Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
(والقبّاب) (والقتّات) فالقبّاب بباءين موحّدتين، هو عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك «١» القبّاب الأصبهانىّ، وقيل فيه: «القتّات» ؛ والقتّات بتاءين مثنّاتين من فوقهما، هو أبو يحيى زاذان، روى عن مجاهد، وأبو عمرو محمد بن جعفر القتّات.
(والقطرىّ «٢» ) (والفطرىّ»
) فالقطرىّ بالقاف، هو محمد بن [عبد «٤» ] الحكم؛ والفطرىّ بالفاء، هو محمد بن موسى، روى عن سعيد المقبرىّ.
(والقوصىّ) (والقوصىّ) فالقوصىّ بضم القاف وتسكين الواو: نسبة لمن يكون من أهل مدينة (قوص) من الدّيار المصريّة؛ والقوصىّ بفتح القاف والواو: نسبة لمن يكون من قرية (القوصة) من إقليم مصر، من مرج بنى هميم، لم يذكرهما عبد الغنىّ ﵀.
(والكسائىّ) (والكشانىّ)
стр. 3082
الأوّل بكسر الكاف وفتح السين المهملة، هو علىّ بن حمزة الكسائىّ النحوىّ أحد القرّاء السبعة؛ وأمّا الكشانىّ بضم «١» الكاف وبالشين المعجمة والنون، فهو محمد بن حاتم الكشانىّ «٢» النحوىّ.
(والكليبىّ) (والكلينىّ) الأوّل: نسبة معروفة إلى كليب؛ والكلينىّ بالنون، هو محمد بن يعقوب الكلينىّ «٣» ؛ من الشّيعة.
(والكنانىّ) (والكتّانىّ) فالأوّل: نسبة إلى كنانة «٤» ؛ والثانى بالتاء المشدّدة، هو محمد بن الحسين الكتّانىّ وأحمد بن عبد الواحد الكتّانىّ، وغيرهما.
(والكرجىّ) (والكرخىّ) (والكرجىّ)
стр. 3083
فالكرجىّ: نسبة إلى الكرج «١» ؛ [والكرخىّ «٢» : نسبة إلى الكرخ] محلّة ببغداد؛ والكرجىّ: إلى الكرج، طائفة من الأكراد «٣» أتراك.
(واللهبىّ) (واللهبىّ) فاللهبىّ بفتح اللام: نسبة إلى أبى لهب؛ وأمّا اللهبىّ بكسر اللام وسكون الهاء فنسبة إلى قبيلة من الأزد.
(والمازنىّ) (والمأربىّ) فالمازنىّ: نسبة إلى مازن أخى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة «٤» بن قيس عيلان بن مضر، وغيره؛ وأمّا المأربىّ بالراء المهملة والباء الموحّدة، فهم جماعة من مأرب باليمن، إليها ينسب سدّ مأرب الذى كان بنى بسبب سيل العرم، وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 3084
(والنّجّارىّ) (والبخارىّ) فالنّجّارى: نسبة إلى بنى النّجّار من الأنصار؛ والبخارىّ: نسبة إلى مدينة بخارى بما وراء النّهر.
(والنّاجىّ) (والباجىّ) (والتّاجىّ) فالنّاجىّ بالنون: نسبة إلى بنى ناجية من سامة بن لؤىّ؛ وأمّا الباجىّ بالباء الموحّدة، فنسبة إلى (باجة) من مدن المغرب «١» ؛ وأمّا التّاجىّ، فجماعة من الأتراك ينسبون إلى مواليهم ممّن لقبه تاج الدّين.
(والنّحّاس) (والنّخّاس) فالنّحّاس بالحاء: الذى يصنع أوانى النّحاس؛ والنّخّاس بالخاء، هو دلّال «٢» الرقيق.
(والبجلىّ) (والبجلىّ) (والنّخلىّ «٣» ) فالبجلىّ بالجيم المفتوحة: من بجيلة؛ وأمّا البجلىّ بسكون الجيم، فهم رهط من سليم بن منصور، يقال لهم: بنو بجلة، نسبوا إلى أمّهم «٤» بجلة بنت هنأة بن مالك
стр. 3085
ابن فهم الأزدىّ؛ وأمّا النّخلىّ بالخاء المعجمة والنون قبلها، فعمران النّخلىّ «١» روى عنه شريك بن عبد الله القاضى، وإبراهيم بن محمد أبو «٢» عبد الله النّخلىّ «٣» صاحب التاريخ.
(والهمدانىّ) (والهمذانىّ) فالأوّل: منسوب إلى همدان، قبيلة مشهورة من اليمن؛ والثانى: نسبة إلى مدينة همذان «٤» .
(واليزنىّ) (والبرتىّ) فأمّا اليزنىّ، فنسبة إلى سيف بن ذى يزن الحميرىّ؛ وأمّا البرتىّ بالباء الموحّدة والراء المهملة والتاء المثنّاة من فوقها، فمنهم أحمد بن محمد بن عيسى البرتىّ «٥» . وذكر عبد الغنىّ فى هذا الموضع (البزّىّ) (والبرّىّ) (والبرّىّ) فقال: أمّا البزّىّ بالباء المعجمة بواحدة والزاى المعجمة، فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبى بزّة، صاحب القراءة، يروى عن ابن كثير؛ وأمّا البرّىّ بالباء المضمومة الموحّدة والراء المهملة، فمنهم عثمان بن مقسم البرّىّ «٦» أبو سلمة «٧» ؛ وأمّا البرّىّ بباء مفتوحة موحّدة فهو علىّ بن بحر [بن «٨» ] برّىّ.
стр. 3086
هذا مختصر ما ألّفه عبد الغنىّ- رحمه الله تعالى- وفيه زيادة فى مواضع نبّهنا عليها؛ ولم يكن الغرض بإيراد ما أوردناه من المؤتلف والمختلف استيعابه وحصره وإنّما كان الغرض التنبيه على ذلك، وأنّ الناسخ يحتاج إلى ضبط ما يرد عليه من هذه الأسماء وأمثالها، وتقييدها والإشارة عليها؛ وقد أخذ هذا الفصل حقّه، فلنذكر غير ذلك من شروط الناسخ وما يحتاج إلى معرفته.
وأمّا من ينسخ العلوم
، كالفقه واللّغة العربيّة والأصول وغير ذلك، فالأولى له والأشبه به ألّا يتقدّم إلى كتابة شىء منها إلّا بعد اطّلاعه على ذلك الفنّ وقراءته وتكراره، ليسلم من الغلط والتحريف، والتبديل والتصحيف؛ ويعلم مكان الانتقال من باب إلى باب، ومن سؤال إلى جواب؛ ومن فصل إلى فصل، وأصل إلى فرع أو فرع إلى أصل؛ ومن تنبيه إلى فائده، واستطراد لم يجر الأمر فيه على قاعده؛ ومن قول قائل، وسؤال سائل؛ ومعارضة معارض، ومناقضة مناقض؛ فيعلم آخر كلامه، ومنتهى مرامه؛ فيفصل بين كلّ كلام وكلام بفاصلة تدلّ على إنجازه، ويبرز قول الآخر بإشارة يستدلّ بها على إبرازه؛ وإلّا فهو حاطب ليل لا يدرى أين يفجأه الصباح، وراكب سيل لا يعرف الغدوّ من الرواح.
وأمّا من ينسخ التاريخ -
فإنه يحتاج إلى معرفة أسماء الملوك وألقابهم ونعوتهم وكناهم، خصوصا ملوك العجم والتّرك والخوارزميّة والتّتار فإنّ غالب أسمائهم أعجميّة لا تفهم إلّا بالنقل، ويحتاج الناسخ إذا كتبها إلى تقييدها بضوابط وإشارات وتنبيهات تدلّ عليها؛ وكذلك أسماء المدن والبلاد والقرى والقلاع والرّساتيق «١» والكور
стр. 3087
والأقاليم، فينبّه على ما تشابه منها خطّا واختلف لفظا، وما تشابه خطّا ولفظا واختلف نسبة، نحو (مرو) ، (ومرو) ؛ إحداهما (مرو الرّوذ «١» ) ، والأخرى (مرو الشّاهجان «٢» ) ؛ (والقاهرة) ، (والقاهرة) ؛ إحداهما (القاهرة المعزّيّة «٣» ) ، والأخرى (القلعة القاهرة «٤» ) التى هى (بزوزن «٥» ) التى أنشأها مؤيّد الملك صاحب (كرمان «٦» ) ، فإنّ الناسخ متى أطلق اسم القاهرة ولم يميّز هذه بمكانها ونسبتها تبادر ذهن السامع إلى القاهرة المعزّية لشهرتها دون غيرها؛ وأمّا فى أسماء الرجال، فمثل عبيد الله بن زياد، وعبيد الله بن زياد، فالأوّل عبيد الله بن زياد بن أبيه، وزياد هذا، هو ابن سميّة الذى ألحقه معاوية بن أبى
стр. 3088
سفيان بأبيه، واعترف بأخوّته، وكان عبيد الله هذا يتولّى أمر العراق بعد أبيه إلى أيّام مروان بن الحكم؛ والثانى عبيد الله بن زياد بن ظبيان؛ وخبرهما يشبه مسائل الدّور، فإنّ عبيد الله بن زياد بن أبيه قتله المختار «١» [بن] أبى عبيد الثّقفىّ والمختار بن أبى عبيد قتله مصعب «٢» بن الزّبير، ومصعب بن الزّبير قتله عبيد «٣» الله بن زياد بن ظبيان؛ فإذا لم يميّز كلّ واحد منهما بجدّه ونسبه أشكل «٤» ذلك على السامع وأنكره ما لم تكن له معرفة بالوقائع، واطّلاع على الأخبار؛ فأمثال ذلك وما شاكله يتعيّن
стр. 3089
على الناسخ تبيينه؛ وكذلك أسماء أيّام العرب، نحو أيّام الكلاب «١» بضمّ الكاف، وأيّام الفجار «٢» بكسر «٣» الفاء وبالجيم، وغير ذلك، فينبّه على ذلك كلّه، ويشير إليه بما يدلّ عليه.
وأمّا من ينسخ الشّعر
- فإنّه لا يستغنى عن معرفة أوزانه، فإنّ ذلك يعينه على وضعه على أصله الذى وضع عليه؛ ويحتاج إلى معرفة العربيّة والعروض ليقيم وزن البيت إذا أشكل عليه بالتفعيل، فيعلم هل هو على أصله وصفته
стр. 3090
أو حصل فيه زحاف «١» من نقص به أو زيادة «٢» ، فيثبته بعد تحريره، ويضع الضبط فى مواضعه، فإنّ تغييره يخلّ بالمعنى ويفسده، ويحيله عن صفته المقصودة؛ فإذا عرف الناسخ هذه الفوائد وأتقنها، وحرّر هذه القواعد وفنّنها «٣» ، وأوضح هذه الأسماء «٤» وبيّنها، وسلسل هذه الأنساب وعنعنها؛ ... «٥» ... والمرغوب فى علمه وكتابته، فليبسط قلمه عند ذلك فى العلوم، ويضع به المنثور والمنظوم؛ ولنذكر كتابة التعليم.
ذكر كتابة التعليم وما يحتاج من تصدّى لها إلى معرفته
وكتابة التعليم تنقسم إلى قسمين: تعليم ابتداء، وتعليم انتهاء
فأمّا تعليم الابتداء
- فهو ما يعلّمه الصبيان فى ابتداء أمرهم؛ وأوّل ما يبدأ به المؤدّب من تعليم الصبىّ أن يكتّبه حروف المعجم المفردات؛ فإذا علمها
стр. 3091
الصبىّ وعرف كيف يضعها، وميّز بين المعجم والمهمل منها امتحنه «١» المؤدّب بتقطيعها وسؤاله عنها على غير وضعها «٢» ، مثل أن يسأله عن النون، ثمّ الجيم، والضاد ونحو ذلك؛ فإذا أجابه عمّا فرّقه وعكسه عليه علم من ذلك أنّه أتقن هذه الحروف فيهجّيه الحروف بعد ذلك حرفا حرفا، كلّ حرف وهجاءه فى المنصوب والمجرور والمرفوع والمجزوم، فإذا عرف هجاء هذه الحروف وأتقنه، وامتحنه نحو ما تقدّم جمع له بعد ذلك كلّ حرف إلى آخر كتابة، من الباء والجيم والدال والراء والسين والصاد والطاء والعين والفاء والكاف واللام والميم، يبدأ بالباء مع الألف وما بعدها ثم يكتّبه البسملة، ويأخذ فى تدريجه فى الكتابة، وتدريبه فى استخراج الحروف بالهجاء وما يتولّد منها إذا «٣» اجتمعت، إلى أن يقوى فيها لسانه ويده «٤» ، ويقرأ ما يكتب له، ويكتب ما يقترح عليه من غير منبّه له ولا مساعد؛ فهذه كتابة الابتداء؛ ولا ينبغى أن يتصدّى لها إلّا من اشتهرت ديانته وحسن اعتقاده والتزامه طريق السنّة، ومن كان بخلاف ذلك، أو ممّن طعن فيه بوجه من وجوه المطاعن وجب على ناظر الحسبة «٥» منعه.
стр. 3092
وأمّا تعليم الانتهاء
- فهو كتابة التجويد، وهى أصل جميع ما قدّمناه من الكتابات، ويحتاج من تصدّى لها إلى إتقان أقلام الكتابة، ومعرفة أوضاعها على ما وضعه الوزير أبو علىّ بن مقلة «١» حين عرّب الخطّ ونقله من الكوفيّة «٢» إلى التوليد، ثم عمدته على طريق علىّ بن هلال الكاتب المعروف بابن البوّاب «٣» وما وضعه من أقلام الكتابة، ومعرفة الأقلام الأصول الخمسة، وهى قلم المحقّق، وقلم النسخ وقلم الرّقاع، وقلم التّواقيع، وقلم الثّلث؛ فهذه الأقلام الخمسة هى الأصول؛ ثم تتفرّع عنها أقلام أخر نذكرها بعد إن شاء الله تعالى؛ وقد ذكر لهذه التسمية أسباب واشتقاقات، فقالوا: إنّ قلم المحقّق إنّما سمّى بذلك لأنّه أصل الكتابة، وهو يحتاج
стр. 3093
إلى التحقيق فى وضع الحروف وتركيبها؛ وقلم النّسخ، لأنه تنسخ به الكتب ولذلك وضع بحيث أنّ الكتب لا تحسن كتابتها بغيره، لاعتدال أسطره، ودقّة حروفه والتئام أجزائه؛ وقلم الرّقاع لأنه وضع لكتابة الرّقاع المرفوعة فى الحوائج؛ ألا ترى ما على الرّقاع به «١» من البهجة؟ ولو كتبت بغيره ما حسن موقعها من النّفوس؛ وقلم التواقيع «٢» لأنّه وضع لتكتب به التواقيع «٣» الصادرة عن الخلفاء والملوك؛ وقلم الثّلث لكتابة المناشير التى تكتب فى قطع الثّلث «٤» ؛ هذا ما قيل فى سبب تسمية هذه الأقلام بهذه الأسماء.
وأمّا ما يتفرّع عن هذه الأقلام الخمسة التى ذكرناها
فلكلّ قلم منها غليظ وخفيف ومتوسّط، فقلم المحقّق يتفرّع عنه خفيفه، ويتفرّع
стр. 3094
عنه أيضا قلم الرّيحان «١» ؛ وقلم النّسخ يتفرّع عنه قلم المتن، وهو غليظه، وقلم الحواشى وهو خفيفه، وقلم المنثور، وهو الذى يفصل بين كلّ كلمة وكلمة ببياض؛ وقلم الرّقاع يتفرّع عنه قلم الغبار «٢» ، وهو خفيفه، وينزل منه بمنزلة الحواشى من النّسخ، وهو الذى تكتب به الملطّفات «٣» والبطائق «٤» ، ويتفرّع عنه أيضا قلم المقترن، وهو ما يكتب سطرين مزدوجين، وقد يكتب بغير قلم الرّقاع، لكن لم تجر عليه هذه التسمية، وفى الرّقاع مسلسل؛ وقلم التّواقيع منه ما هو مسلسل، وهو ما يتّصل بعض حروفه ببعض بتشعيرات رقيقة تلتفّ على الحروف؛ وقلم الثّلث يتفرّع عنه وعن المحقّق جميعا قلم يسمّى قلم الأشعار «٥» ؛ ولهم أيضا قلم الذّهب «٦» ، وهو قد يكون تارة ثلثا وتارة تواقيع إلّا أنه يكون خاليا من التشعير بسبب ترميكه باللّون المغاير للون الذّهب، والترميك هو أن يحبس الحرف بلون غير لونه بقلم رقيق جدّا؛ ولهم أيضا قلم الطّومار «٧»
стр. 3095
ومنه كامل وغير كامل، فالكامل: الذى إذا جمعت الأقلام كلّها كانت فى غلظه وهو الذى يكتب به على رءوس الدّروج؛ وغير الكامل، هو الطّومار المعتاد؛ فهذه هى الأصول وما يتفرّع عنها. ولهم أيضا أسماء أخر، منها قلم الطور «١» وقلم المنهج، وقلم الطّمغاوات «٢» ، وأسماء غير هذه اصطلح عليها الكتّاب؛ فإذا أتقن الكاتب ما ذكرناه من هذه الأقلام وحرّرها، وعرف أوضاعها وقواعدها، وكيفيّة وضع الحروف، وموضع ترقيقها وتغليظها، والمكان الذى تكتب فيه بسنّ القلم وبصدره، وأين يضع الحرف الآخر منه، إلى غير ذلك من شروطها وقواعدها، واتّصف بما قدّمناه فى المؤدّب من الدّيانة والخير والعفّة وحسن الطريقة وصحّة الاعتقاد والتزام السّنّة، فقد استحقّ أن يتصدّى للتعليم والإفادة، ويتعيّن على الطالب الرجوع إليه، والاقتداء بطريقته، والكتابه على خطّه والتزام توقيفه.
стр. 3096
[الفنّ الثالث «١» فى الحيوان الصامت]
قد جمعت فى هذا الفنّ- أعزّك الله تعالى- من أجناس الحيوان بين الكاسر والكاشر «٢» ، والنافر «٣» والطائر؛ والصائد والصائل، والناهق والصاهل؛ والحامل والحالب، والّلادغ واللّاسب «٤» ؛ والكانس والسانح «٥» ، والراسخ والسائح «٦» ؛ فمن أسد انفرد عظما بنفسه، وترفّع عن الإلمام بما سواه من جنسه؛ إن وطئ أرضا مالت الوحوش عن آثاره، أو قصد جهة نفرت من جواره؛ وإن فغرفاه «٧» أبرز المدى وإن مدّ خطاه قرّب المدى؛ ونمر حديد النّاب، موشّى الإهاب؛ وفهد سريع الوثوب والاختطاف، وكلب إن طفئت النّيران فهو الجالب للأضياف؛ وضبع إن رأت قتيلا طافت به ومالت إليه، وذئب ما رأى بصاحبه دما إلّا أغار عليه؛ إلى غير ذلك من أنواع الوحوش والآرام، والخيل والبغال والأنعام؛ وذوات السّموم القواتل منها وغير القواتل، وأصناف الطّير التى تكون تارة محمولة وتارة حوامل؛ وآونة تختطف من الهواء، وحالة تقتنص الوحش من البيداء؛ وما شاكل منها الكلب
стр. 3097
والبهيمه، وما حبس لسماع صوته فعلت قيمته كلّ قيمه؛ وما ينوح ويغرّد، وما يتلو ويردّد؛ وميّزت كلّ حيوان منها بمحاسنه ومناقبه، ونبذته بمعايبه ومثالبه؛ ولولا خشية الإطاله، لوصفت كلّ حيوان منها برساله؛ لكنّى استغنيت بما ألّفته من منقولى، عمّا أصنّفه من مقولى؛ وعلمت أنّنى أقصر عن حقّ هذه الرتبة فأحجمت وأقف دون بلوغ هذه الحلبة فأمسكت؛ وقد تقدّمنى من بالغ [فى] هذا وأطنب ووجد المقال [فبسط «١» ] القول وأسهب «٢» ، وحاز المعانى فما ترك لسواه مذهب «٣» ؛ فاختصرت عند ذلك المقال، واقتصرت على هذه النّبذة التى أشبهت طيف الخيال؛ ووضعته على أحسن ترتيب، ورتّبته على أجمل تقسيم وتبويب؛ وهو يشتمل على خمسة أقسام.
القسم الأوّل من هذا الفنّ فى السباع وما يتّصل بها من جنسها ،
وفيه ثلاثة [أبواب «٤» ]
الباب الأوّل فى الأسد والببر والنّمر
[ذكر ما قيل في الأسد]
ولنبدأ بذكر أسماء الأسد، ثم نذكر ما قيل فى أصناف الآساد وأجناسها وعاداتها فى افتراسها، وما فيها من الجراءة والجبن، وما وصف به الأسد نظما ونثرا ثم نذكر ما سواه، فنقول- وبالله التوفيق-:
стр. 3098
أمّا أسماء الأسد
- فقد بسط الناس فيها القول وزادوا، فمنهم من عدّ له ألف اسم فما دون ذلك، وقد اقتصرنا منها على أشهرها.
فمن أسمائه: الأسد، والأنثى أسدة ولبؤة؛ والشّبل والحفص: جروه؛ والشّبلة «١» والحفصة «٢» : الأنثى؛ وكناه: أبو الأشبال، وأبو الحارث؛ ومن أسمائه الأعلام:
بيهس «٣» ، وأسامة، وهرثمة، وكهمس؛ ومن صفاته: الصّمّ، والصّمّة، والمصدّر والصّمصامة «٤» ، والهزبر، والقسورة، والدّلهمس، والضّيغم، والغضنفر، والهمام والدّوكس «٥» ، والدّوسك، والعلندس «٦» ، والعنابس «٧» ، والسّيد، والدّرباس، والفرافر
стр. 3099
[والقصاقص «١» ] ، والقضاقض، والرّئبال، والضّيثم؛ والخنابس، وعثمثم، والخنابش «٢» :
اللّبؤة إذا استبان حملها، وكذلك الآفل؛ والهرس «٣» : الشديد المراس «٤» .
وأمّا أصناف الآساد وأجناسها
- فالذى يعرفها الناس منها صنفان:
أحدهما مستدير الجثّة، والآخر طويلها، كثير الشّعر؛ وعدّ أرسطو من هذا النوع ضروبا كثيرة، حكى عن بعض من تكلم فى طبائع الحيوان قبله أنّ فى أرض الهند سبعا- سمّاه باليونانيّة «٥» - فى عظم الأسد وخلقته، ما خلا وجهه فإنّه شبيه بوجه الإنسان ولونه شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، وفى طرفه «٦» حمة «٧» ، وله صوت يشبه صوت الزّمّارة [وهو قوىّ «٨» ] ، ويأكل الناس؛ وذكر أنّ من السباع ما يكون فى عظم الثور وفى خلقته، له قرون سود، طويلها، فى قدر الشّبر، إلّا أنّه [لا «٩» ] يحرّك
стр. 3100
الفكّ الأعلى كما يحرّكه «١» الثّور، ولرجليه أظلاف مشقوقة، وهو قصير الذّنب بالنسبة إلى نوعه، ويحفر الأرض بخرطومه، ويستفّ التراب، وإذا جرح هرب، فإن طلب رمح «٢» برجليه، ورمى برجيعه على بعد.
وأما عاداتها فى حملها ووضعها وحضانتها
«٣» - فقد قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: إنّ أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان يقولون: إنّ اللّبؤة لا تضع إلّا جروا واحدا، وتضعه بضعة «٤» لحم ليس فيها حسّ ولا حركة، فتحرسه من غير حضانة «٥» ثلاثة أيّام، ثم يأتى أبوه بعد ذلك فينفخ فى تلك البضعة المرّة بعد المرّة حتّى تتحرّك وتتنفّس وتنفرج الأعضاء وتشكّل الصورة، ثم تأتيه أمّه فترضعه ولا يفتح عينيه إلّا بعد سبعة أيّام من تخليقه»
؛ واللّبؤة ما دامت ترضع لا يقربها الدّكر ألبتّة؛ فإذا مضى على الجر وستّة أشهر كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريج وطارد الذّكر الأنثى، فإن كانت صارفا «٧» أمكنته من نفسها، وإن لم تكن كذلك منعته
стр. 3101
ودفعته عن نفسها، وبقيت مع جروها بقيّة الحول وستّة أشهر من الثانى، وحينئذ تألف الذّكر وتمكّنه من نفسها؛ والله أعلم.
وأمّا عادتها [فى] وثباتها وثباتها وأفعالها وصبرها وسرعة مشيها وأكلها
- فإنّ للأسد [من] بعد الوثبة، واللّصوق بالأرض، والإسراع فى الحضر اذا هرب، والصبر على الجوع، وقلّة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السّباع؛ قالوا: وربّما سار فى طلب القوت ثلاثين فرسخا، وهو لا يأكل فريسة غيره من السباع، وإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها ولو جهده الجوع، وإذا أكل أكلة يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة امتلائه، ويلقيه بعد ذلك شيئا يابسا مثل جعر «١» الكلب، وإذا بال رفع إحدى رجليه كالكلب، وإذا فقد أكله صعب خلقه، وإذا امتلأ بالطعام فهو وادع، وأكل الجيف أحبّ إليه من أكل اللّحم [الغريض «٢» الغضّ] ، وهو لا يفترس الإنسان للعداوة ولكن للطّعم، فإنّه لو مرّ به وهو شعبان لم يتعرّض له، وهو ينهس «٣» ولا يمضغ، ويوصف بالبخر «٤» ، ولحم الكلب أحبّ اللّحمان إليه، ويقال: إنّ ذلك لحنقه عليه، فإنه إذا أراد التّطواف فى جنبات القرى ألحّ «٥» الكلب فى النّباح عليه والإنذار به، فينهض الناس ويتحرّزون منه، فيرجع
стр. 3102
بالخيبة، فهو إذا أراد ذلك بدأ بالكلب ليأمن إنذاره؛ ومن شأنه أنّه إذا أكثر من أكل اللّحم وحسو الدّم وحلت نفسه منهما، طلب الملح ولو كان بينه «١» وبين عرّيسته «٢» خمسون ميلا.
وأمّا [ما «٣» ] فى الآساد من الجراءة والجبن
فجرأته معروفة مشهوره ،
غير منكوره، فمنها أنّه يقبل على الجمع الكثير من غير فزع ولا اكتراث بأحد ولا مهابة له، وقد شاهدت أنا ذلك عيانا، وهو أنّنى ركبت ليلة فى شوّال سنة اثنتين وسبعمائة من (بيسان «٤» الغور) إلى (قراوى «٥» ) فى نحو خمسة عشر فارسا وجماعة من الرجال بالقسىّ والتّراكيش «٦» - وكانت ليلة مقمرة- فعارضنا أسد، ثمّ بارانا وسايرنا على يمنة طريقنا عن غير بعد، بل أقرب من رشقة حجر، لا أقول: من كفّ قوىّ فكان كذلك مقدار ربع ليلة، فلمّا أيس من الظّفر بأحد منّا لتيقّظنا قصّر عنّا، ثم تركنا إلى جهة أخرى. قالوا: والأسد الأسود أكثر جراءة وجهالة وكلبا على الناس؛ قالوا: وإن ألجئ الأسد إلى الهرب أو أحسّ بالصيّادين تولّى وهو يمشى
стр. 3103
مشيا رفيقا، وهو مع ذلك متلّفت «١» يظهر عدم الاكتراث، فإن تمكّن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا يأمن فيه، فإذا علم أنّه أمن مشى متّئدا، وإن كان فى سهل وألجئ إلى الهرب جرى جريا شديدا كالكلب، وإن رماه أحد ولم يصبه شدّ عليه، فإن أخذه لم يضرّه، وإنّما يخدشه ثمّ يخلّيه، كأنّه منّ عليه بعد الظّفر به وهو إذا شمّ أثر الصيّادين عفا أثره بذنبه.
وأمّا جبنه
- فمنه أنّه يذعر من صوت الدّيك، ومن نقر الطّست وحسّ الطّنبور «٢» ، ويفزع من رؤية الحبل الأسود والديك الأبيض والسّنّور والفأرة، ويدهش لضوء النار، ويعتريه ما يعترى الظّباء والوحوش من الحيرة عند رؤيتها وإدمان النظر اليها والتعجّب منها، حتى يشغله ذلك عن التحفّظ والتيقّظ.
قالوا: والأسد لا يألف شيئا من السّباع، لأنّه لا يرى له فيها كفؤا فيصحبه، ولا يطأ شىء منها على أثر مشيه، ومتى وضع جلد الأسد مع سائر جلودها تساقطت شعورها؛ والأسد لا يدنو من المرأة الطامث «٣» ، وهو إذا مسّ بقوائمه شجر البلّوط «٤» خدر «٥» ولم يتحرّك من مكانه، وإذا غمره الماء ضعف وبطلت قواه، فربّما ركب الصبىّ على ظهره وقبض على أذنيه ولا يستطيع عن نفسه دفاعا؛ وأخبرنى بعض من سكن
стр. 3104
غور «١» الشأم أنّ بعض الغوارنة «٢» رأى أسدا فى بعض الأيام وهو رابض على حافة نهر الأردنّ «٣» ، وظهره إلى الماء، وذنبه فيه، وهو يرشّ على ظهره وجنبيه بذنبه وكان الغورىّ من جانب الشّريعة «٤» [الآخر «٥» ] فبادر بعبور الماء، وعدّى الى جهة الأسد برفق وسكون حتّى صار وراءه، ثم قبض الغورىّ على مرقّى فخذى الأسد وجذبه إلى الماء، فهمّ الأسد بالوثوب وضرب الأرض بيديه، فانسحل «٦» الرمل من
стр. 3105
تحتهما، ولم يستطع إثباتهما عليه، فانحدر إلى الماء، وركبه الغورىّ، وقبض على أذنيه، وضربه بسكّين معه فقتله؛ والغوارنة «١» تتحيّل على قتل السباع بأمور كثيرة مواجهة، والذى وقع لهذا الرجل نادر الوقوع لم أسمع أنّه وقع لغيره، وهو أمر مستفاض «٢» عند الغوارنة «٣» .
قالوا: والأسد لا تفارقه الحمّى، ولذلك الأطبّاء يسمّونها داء الأسد، وعظامه عاسية «٤» جدّا، وإن دلك بعضها ببعض خرجت منها النّار كما تخرج من الحجارة وكذلك فى جلده من القوّة والصّلابة ما لا يعمل فيه السلاح إلّا من مراقّ «٥» بطنه؛ والأسد طويل العمر؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ شحم الأسد يحلّل الأورام الصّلبة.
стр. 3106
ذكر شىء مما وصف به الأسد نثرا ونظما
قال أبو زبيد الطائىّ يصفه لعثمان بن عفّان- رضى الله عنه- وكان قد لقيه: أقبل يتضالع «١» من بغيه، ولصدره نحيط «٢» ، ولبلاعيمه غطيط «٣» ؛ ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض «٤» ؛ كأنّما يخبط هشيما، أو يطأ صريما «٥» ؛ وإذا «٦» هامة كالمجنّ «٧» ، وخدّ كالمسنّ؛ وعينان سجراوان «٨» ، كأنّهما سراجان؛ وقصرة «٩» ربله «١٠» ، ولهزمة «١١» رهله؛ وساعد
стр. 3107
مجدول، وعضد مفتول؛ وكفّ شثنة «١» البراثن، ومخالب كالمحاجن «٢» ؛ وفم أشدق «٣» كالغار الأخرق «٤» ؛ يفترّ عن معاول مصقوله، غير مفلوله؛ فهجهجنا «٥» به ففرفر «٦» وبربر «٧» ، ثمّ زأر فجرجر؛ ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من جفونه، عن شماله ويمينه؛ فأرعشت الأيدى، واصطكّت الأرجل؛ وحجظت «٨» العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون.
ووصفه بعض الأعراب «٩» فقال: له عينان حمراوان مثل وهج الشّرر، كأنّما نقرتا بالمناقير فى عرض حجر؛ لونه ورد، وزئيره رعد؛ هامته عظيمه، وجبهته
стр. 3108
شتيمه «١» ؛ نابه شديد، وشره عتيد «٢» ؛ إذا استقبلته قلت: أقرع، وإذا استدبرته قلت:
أفرع «٣» ؛ لا يهاب إذ اللّيل عسعس «٤» ، ولا يجبن إذا الصبح تنفّس؛ ثم أنشد:
عبوس شموس مصلخدّ «٥» مكابر «٦» ... جرىء على الأقران للقرن قاهر
براثنه شثن «٧» وعيناه فى الدّجى ... كجمر الغضى فى وجهه الشرّ طائر
يدلّ بأنياب حداد كأنّها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر
ومن التهويلات فى وصف الأسد قول الشاعر:
إيّاك لا تستوش «٨» ليثا مخدرا «٩» ... للهول فى غسق الدّجى دوّاسا
مرسا «١٠» كأمراس «١١» القليب جدوله «١٢» ... لا يستطيع له الأنام مراسا
стр. 3109
شثن البراثن كالمحاجن عطّفت ... أظفاره فتخالها أقواسا
لان الحديد لجلده فإهابه ... يكفيه من دون الحديد لباسا
مصطكّة أرساغه بعظامه ... فكأنّ بين فصولها «١» أجراسا
وإذا نظرت إلى وميض جفونه ... أبصرت بين شفورها «٢» مقباسا
وقال آخر:
توقّ- وقاك «٣» ربّ الناس- ليثا ... حديد النّاب والأظفار وردا
كأنّ بملتقى اللّحيين منه ... مذرّبة «٤» الأسنّة أو أحدا
وتحسب لمح عينيه هدوءا «٥» ... ورجع زئيره برقا ورعدا
تهاب الأسد حين تراه منه «٦» ... اذا لاقينه «٧» فى الغاب فردا
تصدّ عن الفرائس حين يبدو ... وكانت قبل تانف أن تصدّا
стр. 3110
وقال أبو الطّيّب المتنبّى- ﵀:
ورد إذا ورد البحيرة «١» واردا «٢» ... ورد الفرات زئيره والنّيلا
متخضّب بدم الفوارس لابس ... فى غيله «٣» من لبدتيه غيلا
فى وحدة الرّهبان إلّا أنّه ... لا يعرف التحريم والتّحليلا
وقعت على الأردنّ «٤» منه بليّة ... نظمت «٥» بها هام الرفاق تلولا
يطأ البرى «٦» مترفّقا «٧» من تيهه ... فكأنّه آس يجسّ عليلا
ويردّ غفرته «٨» إلى يافوخه ... حتّى تصير لرأسه إكليلا
стр. 3111
قصرت مخافته الخطا فكأنّما ... ركب الكمىّ جواده مشكولا
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
وليث مقيم فى غياض منيعة ... أمير على الوحش المقيمة فى القفر
يوسّد شبليه لحوم فوارس ... ويقطع كاللّصّ السبيل على السّفر
هزبرله فى فيه نار وشفرة ... فما يشتوى لحم القتيل على الجمر
سراجاه عيناه إذا أظلم الدّجى ... فإن بات يسرى باتت الوحش لا تسرى
له جبهة مثل المجنّ ومعطس ... كأنّ على أرجائه صبغة الحبر «١»
يصلصل «٢» رعد من عظيم زئيره ... ويلمع برق من حماليقه «٣» الحمر
له ذنب مستنبط منه سوطه ... ترى الأرض منه وهى مضروبة الظهر
ويضرب جنبيه به فكأنّما ... له فيهما طبل يحضّ على الكرّ
ويضحك فى التّعبيس فكّيه عن مدى ... نيوب «٤» صلاب ليس تهتمّ بالفهر «٥»
يصول بكفّ عرض شبرين عرضها ... خناجرها أمضى من القضب البتر
يجرّد منها كلّ ظفر كأنّه ... هلال بدا للعين فى أوّل الشهر.
وقال بشر بن عوانة الفقعسىّ «٦» يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما:
أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
стр. 3112
إذا لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس «١» إذ تقاعس «٢» عنه مهرى ... محاذرة فقلت: عقرت مهرا
أنل قدمىّ ظهر الأرض إنّى ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالا ... مذرّبة «٣» ووجها مكفهرّا
يدلّ بمخلب وبحدّ ناب ... وباللّحظات تحسبهنّ جمرا
وفى يمناى ماضى الحدّ أبقى ... بمضربه قراع الموت أثرا «٤»
ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة «٥» غداة لقيت عمرا
وقلبى مثل قلبك لست «٦» أخشى ... مصاولة ولست «٧» أخاف ذعرا
стр. 3113
وأنت تروم للأشبال قوتا ... وأطلب «١» لابنة الأعمام مهرا
ففيم تروم مثلى أن يولّى ... ويترك فى يديك النفس قسرا «٢» ؟!
نصحتك فالتمس يا ليث غيرى ... طعاما إنّ لحمى كان مرّا
ولمّا ظنّ أنّ الغشّ نصحى ... وخالفنى كأنّى قلت هجرا
دنا «٣» ودنوت من أسدين «٤» راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا
يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب علىّ أخرى
هززت له الحسام فخلت أنّى ... شققت «٥» به من الظلماء فجرا
حساما لو رميت به المنايا ... لجاءت نحوه تعطيه عذرا
وجدت له بجائفة»
رآها ... بمن كذبته ما منّته غدرا «٧»
стр. 3114
بضربة فيصل تركته شفعا ... وكان كأنّه الجلمود وترا
فخرّ مضرّجا بدم كأنّى ... هدمت به بناء مشمخرّا
وقلت له: يعزّ علىّ أنّى ... قتلت مناسبى جلدا وقهرا
ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا
تحاول أن تعلّمنى فرارا ... لعمر أبيك قد حاولت نكرا
فلا تبعد لقد لاقاك حرّ ... يحاذر أن يعاب فمتّ حرّا
وأمّا الببر [وما قيل «١» فيه]
فهو سبع هندىّ، ويقال: حبشىّ؛ وهو فى صورة أسد كبير، أزبّ «٢» ملمّع بصفرة وسواد، ويقال: إنّه متولّد بين الزّبرقان «٣» واللّبؤة؛ وفى طبعه أنّه يسالم النّمر وغيره من السباع ما لم يستكلب، فاذا استكلب خافه كلّ شىء كان يسالمه، وهو والأسد متوادّان أبدا، ومودّته معه كمودّة الخنافس والعقارب والحيّات والوزغ؛ ويقال: إنّ الأنثى منه تلقح بالريح، ولهذا يقال: إنّ عدوه يشبه الرّيح سرعة، ولا يقدر أحد على صيده؛ وإنّما تسرق جراؤه فتحمل فى مثل القوارير من زجاج، ويركض بها على الخيول السوابق، فإن أدركهم أبوها رمى اليه بقارورة منها، فيشتغل بالنظر إليها والفكرة «٤»
стр. 3115
فى إخراج جروه منها، فيفوته الآخذ لها؛ وزعم قوم أنه إذا استكلب ورآه الأسد رقد له حتّى يبول فى أذنه خوفا منه ورهبة له؛ هكذا نقل صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر، ولم أقف على شعر فى وصف الببر ولا رسالة فأوردها.
ذكر ما قيل فى النّمر
والنّمر له أسماء، منها السّبندى والسّبنتى، والطرح «١» : [ولده «٢» ] ، وجمعه طروح؛ والتلوة «٣» والختعة: [الأنثى «٤» ] .
وزعم أهل البحث عن طبائع الحيوان والاطّلاع على أسراره أنّ النّمرة لا تضع ولدها إلّا وهو مطوّق بأفعى، وهى تعيّث «٥» وتنهش «٦» إلّا أنّها لا تقتل؛ وفى طبع النّمر وعادته أنّه يشبع لثلاثة أيّام، ويقطعها بالنوم، ثمّ يخرج فى اليوم الرابع، ومتى لم يصد لم يأكل، ولا يأكل من صيد غيره كالأسد، وينزّه نفسه عن أكل الجيف ولو مات جوعا؛ وهو لا يأكل لحوم الناس إلّا للتداوى من داء يصيبه؛ وفيه
стр. 3116
زعارّة «١» خلق، وحدّة نفس، وتجهّم وجه، وشدّة غيظ، ولهذا يقال فى الرجل إذا اشتدّ غضبه وكثر غيظه على عدوّه: «لبس له جلد النّمر» ، أى «٢» تخلّق بأخلاقه؛ والنّمر بعيد الوثبة، وربّما وثب أربعين ذراعا صعودا إلى مجثمه الذى يأوى اليه، وقد شوهد وهو يثب فى اللّيل فيصير فى داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزّريبة، ثمّ يثب فيسبقها إلى الأرض، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض؛ ومن خصائصه الغريبة أنّ المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان، ويقصده ليبول عليه، فإن ظفر به وبال عليه مات؛ والناس يحترزون على من يجرحه النّمر غاية الاحتراز، والفأر يطلب المجروح كلّ الطلب، ومن أعجب ما سمعت أنّ إنسانا جرحه النّمر فاحترز على نفسه من الفأر، فركب فى مركب، ووقف به فى الماء وقد وثق بذلك، وظنّ أنّ الفأر لا يصل إليه، فاتّفق لنفوذ القضاء المقدّر الذى لا حيلة فى دفعه أنّ حدأة اختطفت فأرا من الأرض، وطارت فخاذت المجروح فلمّا سامته الفأر بال عليه فمات. وقد وجد فى بعض الكتب القديمة: أنّ النّمر إذا عضّ إنسانا أخذ زهر السّمّاق «٣» ودلك به الجرح، فإنّ الفأر لا يقاربه، ويكون فى ذلك شفاؤه؛ وأخبرنى من عاين ذلك عند التّجربة؛ والنّمر يحبّ شرب الخمر، وبها يصاد، فإنه اذا سكر نام؛ وزعموا أنّه يتولّد بينه وبين اللّبؤة سبع يسمّى الذراع «٤» على قدر الذئب العظيم، كثير الجراءة، لا يأوى معه شىء من السباع والوحوش.
стр. 3117
ووصف كشاجم النّمر من طرديّة «١» فقال:
وكالح كالمغضب المهيج ... جهم المحيّا ظاهر النّشيج «٢»
يكشر عن مثل مدى العلوج «٣» ... أو كشبا أسنّة الوشيج
مدبّج الجلد بلا تدبيج ... كأنّه من نمط «٤» منسوج
تريك فيه لمع التدريج ... كواكبا لم تك فى بروج
ولم أقف فى وصف النّمر على غير ذلك فأذكره.
стр. 3118
الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى الفهد والكلب والذئب والضبع والنّمس
ذكر ما قيل فى الفهد
يقال للذّكر: الفهد، وللأنثى: فهدة «وهما البنّة، ولذلك يكنى أبابنّة «١» » ، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة «٢» ؛ قال أرسطو: إنّ الفهد متولّد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إنّ الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنا عليها كلّ ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فاذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لنفسها، حتى اذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يضرب المثل فى شدّة النوم؛ قال بعض الشعراء:
رقدت مقلتى وقلبى يقظا ... ن يحسّ الأمور حسّا شديدا
يحمد النّوم فى الجواد كمالا ... يمنع الفهد «٣» نومه أن يصيدا
стр. 3119
وقال الجاحظ: قال صاحب «١» المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذى يقال له:
(خانقة الفهود) أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهى رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها «٢» ، وربّما قرب بعضها من بعض فيطمع الفهد فى نفسه، فإذا أراده الفهد «٣» وثب عليه السبع «٤» فأكله؛ قالوا: وليس شىء فى الحيوان فى جرم الفهد إلّا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور؛ ومن خلق الفهد الحياء، وذلك أنّ الرّجل يمرّ بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثّفر «٥» قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أوّل من صاد بالفهد كليب وائل، وقيل: همّام بن مرّة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وأكثر من اشتهر باللّعب بها أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدّعوة العبّاسيّة، وأوّل من استسنّ حلقة «٦» الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التى توجد فيها الفهود ما يلى بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلى
стр. 3120
الحجاز إلى العراق، وما يلى بلاد الهند الى تبّت «١» ، وتوجد أيضا فى برّيّة عيذاب من أعمال قوص من الدّيار المصريّة.
وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى فى رسالة طرديّة «٢» جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المروق؛ وأثقف «٣» من اللّيوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خمص الخصور قبّ «٤» البطون، رقش «٥» المتون؛ حمر الآماق خزر «٦» الأحداق، هرت «٧» الأشداق؛ عراض الجباه غلب «٨» الرّقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظّباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشمّ روائحها وأبشارها.
следующие страницы →