣» ، ويفصّل ذلك بقبائله وجهاته وقطائعه؛ فاذا نبت الزرع واستوى على سوقه ندب عند ذلك من يباشر مساحة الأراضى:
من شادّ وعدول ذوى خبرة بعلم المساحة، وكاتب عارف خبير أمين، وقصّابين:
وهم الذين يقيسون الأراضى بالأحكام «٤» الحاكميّة المحرّرة؛ فيمسحون الأراضى المزروعة بأسماء أربابها وقبائلها، ويعيّنون أصناف المزروعات بها، ويكون مباشر والمساحة قد بسطوا أيضا سجلّات التحضير، فإذا تكاملت المساحة نظم مباشروها أوراقا يسمّونها:
المكلّفة، يترجم صدرها بما مثاله مكلّفة تأريج «٥» : هو الأوراق التى يبسطها مباشر المساحة بما فى السّجلّات ويختمها «٦» بما انتهت اليه المساحة. والفنداق: هو عبارة عن التعليق، وهو الذى تكتب فيه المساحات حال قياسها. فإذا انتهت ترجمة صدر المكلّفة عقد
стр. 2799
جملة فدنها «١» فى صدرها وفصّلها بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين، فإن طابقت المساحة السّجلّات من غير زيادة ولا نقص قال: وذلك بمقتضى السّجلّات، وإن تميّزت قال: ما تضمّنته السّجلّات كذا، زائد المساحة كذا، وان نقصت ذكر ما صحّ بمقتضى مساحته، وكمّله بالقلم تتمّة «٢» ؛ وإن نقص مزارع عن سجلّه فى قبالة وزاد على سجلّه فى قبالة أخرى كمّل عليه «٣» ما نقص بمقتضى سجلّه، وأورد ما زاد فى القبالة الأخرى زيادة، ولا ينقل الزائد إلى الناقص، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص من تلك القبالة وما زاد فى الأخرى؛ هذا مصطلحهم، وليس هو منافيا للشرع، إلا أنّنى أرى فى هذا النقص تفصيلا هو طريق العدل والحقّ، وهو إن كان النقص مع وجود أرض بائرة «٤» بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص، لأنه عطّلها مع قدرته على الانتفاع بها وزراعتها؛ ويسلّم إليه من الأراضى البائرة التى شملها الرّىّ بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعلّه نبت فى تلك الأرض من الكلإ؛ وإن كان النقص مع تغليق «٥» أرض تلك القبالة بالزراعة فلا شىء عليه لأنه لم يتسلّم ما بسجلّه، ويعتدّ له بما لعلّه زاد على تسجيل غيره بتلك القبالة، فإنه يعلم بالضرورة القطعيّة أن الذى زرع بها أكثر مما بسجلّه أخذ من جملة سجلّ غيره؛ وإن صحّت تلك القبالة فى «٦» جميع المزارعين بمقتضى سجلّاتهم بغير زيادة، ونقص عند واحد بعينه
стр. 2800
جميع ما اشتملت عليه المساحة بها، فإن وافق جملة قانونها تعيّن أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر، لأنه سجّل فى قبالة أكثر من قانونها، فلا يلزم المزارع بالنقص؛ هذا هو العدل والإنصاف، فمن خرج عنه فقد ظلم وحاف؛ فاذا تكمّلت تكملة المساحة وضع المباشر زائد مساحة كلّ اسم تحت اسمه، وضمّه إلى سجلّه، ورفع «١» الجملة بالعين والغلّة، وأضاف [إلى «٢» ] كلّ اسم ما لعلّه قد تسلّمه من تقاو وقروض، وما عليه من عشر ووفر ورسوم، وما لعلّه انساق من الباقى الى آخر السنة الماضية إن كان؛ وهم «٣» يضيفون عشر التقاوى، وهو حرام لا شبهة «٤» فى أخذه، وهو الرّبا بعينه، فإنه يقرض الرجل عشرة فيأخذها أحد عشر؛ ويضيفون أيضا فى بعض البلاد عشر العشر فيقبض كلّ مائة إزدب مائة إدربّ واحد عشر إردبا؛ وإنما اشتدّت هذه المظالم وأحدثت من قبل أرباب البذول «٥» الذين يقترفون «٦» المظالم ولا يجدون من يردعهم ويردّهم عنها فتستمرّ، وهى من السنن السيئة التى عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
стр. 2801
ثم يعقد المباشر على جميع ذلك جملة ويشطبها «١» بما يستخرجه منه ويحصّله، والذى تنعقد عليه الجملة هو ما تعيّن عليه للديوان أنجب زرعه أو لم ينجب؛ ومهما استخرجه منه وحصّله وأحال به كتب به وصولا؛ فإذا غلّق «٢» كلّ اسم ما عليه أجاز عليه إشارة التغليق، وإن بقى عليه شىء ممّا تعيّن عليه طرده للباقى؛ هذا حكم الأرض التى تسجّل بالغلّة؛ وأما ما يسجّل بالنقد فإنه تتساوى عليه ثلاثة أقساط أو قسطان: قسط من ثمن البرسيم الأخضر عند إدراكه وبيعه لربيع الخيل، وقسط من الكتّان عند قلعه إن كان، وقسط عند إدراك المغلّ والمقاثئ، ومنهم من يسجّل بالنقد الحاضر جملة واحدة فى وقت السجلّ؛ هذا حكم خراج الزراعة.
وأما الخراج الراتب ،
فهو لا يكون إلا بالنقد عينا «٣» أو فضّة؛ وهو خراج السواقى والبساتين والنّخيل؛ وذلك أن أربابه يقاطعون «٤» الديوان على فدن «٥» معيّنة بمبلغ معيّن عن كلّ فدان فى كلّ سنة يقومون به فى أوقات معلومة، رويت الأرض أو شرّقت «٦» ؛ وهم يحفرون فى تلك الأراضى آبارا بقدر ما يعلمون أن المياه التى تطلع منها تروى تلك الأراضى، ويركّبون على أفواه الآبار السواقى
стр. 2802
المتّخذة من أخشاب السنط وما ناسبه، المشهورة بالخرير «١» التى تعين على رفع الماء ويسمّونها بديار مصر: المحال «٢» ، وبحماة: النواعير، إلا أن النواعير تدور بالماء، وهذه تدور بالأبقار؛ ويزرعون عليها بتلك الأراضى ما أحبّوه واختاروه من أصناف المزروعات والغروس لا يطالبون عليها بغير الخراج المقرّر، إلا أن ينصبوا «٣» القصب فلا يقتصر منهم عند ذلك على الخراج، بل للديوان على الأقصاب مقرّر يستأديه عن كلّ فدّان؛ ويستأدى خراج الراتب على أقساط فى زمن الثمار والأعناب والفواكه وعند ضرب الوسمة «٤» - وهى النّيل الذى يصبغ به اللون الأزرق- وخراج الراتب يستأدى ممن هو عليه، زرع أرضه أو عطّلها، وهو لا يبطل بوفاة المقاطع «٥» على الأرض، بل ينتقل على ورثته، ويطالبون به أبدا ما تعاقبوا وتناسلوا، ولا يوضع عنهم إلا إن ابتلع البحر الأرض المقاطع عليها بعد أن يعملوا بذلك مشاريح «٦» تثبت عند حاكم البلد أن البحر ابتلع «٧» تلك الأراضى بكمالها أو بعضها، ولا ينهض مباشر الناحية أو ناظر العمل
стр. 2803
بوضعه مع وجود المحضر «١» الثابت «٢» ، بل يحضر المقاطع على الأرض أو من انتقلت اليه بالإرث أو الابتياع الى باب السلطان، ويرفع قصّة الى الوزير بصورة الحال، ويوقّع عليها بقلمه أن «٣» يوضع عنه من خراج الراتب بقدر ما ابتلعه البحر بمقتضى المحضر، ويستمرّ حكم ما بقى، ويكتب على ظهر قصّته: توقيع شريف سلطانىّ؛ ويثبت بدواوين الباب السلطانىّ، ثم يثبت بديوان العمل الجامع، ثم ينزل فى ديوان البلد التى بها تلك الأرض، وبوضع عند ذلك من الضريبة الديوانية؛ هذا حكم الخراج بالديار المصريّة وقاعدته والعادة فيه.
وأما جهات الخراجىّ بالشام وكيفيّتها وما يعتمد عليه مباشروها
- فإن قانون البلاد الشاميّة مبنىّ على نزول الغيث، ووقوع الأمطار فى إبّانها وأوقات «٤» الاحتياج اليها، فمن ذلك المطر المسمّى: الوسمىّ، وهو الذى يقع فى فصل الخريف، وعند وقوع هذا المطر يخدّ «٥» شقّ الأراضى المكروبة «٦» بالسّكك «٧» ، ثم يبذر الحبّ فيها، ويعاد شقّ الأرض عليه ليخفى عن الطير «٨» خشية التقاطه، فإذا نزل عليه المطر الثانى
стр. 2804
بعد ذلك نبت وبرز إلى وجه الأرض، وهو عند ذلك يسمّى: الأحوى «١» ، ثم لا تزال الأمطار تسقيه والأنواء تغذيه حتى يصير غثاء، ثم يقع عليه بعد ذلك المطر المسمّى بالمطر الفاطم، وهو غالبا يكون فى شهر نيسان، ثم يعقد فيه الحبّ بعد ذلك، وينتهى على عادة الزرع؛ هذا حكم ما يزرع على الوسمىّ.
ومن أراضى الشأم [نواح «٢» ] يغبّها «٣» الوسمىّ فيزرع سكّانها «٤» الحبّ عفيرا، ومعنى ذلك أنهم يزرعون فى الأرض الحبّ قبل إبّان الزرع وينتظرون وقوع الأمطار عليه؛ ومن غريب ما اتّفق فى بعض السنين أنهم أودعوا الحبّ الأرض على عادتهم فلم تسقط عليه الأمطار فى تلك السنة، فاستمرّ فى الأرض إلى العام القابل، وأيس أهل البلاد منه، وزرعوا فى السنة الثانية شطر الأراضى التى كانت كرابا غير مزروعة- فإن عادتهم بسائر بلاد الشأم أن كلّ فلّاح يقسم الأراضى التى بيده شطرين، فيزرع شطرا، ويريح شطرا، ويتعاهده بالحرث لتقرع الشمس باطن الأرض، ثم يزرعه فى القابل ويريح الشطر الذى كان به الزرع؛ هذا دأبهم، خلافا لأراضى الديار المصريّة، فإنها تزرع فى كلّ سنة- فلما وقعت الأمطار نبت الشطران معا، وأقبلت الزراعات فى تلك السنة، فتضاعف المغلّ، وهذا غريب نادر الوقوع.
стр. 2805
ومن أراضى الشأم ما يسقى بالمياه السارحة من الأنهار والعيون، وتكون مقاسمة أرضه أوفر من مقاسمة ما يسقى بالأمطار، وقيمة الأملاك بها أرفع «١» وأغلى من تلك، ويكون غالبا فى الأراضى المستفلة «٢» ؛ والله تعالى أعلم.
والذى يعتمده مباشر الخراج ببلاد الشأم أنه يبدأ بإلزام رؤساء البلاد بتغليق «٣» أراضيها بالزراعة والكراب «٤» ؛ ومصطلحهم فى ذلك أن يقولوا: أحمر وأخضر، يعنون بالأحمر: الكراب، وبالأخضر: الزرع شتويّا «٥» أو صيفيّا، ويعنون بالشّتوىّ:
القمح والشعير والشّوفان «٦» والفول والحمّص والعدس والكرسنّة «٧» والجلبّان «٨» والبستيلية
следующие страницы →